(عندما كنت شاباً يافعاً ذا خيال خصب وطموح بلا حدود، كان حلمي أن أصلح وأغير العالم...
لكن لما نضجت وأصبحت أكثر فطنة ودراية، اكتشفت أن العالم لن يتغير حسب مزاجي،
وقررت أن أحدَّ من خطتي و أكتفي بإصلاح وتغيير بلدي وحسب...
إلا أنه سرعان ما تبين لي أن هذا أيضاً بحكم المستحيل!
ولما تقدم بي السن، قمت بمحاولة أخيرة لإصلاح أقرب الناس إليَّ :عائلتي وأصدقائي الخلّص...
إلا أنني فوجئت برفضهم أي تغيير كذلك!..
والآن .....أنا راقد على فراش الموت اتضح لي فجأة أنه لو ركزت في البدء على إصلاح نفسي،
لكنت مهدت الطريق على الأغلب لتغيير عائلتي التي كانت ستتخذني مثلاً...
وبدعم وإلهام من عائلتي المحبة كنت سأقدر على تحسين بلدي
ومن يدري لعله كان باستطاعتي عندها أن أغير العالم.....!!! )
حدث أن دهن متجر كبير لبيع اللحوم بشيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية باللون الأصفر
فبدت اللحوم للزبائن باهتة اللون وكأنها فاسدة، فهجر الزبائن هذا المتجر لهذا السبب...
وعندما عاد صاحب هذا المتجر إلى دهان متجره باللون الأخضر المائل للون الأزرق
بدت اللحوم أكثر احمراراً والعظام أكثر بياضاً، مما أوحى بأن لحومه طازجة،
فزادت مبيعاته وعاد إلى سيرته الأولى.
حدث ذا مرة أن كان أحد الأطباء الناشئين يمر مع أستاذه
على بعض المرضى في إحدى المستشفيات الجامعية...
وكان الأستاذ رجلاً واسع العلم متقدماً في السن...
وجعل الطبيب الشاب.. كلما صادف مريضاً قد زالت عنه أعراض المرض
كتب في تذكرة سريره هذه العبارة : (شفي ويمكنه مغادرة المستشفى).
ولاحظ الأستاذ علائم الزهو على وجه تلميذه ...
فقال له وهو يرنو إليه :
( اشطب كلمة شفي يا بني، واكتب بدلاً منها كلمة (تحسن)
فنحن لا نملك شفاء المرضى,, ويكفينا فخراً أن يتحسنوا على أيدينا,,,,
أما الشفاء فهو من عند الله وحده)...
يروي الدكتور زكي نجيب محمود قصة ذات مغزى عميق جرت معه فيقول :
" لقد كنت ذات يوم أنظر مع صديقي إلى ألعاب بهلوانية أجاد فيها اللاعبون ,
حتى إذا ما فرغوا من ألعابهم , صفق الناس تصفيقاً يمزق في الأكف جلودها ..
لكني جلست ساكناً لم أصفق .
زعموا أن غراباً رأى حجلة تمشي فأعجبته مشيتها ,
وأراد أن يقلدها فحاول ذلك فترة من الزمن فلم يستطع أن يتقن تلك المشية ,
وعندما أراد أن يعود إلى مشيته الأصلية لم يستطع العودة أيضاً !
فقد نسي كيف كان يمشي فأخذ يتخلع في مشيته ,
وصار أقبح الطيور مشياً .
رأت قطة كبيرة قطة صغيرة تحاول الإمساك بذيلها،
فسألتها : (لماذا تحاولين الإمساك بذيلك؟).
فقالت : ( لقد سمعت بأن السعادة هي أفضل شيء للقطة،
وهذه السعادة أجدها في ذيلي، ولذلك أحاول الإمساك به وبعد ذلك أملك السعادة)...
فقالت القطة الكبيرة لها : (إنني أيضاً مهتمة بهذا الأمر كثيراً،
وقد عرفت بأن السعادة في ذيلي كما عرفت أنت ذلك،
ولكنني لاحظت شيئاً، وهو أنني كلما حاولت الإمساك به ابتعد عني،
وعندما أدعه ... وأفكر في عمل أشياء أخرى أجده يلاحقني أينما ذهبت)
بينما كان موكب استعراضي يعبر أحد شوارع الضاحية،
ارتفع صوت من بين الجمهور الغفير صائحاً:
( انتبهوا أيها الحمقى ! لقد ضللتم الطريق،
وطريقكم هذا لا يؤدي إلى شيء سوى السراب والخطر).
توقف الركب وفزع الناس: ( لكن كيف يكون ذلك؟).
