

-
51) وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج
وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا
* الفرقان:53*
هـذه الآية الكريمة جاءت في مطلع الثلث الأخير من سورة الفرقان, وهي سورة مكية, وآياتها سبع وسبعون, وقد سميت بهذا الاسم الكريم( الفرقان), وهو اسم من أسماء القرآن العظيم, لكونه فارقا بين الحق والباطل..
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة الإسلامية, ومن ركائزها: تنزيه الله( تعالي) عن كل وصف لا يليق بجلاله من مثل نسبة الولد زورا إليه, والادعاء الباطل بوجود شركاء له في ملكه, والهروب من الاعتراف بالحقيقة الجلية أنه تعالي خالق كل شيء بتقدير دقيق, وحكمة بالغة, وأن له( وحده) ملك السماوات والأرض دون شريك, ولا شبيه, ولا منازع, وهي من صفات الألوهية الحقة..
وتبدأ سورة الفرقان بتمجيد الله وتعظيمه, وبالتأكيد علي أنه( تعالي) هو الذي أنزل القرآن الكريم علي خاتم أنبيائه ورسله( صلي الله عليه وسلم) فارقا بين الحق والباطل ليكون نذيرا للعالمين, في كل وقت وفي كل حين; وتنعي السورة الكريمة علي الذين كفروا إنكارهم لتلك الحقيقة القائمة, وتطاولهم علي كل من كتاب الله وخاتم الأنبياء والمرسلين, وإنكارهم ليوم الدين, وترد عليهم بقول الحق( تبارك وتعالي):
قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما
[الفرقان:6].
كذلك تنعي عليهم تعنتهم بالاعتراض علي بشرية خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم), وعلي محدودية حظه من المال, وعلي تنزل القرآن منجما, وقد أنزل كل من الكتب السابقة دفعة واحدة; وتطاولهم بطلب الرسالة السماوية من الملائكة مباشرة; أو طلب رؤية الله جهرة حتي يؤمنوا به, وهي صورة من صور الصلف الكافر الذي لا يفهم لمدلولات كل من الألوهية والنبوة والرسالة, حقيقة ولا معني صحيحا...!!
وتعرض السورة الكريمة لشيء من مشاهد الآخرة, ولعذاب الكافرين في نار جهنم, وتقارن بين هذا العذاب المهين, وبين تكريم الله للمتقين في جنات النعيم...!!
كما تعرض لمصارع المكذبين في عدد من الأمم السابقة علي هذه الأرض, وإلي شيء من مصائرهم يوم القيامة, وندمهم علي ما قد فرطوا فيه من حقوق الله وحقوق عباده, وعلي انصرافهم عن اتباع الرسول الخاتم والنبي الخاتم( صلي الله عليه وسلم), وتوليهم لأهل الكفر والشرك والضلال, اتباعا لغواية الشيطان, ولغواية الغاوين من بني الإنسان, وعبادة لهوي النفس الذي يعمي ويصم عن رؤية الحق, وعن الاستماع إلي حجيته ومنطقه فيهوي ذلك بالإنسان إلي ما دون مستوي البهائم..!!
ويشكو المصطفي( صلي الله عليه وسلم) إلي ربه هجر قومه للقرآن الكريم, وهذه الشكوي كما كانت قائمة في زمن النبوة تظل قائمة في كل زمان يهجر فيه القرآن, ويقصي عن مناط الحكم والتشريع...!!
وتعرج سورة الفرقان إلي تخفيف الأمر عن رسول الله( صلي الله عليه وسلم) بتذكيره بأن كافة الأنبياء والمرسلين من قبله قد جوبهوا من قبل أهل الكفر والضلال بعداوة شديدة, وبالتأكيد له علي أن الله( تعالي) عالم بذلك, مطلع عليه, ومجاز به, وتوصيه بالصبر والمصابرة, وبمجاهدة الكافرين بما في القرآن العظيم من حق أبلج, وتعينه علي ذلك بأمره بالتوكل علي الله( تعالي), الحي الذي لا يموت, وبالتسبيح دوما بحمده, وتعيد إلي ذاكرته( صلي الله عليه وسلم) أن دوره هو دور البشير النذير..
وتقرر السورة الكريمة أن من صلف الكافرين وتطاولهم وضلالهم إنكار الله الخالق( سبحانه وتعالي) وعبادة من دونه ما لا ينفعهم ولا يضرهم, وفي ذلك يقول الحق( تبارك وتعالي):
ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر علي ربه ظهيرا
[الفرقان:55]..
ويقول( عز من قائل):
وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا[ الفرقان:60].
وفي المقابل تنتقل السورة الكريمة إلي استعراض عدد من صفات عباد الرحمن, في مقارنة رائعة بين صفات أهل الحق وصفات أهل الباطل, مؤكدة جزاء الصالحين بالخلود في جنات النعيم, في حفاوة وتكريم من الله وملائكته, وتنتهي بتأكيد هوان البشرية كلها علي الله( تعالي) لولا تلك الطائفة القليلة من عباده الصالحين الذين يعرفون معني الألوهية والربوبية الحقة لجلال الله الخالق( سبحانه وتعالي) فيجأرون بالدعاء له طلبا لرحمته ورضوانه, أما الغالبية الساحقة من البشر الذين كفروا بالله, أو أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا, واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا, لأن الله( تعالي) قد تعهد أن يجزيهم بسوء أعمالهم جزاء ملزما..
وفي معرض الاستشهاد علي صدق ما جاء بهذه السورة المباركة وردت الإشارة إلي العديد من الآيات الكونية التي منها:
(1) أن الله( تعالي) هو خالق كل شيء ومقدره تقديرا وفق علمه وحكمته وقدرته, وأنه( تعالي) هو الذي يعلم السر في السماوات والأرض.
(2) أن تشقق السماء بالغمام من بدايات انهيار النظام الكوني.
(3) الإشارة إلي دوران الأرض حول محورها بمد الظل وقبضه.
(4) تخصيص الليل للنوم والراحة, وتخصيص النهار لليقظة والجري وراء المعايش.
(5) أن الله( تعالي) هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته, وأنه( سبحانه وتعالي) هو الذي ينزل من السماء ماء طهورا ليحيي به أرضا ميتة, ويسقيه مما خلق أنعاما وأناسي كثيرا.
(6) أن الله( تعالي) هو... الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا.
(7) أن الله( تعالي) هو... الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا....
(8) أن الله( تعالي) هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام( أي ست مراحل متتالية).
(9) أن الله( تعالي) هو... الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا.
(10) أن الله( تعالي) هو... الذي جعل الليل والنهار خلفة... وهي إشارة ضمنية رقيقة إلي حقيقة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس.
وكل آية من هذه الآيات الكونية العشر تحتاج إلي مناقشة موضوعية خاصة بها, ولما كان المقام لا يتسع لذلك أجدني مضطرا لقصر الحديث هنا علي آية واحدة منها ألا وهي الآية الثالثة والخمسون المشار إليها هنا في النقطة السادسة أعلاه, التي تصف التقاء ماء النهر العذب الفرات بماء البحر الملح الأجاج, وقبل الولوج في ذلك أري لزاما علي أن أعرض لعدد من أقوال المفسرين السابقين في شرح هذه الآية الكريمة, ولشرح دلالات الغريب من ألفاظها علي مسامع أهل عصرنا الذي نسي كثير من العرب فيه لغتهم الأم ولغة كتاب دينهم العظيم.
من أقوال المفسرين
في تفسير الآية الكريمة التي يقول فيها ربنا( تبارك وتعالي): وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا( الفرقان:53)..
ذكرابن كثير( يرحمه الله) ما نصه:... وقوله تعالي:( وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج) أي خلق الماءين الحلو والمالح, فالحلو كالأنهار والعيون والآبار. قاله ابن جريج واختاره, وهذا المعني لا شك فيه, فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات, والله( سبحانه وتعالي) إنما أخبر بالواقع لينبه العباد إلي نعمه عليهم ليشكروه, فالبحر العذب فرقه الله تعالي بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارا أو عيونا في كل أرض, بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم, وقوله تعالي:( وهذا ملح أجاج) أي مالح, مر, زعاف لا يستساغ, وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب, البحر المحيط وبحر فارس وبحر الصين والهند وبحر الروم وبحر الخزر, وما شاكلها وشابهها من البحار الساكنة التي لا تجري, ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح, ومنها ما فيه مد وجزر, ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض, فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتي ترجع إلي غايتها الأولي, فأجري الله( سبحانه وتعالي) ـوهو ذو القدرة التامةـ العادة بذلك; فكل هذه البحار الساكنة خلقها الله( سبحانه وتعالي) مالحة لئلا يحصل بسببها نتن الهواء, فيفسد الوجود بذلك, ولئلا تجوي الأرض بما يموت فيها من الحيوان, ولما كان ماؤها ملحا كان هواؤها صحيحا وميتتها طيبة, ولهذا قال رسول الله( صلي الله عليه وسلم) وقد سئل عن ماء البحر: أنتوضأ به؟ فقال:( هو الطهور ماؤه, الحل ميتته). وقوله تعالي:( وجعل بينهما برزخا وحجرا) أي بين العذب والمالح, وبرزخا أي حاجزا وهو اليبس من الأرض( وحجرا محجورا) أي مانعا من أن يصل أحدهما إلي الآخر كقوله تعالي:( مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان), وقوله تعالي:( وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون).....
وجاء في تفسير الجلالين( رحم الله كاتبيه) ما نصه:( وهو الذي مرج البحرين) أرسلهما متجاورين( هذا عذب فرات) شديد العذوبة( وهذا ملح أجاج) شديد الملوحة( وجعل بينهما برزخا) حاجزا لا يختلط أحدهما بالآخر( وحجرا محجورا) سترا ممنوعا به اختلاطهما.....
وجاء في تفسير الظلال( رحم الله كاتبه) ما نصه:... وهو الذي ترك البحرين, الفرات العذب والملح المر, يجريان ويلتقيان, فلا يختلطان ولا يمتزجان, إنما يكون بينهما برزخ وحاجز من طبيعتهما التي فطرها الله. فمجاري الأنهار غالبا أعلي من سطح البحر, ومن ثم فالنهر العذب هو الذي يصب في البحر الملح, ولا يقع العكس إلا شذوذا, وبهذا التقدير الدقيق لا يطغي البحر ـوهو أضخم وأغزرـ علي النهر الذي منه الحياة للناس والأنعام والنبات, ولا يكون هذا التقدير مصادفة عابرة وهو يطرد هذا الاطراد. إنما يتم بإرادة الخالق الذي أنشأ هذا الكون لغاية تحققها نواميسه في دقة وإحكام..
وقد روعي في نواميس هذا الكون ألا تطغي مياه المحيطات الملحة لا علي الأنهار ولا علي اليابسة حتي في حالات المد والجزر التي تحدث من جاذبية القمر للماء الذي علي سطح الأرض, ويرتفع بها الماء ارتفاعا عظيما..
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن( رحم الله كاتبه) ما نصه:( مرج البحرين...) أرسل البحرين: العذب والملح في مجاريهما متجاورين; كما ترسل الخيل في المرج. يقال: مرج الدابة يمرجها, أرسلها ترعي. أو خلطهما فأمرج أحدهما في الآخر وأفاضه فيه; من المرج وأصله الخلط. يقال: مرج أمرهم يمرج, اختلط; ومنه قيل للمرعي: مرج; لاجتماع أخلاط من الدواب فيه.
( عذب فرات) شديد العذوبة, مائل إلي الحلاوة وهو ماء الأنهار. وسمي فراتا لأنه يفرت العطش, أي يقطعه ويكسره.( ملح أجاج) شديد الملوحة والمرارة, وهو ماء البحار. سمي أجاجا من الأجيج وهو تلهب النار, لأن شربه بزيد العطش.( وبرزخا) حاجزا عظيما من الأرض, يمنع بغي أحدهما علي الآخر; لحفظ حياة الإنسان والنبات; كما قال تعالي:( بينهما برزخ لا يبغيان).( وحجرا محجورا) أي وجعل كل واحد منهما حراما محرما علي الآخر أن يفسده. والمراد: لزوم كل منهما صفته; فلا ينقلب العذب في مكانه ملحا ولا الملح في مكانه عذبا..
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم( جزاهم الله خيرا) ما نصه: والله هو الذي أجري البحرين: البحر العذب والبحر الملح, وجعل المجري لكل واحد يجاور المجري الآخر, ومع ذلك لا يختلطان, نعمة ورحمة بالناس..
وجاء في تعليق الخبراء العلميين بالهامش ما يلي:.. قد تشير هذه الآية إلي نعمة الله علي عباده بعدم اختلاط الماء الملح المتسرب من البحار في الصخور القريبة من الشاطئ بالماء العذب المتسرب إليها من البر اختلاطا تاما بل إنهما يلتقيان مجرد تلاق يطفو العذب منها فوق الملح كأن بينهما برزخا يمنع بغي أحدهما علي الآخر, وحجرا محجورا, أي حاجزا خفيا مستورا لا نراه..
