إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

المناظرة التى انتهت باسلام جميع المنصرين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    8 - الصلب :

    أ - حامل الصليب :

    يقول مرقس : " ثم خرجوا به ليصلبوه . فسخروا رجلا مجتازا كان أتيا من الحقل وهو سمعان القيرواني أبو الكسندرس وروفس ليحمل صليبه وجاءوا به إلى موضع جلجثه الذي تفسيره موضع جمجمة " ( 15 : 20 -22 ) .
    ويتفق متى ولوقا مع مرقس في أن حامل الصليب كان المدعو سمعان القيراوني لكن يوحنا يقرر شيئا آخر فهو يقول : " حينئذ أسلمه إليهم ليصلب فأخذوا يسوع ومضوا به . فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة ) ( 19 : 16 -17 ) .
    يقول نينهام : " لقد كان المعتاد أن يقوم الذين حكم عليهم بالصلب ، بحمل صلبانهم بأنفسهم . . ويقرر يوحنا أن هذا كان ما حدث فعلا في حالة يسوع ، ولكن على العكس من ذلك نجد حسب رواية ( مرقس ومتى ولوقا ) أن شخصا مجهولا يدعى سمعان القيرواني هو الذي سخره الرومان لحمل الصليب بدلا من يسوع .
    وبالنسبة لموضع جلجثة فإن التقاليد التي تقول إنه يقع داخل كنيسة القبر المقدس لا يمكن إرجاعها لأبعد من القرن الرابع ، كما أنها لا تزال موضع جدل . ولقد اقترحت أماكن أخرى في عصرنا الحاضر ، إلا أن القطع بواحد منها لا يزال بعيدا عن التحقيق " (1) .
    _________
    (1) تفسير إنجيل مرقس : ص422 .
    أي أن الحديث عن القبر المقدس الذي يقول المسيحيون إن المسيح دفن فيه ، وكان سببا من الأسباب الظاهرة للحروب الصليبية التي ادعى مشعلوها أنها قامت لتخليص ذلك القبر المقدس من أيدي الكفرة والتي استمرت أكثر من 280 عاما ، وقتل فيها من المسيحيين والمسلمين عشرات الألوف ، ودمر فيها الكثير من المدن وأسيلت فيها دماء الكثير من الأبرياء - كل هذا قام على غير أساس .

    ب - شراب المصلوب :

    يقول مرقس : " أعطوه خمرا ممزوجة بمر ليشرب فلم يقبل " ( 15 : 23 ) .
    ويقول متى : " أعطوه خلًا ممزوجا بمرارة ليشرب ، ولما ذاق لم يرد أن يشرب " ( 27 : 34 ) .
    - علة المصلوب :
    يقول مرقس : " وكان عنوان علته مكتوبا : ملك اليهود " ( 15 : 26 ) .
    ويقول متى : " وجعلوا فوق رأسه علته مكتوبة : هذا هو يسوع ملك اليهود " ( 27 : 37 ) .
    ويقول يوحنا : " وكتب بيلاطس عنوانا ووضعه على الصليب ، وكان مكتوبا يسوع الناصري ملك اليهود " ( 19 : 12 ) .
    يقول نينهام : القد اختلفت الآراء بشدة حول صحة ما كتب عن علته ، فيرى بعض العلماء أن الصيغة الدقيقة قد عرفت عن طريق شهود عيان ، بينما يعتقد آخرون أنه من غير المحتمل أن يكون الرومان قد استخدموا مثل تلك الصيغة الجافة ، وأن ما ذكره القديس مرقس بوجه خاص عن علته ، إنما يرجع مرة أخرى لبيان أن يسوع قد أعدم باعتباره المسيا " (1) .
    إن اختلاف الأناجيل في عنوان علة المصلوب - وهو ما لا يزيد عن بضع كلمات بسيطة كتبت على لوحة قرأها المشاهدون - إنما هي مقياس لدرجة الدقة لما ترويه الأناجيل . وطالما كان هناك اختلاف - ولو في الشكل كما في هذه الحالة - فإن درجة الدقة لا يمكن أن تصل إلى الكمال بأي حال من الأحوال . وقياسا على ذلك نستطيع تقييم درجة الدقة لما تذكره الأناجيل من ألقاب المسيح ، وخاصة عندما ينسب إنجيل إلى أحد المؤمنين به قوله : كان هذا الإنسان بارا ، بينما يقول إنجيل آخر في نفس الوقت : كان هذا الإنسان ابن الله . أو عندما يقول أحد الأناجيل على لسان تلميذ للمسيح : يا معلم ، ويقول إنجيل آخر : يا سيد ، بينما يقول ثالث : يا رب .
    إن الحقيقة تبقى هنا دائما محل خلاف .
    _________
    (1) تفسير إنجيل مرقس : ص424 .

    د - اللصان والمصلوب :

    يقول مرقس : " وصلبوا معه واحدا عن يمينه وآخر عن يساره . . واللذان صلبا معه كانا يعيرانه " ( 15 : 27 -32 ) .
    ويتفق متى مع مرقس في أن للصين كانا يعيرانه ويستهزئان به .
    لكن لوقا يقول : " وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلا إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا .
    فأجاب الآخر وانتهره قائلا : أولا أنت تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه . أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلناه ، وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله .
    ثم قال ليسوع : اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك . فقال له يسوع : الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس " ( 23 : 39 - 43 ) .
    لقد اختلفت الأناجيل في موقف اللصين من المصلوب . .
    هـ - وقت الصلب :
    يقول مرقس : " وكانت الساعة الثالثة فصلبوه " ( 15 : 25 ) .
    لكن يوحنا يقول : إن ذلك حدث بعد الساعة السادسة : " وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة .
    فقال ( بيلاطس ) لليهود هو ذا ملككم فصرخوا خذه خذه اصلبه .
    فحينئذ أسلمه إليهم ليصلب " ( 19 : 14 -16 ) .
    يقول نينهام : " منذ اللحظة التي روى فيها القديس مرقس إنكار الناس ليسوع نجد أن الوقت قد خطط بعناية بحيث تكون الفترة ثلاثية الأحداث أو التوقيتات مثل : ( إنكار بطرس ثلاث مرات 14 : 68 ، 72 وقت الصلب الساعة الثالثة 15 : 25 - وقت الظلمة من السادسة إلى التاسعة 15 : 33 ، 34 ) .
    وفي هذا المثل على الأقل فإن الحساب يبدو مصطنعا ، إذ أنه من الصعب أن كل ما روت الأعداد ( 15 : 1 - 24 ) ( منذ بدء جلسة الصباح حتى وقت الصلب ) يمكن حدوثه في فترة الثلاث ساعات .
    ويبين إنجيل يوحنا ( 19 : 14 ) بوضوح أن ذلك لم يحدث " . (1) .
    _________
    (1) تفسير إنجيل مرقس : ص424 .

    و - صلاة المصلوب :

    يقول لوقا : " ولما مضوا به إلى الموضع الذي يدعى جمجمة صلبوه هناك مع المذنبين واحدا عن يمينه والآخر عن يساره .
    فقال يسوع : يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون " ( 23 : 33 - 34 ) .
    لقد انفرد لوقا بذكر هذه الصلاة التي حذفتها الأناجيل الأخرى ، بل وبعض النسخ الهامة التي تنسب للوقا أيضا .
    ويقول جورج كيرد : " لقد قيل إن هذه الصلاة ربما تكون قد محيت من إحدى النسخ الأولى لإنجيل ( لوقا ) بواسطة أحد كتبة القرن الثاني ، الذي ظن أنه شيء لا يمكن تصديقه أن يغفر الله لليهود . ولملاحظة ما حدث من تدمير مزدوج لأورشليم في عامي 70 ، 135 صار من المؤكد أن الله لن يغفر لهم " (1) .
    ز - صرخة اليأس على الصليب :
    يقول مرقس : " ولما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة . وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا : " الوي الوي لما شبقتني " ، الذي تفسيره إلهي إلهي لماذا تركتني " ( 15 : 32 - 34 ) .
    لكن لوقا يقول : " نادى يسوع بصوت عظيم وقال يا أبتاه في يديك أستودع روحي " ( 23 : 46 ) .
    بينما يقول يوحنا : " لما أخذ يسوع الخل قال قد أكمل " ( 19 : 30 ) . إن صرخة اليأس على الصليب تثير عددا من المشاكل التي كانت ولا تزال موضع جدل بين العلماء ، فالبعض يقول : " يبدو أن القديسين لوقا ويوحنا قد رأيا في كلماتهما غموضا واحتمالا لسوء الفهم ولذلك حذفاها ، ثم استبدلها أحدهما بقوله : يا أبتاه في يديك أستودع روحي ، بينما قال الآخر : قد أكمل . .
    _________
    (1) تفسير إنجيل لوقا : ص250 .
    وعلى العكس من ذلك فإن مثل هذا الرأي يفترض الراوية الذي كان شاغله الأول أن يذكر الحقيقة التاريخية ، ويسجل بأمانة للأجيال القائمة كلاما مزعجا يتعذر تفسيره . .
    ولهذا فإن أغلب العلماء المحدثين يقرون تأويلًا مختلفا تماما ، يقوم على حقيقة أن هذه الكلمات ( اليائسة ) إنما هي اقتباس من ( المزمور 22 : 1 ) . وإذا أخذنا هذا المزمور ككل ، فإنه لا يمكن أن يكون صرخة يأس بأي حال من الأحوال ، إنما هو صلاة لعبد بار يعاني آلاما ، إلا أنه يثق تماما في حب الله وحفظه من الشر ، وهو مطمئن تماما إلى حمايته " (1) .
    _________
    (1) تفسير إنجيل مرقس : ص427 -428 .

    ح - في أعقاب الصلب :

    يقول مرقس : " انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، ولما رأى قائد المائة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح قال حقا كان هذا الإنسان ابن الله " ( 15 : 38 - 39 ) .
    ويقول متى : " وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت ، والقبور تفتحت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين " ( 27 : 51 -53 ) .
    ويقول لوقا : " أظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من وسطه . فلما رأى قائد المائة ما كان ، مجد الله قائلًا : بالحقيقة كان هذا الإنسان بارا " ( 22 : 45 - 47 ) .
    أما يوحنا فإنه لا يعلم شيئا عن ذلك .
    يقول جورج كيرد : " إن حدوث كسوف للشمس ( حسب رواية لوقا ) بينما يكون القمر بدرا ، كما كان وقت الصلب ، إنما هو ظاهرة فلكية مستحيلة الحدوث . . ولقد كان الشائع قديما أن الأحداث الكبيرة المفجعة يصحبها نذر سوء ، وكأن الطبيعة تواسي الإنسان (1) بسبب تعاسته " (2) .
    ويقول نينهام : " لقد قيل إن مثل تلك النذر لوحظت عند موت بعض الأحبار الكبار وبعض الشخصيات العظيمة في العصور القدمية الوثنية وخاصة عند موت يوليوس قيصر " (3) .
    ويقول جون فنتون : " لقد أضاف متى إلى ما ذكره مرقس حدوث الزلزلة وتفتح القبور وقيامة القديسين من الأموات وظهورهم لكثيرين في أورشليم بعد قيامة يسوع ، وكان قصده من إضافة هذه الأحداث أن يبين أن موت يسوع كان عملًا من صنع الله " (4) .
    الحق الذي لا مرية فيه أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا يخسفان لموت صغير أو كبير .
    تعليق الدكتور محمد جميل غازي :
    _________
    (1) يلاحظ أن هذا الكلام كلام « جورج » ، ولا يُقر عليه . الناشر .
    (2) تفسير إنجيل لوقا : ص253 .
    (3) تفسير إنجيل مرقس : ص427 .
    (4) تفسير إنجيل متى : ص444 .
    لقد رأينا أكثر من ثلاثين تناقضا في موضوع الصلب ، ومعي الآن كتاب " قاموس الكتاب المقدس " الصادر عن مجمع الكنائس في الشرق الأدنى . ومن العجيب أن هناك خلافا في شكل الصليب الذي استخدم ، فهذا القاموس يذكر أن هناك الصليب ( x ) والصليب ( T ) والصليب ( + ) ، والصليب المستخدم كرمز للمسيحية هو ( + ) لكن هذا القاموس يقول إن الصليب الذي استخدم كان على شكل ( T ) وهذا هو نص ما يقوله قاموس الكتاب المقدس .
    " وللصلبان نماذج رئيسية ثلاثة ، أحدها المدعو صليب القديس أندراوس وهو على شكل ( X ) وثانيها بشكل ( + ) وثالثها بشكل السيف ( T ) وهو المعروف بالصليب اللاتيني .
    ولعل صليب المسيح كان من الشكل الأخير ( T ) كما يعتقد الفنانون ، الأمر الذي كان يسهل وضع اسم الضحية وعنوان علتها على القسم الأعلى منه " .
    فإذا كان شكل الصليب مختلفا فيه ، إذن قوله تعالى { وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ } يبين لنا بوضوح أن كل ما تعلق بالصلب اشتبه أمره عليهم وغابت عنهم الحقيقة ، فهم لا يزالون مختلفين في كل ما يتعلق بقضية الصلب مثل : حامل الصليب وعلة المصلوب ، واللصان والمصلوب ، ووقت الصلب ، وصلاة المصلوب ، وصرخة اليأس على الصليب ، وما حدث في أعقاب الصلب . .
    وأما بخصوص الجملة التي ختم بها السيد اللواء حديثه فإنها تختص بإبراهيم ابن النبي والتي تعطي الدليل - لكل ذي عقل سليم - على صدق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم ، وأنه لا يجمع خرافات أو أوهاما ، إنما يريد أن يحق الحق .
    فالذي حدث هو أنه لما مات ابنه إبراهيم حدثت ظاهرة فلكية وهي كسوف الشمس ، وهذا شيء طبيعي حدوثه . لكن بعض الناس قالوا : كسفت الشمس لموت إبراهيم .
    لقد مات إبراهيم ، وكسفت الشمس في نفس اليوم ، وربط الناس بين الحدثين ، فلو كان الرسول يريد التأييد ولو عن طريق الأكاذيب ، لصمت عن ذلك . لكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم -برأه الله - يرفض كل أكذوبة من كل لون لتأييده ، ولهذا صعد المنبر غاضبا وقال : « أيها الناس ، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينكسفان لموت أحد أو لحياته . فإذا رأيتم شيئا من ذلك ، فادعوا الله وصلوا » .

