الاشارات الكونيه في القران الكريم
ومغزي دلالتها العلميه

ان فهم الاشارات الكونيه في كتاب الله, علي ضوء ما تجمع للبشريه اليوم من معارف, وتقديمها للعالم كواحد من الادله العديده علي ان القران الكريم هو كلام الله الذي انزله بعلمه والذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, والذي حفظ بحفظ الله, بنفس اللغه التي اوحي بها, بدقائق حروفه وكلماته واياته وسوره, يعتبر فتحا جديدا للاسلام, وانقاذا للبشريه من الهاويه التي تتردي فيها اليوم بسبب تقدمها العلمي والتقني المذهل وتضاول روح الايمان بالله, وانعدام الخشيه من عذابه في نفوس القطاع الاكبر من الناس خاصه في اكثر المجتمعات البشريه المعاصره اخذا باسباب التقدم العلمي والتقني, فاغلب المجتمعات البشريه في الدول غير المسلمه تعاني اليوم من انفراط عقد الاسره, والتقنين للممارسات الجنسيه بدون ادني رباط, فكثر حمل المراهقات, وابناء الزنا, والاسر ذات العائل الواحد, وتفشت الامراض والاوباء والعلل مما لم يكن معروفا من قبل, وقننت الحكومات والتشريعات للعلاقات الشاذه, وصرحت بتبني الاطفال وتنشئتهم في وسط الشواذ, وهي عمليه مدمره للفطره الانسانيه فكثرت الازمات النفسيه وامراضها, وتضاعفت معدلات كل من الادمان والجريمه والانتحار, وملئت اكثر المجتمعات البشريه ثراء وتطورا ماديا باخطر مشاكل المجتمعات الانسانيه علي الاطلاق...!!!

ومن هولاء الذين لايعرفون لهم ابا, والذين خرجوا الي الحياه بطرق غير مشروعه, ونشئوا في بيئات فاسده وبين سلوكيات منحطه وضيعه من يمكن ان يصل الي مقام السلطه في دول تملك من تقنيات ووسائل الغلبه الماديه, من مختلف اسلحه الدمار الشامل ما يعينه علي البطش بالخلق, وافشاء الظلم, وتدمير الحياه علي سطح الارض, وافساد بيئاتها والقضاء علي مختلف صور الحياه فيها...!!! ولا يجد من دين او خلق او منطق اي رادع يمكن ان يرده عن ذلك...!!!
واغلب وسائل الاعلام في العالم قد وقعت اليوم في ايدي اليهود, في موامره خسيسه علي الانسانيه واليهود هم اشد الناس عداوه للذين امنوا بصفه خاصه وللانسان غير اليهودي بصفه عامه فوظفوا كافه تلك الوسائل الاعلاميه في تدمير البقيه الباقيه من عقائد واخلاقيات وسلوكيات المجتمعات الانسانيه, وفي تشويه صوره الاسلام في اذهان الناس, وذلك لان مما يسوءهم ان يروا الاسلام ينتشر في مجتمعاتهم المريضه في الوقت الذي يتصورون فيه انهم قد احاطوا بالاسلام والمسلمين احاطه كامله. ويقبل علي الاسلام في الغرب والشرق قمم الفكر والعلم والراي لانهم يرون فيه المخرج الوحيد من الوحل النتن الذي غاصت فيه مجتمعاتهم والذي يعيشون فيه الي اذقانهم في غالبيتهم الساحقه, ووسيلتنا في تحسين صوره الاسلام في العالم هي حسن الدعوه اليه بالكلمه الطيبه, والحجه الواضحه, والمنطق السوي. وخير ما نقدمه في ذلك المضمار مما يتناسب مع طبيعه العصر ولغته هو الاعجاز العلمي للقران الكريم, لاننا نعيش في زمن ادار غالبيه الناس ظهورهم فيه للدين, ولم تعد قضايا الغيب المطلق من بعث بعد الموت, وعرض اكبر امام الله الخالق, وخلود في حياه قادمه: اما في الجنه ابدا, او في النار ابدا