وليس هذا فقط بل إن هناك قانونا ثابتا يحكم هذه العلاقة ويتحكم فيها لمصلحة البشر ممن يسكنون في تلك المناطق وتتوقف حياتهم علي توافر الماء العذب, فقد ثبت أن طبقة الماء العذب العليا يزداد سمكها مع زيادة الارتفاع عن منسوب البحر بعلاقة منتظمة حتي إنه يمكن حساب العمق الأقصي للماء العذب الذي يمكن الوصول إليه. فهو يساوي قدر الفرق بين منسوب الأرض ومنسوب البحر أربعين مرة..
وجاء في صفوة التفاسير( جزي الله كاتبه خير الجزاء) ما نصه:( وهو الذي مرج البحرين) أي هو تعالي بقدرته خلي وأرسل البحرين متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان( هذا عذب فرات) أي شديد العذوبة قاطع للعطش من فرط عذوبته( وهذا ملح أجاج) أي بليغ الملوحة, مر شديد المرارة( وجعل بينهما برزخا) أي جعل بينهما حاجزا من قدرته لا يغلب أحدهما علي الآخر( وحجرا محجورا) أي ومنعا من وصول أثر أحدهما إلي الآخر وامتزاجه به.....
الدلالات اللفظية لبعض كلمات الآية الكريمة
(1)( مرج): ذكرت معاجم اللغة( كمعجم ابن فارس) أن الميم, والراء, والجيم أصل صحيح يدل علي المجيء والذهاب والاضطراب, وقالوا:( مرج) الخاتم في الإصبع أي قلق واضطرب لاتساعه عن حجم الإصبع; ومنه قيل:( مرجت) أمانات القوم وعهودهم أي اضطربت واختلطت; و(مرج) الأمر اختلط, ومنه الهرج والمرج, وأمر( مريج) أي مختلط, و(المرج) في اللغة هو مرعي الدواب, أي الأرض التي يكثر فيها النبات فتمرج فيه الدواب وتختلط; ولذلك قيل:( مرج) الدابة و(أمرجها) أي أرسلها ترعي وتختلط بغيرها من الحيوانات في المرعي فـ(مرجت), لأن أصل( المرج) هو الخلط, و(المروج) هو الاختلاط, وقوله( تعالي):( مرج البحرين) أي أفاض أحدهما بالآخر, وجعلهما يختلطان دون امتزاج كامل أي دون أن يلتبس أحدهما بالآخر التباسا كاملا..
و(مارج) من نار أي: لهب من نيران مختلطة لا دخان لها..
(2)( عذب فرات): الماء( العذب) هو الماء الطيب المذاق, و(الفرات) هو الشديد العذوبة; والبحر العذب الفرات هو النهر لشدة عذوبة مائه.
(3)( ملح أجاج): الماء( الملح الأجاج) هو, الماء شديد الملوحة والمرارة; وما كان من الماء( ملحا أجاجا) هو ماء البحر علي اختلاف درجات ملوحته.
يقال:( ملح) القدر أي: طرح فيها الملح بقدر, و(أملحها) أي: أفسدها بالملح, و(ملحها تمليحا) مثله..
ويقال:( ملح) الماء( بالفتح والضم) فهو ماء( ملح); وقليب( مليح) أي: ماؤه قليل الملوحة; و(الملاحة) منبت الملح; و(المملحة)( بكسر الميم) ما يجعل فيه( الملح); و(الملاح) صاحب السفينة..
ويقال:( أجج) النار أي: زادها اشتعالا وتلهبا, لأن( الأجج) هو تلهب النيران, من( أجت) النار( تؤج)( أجيجا) و(أجوجا), و(أججها) غيرها( فاتجت) و(تأججت), وسمي الماء الشديد الملوحة( بالأجاج) لأنه يحرق معي الإنسان إذا شربه من شدة ملوحته.
(4)( برزخ):( البرزخ) هو الحاجز والحد بين الشيئين; وهو أيضا ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلي البعث, فمن مات فقد دخل البرزخ; وفي تفسير قوله( تعالي):( وجعل بينهما برزخا...) قال عدد من المفسرين هو حاجز من الأرض, وقال البعض الآخر هو حاجز أو حائل أو مانع من قدرة الله( تعالي) لا يراه أحد من الناس.
(5)( الحجر المحجور): هو الحرام المحرم, و(الحجر)( بكسر الحاء وضمها وفتحها) هو المنع والتضييق. يقال:( حجر) القاضي عليه أي: منعه عن التصرف في ماله; و(حجر) الإنسان( بكسر الحاء وفتحها) واحد( الحجور), ويقال:( احتجر حجرة) أي: اتخذها مسكنا, والجمع( حجر), و(حجرات)..
و(الحجر) أيضا هو العقل لأنه يحجر صاحبه ويمنعه من الجري وراء شهواته والتهافت علي ما لا ينبغي له, ويضبطه ويقهره علي ذلك.
الدلالة العلمية للآية الكريمة
تطلق لفظة( البحر) في اللغة العربية علي كل من النهر ذي الماء العذب, والبحر ذي الماء المالح; ولولا أن الله( تعالي) قد صمم الأنهار لتفيض من تضاريس القارات المرتفعة فوق مستوي سطح البحر فتلقي بمائها العذب وبماتحمله من رسوبيات في هذا الخضم المالح, ولولا هذا النظام المحكم والمبهر في ترتيب مستويات كل من اليابسة وقيعان البحار والمحيطات لطغي ماء البحر المالح علي اليابسة بما فيها من ماء عذب, وأفسدها إفسادا كاملا, ودمر كل صور الحياة فيها; وليس هذا من قبيل الخيال العلمي, فقد مرت علي الأرض فترات عديدة طغت البحار فيها علي اليابسة إلي مسافات تزيد علي حدودها الحالية بمئات من الكيلو مترات, وذلك بارتفاع منسوب الماء في البحار والمحيطات, بل إن الأرض قد بدأت بمحيط غامر غمرا كاملا لسطحها, ثم بدأت اليابسة في التكون بفعل الأنشطة البركانية المندفعة من قاع ذلك المحيط الغامر علي هيئة جزيرة بركانية ظلت تنمو حتي كونت القارة الأم, التي بدأت في التفتت إلي مكوناتها الحالية من القارات السبع منذ نحو مائتي مليون سنة مضت..
ومع استمرار نشاط الحركات الداخلية للأرض, وانعكاس ذلك علي تحرك ألواح غلافها الصخري, وما صاحبه من هزات أرضية, وثورات بركانية ومتداخلات نارية, تكونت السلاسل الجبلية التي أعطت سطح الأرض تضاريسه الشامخة, ولولا تلك التضاريس ما كان من الممكن فصل الماء العذب عن الماء المالح أبدا..
ومع دورة الماء حول الأرض ـالتي تحركها بتدبير من الله( تعالي) كل من حرارة الشمس, وتصريف الرياح, وإزجاء السحب, والتأليف بينها, وبسطها أو ركمها, وتكثف قطرات الماء فيها, وإنزال المطر أو البرد أو الثلج منها بإذن الله, وحيثما شاء وبالقدر المقسومـ تشكل سطح الأرض, وشقت الفجاج والسبل, وسالت الأنهار والجداول, وتدفق الماء في الأودية, ودارت دورات عديدة علي سطح الأرض, ولولا ذلك لفسد ماء الأرض منذ اللحظة الأولي لخروجه من داخلها..
دورة الماء حول الأرض
تبخر أشعة الشمس سنويا بتقدير من الله( تعالي) ما مجموعه(380.000) كيلو متر مكعب من الماء من أسطح كل من البحار والمحيطات(320.000 كيلو متر مكعب), ومن اليابسة بما عليها من مسطحات مائية وجليد, وكائنات(60.000 كيلو متر مكعب), وهذا القدر من بخار الماء يتكثف في نطاق التغيرات المناخية( نطاق الرجع) الذي يشكل الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض فيعود إليها مطرا أو ثلجا أو بردا(284.000 كم3 منها تنزل علي البحار والمحيطات, و96.000كم3 تنزل علي اليابسة) والفارق وقدره(36.000 كم3) من الماء يفيض من اليابسة إلي البحار والمحيطات سنويا حاملا معه ملايين الأطنان من الأملاح وفتات الصخور, وبذلك تكون الأنهار من وسائط النقل الرئيسية التي تنقل نواتج كل من عمليات التجوية والتحات والتعرية من اليابسة إلي أحواض البحار والمحيطات حيث تترسب الرواسب بتتابعات سميكة تتجمع فوق كل من الرصيف القاري وقيعان المحيطات العميقة, كما قد تتجمع فوق قيعان البحيرات..
وجزء من هذه الرواسب يترسب علي طول مجري النهر بفعل عدد من العمليات النهرية..
تكون دالات الأنهار
تتكون دالات الأنهار, والرواسب الدلتاوية نتيجة التفاعل بين كل من العمليات النهرية والعمليات الساحلية..
ولكل نهر حوض لتصريف مائه يعرف باسم حوض المصرف
(DrainageBasin)
أو منطقة اصطياد المطر
(CatchmentArea)
أو منطقة المجري ويمر النظام النهري بمراحل من الشباب, والنضج, والشيخوخة, ويرسب قدرا من حمولته في مجراه بما يعرف باسم مجموعة رواسب القناة
(ChannelDeposits)
ورواسب الشرف النهرية
(LeveeDeposits)
ورواسب سهل الفيضان أو الرقة
(FloodPlainDeposits)
ورواسب المستنقعات
(SwampDeposits)
وتجمع كلها تحت مسمي رواسب فوق الضفة
(OverbankDeposits)..
وعموما تتجمع رسوبيات الدلتا فوق الأرصفة القارية الضحلة الواسعة عند التقاء ماء النهر بماء البحر, وتنتج عن ذلك التجمع رواسب علي هيئة مخروطية تتكون أساسا مما يحمله النهر ويلقي به عند مصبه في البحر فيترسب جزء منه فوق اليابسة ويتجمع الباقي تحت سطح الماء..
وتعتبر دلتا النهر وسطا انتقاليا بين ماء النهر العذب, وماء البحر المالح, وتحتوي عددا كبيرا من بيئات الترسيب المتباينة التي يتجاوز عددها الإثنتي عشرة بيئة..
وكلما كانت كمية الرسوبيات التي يلقيها النهر عند مصبه أكبر من قدرة كل من تيارات المد والجزر, والأمواج والتيارات البحرية الموازية للشاطئ علي إزالته; وتلعب التراكيب الجيولوجية الكبيرة( من مثل حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض) دورا بارزا في ذلك..
عوامل تحكم نشاط النهر علي منطقة مصبه
عند مصبات الأنهار عادة ما يضعف أثر كل من ظاهرتي المد والجزر, وشدة الأمواج والتيارات البحرية فتسود قوي ثلاث أخري هي: القصور الذاتي( أو قوة واستمرارية تدفق تيار الماء في النهر), وقدر الاحتكاك بالرسوبيات في قاع مجري النهر, وطفو الماء العذب فوق سطح الماء المالح..
وتبقي عوامل أخري مساعدة من مثل معدلات تدفق الماء وسرعة تياره, وعمق الماء في مجري النهر, وكتلة الرسوبيات التي يحملها ماء النهر. ففي ظل زيادة سرعة تدفق تيار الماء في مجري النهر, وعمق الحوض البحري الذي يصب فيه, وتدني الفارق في كثافة الماءين الملتقيين يسود القصور الذاتي فيندفع ماء النهر إلي البحر بشدة علي هيئة نفاثات دوارة تعزل ماء النهر عن ماء البحر وتؤخر اختلاطهما وامتزاجهما حتي تضعف معدلات تدفق الماء فيبدأ الامتزاج علي حواف كتلة الماء العذب مكونا ماء قليل الملوحة يفصل ماء النهر عن ماء البحر باستمرار..
وفي كثير من الأنهار يؤدي نقل كميات كبيرة من نواتج عمليات التعرية علي هيئة الرسوبيات المحمولة مع ماء النهر إلي ترسيبها في منطقة مصبه مما يرفع منسوب قاع منطقة المصب ويجعل سمك الماء فيها قليلا خاصة في المنطقة بعد المصب مباشرة مما يؤدي إلي جعلها أعلي من منسوب قاع مجري النهر, وتظل هذه المنطقة تنمو باستمرار نتيجة لاندفاع الماء من النهر علي هيئة تيار نفاث يحتك بالرسوبيات المتجمعة فوق قاعه. وفي منطقة مصبه حتي يبني برزخا من تلك الرسوبيات عموديا علي اتجاه تدفق النهر فيحول دون امتزاج مائه مع ماء البحر امتزاجا كاملا لوجود هذا البرزخ من الرسوبيات ولتكون ماء قليل الملوحة علي حواف طبقة الماء العذب الرقيقة الطافية فوق الماء المالح..