    ط - شهود الصلب :

    لعل هذه واحدة من أهم عناصر قضية الصلب ، وإنها لترينا أن شهود الصلب كن نساء وقفن ينظرن من بعيد ذلك الذي علق على الصليب ، ولم تكن هناك فرصة للتحقق والمعاينة عن قرب .
    يقول مرقس : " وكانت أيضا نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي وسالومة . اللواتي أيضا تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل . وأخر كثيرات صعدن معه إلى أورشليم " ( 15 : 40 -41 ) .
    وكذلك يقول متى في ( 27 : 55 -56 ) .
    ويقول لوقا : " وكان جميع معارفه ونساء كن تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظن ذلك " ( 23 : 49 ) .
    ويقول يوحنا : " وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية " ( 19 : 25 ) .
    ويقول جون فنتون : " لقد هرب التلاميذ عند القبض على يسوع ، ورغم أن بطرس قد تبعه من بعيد إلى فناء دار رئيس الكهنة ، فإننا لا نسمع عنه شيئا أكثر من هذا ، بعد إنكاره ليسوع .
    إن مرقس ومتى ولوقا يخبروننا أن شهود الصلب كن نساء تبعن يسوع من الجليل إلى أورشليم ، وقد رأين دفنه ، واكتشفن القبر خاليا صباح الأحد ، وقابلن يسوع ( بعد قيامته ) (1) .
    ويعلق العلماء على ما قاله يوحنا عن وجود مريم أم المسيح عند الصليب بقولهم : " إنه من غير المحتمل أساسا أن يكون قد سمح بوقوف أقارب يسوع وأصدقائه بالقرب من الصليب " (2) .
    كذلك تقول دائرة المعارف البريطانية تعليقا على اختلاف الأناجيل في شهود الصلب : " نجد في الأناجيل ( الثلاثة ) المتشابهة أن النساء فقط تبعن يسوع ، وأن القائمة التي كتبت بعناية واستفاضة لا تضم والدته - وأنهن كن ينظرن من بعيد " ( مرقس 15 : 40 ) .
    ولكن في يوحنا نجد أن والدته مريم تقف مع مريمين أخريين والتلميذ المحبوب تحت الصليب ، ومن تلك الساعة أخذها التلميذ المحبوب إلى خاصته .
    _________
    (1) تفسير إنجيل متى : ص455 .
    (2) تفسير إنجيل مرقس : ص431 .
    هذا بينما لا تظهر والدته في أورشليم - حسبما ذكرته المؤلفات القديمة - إلا قبيل عيد العنصرة وفي رفقة إخوته ( أعمال الرسل 1 : 14 ) (1) .
    من ذلك نتبين أن شهود الأحداث الرئيسية التي قامت عليها العقائد المسيحية وهي الصلب ، والقيامة ، والظهور ، إنما كن - على أحسن الفروض - نساء شاهدن ما شاهدن من بعيد ، ثم قمن بعد ذلك بالرواية والتبليغ . . .
    التعليق على أحداث الصلب :
    والآن يحق لنا التعليق على أحداث الصلب فنقول : إن اعتماد كتاب أحد الأناجيل على ما رواه كاتب إنجيل آخر ، كان أولى به أن يوجد تآلفا بين الأناجيل ، ويمنع التناقض والاختلاف بينها . ولكن ما حدث كان على النقيض من ذلك .
    وإذا أخذنا بما ترويه الأناجيل عن الصلب وأحداثه ، لوجدناها قد اختلفت فيه من الألف إلى الياء .
    _________
    (1) ج13 ، ص99 .
    ويكفي أن يراجع القارئ ما ذكرته الأناجيل عن حادث القبض وملابساته - المحاكمات - توقيت الصلب ( اليوم والساعة ) - صرخة اليأس على الصليب - شهود الصلب ، كل ذلك وغيره كثير يكفي للقول بأن الأناجيل اختلفت فيما بينها اختلافا بعيدا . وهو اختلاف يكفي لرفضه ما يذكره أحد الأناجيل - على الأقل - إذا أخذنا برواية الإنجيل الآخر . فأيهما نأخذ به ، وأيهما نرفضه ؟
    رب قارئ درج على الإيمان التقليدي بما ترويه الأناجيل ، لا يجد مفرا الآن من أن يقول : " إنما العلم عند الله " .

    نهاية يهوذا الخائن


    لقد انفرد إنجيل متى -دون بقية الأناجيل - بالحديث عن نهاية يهوذا ، كذلك تحدث سفر أعمال الرسل الذي سطره لوقا عن كيفية هلاكه . ولنرجع الآن إلى هذين المصدرين لنرى كيف هلك يهوذا ، وما إذا كانا قد اتفقا في الحديث عن هذا الجزء الخطير ، والذي له علاقة مؤكدة بقضية الصلب أم أنهما اختلفا كالعادة .
    يقول متى : " حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دِينَ ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلًا : قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا فقالوا ماذا علينا ، أنت أبصر .
    فطرح الفضة في الهيكل وانصرف . ثم مضى وخنق نفسه .
    فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم . فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء . لهذا سمي هذا الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم .
    حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل : وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب - 27 : 3 - 10 ) .
    ويقول جون فنتون : " إن متى يستخدم الفترة ما بين قرار السهندرين والمحاكمة أمام بيلاطس ، في أخبار قرائه عن نهاية يهوذا . وعند هذه النقطة نجد أن متى لا يتبع مرقس الذي لم يورد أي ذكر ليهوذا بعد القبض على يسوع . ويذكر متى أن يهوذا غير رأيه بعد أن رأى يسوع قد دينَ ، فأرجع النقود إلى أعضاء السهندرين واعترف لهم بجرمه . . ثم هو يضع النقود في خزينة الهيكل ، ويمضي ليخنق نفسه .
    ويقول رؤساء الكهنة إنه طالما كانت تلك النقود ثمنا لحياة ، فلا يحل وضعها في خزينة الهيكل ، ولهذا يشترون بها قطعة من الأرض مقبرة للغرباء . وهذا يحقق نبوءة يرجعها متى إلى أرميا ( خطأ ) ولكنها في الواقع من كتاب زكريا الذي لعب من قبل دورا هاما في رواية متى .
    ولقد سجل لوقا موت يهوذا في ( أعمال الرسل 1 : 18 ) ، وتتفق روايته مع رواية متى في جزء منها ، بينما تختلف في جزء آخر " (1) .
    إننا قبل أن نذهب لمعرفة ما سجله لوقا عن موت يهوذا في سفر أعمال الرسل يخبرنا جون فنتون : أنه اتفق مع متى في جزء من الرواية ، وخالفه في جزء آخر ، كما أن متى أرجع قصة حقل الدم إلى نبوءة ظنها - خطأ - من سفر أرميا بينما هي لها شبيه في سفر زكريا .
    _________
    (1) تفسير إنجيل متى : ص431 .
    وتقول رواية لوقا المشار إليها - في سفر أعمال الرسل : " في تلك الأيام قام بطرس في وسط التلاميذ . وكان عدة أسماء نحو مائة وعشرين . فقال أيها الرجال الإخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقال بفم داود عن يهوذا . . فإن هذا اقتنى حقلًا من أجرة الظلم وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه ، وصار ذلك معلوما عند جميع سكان أورشليم حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما أي حقل دم ؛ لأنه مكتوب في سفر المزامير لتصر داره خرابا ولا يكن فيها ساكن وليأخذ وظيفته آخر " ( 1 : 15 - 20 ) .
    فعلى حسب رواية لوقا تجد - كما يقول جون فنتون : " أن يهوذا نفسه الذي يشتري الحقل ثم هو يموت هناك ، ولهذا سمي ذلك الحقل حقل دم . إن هذا يعني : إما أن كلًا من متى ولوقا كان لديه مدخلًا مستقلًا لمثل تلك القصص عن يهوذا ، أو أن لوقا اختصر رواية متى وأدخل إليها بعض التغييرات " (1) .
    وسواء أكان هذا أو ذاك ، فإن هذا واحد من بين مئات الأدلة على أننا نتعامل مع كتب مؤلفة بكل معنى الكلمة ، لا علاقة لها بوحي الله .
    _________
    (1) تفسير إنجيل متى : ص431 .
    إن ما اتفق عليه متى ولوقا - وصمت عنه مرقس ويوحنا - هو أن يهوذا الخائن قد هلك في ظروف مريبة ، لكن روايتهما اختلفت في ثلاثة عناصر هي :
    الأول - يتعلق بكيفية موته ، وفيها يروي متى أن يهوذا قد انتحر بخنق نفسه ، بينما يروي لوقا أنه مات ميتة دموية ، انشق فيها وسطه وانسكبت جميع أحشائه .
    الثاني - ويتعلق بمشتري الحقل ، فيروي متى أن رؤساء الكهنة هم الذين اشتروه ، بينما يروي لوقا أن يهوذا كان هو الشاري .
    الثالث - كذلك اختلفت روايتا متى ولوقا في سبب تسمية الحقل باسم : حقل دم ، فرواية متى ترجع ذلك لكونه اشتري بنقود كانت ثمنا لبيع دم بريء ، بينما يرد لوقا تلك التسمية إلى الميتة الدموية التي ماتها يهوذا .
    إن ما يذكره متى ولوقا عن هلاك يهوذا لا يعني إلا شيئا واحدا هو : أن يهوذا قد اختفى في فترة الاضطراب التي غشيت أحداث الصلب وملابساته .

    تنبؤات المسيح بآلامه


    لقد تأثرت الأناجيل - التي كتُب أقدمها وهو إنجيل مرقس بعد أن بدأ بولس كتابة رسائله بأكثر من 15 سنة - بنظرية سفك دم المسيح فدية عن كثيرين ، تلك التي روج لها بولس وجعلها إنجيله الوحيد الذي يبشر به . فهو يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس : " إني لم أعزم أن أعرف شيئا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبا " ( 2 : 2 ) .
    ولما كان من المتوقع أن يتحدث المسيح عن آلامه ورفضه باعتبارها ظواهر اقترنت دائما بحمل رسالات السماء ، فإنا نجد إنجيل مرقس يضع ما يمكن اعتباره أساسا لكل ما قيل عن التنبؤات بالآلام المرتقبة . فهو يروي حديث المسيح لتلاميذه : " كيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيرا ويرذل " ( 9 : 12 ) .
    ولقد طور متى هذا القول فجعله تنبؤا بصلب المسيح إذ يقول على لسانه :
    " ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت . ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه "20 : 18 -19 ) .
    ومن المعلوم أن إنجيل مرقس كان مصدرا رئيسيا لمتى ، ومن المعلوم كذلك أن إنجيل متى هو الإنجيل الوحيد الذي نسب للمسيح تنبؤه بالقتل صلبا .
    ولقد رأينا فيما سبق كيف طور متى ما قيل عن آية يونان ، فقد بدأها مرقس بقوله : " خرج الفريسيون وابتدأوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه ، فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية ؟ الحق أقول لكم لن يعطى هذا الجيل آية " ( 8 : 11 -12 ) .
    ولقد طورها لوقا فقال :
    " وفيما كان الجموع مزدحمين ابتدأ يقول هذا الجيل شرير ، يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبي ؛ لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضا لهذا الجيل " ( 11 : 29 - 30 ) .
    أما متى - الذي اعتمد على مرقس وكتب إنجيله بعد لوقا أيضا - فإنه حول ذلك القول الذي ينسب للمسيح ، بما قدمه من إضافات وتعديلات ، إلى نبوءة خاطئة ، وذلك في قوله :
    " حينئذ أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين يا معلم نريد أن نرى منك آية ، فأجاب وقال لهم : جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إِلا آية يونان النبي ؛ لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال ، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال " ( 12 : 38 - 40 ) .
    ولقد بينا خطأ هذه النبوءة عند الحديث عن التنبؤات التي استحال تحقيقها .
    يبقى بعد ذلك ما ينسب للمسيح من قوله إن ابن الإنسان سوف يتألم كثيرا ويرفض من جيله ، ماذا يعني قول كهذا ؟
    يقول تشارلز دود : " لقد سجلت أقوال بأن يسوع تنبأ بأن الآلام تنتظره هو وتابعيه ، وغالبا ما استحسن ذلك الاعتقاد في أن الإنذار بموته - وهو القول الذي تكرر ذكره منسوبا ليسوع في الأناجيل - إِنما هو تنبؤ خرج من واقع الأحداث ، أي بعد وقوعها ( حيث عاصر جيل المسيح اختفاءه فجأة ، وقتل شخص على الصليب لم يسمح لتلاميذه بالاقتراب منه ) .
    إن رجال الكنيسة لم يستطيعوا الاعتقاد بأن ربهم كان جاهلا بما كان ينتظره . ويمكن التسليم صراحة بأن دقة بعض هذه التنبؤات قد ترجع إلى ما عرفته الكنيسة من حقائق فيما بعد .
    وفي الواقع إن الانطباع الذي نخرج به من الأناجيل ككل هو أن يسوع قاد أتباعه إلى المدينة بمفهوم واضح هو أن أزمة تنتظرهم هناك ، وقد يصيبه وأتباعه بسببها آلام مبرحة .
    وإن الفقرة المتميزة في هذا المقام هو ما ذكره مرقس في ( 10 : 35 - 40 ) ( عندما تقدم أبناء زبدي إلى المسيح طالبين مشاركته المصير والملكوت فقال لهما : أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا ، وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا ؟ فقالا له : نستطيع . فقال لهما يسوع : أما الكأس التي أشربها أنا فتشربانها وبالصبغة التي أصطبغ أنا تصطبغان . . ) .
    فنجد هنا أن ابني زبدي قد تأكدا أنهما سيشربان الكأس التي يشربها سيدهما ويصطبغان بصبغته . إن مفهوم الكلام هنا لا شك فيه .
    وبالنسبة للتنبؤ بمشاركة الأخوين ( ابني زبدي ) لسيدهما مصيره فإنها تعتبر واحدة من التنبؤات التي لم تتحقق بمعناها الطبيعي .
    وبما أن الصليب كان هو الوسيلة الوحيدة المألوفة للإعدام تحت حكم الرومان فإن ما توحي به تلك الفقرة هو أنه أراد تهيئتهم لا من أجل المعاناة فقط ، بل للموت . وما من شك في أنه يمكن قبول الرأي الذي يقول بأن التنبؤات التي نجدها في الأناجيل ليست أكثر من انعكاس لتجارب الكنيسة الأولى التي تكونت فيها التعاليم المسيحية . ومن المؤكد أن بعضا من هذه التنبؤات -على الأقل - قد كونتها تلك التجارب . . وفضلًا عن ذلك تظهر بعض الآثار لتنبؤات نسبت ليسوع ولم تتحقق " (1) .
    _________
    (1) من كتاب : « أمثال الملكوت » ، ص41 - 47 .

    تنبؤات المسيح بنجَاته من القتل


    المسيح يرفض كل محاولة لقتله:

    منذ أن بدأ المسيح دعوته حتى آخر يوم فيها نجد الأناجيل تذكرنا بين الحين والحين برفضه فكرة قتله واستنكارها تماما ، ثم هو قد عمل كثيرا لإحباط جميع المحاولات التي رآها تبذل من اليهود لقتله .
    يقول إنجيل يوحنا : " أجابهم يسوع وقال تعليمي ليس لي ، بل للذي أرسلني لماذا تطلبون أن تقتلوني . . ؟
    لكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني ، وأنا إنسان قد حدثكم الحق الذي سمعه من الله . هذا لم يعمله إبراهيم " ( 7 : 16 - 19 ، 8 : 37 - 40 ) .
    ولأن المسيح إنسان عادي ككل البشر فإنه يجهل ما يخبئه له القدر ، ولذلك اتخذ من الاحتياطات ما يجنبه الوقوع في براثن أعدائه من اليهود . ولو كان يعلم أنهم سيقبضون عليه في يوم معين ، فلم - إذن - تلك الاحتياطات ؟ يقول إنجيل يوحنا : " كان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل لأنه لم يرد أن يتردد في اليهود لأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه " ( 7 : 1 ) .
    " فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه . فلم يكن يسوع أيضا يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية " ( 11 : 53 - 54 ) .
    هذا - ونكتفي الآن بذكر عدد من التنبؤات الواضحة التي قالها المسيح بنجاته من القتل ، والتي تتفق وتلك الاحتياطات التي اتخذها للمحافظة على حياته .
    1 - حدث ذات مرة في إحدى محاولات القبض عليه أن " أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خداما ليمسكوه .
    فقال لهم يسوع : أنا معكم زمانا يسيرا بعد ، ثم أمضي للذي أرسلني .
    ستطلوبني ولا تجدونني ، حيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا " ( يوحنا 7 : 32 - 34 ) .
    لا نظن أحدا يشك في وضوح هذا القول الذي يعني أن اليهود حين يطلبون المسيح لقتله فلن يجدوه لأنه سيمضي للذي أرسله ، أي سيرفعه الله إِليه كما سبق أن رفع إيليا ( إلياس ) وشاهده تلميذه اليشع ( اليسع ) وهو يصعد إلى السماء .
    2 - وفي موقف آخر من مواقف التحدي بين المسيح واليهود ، أكد لهم نبوءته السابقة وأن محاولاتهم ضده ستنتهي برفعه إلى السماء :
    " قال لهم يسوع أيضا أنا أمضي وستطلوبنني وتموتون في خطيتكم ، حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا .
    فقال اليهود ألعله يقتل نفسه حتى يقول حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ؟
    فقال لهم يسوع : متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا ولست أفعل شيئا من نفسي ، بل أتكلم بهذا كما علمني . .
    والذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " ( يوحنا 8 : 21 - 29 ) .
    لكن ذلك المصلوب صرخ يائسا على الصليب قائلًا : إلهي إلهي لماذا تركتني ؟
    3 - ولقد كانت آخر أقوال المسيح لتلاميذه في تلك اللحظات التي سبقت عملية القبض مباشرة ، وهو تأكيده لهم أن الله معه دائما ولن يتركه :
    " هو ذا تأتي ساعة ، وقد أتت الآن ، تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي . وأنا لست وحدي لأن الآب معي . . لكن ثقوا أنا قد غلبت العالم " ( يوحنا 16 : 32 - 33 ) .
    ومن المؤكد أن ذلك المصلوب قد تركه إلهه ، كما قال بلسانه في صرخته اليائسة ، ومن المؤكد كذلك أن ذلك المصلوب قد غلبه أعداؤه وقهره الموت وأخضعه لسلطانه .
    4 - وفي آخر مواجهة عاصفة حدثت بين المسيح والكهنوت اليهودي كان قوله :
    " إني أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب . ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل " ( متى 23 : 39 ، 24 : 1 ) .
    إن التحدي في هذا القول واضح ، ذلك أن المسيح يؤكد لأعدائه أنهم لن يروه منذ تلك الساعة حتى يأتي في نهاية العالم " بقوة ومجد كثير " . لكن ذلك المصلوب رآه الكهنوت اليهودي أسيرا في قبضته أثناء المحاكمة ، ثم رأوه بعد ذلك معلقا على الخشبة قتيلا قد أسلم الروح والمشيئة ، ولم يبق منه إلا جسد خامد فقد نبض الحياة .
    وأستعير لغة المسيح في الإنجيل ، اكتفاء بهذا القدر فأقول : " من له أذنان للسمع فليسمع ، ومن يسمع فعليه أن يعقل . . . "
    وقبل أن نذهب لسماع ما تقوله المزامير ، أرجو أن يكون معلوما أن تراجم أسفار العهدين القديم والجديد تتغير من حين لآخر وفقا للدراسات التي يقوم بها علماء الكتاب المقدس ، إما لتدقيق الترجمة ، أو للتخلص من التناقضات والاختلافات .
    وكمثال نجد أنه في واحدة من طبعات الكاثوليك للعهد الجديد أنها عندما تحدثت عن نهاية الخائن يهوذا ( في الإصحاح الأول من سفر أعمال الرسل ) فإنها جعلته يخنق نفسه ، ليتفق هذا مع ما يقوله إنجيل متى ، أما طبعة البروتستانت فلا تزال تروي نهاية يهوذا بأن نقمة حلت به " إذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها " وهذا شيء مختلف تماما عن عملية الانتحار خنقا .
    كذلك ظهرت طبعات حديثة للمزامير تختلف كثيرا عما في الطبعات المتداولة لها . وإذا كان داود هو الاسم الذي يرتبط بأغلب المزامير ، فإن العلماء مختلفون فيما يتعلق بحقيقة قائل كل مزمور وتاريخه وظروفه ، كما أن هناك خلافا حول ترقيمها . ولقد بينا ذلك في مناسبة سابقة ، وكيف أن الترجمة المتداولة للمزمور 69 -كمثال - تقول في بعض فقراتها :
    " حينئذ رددت الذي لم أخطفه " .
    " ويجعلون في طعامي علقما " .
    بينما تقول الترجمة الحديثة له في نظير ذلكما العددين :
    " كيف أرد الذي لم أسرقه أبدا ؟ " .
    " أعطوني لطعامي سما " .
    فالاختلاف بينهما واضح ، سواء في المضمون أو في زمن الفعل .

    الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب :


    إن الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب وسفك الدم ، فتلك نظرية بولسية أقحمها بولس في مسيحية المسيح الحقة . وهذا شيء نستطيع تبيانه من الأناجيل :
    1 - بينما كان المسيح يسير خارجا " إذا واحد تقدم وقال له أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية ؟
    فقال له : لماذا تدعوني صالحا ؟ ليس أحد صالحا إلا واحد هو الله . ولكن إن أردت أن تدخل الحياة ، فاحفظ الوصايا . قال له : أية الوصايا ؟ فقال يسوع : لا تقتل . لا تزن . لا تسرق . لا تشهد بالزور . أكرم أباك وأمك وأحب قريبك كنفسك .
    قال له الشاب : هذه كلها حفظتها منذ حداثتي ، فماذا يعوزني بعد ؟ قال له يسوع : إن أردت أن تكون كاملًا فاذهب وبع أملاك واعط الفقراء ، فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني " ( متى 19 : 16 - 21 ) .
    ومن الملاحظ أن المسيح قبل أن يجيب السائل إلى سؤاله ، فقد صحح صيغة السؤال ، فنفى الصلاح عن نفسه ، ورده إلى الله الذي تفرد في ذاته وصفاته . وبذلك قرر المسيح على رؤوس الأشهاد أن " لله المثل الأعلى في السموات والأرض " ، وأن أي خلط بين الله - سبحانه - وبين المسيح ، إنما هو قول مردود وكفر مرفوض .
    ومن ذلك يتبين أن الخلاص الحق يقوم على الإيمان بالله الواحد ، ثم العمل الصالح . ولا مجال للحديث هنا عن الصلب أو الصليب ، فتلك كلها مسميات قال بها بولس وتلاميذه ، ما أنزل الله بها من سلطان .
    2 - في يوم الدينونة تكون النجاة بالعمل الصالح بعيدا عن الصلب وفلسفاته ، بل وحتى اسمه . فهناك " يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا . . رِثوُا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم . لأني جعت فأطعمتموني . عطشت فسقيتموني . كنت غريبا فآويتموني . عريانا فكسوتموني . مريضا فزرتموني . محبوسا فأتيتم إليَّ .
    فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين : يا رب متى رأيناك جائعا فأطعمناك . أو عطشانا فسقيناك . ومتى رأيناك غريبا فآويناك أو عريانا فكسوناك ؟
    فيجيب الملك ويقول لهم الحق أقول لكم بما أنكم فعلتم بأحد إخوتي الأصاغر ، فبي فعلتم . ثم يقول الملك للذين عن اليسار : اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته ؛ لأني جعت فلم تطعموني . .
    حينئذ يجيبونه هم أيضا قائلين : يا رب متى رأيناك جائعا ؟
    فيجيبهم قائلًا : الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر ، فبي لم تفعلوا .
    فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي ، والأبرار إلى حياة أبدية " ( متى 25 : 34 - 46 ) .
    هكذا يدان الناس : أهل البر والعمل الصالح إلى الحياة الأبدية السعيدة ، وأهل الشر والبخل إلى عذاب أبدي .
    ومرة أخرى لا دخل لفلسفة الصلب والفداء في إنقاذ أهل الشر ، فلن تنفعهم في شيء .
    3 - يقول يعقوب في رسالته : إن الدينونة التي تحدد المصير الأبدي للإنسان تقوم على ركيزتين هما : إيمان بالله الواحد يصحبه عمل صالح ، وبدونهما لا فائدة ترجى . وإن كلا منهما لا علاقة له بالصلب وسفك الدم ، من قريب أو بعيد : " أنت تؤمن بأن الله واحد . حسنا تفعل . والشياطين يؤمنون ويقشعرون . ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت ؟ بالأعمال يتبرر الإنسان ، لا بالإنسان وحده " ( 2 : 19 - 24 ) . إن " الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه : افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم " ( 1 : 27 ) .
    من ذلك وغيره كثير وكثير جدا ، نتبين أن الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب على الإطلاق .
    وبهذا نكون قد انتهينا من بحث قضية الصلب وما يتعلق بها ، ويبقى أمامنا بحث قضية القيامة والظهور ، وهو ما سوف نبحثه في الجلسة القادمة .

    تعقيب الدكتور محمد جميل غازي :
    وتد عقب الدكتور محمد جميل غازي على ما انتهى إليه الصلب بقوله :
    نضع الآن مجموعة من الأسئلة حول الصلب والفداء ، موجهة إلى المسيحيين لعلنا نجد لها إجابة إن تيسر الوقت في جولة أخرى . وهذه الأسئلة هي :
    1 - ادعى المسيحيون أن صلب المسيح كان لتحقيق العدل والرحمة ، فأي عدل وأي رحمة في تَعذيب غير مذنب وصلبه ؟
    قد يقولون : إنه هو الذي قبل ذلك ، ونقول لهم إن من يقطع يده أو يعذب بدنه أو ينتحر ، فإنه مذنب ، ولو كان يريد ذلك .
    2 - إذا كان المسيح ابن الله ، فأين كانت عاطفة الأبوة وأين كانت الرحمة حينما كان الابن الوحيد يلاقي دون ذنب ألوان التعذيب الصلب مع دق المسامير في يديه ؟
    3 - ما هو تصور المسيحيين لله - جل في علاه - الذي لا يرضى إلا أن ينزل العذاب المهين بالناس ، والعهد في الله - الذي يسمونه الآب ويطلقون عليه : الله محبة ، الله رحمة - أن يكون واسع المغفرة ، كثير الرحمات ؟
    4 - من هذا الذي قيد الله - سبحانه وتعالى - وألزمه وجعل عليه أن يلتزم العدل وأن يلتزم الرحمة ، وأن يبحث عن طريق للتوفيق بينهما ، بين العدل والرحمة ، بأن ينزل ابنه الوحيد ، في صورة ناسوت ، يصلب تكفيرا عن خطيئة آدم ؟
    5 - يدعي المسيحيون أن ذرية آدم لزمهم العقاب بسبب خطيئة أبيهم ، وفي أي شرع يلتزم الأحفاد بأخطاء الأجداد - خاصة وأن الكتاب المقدس ينص على أنه " لا يقتل الأباء عن الأولاد ، ولا يقتل الأولاد عن الآباء . فكل إنسان بخطيئته يقتل " ( تثنية 16 : 24 ) ؟
    6 - إذا كان صلب المسيح عملًا تمثيليا على هذا الوضع ، فلماذا يكره المسيحيون اليهود ويرونهم آثمين معتدين على السيد المسيح ؟
    إن اليهود - وخاصة يهوذا الأسخريوطي - كانوا حسب الفهم المسيحي لموضوع الصلب أكثر الناس عبادة لله ، لأنهم بذلك نفذوا إرادة الله التي قضت بصلب ابنه فقاموا هم بتنفيذ ذلك العمل .
    7 - هل كان نزول ابن الله وصلبه للتكفير عن خطيئة البشر ضروريا ، أم كانت هناك وسائل أخرى من الممكن أن يغفر الله بها خطيئة البشر ؟
    ماذا يقول المسيحيون للإجابة عن مثل هذا السؤال ، كما يقدمه كاتب مسيحي هو القس بولس ساباط ، إذ يقول :
    " لم يكن تجسد الكلمة ضروريا لإنقاذ البشر ، ولا يتصور ذلك مع القدرة الإلهية الفائقة الطبيعية " - ثم يسترسل هذا الكاتب ، فيذكر السبب في اختيار الكلمة لتكون فداء لخطيئة البشر ، فيقول :
    " إن الله على وفرة ما له من الذرائع إلى فداء النوع البشري وإنقاذه من الهلاك الذي نتج من الخطيئة ومعصية أمره الإلهي ، قد شاء - سبحانه - أن يكون الفداء بأعز ما لديه ، لما فيه من القوة على تحقيق الغرض وبلوغه سريعا " . إن أبسط الذرائع لدى الله - سبحانه - إذا استخدمنا لغة ذلك القس ، هي أن يقول الله : عفوت عنك يا آدم . إن هذا ما يقوله القرآن الكريم { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } .
    ونصرخ في وجه هذا الكاتب فنقول إنه ليس من الحكمة في شيء أن نفتدي بدينار ما نستطيع أن نفتديه بفلس .
    ثم هناك إجابة أخرى عن هذا السؤال نقتبسها من كاتب مسيحي آخر هو الأب بولس اليافي الذي يقول :
    " مما لا ريب فيه أن المسيح كان باستطاعته أن يفتدي البشر ويصالحهم مع أبيه بكلمة واحدة أو بفعل سجود بسيط يؤديه باسم البشرية لأبيه السماوي لكنه أبى إلا أن يتألم ، ليس لأنه مريض بتعشق الألم أو لأن أباه ظالم يطرب لمرأى الدماء ، وبخاصة دم ابنه الوحيد ، وما كان الله بسفاح ظلوم ، لكن الإله الابن شاء مع الله الآب أن يعطي الناس أمثولة خالدة من المحبة تبقى على الدهر وتحركهم على الندامة لما اقترفوه من آثام وتحملهم على مبادلة الله المحبة " .
    ومرة أخرى نصرخ في وجه هذا المؤلف مؤكدين أنه صور الداء أدق تصوير عندما تكلم عن الدماء والقسوة ، لكنه عندما بدأ يجيب ويصف الدواء تعثر وكبا ولم يقل إلا عبارات جوفاء لا تحمل أي معنى .
    8 - ونعود إلى القس بولس ساباط ، ونسأله كما سأل : إذا كان الكلمة قد تجسد لمحو الخطيئة الأصلية ، فما العمل في الخطايا التي تحدث بعد ذلك ؟ يجيب هذا الكاتب بما يلي :
    " إذا عاد الناس إلى اجتراح الخطايا ، فالذنب ذنبهم لأنهم نسوا النور وعشوا عنه مؤثرين الظلمة بإرادتهم " .
    ومعنى هذا أن خطيئة واحدة محيت ، وأن ملايين الخطايا سواها بقيت وجدت بعد ذلك . وسيحاسب الناس على ما اقترفوه ، وبعض ما اقترفوه أقسى من عصيان آدم . فلقد أنكر بعض الناس وجود الله ، وهاجمه آخرون وسخروا من جنته وناره . فلماذا كانت ظاهرة التجسد لخطيئة واحدة ، وتركت خطايا أكبر ، لا تعد ولا تحصى ؟
    9 - أين كان عدل الله ورحمته منذ حادثة آدم حتى صلب المسيح ؟ ومعنى هذا أن الله - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - ظل حائرا بين العدل والرحمة ألوف السنين ، حتى قبل المسيح منذ ألفي عام فقط أن يصلب تكفيرا عن خطيئة آدم .
    10 - يلزم - كما في جميع الشرائع - أن تتناسب العقوبة مع الذنب ، فهل يتم التوازن بين صلب المسيح على هذا النحو وبين الخطيئة التي ارتكبها آدم ؟
    11 - هذا - إلى أن خطيئة آدم التي لم تزد عن أن تكون أكلا من شجرة نهي عنها قد عاقبه الله عليها - باتفاق المسيحين والمسلمين - بإخراجه من الجنة ، ولا شك أنه عقاب كاف ، فالحرمان من الجنة الفينانة والخروج إلى الكدح والنصب عقاب ليس بالهين . وهذا العقاب قد اختاره الله بنفسه ، وكان يستطيع أن يفعل بآدم أكثر من ذلك ، ولكنه اكتفى بذلك . فكيف يستساغ أن يظل مضمرا السوء غاضبا ألوف السنين حتى وقت صلب المسيح ؟
    12 - وقد مرت بالبشر منذ عهد آدم إلى عهد عيسى أحداث وأحداث وهلك كثيرون من الطغاة وبخاصة في عهد نوح حيث لم ينج إلا من آمن بنوح واتبعه وركب معه السفينة . . فهؤلاء هم الذين رضي الله عنهم ، فكيف تبقى بعد ذلك ضغينة أو كراهية تحتاج لأن يضحي عيسى بنفسه فداء للبشرية .
    13 - والكاتب المسيحي الذي أسلم - عبد الأحد داود وكان مطرانا للموصل - ينتقد قصة التكفير عن الخطيئة هذه انتقادا سليما فيقول : " إن من العجيب أن يعتقد المسيحيون أن هذا السر اللاهوتي ، وهو خطيئة آدم وغضب الله على الجنس البشري بسببها ظل مكتوما عن كل الأنبياء السابقين ولم تكتشفه إلا الكنيسة بعد حادثة الصلب " .
    14 - ويقول هذا الكاتب - عبد الأحد داود - : " إن ما حمله على ترك المسيحية هو هذه المسألة وظهور بطلانها ، إذ أمرته الكنيسة بأوامر لم يستسغها عقله وهي :

    أ - نوع البشر مذنب بصورة قطعية ويستحق الهلاك الأبدي .
    ب - الله لا يخلص أحدا من هؤلاء المذنبين من النار الأبدية المستحقة عليهم بدون شفيع .
    جـ - الشفيع لا بد أن يكون إلها تاما وبشرا تاما " .