وغيرها من قضايا الدين لم تعد تحرك فيهم ساكنا, ولكنهم في نفس الوقت قد فتنوا بالعلم ومعطياته فتنه كبيره, فاذا اشرنا الي سبق للقران الكريم في الاشاره الي عدد من حقائق الكون قبل ان يصل الانسان الي شيء منها بعشرات المئات من السنين, وهو الكتاب الذي انزل علي نبي امي( صلي الله عليه وسلم) في امه كانت غالبيتها الساحقه من الاميين, فان ذلك سوف يحرك عقولهم وقلوبهم, وسوف يحضهم علي الاطلاع في كتاب الله الذي ما اطلع عليه عاقل الا ويشهد له انه لا يمكن ان يكون كلام احد غير الله الخالق( سبحانه وتعالي), وفي ذلك تحييد لحجم الكراهيه الشديده التي غرستها وسائل الاعلام الدوليه للاسلام والمسلمين في قلوب الملايين, ودعوه مستنيره الي دين الله وما احوجنا للدعوه لهذا الدين الخاتم في زمن التحدي بالعولمه الذي نعيشه, والذي يتهدد كافه شعوب الارض بالذوبان في بوتقه الحضاره الماديه الجارفه...!!!
ولا يمكن ان يصدنا عن ذلك دعوي ان عددا من المفسرين السابقين الذين تعرضوا لتاويل بعض الايات الكونيه في كتاب قد تكلفوا في تحميل تلك الايات من المعاني مالا تحتمله وذلك بسبب نقص في وفره المعلومات العلميه او جهل بها, وذلك لما سبق وان اوضحناه بان التفسير لاي القران الكريم هو محاوله بشريه لحسن فهم دلاله تلك الايات ان اصاب فيها المرء فله اجران, وان اخطا فله اجر واحد, والمعول في ذلك النيه, وان الخطا في التفسير لا ينال من جلال القران الكريم, ولكنه ينعكس علي المفسر, خاصه وان الذين فسروا باللغه اصابوا واخطاوا والذين فسروا بالتاريخ اصابوا واخطاوا ولم ينل ذلك من قدسيه القران الكريم ومكانته في قلوب وعقول المومنين شيئا اما اليوم وقد توافر للانسان من المعرفه بحقائق الكون وسننه ما لم يتوافر لجيل من البشر من قبل, فان توظيف ذلك الكم من المعلومات من اجل حسن فهم دلاله الايه القرانيه, واثبات سبقها التاريخي لكافه البشر يعتبر ضروره اسلاميه لتثبيت ايمان المومنين, ولدعوه الضالين من الكفار والمشركين والذي سوف يسالنا ربنا( تبارك وتعالي) عن تبليغهم بهذا الدين, ودعوتهم اليه بالحكمه والموعظه الحسنه.

والاخطاء التي وقع فيها عدد من المفسرين الذين تعرضوا للايات الكونيه في كتاب الله, او تكلفهم في تحميل الايات من المعاني ما لا تحمله, في تعسف واضح, وتكلف جلي, يحملونه هم, ولا تتحمله ايات الكتاب المبين, لان التاويل يبقي جهدا بشريا منسوبا لمووله, بكل ما للبشر من نقص وبعد عن الكمال, واذا كان عدد منهم قد جاوز الصواب في تاويله, فان اعدادا اوفر قد وفقت في ذلك ايما توفيق.
ولم تكن اخطاء المفسرين محصوره في محاولات تاويل الاشارات الكونيه فقط, فهنالك عدد من كتب التفسير التي تمتليء بالاسرائيليات الموضوعه, والعصبيات المذهبيه الضيقه, وغير ذلك مما لا يقبله العقل القويم, والصحيح المنقول عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وعن اصحابه المكرمين والتابعين, ولا يرتضيه المنطق اللغوي السليم. فالمعتزله علي سبيل المثال لا الحصر قد حاولوا في تفاسيرهم اخضاع الايات لمبادئهم في العدل والتوحيد وحريه الاراده والوعد والوعيد وانكار الرويه وغيرها, وتعسفوا في ذلك ايما تعسف.
والشيعه علي اختلاف فرقهم قد دفعتهم المغالاه في حب ال البيت الي التطرف في تاويل الايات القرانيه تاويلا لا يحتمله ظاهر الايات. ولا السياق القراني. ولا القرائن المنطقيه المختلفه.
وكذلك المتصوفه والاشاريون فهم علي الرغم من تسليمهم بالماثور من التفسير, وقبولهم للمعني الذي يدل عليه اللفظ العربي يسمحون لانفسهم باستنباط معان للايات تخطر في اذهانهم عند التلاوه وان لم تدل عليها الايات القرانيه الكريمه بطريق من طرق الدلالات المعروفه في الاستعمال العربي للغه وطرائق التعبير فيها.