ويؤدي بناء هذا البرزخ الرسوبي إلي تفرع مجري النهر إلي فرعين( أو أكثر) كل واحد منهما علي جانبي البرزخ نظرا لتباطؤ تدفق الماء نتيجة لضحالة المجري وشدة احتكاك الماء بقاعه في أثناء جريانه; وقد يؤدي ذلك إلي زيادة نمو البرزخ علي هيئة حاجزوسطي كبير أو تكرار ترسب أعداد من تلك البرازخ..
ولما كانت كثافة الماء العذب( في حدود جرام واحد/ سم3) أقل من كثافة الماء المالح( في حدود1.026 إلي1.028 جرام/ سم3) فإن الماء العذب يطفو فوق سطح الماء المالح علي الرغم مما يحمله من رسوبيات, ويسمي هذا التدفق المائي باسم التدفق المتباين الكثافة..
ويظل الماء العذب طافيا فوق الماء المالح حتي تتمكن كل من تيارات المد والجزر, والأمواج والتيارات البحرية من المزج بين حواف هذه الطبقة الرقيقة من الماء العذب والماء المالح مكونة ماء قليل الملوحة يفصل بينهما, وهنا يتأثر تدفق الماء العذب بكل من قوة الاستمرار في الاندفاع( القصور الذاتي), وشدة الاحتكاك بقاع المجري, وفرق الكثافة بين الماءين العذب والمالح..
وفي حالة الأنهار ذات التدفق العالي للماء, أو عند فيضاناتها يكون التدفق الطافي للماء العذب فوق سطح الماء المالح هو السمة الغالبة لتدفق ماء تلك الأنهار; ويزداد الاحتكاك برسوبيات القاع مما يؤدي إلي تجمع كم هائل من الرسوبيات أمام مصب النهر علي هيئة سدود نهرية مستقيمة وموازية لمجري النهر تحت الماء في منطقة المصب, تحيط بالماء العذب من الجهتين فاصلة إياه عن الماء المالح فتعينه بذلك علي مزيد من الاندفاع في داخل البحر..
كذلك تبني الرسوبيات سدا هائلا في مواجهة مجري النهر يعرف باسم حاجز توزيع الماء في مصب النهر
(Distributary-MouthBar)
يتراوح عرضه بين أربعة وستة أضعاف عرض مجري النهر; وهذا الحاجز يفصل الماء قليل الملوحة( المتكون نتيجة لمزج جزء من ماء النهر العذب مع ماء البحر الملح) عن الماء العذب. ويتكرر تكون أمثال هذا الحاجز عدة مرات علي مسافات متباعدة من مصب النهر حتي تتكون منطقة تعرف باسم منطقة توزيع ماء النهر تعمل علي مزيد من الفصل بين الأنواع الثلاثة من الماء الموجود في مصبات الأنهار وهي: الماء العذب, والماء قليل الملوحة, والماء الملح..
وعلي ذلك فإن جميع النظم النهرية التي تصب في بحار تتميز بتداخلات معقدة بين كل من العمليات النهرية والبحرية, منها عمليات المد والجزر, التي تعمل علي اختلاط الماءين مكونة ماء متوسط الملوحة يفصل بين هذين الماءين خاصة في حالة التدفقات النهرية الضعيفة, وتزداد عمليات الخلط بين ماء النهر وماء البحر كلما توغلنا في داخل البحر حتي يتحول الماء إلي الطبيعة البحرية الكاملة تاركا وراءه مراحل من الماء القليل الملوحة تعمل كفاصل بين الماءين.
كذلك تساعد عمليات المد والجزر علي تجميع الرسوبيات التي يلقي بها النهر علي هيئة حواجز رسوبية علي مسافات من مصب النهر, ومتصلة بفم النهر بواسطة حواجز طولية موازية لاتجاه تدفق النهر تحول دون امتزاج مائه بماء البحر..
وفي الحالات التي يسود فيها دور عمليات المد والجزر سيادة واضحة يلاحظ أن مجري النهر يتسع عند مصبه اتساعا كبيرا علي هيئة الدلتا التي تعترضها تلال من رسوبيات النهر تعمل كذلك علي عزل مائه عن ماء البحر..
وهذه الحواجز الرسوبية الطولية والهلالية الشكل المعترضة لمجري النهر, وكذلك الشرف النهرية الموازية لمجراه والمندفعة من فم النهر إلي داخل البحر تساعد كلها علي عزل ماء النهر العذب عن ماء البحر المحيط لأطول فترة ممكنة, ثم يتكون بينهما نطاق من الماء قليل الملوحة يزيد من عملية الفصل تلك. وكل من الماء العذب والماء المالح له من صفاته الطبيعية والكيميائية ما يمكنه من البقاء منفصلا انفصالا كاملا عن الآخر علي الرغم من التقاء حدودهما عند مصب النهر, وذلك بتكوين برزخ من الرسوبيات أمام فوهة النهر ومن حوله, ويؤدي ذلك إلي تفرع الماء العذب إلي فرعين أو فروع من حوله, يتدفق منهما أو منها الماء العذب مكونا طبقة رقيقة طافية فوق الماء الملح, وتختلط به عند حوافها مكونة حزاما من الماء قليل الملوحة وذلك بفعل تيارات المد والجزر, والتيارات والأمواج البحرية المختلفة, ويعمل هذا الحزام من الماء القليل الملوحة علي مزيد من الفصل بين المائين العذب والملح, ولكل بيئة من هذه البيئات الثلاث( الماء العذب, والماء قليل الملوحة والماء الملح) أنواع خاصة من أنواع الأحياء المائية المحدودة بحدود بيئتها, وأنواع خاصة من الرسوبيات التي تترسب منها, وبذلك تكون أنواع الحياة في الماء القليل الملوحة مقصورة علي تلك البيئة, ومحجورة فيها, أي لا تستطيع الخروج منها وإلا هلكت, كما أن كل مجموعة من أنواع الحياة في البيئتين الأخريين لاتستطيع دخول الماء القليل الملوحة وإلا هلكت, فيما عدا أعداد قليلة جدا منها تستطيع العبور فيها دون بقاء طويل, ومن هنا كان هذا الماء القليل الملوحة حجرا علي الحياة الخاصة به, ومحجورا علي الحياة في البيئتين الأخريين من حوله.
وهذه حقائق لم يدركها الإنسان إلا في العقـود المتأخرة من القرن العشرين, وورودها في كتاب الله الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة, مما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق, ويجزم بنبوة هذا النبي الخاتم( صلي الله عليه وسلم).. فسبحان الذي أنزل قوله الحق:
وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا[ الفرقان:53]..
وقال: وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها.....
وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
-
(52) مرج البحرين يلتقيان* بينهما برزخ لا يبغيان*
هاتان الآيتان الكريمتان وردتا في آخر الربع الأول من سورة الرحمن, وهي سورة مدنية, وآياتها ثمان وسبعون, وقد سميت بهذا الإسم الكريم لاستهلالها به, وهو من أسماء الله الحسني, وتضمنت عددا من لمسات رحمة الله الرحمن, وعظيم آلائه ونعمه علي عباده, ومنها تعليم القرآن لخاتم أنبيائه ورسله( صلي الله عليه وسلم ـ وللصالحين من الإنس والجن في زمانه ومن بعده, وخلق الانسان, وتعليمه البيان.
وتدعو سورة الرحمن إلي عدد من القيم الدينية العليا, ومنها الإيمان بالله وحده, وبما أخبرنا به من خلقه الغيبي من الملائكة والجن, وبالبعث والحساب, وبالجنة ونعيمها, وبالنار وعذابها, وتوصي بحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض, وإقامة عدل الله فيها فتقول:
والسماء رفعها ووضع الميزان* ألا تطغوا في الميزان* وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان*( الرحمن:7 ـ9)
وتؤكد السورة الكريمة علي حتمية فناء كل شيء, وعلي حقيقة بقاء الله الخالق( سبحانه وتعالي) فيقول فيها ربنا( تبارك وتعالي):
كل من عليها فان* ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام*( الرحمن:27,26)
كما تؤكد سورة الرحمن التباين الواضح في الآخرة بين كل من أهل النار وأهل الجنة, فأهل النار يعرفون بسيماهم( أي بعلامات في وجوههم من السواد والزرقة), وأنهم سوف يلقون من صور الإذلال والمهانة ما لخصت السورة الكريمة جانبا منه, وعلي النقيض من ذلك أفسحت السورة في آخرها أكثر من40% من عدد آياتها لتصوير شيء من مقامات التكريم في جنات النعيم التي يلقاها كل من خاف مقام ربه في الحياة الدنيا, وتصف جانبا مما في هذه الجنات من نعيم.
وتشير سورة الرحمن إلي أن من طلاقة القدرة الإلهية أن الله( تعالي)... كل يوم هو في شأن, وتستعرض عددا من آيات الله الكونية الدالة علي عظيم آلائه, ونعمه, وعميم فضله وكرمه علي كافة خلقه, وإن كان كثير من عباده المكلفين من الإنس والجن غافلين عن تلك الآلاء والنعم, أو مكذبين بها أو منكرين لها من قبيل الجهل أو الانحراف والتطاول والصلف..!!
ولذلك تختتم السورة الكريمة بقول الحق( سبحانه وتعالي):
تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام
ومن الآيات الكونية التي استشهدت بها السورة الكريمة علي صدق ما جاءت به من الحق ما يلي:
(1) أن الله( تعالي) هو الذي أنزل القرآن الكريم, أنزله بعلمه, وعلمه خاتم أنبيائه ورسله كما علمه عددا من خلقه.
(2) وأنه( سبحانه) هو الذي خلق الانسان, وعلمه البيان, وقضية نشأة اللغات شغلت بال العلماء والمفكرين لقرون طويلة دون جواب سليم.
(3) وهو( تبارك اسمه) الذي أجري ولا يزال يجري كلا من الشمس والقمر بحسبان دقيق( وهذا ينطبق علي كل أجرام السماء, وعلي كل لبنات بنائها الأولية).
(4) وأن كل ما في الوجود من الجمادات والأحياء غير المكلفة, وقليل من المكلفين يسجد لله( تعالي) ويسبح بحمده.
(5) وأن الله( سبحانه وتعالي) هو الذي رفع السماء بغير عمد مرئية, ووضع ميزان التعامل بين الخلائق, وأمر بعدم الطغيان فيه.
(6) وأنه( تعالي) هو الذي وضع الأرض للأنام, وهيأها لاستقبال الحياة, وجعل فيها من النباتات وثمارها ومحاصيلها ما يشهد علي ذلك.
(7) وأنه( تعالي): خلق الإنسان من صلصال كالفخار* وخلق الجان من مارج من نار*.
(8) وأنه( سبحانه): رب المشرقين ورب المغربين* وهي إشارة ضمنية رقيقة لكروية الأرض, ولدورانها حول محورها أمام الشمس.
(9) وأن الله( تعالي) هو الذي مرج البحرين يلتقيان* بينهما برزخ لا يبغيان*.... يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان* وهي إشارة قرآنية دقيقة إلي حقيقة علمية مؤكدة لم يدركها العلماء المتخصصون إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي في أثناء رحلة الباخرة البريطانية(Challenger) أو التحدي(1872 ـ1876) مؤداها أن الماء في البحار المتجاورة, وحتي في البحر الواحد يتمايز إلي العديد من البيئات المتباينة في صفاتها الطبيعية والكيميائية, والتي تلتقي مع بعضها البعض دون امتزاج كامل, فتبقي مفصولة علي الرغم من اختلاطها وتلاقي حدودها, وذلك لما للماء من خصائص ميزه بها الخالق( سبحانه وتعالي).
(10) وأن من هذه الخصائص المميزة للماء ما جعله قادرا علي حمل السفن العملاقة علي ظهره, وجريها في عبابه, وطفوها فيه كأنها الجبال الشامخات.
(11) وأن الفناء من صفات كل المخلوقات, وأن البقاء المطلق هو للخالق وحده.
(12) وأن الأرض في مركز الكون لتوحد أقطارها وأقطار السماوات, وأن الكون شاسع الاتساع بصورة لا يستطيع العقل البشري استيعابها, وأن أيا من الجن والإنس لا يستطيع النفاذ من أقطار السماوات والأرض إلا بسلطان من الله( تعالي).
(13) وأن السماء الدنيا مليئة بالنيران وفلز النحاس( علي هيئة نوي ذراته).
(14) وأن السماء سوف تنشق في الآخرة علي هيئة وردة حمراء مدهنة, وهي حالة تنشق عليها النجوم في زماننا كما صورها مقراب هابل الفضائي.