    ويدخل هذا الكاتب في نقاش طويل مع المسيحيين بسبب هذه الأوامر ، فهم يرون أن الشفيع لا بد أن يكون مطهرا من خطيئة آدم ، ويرون أنه لذلك ولد عيسى من غير أب لينجو من انحدار الخطيئة إليه من أبيه .
    ويسألهم الكاتب : ألم يأخذ عيسى نصيباً من الخطيئة عن طريق أمه ؟
    ويجيب هؤلاء : بأن الله طهر مريم من الخطيئة قبل أن يدخل الابن رحمها .
    ويعود الكاتب يسأل : إذا كان الله يستطيع - التطهير - هكذا في سهولة ويسر إذ يطهر بعض خلقه ، فلماذا لم يطهر خلقه من الخطيئة كذلك بمثل هذه السهولة وذلك اليسر ، بدون إنزال ابنه وبدون تمثيلية الولادة والصلب ؟ ونضيف إلى نقاش عبد الأحد داود ، أن قولهم بضرورة أن يكون الشفيع مطهراً من خطيئة آدم ، مما استلزم أن يولد عيسى من غير أب أو أن يطهر الله مريم قبل دخول عيسى رحمها ، يحتاج إلى طريق طويل معقد ، وكان أيسر منه أن ينزل ابن الله مباشرة في مظهر الإنسان دون أن يمر بدخول الرحم والولادة . ونضيف كذلك أن اتجاه المسيحيين هذا يتعارض مع اتجاه مسيحي آخر ، هو أن ابن الله دخل رحم مريم ليأخذ مظهر الإنسان وليتحمل في الظاهر بعض خطيئة آدم الذي يبدو ابن الله كأنه ولد من أولاده ، ثم يصلب ابن الله تكفيراً عن خطيئة البشر الذين أصبح كواحد منهم .
    ويبقى أن نسأل أسئلة أخيرة في هذا الموضوع هي :
    هل كان الأنبياء جميعاً ، نوح - إبراهيم - موسى . . ، مدنسين بسبب خطيئة أبيهم ؟
    وهل كان الله غاضباً عليهم كذلك ، وكيف اختارهم مع ذلك لهداية البشر ؟
    هذه الأسئلة نضعها بين يدي النصارى لعلهم يحاولون الإجابة عنها .

    تحديات :
    https://www.ebnmaryam.com/vb/t14138.html
    https://www.ebnmaryam.com/vb/t16123.html
    https://www.ebnmaryam.com/vb/t17193.html
    https://www.ebnmaryam.com/vb/t21307.html

    تعليق


    • #17
      الجلسة الثالثة
      القيامة والظهور .
      شك التلاميذ في روايات القيامة والظهور.
      بولس.
      دين المسيح كان التوحيد .
      كلمة إلى المبشرين .
      القيامة والظهور

      تحديات :
      https://www.ebnmaryam.com/vb/t14138.html
      https://www.ebnmaryam.com/vb/t16123.html
      https://www.ebnmaryam.com/vb/t17193.html
      https://www.ebnmaryam.com/vb/t21307.html

      تعليق


      • #18
        لقد انتهينا من دراسة قضية الصلب . وهي واحدة من أخطر القضايا المسيحية باعتبارها صارت ركيزة من ركائز العقيدة التي تبناها بولس ، وصار لها السيادة فيما بعد ، ولم تكن على الإطلاق من وصايا المسيح ولا من رسالته . وماذا رأينا فيها ؟
        رأينا أن هذه المصادر المسيحية - وهي الأناجيل - قد اختلفت تماماً في كل جزئية تتعلق بموضوعات الصلب . وقلنا - من قبل - إننا نتبع في دوائرنا القضائية في كل بلد من بلاد العالم ، أنه عندما تختلف شهادة الشهود ، ترفض على الفور شهاداتهم .
        كذلك فإن السمة الواضحة والعامل المشترك بين هذه المصادر المسيحية ، شيء واحد ، هو أن كل ما كتب قام على ظن وعلى تناقض يتناقض بعضه مع بعض ، وينقض بعضه بعضاً .
        وقد عبرَ القرآن الكريم عن هذه الحالة في آية من آياته ، وذلك من معجزات القرآن فقد قال { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا } ) سورة النساء .
        لقد وجدنا أن كل ما كتب وخاصة ابتداء من قضية الصلب ، وملحقاتها وهي القيامة والظهور ، قد اختلف فيه كتبة الأناجيل جميعاً من الألف إلى الياء . ونبدأ الآن في دراسة قضية القيامة التي تقول - وفق التعليم المسيحي - إن المسيح صلب ومات ودفن وقام في اليوم الثالث ، وبعد ذلك ظهر لبعض الناس .
        ولقد عرفنا دما سبق أنه لم يدفن في الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال ، كما قالت الأناجيل ، إذ أن المصلوب دفن في الأرض لمدة يوم واحد وليلتين على أحسن الفروض .
        القيامة
        بدأت روايات قيامة المسيح من الأموات وظهوره بعد الموت تنتشر ببطء شديد وسط المجموعة المسيحية الأولى ، بسبب إنكار تلاميذه وحوارييه - وعلى رأسهم بطرس - لتلك الروايات ، وشكهم فيها ، وعدم إيمانهم بوجود أدنى صلة بين رسالة المسيح الحقة التي تلقوها من معلمهم ، ولين فكرة القيامة من الأموات هذه التي صارت واحدة من ركائز العقائد المسيحية ؛ من أجل ذلك تأخر الإعلان عن قيامة المسيح وظهوره سبعة أسابيع ، فلم يذع خبرها بين عامة المسيحيين إلا بعد 50 يوماً ، كما تقول رسالة الأعمال التي سطرها " لوقا " بعد أكثر من 60 عاماً من رفع المسيح .
        وإذا كان هذا هو مجمل حديث القيامة ، كما سجلته الأناجيل ، فمن الواجب ألا يغيب عن البال - كما يقول جورج كيرد : " إن أول شهادة عن القيامة لم تعطها الأناجيل ، لكنها جاءت من رسائل بولس ، وعلى وجه الخصوص رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس ( الإصحاح 15 ) التي كتبت قبل أقدم الأناجيل بعشر سنوات على الأقل . ففي هذا الإصحاح نجد بولس يقتبس تعليماً تسلمه من أولئك الذين كانوا مسيحيين قبله " (1) .
        _________
        (1) تفسير إنجيل لوقا : ص255 .

        ولقد رأينا أن ما تقوله الأناجيل عن صلب المسيح وما امتلأت به من اختلافات ومتناقضات يكفي لرفضها ، وبالتالي كان ذلك مبرراً كافياً لرفض ما قام على الصلب وهو القيامة والظهور . ومع ذلك فلسوف نتجه إلى الأناجيل لنناقش من خلالها قضية القيامة والظهور بعناصرها الرئيسية :
        زيارة النساء للقبر :
        يقول مرقس : " بعد ما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنه . وباكر جداً في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس وكن يقلن في أنفسهن من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر . فتطلعن ورأين الحجر قد دحرج لأنه كان عظيماً جداً . ولما دخلن القبر رأين شاباً جالساً عن اليمين لابساً حلة بيضاء فاندهشن ، فقال لهن لا تندهشن ، أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب ، قد قام ، ليس هو ههنا هو ذا الموضع الذي وضعوه فيه ، لكن اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس إنه يسبقكم إلى الجليل ، هناك ترونه كما قال لكم . فخرجن سريعاً وهربن من القبر لأن الرعدة والحيرة أخذتاهن . ولم يقلن لأحد شيئاً لأنهن كن خائفات - 16 : 1 -8 " .
        يقول نينهام : " إن الدافع المقترح لهذه الزيارة يدعو على أي حال إلى الدهشة . وإذا صرفنا النظر عن التساؤل الذي أثير ( عمن يدحرج الحجر ) فمن الصعب أن نثق في أن الغرض من زيارة النسوة كان دهان جسم إنسان انقضى على موته يوم وليلتان .
        إن أغلب المعلقين يرددون ما يقوله مونتفيوري من أن السبب الذي تعزى إليه هذه الزيارة غير محتمل البتة . .
        وفي الواقع نجد أنه حسب رواية القديس مرقس ، فإن جسد يسوع لم يدهن أبداً بعد الموت ، خلافاً لما جاء في ( يوحنا 19 : 40 ) ( الذي يقول : فأخذا - يوسف ونيقوديموس - جسد يسوع ولفاه بأكفان مع الأطياب ، كما لليهود عادة أن يكفنوا ) . .
        إن كثيرا من القراء سيتفقون في الرأي مع ما انتهى إليه فنسنت تيلور من أنه : من المحتمل أن يكون وصف مرقس محض خيال ، إذ أنه يصور لنا في وصفه بما يعتقد أنه حدث " (1) .
        وقد انفرد متى بما ذكره عن طلب اليهود من الحاكم الروماني بيلاطس أن يرسل حراساً لضبط القبر ، فاستجاب لهم " فمضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا الحجر " .
        _________
        (1) تفسير إنجيل مرقس : ص443 -444 .
        بعد ذلك تكلم عن زيارة النساء للقبر بصورة مختلفة فقال : " وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر . وإذا زلزلة عظيمة حدثت لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه ، وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج . .
        فأجاب الملاك وقال للمرأتين لا تخافا . . اذهبا سريعاً قولا لتلاميذه إنه قام من الأموات . .
        فخرجتا سريعاً من القبر بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبرا تلاميذه " ( 28 : 1 - 8 ) .
        ويقول جون فنتون : " إن حدوث الزلزلة ، ونزول الملاك من السماء ، ودحرجة الحجر بعيداً ، وخوف الحراس ، كلها إضافات من عمل متى . .
        كذلك نجد في إنجيل مرقس أن النساء لا تطعن الرسالة ، أما في متى فإنهن يطعنها ( فيخبرن التلاميذ بالقيامة ) " (1) .
        ويقول لوقا : " في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهن أناس ، فوجدن الحجر مدحرجاً عن القبر . فدخلن ولم يجدن جسد الرب يسوع .
        _________
        (1) تفسير إنجيل متى : ص449 -450 .
        وفيما هن محتارات في ذلك إذا رجلان وقفا بهن بثياب براقة ، وإذ كن خائفات ومنكسات وجوههن إلى الأرض قالا لهن . . ليس هو ههنا لكنه قام ، اذكرن كيف كلمكن وهو بعد في الجليل ، فتذكرن كلامه ورجعن من القبر وأخبرن الأحد عشر الباقين بهذا كله . وكانت مريم المجدلية ويونا ومريم أم يعقوب والباقيات معهن اللواتي قلن هذا للرسل " ( 24 : 1 - 10 ) .
        ويقول جورج كيرد : " إن قصة لوقا عن القبر الخالي تسير بمحاذاة مرقس ، لكنها تختلف عنها في أربع نقاط :
        فبينما يذكر مرقس شاباً واحداً عند القبر ، نجد لوقا يذكر رجلين .
        وحسبما جاء في ( مرقس 16 : 17 ) قيل للنسوة : اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس إنه يسبقكم إلى الجليل هناك ترونه كما قال لكم - لكن لوقا يشير بدلا من ذلك إلى تعليم سبق إعطاؤه في الجليل . ذلك أنه حسب مصدر المعلومات الذي استقى منه لوقا فإن ظهور ( المسيح ) بعد القيامة لم يحدث في الجليل ، لكنه حدث فقط في أورشليم وما حولها .
        كذلك نجد حسب رواية مرقس أن النسوة قد حملن برسالة فشلن في توصيلها لأنهن كن خائفات ، بينما يخبرنا لوقا أنهن قدمن تقريراً كاملًا عما رأينه وسمعنه إلى التلاميذ الآخرين .
        وأخيراً فإن قائمة الأسماء مختلفة ، إذ أن لوقا يذكر يونا بدلا من سالومي التي ذكرها مرقس " (1) .
        أما رواية يوحنا عن القيامة فإنها مختلفة عما روته الأناجيل الثلاثة في عناصرها الرئيسية ، ذلك أن يوحنا يقول : " في أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكراً والظلام باقٍ ، فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر .
        فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه وقالت لهما أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه .
        فخرج بطرس والتلميذ الآخر وأتيا إلى القبر . وكان الاثنان يركضان معاً .
        فسبق التلميذ الآخر بطرس وجاء أولا إلى القبر . وانحنى فنظر الأكفان موضوعة ولكنه لم يدخل ، ثم جاء سمعان بطرس يتبعه ودخل القبر ونظر الأكفان موضوعة والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعاً مع الأكفان ، بل ملفوفا في موضع وحده فحينئذ دخل أيضا التلميذ الآخر الذي جاء أولا إلى القبر ورأى فآمن ، لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات . .
        أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجاً تبكي . . فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحد عند الرأس والآخر عند الرجلين حيث كان جسد يسوع موضوعاً " ( 20 : 1 -10 ) .