اما المنحرفون من اتباع الفرق الباطنيه وافرازاتها القديمه والحديثه( كالقرامطه والبابيه, والبهائيه, والعلويه النصيريه, والقاديانيه الاحمديه, والاسماعيليه, والدرزيه وغيرها) فتمتليء تفاسيرهم بالانحرافات التي تنطق بالتعسف والافتعال, ومحاولات تطويع القران لمبادئهم المضلله في تكلف ملحوظ.
فهل معني ذلك ان يتوقف علم التفسير عند حدود جهود السابقين من المفسرين؟ويتوقف فهم الناس لكتاب الله الذي انزل اليهم ليتدبروا اياته, ويعيشوا في معانيه, ويتخذوا منها دستورا كاملا لحياتهم عند جهود قدامي المفسرين علي فضلهم, وفضل ما قدموه لخدمه فهم القران الكريم في حدود المعرفه المتاحه في ازمنتهم؟ بالقطع لا, علي الرغم من التسليم بان هذه الانحرافات وامثالها كانت من وراء الدعوه الي الوقوف بالتفسير عند حدود الماثور, فكتب التفسير علي تباينها تحوي تراثا فكريا وتاريخيا لهذه الامه لايمكن التضحيه به, حتي ولو كانت به بعض الاخطاء او التجاوزات, الا اذا كان القصد الواضح هو التحريف, وهو امر لايصعب علي عاقل ادراكه.

من كل ما سبق يتضح لنا ان حجج المضيقين في رفض تفسير الاشارات الكونيه في كتاب الله علي ضوء ما تجمع اليوم لدي الانسان من معارف بالكون وعلومه هي كلها حجج مردوده, فالكون صنعه الله, والقران هو كلام خالق الكون وواضع نواميسه, ولا يمكن ان يتعارض كلام الله الخالق مع الحقائق التي قد اودعها في خلقه, اذا اتبع الناظر في كليهما المنهج السليم, والمسلك الموضوعي الامين, فمن صفات الايات الكونيه في كتاب الله انها صيغت صياغه معجزه يفهم منها اهل كل عصر معني من المعاني في كل ايه من تلك الايات الداله علي شيء من اشياء الكون او ظواهره او نشاته او افنائه واعاده خلقه, وتظل تلك المعاني تتسع باتساع دائره المعرفه الانسانيه في تكامل لايعرف التضاد, وهذا عندي من اعظم جوانب الاعجاز في كتاب الله, ومن هنا كانت ضروره استمراريه النظر في تفسير تلك الايات الكونيه, وضروره مراجعه تراجمها الي اللغات الاخري بطريقه دوريه.
اما ايات العقيده والعباده والاخلاق والمعاملات فقد صيغت صياغه محكمه يفهم دلالتها كل مستمع اليها مهما قلت ثقافته او زادت, لان تلك الايات تمثل ركائز الدين الذي هو صلب رساله القران الكريم.