وعقب كل آية من هذه الآيات الكونية يأتي قول الحق( تبارك وتعالي): فبأي آلاء ربكما تكذبان وقد ترددت هذه الآية إحدي وثلاثين مرة بين آيات هذه السورة الكريمة.( أي بنسبة40% تقريبا من عدد آياتها الثماني والسبعين), وفيها من التقريع العنيف, والتبكيت الشديد ما يستحقه المكذبون بآلاء الله من الجن والإنس, الجاحدون لنعمه وأفضاله, وعلي رأسها دينه الخاتم الذي بعث به رسوله الخاتم( صلي الله عليه وسلم) والذي لا يرتضي من عباده دينا سواه, بعد أن أتمه, وأكمله, وحفظه بنفس لغة الوحي كلمة كلمة, وحرفا حرفا علي مدي أربعة عشر قرنا وإلي أن يرث الله( تعالي) الأرض ومن عليها...!!
وكل آية من الآيات الكونية الواردة في سورة الرحمن تحتاج إلي معالجة خاصة بها, ولما كان ذلك يحتاج إلي تفصيل لا يتسع له المقام, فسوف أقصر الحديث هنا علي الآيتين(20,19), من السورة الكريمة, واللتين أشير إليهما في النقطة التاسعة من القائمة السابقة, وقبل الدخول في ذلك لابد من استعراض سريع للدلالات اللغوية للغريب من ألفاظ هاتين الآيتين, ولأقوال عدد من المفسرين السابقين في شرحهما.
الدلالات اللفظية لبعض كلمات الآيتين الكريمتين

يتوزع الماء افقيا على سطح البحار والمحيطات بتوزع المناطق المناخية كما يتوزع رأسيا بحسب كل من درجات الحرارة ونسبة
تركيز الاملاح وتبقى هذه الكتل المائية منفصلة عن بعضها على الرغم من عنف التيارات البحرية والأمواج
(1)( مرج): الميم والراء والجيم أصل يدل علي المجيء والذهاب, والقلق والاضطراب, ولذلك قيل:( مرج) الخاتم في الإصبع إذا اتسع, و( مرجت) أمانات القوم وعهودهم أي اضطربت واختلطت, و( مرج) الأمر اذا اختلط ومنه( الهرج والمرج), وأمر( مريج) أي مختلط.
و(المرج) في اللغة هو مرعي الدواب, أي: الأرض التي يكثر فيها النبات( فتمرج) الدواب فيه وتختلط, ولذلك قيل:( مرج) الدابة و(أمرجها) فـ( مرجت) أي: أرسلها ترعي وتختلط بغيرها من الحيوانات في المرعي لأن أصل( المرج) هو الخلط, و( المروج) هو الاختلاط, وقوله( تعالي): مرج البحرين أي أفاض أحدهما بالآخر, وجعلهما يختلطان دون امتزاج كامل, أي دون أن يلتبس أحدهما بالآخر التباسا كاملا, كما تختلط الدواب في المرعي, ويبقي لكل منها وجوده, و(مارج) من نار أي: لهب من نيران مختلطة لا دخان لها.
(2)( برزخ): هو حاجز أوجد بين شيئين ماديين, أو معنويين من مثل الفاصل بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلي البعث, فمن مات فقد دخل البرزخ, وفي تفسير قوله( تعالي): بينهما برزخ لا يبغيان قال عدد من المفسرين هو حاجز من الأرض, وقال البعض الآخر هو حاجز أو حائل أو مانع أوجدته القدرة الإلهية المبدعة, لا يراه أحد من الناس.
(3)( البغي): هو التعدي ومجاوزة الحد بإفراط واستطالة.
من أقوال المفسرين
في تفسير قوله( تعالي):
مرج البحرين يلتقيان* بينهما برزخ لا يبغيان*( الرحمن:20,19)
ذكر ابن كثير يرحمه الله ـ ما نصه.. وقوله تعالي:( مرج البحرين) قال ابن عباس: أي أرسلهما, وقوله( يلتقيان) قال ابن زيد: أي منعهما أن يلتقيا بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما, والمراد بقوله( البحرين): الملح والحلو....( بينهما برزخ لا يبغيان) أي وجعل بينهما برزخا وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا علي هذا وهذا علي هذا, فيفسد كل واحد منهما الآخر....
وجاء في تفسير الجلالين( رحم الله كاتبيه رحمة واسعة) ما نصه:( مرج) أرسل( البحرين) العذب والملح( يلتقيان) في رأي العين,( بينهما برزخ) حاجز من قدرته تعالي( لا يبغيان) لا يبغي واحد منهما علي الآخر فيختلط به.
وجاء في تفسير الظلال( رحم الله كاتبه برحمته الواسعة) ما نصه:.. والبحران المشار إليهما هما البحر المالح والبحر العذب, ويشمل الأول البحار والمحيطات, ويشمل الثاني الأنهار, ومرج البحرين أرسلهما وتركهما يلتقيان, ولكنهما لا يبغيان, ولا يتجاوز كل منهما حده المقدر, ووظيفته المقسومة, وبينهما برزخ من طبيعتهما من صنع الله....
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن( رحم الله كاتبه برحمته الواسعة) ما نصه:...( مرج البحرين يلتقيان...) أرسل الله المياه العذبة والملحة في مجاريها أنهارا وبحارا علي سطح الأرض, متجاورة متصلة الأطراف, ومع ذلك لم تختلط, لاقتضاء حكمته تعالي إقامة حواجز بينها من أجرام الأرض تمنعها من الاختلاط, ولولاها لبغي أحد النوعين علي الآخر, فبقي العذب علي عذوبته, والملح علي ملوحته, لينتفع بكل منهما فيما خلق لأجله..., و(مرج) أرسل...( يلتقيان) يتجاوران أو تلتقي أطرافهما.( برزخ) حاجز من أجرام الأرض, وذلك بقدرته تعالي.( لا يبغيان) لا يطغي أحدهما علي الآخر بالممازجة. أو لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما.
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم( جزاهم الله خيرا) ما نصه: أرسل الله البحرين العذب والملح يتجاوران وتتماس سطوحهما, بينهما حاجز من قدرة الله, لا يطغي أحدهما علي الآخر فيمتزجان.
وجاء في صفوة التفاسير( جزي الله كاتبه خير الجزاء) ما نصه:...( مرج البحرين يلتقيان) أي أرسل البحر الملح والبحر العذب يتجاوران ويلتقيان ولا يمتزجان( بينهما برزخ لا يبغيان) أي بينهما حاجز من قدرة الله تعالي لا يطغي أحدهما علي الآخر بالممازجة....
الدلالة العلمية للآيتين الكريمتين
أولا: طبيعة البحرين:
يقول ربنا( تبارك وتعالي):
مرج البحرين يلتقيان* بينهما برزخ لا يبغيان*( الرحمن:20,19)
ثم يتبع ذلك مباشرة بقوله( عز من قائل):
فبأي آلاء ربكما تكذبان*يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان* فبأي آلاء ربكما تكذبان*
(الرحمن:21 ـ23)
ويروي عن رسول الله( صلي الله عليه وسلم) أنه خرج علي أصحابه, فقرأ عليهم سور الرحمن من أولها إلي آخرها, فسكتوا فقال( صلي الله عليه وسلم): لقد قرأتها علي الجن ليلة الجن, فكانوا أحسن مردودا منكم, كنت كلما أتيت علي قوله تعالي:( فبأي آلاء ربكما تكذبان) قالوا: لا شيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد( أخرجه الترمذي)
والنعم في دلالة هذه الآيات الكريمة تستوجب شكر الخالق العظيم عليها؟ وهي عديدة عديدة, ولكنولا يمكن إدراك ذلك إلا بفهم دلالتها العلمية.
ونحن نعلم أن لفظة البحر في اللغة العربية يمكن أن تطلق علي كل من البحر الملح والبحر العذب( أي النهر), ولكنها إذا أطلقت بغير تقييد فإنها تدل علي البحر الملح فقط, وإذ قيدت دلت علي ما قيدت به.
وفي ذلك قال ربنا( تبارك وتعالي):
مرج البحرين يلتقيان* وإطلاق لفظة البحرين هنا دون تقييد يدل علي أنهما البحران المالحان, وليس النهر والبحر كما ذهب إاليه غالبية المفسرين ـ قدامي ومعاصرين ـ, ويؤكد ذلك ما جاء في الآية(22) من نفس السورة بقول الحق( عز من قائل): يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان*
واللؤلؤ عبارة عن كريات صلبة ناعمة من كربونات الكالسيوم, لها بريق وتقوز لوني مبهج, تنمو بداخل أصداف طائفة خاصة من قبيلة الرخويات تعرف باسم مزدوجات المصراع, وهي حيوانات مائية تعيش في كل من الماء الملح والماء العذب, ويستخدم اللؤلؤ كأحدي الجواهر النفيسة, ولكن المرجان هو حيوان بحري لا يحيا إلا في الماء الملح, ويتبع طائفة الزهريات, وهي من طوائف قبيلة جوفيات المعي التي غالبا ما تعيش في مستعمرات كبيرة الا أن منها ما يحيا حياة فردية, ويفرز الفرد منها هيكلا كلسيا( من كربونات الكالسيوم), وتكون هياكل المستعمرات الكبيرة شعابا ضخمة تعرف باسم الشعاب المرجانية, وتكثر في البحار الضحلة الدافئة, ومنها المرجحان الأحمر الذي يتخذ ضمن المعادن شبه النفيسة. وعلي ذلك فإن سياق الآيات في سورة الرحمن يؤكد أن البحرين كلاهما مالح, كما أكده إطلاق لفظة البحرين.
والقرآن الكريم استخدم كلمة البحر بالإطلاق والتقييد كما جاء في قوله( تعالي):
1 ـ.... وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار*( إبراهيم:32)
2 ـ... وجعل بين البحرين حاجزا...*
(النمل:61)
3 ـ وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج...*( الفرقان:53)
4 ـ وما يستوي البحران هذا عذاب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج...*( فاطر:12)
ثانيا: توزيع الكتل المائية في البحار والمحيطات
بقياس كل من درجات الحرارة ونسبة الملوحة في كتل الماء التي تملأ البحار والمحيطات المختلفة, والتي تغطي حوالي71% من مساحة سطح الأرض المقدرة بخمسمائة وعشرة ملايين من الكيلومترات المربعة, اتضح تباينها تباينا ملحوظا من بحر إلي آخر, وحتي في البحر الواحد( أفقيا ورأسيا) علي الرغم من وجود كتل مائية هائلة متجانسة في صفاتها الطبيعية والكيميائية, وكل منها يمثل بيئة حيوية خاصة لها تجمعاتها الحياتية المميزة, وأنواع الرسوبيات التي تترسب منها.
والتباين في كل من درجات الحرارة ونسبة تركيز الأملاح في ماء البحار والمحيطات يؤدي إلي تباين في كثافتها, مما يعين علي تحديد تلك الكتل المائية المتباينة علي الرغم من محاولة الأمواج والتيارات البحرية خلطهما مع بعضها البعض. وتتحرك كتل الماء السطحية بين مساحات كبيرة من خطوط العرض فتتغير صفاتها الطبيعية والكيميائية بتغير الظروف البيئية التي تنتقل إليها من مثل درجات الحرارة, ومعدلات التبخير وسقوط الأمطار وغيرها, وعندما تتغير كثافة الكتلة المائية السطحية فإنها تغوص في وسط ماء أقل كثافة حاملة معها بعض صفات ماء المنطقة السطحية التي كانت فيها إلي أعماق المحيط إن لم تحمل تلك الصفات كلها فتؤدي إلي تغيير كبير في صفات الماء بتلك الأعماق, كما تعين علي تحديد المصادر التي جاءت منها مهما تباعدت مسافات تلك المصادر إلي آلاف الكيلومترات, ومع اختلاط الماء من مصادر مختلفة تتغير صفات الكتل المائية في المحيط الواحد وفي البحر الواحد باستمرار, وبين البحار والمحيطات المختلفة بطريقة مستمرة, وعلي الرغم من ذلك تبقي كتل متمايزة من الماء في تلك البحار والمحيطات ما بقيت, وتسمي كتل الماءـ المميزة علي أسطح تلك المساحات المائية العملاقة في البحار والمحيطات باسم الموقع الجغرافي الذي توجد فيه, فتوجد كتل الماء المتوسط بين التيارات المائية الرئيسية في محيطات الأرض, وتوجد كتل الماء حول القطبين, وكتل غيرها بين هاتين المجموعتين من كتل الماء المتميزة وتعرف باسم كتل الماء شبه القطبي
(أ) كتل الماء السطحي في البحار والمحيطات
ينقسم الماء السطحي في بحار ومحيطات الأرض علي أساس من التباين في درجات الحرارة ونسبة الملوحة إلي الكتل التالية:
(1) كتلة الماء السطحي المتوسط:
وتتراوح درجة حرارتها بين6 و19 مئوية, ونسبة ملوحتها بين3,4% و3,65%, وتمتد في بحار ومحيطات المناطق شبه الاستوائية, وبين خطوط العرض30 و35 شمالا وجنوبا, وهذه الكتلة المائية الكبيرة تنقسم إلي كتل أصغر لها نفس الكثافة تقريبا ولكنها تختلف في بقية صفاتها الطبيعية باختلاف مواقعها الجغرافية, فعلي سبيل المثال فإن الماء السطحي في الجزء الشمالي من المحيط الأطلسي يعتبر أكثر أجزاء المحيطات ملوحة, بينما يعتبر الماء السطحي في شمال المحيط الهادي أقلها ملوحة, ويستمر تواجد كتل الماء المتوسط رأسيا في عمق البحر أو المحيط حتي مستوي ثبات المنحدر الحراري.