        _________
        (1) تفسير إنجيل « لوقا » : ص 256 .
        اختلاف الأناجيل في روايات الزيارة :
        من الواضح أن هناك اختلافا بين ما ترويه الأناجيل عن زيارة النساء للقبر وملابساتها كما يتضح مما سبق ، بالإضافة إلى الآتي :
        1 - يذكر مرقس أن توقيت زيارة النساء للقبر كان بعد طلوع الشمس ، بينما يقول الآخرون أن الزيارة كانت قبل طلوعها - فهي في متى ولوقا عند الفجر ، وفي يوحنا : والظلام باق " .
        2 - يذكر مرقس أن الزائرات كن ثلاث نسوة ، لكن متى يذكر اثنتين فقط ، بينما يقول لوقا إنهن كن جمعاً من النساء ، أما يوحنا فيجعل بطلة الزيارة هي مريم المجدلية بمفردها التي تذهب لتحضر معها بطرس ويوحنا ( التلميذ المحبوب ) .
        ولا يتفق كتبة الأناجيل على شيء من العناصر الرئيسية لقصة الزيارة قدر اتفاقهم على جعل مريم المجدلية في موضع الصدارة بين الزائرات ، حتى أن يوحنا يجعلها الزائرة الوحيدة .
        ولذلك صارت مريم المجدلية - التي أخرج منها المسيح سبعة شياطين - هي المصدر الرئيسي لكل ما قيل عن قيامة المسيح من الأموات .
        3 - وعند القبر رأت النساء شاباً جالساً عن اليمين لابساً حلة بيضاء - حسب مرقس - بينما هو في متى " ملاك الرب . . وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج ) ، أما في لوقا " رجلان بثياب براقة " ، وفي يوحنا : " ملاكين بثياب بيض جالسين واحد عند الرأس والآخر عند القدمين " .
        هذا : ولقد أضاف الأستاذ إبراهيم خليل أحمد إلى ما سبق بيانه بخصوص قضية القيامة التي اختلفت فيها الأناجيل اختلافاً يكفي لرفض شهاداتها جميعاً ، قوله :
        لقد انفرد إنجيل متى بقوله : " في الغد الذي بعد الاستعداد اجتمع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى بيلاطس : قائلين يا سيد قد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي إني بعد ثلاثة أيام أقوم - فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث لئلا يأتي تلاميذه ليلًا وشرقوه ويقولوا للشعب إنه قام من الأموات . فتكون الضلالة الأخيرة أشر من الأولى .
        فقال لهم بيلاطس عندكم حراس ، اذهبوا واضبطوه كما تعلمون .
        فمضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا الحجر " ( 27 : 62 -66 ) .
        ولذلك تكون الإجراءات التي تمت هي حراسة القبر وختم الحجر .
        وإذا صرفنا النظر عن كيفية دحرجة الحجر واختلاف الأناجيل فيها ، فإننا نقرأ في متى بعد ذلك الآتي :
        " وفيما هما ذاهبتان ( مريم المجدلية ومريم الأخرى ) إذا قوم من الحراس جاءوا إلى المدينة وأخبروا رؤساء الكهنة بكل ما كان . فاجتمعوا مع الشيوخ وتشاوروا وأعطوا العسكر فضة كثيرة ، قائلين : قولوا إن تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه ونحن نيام ، وإذا سمع ذلك عند الوالي فنحن نستعطفه ونجعلكم مطمئنين . فأخذوا الفضة وفعلوا كما علموهم . فشاع هذا القول عند اليهود إلى هذا اليوم " ( 28 : 11 -15 ) .
        من ذلك يتبين أن خصوم المسيح وهم رؤساء الكهنة والشيوخ وكذا الحراس لم يشاهدوا قيامة المسيح ، ولم يشاهدوه بعد القيامة ، لكن الشيء الوحيد الذي اتفقوا عليه هو وجود القبر - الذي قيل إنه دفن فيه - خالياً .
        وإذا رجعنا إلى قصة دانيال أثناء السبي البابلي لوجدنا نظيراً لقصة المقبرة التي وضع عليها حراس وسدت بحجر مختوم . فلقد حدث أن تآمر خصوم دانيال عليه ووشوا به عند الملك لأنه لا يتعبد له ، إنما بتعبد للإله الواحد خالق الأكوان . آنذاك غضب الملك وأمر بوضع دانيال في جب الأسوُد ، وقفله بحجر وختمه . وفي هذا يقول سفر دانيال : " قالوا قدام الملك إن دانيال الذي من بني سبي يهوذا لم يجعل لك أيها الملك اعتباراً . . فلما سمع الملك هذا الكلام اغتاظ على نفسه جداً . . حينئذ أمر الملك فأحضروا دانيال وطرحوه في جب الأسوُد . أجاب الملك وقال لدانيال إن إلهك الذي تعبده دائماً هو ينجيك . وأتى بحجر ووضع على فم الجب وختمه الملك بخاتَمه وخاتم عظمائه .
        ثم قام الملك باكراً عند الفجر وذهب مسرعاً إلى جب الأسوُد . فلما اقترب إلى الجب نادى دانيال بصوت أسيف . أجاب الملك وقال لدانيال . يا دانيال عبد الله الحي هل إلهك الذي تعبده دائماً قدر على أن ينجيك من الأسوُد ؟ فتكلم دانيال مع الملك ، يا أيها الملك عش إلى الأبد . إلهي أرسل ملاكه وسد أفواه الأسوُد فلم تضرني لأني وجدت بريئاً قدامه وقدامك أيضا . أيها الملك لم أفعل ذنباً .
        حينئذ فرح الملك به وأمر بأن يصعد دانيال من الجب ، فأصعد دانيال من الجب ولم يوجد فيه ضرر لأنه آمن بإلهه .
        فأمر الملك فأحضروا أولئك الرجال الذين اشتكوا على دانيال وطرحوهم في جب الأسوُد هم وأولادهم ونساءهم . ولم يصلوا إلى أسفل الجب حتى بطشت بهم الأسود وسحقت كل عظامهم " ( 6 : 13 -24 ) .
        هنا حدثت المعجزة حقاً ، إذ رفعت الأختام في وجود شهود عاينوا دانيال قائماً بينهم حيا ، قد انتصر على الموت الذي كان ينتظره في فم الأسوُد ، وشهد بذلك أعداء دانيال وأصدقاؤه على السواء .
        فلو كان المسيح هو ذلك الذي صلبوه ، ثم وضعوه في القبر ، ثم أقاموا عليه حراساً وختموه ، لكان الأولى به حين يقوم من الموت - كما يدعون - أن يحدث ذلك على مرأى ومسمع من أعدائه قبل أصدقائه ، حتى تتحقق المعجزة بشهادة الشهود ، خاصة وأن المسيح مارس معجزاته كلها أمام الناس سواء المؤمنين به أو المكذبين له .
        أما أن توجد مقبرة خالية ، فيقال إن المسيح الذي دفن فيها قد قام ولم يره أحد ، فذلك شيء لا يقوم على أي أساس بسبب التضارب الواضح فيما ترويه الأناجيل عن القيامة التي تعتبر ركيزة من ركائز العقائد المسيحية والتي تفوق في أهميتها خروج دانيال حياً من جب الأسود آلاف المرات .
        هذا ويقول جون فنتون : " لقد كانت الكنيسة الأولى ترى في خروج دانيال حيا من جب الأسوُد نوعاً من المشابهة لقيامة يسوع . .
        كما يلاحظ أن متى غير قول مرقس أن المرأتين اشترتا حنوطاً : ليأتين ويدهنه ، إلى قول آخر هو : لتنظرا القبر . ولعل السبب في ذلك هو أنه ما دام متى قد أدخل قصة ختم الحجر إلى روايته ، فلا بد أن يقوم بهذا التعديل " (1) .
        _________
        (1) تفسير إنجيل متى : ص448 -450 .
        وإذا كانت الكنيسة قد اعتبرت خروج دانيال من جب الأسوُد شبيهاً بقيامة المسيح ، أما كان ضرورياً للإقرار بتلك المشابهة أن يتوافر العنصر الضروري والكافي لتحقيق الحدث ، وهو شهادة الشهود من الأصدقاء والأعداء على السواء ؟ وهو الشيء الذي اكتمل في قصة دانيال ، وفقد تماماً في قصة المسيح . ونستطيع أن ندرك الآن قيمة هذه الفقرة المختصرة التي قررها أدولف هرنك : " إن هناك عدداً من النقاط مؤكدة تاريخياً منها : أن أحداً من خصوم المسيح لم يره بعد موته " (1) .
        نعم . . إن رؤية الخصوم قبل الأصدقاء هي دليل هام ومفقود كان من اللازم تواجده -أولا - عند كل من يؤمن بحديث القيامة . . ولسوف يبقى مفقوداً إلى الأبد . .
        _________
        (1) تاريخ العقيدة : جـ1 ، ص85 .

        الظهور
        لقد درجنا على أن نبدأ أولا بذكر ما يقوله إنجيل مرقس في مختلف الموضوعات التي نتعرض لها في هذه الدراسة ، ثم نتبع ذلك بما تقوله بقية الأناجيل في ذات الموضوع . ويرجع ذلك لما هو متفق عليه من أن إنجيل مرقس يعتبر أقدم الأناجيل القانونية التي وصلتنا ، بالإضافة لكونه المصدر الرئيسي الذي نقل عنه كل من متى ولوقا . وإذا طبقنا تلك القاعدة التي درجنا عليها ، وبدأنا بما يقوله إنجيل مرقس عن ظهور المسيح بعد قيامته من الأموات فإننا نقول :
        يقول إنجيل مرقس : لا شيء . . .
        نعم : لا يقول إنجيل مرقس شيئا عن موضوع الظهور .
        ولسوف يسرع بعض القراء إلى النسخ التي في متناول أيديهم من إنجيل مرقس ، بغية التثبت من حقيقة هذا الإدعاء الخطير ، فيجدون خاتمة هذا الإنجيل - ( الأعداد من 9 إلى 20 ) التي ينتهي بها الإصحاح السادس عشر - تتكلم عن ظهور المسيح لبعض الناس بعد فتنة الصلب وروايات القيامة .
        وهنا يحدث لبس تزيله الحقيقة الآتية :
        إن خاتمة إنجيل مرقس التي تتكلم عن ظهور المسيح - ( الأعداد من 9 إلى 20 ) - ليست من عمل مرقس كاتب الإنجيل ، ولكنها إضافات أدخلت إليه حوالي عام 180 م ، أي بعد أن سطر مرقس إنجيله بنحو 120 عاماً ، ولم تأخذ أي صورة قانونية إلا بعد عام 325 م .
        لقد أشرنا إلى هذا من قبل عند الحديث عن مشاكل إنجيل مرقس - ونضيف الآن قول نينهام :
        " إنه على الرغم من أن هذه الأعداد ( 9 - 20 ) تظهر في أغلب النسخ الموجودة لدينا من إنجيل مرقس ، إلا أن النسخة القياسية المراجعة مصيبة تماماً في اعتبارها غير شرعية ، منزلة إياها من النص إلى الهامش .
        إن العالم الكاثوليكي الكبير " لاجرانج " واضح تماماً في قوله : إنه بالرغم من قانونيتها ( أي أنها جزء من الكتاب المقدس ) ، فإنها ليست قانونية بالمعنى الحرفي ( أي ليست من عمل القديس مرقس ) . وتقوم وجهة النظر التي تتطابق وآراء العلماء الآخرين على ثلاثة أسباب رئيسية هي :
        1 - إن بعض أفضل النسخ من إنجيل مرقس تنتهي عند ( 16 : 8 ) ، وبعض النسخ الأخرى تتفق معها في حذف الأعداد ( 9 - 20 ) ، لكنها تعطي بدلا من ذلك خاتمة ( أخرى ) .
        2 - إن كبار العلماء في القرن الرابع مثل ايزييوس وجيروم يشهدون بأن هذه الأعداد كانت ساقطة من أفضل النسخ الإغريقية المعلومة لديهم .
        3 - والأكثر حسماً من كل ما سبق هو أن أسلوب تلك الأعداد ومفردات اللغة التي كتبت بها يعطي أسلوب القرن الثاني ، وهو شيء يختلف تماماً عما كتب به القديس مرقس .
        إن هذه الفقرة لا يمكن تحديد تاريخها بالضبط ، ويمكن القول بأنها أصبحت تقبل كجزء من إنجيل مرقس حوالي عام 180 م " (1) .
        كذلك يقول جون فنتون : " على حسب معلوماتنا فإن إنجيل مرقس الذي كان بين يدي متى ، قد انتهى عند ( 16 : 8 ) ، وعلى هذا فإن ظهور يسوع للنساء في إنجيل ( متى 28 : 8 ) قد أضافه متى .
        وحسبما نعلم فإن إنجيل مرقس لم يحتو على أي روايات تتكلم عن ظهور الرب المقام من الأموات " (2) .

        _________
        (1) تفسير إنجيل مرقس : ص449 -450 .
        (2) تفسير إنجيل متى : ص449 -450


        روايات الأناجيل :
        ومع ذلك فلسوف نذهب إلى نسخ إنجيل مرقس التي تتكلم عن ظهور المسيح فنجدها تقول :
        " وبعد ما قام باكراً في أول الأسبوع ظهر أولا لمريم المجدلية التي قد أخرج منها سبعة شياطين . فذهبت هذه وأخبرت الذين كانوا معها وهم ينوحون ويبكون ، فلما سمع أولئك أنه حي وقد نظرته ، لم يصدقوا ..
        وبعد ذلك ظهر بهيئة أخرى لاثنين منهم وهما يمشيان منطلقين في البرية . وذهب هذان وأخبرا الباقين ، فلم يصدقوا ولا هذين .
        أخيراً ظهر للأحد عشر وهم متكئون وويخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم لأنهم لم يصدقوا الذين نظروه قد قام " ( 16 : 9 -14 ) .
        ولقد علمنا حسب رواية متى عن زيارة النساء للقبر ، أن مريم المجدلية ومريم الأخرى قد حملها ملاك الرب رسالة يقول فيها : " اذهبا سريعاً قولا لتلاميذه إنه قد قام من الأموات . ها هو يتبعكم إلى الجليل " .
        وعندئذ خرجتا سريعاً من القبر بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبرا تلاميذه " .
        والآن نضيف قول متى : " وفيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه إذا يسوع لاقاهما وقال " سلام لكما " فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له ، فقال لهما يسوع : لا تخافا اذهبا قولا لإخوتي أن يذهبوا إلى الجليل وهناك يرونني .
        وأما الأحد عشر تلميذاً فانطلقوا إلى الجليل إلى الجبل حيث أمرهم يسوع .
        ولما رأوه سجدوا له ، ولكن بعضهم شكوا " ( 28 : 9 -17 ) .
        هذا ، وبعد أن ذكر لوقا ما روته النسوة من حديث القيامة للتلاميذ والرسل نجده يتكلم عن الظهور فيقول : " وإذا اثنين منهم كانا منطلقين في ذلك اليوم إلى قرية بعيدة عن أورشليم . . وفيما هما يتكلمان ويتحاوران اقترب إليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما ولكن أمسكت أعينهما عن معرفته . فقال لهما ما هذا الكلام الذي تتطارحان به . .
        فقالا المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنساناً نبيا مقتدراً في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب . .
        ثم اقتربوا إلى القرية التي كانا منطلقين إليها وهو تظاهر كأنه منطلق إلى مكان أبعد . فألزماه قائلين امكث معنا . . فلما اتكأ معهما أخذ خبزا وبارك وكسر وناولهما فانفتحت أعينهما وعرفاه ثم اختفى عنهما .
        فقاما في تلك الساعة ورجعا إلى أورشليم ووجدا الأحد عشر مجتمعين هم والذين معهم . وهم يقولون إن الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان . .
        وفيما هم يتكلمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم وقال لهم سلام لكم .
        فجزعوا وخافوا وظنوا أنهم رأوا روحا .
        فقال لهم : ما بالكم مضطربين ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم ، انظروا يدي ورجلي إني أنا هو ، جسوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي . وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه . . فناولوه جزءاً من سمك مشوي وشيئاً من شهد عسل . فأخذ وأكل قدامهم " ( 24 : 13 -43 ) .
        ويقول يوحنا إن مريم المجدلية كانت تبكي عند القبر ، فقال لها الملاكان :
        " يا امرأة لماذا تبكين قالت لهما إنهم أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه . ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفاً ولم تعلم أنه يسوع .
        قال لها يسوع : يا إمرأة لماذا تبكين . من تطلبين . فظنت تلك أنه البستاني فقالت له يا سيد : إن كنت أنت قد حملته فقل لي أين وضعته وأنا آخذه . فقال لها يسوع يا مريم . فالتفتت تلك وقالت له ربوني - الذي تفسيره يا معلم - فقال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى : أبي وأبيكم ، وإلهي وإلهكم .
        فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب وأنه قد قال لها هذا . ولما كانت عشية ذلك اليوم وهو أول الأسبوع وكانت الأبواب مغلقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود ، جاء يسوع ووقف في الوسط . فرح التلاميذ أنهم رأوا الرب . .
        أما توما أحد الاثني عشر . . فلم يكن معهم حين جاء يسوع . فقال له التلاميذ الآخرون قد رأينا الرب فقال لهم : إن لم أبصر في يديه أثر المسامير وأضع أصبعي في أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا أومن .
        وبعد ثمانية أيام كان التلاميذ أيضا داخلًا وتوما معهم فجاء يسوع والأبواب مغلقة ووقف في الوسط وقال : سلام لكم . .
        بعد هذا أظهر أيضا يسوع نفسه للتلاميذ على بحر طبرية . . لما كان الصبح وقف يسوع على الشاطئ ولكن التلاميذ لم يكونوا يعلمون أنه يسوع . . ثم جاء يسوع وأخذ الخبز وأعطاهم وكذلك السمك . هذه مرة ثالثة ظهر يسوع لتلاميذه بعد ما قام من الأموات " ( 20 : 13 -26 ، 21 : 1 - 14 ) .

        ملاحظات على روايات الأناجيل :
        لقد عرضنا ما ترويه الأناجيل الأربعة عن ظهور المسيح ، وكلها روايات تسمح بإبداء الملاحظات الآتية :
        1 - اتفق مرقس ومتى ويوحنا على أن الظهور الأول كان من نصيب مريم المجدلية التي لم تعرفه وظنته البتساني ، بينما أسقط لوقا تلك الرواية تماماً ، وجعل الظهور الأول من نصيب اثنين كانا منطلقين إلى قرية عمواس .
        2 - حدث الظهور للتلاميذ مرة واحدة في كل من مرقس ومتى ولوقا ، بينما تحدث عنه يوحنا ثلاث مرات بصور مختلفة .
        3 - اتفق مرقس ومتى على أن الظهور للأحد عشر تلميذاً حدث في الجليل ، فاختلفا في ذلك مع لوقا ويوحنا اللذين جعلاه في أورشليم .
        4 - وأخطر من ذلك كله هو اتفاق الأناجيل في هذه القضية على شيء واحد هو أن ذلك الذي ظهر لمريم المجدلية وللتلاميذ كان غريباً عليهم ، ولم يعرفوه جميعاً وشكوا فيه ، وهم الذين عايشوا المسيح وعرفوه عن قرب .
        كيف يقال بعد ذلك أن المسيح ظهر لمعارفه وتلاميذه ؟