وكذلك الايات المتعلقه بصفات الله, وبالاخره وبالملائكه والجن وغير ذلك من الامور الغيبيه غيبه مطلقه فلا يملك المسلم الا الايمان بها, والتسليم في فهمها لنص القران الكريم او للماثور من تفسير المصطفي( صلي الله عليه وسلم) لان الانسان لايمكن له ان يصل الي عالم الغيب المطلق الا ببيان من الله الخالق, وذلك لان قدرات عقل الانسان المحدوده, وحواسه المحدوده لايمكن لهما اجتياز حدود عوالم الغيوب المطلقه مهما اوتي الانسان من اسباب الذكاء والفطنه, ومن هنا كان امتداح القران الكريم للذين يومنون بالغيب...!!!
موقف الموسعين: في التفسير العلمي
ويري اصحاب هذا الموقف ان الاشارات الكونيه في القران الكريم قد قصدت لذاتها اي لدلالاتها العلميه المحدده, مع التسليم بوجوب استخلاص الحكمه والعبره منها, والوصول الي الهدايه عن طريقها, وانطلاقا من ذلك فقد قام اصحاب هذا الموقف بتبويب ايات الكونيات في كتاب الله, وتصنيفها حسب مختلف التصانيف المعروفه في مختلف مجالات العلوم البحته والتطبيقيه, ثم اندفعوا في حماسهم لهذا الاتجاه الي المناداه بان القران الكريم يشتمل علي جميع العلوم والمعارف.

ولابد لحسن فهم تلك الاشارات الكونيه في كتاب الله من تفسيرها علي ضوء اصطلاحات تلك العلوم والمعارف, ثم زاد البعض بمحاوله اثبات ان جميع حقائق العلوم البحته والتطبيقيه التي استخلصها الانسان بالنظر في جنبات هذا الكون هي موجوده في القران الكريم استنادا الي قوله تعالي:
(.. ما فرطنا في الكتاب من شيء...)
(الانعام: ايه38)

وقوله...
( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء..)
(النحل: ايه89)

وهذا في راينا موقف مبالغ فيه لان السياق القراني في الايتين السابقتين لايتمشي مع ما وصلوا اليه من استنتاج, لانهما يركزان علي رساله القران الاساسيه وهي الدين بركائزه الاربع الاساسيه: العقيده, والعباده, والاخلاق والمعاملات, وهي القضايا التي لا يمكن للانسان ان يضع فيها لنفسه ضوابط صحيحه. وهي التي استوفاها القران استيفاء لايقبل اضافه, اما قصص الامم السابقه والاشارات الي الكون ومكوناته فقد جاء القران الكريم بنماذج منها تشهد لله الخالق بطلاقه القدره علي الخلق وافنائه واعادته من جديد. وربما كان هذا الموقف وامثاله من الاسباب الرئيسيه التي ادت الي تحفظ المتحفظين من الخوض في تفسير الايات الكونيه الوارده في كتاب الله علي اساس من معطيات العلوم البحته والتطبيقيه, او التعرض لاظهار جوانب الاعجاز العلمي فيها.
موقف المعتدلين في التفسير العلمي

ويري اصحاب هذا الموقف انه مع التسليم بان القران الكريم هو في الاصل كتاب هدايه ربانيه, اساسها الدعوه الي العقيده الصحيحه والامر بالعبادات المفروضه والحث علي الالتزام بمكارم الاخلاق وعلي التعامل بالعدل, اي انه دستور كامل للحياه في طاعه خالق الكون والحياه.
ومع التسليم كذلك بان الاشارات الكونيه الوارده في كتاب الله قد جاءت في معرض التذكير بقدرته المطلقه, وبديع صنعه في خلقه, وشمول علمه, وكمال صفاته وافعاله, الا انها تبقي بيانا من الله, خالق الكون ومبدع الوجود, ومن اعلم بالكون من خالقه...؟

من هنا كانت تلك الاشارات الكونيه كلها حق, وكانت كلها منسجمه مع قوانين الله وسننه في الكون, وثابته في دلالاتها مهما اتسعت دائره المعرفه الانسانيه فلا تعارض ولا تناقض ولا اضطراب وصدق الله العظيم القائل:
(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)( النساء:82).