(2) كتل الماء السطحي في خطوط العرض العليا:
وهذه تتميز بدرجات حرارة منخفضة ونسب ملوحة أقل مما في كتل الماء المتوسط وذلك لوجودها في مناطق باردة وغزيرة الأمطار, وتمتد بصفة عامة في المناطق المناخية المعتدلة شمالا وجنوبا.
(3) كتل الماء السطحي في المناطق حول القطبية:
أضخمها المنطقة حول القطب الجنوبي, ويتحرك فيها الماء من الغرب إلي الشرق في اتجاه دوران الأرض, ويمتد إلي أعماق تصل إلي3500 متر, في درجات حرارة تكاد تكون منتظمة بين درجتين مئويتين والصفر المئوي, ونسبة أملاح تتراوح بين3,46%, و3,47%.
( ب): كتل الماء متوسط العمق في البحار والمحيطات:
يمتد هذا الماء إلي عمق يصل إلي1500 متر تحت مستوي سطح البحر, وهو يتباين في درجات حرارته, ونسب الملوحة فيه, وذلك لتحركه من مصادر مختلفة, وعلي ذلك يمكن تقسيمه إلي العديد من الكتل بناء علي صفاته الطبيعية ومصادره التي جاء منها. ويبلغ هذا الماء المتوسط العمق أقصي انتشار له في المنطقة حول القطب الجنوبي, وذلك لأنه ينشأ أساسا من الماء السطحي في المنطقة المعتدلة الجنوبية وهي منطقة شاسعة الاتساع عندما يبدأ الماء في الهبوط من السطح إلي أعماق البحر لازدياد كثافته بزيادة برودته أو لزيادة نسبة الأملاح المذابة فيه, وبهبوط هذا الماء يختلط بنسب مختلفة مع كتل مائية ذات صفات متباينة ليكون ما يسمي باسم ماء القطب الجنوبي المتوسط العمق والذي ينتشر في كل أحواض المحيطات, ويتدفق هذا الماء البارد في اتجاه الشمال حتي يصل الي خط عرض20 شمالا في المحيط الأطلسي, ويتحرك جنوبا حتي خط عرض10 جنوب خط الاستواء في كل من المحيطين الهندي والهادي.
ويمتد ماء القطب الشمالي المتوسط العمق إلي شمال كل من المحيطين الأطلسي والهادي, ويتركز في أجزائهما الغربية, وهذا الماء تزداد ملوحته نسبيا في شمال غرب محيط الأطلسي وذلك بسبب تركيز الأملاح الناتج عن تجمد الماء في القطب الشمالي وتحرك الركازة الملحية إلي تلك المنطقة التي تشتد معدلات البخر فيها., كذلك يتحرك الماء من البحر الأبيض المتوسط إلي المحيط الأطلسي عبر مضيق جبل طارق في درجة حرارة حوالي13 م, ونسبة ملوحة تصل إلي3,81% لينزل تحت الماء السطحي للمحيط وتحت كتل الماء المتوسط فيه, ويمكن تتبعه إلي مسافات بعيدة فوق قاع المحيط الأطلسي رغم تغير صفاته الطبيعية بالاختلاط مع غيره من كتل الماء, كذلك يندفع ماء البحر الأحمر إليبحر العرب عبر باب المندب ليختلط بكتل الماء فيه, ويندفع ماء الخليج العربي إلي المحيط الهندي عبر مضيق هرمز.
(جـ): كتل الماء العميق في البحار والمحيطات
إن أوضح نموذج لكتل الماء العميق في البحار والمحيطات يقع في الجزء الشمالي الغربي من المحيط الأطلسي, وينتج هذا الماء من اختلاط الماء شديد الملوحة المندفع بواسطة تيار الخليج الذي يضرب شواطيء فلوريدا والماء السطحي القادم من المنطقة شبه المتجمدة الشمالية, وفي فصل الشتاء يبرد هذا الخليط من الماء فيهبط إلي قاع البحر حتي يصل إلي ما دون كتل الماء المتوسطة العمق, وعندما يتحرك هذا الخليط من الماء جنوبا فإنه يرتفع فوق ماء القطب الجنوبي العميق لقلة كثافته عن كثافة الماء القطبي, وعلي ذلك فإن كتلة ماء شمال الأطلسي العميقة تغطي قاع ذلك المحيط إلي خط عرض30 شمالا, ولكنها تتطابق بين كتل الماء العميق والمتوسط العمق كلما اتجهنا إلي الجنوب من هذا الخط من خطوط العرض, وتبقي كل كتلة منها محتفظة بصفاتها الطبيعية والكيميائية وسط حواف من الماء المختلط وتبلغ درجة حرارة كتل الماء العميق في البحار والمحيطات حوالي3 درجات مئوية, ويصل متوسط نسبة الأملاح فيها إلي34.9% ولا توجد كتل عميقة من الماء في كل من المحيطين الهندي والهادي باستثناء بعض الجيوب الصغيرة.
(د) كتل الماء شديد العمق في البحار والمحيطات
يحوي المحيط القطبي الجنوبي فوق قاعه كتلة من الماء تعتبر أعلي ماء الأرض كثافة, ويتكون هذا الماء حول القارة القطبية الجنوبية في فصل الشتاء ثم يتحرك شمالا إلي قيعان المحيطات الرئيسية الثلاثة: الهادي والأطلسي والهندي حتي تصل الي خط العرض30 شمالا. وكتل ماء قاع القطب الجنوبي تتكون أساسا من تجمد الماء بكميات كبيرة فوق الرصف القاري تاركا وراءه كمية هائلة من الركازة الملحية, التي تندفع عبر منحدرات الجرف القاري لتختلط مع قدر مساو تقريبا من كتل الماء السطحي حول القطبين, فينشأ هذا الماء الذي يتميز بدرجة برودة شديدة( ناقص0.4 درجة مئوية) ونسبة ملوحة عالية نسبيا في حدود3,47%).
وعلي ذلك فقد ثبت أن الماء في محيطات العالم يترتب أفقيا ورأسيا في كتل متمايزة عن بعضها بعضا, تبدأ عند مستوي سطح البحر في المناطق ذات خطوط العرض العليا. وتمتد إلي أعماق البحار والمحيطات حتي تصل الي قاع المحيط في المناطق الاستوائية. والترتيب الأفقي لكتل الماء المختلفة في البحار والمحيطات حسب مناطقها المناخية يعكس الترتيب الرأسي في النقطة الواحدة حسب العمق.
وهذه الكتل المائية المتجاورة مفصولة عن بعضها البعض بواسطة الصفات الطبيعية والكيميائية الخاصة للماء, وبتباين صفات تلك الكتل ذاتها, علي الرغم من تحركها عبر بعضها بعضا باستمرار أفقيا ورأسيا( أي مرجها), وذلك بفضل تكون حواجز ذات طبيعة وسطية باستمرار بين الكتل المائية المتفاوتة في صفاتها الطبيعية والكيميائية.
ونظرا لأن دورة الماء في المحيط دورة مستمرة فإن الماء يتحرك أفقيا ورأسيا باستمرار فيختلط, ولا يمتزج امتزاجا كاملا أبدا, فالماء علي السطح تدفعه الرياح والتيارات البحرية, والأمواج المختلفة في محاولة لخلط تلك الكتل المائية المتجاورة ولكن ذلك لا يتم بالكامل لضخامة كمياتها, وكذلك فإن هذا الماء السطحي يتعرض للتبخير فتزداد ملوحته وبالتالي تزداد كثافته أو للتبريد فتزداد كثافته مما يؤدي إلي نزوله الي أعماق البحر, وهناك قد يتعرض لشيء من الحرارة عبر النشاطات البركانية فوق قيعان بعض البحار والمحيطات, أو لشيء من إنقاص نسبة الملوحة بترسيب جزء من الملح المذاب, أو تقليل نسبته بالاختلاط بتيار من الماء العذب, فتقل كثافة الماء في الأعماق, ويرتفع إلي أعلي لمعاودة الكرة مرات ومرات ومرات إلي أن يرث الله( تعالي) الأرض ومن عليها.
وقد ثبت بدراسة النظائر المشعة أن اختلاط ماء أعماق البحار والمحيطات يحتاج بين الألف والألف وستمائة سنة لكي يتم وذلك في حوض المحيط الهادي, وإلي نصف هذا الزمن في كل من المحيطين الهندي والأطلسي, ولذلك فهو يمثل دائما أقدم الماء في المحيط علي الإطلاق, بينما يمثل الماء السطحي أحدث الماء عمرا لأنه لا يكاد يبقي في مكانه لأكثر من10 إلي20 سنة, والماء يتحرك من المحيط المتجمد الجنوبي في اتجاه الشمال بمعدل نصف ملليمتر تقريبا في كل ثانية.
من ذلك يتضح أنه علي الرغم من عوامل الخلط الأفقية والرأسية المستمرة في البحار والمحيطات بفعل كل من الأمواج والتيارات البحرية وبفعل تغير درجات الحرارة ومتوسط الكثافة الا أن العديد من الكتل المائية تبقي محتفظة بصفاتها الطبيعية والكيميائية الخاصة لتوفر البيئات اللازمة لكل مجموعات الحياة في البحار والمحيطات.
ثالثا: من الصفات المميزة للماء
تحمل الأرض علي سطحها, وفي كل من قشرتها, وتربتها وغلافها الغازي كما هائلا من الماءيقدر بحوالي1.4 بليون كيلومتر مكعب, وأغلب هذا الماء(97.22%) في البحار والمحيطات, ويتوزع الباقي(2.78%) علي هيئة الجليد فوق قطبي الأرض وعلي قمم الجبال(2.15%), أو يخزن في صخور القشرة الأرضية وتربتها(0.613%), أو يحجز علي هيئة بحار داخلية وبحيرات مالحة(0.0077%), أو بحيرات عذبة(0.0092%), أو رطوبة في التربة(0.0049%), أو علي هيئة أنهار وجداول جارية(00092, ـ%).
والماء في الحالة السائلة بهذه الكميات الكبيرة يكاد يكون مقصورا علي أرضنا, لندرته علي ما نعرفه من الكواكب الأخري.
ويغطي الماء حوالي71% من مساحة سطح الأرض من تلك المساحة وتكون اليابسة حوالي29% فقط, ولولا هذا التوزيع المعجز لكانت درجة حرارة الأرض حارقة بالنهار, ومجمدة بالليل ويتحرك الماء بين كل من الغلاف الصخري, والمائي, والغازي للأرض في دورة معجزة تعرف باسم دورة الماء حول الأرض. ونظرا لتركيبه الجزيئي الفريد فإن الماء يتميز بعدد من الصفات الطبيعية والكيميائية الخاصة والتي منها ما يلي:
(1) البناء الجزيئي ذو القطبية المزدوجة:
حيث يتكون جزيء الماء من ذرتي هيدروجين تحمل كل منهما شحنة كهربية موجبة, ويرتبط كل منهما بذرة أوكسيجين( تحمل شحنة كهربية سالبة وذلك بواسطة رابطتين تساهميتين قويتين تشكلان زاوية مقدارها105 درجات.
وهذا البناء الجزيئي الفريد جعل للماء من الصفات ما يميزه عن غيره من السوائل والمركبات الهيدروجينية, ويتضح ذلك بجلاء في قطبيته الكهربية الواضحة التي جعلت من الماء أقوي مذيب علي سطح الأرض, وجعلت لجزيئاته قوة تلاصق وتماسك عالية للغاية فيما بينها, وذلك لترابط جزيئات الماء فيما بينها برابطة تعرف باسم الرابطة الهيدروجينية.
(2) درجات التجمد والغليان:
ينكمش الماء بالتبريد كما هو الحال في أي سائل آخر, وبالتالي تزداد كثافته ولكن اذا وصل الماء الي درجة4 مئوية, فإن عملية الانكماش تتوقف, وإذا انخفضت درجة حرارته عن ذلك فإن حجمه يبدأ في التمدد, وتأخذ كثافته في الانخفاض حتي يصل الي درجة الصفر المئوي فيتجمد الماء, وتنخفض كثافته بمقدار10% تقريبا عن كثافته عند درجة4 مئوية لازدياد حجمه بنفس النسبة.
ولولا هذه الخاصية الفريدة لغاص الماء المتجمد علي هيئة جليد الي قيعان البحار والمحيطات في المناطق الباردة, وجمدها بالكامل وقضي علي الحياة فيها, ولكان لتجمد البحار والمحيطات أثره السيء علي مناخ الأرض.