نظروا إلى المقدمة بنظرة واحدة وإذا بقائدهم يشق طريقه نحو الأمام في فخر وكبرياء
فقالوا: ( لاشك أنه يسير في الاتجاه الصحيح......فها هو يمشي شامخاً مرفوع الرأس
إنه إذا يسير في الاتجاه الصحيح)...
وانطلقوا وراءه بحماسة.
لكن القائد الوسيم توقف وبدت على وجهه ملامح الفزع ...
فالتفت إلى ورائه يسأل نفسه: (هل أنا في حلم أم في واقع؟...
لاشك أني أسير في الاتجاه الصحيح، فها هي الأعداد الهائلة من الناس تتبعني
ولا يمكن إلا أن أكون على الطريق القويم)...
ابني عمر ذو السنوات السبع ..
منذ أن بلغ الرابعة حرصت على أن يقوم ببعض الأشياء البسيطة بمفرده ..
أن يتناول طعامه دون مساعدة احد .. وان يحاول ارتداء ملابسه كذلك دون طلب تدخل احد ..
وعندما كنا نسير في الشارع كان يسعى لان يمسك بيدي فاتركه قائلا
” لقد كبرت يا عمر ويمكنك أن تسير في الشارع بمفردك ”
وكنت اتركه مترقبا ماذا يفعل وكأنه يسير وحيدا .. وأقوم بإرشاده بين الحين والآخر
” أن تسير محاذيا للرصيف وان تنظر يمينا ويسارا ”
وهكذا كنت حريصا على أن يشعر بالاستقلالية والمسئولية ..
رغم معارضة بعضهم على انه ما زال صغيرا ..
إلا أنني كنت أصر دائما على أن اردد أمامه ” لقد كبرت يا عمر ” .
عندما بلغ السادسة من عمره كنت اختبر معلوماته فاطلب منه أن يذكر لي أسماء أربعة أنواع من أية سلعة
قد حرصت على أن ترتبط معلوماته بالواقع فيربط بينهما في ذهنه ..
وعندما نذهب معا إلى الـ ” سوبر ماركت ” كنت أجده يسجل في ذاكرته أنواع جديدة من أية سلعة
انتظارا لسؤالي عنها فيما بعد ……
عمر الآن في السابعة .. شجعته على أن يمارس الرياضة .. أية رياضة .. كنت احلم به بطلاً ..
ولكنني خفت من انعكاس ذلك عليه فيسبب له ضغطا عصبيا وتوترا ..
أقنعت نفسي ” إن ممارسة الرياضة فقط تكفى ”
اختار عمر الاشتراك في رياضة العاب القوى ” العدو ”
وبدأ في التدريب مع أقرانه فكنت أتابع أخبار التدريب بين الحين والآخر ..
بادرني ذات يوم قائلا ” توجد مسابقة في النادي مخصصة لمن هم بعمر عشر سنوات
ويمكن الاشتراك فيها لمن هم في سن اقل وان عددا من أعضاء فريقي سوف يشاركون , فهل أشارك؟
” أجبته قائلا ” لابد أن تكون الرغبة في الاشتراك من داخلك أنت .. انه قراراك أنت وليس قراري أنا ”
وتابعت قائلا ” ولكنك إذا قررت الاشتراك في السباق عليك أن تضاعف من ساعات التدريب ”
ثم قررت مفاجأته فقلت ” إذا اشتركت – مجرد الاشتراك – في السباق سوف اكأفك مكافأة قيمة ”
قرر عمر الاشتراك في السباق ..واصل تدريبه المكثف متحمساً ..
كنت أخشى عليه من الفشل فى تجربة هي الأولى له .. سوف يكون تأثير الفشل اكبر وأعمق أثرا ..
” لا يهم يا عمر أن تفوز بالمراكز الأولى .. يكفيك فقط أن تخوض التجربة ”
” إذا حلمت بالفوز تأكد انك ستحققه “..
ومع اقتراب موعد السباق كنت اشعر برهبة وخوف شديدين ..
ليس من عدم الفوز .. ولكن من تداعيات عدم الفوز .
جاء يوم السباق .. امتلآ ” مضمار السباق ” بحشود كبيرة من أهالي المتسابقين ..
وقد سمعت احدهم قائلا ” إن السباق يفوق قدرات الأولاد تماما ” عندما سمعت ذلك قررت تنفيذ شيئا ما ..
رأيت التوتر باديا على عمر ناديته قائلا ” اسمعني جيدا يا عمر ونفذ ما أقوله لك بالحرف ..
عندما تقف على خط البداية قبل بدء السباق أغمض عينيك .. خذ نفساً عميقا ..
تخيل انك قد وصلت إلى خط النهاية .. وانك تحمل كأس البطولة ..
اسمع فى خيالك تصفيق وآهات كل هؤلاء .. ركز مجهودك وطاقتك فى الجزء الأول من السباق ..
لا تنظر بجوارك ولا خلفك أبدا ” واقتربت من وجهه وفعلت شيئا ما ..
أبدى اندهاشه واستغرابه ولكنني لم اهتم .
وبدأ السباق
وقد رأيته يغمض عينيه فشعرت حينئذ بالاطمئنان .. وانطلق بكل قوته ..
كان اهالى المتسابقين يهللون فرحا وينادون بأسماء أولادهم
يشجعونهم ويبادلونهم النظرات والابتسامات ..
أما عمر فلم أجده سوى ناظرا أمامه وبقوة .
عندما انتصفت المسافة .. كان قد تعب من تعب .. وتراجع من تراجع .. وانسحب من انسحب ..
وانخفضت طاقة الكثيرين من المتسابقين .. وقد انعكس ذلك على أهليهم .. فقل التشجيع أو ندر ..
ومع انسحاب متسابق تلو الآخر انعكس ذلك فى إحباط أهليهم
فبدأ بعضهم يوجه عبارات التنديد والاستنكار للقائمين على أمر السباق
نظرا لطول المسافة مقارنة بقدرات وإمكانيات أولادهم ..
بل إن هناك من أطلق صفارات الاستهجان والاستنكار ملوحين بأيديهم معبرين عن اعتراضهم على ذلك
بل وازداد الأمر مع انسحاب معظم المتسابقين قبل الوصول إلى خط النهاية .
أما عمر فما زال منطلقا .. بكل قوة وحماس .. ومعه ثلاثة فقط .. كانوا يفوقونه سناً وتدريباً .
انتهى السباق .. استمر عمر حتى النهاية .. وهذا بالنسبة لي يكفى .. فاز بالمركز الثالث ..
لاقى تحية كبيرة من المشجعين ممن ابدوا استغرابهم واندهاشهم من استمراره حتى النهاية
مقارنة بأولادهم الأكبر منه سناً والأكثر منه تدريباً ..
اقترب منى احدهم معبرا عن استغرابه أكثر من إعجابه متسائلا ” كيف حدث ذلك ”
أجبته سعيدا وكأني اكشف له سراً ” انه لم يسمع يا سيدي ”
إن معظم المتسابقين قد انسحبوا من السباق بعد أن سمعوا عبارات الاستهجان والاستنكار
والإشفاق عليهم من طول المسافة ..
لقد وضعت فى أذنيه قطناً جعله لا يسمع أي شئ مما يدور حوله ” فقد توقعت ما حدث وقد حدث .
كانت مكافأتي له أن اشتريت لوحتين فارغتين .. كتبت له على الأولى ” ومن يتهيب صعود الجبال .. يعش ابد الدهر بين الحفر” ( أبو القاسم الشابي )
وعلى الثانية كتبت ” عليك أن تفعل الأشياء التي تعتقد انه ليس باستطاعتك أن تفعلها ” ( روزفلت ) ..
طلبت منه أن يعلق اللوحتين على جدران غرفته ..
وقد أبدى استغرابه من هذه المكافأة التي خالفت توقعاته
” عندما تكبر وتفهم معنى هاتين الجملتين ستعرف أنها مكافأة قيمّة حقا ”
وأنت أيضا – أيها الفاضل – عندما يشكك احدهم في قدراتك وإمكانياتك
وإصرارك على تحقيق هدف ما .. ضع في أذنيك قطنا .
توهمّت سيدة أن عظم سمك قد وقف في حنجرتها وسوف يقتلها.
وقد أجمع الأطباء على عدم وجود عظم سمك في حنجرتها فلم تصدقهم،
ثم أوشكت أن تموت فعلاً لو لم يأتها طبيب من جديد.
أمسك هذا الطبيب ملقطاً وأخفى فيه عظم سمك صغير
ثم أدخله في بلعومها وأخرجه بعد هنيهة صارخاً :
( انظري .. لقد أخرجت عظم السمك من حنجرتك أخيراً...).
فشفيت السيدة إثر ذلك شفاءً تاماً,,,
يحكى أن حراساً كانوا يتخذون مواقعهم على الساحل
فلمحوا شيئاً طافياً من بعيد,
فلم يستطيعوا أن يقاوموا صرخة من حناجرهم :
" شراع ! شراع ! سفينة حربية! " .
وبعد خمس دقائق صارت قارباً صغيراً لنقل الركاب والبريد ,
ثم زورقاً صغيراً ثم بالة ,
أخيراً بعض العصي الطافية التي تعبث بها الأمواج ..
تعليق