ومن هنا ايضا كان واجب علماء المسلمين في مدارسه تلك الايات الكونيه مستفيدين بكل انواع المعارف المتاحه في تفسيرها واظهار جوانب الاعجاز بها, في حجه واضحه ومنطق سوي وذلك تاكيدا لايمان المومنين, ودحضا لافتراءات المفترين, وتثبيتا للحقيقه الراسخه ان القران كلام الله العزيز الرحمن الرحيم.
ومن هنا كذلك كان التسليم بان تلك الاشارات الكونيه لم ترد في القران الكريم بهدف التبليغ بالحقيقه العلميه, لان الحكمه الالهيه قد تركت مجالا مفتوحا لاجتهاد المجتهدين, يتنافس فيه المتنافسون, ويتباري المتبارون, امه بعد امه, وجيلا بعد جيل, الي ان يرث الله تعالي الارض ومن عليها, فلولا ان الاراده الالهيه قد ارتضت بسط الكون بكل حقائقه كامله امام الانسان, لانتفت الغايه من الحياه الدنيا, وهي دار ابتلاء واختبار, ولاختفي ذلك الغيب الذي يشد الانسان اليه, ويشحذ جميع حواسه وكل قواه العقليه والفكريه, ولتبلدت تلك الحواس والقدرات ولمضت حياه الانسان علي الارض رتيبه كئيبه بائسه, جيلا بعد جيل, وعصرا بعد عصر, بغير تجديد او تنويع او ابداع, وسط عالم يتميز بالتغير في كل امر من اموره, وفي كل لحظه من لحظات وجوده, هذا فضلا عن ان العقل البشري عاجز عن تقبل الحقائق الكونيه الكليه دفعه واحده, وانه يحتاج في فهمها الي شئ من التدرج في الكشف, وفي استخراج الادله, وفي اثباتها وتكامل معطياتها علي مدي اجيال متعاقبه.

ويستدل اصحاب هذا الموقف بالحشد الهائل من الاشارات الكونيه في كتاب الله, وبمطالبه القران الكريم للانسان دوما بتحصيل المعرفه النافعه علي اطلاقها, وهذه اولي ايات القران العظيم تامر بذلك وتحدد وسائله, وتحض علي التامل في الخلق, بل وتشير الي حقيقه علميه لم تكتشف الا بعد ذلك بقرون طويله الا وهي... خلق الانسان من علق... وهي حقيقه لم يتوصل اليها الانسان الا بعد اكتشاف حقيقه المجاهر المكبره, وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالي:
(اقرا باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق. اقرا وربك الاكرم. الذي علم بالقلم. علم الانسان ما لم يعلم).( العلق:1 5)

ويستدل اصحاب هذا الموقف المعتدل علي ذلك بما يقرره القران من مسئوليه الانسان عن حواسه وعقله, وما يفرضه من حسن استخداماتها في التعرف علي الكون, واكتساب المعارف النافعه منه, وتخديمها في حسن فهم كتاب الله, حيث يقرر الحق( تبارك وتعالي) ذلك بقوله في محكم كتابه:
(ان السمع والبصر والفواد كل اولئك كان عنه مسئولا..)( الاسراء:36).

كما يستدلون برفض القران للتقليد والجمود علي الاراء الموروثه الخاطئه, والحكم بالظن والهوي, ومطالبته الانسان دوما بتاسيس الاحكام علي الدليل العقلي الذي لا يقبل النقض, وهذه كلها من اخص خصائص المنهج التجريبي في دراسه الكون وما فيه, كذلك يستشهدون بتكريم القران الكريم للعلم والعلماء بمن فيهم من علماء الكونيات في العديد من اي الذكر الحكيم نختار منها قول الحق( تبارك وتعالي):
(هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)
( الزمر:9)

وقوله( عز من قائل):
(يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات)( المجادله:11)

وقوله( سبحانه وتعالي):
(شهد الله انه لا اله الا هو والملائكه واولو العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم)( ال عمران:18)

وقوله:
(انما يخشي الله من عباده العلماء)( فاطر:28).

والايه الاخيره قد وردت بعد استعراض لكثير من المشاهد الكونيه, مما يوكد ان الايه تشمل علماء الكونيات, ان لم يكونوا هم المقصودين بها مباشره, فالايه تنطق:
(الم تر ان الله انزل من السماء ماء فاخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف الوانها, وغرابيب سود, ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه كذلك انما يخشي الله من عباده العلماء ان الله عزيز غفور)( فاطر:28,27).

كذلك يستشهد اصحاب هذا الموقف المعتدل بمطالبه القران الكريم للانسان في تشديد واضح بالنظر في كل ما خلق الله, وهذه اوامره صريحه جليه نختار منها قول الحق( تبارك وتعالي):
(قل انظروا ماذا في السموات والارض)( يونس:101)

( او لم ينظروا في ملكوت السموات والارض وما خلق الله من شئ)( الاعراف:185)

( قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدا الخلق)( العنكبوت:20)

( وفي الارض ايات للموقنين وفي انفسكم افلا تبصرون)( الذاريات:21,20)

( افلا ينظرون الي الابل كيف خلقت, والي السماء, كيف رفعت, والي الجبال كيف نصبت, والي الارض كيف سطحت)( الغاشيه17 20).

وينتصر اصحاب هذا الموقف المعتدل لموقفهم بما ينعاه القران علي الغافلين في التفكير في ايات السماوات والارض في كثير من اياته التي منها قول الحق( تبارك وتعالي):
(وكاي من ايه في السموات والارض يمرون عليها وهم عنها معرضون)( يوسف:105)

ووصفه لهولاء الغافلين بانهم كالانعام بل هم اضل, وتقديره بان جزاءهم جهنم عقابا لهم علي اهمالهم نعم الله التي انعم بها عليهم, وذلك في مثل قول الله( تعالي):

(ولقد ذرانا لجهنم كثيرا من الجن والانس, لهم قلوب لا يفقهون بها, ولهم اعين لا يبصرون بها, ولهم اذان لا يسمعون بها, اولئك كالانعام بل هم اضل, اولئك هم الغافلون)( الاعراف:129).
ويستشهدون علي ضروره توظيف المعارف العلميه المتاحه لفهم دلاله الايات الكونيه في كتاب الله بربط القران دوما بين الايمان بالله والنظر فيما خلق الله, من مثل قوله( تعالي):

(ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما انزل الله من السماء من ماء فاحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابه, وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لايات لقوم يعقلون)( البقره:164)

وقوله( عز من قائل):
(ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب, الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلي جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار)
(ال عمران:191,190).

وقوله( سبحانه وتعالي):
(وكذلك نري ابراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين)( الانعام:75).

وقوله:
(لخلق السموات والارض اكبر من خلق الناس ولكن اكثر الناس لا يعلمون)( غافر:57)

ويستشهد المنادون بضروره توظيف المعارف العلميه في تفسير الايات الكونيه في كتاب الله بالاشاره الي ان القران الكريم في استعراضه لامور الكون يتناول كليات الاشياء, تاركا التفاصيل لاجتهاد الانسان, ولكنه في نفس الوقت ينبه باستمرار الي جوانب مهمه في اشياء مثل الكم والكيف وهما من اسس العلوم التجريبيه, الكم الذي يتعلق بالحجم والكتله وبالزمان والمكان, وبدرجات النمو والاندثار وغيرها يتمثل في كثير من الايات القرانيه التي نختار منها قول الحق( تبارك وتعالي):
(وكل شئ عنده بمقدار)( الرعد:5)

وقوله( سبحانه):
(قد جعل الله لكل شئ قدرا)( الطلاق:3)

وقوله( عز من قائل):
(انا كل شئ خلقناه بقدر)( القمر:49)

وقوله( تعالي):
(وخلق كل شئ فقدره تقديرا)( الفرقان:2)

وقوله( سبحانه وتعالي):
(وانزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في الارض..)( المومنون:18).

وبخصوص الكيف بمعني هيئه الاشياء وتركيبها ومسبباتها, ومجري الظواهر الكونيه وحدوثها والسنن الالهيه وجريانها, فان القران يشدد التنبيه عليها في مواضع كثيره منها قول الله( تعالي):
(فانظر الي اثار رحمه الله كيف يحيي الارض بعد موتها)( الروم:50)

وقوله( سبحانه):
( الم تر الي ربك كيف مد الظل, ولو شاء لجعله ساكنا, ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا)( الفرقان:46,45).

وقوله عز من قائل:
(افلم ينظروا الي السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج..)( ق:6)

وقوله( تعالي):
( افلا ينظرون الي الابل كيف خلقت والي السماء كيف رفعت والي الجبال كيف نصبت والي الارض كيف سطحت)( الغاشيه:17 20)
ويستشهد اصحاب هذا الموقف المعتدل كذلك علي ضروره توظيف المعارف العلميه في تفسير الايات الكونيه بتاكيد القران الكريم علي ان لكل شيء في هذا الكون فطرته السويه التي فطره الله عليها, والتي تخصه وتميزه, وهي قاعده اساسيه من قواعد المنهج العلمي التجريبي في الكشف عن حقائق هذا الكون ومكوناته وسنن الله فيه, ونقرا في ذلك قول الحق( تبارك وتعالي):

ربنا الذي اعطي كل شيء خلقه ثم هدي..( طه:50)
وقوله( سبحانه)
( الذي خلق فسوي والذي قدر فهدي)( الاعلي:3,2)

وان هذه الفطره ثابته, لا تتغير ولا تتبدل لقول الحق( تبارك وتعالي):
(... لا تبديل لخلق الله)( الروم: ايه30)

وانها خاضعه لقوانين مطرده, لا تتخلف ولا تتوقف الا باذن الله, وانه لولا ثبات تلك الفطره واطراد القوانين التي تحكمها ماتمكن الانسان من اكتشاف اي من امور هذا الكون, وان القران يصر علي تسميه تلك القوانين بالحق, وعلي ان الكون ومافيه خلق بالحق, ويطالب الانسان بالتعرف علي ذلك الحق والتزامه, فالتنزيل ينطق بقول الله( تعالي):
( ماخلقنا السموات والارض ومابينهما الا بالحق واجل مسمي)( الاحقاف: ايه3)

وقوله( سبحانه):
( او لم يتفكروا في انفسهم ماخلق الله السموات والارض ومابينهما الا بالحق واجل مسمي وان كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون).( الروم:8)

وقوله( عز من قائل):
( خلق السموات والارض بالحق, يكور الليل علي النهار, ويكور النهار علي الليل, وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمي الا هو العزيز الغفار)( الزمر: ايه5)

وقوله( تعالي):
( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب, ماخلق الله ذلك الا بالحق يفصل الايات لقوم يعلمون)( يونس: ايه5)

وقوله( سبحانه):
( وماخلقنا السموات والارض ومابينهما لاعبين ماخلقناهما الا بالحق ولكن اكثرهم لا يعلمون)
(الدخان: الايتان39,38)

كذلك فان الذين يرون ضروره توظيف المعارف العلميه في تفسير الايات الكونيه الوارده في كتاب الله, وفي الاستشهاد علي الاعجاز العلمي لتلك الايات ينتصرون لذلك بان اكثر من اربعين سوره من سور القران الكريم البالغ عددها114 سوره تحمل اسماء لبعض اشياء الكون وظواهره, ويستشهدون بعرض القران للعديد من القضايا التي هي صميم العلوم التجريبيه من مثل خلق السماوات والارض, واختلاف الليل والنهار, واتساع الكون, ورتق السماوات والارض وفتقهما, وبدء السماء بدخان, وخلق الحياه من الماء وفي الماء واستعراض مراحل الجنين في الانسان وغير ذلك كثير مما لا يوفيه في هذا المقام حصر ولكن تكفي الاشاره الي ايات قليله منها من مثل قول الحق تبارك وتعالي:
( او لم ير الذين كفروا ان السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي افلا يومنون)( الانبياء:30)

وقوله( عز من قائل):
( ثم استوي الي السماء وهي دخان, فقال لها وللارض ائتيا طوعا او كرها, قالتا اتينا طائعين)( فصلت:11)
وايات الكتاب الحكيم في كل ماعرضت له من امور الكون تتميز بمنتهي الدقه في التعبير, والشمول في المعني والدلاله, وبالسبق الاخباري بحقائق لم يتيسر للانسان المام بها الا في العقود المتاخره من القرن العشرين. وهذا بالقطع يشكل صوره من صور الاعجاز لم تتوافر لجيل من الاجيال من قبل. وسافصل الحديث في الاعجاز العلمي للاشارات الكونيه في كتاب الله في المقالات القادمه ان شاء الله( تعالي).

وخلاصه القول ان القران الكريم يزخر بالعديد من الايات التي تشير الي الكون ومابه من كائنات( احياء وجمادات) والي صور من نشاتها ومراحل تكوينها, والي العديد من الظواهر الكونيه التي تصاحبها, وقد احصي الدارسون من مثل هذه الايات حوالي الالف ايه صريحه, بالاضافه الي ايات اخري عديده تقرب دلالاتها من الصراحه. مما يبلغ بالايات الكونيه الي سدس ايات القران الكريم تقريبا. ويقف المفسرون من هذه الايات الكونيه مواقف متعدده, فمنهم المضيقون والموسعون والمعتدلون, فالمضيقون يرون ان تلك الاشارات لم ترد في القران لذاتها, وانما وردت من قبيل الاستدلال علي قدره الله تعالي, وابداعه في خلقه, وقدرته علي افناء الخلق واعادته من جديد, ومن ثم فلا يجوز تفسيرها في ضوء من معطيات العلوم الحديثه وذلك بدعوي انطلاق الكتابات العلميه من منطلقات ماديه, منكره لكل ماهو فوق المدرك المحسوس.
اما الموسعون فيرون ان القران الكريم يشتمل علي جميع العلوم والمعارف, ولابد لحسن فهم ذلك من تفسيره علي ضوء ماتجمع لدي الانسان من رصيد علمي خاصه في مجال العلوم البحته والتطبيقيه, ومن ثمن فقد قاموا بتبويب ايات الكونيات في كتاب الله وتصنيفها حسب التصانيف المعروفه في مختلف مجالات تلك; العلوم, وقد تميز ذلك بشيء من التكلف الذي ادي الي رفض المنهج والوقوف في وجهه.

اما المعتدلون فيرون انه مع التسليم بان الاشارات الكونيه في القران الكريم قد وردت في معرض التذكير بقدره الله, وبديع صنعه, فانها تبقي بيانا من الله, خالق الكون ومبدع الوجود, ومن ثم فهي كلها حق مطلق. ولا غرابه اذن من انسجامها مع قوانين الله وسننه في الكون, ومع معطيات العلوم الحديثه عن حقائق هذا الكون, كذلك فانهم يرون انه مع التسليم بان تلك الاشارات لم ترد في القران الكريم بهدف التبليغ بالحقيقه العلميه, لان الحكمه الالهيه قد اقتضت ترك ذلك لاجتهاد الانسان علي مر الزمن, الا انها تتميز بالدقه المتناهيه في التعبير, والثبات في الدلاله, والشمول في المعني بحيث يدرك فيه كل جيل مايتناسب ومستوياتهم الفكريه, وماوصلوا اليه من علوم عن الكون ومافيه, ثم ان تلك الدلالات تتميز كلها بالسبق الي الحقيقه الكونيه قبل ان تدرك الكشوف العلميه شيئا منها بقرون طويله, وهذا في حد ذاته يمثل الاعجاز العلمي للقران الكريم الذي هو احد اوجه الاعجاز العديده في كتاب الله, ولكنه يبقي من انسبها لعصر التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه لتثبيت ايمان المومنين, ودعوه الجاحدين من مختلف صور المشركين والكافرين والضالين, في زمن تحول فيه العالم الي قريه كبيره, مايحدث في احد اركانها يتردد صداه في بقيه ارجائها, ولا يامن اهل الحق ان يصيبهم مااصاب الامم الضاله من عقاب, او ان يجرفهم تيار الحضاره الماديه فيذيبهم في بوتقتها فيخسرون بذلك الدنيا والاخره, وطوق النجاه في الجالتين الاعتزاز بالاسلام العظيم, والتمسك بالقران الكريم الذي يتجلي اعجازه العلمي في عصر العلم الذي نعيشه.