ولذلك كان من بديع صنع الخالق( سبحانه وتعالي) ورائع حكمته أن عكس القانون للماء, فجعله أقل كثافة إذا تجمد ليطفو الي السطح في البحار والمحيطات والبحيرات وغيرها من الأسطح المائية في المناطق الباردة, ويعمل حاجزا عازلا للحرارة, يحمي الماء تحته من التجمد, وبالتالي يحمي الحياة فيها من الهلاك.
وبالإضافة الي ذلك فإن الله( تعالي) قد جعل للماء طاقة هائلة علي اختزان الحرارة, تعطيه استقرارا حراريا مثاليا يجعله يغلي عند درجة حرارة100 مئوية تحت الضغط الجوي العادي, بينما كل المركبات الهيدروجينية المشابهة تغلي عند درجات أقل بكثير, ولولا ذلك لما أمكن وجود الماء في الحالة السائلة علي سطح الأرض.
ومن مظاهر الاستقرار الحراري للماء ارتفاع معامل حرارته النوعية بمعني أنه يحتاج الي كميات كبيرة جدا من الحرارة حتي يسخن, ويحتاج إلي وقت طويل لكي يفقد حرارته, وكذلك ارتفاع معاملي الحرارة الكامنة للتبخر وللانصهار.
وعلي ذلك فإن من رحمة الله البالغة بعباده أن غطي حوالي71% من مساحة سطح الأرض بالماء, والا لما كانت صالحة للعمران لأنه لو كان سطح الأرض كله يابسة لكانت حارقة بالنهار, ومتجمدة بالليل مما يقضي علي الحياة قضاء تاما, فمن صفات اليابسة أنها تمتص الحرارة بسرعة وتفقدها بسرعة بينما الماء يمتصها ببطء ويفقدها ببطء.
(3) شدة تماسك وتلاصق جزييات الماء:
ترتبط جزيئات الماء مع بعضها بعضا بتجاذب الشحنات الكهربية المختلفة علي جزيئاته القطبية مع بعضها بعضا برابطة تسمي الرابطة الهيدروجينية, ولو أن هذه الرابطة سهلة التفكك( الانقضام) إلا أنها سريعة التكون, ولذلك تبدو كتلة الماء وكأنها مكونة من سلاسل حلقاتها ممغنطة ومرتبطة بأقطابها المختلفة اذا انفكت إحدها من مكانها فسرعان ما تلتئم تلك الحلقات, وتعرف هذه الخاصية باسم اللزوجة الجزيئية للماء, وهي من أهم الصفات المؤثرة في ماء البحار والمحيطات التي تجعله يختلط ولا يمتزج امتزاجا كاملا أبدا.
وشدة تماسك وتلاصق جزيئات الماء هي التي أعطته ـ بتدبير من الله( تعالي) ـ العديد من صفاته الطبيعية والكيميائية من مثل شدة توتره السطحي, وميله إلي التكور علي ذاته علي هيئة قطرات بدلا من الانتشار الأفقي علي السطح الذي يسكب عليه, وفي تكوين ذلك الحاجز غير المرئي بين كل ماءين مختلفين في صفاتهما الطبيعية والكيميائية من مثل الماء العذب والملح, والماءين الملحين المتباينين, والذي سماه ربنا( تبارك وتعالي) في محكم كتابه باسم البرزخ. ولما كان ماء البحر يتكون من أكثر من95% ماء فإن صفات الماء العذب تبقي سائدة فيه, بل تزيدها الأملاح المذابة قدرة علي ذلك, والتي يغلب عليها كلوريد الصوديوم( أو ملح الطعام) ويليه في الكثرة عناصر المغنسيوم, والكالسيوم, والبوتاسيوم, والكبريت, والبرومين, والاسترونشيوم, والبورون, بالاضافة إلي آثار طفيفة لثمانين عنصرا آخر, تنتشر أيوناتها المشحونة بالكهرباء الموجبة والسالبة بتركيز متفاوت في كتل الماء المتجاورة في البحر الواحد أو المحيط الواحد فتعطي كلا منها صفاته الخاصة, وتبقيه معزولا عزلا كاملا رغم فعل التيارات البحرية والأمواج.
وتظهر صورة هذا العزل للكتل المائية المتجاورة بشكل أوضح بين البحار شبه المغلقة كالبحرين الأبيض المتوسط والأحمر, حينما يتحرك الماء من أحدهما إلي المحيط المجاور فيتكون بينهما ماء له صفات وسطية يفصل كلا من الكتلتين المائيتين فصلا كاملا.
فسبحان الذي أنزل هذه الحقيقة العلمية في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة سنة فقال( عز من قائل):
مرج البحرين يلتقيان* بينهما برزخ لا يبغيان* فبأي آلاء ربكما تكذبان* يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان* فبأي آلاء ربكما تكذبان
وهي حقيقة لم يصل إليها العلم المكتسب إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي, ولم تدون في كتاب قبل منتصف الأربعينيات من القرن العشرين, فسبحان الذي أنزل القرآن بعلمه, وعلمه خاتم أنبيائه ورسله, وحفظه بلغة وحيه إلي يوم الدين وصلي الله وسلم وبارك علي النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقي هذا الوحي الإلهي العظيم وبلغه بأمانة وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه إلي يوم الدين
-
53) أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أواخر الثلث الثاني من سورة النور, وهي سورة مدنية, وآياتها أربع وستون, وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي أن الله( تعالي) هو نور السموات والأرض. وأنه( تعالي) هو الذي يهدي لنوره من يشاء, وأن... من لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من التشريعات الإلهية الضابطة لسلوك المسلم في كل من حياته الخاصة والعامة; والحاكمة للعلاقات في داخل الأسرة المسلمة صونا لحرماتها.
وتبدأ سورة النور بتأكيد أنها من جوامع سور القرآن الكريم لأن الله( تعالي) فرض فيها علي عباده فرائض ألزمهم بها, وفي مقدمتها تحريم الزنا, وتشريع الحدود الرادعة للواقعين في هذه الجريمة النكراء.. وتبشيعها إلي الناس كافة بقول الحق( تبارك وتعالي): الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة, والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك, وحرم ذلك علي المؤمنين( النور:3).
وتنهي السورة الكريمة عن الخوض في أعراض الناس, وتؤكد أن الخائضين في هذا الأمر بغير دليل هم من الفاسقين الذين تجدر بهم العقوبات الرادعة, وتحدد العقوبة المناسبة لهم, وتعتبرهم من الخارجين علي دين الله إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم( النور:5).
وتشرع سورة النور للملاعنة كوسيلة من وسائل درء الشبهات بين الأزواج; وتشير إلي فرية الإفك, وتبريء المظلومين من دنسها, وتغلظ العقوبة للذين افتروها. وتصفه بأنه بهتان عظيم, وتحذر من العودة إلي افتراء مثله أبدا وذلك بقول الحق( تبارك وتعالي: يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين, ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم, إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون, ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم
(النور:17 ـ20).
وتحذر سورة النور من اتباع خطوات الشيطان لأنه يأمر بالفحشاء والمنكر; وتحض السورة الكريمة علي الإنفاق لذي القربي والمساكين والمهاجرين في سبيل الله; وتنهي عن رمي المحصنات الغافلات المؤمنات, وتغلظ العقوبة علي الوقوع في هذا الجرم بقول الحق( تبارك وتعالي):
إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم, يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون, يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين.( النور:23 ـ25), وتضيف السورة الكريمة الدعوة إلي طهارة المجتمعات الإنسانية مؤكدة حكم الحق( تبارك وتعالي): الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات, والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات, أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم.
(النور:26).
وتنهي سورة النور عن دخول البيوت دون استئذان وسلام علي أهلها, وتضع الضوابط الشرعية لدخول البيوت بصفة عامة, وتأمر بغض البصر, وحفظ الفرج, وستر العورات, وبالاحتشام في الملبس والمظهر, وتنهي عن التبرج بزينة, وتضع الضوابط الصحيحة لحجاب المرأة المسلمة, وللزواج, كما تحرم البغاء, واستغلال الجواري للكسب المادي الرخيص من وراء هذه الجريمة المهدرة لكرامة الإنسان وذلك بقسرهن عليها, وإكراههن علي ممارستها.
وتؤكد السورة الكريمة أن الله( تعالي) قد أنزل إلي الناس آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلهم وموعظة للمتقين, وتؤكد أن الله( تعالي) هو نور السموات والأرض, وأنه( تعالي) هو الذي يهدي لنوره من يشاء: وتضرب مثلا لذلك, ولله المثل الأعلي.
وتدعو سورة النور إلي عتق رقاب الأرقاء; وإلي بناء المساجد, وإلي القيام علي عمارتها وتطهيرها.. بيوتا لله في الأرض, ومنارات للدعوة إلي دين الله الخاتم, يعبد فيها الله( تعالي) وحده( بغير شريك, ولا شبيه, ولا منازع); ويسبح المؤمنون فيها بحمده صباح مساء, لا يشغلهم عن ذلك شيء من ملهيات الدنيا, ومتعتها, وزخارفها.. وذلك طمعا في مرضاة الله, وتجنبا لسخطه, وتحسبا لأهوال يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار...!! وتبشر السورة الكريمة أهل المساجد بأن الله( تعالي) سوف يجزيهم.. أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب.( النور:38).
وفي المقابل تؤكد سورة النور أن الكفار في الآخرة سوف يجدون أعمالهم التي اقترفوها في الدنيا( وهم متصورون أنها أعمال نافعة) وكأنها سراب خادع لا قيمة له, ولا نفع منه; وسوف يجدون الله( تعالي) حاضرا يوفيهم حسابهم وهو( تعالي) سريع الحساب, وأما أعمالهم السيئة فسوف يجدونها كظلمات متكاثفة يشبهها الله( سبحانه وتعالي) بالظلمات المتراكبة فوق قيعان البحار العميقة, والتي يشارك في إحداثها كل من السحاب, والأمواج السطحية, والأمواج الداخلية والتي لم تكتشف إلا في مطلع القرن العشرين, وتعتبر الإشارة إليها في سورة النور سبقا علميا للقرآن الكريم في زمن لم يكن لأحد من البشر إدراك لوجودها, بل ظلت خافية علي علم الإنسان لمدي ثلاثة عشر قرنا بعد تنزل الوحي بها, والواقف في مثل هذه الظلمات المتكاتفة لا يكاد يري شيئا من حوله ولذلك تقرر الآيات حقيقة كونية واقعة تصفها بقول الحق( تبارك وتعالي):
... ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور وتأتي الكشوف العلمية في السنوات القليلة الماضية مؤكدة أن كل صور الحياة فوق قيعان البحار العميقة, وكذلك بعض الكائنات الليلية علي سطح الأرض قد زودها الخالق( سبحانه وتعالي) بوسائل إضاءة ذاتية, حتي ينطبق النص القرآني في آخر هذه الآية الكونية علي الواقع المادي المحسوس, كما ينطبق علي المعني الضمني المقصود..!!.
وتؤكد سورة النور أن جميع من في السموات والأرض يسبح لله الذي له ملك كل شئ, وإليه المصير; وتستشهد علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة بتكوين السحاب الركامي علي هيئة الجبال( وبإنزال كل من المطر والبرد منه, وبنسبة تكون ظاهرة البرق إلي البرد) لأن في الإشارة إلي هذه الحقائق التي لم يصل إليها علم الإنسان إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين; تأكيد علي أن القرآن كلام الله الخالق, وعلي نبوة الرسول الخاتم الذي تلقاه, وتستشهد الآيات علي ذلك أيضا بتقليب الليل والنهار, وبخلق كل دابة من ماء, وبتصنيف تلك الدواب علي أساس من طرائق مشيها, وتؤكد أن الله( تعالي) علي كل شئ قدير; وأنه قد أنزل آيات مبينات, وأنه( تعالي) يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم
وتحذر السورة الكريمة من النفاق والمنافقين, وتفصح عن شيء من دخائل نفوسهم, وما جبلوا عليه من الكذب, والمكر, والخداع, والاحتيال, والحنث في الأيمان, ونقض العهود والمواثيق( تماما كما يفعل الصهاينة المجرمون اليوم). وتقارن بين المواقف الكفرية الكاذبة الخائنة المشينة لهؤلاء المنافقين, والمواقف الإيمانية الصادقة الأمينة الكريمة للمؤمنين, وتأمر بطاعة الله ورسوله, فإن أعرض المنافقون فما علي الرسول إلا البلاغ المبين.
وتؤكد سورة النور أن وعد الله قائم للذين آمنوا وعملوا الصالحات بقوله:( تبارك وتعالي):
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون( النور:55).