        تعليق الأستاذ إبراهيم خليل أحمد :
        هذا - ولقد أضاف الأستاذ إبراهيم خليل أحمد إلى ما سبق قوله :
        إن القضية الرئيسية في المسيحية هي قضية الغفران وأنه بسبب خطيئة آدم المتوارثة فإن البشرية كلها هالكة لا محالة ولذلك جاء المسيح ليفديها بنفسه ، وكان قتله على الصليب - باعتباره ابن الله الوحيد - هو الثمن الذي ادعى بولس أنه دفع للمصالحة مع الله أو على حد تعبيره " صولحنا مع الله بموت ابنه " ( رومية 5 : 10 ) .
        ولكن إن صح ما قيل عن الخطيئة المتوارثة - وهو غير صحيح على الإطلاق ولا يتفق مع عدل الله ولا شرائعه ومنها شريعة موسى ، فهل كان ضروريا تلك الرواية المأساوية التي تتمثل في قول المسيحية بقتل المسيح صلبا وسط صرخاته اليائسة التي كان يرفض فيها تلك الميتة الدموية ؟
        أما كان يمكن أن تحدث المغفرة دون سفك دم بريء ، دم يرفض صاحبه بإصرار أن يسفك ؟ لنرجع إلى إنجيل متى نجده يقول : " فدخل السفينة واجتاز وجاء إلى مدينته . وإذا مفلوح يقدمونه إليه مطروحا على فراش . فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوح : ثق يا بنى ، مغفورة لك خطاياك .
        وإذا قوم من الكتبة قد قالوا في أنفسهم هذا يجدف . فعلم يسوع أفكارهم فقال لماذا تفكرون بالشر في قلوبكم . أيما أيسر أن يقال مغفورة لك خطاياك . أم أن يقال قم وامش ؟ ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا .
        حينئذ قال للمفلوح قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك فقام ومضى إلى بيته .
        فلما رأى الجموع تعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانا مثل هذا " ( 9 : 1 -8 ) .
        لقد قال المسيح للمفلوح : " مغفورة لك خطاياك " ومغفورة اسم مفعول لفاعل تقديره الله سبحانه وتعالى لأن المخلوق لا يستطيع أن يغفر الخطايا ، تماما كما يقول إنسان عن إنسان آخر متوفى : المغفور له ، فهذا يعني أنه يرجو أن يغفر الله له .
        بل إن متى ينسب للمسيح قوله : " لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا " . فكأن الله - سبحانه وتعالى - منح المسيح أن يغفر الخطايا بكلمة منه : وبناء على ذلك فإن مغفرة خطايا البشر ليست في حاجة إلى عملية صلبه وقتله وكل ذلك العمل الدرامي المفجع الذي ضاعف الخطايا - لو كان قد حدث كما يزعمون - بدلا من أن يمحوها . وأكثر من هذا أن المسيح أعطى لبطرس - الذي وصفه بأنه شيطان والذي تقول الأناجيل إنه تبرأ من سيده في وقت المحنة وأنكره أمام اليهود - سلطانا أن يغفر الخطايا فقال له : " أعطيك مفاتيح ملكوت السموات ، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السموات وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السموات " .
        هل يستطيع الإنسان أن يغفر بكلمة ويعجز رب الإنسان عن مثل ذلك ؟
        أين عقول الناس التي يفكرون بها ؟
        لقد كتبت الأناجيل -كما علمتم - بعد عشرات السنين من رحيل المسيح ثم تعرضت للكثير من الإضافات والحذف . ولقد كان المسيح يعلم حقيقة من حوله وحقيقة الأدعياء الذين سيلتصقون باسمه وبرسالته ويزعمون أنهم رسله وتلاميذه رغم أنهم تلاميذ الشيطان الذي سيؤيدهم بعجائب وأضاليل تكون فتنة للناس . ولذلك قال كاتب إنجيل متى على لسانه : " ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات ، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات . كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب . أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين ولاسمك صنعنا قوات كثيرة . فحينئذ أصرح لهم إني لم أعرفكم قط . اذهبوا عني يا فاعلي الإثم -7 : 21 -23 " .
        لقد لعب اسم الروح القدس دورا كبيرا في الدعوة باسم المسيح لدرجة أنهم لو وجدوا إنسانا يهذي فإنهم يقولون : قد امتلأ من الروح القدس . ولا شك أن المجرم هو أقدر من يدل على طرق الإجرام فإذا أردنا أن نحد من الجرائم علينا أن نأتي بجماعة من المجرمين ونتعرف منهم على أساليبهم ومن ثم نستطيع وضع الخطط اللازمة لمكافحة الإجرام .
        ونأتي الآن إلى شاول - بولس - نجده يقول في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس : " ولكن ما أفعله سأفعله لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجدوا كما نحن أيضا في ما يفتخرون به . لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة فعلة ماكرون مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح . ولا عجب لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور . فليس عظيما إن كان خدامه أيضا يغيرون شكلهم كخدام للبر ، الذين نهايتهم تكون حسب أعمالهم .
        أقول أيضا لا يظن أحد أني غبي وإلا فاقبلوني ولو كغبي لأفتخر أنا أيضا قليلًا . الذي أتكلم به لست أتكلم به بحسب الرب بل كأنه في غباوة في جسارة الافتخار هذه - 11 : 12 - 17 " .
        وعندما نأتي لفكر بولس في الصلب - مع إيماننا الكامل بأن المسيح لم يصلب على الإطلاق ولم يعلق على الصليب - نجده يقول : " المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة - غلاطية : 3 -13 " .
        كيف هذا أيها الناس ؟ كيف يكون المسيح لعنة ؟ وكأن المسيح كان يتحرز ضد بولس وأفكاره وتابعيه حين قال في إنجيل يوحنا : " هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركونني وحدي ، وأنا لست وحدي لأن الآب معي " ( 16 : 32 -33 ) .
        وهذا مخالف تماما لقول ذلك الذي علقوه على الصليب فصرخ يائسا يقول " إلهي إلهي لماذا تركتني " . إن هذا وحده كاف لإثبات عدم صلب المسيح . لقد كان هذا تعليقنا على فتنة الصلب وما ألحق به من روايات القيامة والظهور وسوف يكون موضوعي القادم هو الحديث عن البشارة بسيدنا محمد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم في التوراة والإنجيل .

        بولس
        حديثنا الآن عن بولس خاصة وقد علمنا لمحة عن فكر بولس وفلسفته لفكرة الصليب والفداء ، وهي مسيحيته التي قام يبشر بها وجاءت مخالفة لمسيحية المسيح الحقة التي اتسمت بالمحبة والوداعة ، خلافا لذلك العنف الدموي الذي اعتنقه بولس في مسيحيته الصليبية . ولسوف نرى كيف دخل بولس في المسيحية وكيف كان نتاج أفكاره ، خاصة وأن هناك قاعدة معروفة تقول : إنك لا تجني من الشوك العنب .
        ولقد كان بولس - شاول - يهوديا واشتهر بعنفه في خصومته ، بل بعدائه الشديد لأتباع المسيح ولم يكن له حظ من رؤية المسيح - ولو مرة واحدة - في حياته .
        يقول سفر أعمال الرسل : " أما شاول فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجر رجالا ونساء ويسلمهم إلى السجن 3 : 8 " .
        " والشهود خلعوا ثيابهم عند رجلي شاب يقال له " شاول " ، فكانوا يرجمون استفانوس وهو يدعو . . ثم جثا على ركبتيه وصرخ بصوت عظيم : يا رب لا تقم لهم هذه الحطية .
        وإذ قال هذا رقد وقد كان شاول راضيا بقتله " ( أعمال الرسل 7 : 58 -60 ، 8 : 1 -3 ) .
        ثم أعلن بولس -فجأة - تحوله إلى المسيحية . . .
        إن تاريخ الديانات يشهد لكثيرين كانوا من ألد أعدائها وأعداء النبي والرسول الذي جاء يدعو لها ثم يتحولون إليها ويصيرون من خير دعاتها . لكن القاعدة الهامة والخطيرة التي شذ فيها بولس هي أنه لم يلتزم بالتعاليم الموجودة في العقيدة الجديدة التي تحول إليها -وهي المسيحية - لكنه اختص بتعليم انفرد به وطفق يبشر به ، واستطاع بوسائله الخاصة ومهاراته أن ينحي كل التلاميذ جانبا ويتصدر الدعوة إلى المسيحية بعد أن اكتسح الآخرين . ولنرى الآن ماذا يقول سفر أعمال الرسل عن قصة تحول بولس إلى المسيحية . يقول الإصحاح التاسع : " أما شاول فكان لم يزل ينفث تهددا وقتلًا على تلاميذ الرب . فتقدم إلى رئيس الكهنة وطلب منه رسائل إلى دمشق إلى الجماعات حتى إذا وجد أناسا من الطريق رجالا ونساء يسوقهم موثقين إلى أورشليم .
        وفي ذهابه حدث أنه اقترب إلى دمشق فبغتة أبرق حوله نور من السماء فسقط على الأرض وسمع صوتا قائلًا له : شاول لماذا تضطهدني ؟ فقال من أنت يا سيد . فقال الرب أنا يسوع الذي أنت تضطهده . . فقال وهو مرتعد ومتحير يا رب ماذا تريد أن أفعل . فقال له الرب قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل .
        وأما الرجال المسافرون معه فوقفوا صامتين يسمعون الصوت ولا ينظرون أحدا - 9 : 1 - 7 " .
        لكن الله - سبحانه وتعالى - دائما يبين الحق رحمة بالناس ولهذا نجد الإصحاح الثاني والعشرين من سفر أعمال الرسل يحكي قصة تحول بولس إلى المسيحية على لسانه شخصيا فيقول : " حدثت لي وأنا ذاهب ومتقرب إلى دمشق . . أبرق حولي من السماء نور عظيم . فسقطت على الأرض وسمعت صوتا قائلا لي : شاول شاول لماذا تضطهدني ؟ فأجبت من أنت يا سيد . فقال أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده . والذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا الصوت الذي كلمني -22 : 6 -9 " .
        من ذلك نتبين أن المسافرين : سمعوا الصوت ولم ينظروا النور حسب قول الإصحاح ( 9 ) ، بينما ذكر الإصحاح ( 22 ) عكس ذلك تماما فقال : نظروا النور ولم يسمعوا الصوت . . هذه بداية دخول بولس إلى المسيحية وهي قصة مشكوك فيها تماما . .
        لقد دخل بولس المسيحية - وفق رواية خطؤها واضح تماما - ثم انطلق بتعليمه الخاص الذي أعلن فيه الاستغناء عن كل تعليم تلقاه تلاميذ المسيح من معلمهم بدعوى أنه تلقى تعليمه من المسيح مباشرة في تلك الرؤيا المزعومة .
        فهو يقول : " لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته ، أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم للوقت لم أستشر لحما ودما ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل ( التلاميذ ) الذين قبلي ، بل انطلقت إلى العربية ثم رجعت أيضا إلى دمشق . ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يوما . ولكني لم أر غيره من الرسل إلا يعقوب أخا الرب . والذي أكتب به إليكم هو ذا قدام الله إني لست أكذب فيه - غلاطية وهكذا بدأ بولس الدعوة إلى المسيحية وفق مفهومه الخاص لمدة ثلاث سنوات قبل أن يتعرف بتلاميذ المسيح الذين أسسوا الكنيسة الأم في أورشليم والذين كانوا المرجع في كل ما يتعلق بالمسيحية والدعوة إليها .
        ثم يقول بولس : " بعد أربعة عشر سنة صعدت إلى أورشليم مع برنابا آخذا معي تيطس أيضا . وإنما صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم ولكن بالانفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلًا . فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا على بشيء بل بالعكس إذ رأوا أني أؤتمنت على إنجيل الغرلة كما بطرس على إنجيل الختان " ( غلاطية من ذلك يتضح : 2 : 1 -8 ) .
        من ذلك يتضح :
        1 - أن قصة دخول بولس في المسيحية مشكوك فيها ولا يمكن الاعتماد عليها لما فيها من تناقضات صارخة .
        2 - لم يعرف بولس عن المسيحية سوى الصلب وسفك الدم وأن هذا شيء أختص به . وأما غير ذلك من تعاليم المسيح فقد أهمله تماما فهو يقول : " أعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذي بشرت به إنه ليس بحسب إنسان . لأني لم أقبله من عند إنسان ولا علمته بل بإعلان يسوع المسيح " ( غلاطية 1 : 11 -12 ) .
        " لأني لم أعزم أن أعرف شيئا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبا " - ( 1 ) كورنثوس : 2 : 2 ) .
        لقد بحث العلماء فكر بولس والتيارات التي أثرت فيه . وفي هذا يقول تشارلز دود :
        " لقد أوضحنا سلفا أن فكرة الكمنولث العالمي كانت شائعة في العالم الوثني وكانت روما في تأثرها بالمثل العالية للرواقيين - الذين قدموا في أيام بولس رئيسا لوزراء الإمبراطورية ، وفي القرن التالي له اعتلى أحدهم عرش الإمبراطورية - فحاول تأسيس ذلك الكمنولث . ولقد تأثر بولس كأحد المواطنين الرومان بهذه الأفكار " (1) .
        _________
        (1) من كتاب : « ماذا يعنيه بولس لنا اليوم » ، ص49 .
        لقد فكر بولس في انشاء كمنولث مسيحي يقوم على اسم واحد وعلامة واحدة هما المسيح والصليب . ولا مانع أن تكون فيه أفكار وديانات مختلفة . . ليكن ما يكون . . إن بولس يعترف في رسائله بأنه لم يتحرز عن استخدام كل الوسائل لكسب أكبر عدد من الأتباع فهو يقول : " إذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين . فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود . وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس . . صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء . صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قوما . وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل لأكون شريكا فيه " ( كورنثوس 9 : 19 - 23 ) .
        وهكذا نجد بولس قد عرض المسيحية على أصحاب العقائد المختلفة بالصورة التي ترضي كلًا منهم وترتب على ذلك أنهم دخلوا الديانة الجديدة بعقائدهم وأفكارهم القديمة وكان لهذا - ولا يزال - أثره الخطير في المسيحية .
        ولقد عرفنا من قبل أن برنابا هو الذي قدم بولس إلى التلاميذ لكن الذي حدث بعد ذلك أن أزاح بولس برنابا من تصدر الدعوة إلى المسيحية .
        يقول سفر أعمال الرسل : " فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر " ( 15 : 39 ) . ولم يلبث بولس أن تشاجر مع بطرس - رئيس التلاميذ - ونحاه أيضا فهو يقول : " لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة " غلاطية 2 : 11 ) .
        ومن المؤكد أن بولس لم يعلم قدر بطرس الذي أعطاه المسيح التفويض أن يحل ويربط كما يشاء والذي عينه راعيا لتلاميذه . . .
        ولا داعي للحديث عن رسائل بولس فهي رسائل شخصية بحتة يقول في بعضها : ليس عندي أمر من الرب ولكني أعطى رأيا ( اكو : 7 : 25 ) 0 أو يقول : أظن أني أنا أيضا عندي روح الله ( أكو 7 : 40 ) . أو يقول : لست أقول على سبيل الأمر بل أعطي رأيا ( أكو 7 : 6 ) . وهكذا من مثل هذه الأمور الظنية التي لا تصلح إطلاقا لبناء عقيدة .
        كذلك تنتهي رسائله بالحديث عن السلام وبث القبُلات المقدسة للرجال والنساء على السواء مثل قوله :
        سلموا على تريفينا وتريفوسا التاعبتين في الرب . . ( رومية 16 : 12 ) .
        سلموا على برسيس المحبولة التي تعبت كثيرا في الرب . . ( رومية 16 -12 ) .
        سلموا بعضكم على بعض بقبُلة مقدسة . . ( رومية 16 : 16 ) .
        إن مسيحية بولس تقوم أساسا على فكرة الإله المخلص المقتول ، ولقد كانت الديانات التي شاعت في العالم الروماني في ذلك الوقت مثل ديانات إيزيس وميثرا وسيبل تقوم على نفس هذه الفكرة . ولهذا يقول مؤرخو الديانات إن التشابه ملحوظ بين المسيحية وتلك الديانات .
        يقول : هربرت فيشر في كتابه " تاريخ أوروبا " : " استدار العالم الروماني بشغف زائد إلى عبادات الشرق الملتهبة مثل عبادات إيزيس وسيرابيس وميثرا . . إن عباد إيزيس المصرية وسيبل الفريجية وميثرا الفارسي اشتركوا في معتقدات كثيرة وجدت في النظام المسيحي .
        لقد اعتقدوا في اتحاد سري مقدس مع الكائن الإلهي إما عن طريق اقتران خلال الشعائر أو بطريقة أبسط عن طريق أكل لحم الإله في احتفال طقسي . . لقد كان الإله الذي يموت بين العويل والمراثي بيد أنه يقوم ثانية وسط صيحات الترحيب والسرور ، من الملامح الرئيسية في هذه العبادات الشرقية الغامضة . .
        إن عبادة إيزيس قد نظمت بطريقة تماثل تماما ما في الكنيسة الكاثوليكية .
        لقد كان هناك تنظيم كهنوتي مماثل مكون من البابا مع القسس والرهبان والمغنين وخدم الكنيسة . وكانت صورة السيدة ترصع بجواهر حقيقية أو مزيفة وكانت زينتها تعمل كل يوم كما كانت صلاة الصبح وأغاني المساء تغنى في معابدها الرئيسية . وكان الكهنة حليقي الرؤوس ويلبسون ملابس كهنوتية بيضاء من الكتان .
        إن التحول من الوثنية إلى المسيحية لم يكن يعني الدخول في جو غريب كلية ، أو ممارسة ثورة فجائية . لقد كانت عملية التحول تتم بلطف . . وكانت طقوس العقيدة الجديدة استرجاعا للأسرار القديمة .
        فقد كانت عقيدة الوسيط مألوفة في معتقدات الفرس وأتباع الأفلاطونية الحديثة وكانت فكرة التثليث معتقدا دينيا شائعا تنبع أساسا مما تعارفوا عليه من أن العدد ثلاثة هو العدد الكامل " (1) .
        ويقول أرنست كيللت في كتابه " مختصر تاريخ الديانات " : إن أوجه التشابه المحيرة بين شعيرة التعميد ( المسيحية ) - على سبيل المثال - وبين طقوس التطهير في ديانة أتيس وأدونيس لتصدم كل دارس . لقد أظهرت الديانة المسيحية قدرة ملحوظة في جميع العصور على الأخذ لنفسها ما يناسبها من الديانات الأخرى .
        _________
        (1) من كتاب : « تاريخ أوروبا » ، ص102 - 115 .
        ولسوف أعطي هنا ملخصا لأسطورة أتيس وطقوس عبادته لأن هذا لم يؤثر فقط بعمق في المسيحية بل لأنه كان منتشرا في أغلب الإمبراطورية الرومانية . لقد حدثت قيامة أتيس في يوم الخامس والعشرين من مارس بدء الربيع وهو نفس اليوم الذي قام فيه المسيح من الأموات حسب أقوال كثير من المسيحيين . . كذلك فإن التشابه بين الطقوس السرية لديانة ميثرا والمسيحية مذهلة . إن المثرية لها طقوسها المتعلقة بالعشاء الرباني ومن الصعب التفريق بينها ولين ما في عقيدتنا المسيحية ، ولها احتفالات تماثل احتفالات عيد الميلاد ولها عيد القيامة " (1) .

        _________
        (1) من كتاب : « مختصر تاريخ الديانات » ، ص130 - 262 .


        تعقيب الدكتور محمد جميل غازي :
        هذا ولقد عقب الدكتور محمد جميل غازي بقوله : إن المسألة أصبحت من الوضوح بحيث لا بد من الإقرار بأن تسمى الديانة المسيحية الديانة البوليسية . فهي تنسب بحق لبولس وليس للمسيح عليه السلام . كذلك من المفيد معرفة أن الفاتيكان يعترف بموقف بولس من المسيحية وعدم حرصه عليها . فقد جاء في كتاب نشره الفاتيكان سنة 1968 م بعنوان : " المسيحية عقيدة وعمل " ما يلي في صفحة ( 50 ) :
        " كان القديس بولس منذ بدء المسيحية ينصح لحديثي الإيمان أن يحتفظوا بما كانوا عليه من أحوال قبل إيمانهم بيسوع " .
        إن هذا الإقرار الخطير يتفق وكل ما قاله اللواء أحمد عبد الوهاب عن بولس والمسيحية . والآن أقدم الأستاذ إبراهيم خليل أحمد ليقول لنا شيئا عن فطيرة القربان والعشاء الرباني الذي كان معمولا به في الديانات الوثنية القديمة .

        إضافات للأستاذ إبراهيم خليل أحمد :
        وهنا قال الأستاذ إبراهيم خليل أحمد : جاء في إنجيل ( لوقا إصحاح 22 ) ( وفي الأناجيل الأخرى أيضا ) ما نصه : " ولما كانت الساعة اتكأ والاثنا عشر رسولا معه . وقال شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم . لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يكمل في ملكوت الله . ثم تناول كأسا وشكر وقال خذوا هذه واقتسموها بينكم لأني أقول لكم إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله . وأخذ خبزا وشكر وكسر وأعطاهم قائلًا هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم . اصنعوا هذا لذكري . وكذلك الكأس أيضا بعد العشاء قائلًا هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك عنكم . ولكن هو ذا يد الذي يسلمني هي معي على المائدة . وابن الإنسان ماض كما هو محتوم . ولكن ويل لذلك الإنسان الذي يسلمه " ( لوقا 22 : 14 -22 ) .
        من الملاحظ أن الأيام الأخيرة من حياة المسيح كانت مزدحمة بالقلق والرعب وكان المسيح حقيقة في أيامة الأخيرة ثابتا لكل الضغوط دون أن يتأثر بتلك القلاقل لأنه كان واثقا تمام الثقة أن الله - سبحانه وتعالى - سوف ينجيه .
        لكن عندما نأتي حقيقة لتفسير هذا الكلام . فإني أقول في صراحة متناهية : من هو المصدر الأساسي لهذا النص ؟ إن هناك نصا في سفر أعمال الرسل يمنع الدم :
        " بل يرسل إليهم أن يمتنعوا عن نجاسات الأصنام والزنا والمخنوق والدم " ( 20 : 15 ) .
        فإذا كان ينهى عما ذبح للأصنام والدم فكيف يقال : " هو ذا دمي . . اشربوه " .
        إن هذه وثنية منقولة من وثنية العبادات التي كانت متفشية في الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت . إن مصدر هذا النص أو إيحاءه إنما يرجع إلى تلك الوثنية المتفشية مثل المثرية الفارسية وكان من طقوسها العشاء الرباني ، وكان منها يوم 25 ديسمبر يوم الميلاد ويوم الأحد يوم الراحة . . كل هذه وثنية فارسية في عبادة ميثرا ثم غيرت اللافتة من ميثرا إلى المسيح . أما أن نؤمن بشريعة موسى التي تمنع الإنسان المؤمن عن الدم وبذلك تكون هذه العادة باطلة . . لأنه لا يعقل أن يقول المسيح " كلوا جسدي هذا واشربوا دمي هذا . . . " لسبب هو أن المسيح تحدى اليهود قائلا : " ستطلبونني ولا تجدونني وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا " . فهو يتحداهم ويؤكد عجزهم عن الوصول إلى المسيح بدليل قوله في إنجيل ( يوحنا إصحاح 8 عدد 28 ) :
        " فقال لهم يسوع متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا هو ولست أفعل شيئا من نفسي بل أتكلم بهذا كما علمني أبي والذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " .
        إن قصة الصلب منقوضة من أساسها تماما . .
        كذلك فإن الذي صلب هو شبيه بابن الإنسان إذ يقول إنجيل يوحنا على لسان المسيح إصحاح 3 عدد 14 : " وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان " .
        وكانت الحية التي رفعها موسى شبيهة بالحية الحقيقية . فبالمقارنة نقول : كما رفع موسى شبيه الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع شبيه ابن الإنسان .
        وعلى هذا الأساس نقول إن النص الذي يتكلم عن أكل جسد المسيح وشرب دمه إنما هو نص مقتبس من المصادر الوثنية المتفشية في الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت . لقد كان المسيح آمنا على نفسه وبالتالي كان جسده سليما ودمه سليما .
        وأنا - كقسيس سابق - لا أقدر أن أتصور أن كسر لقمة وإعطائها لأخ - في العقيدة - يضعها تحت أسنانه تتحول إلى جسد المسيح ، ويشعر أن لحما تحت أسنانه . . !
        ما أريد قوله هو بيان كيف استطاع بولس إفساد المسيحية . لقد قال المسيح : " ما جئت لأنقض شريعة موسى " وتجد في سفر التكوين إصحاح 17 عدد 9 في حديث الله -سبحانه وتعالى - لأبينا إبراهيم : " وقال الله لإبراهيم وأما أنت فتحفظ عهدي . أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم . هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك . يختن منكم كل ذكر . فتختنون في لحم غرلتكم . فيكون علامة عهد بيني وبينكم . ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر في أجيالكم . . وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها . إنه قد نكث عهدي " . ( 17 : 9 -14 ) .
        ونجد أن إبراهيم حين ختن كان عمره 100 سنة تقريبا وكان ابنه البكر إسماعيل عمره 14 سنة ، فهذا إبراهيم بقدره الجليل وابنه إسماعيل وبقية الخدم والعبيد اختتنوا جميعا . فكيف يأتي بولس بعد هذا ليبطل الختان ؟ لقد كان بولس إنسانا مشكوكا فيه من التلاميذ والرسل لولا برنابا الذي تحنن عليه وقدمه لهم لكنهم جميعا كانوا يخافونه .
        وكان بولس من الصنف الوصولي الذي يطمع في الوصول إلى القمة حتى إذا ما وصل فإنه يتخلص من كل من خلفه .
        لقد أراد بولس أن يخرج بالرسالة من اليهودية إلى الأمم علما بأن المسيح لم يأمر بهذا لأن الرسالة كانت محدودة في بني إسرائيل .
        ولما كانت الأمم غير مختتنة فإنه لجأ إلى أول مجمع هاجم فيه الختان وقال إن الختان ختان القلب ، كمن يقول للمسلم إنك تستطيع دخول الصلاة بلا وضوء . فهذا إفساد للصلاة إذ قد هدم الأساس التي يجب السير عليها لإقامة الصلاة .
        وقد استطاع التأثير على الحاضرين ، فنقرأ في سفر أعمال الرسل إصحاح 15 عدد 22 : " حينئذ رأى الرسل والمشايخ مع كل الكنيسة أن يختاروا رجلين منهم فيرسلوهما إلى أنطاكية مع بولس وبرنابا يهوذا الملقب برسابا وسيلا رجلين متقدمين في الإخوة . وكتبوا بأيديهم هكذا . الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلاما إلى الإخوة الذين من الأمم في أنطاكية وسورية وكيليكية . إذ قد سمعنا أن أناسا خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختتنوا وتحفظوا الناموس . الذين نحن لم نأمرهم . رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا ويولس ، رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح . فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاها . لأنه قد رأى الروح القدس ونحن لا نضع عليكم ثقلا أكثر غير هذه الأشياء الواجبة . أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون . كونوا معافين " ( 15 : 22 -29 ) .
        هكذا صار الروح القدس لعبة في أفواههم فقد أمرهم ألا يختتنوا . . بهذا حطم بولس شريعة موسى تحطيما كبيرا . .
        وبالنسبة للطلاق نجد شريعة موسى تسمح بالطلاق كما في سفر التثنية ، لكن بولس يعمل على إشاعة الفاحشة بين الناس . فإذا كانت امرأة على خلاف مع زوجها فإنه يأمرها بعدم الطلاق . وهكذا وجد فساد في المجتمع حيث تضطر الزوجة إلى سلوك خفي مشين . وأريد أن أسأل الآن :
        لماذا رفضت الكنيسة إنجيل برنابا ؟ . .
        لأن برنابا في إنجيله بين بقوة ووضوح كيف أفسد بولس المسيحية وحولها إلى نصرانية يونانية ، ومن عقيدة تؤمن بالتوحيد وهو أن الله واحد أحد ، إلى عبادة ابن الله على شاكلة أوزوريس وإيزيس وحورس .
        وأكتفي بهذا القدر الآن وأترك الأخ يكمل حديثه .
        التعديل الأخير تم بواسطة kholio5; الساعة 01-06-2007, 21:44.

        تحديات :
        https://www.ebnmaryam.com/vb/t14138.html
        https://www.ebnmaryam.com/vb/t16123.html
        https://www.ebnmaryam.com/vb/t17193.html
        https://www.ebnmaryam.com/vb/t21307.html

        تعليق


        • #19
          وقد عاد اللواء أحمد عبد الوهاب ليكمل حديثه قائلًا :
          وأخيرا نختتم الحديث عن بولس بنقل اعترافه بخطاياه الجسدية التي عجز عن الفكاك منها والتي جعلته واحدا من سبايا الخطيئة . ولقد أثبت باعترافه هذا - دون أن يدري - أن الزعم بصلب المسيح وقتله ، الذي عاش بولس يفلسفه ويدعو له ، قد ذهب سدى . فلا زال بولس باعترافه عبدا للخطيئة ، وثمنها عنده موته الأبدي . إن بولس يقول :
          " فإننا نعلم أن الناموس روحي وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطيئة . لأني لست أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه فأنا أفعل . . فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطيئة ساكنة فيً . فإني أعلم أنه ليس ساكن في أي في جسدي شيء صالح . لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد . لأني لست أفعل الصالح الذي أريده بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل . فإن كنت ما لمست أريده إياه أفعل فلست بعد أفعله أنا بل الخطيئة الساكنة في . إذا أجد الناموس لي حينما أريد أن أفعل الحسنى أن الشر حاضر عندي . فإني أسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن . ولكني أرى ناموسا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي . ويحي أنا الإنسان الشقي . من ينقذني من جسد هذا الموت ؟ . . " ( رومية 7 : 14 -24 ) .

          دين المسيح كان التوحيد :

          والآن بعد أن انتهينا من دراسة مصادر العقائد المسيحية من أناجيل وأسفار أخرى ، ورأينا كيف جاءت هذه لتصير كتبا مقدسة ، وماذا قال فيها علماء المسيحية ، ثم ماذا حوت من تنبؤات استحال تحقيقها ، ومن اختلافات وتناقضات وخاصة في القضايا الرئيسية مثل الصلب والقيامة والظهور ، فإن السؤال الذي نختتم به هو : ماذا كانت حقيقة دين المسيح ؟
          إن المصادر المسيحية الموثوق فيها لا تملك سوى الإقرار بأن دعوة المسيح كانت توحيد الله ، ثم ما لبثت أن دخل عليها صنوف من عقائد أهل الشرك حتى إذا ما جاء القرن الرابع الميلادي كانت عقيدة التثليث المسيحي واحدة من نتاج ما يسمى بالمجامع المسيحية المقدسة . إن هذا مجمل ما تذكره دائرة المعارف الأمريكية في قولها :
          " لقد بدأت عقيدة التوحيد - كحركة لاهوتية - بداية مبكرة جدا في التاريخ ، وفي حقيقة الأمر فإنها تسبق عقيدة التثليث بالكثير من عشرات السنين . لقد اشتقت المسيحية من اليهودية ، واليهودية صارمة في عقيدة التوحيد . إن الطريق الذي سار من أورشليم ( مجمع تلاميذ المسيح الأوائل ) إلى نيقية ( حيث تقرر مساواة المسيح بالله في الجوهر والأزلية عام 325 م ) كان من النادر القول بأنه كان طريقا مستقيما .
          إن عقيدة التثليث التي أقرت في القرن الرابع الميلادي لم تعكس بدقة التعليم المسيحي الأول فيما يختص بطبيعة الله . لقد كانت على العكس من ذلك انحرافا عن هذا التعليم . ولهذا فإنها تطورت ضد التوحيد الخالص أو على الأقل يمكن القول بأنها كانت معارضة لما هو ضد التثليث كما أن انتصارها لم يكن كاملًا " (1) .
          لقد كانت عقيدة المسيح توحيدا نقيا ، ثم بدأ يتسرب إليها من العقائد المختلفة وخاصة العقائد الوثنية في العالم الروماني ما صبغها بالتثليث ، فأصبحت المسيحية التقليدية الشائعة هي مسيحية الثالوث .
          _________
          (1) دائرة المعارف الأمريكية : جـ 27 - ص 294 .
          ولكن لا يزال يوجد إلى اليوم طائفة هامة وقوية من بين الطوائف المسيحية المشهورة هي طائفة " الموحدين " ، وقد أصبحت ظاهرة اليوم في الولايات المتحدة . ويتلخص قول الموحدين المسيحيين في : " لا إله إلا الله - المسيح رسول الله " إنسان فقط . وفيما يلي خلاصة مركزة لبعض مبادئ الفكر التوحيدي المسيحي :
          1 - إن كنيسة الموحدين تعتبر الكتاب المقدس تسجيلًا قيما للخبرات الإنسانية وهي تصر على أن كاتبيه كانوا معرضين للخطأ . ولهذا السبب فإن أغلب الأجزاء الرئيسية للمعتقدات المسيحية قد رفضت .
          2 - إن الثلاثة أقانيم تتطلب ثلاثة جواهر وبالتالي ثلاثة آلهة . . إن الأسفار لم تعط أي مستند للاعتقاد في التثليث . إن نظام الكون يتطلب مصدرا واحدا للشرح والتعليل لا ثلاثة . لذلك فإن عقيدة التثليث تفتقد أي قيمة دينية أو علمية .
          3 - لقد قدمت اعتراضات قوية ضد عقيدة لاهوت يسوع المسيح . إن الكتاب المقدس لم يقل بذلك ، كما أن يسوع فكر في نفسه كزعيم ديني هو المسيا وليس كإله .
          وبالمثل اعتقد التلاميذ أن يسوع مجرد إنسان ، إذ لو كان عند أي من بطرس أو يهوذا أية فكرة على أن يسوع إله لما كان هناك تفسير معقول لإنكار بطرس ليسوع وما كان هناك تبرير لخيانة يهوذا . إن الإنسان لا يمكن أن ينكر أو يخون كائنا إلهيا له كل القوى .
          4 - إن الحقيقة المزعومة عن أن يسوع مات من أجل خطايانا وبهذا وقانا لعنة الله إنما هي مرفوضة قطعا . إن الاعتقاد في أن موت يسوع كان له هذه النتيجة إنما يعني الطعن في أخلاق الله .
          إن الله يجب ألا يعرف عن طريق اللعنة بل عن طريق الحلم والحكمة والمحبة . .
          إن الموت الدموي على الصليب من أجل إطفاء لعنة الإله لهو أمر مناقض للحلم الإلهي والصبر والود والمحبة التي لا نهاية لها .
          5 - إن الموحدين ينظرون إلى يسوع باعتباره واحدا من قادة الأخلاق الفاضلة للبشر .
          إنه لو كان إلها فإن المثل الذي ضربه لنا بعيشته الفاضلة يفقد كل ذرة من القيمة . حيث إنه يمتلك قوى لا نملكها . إن الإنسان لا يستطيع تقليد الإله " (1) .
          _________
          (1) دائرة المعارف الأمريكية ، جـ27 ، ص300 -301 .

          كلمة إلى المبشرين :

          وقبل أن أختتم هذا الحديث لا بد لي من كلمة أوجهها إلى المبشرين - وخاصة الأجانب - الذين يعملون في البلاد الإسلامية :
          " أيها المبشرون . . . ارفعوا أيديكم عن المسلمين . . أولى بكم أن تحملوا أمتعتكم وصحائفكم وتعودوا بها إلى بلادكم فلم تعد مثل بضاعتكم هذه صالحة للترويج والبيع بين المسلمين . . إنكم تعلمون أكثر من غيركم ما آلت إليه المسيحية عقيدة وأخلاقا بل ومظهرا . . فلم يعد يبقى منها - تقريبا - سوى اسمها .
          فالأولى بمن تصدع بيته أن يقيم بناءه أولا ويصلح ما فسد منه قبل أن يخرج إلى العالم يدعوه - كما تزعمون - إلى الخلاص والإيمان . .
          أولى بكم أن تتفقوا على عقيدة مسيحية واحدة تقوم على الإيمان بالإله الواحد الأحد الذي كان آخر وحي أنزل إلى موسى قوله : " حي أنا إلى الأبد " ( تثنية 32 : 40 ) ، ولقد ألزمكم المسيح بعقيدة موسى كما التزم هو بها وسجل ذلك كتبة الأناجيل . . وما من سبيل لإزالة الشقاق بين فرقكم وشيعكم المختلفة إلا هذا :
          الإيمان بالإله الواحد الحي الذي لا يموت ، ثم الكف عن الخلط بين الله وبين المسيح كما قال بعض علماؤكم وجاء ذكره في أول هذا الحديث . . عندئذ - فقط - يمكن القول بأن المسيحية عقيدة تؤمن بالله الواحد . . أما وإن الحال على ما أنتم عليه حيث :
          " يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا " على مر السنين والأيام فإن عملكم بين المسلمين لردهم عن عبادة الله الواحد الأحد ودعوتهم إلى الأقاليم التي اقتحمت مسيحية المسيح الحقة الفاضلة بعد أن تسللت إليها أقنوما أقنوما عبر تلك المجامع المختلفة والمتعاقبة ، فإن هذا الوضع يذكرني بقول المسيح في الإنجيل :
          " ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون لأنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلا واحدا ومتى حصل تصنعونه ابنا لجهنم أكثر منكم مضاعفا . . " .
          وإن دعوتكم المسلمين إلى المسيحية لتذكرني بموقف الملأ من قوم فرعون وذلك المؤمن بينهم الذي كان يكتم إيمانه . فلقد أخرسهم بحجته القوية قائلًا :
          { وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ }{ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ }{ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ }{ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }{ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ } (1) .

          أيها المبشرون : لقد انكشفت خططكم لتنصير المسلمين وافتضحت أساليبكم للعمل بينهم ، وإذا كان رق الجسد شيئا بغيضا فإن رق الروح لأشد بغضا وأكبر مقتا . إنكم تمارسون رق الروح حين تقدمون مساعدتكم المادية لفقراء المسلمين - متمثلة في حفنة من الأرز كما تفعلون في أندونيسيا - وذلك بشرط قبولهم للمسيحية التي تفرضونها عليهم . . سبحان الله . . لقد قتلتم بهذا أول حقوق الإنسان إذ حرمتموه حرية الاختيار . . .
          _________
          (1) سورة غافر ، الآيات 41 - 45 .
          وأي رق أفظع من هذا ؟
          ولقد بلغ الهوس ببعضكم أن قال منذ أكثر من 70 عاما - حين كان الاستعمار القديم جاثما على صدر العالم الإسلامي كله - إن الواجب على الهيئات التبشيرية أن تنتهي من تنصير المسلمين في مدى 25 عاما . . .
          والحمد لله لقد انقضت نحو ثلاثة أمثال تلك المدة ولقي الإسلام قولا صامدا . بل إن السنوات الأخيرة قد شهدت - بفضل الله وحده - تحول الكثير من الأوروبيين والأمريكيين إلى الإسلام بسهولة وعن اقتناع ورضى وذلك بعد أن احتكوا بالعالم الإسلامي وعرفوا شيئا عن ذلك الدين الذي حرصتم دائما على تشويهه بكل ما أوتيتم من قوة . . .
          نعم . . لقد كان همكم - كما قال برنارد شو - هو تدريب المسيحيين على كراهية محمد والقرآن والإسلام .
          ولقد انتهزتهم كل خطأ أو تصرف أحمق يصدر عن بعض من في العالم الإسلامي سواء كانوا أفرادا أو جماعات ، لتقولوا هذا هو الإسلام . . رغم أنكم أول من يعلم كذب هذا القول ، لأن الإسلام شيء والمسلمين وسلوكهم وما هم عليه من ضعف الآن شيء آخر بعيد عن الإسلام .
          إنكم تعلمون يقينا أن هناك حضارة إسلامية قامت على نصوص القرآن وتعاليم النبي وروح الإسلام التي تدعو إلى العلم وتحرير الفكر والنظر في الكون ، فانتشرت المدارس وحلقات العلم ونبغ العلماء في شتى فروعه مثل : الطب والفلك والرياضيات والطبيعيات والكيمياء والصيدلة . ولا يزال إدخال الصفر في الحساب واكتشاف خاصية اللوغاريتم - الذي لا يزال اسمه يشير إلى مصدره الإسلامي وهو الخوارزمي - من أعظم الإنجازات في عالم الرياضيات ، كما اعترف بذلك أولو الفضل والعلم من الأوروبيين والأمريكيين .
          هذا ، على حين أن الحضارة الغربية الحديثة لم تقم لها قائمة إلا بعد أن تحررت من سلطان الكنيسة - التي أحرقت العلماء ومنهم برونو لا لشيء إلا لأنه قال إن الأرض كروية - ثم أخذت علوم المسلمين واهتدت بأساليبهم في البحث والتجريب ومن ثم كانت هذه النهضة الأوروبية الحديثة . ولا أريد أن أذكركم أنه بينما كانت الحضارة الإسلامية تتألق في عصر هارون الرشيد كان معاصره شارلمان - سيد أوروبا - مشغولا بتنصير الوثنيين الأوروبيين بحد السيف . ويكفي أن أذكر ما تقوله وثائقكم التبشيرية من أنه قتل في يوم واحد 4500 وثنيا رفضوا التعميد والتحول للنصرانية ، وكانت المعاهدات بينه وبينهم تقضي بالتنصير وإلا فالقتل هو البديل .
          ويعد شارلمان سحبت الكنيسة بعضا من طوائف الفرسان الصليبية من فلسطين - أيام الحروب الصليبية - ليساعدوا في تنصير شعوب بحر البلطيق بحد السيف ، ولقد استمروا في العمل هناك طيلة 50 عاما نظير ثمن حددته الكنيسة وهو الاستيلاء على أراضي أولئك الوثنيين ثمنا لإعطائهم المسيحية . . .
          هذا ، بل إن أساسيات العلوم الذرية الحديثة قد جاءتكم من العالم الإسلامي . . أما قرأتم قول جون أونيل في كتابه " الذرة الجبارة " الذي أصدره عام 1945 م ، وجاء فيه : " إن إحدى النقط المتلألأة في القرون الوسطى تأتي من العالم الإسلامي حيث نجد ما سطره قلم علي أبو الحسن - صهر محمد - الذي كتب يقول : إذا فلقت الذرة - أي ذرة - تجد في قلبها شمسا . إن هذا يدل على أن بصيرته الصافية قد استطاعت أن تلمح حقيقة النظام الشمسي الحديث في الذرة " .
          وجدير بالذكر أن عليَا بن أبي طالب قرر أن كل ما عنده من علم فهو " علم علمه الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - فعلمنيه ودعا لي بأن يعيه صدري وتنضم عليه جوانحي " .
          لقد كانت فكرة النظام الشخصي في الذرة متأصلة في التراث الإسلامي فها هو فريد الدين العطار يقول بعد خمسة قرون من مقالة علي هذه : " الذرة فيها الشمس . . وإن شققت ذرة وجدت فيها عالما . وكل ذرات العالم في عمل لا تعطيل فيه " .
          لقد قامت النظرية الذرية الحديثة وما ترتب عليها من تطبيقات في مجال الحرب والسلم على السواء ، على أساس أن الذرة نظام شمسي - . فمتى عرفت أوروبا هذه النظرية ؟
          يلخص العالم الطبيعي هيزنبرج الإجابة على هذا السؤال بقوله :
          " ظلت الذرة كما كان يؤمن بها ديمقراط ذات حجم ذرات الغبار المتراقصة في حزمة ضوئية أو أقل بكثير ، وبالتالي كانت المعلومات عن شكل الذرات والقوى التي تعمل بينها قليلة . إن ما عرف عن تركيب الذرة كان قليلًا أو معدوما أما شكلها فلم يكن التساؤل عنه أمرا ممكنا وقد ادخر حل هذه المسألة للقرن العشرين " .
          " ويعتبر رذر فورد هو الذي اتخذ هذه الخطوة الهامة التي أدت إلى تركيب أول نموذج للذرة عام 1911 م ، وهو أن الذرة تتركب من نواة ذات شحنة موجبة وتدور حولها إلكترونات على مسافات بعيدة نسبيا عنها ، وأن عدد الإلكترونات يساوي عدد الشحنات الأولية الموجبة التي على النواة إذ أن الذرة متعادلة كهربيا في تركيبها " .
          إن الذرة بذلك نظام شمسي حيث تماثل نواتها الشمس بينما تماثل الإلكترونات السابحة حول النواة تلك الكواكب السيارة التي تسبح حول الشمس . . ولقد ذكر العالم الألماني أوتوهان صاحب انفلاق نواة اليورانيوم قوله : " بالتأكيد فإن بعض الكتاب قد فكروا في هذه المسألة من قبل . . كما أن أجزاء من الحقيقة بالنسبة للنظرية الذرية الحديثة - قد ذكرت هنا أو هناك " .
          ولما كان قدامى الإغريق الذين تحدثوا في الذرة لم يدروا شيئا عن فكرة النظام الشمسي فيها ، لم ببق إلا التسليم بأن مصدر تلك النظرية هو التراث الإسلامي .
          أما بعد فإن خير ما أذكر به أولئكم الذين جعلوا كل همهم تخريب عقيدة المسلمين وإخراجهم من نور التوحيد إلى متاهات التعدد والشرك هو ما يقوله القرآن الكريم فيهم وفي أمثالهم :
          { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ }{ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }{ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ } (1) .

          وأقولها ثانية : أيها المبشرون ارفعوا أيديكم عن المسلمين ، ومن كان بيته من زجاج فلا يقذف الناس بالحجارة وإلا تحققت فيه نبوءة أشعياء التي ذكرها المسيح في الإنجيل :
          _________
          (1) سورة الأنفال ، الآيتان 36 - 37 .
          " تسمعون سمعا ولاتفهمون ومبصرين تبصرون ولا تنظرون . لأن قلب هذا الشعب قد غلظ وآذانهم قد ثقل سماعها وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم " .
          وأخيرا نختم الحديث بخير الكلام فأقول : -
          { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ }{ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ }{ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (1) .
          _________
          (1) سورة الصافات ، الآيات 180 -182 .

          تحديات :
          https://www.ebnmaryam.com/vb/t14138.html
          https://www.ebnmaryam.com/vb/t16123.html
          https://www.ebnmaryam.com/vb/t17193.html
          https://www.ebnmaryam.com/vb/t21307.html

          تعليق


          • #20
            الجلسة الرابعة
            تقديم للدكتور محمد جميل غازي
            الرد على الأسئلة .
            1 - هل المسيح إله أم إنسان
            معنى قدوس .
            تحليل كلمة ابن الله .
            2 - هل المسيح من جوهر الله أم من تراب
            المسيح نبي الله .
            المسيح رسول .
            المسيح يدعو إلى التوحيد .
            3 - هل الروح القدس إله أم ملك
            الروح القدس ملك .
            4 - هل الروح القدس من جوهر الله أم مخلوق من نور
            5 - متى دخلت الأقانيم في أحوال العقيدة المسيحية
            تأييد المسيح بالمعجزات .
            مواجهة المسيح للرؤساء وتصحيح المفاهيم .
            6 - تعقيب الدكتور محمد جميل غازي
            التعديل الأخير تم بواسطة kholio5; الساعة 04-06-2007, 18:01.

            تحديات :
            https://www.ebnmaryam.com/vb/t14138.html
            https://www.ebnmaryam.com/vb/t16123.html
            https://www.ebnmaryam.com/vb/t17193.html
            https://www.ebnmaryam.com/vb/t21307.html

            تعليق


            • #21
              تسلم ايدك

              تعليق


              • #22
                المشاركة الأصلية بواسطة kholio5 مشاهدة المشاركة
                بأدن الله أشرع في طرح هده المناظرة مفرغة كتابة على هده الصفحة

                انتظرونا فان لنا عودة للموضوع في القريب ان شاء الله


                مجهود رائع جدا اخى الكريم

                اثابك الله بكل حرف كتبته تفريغا لهذه الاشرطه
                بارك الله فيك

                تعليق


                • #23
                  [FONT="Arial"][/FONالحمد لله الله اكبر T]

                  يمكنك تغير التوقيع الإفتراضي من لوحة التحكم

                  تعليق


                  • #24
                    جزاك الله كل خير يا اخي و اثابك به خير الجزاء و جعل هذا العمل في ميزان حسناتك و بمعونه الله و شغفي الشديد في الحصول علي المناظرة كامله فقد وجتها بفضل الله علي موقع مكتبة المهتدي لمقارنة الاديان و اليكم الرابط
                    https://www.al-maktabeh.com/a/book2.htm

                    الموقع به الكثير من الكتب القيمة و النادره
                    وفقكم الله لما فيه خير للاسلام و المسلميين
                    التعديل الأخير تم بواسطة نور6; الساعة 01-07-2007, 20:51.

                    يمكنك تغير التوقيع الإفتراضي من لوحة التحكم

                    تعليق


                    • #25
                      يااااااااااااا مين يسمع بارك الله فيك
                      الحمد لله علي نعمة الاسلام

                      تعليق


                      • #26
                        جزاكم الله خير على هذه المناظرات

                        يمكنك تغير التوقيع الإفتراضي من لوحة التحكم

                        تعليق


                        • #27
                          تعليق

                          شكرا على الموضوع
                          sigpic

                          تعليق


                          • #28
                            لا اله الا الله

                            تعليق


                            • #29
                              رائع الله اكبر ولله الحمد

                              تعليق


                              • #30
                                أين الباقي بارك الله فيك


                                وأثابك من جزيل فضله وعطاياه


                                ونرجو من الأخ / الأخت نور 6 وضع الرابط كامل أو إعلامنا بمكانه في المكتبة

                                لأني بحثت عنه ولم أجده


                                شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

                                تعليق

                                يعمل...
                                X