وتعاود الآيات الكريمة الأمر بإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وطاعة الرسول( صلي الله عليه وسلم) خاصة في الأمر بالجهاد في سبيل الله, مؤكدة أن الذين كفروا( من أمثال الإسرائيليين المجرمين والأمريكان المتجبرين المعتدين) ليسوا بمعجزين في الأرض, وأن مأواهم جميعا النار وبئس المصير, كما تعاود الأمر بالمزيد من ضوابط السلوك في البيت المسلم, وفي حضرة رسول الله( صلي الله عليه وسلم) خاصة( كنموذج للتعامل مع القيادة الإسلامية في كل زمان ومكان) وتجعل هذا الأدب في التعامل من صفات المؤمنين, وتحذر من مخالفة تلك الأوامر درءا لفتن الدنيا وعذاب الآخرة.
وتختتم سورة النور بالتأكيد مرة أخري أن لله ما في السماوات والأرض, وأنه( تعالي) عليم بخلقه, وأنهم جميعا سوف يرجعون إليه فينبئهم بما فعلوا في الحياة الدنيا, ويجازيهم بأعمالهم فيها إن خيرا فخير وإن شرا فشر..
ومن الآيات الكونية التي استشهدت بها سورة النور علي صدق ما جاء بها من أحكام وتشريعات ما يلي:
(1) أن الله تعالي هو نور السماوات والأرض, وأنه تعالي هو الذي يهدي لنوره من يشاء, وأن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور. وضربت الآيات مثلا للنور الإلهي( ولله المثل الأعلي).
(2) تشبيه أعمال الكافرين التي اقترفوها في الدنيا( وهم واهمون أنها أعمال نافعة) بالسراب الخادع.
(3) تشبيه أعمال الكافرين السيئة في الحياة الدنيا بالظلمات المتراكبة فوق قيعان المحيطات والبحار العميقة, والتي يشارك في إحداثها كل من السحاب, والأمواج السطحية, والأمواج الداخلية التي لم تكتشف إلا في مطلع القرن العشرين.
(4) التأكيد علي أن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور, وذلك علي مستوي كل من الحقيقة الواقعة المحسوسة, والمعني الضمني المقصود.
(5) التأكيد علي أن كل ما في السموات والأرض يسبح بحمد الله( تعالي), ويقدسه, ويمجده في عبادة إرادية أو عبادة تسخيرية لا يدركها كثير من الخلق الغافلين.
(6) الإشارة إلي تكون السحب الركامية علي هيئة السلاسل الجبلية وذلك بإزجاء السحاب, ثم التأليف بينه, ثم ركمه, وإنزال كل من المطر والبرد منه, وتكون ظاهرتي البرق والرعد فيه.
(7) التأكيد علي قدرة الله البالغة في تقليب الليل والنهار.
(8) خلق كل دابة من ماء.
(9) الإشارة الضمنية الرقيقة إلي إمكانية تصنيف الدواب علي أساس من طريقة مشيتها.
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة مستقلة, قد لا يتسع المجال لها ولذلك فإنني سوف أقصر حديثي هنا علي الآية الأربعين من سورة النور والتي تتحدث عن الظلمات المتراكبة فوق قيعان البحار العميقة, وأسباب تكونها, وقبل الخوض في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة.
من أقوال المفسرين

الامواج الداخلية تحدث الظلمة الثالثة فوق قيعان البحار والمحيطات
في تفسير قوله( تعالي): والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب* أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
(النور:40,39).
ذكر ابن كثير( يرحمه الله) ما نصه: هذان مثلان ضربهما الله تعالي لنوعي الكفار, فأما الأول من هذين المثلين فهو للكفار الدعاة إلي كفرهم الذين يحسبون أنهم علي شئ من الأعمال والاعتقادات, وليسوا في نفس الأمر علي شئ فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يري في القيعان من الأرض من بعد كأنه بحر طام; والقيعة جمع قاع كجار وجيرة, وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة وفيه يكون السراب, يري كأنه ماء بين السماء والأرض, فإذا رأي السراب من هو محتاج إلي الماء يحسبه ماء قصده ليشرب منه, فلما انتهي إليه( لم يجده شيئا), فكذلك الكافر, يحسب أنه قد عمل عملا وأنه قد حصل شيئا, فإذا وافي الله يوم القيامة وحاسبه عليها ونوقش علي أفعاله لم يجد له شيئا بالكلية, كما قال:( وقدمنا إلي ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا), وقال ههنا:( ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب), وفي الصحيحين: أنه يقال يوم القيامة لليهود ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزير ابن الله, فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من ولد ماذا تبغون؟ فيقولون: يارب عطشنا فاسقنا, فيقال: ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضه بعضا فينطلقون فيتهافتون فيها. وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب. فأما أصحاب الجهل البسيط, وهم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون فمثلهم كما قال تعالي:( أو كظلمات في بحر لجي) قال قتادة:( اللجي) هو العميق,( يغشاه موج من فوقه موج, من فوقه سحاب, ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها) أي لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام, فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يعرف حال من يقوده, ولا يدري أين يذهب, بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم, قيل فإلي أين يذهبون؟ قال: لا أدري, وقال ابن عباس رضي الله عنهما( يغشاه موج) يعني بذلك الغشاوة التي علي القلب والسمع والبصر, وهي كقوله:( ختم الله علي قلوبهم وعلي سمعهم, وعلي أبصارهم غشاوة) الآية وكقوله( وختم علي سمعه وقلبه وجعل علي بصره غشاوة). فالكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة, وعمله ظلمة, ومدخله ظلمة, ومخرجه ظلمة, ومصيره يوم القيامة إلي الظلمات إلي النار, وقوله تعالي:( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) أي من لم يهده الله فهو هالك جاهل بائر كافر, كقوله:( ومن يضلل الله فلا هادي له) وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين( يهدي الله لنوره من يشاء) فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورا, وعن أيماننا نورا, وعن شمائلنا نورا, وأن يعظم لنا نورا.
وذكر صاحبا تفسير الجلالين( رحمهما الله) ما نصه:...( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة) جمع( قاع) أي فلاة, قاله الهروي, والصحيح أن( القيعة) مفرد مثل( القاع) وجمعهما( قيعان) وهو( أي: السراب) شعاع يري فيها نصف النهار في شدة الحر يشبه الماء الجاري( يحسبه) يظنه( الظمآن) أي: العطشان( ماء حتي إذا جاءه لم يجده شيئا) مما حسبه, كذلك الكافر يحسب أن عمله كصدقة ينفعه حتي إذا مات وقدم علي ربه لم يجد عمله, أي: لم ينفعه( ووجد الله عنده) أي: عند عمله( أي: لم يجد ما توقعه وما كان يعبده من دون الله في الدنيا بل وجد أن الله وحده هو الحق, ولم يجد محاسبا له علي عمله غيره فحاسبه)( فوفاه حسابه) أي: جازاه عليه في الدنيا...( والله سريع الحساب) أي: المجازاة( أو) الذين كفروا أعمالهم السيئة( كظلمات في بحر لجي) عميق( يغشاه موج من فوقه) أي: الموج( موج من فوقه) أي: الموج الثاني( سحاب) غيم, هذه( ظلمات بعضها فوق بعض) ظلمة البحر, وظلمة الموج الأول, وظلمة( الموج) الثاني, وظلمة السحاب( إذا أخرج) الناظر( يده) في هذه الظلمات( لم يكد يراها) أي: لم يقرب من رؤيتها( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) أي: من لم يهده الله لم يهتد.
وجاء في تفسير الظلال( رحم الله كاتبه برحمته الواسعة) ما نصه: والتعبير يرسم لحال الكافرين ومآلهم بمشهدين عجيبين, حافلين بالحركة والحياة.
في المشهد الأول يرسم أعمالهم كسراب في أرض مكشوفة مبسوطة, يلتمع التماعا كاذبا, فيتبعه صاحبه الظاميء, وهو يتوقع الري غافلا عما ينتظره هناك.. يصل فلا يجد ماء يرويه...( ووجد الله عنده)! الله الذي كفر به وجحده, وخاصمه وعاداه, وجده هناك ينتظره!...( فوفاه حسابه).. و(الله سريع الحساب...).
وفي المشهد الثاني تطبق الظلمة بعد الالتماع الكاذب, ويتمثل الهول في ظلمات البحر اللجي, موج من فوقه موج من فوقه سحاب, وتتراكم الظلمات بعضها فوق بعض, حتي ليخرج يده أمام بصره فلا يراها لشدة الرعب والظلام!.
إنه الكفر ظلمة منقطعة عن نور الله الفائض في الكون, وضلال لا يري فيه القلب أقرب علامات الهدي, ومخافة لا أمن فيها ولا قرار...( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور)... ونور الله هدي في القلب, وتفتح في البصيرة, واتصال في الفطرة بنواميس الله في السماوات والأرض, والبقاء بها علي الله نور السماوات والأرض. فمن لم يتصل بهذا النور فهو في ظلمة لا انكشاف لها, وفي مخافة لا أمن فيها, وفي ضلال لا رجعة منه. ونهاية العمل سراب ضائع يقود إلي الهلاك والعذاب, لأنه لا عمل بغير عقيدة, ولا صلاح بغير إيمان. إن هدي الله هو الهدي. وإن نور الله هو النور.
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن( رحم الله كاتبه) ما نصه:( والذين كفروا) بيان لحال الكافرين بضرب مثلين لأعمالهم, بعد بيان حال المؤمنين ومآل أمرهم.( أعمالهم كسراب) هو الشعاع الذي يري وسط النهار عند اشتداد الحر في الفلوات الواسعة; كأنه ماء سارب وهو ليس بشيء, ويسمي الآل.( بقيعة) جمع قاع, وهو ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت. وفيه يتراءي السراب..( يحسبه الظمآن) الذي اشتدت حاجته إلي الماء( ماء حتي إذا جاءه لم يجده شيئا) مما حسبه وظنه. شبه ما يعمله الكافر من أنواع البر في الدنيا التي يظنها نافعة له عند الله ومنجية له من عقابه ـ من حيث هبوطها ومحو أثرها في الآخرة, وخيبة أمله فيها ـ بسراب يراه الظمآن في الفلاة وهو أشد ما يكن حاجة إلي الماء فيحسبه ماء; فيأتيه فلا يجده شيئا فيخيب أمله ويتحسر.( ووجد الله عنده) أي وجد حكمه تعالي وقضاءه( فوفاه حسابه) أعطاه وافيا كاملا جزاء كفره; أما أجورهم عليها فيوفونها في الدنيا فقط.
(أو كظلمات) أي أعمالهم الحسنة في الدنيا من حيث خلوها عن نور الحق كظلمات( في بحر لجي) عميق كثير الماء( يغشاه) يعلوه ويغطيه( موج من فوقه موج) آخر( من فوقه) أي من فوق هذا الموج الأعلي( سحاب) قائم,( ظلمات) هذه ظلمات متراكمة( بعضها فوق بعض) ظلمة السحاب فوق ظلمة الموج فوق ظلمة البحر.( إذا أخرج يده) من ابتلي بها( لم يكد يراها) من تراكم الظلمات; أي لم يقرب من رؤيتها فضلا عن أن يراها. وقيل:( أو) للتنويع, فشبهت أعمالهم الحسنة بالسراب, والسيئة بالظلمات( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) أي من لم يشأ الله سبحانه أن يهديه لنوره في الدنيا فما له من هداية منها من أحد
وكل من أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم, وصاحب صفوة التفاسير( جزاهم الله خيرا) ذكر كلاما مشابها وإن أضاف الخبراء علي هامش المنتخب تفسيرا لظلمات البحر اللجي علي أساس من أن عواصف البحار العميقة أو المحيطات تنطلق فيها أمواج مختلفة الطول والسعة أو الارتفاع, بحيث يبدو الموج منطلقا في طبقات بعضها فوق بعض, فيحجب ضياء الشمس, لما تثيره هذه العواصف من سحب...
الدلالة العلمية للآية الكريمة
تشير هذه الآية الكريمة إلي الظلمة التامة فوق قيعان البحار العميقة والمحيطات, مؤكدة أنها ظلمة مركبة, يلعب كل من السحب, والأمواج السطحية, والأمواج الداخلية دورا أساسيا في إحداثها, وهي حقيقة لم يدركها الانسان إلا في مطلع القرن العشرين.
ولما كانت الشمس هي مصدر الحرارة والضوء ومختلف صور الطاقة الأخري( فيما عدا الطاقة النووية) علي سطح الأرض وعلي أسطح غيرها من أجرام المجموعة الشمسية, كان لزاما علينا الرجوع إلي المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس للتعرف علي الحواجز التي يمكن أن تعترض أشعة الشمس في طريق وصولها إلي الأرض ومن أهمها الغلاف الغازي للأرض, خاصة جزءه السفلي( نطاق المتغيرات المناخية أو نطاق الرجع) ومابه من سحب.
الظلمة الأولي تسببها السحب:
تتكون الأشعة الصادرة من الشمس من كل الموجات الكهرومغناطيسية ابتداء من الأشعة الراديوية إلي الأشعة السينية إلا أن الغالب عليها هو الضوء المرئي وكل من الاشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية, بالاضافة إلي بعض الجسيمات الأولية المتسارعة مثل الإلكترونات, وأغلب الأشعة فوق البنفسجية يردها إلي الخارج نطاق الأوزون. وعند وصول بقية أشعة الشمس إلي الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض فإن السحب تعكس وتشتت نحو30% منها.
وتمتص السحب وما بها من بخار الماء وجزيئات الهواء وهباءات الغبار وغيرها من نوي التكثيف الأخري حوالي19% من تلك الأشعة الشمسية المارة من خلالها, تحجب السحب بالانعكاس والتشتيت والامتصاص حوالي49% من أشعة الشمس, فتحدث قدرا من الظلمة النسبية.
الأمواج السطحية في البحار والمحيطات تسبب الظلمة الثانية
عند وصول ماتبقي من أشعة الشمس إلي أسطح البحار والمحيطات فإن حوالي35% من الأشعة تحت الحمراء فيها تستهلك في تبخير الماء, وتكوين السحب, وفي عمليات التمثيل الضوئي. التي تقوم بها النباتات البحرية.
أما مايصل إلي سطح البحار والمحيطات مما تبقي من الأشعة المرئية( أو الضوء الأبيض). فان الأمواج السطحية للبحار تعكس5% أخري منها, فتحدث قدرا أخر من الظلمة النسبية في البحار والمحيطات.
توهن ضوء الشمس المرئي بمروره
في ماء البحار والمحيطات
الجزء المرئي من أشعة الشمس الذي ينفذ إلي كتل الماء في البحار والمحيطات يتعرض لعمليات كثيرة من الانكسار, والتحلل إلي الأطياف المختلفة والامتصاص بواسطة كل من جزيئات الماء, وجزيئات الأملاح المذابة فيه, وبواسطة المواد الصلبة العالقة به, وبما يحيا فيه من مختلف صور الأحياء, وبما تفرزهتلك الأحياء من مواد عضوية, ولذلك يضعف الضوء المار في الماء بالتدريج مع العمق.
والطيف الأحمر هو أول مايمتص من أطياف الضوء الأبيض ويتم امتصاصه بالكامل علي عمق لايكاد يتجاوز عشرة أمتار, ويليه في الامتصاص الطيف البرتقالي ثم الطيف الأصفر والذي يتم امتصاصه بالكامل علي عمق لايتجاوز الخمسين مترا, ويلي ذلك الطيف الأخضر والذي يتم امتصاصه بالكامل علي عمق مائة متر في المتوسط, ويستمر الطيف الأزرق بعد ذلك ليتم امتصاصه علي عمق يزيد قليلا علي المائتي متر, ولذلك يبدو ماء البحار والمحيطات باللون الأزرق لتشتت هذا الطيف من أطياف الضوء الأبيض في المائتي متر العليا من تلك الكتل المائية.
وبذلك فإن معظم موجات الضوء المرئي تمتص علي عمق مائة متر تقريبا من مستوي سطح الماء في البحار والمحيطات, ويستمر1% منها إلي عمق150 مترا, و0,01% إلي عمق200 متر في الماء الصافي الخالي من العوالق.
وعلي الرغم من السرعة الفائقة للضوء( حوالي300,000 كيلومتر في الثانية في الفراغ, وحوالي225,000 كيلومتر في الثانية في الأوساط المائية), فإنه لايستطيع أن يستمر في ماء البحار والمحيطات لعمق يزيد علي الألف متر, فبعد مائتي متر من أسطح تلك الأوساط المائية يبدأ الإظلام شبه الكامل حيث لاينفذ بعد هذا العمق سوي أقل من0,01% من ضوء الشمس, ويظل هذا القدر الضئيل من الضوء المرئي يتعرض للانكسار والتشتت والامتصاص حتي يتلاشي تماما علي عمق لايكاد يصل إلي كيلومتر واحد تحت مستوي سطح البحر. حيث لايبقي من أشعة الشمس الساقطة علي ذلك السطح سوي واحد من عشرة تريليون جزء منها, ولما كان متوسط أعماق المحيطات يقدر بنحو3795 مترا, وأن أقصاها عمقا يتجاوز الأحد عشر كيلومترا بقليل(11,034 متر) وبين هذين الحدين تتراوح أعماق البحار والمحيطات بين أربعة وخمسة كيلومترات في المتوسط, وبين ثمانية وعشرة كيلومترات في أكثرها عمقا. فإن معني ذلك أن أعماق تلك المحيطات تغرق في ظلام دامس.
الأمواج الداخلية هي سبب الظلمة الثالثة فوق قيعان البحار العميقة
بالاضافة إلي تحلل الضوء الأبيض عند مروره في ماء البحار والمحيطات فإن السبب الرئيسي في إحداث الإظلام التام فوق قيعان البحار اللجية( أي الغزيرة الماء لعمقها حتي لايكاد يدرك لها قاع, والمتلاطمة الأمواج لقول العرب( إلتج البحر) أي: تلاطمت أمواجه) هي الأمواج الداخلية في تلك البحار العميقة وغير المتجانسة.
وتتكون هذه الأمواج الداخلية بين كتل الماء ذات الكثافات المختلفة, وتختلف كثافة الماء في البحار العميقة والمحيطات باختلاف كل من درجة حرارته, ونسبة الأملاح المذابة فيه, وتتمايز كتل الماء في تلك المسطحات المائية الكبيرة أفقيا بتمايز مناطقها المناخية, ورأسيا بتمايز كثافتها. وتتحرك التيارات المائية أفقيا بين مساحات شاسعة من خطوط العرض فتكتسب صفات طبيعية جديدة من درجات الحرارة والملوحة بسبب تغير معدلات التسخين أو التبريد, ومعدلات البخر أو سقوط الأمطار, مما يضطرها إلي التحرك رأسيا كذلك.
وتمايز الماء في البحار العميقة والمحيطات إلي كتل سطحية, وكتل متوسطة, وكتل شبه قطبية, وكتل حول قطبية ولايتمايز الماء إلي تلك الكتل إلا في البحار شديدة العمق, ومن هنا فإن الأمواج الداخلية لاتتكون إلا في مثل تلك البحار العميقة, ومن هنا أيضا كان التحديد القرآني بالوصف بحر لجي إعجازا غير مسبوق.
وتتكون الأمواج الداخلية عند الحدود الفاصلة بين كل كتلتين مائيتين مختلفتين في الكثافة, وهي أمواج ذات أطوال وارتفاعات تفوق أطوال وارتفاعات الأمواج السطحية بمعدلات كبيرة, حيث تتراوح أطوالها بين عشرات ومئات الكيلومترات, وتصل سعتها( أي ارتفاع الموجة) إلي مائتي متر, وتتحرك بسرعات تتراوح بين100,5 سنتيمتر في الثانية لمدد تتراوح بين أربع دقائق وخمس وعشرين ساعة.
وعلي الرغم من ذلك فهي أمواج لايمكن رؤيتها بطريقة مباشرة, وإن أمكن إدراك حركتها بأجهزة ميكانيكيةوذلك بواسطة عدد من القياسات للاضطرابات التي تحدثها تلك الأمواج الداخلية, وهذا ايضا مما يجعل الاشارة القرآنية إليها إعجازا لاينكره إلا جاحد.
كذلك يبدأ تكون الأمواج الداخلية علي عمق40 مترا تقريبا من مستوي سطح الماء في المحيطات حيث تبدأ صفات الماء فجأة في التغير من حيث كثافتها ودرجة حرارتها, وقد تتكرر علي أعماق أخري كلما تكرر التباين بين كتل الماء في الكثافة, وعجز الانسان في زمن الوحي ولقرون متطاولة من بعده عن الغوص إلي هذا العمق الذي يحتاج إلي أجهزة مساعدة خاصة مما يقطع باعجاز علمي في هذه الآية الكريمة بإشارتها إلي تلك الأمواج الداخلية, وهي أمواج لم يدركها الإنسان إلا في مطلع القرن العشرين( سنة1904 م).
ومن فوق هذه الأمواج الداخلية تأتي الأمواج السطحية ومايصاحبها من العواصف البحرية والتي يحركها كل من الرياح والجاذبية والهزات الأرضية, ودوران الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق, وحركات المد والجزر الناتجة عن جاذبية كل من الشمس والقمر, وغير ذلك من العوامل المعروفة وغير المعروفة, وهذه الأمواج السطحية هي أحد العوائق أمام مرور كل أشعة الشمس الساقطة علي أسطح البحار والمحيطات, في مائها والوصول إلي أعماقها, ولذلك فهي أحد أسباب ظلمة تلك الأعماق, بالإضافة إلي تحلل تلك الأشعة إلي أطيافها وامتصاصها بالتدريج في الماء.
ومن فوق هذه الأمواج السطحية تأتي السحب التي تمتص وتشتت وترد إلي صفحة السماء حوالي49% من مجموع أشعة الشمس الواصلة إلي نطاق التغييرات المناخية فتحدث قدرا من الظلمة النسبية التي تحتاجها الحياة علي سطح الأرض.
فسبحان الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق:
أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.( النور:40)
والآية الكريمة جاءت في مقام التشبيه, ولكنها علي الرغم من ذلك جاءت في صياغة علمية دقيقة غاية الدقة, ومحكمة غاية الإحكام شأن كل الآيات القرآنية,ونزلت هذه الآية الكريمة في زمن لم يكن لأحد من الناس إلمام بتلك الحقائق العلمية ولابطرف منها, وظلت أجيال الناس جاهلة بها لقرون متطاولة بعد زمن الوحي حتي تم الإلمام بشيء منها في مطلع القرن العشرين.
ومع افتراض أن أحدا من الناس قد أدرك في القديم دور السحب في إحداث شيء من الظلمة علي الأرض ودور الأمواج السطحية في إحداث شيء من ذلك علي قيعان البحار والمحيطات( وهو افتراض مستبعد جد) فان من أوضح جوانب الإعجاز العلمي( أي: السبق العلمي) في هذه الآية الكريمة هو تلك الإشارة المبهرة إلي الأمواج الداخلية
(InternalWaves)
وهي أمواج لايمكن رؤيتها بالعين المجردة أبدا, ولكن يمكن إدراكها بعدد من القياسات غير المباشرة.
ومن جوانب السبق العلمي في هذه الآية الكريمة أيضا الإشارة إلي الحقيقة المعنوية الكبري التي تصفها الآية بقول الحق( تبارك وتعالي):.. ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
ثم تفاجئنا البحوث العلمية أخيرا بواقع مادي ملموس لتلك الحقيقة بالاضافة إلي مضمونها المعنوي الجميل, فقد كان العلماء إلي عهد قريب جدا لايتصورون إمكانية وجود حياة في أغوار المحيطات العميقة, أولا للظلمة التامة فيها, وثانيا للبرودة الشديدة لمائها, وثالثا للضغوط الهائلة الواقعة عليها( وزن عمود الماء بسمك يصل إلي أربعة كيلومترات في المتوسط), ورابعا للملوحة المرتفعة أحيانا لذلك الماء, ولكن بعد تطوير غواصات خاصة لدراسة تلك الأعماق فوجيء دارسو الأحياء البحرية بوجود بلايين الكائنات الحية التي تنتشر في تلك الظلمة الحالكة وقد زودها خالقها بوسائل إنارة ذاتية في صميم بنائها الجسدي تعرف باسم الإنارة الحيوية
(Bioluminescence),
وتنتج هذه الإنارة العجيبة عن طريق تفاعل فريد من نوعه بين جزئ لمركب كيميائي عضوي اسمه ليوسيفيرين
(Luciferin)
وجزئ الأوكسجين في وجود إنزيم خاص اسمه ليوسيفيريز
(Luciferase),
ويمثل هذا التفاعل الفريد عملية الأكسدة الوحيدة المعروفة لنا في أجساد الكائنات الحية التي لايصاحبها إنتاج قدر مدرك من الحرارة, ومن العجيب أن كل نوع من أنواع هذه الأحياء الخاصة والتي تحيا في بيئات من الظلمة التامة له أنواع خاصة من المركبات الكيميائية المنتجة للضوء, وله إنزيماته الخاصة أيضا, والسؤال الذي يفرض نفسه: من غير الله الخالق يمكنه ان يعطي كل نوع من أنواع تلك الأحياء البحرية العميقة, هذا النور الذاتي؟ وهنا يتضح البعد المادي الملموس لهذا النص القرآني المعجز, كما يتضح بعده المعنوي الرفيع: ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور, فسبحان الذي أنزل القرآن الكريم, أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله, وحفظه لنا بلغة وحيه( اللغة العربية) حفظا كاملا بكل حرف, وكل كلمة, وكل آية وكل سورة, فجاء ذلك كله معجزا غاية الاعجاز فالحمد لله رب العالمين علي نعمة القرآن وصلي الله وسلم وبارك علي هذا النبي الخاتم الذي تلقاه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين.
التعديل الأخير تم بواسطة أسد الإسلام ; 03-01-2010 الساعة 11:51 PM
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:11 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:10 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:08 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:07 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 20-12-2009, 10:48 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات