8 - الصلب :
أ - حامل الصليب :
يقول مرقس : " ثم خرجوا به ليصلبوه . فسخروا رجلا مجتازا كان أتيا من الحقل وهو سمعان القيرواني أبو الكسندرس وروفس ليحمل صليبه وجاءوا به إلى موضع جلجثه الذي تفسيره موضع جمجمة " ( 15 : 20 -22 ) .
ويتفق متى ولوقا مع مرقس في أن حامل الصليب كان المدعو سمعان القيراوني لكن يوحنا يقرر شيئا آخر فهو يقول : " حينئذ أسلمه إليهم ليصلب فأخذوا يسوع ومضوا به . فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة ) ( 19 : 16 -17 ) .
يقول نينهام : " لقد كان المعتاد أن يقوم الذين حكم عليهم بالصلب ، بحمل صلبانهم بأنفسهم . . ويقرر يوحنا أن هذا كان ما حدث فعلا في حالة يسوع ، ولكن على العكس من ذلك نجد حسب رواية ( مرقس ومتى ولوقا ) أن شخصا مجهولا يدعى سمعان القيرواني هو الذي سخره الرومان لحمل الصليب بدلا من يسوع .
وبالنسبة لموضع جلجثة فإن التقاليد التي تقول إنه يقع داخل كنيسة القبر المقدس لا يمكن إرجاعها لأبعد من القرن الرابع ، كما أنها لا تزال موضع جدل . ولقد اقترحت أماكن أخرى في عصرنا الحاضر ، إلا أن القطع بواحد منها لا يزال بعيدا عن التحقيق " (1) .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص422 .
أي أن الحديث عن القبر المقدس الذي يقول المسيحيون إن المسيح دفن فيه ، وكان سببا من الأسباب الظاهرة للحروب الصليبية التي ادعى مشعلوها أنها قامت لتخليص ذلك القبر المقدس من أيدي الكفرة والتي استمرت أكثر من 280 عاما ، وقتل فيها من المسيحيين والمسلمين عشرات الألوف ، ودمر فيها الكثير من المدن وأسيلت فيها دماء الكثير من الأبرياء - كل هذا قام على غير أساس .
ب - شراب المصلوب :
يقول مرقس : " أعطوه خمرا ممزوجة بمر ليشرب فلم يقبل " ( 15 : 23 ) .
ويقول متى : " أعطوه خلًا ممزوجا بمرارة ليشرب ، ولما ذاق لم يرد أن يشرب " ( 27 : 34 ) .
- علة المصلوب :
يقول مرقس : " وكان عنوان علته مكتوبا : ملك اليهود " ( 15 : 26 ) .
ويقول متى : " وجعلوا فوق رأسه علته مكتوبة : هذا هو يسوع ملك اليهود " ( 27 : 37 ) .
ويقول يوحنا : " وكتب بيلاطس عنوانا ووضعه على الصليب ، وكان مكتوبا يسوع الناصري ملك اليهود " ( 19 : 12 ) .
يقول نينهام : القد اختلفت الآراء بشدة حول صحة ما كتب عن علته ، فيرى بعض العلماء أن الصيغة الدقيقة قد عرفت عن طريق شهود عيان ، بينما يعتقد آخرون أنه من غير المحتمل أن يكون الرومان قد استخدموا مثل تلك الصيغة الجافة ، وأن ما ذكره القديس مرقس بوجه خاص عن علته ، إنما يرجع مرة أخرى لبيان أن يسوع قد أعدم باعتباره المسيا " (1) .
إن اختلاف الأناجيل في عنوان علة المصلوب - وهو ما لا يزيد عن بضع كلمات بسيطة كتبت على لوحة قرأها المشاهدون - إنما هي مقياس لدرجة الدقة لما ترويه الأناجيل . وطالما كان هناك اختلاف - ولو في الشكل كما في هذه الحالة - فإن درجة الدقة لا يمكن أن تصل إلى الكمال بأي حال من الأحوال . وقياسا على ذلك نستطيع تقييم درجة الدقة لما تذكره الأناجيل من ألقاب المسيح ، وخاصة عندما ينسب إنجيل إلى أحد المؤمنين به قوله : كان هذا الإنسان بارا ، بينما يقول إنجيل آخر في نفس الوقت : كان هذا الإنسان ابن الله . أو عندما يقول أحد الأناجيل على لسان تلميذ للمسيح : يا معلم ، ويقول إنجيل آخر : يا سيد ، بينما يقول ثالث : يا رب .
إن الحقيقة تبقى هنا دائما محل خلاف .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص424 .
د - اللصان والمصلوب :
يقول مرقس : " وصلبوا معه واحدا عن يمينه وآخر عن يساره . . واللذان صلبا معه كانا يعيرانه " ( 15 : 27 -32 ) .
ويتفق متى مع مرقس في أن للصين كانا يعيرانه ويستهزئان به .
لكن لوقا يقول : " وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلا إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا .
فأجاب الآخر وانتهره قائلا : أولا أنت تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه . أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلناه ، وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله .
ثم قال ليسوع : اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك . فقال له يسوع : الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس " ( 23 : 39 - 43 ) .
لقد اختلفت الأناجيل في موقف اللصين من المصلوب . .
هـ - وقت الصلب :
يقول مرقس : " وكانت الساعة الثالثة فصلبوه " ( 15 : 25 ) .
لكن يوحنا يقول : إن ذلك حدث بعد الساعة السادسة : " وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة .
فقال ( بيلاطس ) لليهود هو ذا ملككم فصرخوا خذه خذه اصلبه .
فحينئذ أسلمه إليهم ليصلب " ( 19 : 14 -16 ) .
يقول نينهام : " منذ اللحظة التي روى فيها القديس مرقس إنكار الناس ليسوع نجد أن الوقت قد خطط بعناية بحيث تكون الفترة ثلاثية الأحداث أو التوقيتات مثل : ( إنكار بطرس ثلاث مرات 14 : 68 ، 72 وقت الصلب الساعة الثالثة 15 : 25 - وقت الظلمة من السادسة إلى التاسعة 15 : 33 ، 34 ) .
وفي هذا المثل على الأقل فإن الحساب يبدو مصطنعا ، إذ أنه من الصعب أن كل ما روت الأعداد ( 15 : 1 - 24 ) ( منذ بدء جلسة الصباح حتى وقت الصلب ) يمكن حدوثه في فترة الثلاث ساعات .
ويبين إنجيل يوحنا ( 19 : 14 ) بوضوح أن ذلك لم يحدث " . (1) .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص424 .
و - صلاة المصلوب :
يقول لوقا : " ولما مضوا به إلى الموضع الذي يدعى جمجمة صلبوه هناك مع المذنبين واحدا عن يمينه والآخر عن يساره .
فقال يسوع : يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون " ( 23 : 33 - 34 ) .
لقد انفرد لوقا بذكر هذه الصلاة التي حذفتها الأناجيل الأخرى ، بل وبعض النسخ الهامة التي تنسب للوقا أيضا .
ويقول جورج كيرد : " لقد قيل إن هذه الصلاة ربما تكون قد محيت من إحدى النسخ الأولى لإنجيل ( لوقا ) بواسطة أحد كتبة القرن الثاني ، الذي ظن أنه شيء لا يمكن تصديقه أن يغفر الله لليهود . ولملاحظة ما حدث من تدمير مزدوج لأورشليم في عامي 70 ، 135 صار من المؤكد أن الله لن يغفر لهم " (1) .
ز - صرخة اليأس على الصليب :
يقول مرقس : " ولما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة . وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا : " الوي الوي لما شبقتني " ، الذي تفسيره إلهي إلهي لماذا تركتني " ( 15 : 32 - 34 ) .
لكن لوقا يقول : " نادى يسوع بصوت عظيم وقال يا أبتاه في يديك أستودع روحي " ( 23 : 46 ) .
بينما يقول يوحنا : " لما أخذ يسوع الخل قال قد أكمل " ( 19 : 30 ) . إن صرخة اليأس على الصليب تثير عددا من المشاكل التي كانت ولا تزال موضع جدل بين العلماء ، فالبعض يقول : " يبدو أن القديسين لوقا ويوحنا قد رأيا في كلماتهما غموضا واحتمالا لسوء الفهم ولذلك حذفاها ، ثم استبدلها أحدهما بقوله : يا أبتاه في يديك أستودع روحي ، بينما قال الآخر : قد أكمل . .
_________
(1) تفسير إنجيل لوقا : ص250 .
وعلى العكس من ذلك فإن مثل هذا الرأي يفترض الراوية الذي كان شاغله الأول أن يذكر الحقيقة التاريخية ، ويسجل بأمانة للأجيال القائمة كلاما مزعجا يتعذر تفسيره . .
ولهذا فإن أغلب العلماء المحدثين يقرون تأويلًا مختلفا تماما ، يقوم على حقيقة أن هذه الكلمات ( اليائسة ) إنما هي اقتباس من ( المزمور 22 : 1 ) . وإذا أخذنا هذا المزمور ككل ، فإنه لا يمكن أن يكون صرخة يأس بأي حال من الأحوال ، إنما هو صلاة لعبد بار يعاني آلاما ، إلا أنه يثق تماما في حب الله وحفظه من الشر ، وهو مطمئن تماما إلى حمايته " (1) .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص427 -428 .
ح - في أعقاب الصلب :
يقول مرقس : " انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، ولما رأى قائد المائة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح قال حقا كان هذا الإنسان ابن الله " ( 15 : 38 - 39 ) .
ويقول متى : " وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت ، والقبور تفتحت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين " ( 27 : 51 -53 ) .
ويقول لوقا : " أظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من وسطه . فلما رأى قائد المائة ما كان ، مجد الله قائلًا : بالحقيقة كان هذا الإنسان بارا " ( 22 : 45 - 47 ) .
أما يوحنا فإنه لا يعلم شيئا عن ذلك .
يقول جورج كيرد : " إن حدوث كسوف للشمس ( حسب رواية لوقا ) بينما يكون القمر بدرا ، كما كان وقت الصلب ، إنما هو ظاهرة فلكية مستحيلة الحدوث . . ولقد كان الشائع قديما أن الأحداث الكبيرة المفجعة يصحبها نذر سوء ، وكأن الطبيعة تواسي الإنسان (1) بسبب تعاسته " (2) .
ويقول نينهام : " لقد قيل إن مثل تلك النذر لوحظت عند موت بعض الأحبار الكبار وبعض الشخصيات العظيمة في العصور القدمية الوثنية وخاصة عند موت يوليوس قيصر " (3) .
ويقول جون فنتون : " لقد أضاف متى إلى ما ذكره مرقس حدوث الزلزلة وتفتح القبور وقيامة القديسين من الأموات وظهورهم لكثيرين في أورشليم بعد قيامة يسوع ، وكان قصده من إضافة هذه الأحداث أن يبين أن موت يسوع كان عملًا من صنع الله " (4) .
الحق الذي لا مرية فيه أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا يخسفان لموت صغير أو كبير .
تعليق الدكتور محمد جميل غازي :
_________
(1) يلاحظ أن هذا الكلام كلام « جورج » ، ولا يُقر عليه . الناشر .
(2) تفسير إنجيل لوقا : ص253 .
(3) تفسير إنجيل مرقس : ص427 .
(4) تفسير إنجيل متى : ص444 .
لقد رأينا أكثر من ثلاثين تناقضا في موضوع الصلب ، ومعي الآن كتاب " قاموس الكتاب المقدس " الصادر عن مجمع الكنائس في الشرق الأدنى . ومن العجيب أن هناك خلافا في شكل الصليب الذي استخدم ، فهذا القاموس يذكر أن هناك الصليب ( x ) والصليب ( T ) والصليب ( + ) ، والصليب المستخدم كرمز للمسيحية هو ( + ) لكن هذا القاموس يقول إن الصليب الذي استخدم كان على شكل ( T ) وهذا هو نص ما يقوله قاموس الكتاب المقدس .
" وللصلبان نماذج رئيسية ثلاثة ، أحدها المدعو صليب القديس أندراوس وهو على شكل ( X ) وثانيها بشكل ( + ) وثالثها بشكل السيف ( T ) وهو المعروف بالصليب اللاتيني .
ولعل صليب المسيح كان من الشكل الأخير ( T ) كما يعتقد الفنانون ، الأمر الذي كان يسهل وضع اسم الضحية وعنوان علتها على القسم الأعلى منه " .
فإذا كان شكل الصليب مختلفا فيه ، إذن قوله تعالى { وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ } يبين لنا بوضوح أن كل ما تعلق بالصلب اشتبه أمره عليهم وغابت عنهم الحقيقة ، فهم لا يزالون مختلفين في كل ما يتعلق بقضية الصلب مثل : حامل الصليب وعلة المصلوب ، واللصان والمصلوب ، ووقت الصلب ، وصلاة المصلوب ، وصرخة اليأس على الصليب ، وما حدث في أعقاب الصلب . .
وأما بخصوص الجملة التي ختم بها السيد اللواء حديثه فإنها تختص بإبراهيم ابن النبي والتي تعطي الدليل - لكل ذي عقل سليم - على صدق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم ، وأنه لا يجمع خرافات أو أوهاما ، إنما يريد أن يحق الحق .
فالذي حدث هو أنه لما مات ابنه إبراهيم حدثت ظاهرة فلكية وهي كسوف الشمس ، وهذا شيء طبيعي حدوثه . لكن بعض الناس قالوا : كسفت الشمس لموت إبراهيم .
لقد مات إبراهيم ، وكسفت الشمس في نفس اليوم ، وربط الناس بين الحدثين ، فلو كان الرسول يريد التأييد ولو عن طريق الأكاذيب ، لصمت عن ذلك . لكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم -برأه الله - يرفض كل أكذوبة من كل لون لتأييده ، ولهذا صعد المنبر غاضبا وقال : « أيها الناس ، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينكسفان لموت أحد أو لحياته . فإذا رأيتم شيئا من ذلك ، فادعوا الله وصلوا » .
ط - شهود الصلب :
لعل هذه واحدة من أهم عناصر قضية الصلب ، وإنها لترينا أن شهود الصلب كن نساء وقفن ينظرن من بعيد ذلك الذي علق على الصليب ، ولم تكن هناك فرصة للتحقق والمعاينة عن قرب .
يقول مرقس : " وكانت أيضا نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي وسالومة . اللواتي أيضا تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل . وأخر كثيرات صعدن معه إلى أورشليم " ( 15 : 40 -41 ) .
وكذلك يقول متى في ( 27 : 55 -56 ) .
ويقول لوقا : " وكان جميع معارفه ونساء كن تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظن ذلك " ( 23 : 49 ) .
ويقول يوحنا : " وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية " ( 19 : 25 ) .
ويقول جون فنتون : " لقد هرب التلاميذ عند القبض على يسوع ، ورغم أن بطرس قد تبعه من بعيد إلى فناء دار رئيس الكهنة ، فإننا لا نسمع عنه شيئا أكثر من هذا ، بعد إنكاره ليسوع .
إن مرقس ومتى ولوقا يخبروننا أن شهود الصلب كن نساء تبعن يسوع من الجليل إلى أورشليم ، وقد رأين دفنه ، واكتشفن القبر خاليا صباح الأحد ، وقابلن يسوع ( بعد قيامته ) (1) .
ويعلق العلماء على ما قاله يوحنا عن وجود مريم أم المسيح عند الصليب بقولهم : " إنه من غير المحتمل أساسا أن يكون قد سمح بوقوف أقارب يسوع وأصدقائه بالقرب من الصليب " (2) .
كذلك تقول دائرة المعارف البريطانية تعليقا على اختلاف الأناجيل في شهود الصلب : " نجد في الأناجيل ( الثلاثة ) المتشابهة أن النساء فقط تبعن يسوع ، وأن القائمة التي كتبت بعناية واستفاضة لا تضم والدته - وأنهن كن ينظرن من بعيد " ( مرقس 15 : 40 ) .
ولكن في يوحنا نجد أن والدته مريم تقف مع مريمين أخريين والتلميذ المحبوب تحت الصليب ، ومن تلك الساعة أخذها التلميذ المحبوب إلى خاصته .
_________
(1) تفسير إنجيل متى : ص455 .
(2) تفسير إنجيل مرقس : ص431 .
هذا بينما لا تظهر والدته في أورشليم - حسبما ذكرته المؤلفات القديمة - إلا قبيل عيد العنصرة وفي رفقة إخوته ( أعمال الرسل 1 : 14 ) (1) .
من ذلك نتبين أن شهود الأحداث الرئيسية التي قامت عليها العقائد المسيحية وهي الصلب ، والقيامة ، والظهور ، إنما كن - على أحسن الفروض - نساء شاهدن ما شاهدن من بعيد ، ثم قمن بعد ذلك بالرواية والتبليغ . . .
التعليق على أحداث الصلب :
والآن يحق لنا التعليق على أحداث الصلب فنقول : إن اعتماد كتاب أحد الأناجيل على ما رواه كاتب إنجيل آخر ، كان أولى به أن يوجد تآلفا بين الأناجيل ، ويمنع التناقض والاختلاف بينها . ولكن ما حدث كان على النقيض من ذلك .
وإذا أخذنا بما ترويه الأناجيل عن الصلب وأحداثه ، لوجدناها قد اختلفت فيه من الألف إلى الياء .
_________
(1) ج13 ، ص99 .
ويكفي أن يراجع القارئ ما ذكرته الأناجيل عن حادث القبض وملابساته - المحاكمات - توقيت الصلب ( اليوم والساعة ) - صرخة اليأس على الصليب - شهود الصلب ، كل ذلك وغيره كثير يكفي للقول بأن الأناجيل اختلفت فيما بينها اختلافا بعيدا . وهو اختلاف يكفي لرفضه ما يذكره أحد الأناجيل - على الأقل - إذا أخذنا برواية الإنجيل الآخر . فأيهما نأخذ به ، وأيهما نرفضه ؟
رب قارئ درج على الإيمان التقليدي بما ترويه الأناجيل ، لا يجد مفرا الآن من أن يقول : " إنما العلم عند الله " .
لقد انفرد إنجيل متى -دون بقية الأناجيل - بالحديث عن نهاية يهوذا ، كذلك تحدث سفر أعمال الرسل الذي سطره لوقا عن كيفية هلاكه . ولنرجع الآن إلى هذين المصدرين لنرى كيف هلك يهوذا ، وما إذا كانا قد اتفقا في الحديث عن هذا الجزء الخطير ، والذي له علاقة مؤكدة بقضية الصلب أم أنهما اختلفا كالعادة .
يقول متى : " حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دِينَ ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلًا : قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا فقالوا ماذا علينا ، أنت أبصر .
فطرح الفضة في الهيكل وانصرف . ثم مضى وخنق نفسه .
فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم . فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء . لهذا سمي هذا الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم .
حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل : وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب - 27 : 3 - 10 ) .
ويقول جون فنتون : " إن متى يستخدم الفترة ما بين قرار السهندرين والمحاكمة أمام بيلاطس ، في أخبار قرائه عن نهاية يهوذا . وعند هذه النقطة نجد أن متى لا يتبع مرقس الذي لم يورد أي ذكر ليهوذا بعد القبض على يسوع . ويذكر متى أن يهوذا غير رأيه بعد أن رأى يسوع قد دينَ ، فأرجع النقود إلى أعضاء السهندرين واعترف لهم بجرمه . . ثم هو يضع النقود في خزينة الهيكل ، ويمضي ليخنق نفسه .
ويقول رؤساء الكهنة إنه طالما كانت تلك النقود ثمنا لحياة ، فلا يحل وضعها في خزينة الهيكل ، ولهذا يشترون بها قطعة من الأرض مقبرة للغرباء . وهذا يحقق نبوءة يرجعها متى إلى أرميا ( خطأ ) ولكنها في الواقع من كتاب زكريا الذي لعب من قبل دورا هاما في رواية متى .
ولقد سجل لوقا موت يهوذا في ( أعمال الرسل 1 : 18 ) ، وتتفق روايته مع رواية متى في جزء منها ، بينما تختلف في جزء آخر " (1) .
إننا قبل أن نذهب لمعرفة ما سجله لوقا عن موت يهوذا في سفر أعمال الرسل يخبرنا جون فنتون : أنه اتفق مع متى في جزء من الرواية ، وخالفه في جزء آخر ، كما أن متى أرجع قصة حقل الدم إلى نبوءة ظنها - خطأ - من سفر أرميا بينما هي لها شبيه في سفر زكريا .
_________
(1) تفسير إنجيل متى : ص431 .
وتقول رواية لوقا المشار إليها - في سفر أعمال الرسل : " في تلك الأيام قام بطرس في وسط التلاميذ . وكان عدة أسماء نحو مائة وعشرين . فقال أيها الرجال الإخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقال بفم داود عن يهوذا . . فإن هذا اقتنى حقلًا من أجرة الظلم وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه ، وصار ذلك معلوما عند جميع سكان أورشليم حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما أي حقل دم ؛ لأنه مكتوب في سفر المزامير لتصر داره خرابا ولا يكن فيها ساكن وليأخذ وظيفته آخر " ( 1 : 15 - 20 ) .
فعلى حسب رواية لوقا تجد - كما يقول جون فنتون : " أن يهوذا نفسه الذي يشتري الحقل ثم هو يموت هناك ، ولهذا سمي ذلك الحقل حقل دم . إن هذا يعني : إما أن كلًا من متى ولوقا كان لديه مدخلًا مستقلًا لمثل تلك القصص عن يهوذا ، أو أن لوقا اختصر رواية متى وأدخل إليها بعض التغييرات " (1) .
وسواء أكان هذا أو ذاك ، فإن هذا واحد من بين مئات الأدلة على أننا نتعامل مع كتب مؤلفة بكل معنى الكلمة ، لا علاقة لها بوحي الله .
_________
(1) تفسير إنجيل متى : ص431 .
إن ما اتفق عليه متى ولوقا - وصمت عنه مرقس ويوحنا - هو أن يهوذا الخائن قد هلك في ظروف مريبة ، لكن روايتهما اختلفت في ثلاثة عناصر هي :
الأول - يتعلق بكيفية موته ، وفيها يروي متى أن يهوذا قد انتحر بخنق نفسه ، بينما يروي لوقا أنه مات ميتة دموية ، انشق فيها وسطه وانسكبت جميع أحشائه .
الثاني - ويتعلق بمشتري الحقل ، فيروي متى أن رؤساء الكهنة هم الذين اشتروه ، بينما يروي لوقا أن يهوذا كان هو الشاري .
الثالث - كذلك اختلفت روايتا متى ولوقا في سبب تسمية الحقل باسم : حقل دم ، فرواية متى ترجع ذلك لكونه اشتري بنقود كانت ثمنا لبيع دم بريء ، بينما يرد لوقا تلك التسمية إلى الميتة الدموية التي ماتها يهوذا .
إن ما يذكره متى ولوقا عن هلاك يهوذا لا يعني إلا شيئا واحدا هو : أن يهوذا قد اختفى في فترة الاضطراب التي غشيت أحداث الصلب وملابساته .
لقد تأثرت الأناجيل - التي كتُب أقدمها وهو إنجيل مرقس بعد أن بدأ بولس كتابة رسائله بأكثر من 15 سنة - بنظرية سفك دم المسيح فدية عن كثيرين ، تلك التي روج لها بولس وجعلها إنجيله الوحيد الذي يبشر به . فهو يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس : " إني لم أعزم أن أعرف شيئا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبا " ( 2 : 2 ) .
ولما كان من المتوقع أن يتحدث المسيح عن آلامه ورفضه باعتبارها ظواهر اقترنت دائما بحمل رسالات السماء ، فإنا نجد إنجيل مرقس يضع ما يمكن اعتباره أساسا لكل ما قيل عن التنبؤات بالآلام المرتقبة . فهو يروي حديث المسيح لتلاميذه : " كيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيرا ويرذل " ( 9 : 12 ) .
ولقد طور متى هذا القول فجعله تنبؤا بصلب المسيح إذ يقول على لسانه :
" ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت . ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه "20 : 18 -19 ) .
ومن المعلوم أن إنجيل مرقس كان مصدرا رئيسيا لمتى ، ومن المعلوم كذلك أن إنجيل متى هو الإنجيل الوحيد الذي نسب للمسيح تنبؤه بالقتل صلبا .
ولقد رأينا فيما سبق كيف طور متى ما قيل عن آية يونان ، فقد بدأها مرقس بقوله : " خرج الفريسيون وابتدأوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه ، فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية ؟ الحق أقول لكم لن يعطى هذا الجيل آية " ( 8 : 11 -12 ) .
ولقد طورها لوقا فقال :
" وفيما كان الجموع مزدحمين ابتدأ يقول هذا الجيل شرير ، يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبي ؛ لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضا لهذا الجيل " ( 11 : 29 - 30 ) .
أما متى - الذي اعتمد على مرقس وكتب إنجيله بعد لوقا أيضا - فإنه حول ذلك القول الذي ينسب للمسيح ، بما قدمه من إضافات وتعديلات ، إلى نبوءة خاطئة ، وذلك في قوله :
" حينئذ أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين يا معلم نريد أن نرى منك آية ، فأجاب وقال لهم : جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إِلا آية يونان النبي ؛ لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال ، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال " ( 12 : 38 - 40 ) .
ولقد بينا خطأ هذه النبوءة عند الحديث عن التنبؤات التي استحال تحقيقها .
يبقى بعد ذلك ما ينسب للمسيح من قوله إن ابن الإنسان سوف يتألم كثيرا ويرفض من جيله ، ماذا يعني قول كهذا ؟
يقول تشارلز دود : " لقد سجلت أقوال بأن يسوع تنبأ بأن الآلام تنتظره هو وتابعيه ، وغالبا ما استحسن ذلك الاعتقاد في أن الإنذار بموته - وهو القول الذي تكرر ذكره منسوبا ليسوع في الأناجيل - إِنما هو تنبؤ خرج من واقع الأحداث ، أي بعد وقوعها ( حيث عاصر جيل المسيح اختفاءه فجأة ، وقتل شخص على الصليب لم يسمح لتلاميذه بالاقتراب منه ) .
إن رجال الكنيسة لم يستطيعوا الاعتقاد بأن ربهم كان جاهلا بما كان ينتظره . ويمكن التسليم صراحة بأن دقة بعض هذه التنبؤات قد ترجع إلى ما عرفته الكنيسة من حقائق فيما بعد .
وفي الواقع إن الانطباع الذي نخرج به من الأناجيل ككل هو أن يسوع قاد أتباعه إلى المدينة بمفهوم واضح هو أن أزمة تنتظرهم هناك ، وقد يصيبه وأتباعه بسببها آلام مبرحة .
وإن الفقرة المتميزة في هذا المقام هو ما ذكره مرقس في ( 10 : 35 - 40 ) ( عندما تقدم أبناء زبدي إلى المسيح طالبين مشاركته المصير والملكوت فقال لهما : أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا ، وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا ؟ فقالا له : نستطيع . فقال لهما يسوع : أما الكأس التي أشربها أنا فتشربانها وبالصبغة التي أصطبغ أنا تصطبغان . . ) .
فنجد هنا أن ابني زبدي قد تأكدا أنهما سيشربان الكأس التي يشربها سيدهما ويصطبغان بصبغته . إن مفهوم الكلام هنا لا شك فيه .
وبالنسبة للتنبؤ بمشاركة الأخوين ( ابني زبدي ) لسيدهما مصيره فإنها تعتبر واحدة من التنبؤات التي لم تتحقق بمعناها الطبيعي .
وبما أن الصليب كان هو الوسيلة الوحيدة المألوفة للإعدام تحت حكم الرومان فإن ما توحي به تلك الفقرة هو أنه أراد تهيئتهم لا من أجل المعاناة فقط ، بل للموت . وما من شك في أنه يمكن قبول الرأي الذي يقول بأن التنبؤات التي نجدها في الأناجيل ليست أكثر من انعكاس لتجارب الكنيسة الأولى التي تكونت فيها التعاليم المسيحية . ومن المؤكد أن بعضا من هذه التنبؤات -على الأقل - قد كونتها تلك التجارب . . وفضلًا عن ذلك تظهر بعض الآثار لتنبؤات نسبت ليسوع ولم تتحقق " (1) .
_________
(1) من كتاب : « أمثال الملكوت » ، ص41 - 47 .
المسيح يرفض كل محاولة لقتله:
منذ أن بدأ المسيح دعوته حتى آخر يوم فيها نجد الأناجيل تذكرنا بين الحين والحين برفضه فكرة قتله واستنكارها تماما ، ثم هو قد عمل كثيرا لإحباط جميع المحاولات التي رآها تبذل من اليهود لقتله .
يقول إنجيل يوحنا : " أجابهم يسوع وقال تعليمي ليس لي ، بل للذي أرسلني لماذا تطلبون أن تقتلوني . . ؟
لكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني ، وأنا إنسان قد حدثكم الحق الذي سمعه من الله . هذا لم يعمله إبراهيم " ( 7 : 16 - 19 ، 8 : 37 - 40 ) .
ولأن المسيح إنسان عادي ككل البشر فإنه يجهل ما يخبئه له القدر ، ولذلك اتخذ من الاحتياطات ما يجنبه الوقوع في براثن أعدائه من اليهود . ولو كان يعلم أنهم سيقبضون عليه في يوم معين ، فلم - إذن - تلك الاحتياطات ؟ يقول إنجيل يوحنا : " كان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل لأنه لم يرد أن يتردد في اليهود لأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه " ( 7 : 1 ) .
" فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه . فلم يكن يسوع أيضا يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية " ( 11 : 53 - 54 ) .
هذا - ونكتفي الآن بذكر عدد من التنبؤات الواضحة التي قالها المسيح بنجاته من القتل ، والتي تتفق وتلك الاحتياطات التي اتخذها للمحافظة على حياته .
1 - حدث ذات مرة في إحدى محاولات القبض عليه أن " أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خداما ليمسكوه .
فقال لهم يسوع : أنا معكم زمانا يسيرا بعد ، ثم أمضي للذي أرسلني .
ستطلوبني ولا تجدونني ، حيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا " ( يوحنا 7 : 32 - 34 ) .
لا نظن أحدا يشك في وضوح هذا القول الذي يعني أن اليهود حين يطلبون المسيح لقتله فلن يجدوه لأنه سيمضي للذي أرسله ، أي سيرفعه الله إِليه كما سبق أن رفع إيليا ( إلياس ) وشاهده تلميذه اليشع ( اليسع ) وهو يصعد إلى السماء .
2 - وفي موقف آخر من مواقف التحدي بين المسيح واليهود ، أكد لهم نبوءته السابقة وأن محاولاتهم ضده ستنتهي برفعه إلى السماء :
" قال لهم يسوع أيضا أنا أمضي وستطلوبنني وتموتون في خطيتكم ، حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا .
فقال اليهود ألعله يقتل نفسه حتى يقول حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ؟
فقال لهم يسوع : متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا ولست أفعل شيئا من نفسي ، بل أتكلم بهذا كما علمني . .
والذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " ( يوحنا 8 : 21 - 29 ) .
لكن ذلك المصلوب صرخ يائسا على الصليب قائلًا : إلهي إلهي لماذا تركتني ؟
3 - ولقد كانت آخر أقوال المسيح لتلاميذه في تلك اللحظات التي سبقت عملية القبض مباشرة ، وهو تأكيده لهم أن الله معه دائما ولن يتركه :
" هو ذا تأتي ساعة ، وقد أتت الآن ، تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي . وأنا لست وحدي لأن الآب معي . . لكن ثقوا أنا قد غلبت العالم " ( يوحنا 16 : 32 - 33 ) .
ومن المؤكد أن ذلك المصلوب قد تركه إلهه ، كما قال بلسانه في صرخته اليائسة ، ومن المؤكد كذلك أن ذلك المصلوب قد غلبه أعداؤه وقهره الموت وأخضعه لسلطانه .
4 - وفي آخر مواجهة عاصفة حدثت بين المسيح والكهنوت اليهودي كان قوله :
" إني أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب . ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل " ( متى 23 : 39 ، 24 : 1 ) .
إن التحدي في هذا القول واضح ، ذلك أن المسيح يؤكد لأعدائه أنهم لن يروه منذ تلك الساعة حتى يأتي في نهاية العالم " بقوة ومجد كثير " . لكن ذلك المصلوب رآه الكهنوت اليهودي أسيرا في قبضته أثناء المحاكمة ، ثم رأوه بعد ذلك معلقا على الخشبة قتيلا قد أسلم الروح والمشيئة ، ولم يبق منه إلا جسد خامد فقد نبض الحياة .
وأستعير لغة المسيح في الإنجيل ، اكتفاء بهذا القدر فأقول : " من له أذنان للسمع فليسمع ، ومن يسمع فعليه أن يعقل . . . "
وقبل أن نذهب لسماع ما تقوله المزامير ، أرجو أن يكون معلوما أن تراجم أسفار العهدين القديم والجديد تتغير من حين لآخر وفقا للدراسات التي يقوم بها علماء الكتاب المقدس ، إما لتدقيق الترجمة ، أو للتخلص من التناقضات والاختلافات .
وكمثال نجد أنه في واحدة من طبعات الكاثوليك للعهد الجديد أنها عندما تحدثت عن نهاية الخائن يهوذا ( في الإصحاح الأول من سفر أعمال الرسل ) فإنها جعلته يخنق نفسه ، ليتفق هذا مع ما يقوله إنجيل متى ، أما طبعة البروتستانت فلا تزال تروي نهاية يهوذا بأن نقمة حلت به " إذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها " وهذا شيء مختلف تماما عن عملية الانتحار خنقا .
كذلك ظهرت طبعات حديثة للمزامير تختلف كثيرا عما في الطبعات المتداولة لها . وإذا كان داود هو الاسم الذي يرتبط بأغلب المزامير ، فإن العلماء مختلفون فيما يتعلق بحقيقة قائل كل مزمور وتاريخه وظروفه ، كما أن هناك خلافا حول ترقيمها . ولقد بينا ذلك في مناسبة سابقة ، وكيف أن الترجمة المتداولة للمزمور 69 -كمثال - تقول في بعض فقراتها :
" حينئذ رددت الذي لم أخطفه " .
" ويجعلون في طعامي علقما " .
بينما تقول الترجمة الحديثة له في نظير ذلكما العددين :
" كيف أرد الذي لم أسرقه أبدا ؟ " .
" أعطوني لطعامي سما " .
فالاختلاف بينهما واضح ، سواء في المضمون أو في زمن الفعل .
إن الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب وسفك الدم ، فتلك نظرية بولسية أقحمها بولس في مسيحية المسيح الحقة . وهذا شيء نستطيع تبيانه من الأناجيل :
1 - بينما كان المسيح يسير خارجا " إذا واحد تقدم وقال له أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية ؟
فقال له : لماذا تدعوني صالحا ؟ ليس أحد صالحا إلا واحد هو الله . ولكن إن أردت أن تدخل الحياة ، فاحفظ الوصايا . قال له : أية الوصايا ؟ فقال يسوع : لا تقتل . لا تزن . لا تسرق . لا تشهد بالزور . أكرم أباك وأمك وأحب قريبك كنفسك .
قال له الشاب : هذه كلها حفظتها منذ حداثتي ، فماذا يعوزني بعد ؟ قال له يسوع : إن أردت أن تكون كاملًا فاذهب وبع أملاك واعط الفقراء ، فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني " ( متى 19 : 16 - 21 ) .
ومن الملاحظ أن المسيح قبل أن يجيب السائل إلى سؤاله ، فقد صحح صيغة السؤال ، فنفى الصلاح عن نفسه ، ورده إلى الله الذي تفرد في ذاته وصفاته . وبذلك قرر المسيح على رؤوس الأشهاد أن " لله المثل الأعلى في السموات والأرض " ، وأن أي خلط بين الله - سبحانه - وبين المسيح ، إنما هو قول مردود وكفر مرفوض .
ومن ذلك يتبين أن الخلاص الحق يقوم على الإيمان بالله الواحد ، ثم العمل الصالح . ولا مجال للحديث هنا عن الصلب أو الصليب ، فتلك كلها مسميات قال بها بولس وتلاميذه ، ما أنزل الله بها من سلطان .
2 - في يوم الدينونة تكون النجاة بالعمل الصالح بعيدا عن الصلب وفلسفاته ، بل وحتى اسمه . فهناك " يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا . . رِثوُا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم . لأني جعت فأطعمتموني . عطشت فسقيتموني . كنت غريبا فآويتموني . عريانا فكسوتموني . مريضا فزرتموني . محبوسا فأتيتم إليَّ .
فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين : يا رب متى رأيناك جائعا فأطعمناك . أو عطشانا فسقيناك . ومتى رأيناك غريبا فآويناك أو عريانا فكسوناك ؟
فيجيب الملك ويقول لهم الحق أقول لكم بما أنكم فعلتم بأحد إخوتي الأصاغر ، فبي فعلتم . ثم يقول الملك للذين عن اليسار : اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته ؛ لأني جعت فلم تطعموني . .
حينئذ يجيبونه هم أيضا قائلين : يا رب متى رأيناك جائعا ؟
فيجيبهم قائلًا : الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر ، فبي لم تفعلوا .
فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي ، والأبرار إلى حياة أبدية " ( متى 25 : 34 - 46 ) .
هكذا يدان الناس : أهل البر والعمل الصالح إلى الحياة الأبدية السعيدة ، وأهل الشر والبخل إلى عذاب أبدي .
ومرة أخرى لا دخل لفلسفة الصلب والفداء في إنقاذ أهل الشر ، فلن تنفعهم في شيء .
3 - يقول يعقوب في رسالته : إن الدينونة التي تحدد المصير الأبدي للإنسان تقوم على ركيزتين هما : إيمان بالله الواحد يصحبه عمل صالح ، وبدونهما لا فائدة ترجى . وإن كلا منهما لا علاقة له بالصلب وسفك الدم ، من قريب أو بعيد : " أنت تؤمن بأن الله واحد . حسنا تفعل . والشياطين يؤمنون ويقشعرون . ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت ؟ بالأعمال يتبرر الإنسان ، لا بالإنسان وحده " ( 2 : 19 - 24 ) . إن " الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه : افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم " ( 1 : 27 ) .
من ذلك وغيره كثير وكثير جدا ، نتبين أن الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب على الإطلاق .
وبهذا نكون قد انتهينا من بحث قضية الصلب وما يتعلق بها ، ويبقى أمامنا بحث قضية القيامة والظهور ، وهو ما سوف نبحثه في الجلسة القادمة .
تعقيب الدكتور محمد جميل غازي :
وتد عقب الدكتور محمد جميل غازي على ما انتهى إليه الصلب بقوله :
نضع الآن مجموعة من الأسئلة حول الصلب والفداء ، موجهة إلى المسيحيين لعلنا نجد لها إجابة إن تيسر الوقت في جولة أخرى . وهذه الأسئلة هي :
1 - ادعى المسيحيون أن صلب المسيح كان لتحقيق العدل والرحمة ، فأي عدل وأي رحمة في تَعذيب غير مذنب وصلبه ؟
قد يقولون : إنه هو الذي قبل ذلك ، ونقول لهم إن من يقطع يده أو يعذب بدنه أو ينتحر ، فإنه مذنب ، ولو كان يريد ذلك .
2 - إذا كان المسيح ابن الله ، فأين كانت عاطفة الأبوة وأين كانت الرحمة حينما كان الابن الوحيد يلاقي دون ذنب ألوان التعذيب الصلب مع دق المسامير في يديه ؟
3 - ما هو تصور المسيحيين لله - جل في علاه - الذي لا يرضى إلا أن ينزل العذاب المهين بالناس ، والعهد في الله - الذي يسمونه الآب ويطلقون عليه : الله محبة ، الله رحمة - أن يكون واسع المغفرة ، كثير الرحمات ؟
4 - من هذا الذي قيد الله - سبحانه وتعالى - وألزمه وجعل عليه أن يلتزم العدل وأن يلتزم الرحمة ، وأن يبحث عن طريق للتوفيق بينهما ، بين العدل والرحمة ، بأن ينزل ابنه الوحيد ، في صورة ناسوت ، يصلب تكفيرا عن خطيئة آدم ؟
5 - يدعي المسيحيون أن ذرية آدم لزمهم العقاب بسبب خطيئة أبيهم ، وفي أي شرع يلتزم الأحفاد بأخطاء الأجداد - خاصة وأن الكتاب المقدس ينص على أنه " لا يقتل الأباء عن الأولاد ، ولا يقتل الأولاد عن الآباء . فكل إنسان بخطيئته يقتل " ( تثنية 16 : 24 ) ؟
6 - إذا كان صلب المسيح عملًا تمثيليا على هذا الوضع ، فلماذا يكره المسيحيون اليهود ويرونهم آثمين معتدين على السيد المسيح ؟
إن اليهود - وخاصة يهوذا الأسخريوطي - كانوا حسب الفهم المسيحي لموضوع الصلب أكثر الناس عبادة لله ، لأنهم بذلك نفذوا إرادة الله التي قضت بصلب ابنه فقاموا هم بتنفيذ ذلك العمل .
7 - هل كان نزول ابن الله وصلبه للتكفير عن خطيئة البشر ضروريا ، أم كانت هناك وسائل أخرى من الممكن أن يغفر الله بها خطيئة البشر ؟
ماذا يقول المسيحيون للإجابة عن مثل هذا السؤال ، كما يقدمه كاتب مسيحي هو القس بولس ساباط ، إذ يقول :
" لم يكن تجسد الكلمة ضروريا لإنقاذ البشر ، ولا يتصور ذلك مع القدرة الإلهية الفائقة الطبيعية " - ثم يسترسل هذا الكاتب ، فيذكر السبب في اختيار الكلمة لتكون فداء لخطيئة البشر ، فيقول :
" إن الله على وفرة ما له من الذرائع إلى فداء النوع البشري وإنقاذه من الهلاك الذي نتج من الخطيئة ومعصية أمره الإلهي ، قد شاء - سبحانه - أن يكون الفداء بأعز ما لديه ، لما فيه من القوة على تحقيق الغرض وبلوغه سريعا " . إن أبسط الذرائع لدى الله - سبحانه - إذا استخدمنا لغة ذلك القس ، هي أن يقول الله : عفوت عنك يا آدم . إن هذا ما يقوله القرآن الكريم { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } .
ونصرخ في وجه هذا الكاتب فنقول إنه ليس من الحكمة في شيء أن نفتدي بدينار ما نستطيع أن نفتديه بفلس .
ثم هناك إجابة أخرى عن هذا السؤال نقتبسها من كاتب مسيحي آخر هو الأب بولس اليافي الذي يقول :
" مما لا ريب فيه أن المسيح كان باستطاعته أن يفتدي البشر ويصالحهم مع أبيه بكلمة واحدة أو بفعل سجود بسيط يؤديه باسم البشرية لأبيه السماوي لكنه أبى إلا أن يتألم ، ليس لأنه مريض بتعشق الألم أو لأن أباه ظالم يطرب لمرأى الدماء ، وبخاصة دم ابنه الوحيد ، وما كان الله بسفاح ظلوم ، لكن الإله الابن شاء مع الله الآب أن يعطي الناس أمثولة خالدة من المحبة تبقى على الدهر وتحركهم على الندامة لما اقترفوه من آثام وتحملهم على مبادلة الله المحبة " .
ومرة أخرى نصرخ في وجه هذا المؤلف مؤكدين أنه صور الداء أدق تصوير عندما تكلم عن الدماء والقسوة ، لكنه عندما بدأ يجيب ويصف الدواء تعثر وكبا ولم يقل إلا عبارات جوفاء لا تحمل أي معنى .
8 - ونعود إلى القس بولس ساباط ، ونسأله كما سأل : إذا كان الكلمة قد تجسد لمحو الخطيئة الأصلية ، فما العمل في الخطايا التي تحدث بعد ذلك ؟ يجيب هذا الكاتب بما يلي :
" إذا عاد الناس إلى اجتراح الخطايا ، فالذنب ذنبهم لأنهم نسوا النور وعشوا عنه مؤثرين الظلمة بإرادتهم " .
ومعنى هذا أن خطيئة واحدة محيت ، وأن ملايين الخطايا سواها بقيت وجدت بعد ذلك . وسيحاسب الناس على ما اقترفوه ، وبعض ما اقترفوه أقسى من عصيان آدم . فلقد أنكر بعض الناس وجود الله ، وهاجمه آخرون وسخروا من جنته وناره . فلماذا كانت ظاهرة التجسد لخطيئة واحدة ، وتركت خطايا أكبر ، لا تعد ولا تحصى ؟
9 - أين كان عدل الله ورحمته منذ حادثة آدم حتى صلب المسيح ؟ ومعنى هذا أن الله - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - ظل حائرا بين العدل والرحمة ألوف السنين ، حتى قبل المسيح منذ ألفي عام فقط أن يصلب تكفيرا عن خطيئة آدم .
10 - يلزم - كما في جميع الشرائع - أن تتناسب العقوبة مع الذنب ، فهل يتم التوازن بين صلب المسيح على هذا النحو وبين الخطيئة التي ارتكبها آدم ؟
11 - هذا - إلى أن خطيئة آدم التي لم تزد عن أن تكون أكلا من شجرة نهي عنها قد عاقبه الله عليها - باتفاق المسيحين والمسلمين - بإخراجه من الجنة ، ولا شك أنه عقاب كاف ، فالحرمان من الجنة الفينانة والخروج إلى الكدح والنصب عقاب ليس بالهين . وهذا العقاب قد اختاره الله بنفسه ، وكان يستطيع أن يفعل بآدم أكثر من ذلك ، ولكنه اكتفى بذلك . فكيف يستساغ أن يظل مضمرا السوء غاضبا ألوف السنين حتى وقت صلب المسيح ؟
12 - وقد مرت بالبشر منذ عهد آدم إلى عهد عيسى أحداث وأحداث وهلك كثيرون من الطغاة وبخاصة في عهد نوح حيث لم ينج إلا من آمن بنوح واتبعه وركب معه السفينة . . فهؤلاء هم الذين رضي الله عنهم ، فكيف تبقى بعد ذلك ضغينة أو كراهية تحتاج لأن يضحي عيسى بنفسه فداء للبشرية .
13 - والكاتب المسيحي الذي أسلم - عبد الأحد داود وكان مطرانا للموصل - ينتقد قصة التكفير عن الخطيئة هذه انتقادا سليما فيقول : " إن من العجيب أن يعتقد المسيحيون أن هذا السر اللاهوتي ، وهو خطيئة آدم وغضب الله على الجنس البشري بسببها ظل مكتوما عن كل الأنبياء السابقين ولم تكتشفه إلا الكنيسة بعد حادثة الصلب " .
14 - ويقول هذا الكاتب - عبد الأحد داود - : " إن ما حمله على ترك المسيحية هو هذه المسألة وظهور بطلانها ، إذ أمرته الكنيسة بأوامر لم يستسغها عقله وهي :
أ - نوع البشر مذنب بصورة قطعية ويستحق الهلاك الأبدي .
ب - الله لا يخلص أحدا من هؤلاء المذنبين من النار الأبدية المستحقة عليهم بدون شفيع .
جـ - الشفيع لا بد أن يكون إلها تاما وبشرا تاما " .
ويدخل هذا الكاتب في نقاش طويل مع المسيحيين بسبب هذه الأوامر ، فهم يرون أن الشفيع لا بد أن يكون مطهرا من خطيئة آدم ، ويرون أنه لذلك ولد عيسى من غير أب لينجو من انحدار الخطيئة إليه من أبيه .
ويسألهم الكاتب : ألم يأخذ عيسى نصيباً من الخطيئة عن طريق أمه ؟
ويجيب هؤلاء : بأن الله طهر مريم من الخطيئة قبل أن يدخل الابن رحمها .
ويعود الكاتب يسأل : إذا كان الله يستطيع - التطهير - هكذا في سهولة ويسر إذ يطهر بعض خلقه ، فلماذا لم يطهر خلقه من الخطيئة كذلك بمثل هذه السهولة وذلك اليسر ، بدون إنزال ابنه وبدون تمثيلية الولادة والصلب ؟ ونضيف إلى نقاش عبد الأحد داود ، أن قولهم بضرورة أن يكون الشفيع مطهراً من خطيئة آدم ، مما استلزم أن يولد عيسى من غير أب أو أن يطهر الله مريم قبل دخول عيسى رحمها ، يحتاج إلى طريق طويل معقد ، وكان أيسر منه أن ينزل ابن الله مباشرة في مظهر الإنسان دون أن يمر بدخول الرحم والولادة . ونضيف كذلك أن اتجاه المسيحيين هذا يتعارض مع اتجاه مسيحي آخر ، هو أن ابن الله دخل رحم مريم ليأخذ مظهر الإنسان وليتحمل في الظاهر بعض خطيئة آدم الذي يبدو ابن الله كأنه ولد من أولاده ، ثم يصلب ابن الله تكفيراً عن خطيئة البشر الذين أصبح كواحد منهم .
ويبقى أن نسأل أسئلة أخيرة في هذا الموضوع هي :
هل كان الأنبياء جميعاً ، نوح - إبراهيم - موسى . . ، مدنسين بسبب خطيئة أبيهم ؟
وهل كان الله غاضباً عليهم كذلك ، وكيف اختارهم مع ذلك لهداية البشر ؟
هذه الأسئلة نضعها بين يدي النصارى لعلهم يحاولون الإجابة عنها .
أ - حامل الصليب :
يقول مرقس : " ثم خرجوا به ليصلبوه . فسخروا رجلا مجتازا كان أتيا من الحقل وهو سمعان القيرواني أبو الكسندرس وروفس ليحمل صليبه وجاءوا به إلى موضع جلجثه الذي تفسيره موضع جمجمة " ( 15 : 20 -22 ) .
ويتفق متى ولوقا مع مرقس في أن حامل الصليب كان المدعو سمعان القيراوني لكن يوحنا يقرر شيئا آخر فهو يقول : " حينئذ أسلمه إليهم ليصلب فأخذوا يسوع ومضوا به . فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة ) ( 19 : 16 -17 ) .
يقول نينهام : " لقد كان المعتاد أن يقوم الذين حكم عليهم بالصلب ، بحمل صلبانهم بأنفسهم . . ويقرر يوحنا أن هذا كان ما حدث فعلا في حالة يسوع ، ولكن على العكس من ذلك نجد حسب رواية ( مرقس ومتى ولوقا ) أن شخصا مجهولا يدعى سمعان القيرواني هو الذي سخره الرومان لحمل الصليب بدلا من يسوع .
وبالنسبة لموضع جلجثة فإن التقاليد التي تقول إنه يقع داخل كنيسة القبر المقدس لا يمكن إرجاعها لأبعد من القرن الرابع ، كما أنها لا تزال موضع جدل . ولقد اقترحت أماكن أخرى في عصرنا الحاضر ، إلا أن القطع بواحد منها لا يزال بعيدا عن التحقيق " (1) .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص422 .
أي أن الحديث عن القبر المقدس الذي يقول المسيحيون إن المسيح دفن فيه ، وكان سببا من الأسباب الظاهرة للحروب الصليبية التي ادعى مشعلوها أنها قامت لتخليص ذلك القبر المقدس من أيدي الكفرة والتي استمرت أكثر من 280 عاما ، وقتل فيها من المسيحيين والمسلمين عشرات الألوف ، ودمر فيها الكثير من المدن وأسيلت فيها دماء الكثير من الأبرياء - كل هذا قام على غير أساس .
ب - شراب المصلوب :
يقول مرقس : " أعطوه خمرا ممزوجة بمر ليشرب فلم يقبل " ( 15 : 23 ) .
ويقول متى : " أعطوه خلًا ممزوجا بمرارة ليشرب ، ولما ذاق لم يرد أن يشرب " ( 27 : 34 ) .
- علة المصلوب :
يقول مرقس : " وكان عنوان علته مكتوبا : ملك اليهود " ( 15 : 26 ) .
ويقول متى : " وجعلوا فوق رأسه علته مكتوبة : هذا هو يسوع ملك اليهود " ( 27 : 37 ) .
ويقول يوحنا : " وكتب بيلاطس عنوانا ووضعه على الصليب ، وكان مكتوبا يسوع الناصري ملك اليهود " ( 19 : 12 ) .
يقول نينهام : القد اختلفت الآراء بشدة حول صحة ما كتب عن علته ، فيرى بعض العلماء أن الصيغة الدقيقة قد عرفت عن طريق شهود عيان ، بينما يعتقد آخرون أنه من غير المحتمل أن يكون الرومان قد استخدموا مثل تلك الصيغة الجافة ، وأن ما ذكره القديس مرقس بوجه خاص عن علته ، إنما يرجع مرة أخرى لبيان أن يسوع قد أعدم باعتباره المسيا " (1) .
إن اختلاف الأناجيل في عنوان علة المصلوب - وهو ما لا يزيد عن بضع كلمات بسيطة كتبت على لوحة قرأها المشاهدون - إنما هي مقياس لدرجة الدقة لما ترويه الأناجيل . وطالما كان هناك اختلاف - ولو في الشكل كما في هذه الحالة - فإن درجة الدقة لا يمكن أن تصل إلى الكمال بأي حال من الأحوال . وقياسا على ذلك نستطيع تقييم درجة الدقة لما تذكره الأناجيل من ألقاب المسيح ، وخاصة عندما ينسب إنجيل إلى أحد المؤمنين به قوله : كان هذا الإنسان بارا ، بينما يقول إنجيل آخر في نفس الوقت : كان هذا الإنسان ابن الله . أو عندما يقول أحد الأناجيل على لسان تلميذ للمسيح : يا معلم ، ويقول إنجيل آخر : يا سيد ، بينما يقول ثالث : يا رب .
إن الحقيقة تبقى هنا دائما محل خلاف .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص424 .
د - اللصان والمصلوب :
يقول مرقس : " وصلبوا معه واحدا عن يمينه وآخر عن يساره . . واللذان صلبا معه كانا يعيرانه " ( 15 : 27 -32 ) .
ويتفق متى مع مرقس في أن للصين كانا يعيرانه ويستهزئان به .
لكن لوقا يقول : " وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلا إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا .
فأجاب الآخر وانتهره قائلا : أولا أنت تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه . أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلناه ، وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله .
ثم قال ليسوع : اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك . فقال له يسوع : الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس " ( 23 : 39 - 43 ) .
لقد اختلفت الأناجيل في موقف اللصين من المصلوب . .
هـ - وقت الصلب :
يقول مرقس : " وكانت الساعة الثالثة فصلبوه " ( 15 : 25 ) .
لكن يوحنا يقول : إن ذلك حدث بعد الساعة السادسة : " وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة .
فقال ( بيلاطس ) لليهود هو ذا ملككم فصرخوا خذه خذه اصلبه .
فحينئذ أسلمه إليهم ليصلب " ( 19 : 14 -16 ) .
يقول نينهام : " منذ اللحظة التي روى فيها القديس مرقس إنكار الناس ليسوع نجد أن الوقت قد خطط بعناية بحيث تكون الفترة ثلاثية الأحداث أو التوقيتات مثل : ( إنكار بطرس ثلاث مرات 14 : 68 ، 72 وقت الصلب الساعة الثالثة 15 : 25 - وقت الظلمة من السادسة إلى التاسعة 15 : 33 ، 34 ) .
وفي هذا المثل على الأقل فإن الحساب يبدو مصطنعا ، إذ أنه من الصعب أن كل ما روت الأعداد ( 15 : 1 - 24 ) ( منذ بدء جلسة الصباح حتى وقت الصلب ) يمكن حدوثه في فترة الثلاث ساعات .
ويبين إنجيل يوحنا ( 19 : 14 ) بوضوح أن ذلك لم يحدث " . (1) .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص424 .
و - صلاة المصلوب :
يقول لوقا : " ولما مضوا به إلى الموضع الذي يدعى جمجمة صلبوه هناك مع المذنبين واحدا عن يمينه والآخر عن يساره .
فقال يسوع : يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون " ( 23 : 33 - 34 ) .
لقد انفرد لوقا بذكر هذه الصلاة التي حذفتها الأناجيل الأخرى ، بل وبعض النسخ الهامة التي تنسب للوقا أيضا .
ويقول جورج كيرد : " لقد قيل إن هذه الصلاة ربما تكون قد محيت من إحدى النسخ الأولى لإنجيل ( لوقا ) بواسطة أحد كتبة القرن الثاني ، الذي ظن أنه شيء لا يمكن تصديقه أن يغفر الله لليهود . ولملاحظة ما حدث من تدمير مزدوج لأورشليم في عامي 70 ، 135 صار من المؤكد أن الله لن يغفر لهم " (1) .
ز - صرخة اليأس على الصليب :
يقول مرقس : " ولما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة . وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا : " الوي الوي لما شبقتني " ، الذي تفسيره إلهي إلهي لماذا تركتني " ( 15 : 32 - 34 ) .
لكن لوقا يقول : " نادى يسوع بصوت عظيم وقال يا أبتاه في يديك أستودع روحي " ( 23 : 46 ) .
بينما يقول يوحنا : " لما أخذ يسوع الخل قال قد أكمل " ( 19 : 30 ) . إن صرخة اليأس على الصليب تثير عددا من المشاكل التي كانت ولا تزال موضع جدل بين العلماء ، فالبعض يقول : " يبدو أن القديسين لوقا ويوحنا قد رأيا في كلماتهما غموضا واحتمالا لسوء الفهم ولذلك حذفاها ، ثم استبدلها أحدهما بقوله : يا أبتاه في يديك أستودع روحي ، بينما قال الآخر : قد أكمل . .
_________
(1) تفسير إنجيل لوقا : ص250 .
وعلى العكس من ذلك فإن مثل هذا الرأي يفترض الراوية الذي كان شاغله الأول أن يذكر الحقيقة التاريخية ، ويسجل بأمانة للأجيال القائمة كلاما مزعجا يتعذر تفسيره . .
ولهذا فإن أغلب العلماء المحدثين يقرون تأويلًا مختلفا تماما ، يقوم على حقيقة أن هذه الكلمات ( اليائسة ) إنما هي اقتباس من ( المزمور 22 : 1 ) . وإذا أخذنا هذا المزمور ككل ، فإنه لا يمكن أن يكون صرخة يأس بأي حال من الأحوال ، إنما هو صلاة لعبد بار يعاني آلاما ، إلا أنه يثق تماما في حب الله وحفظه من الشر ، وهو مطمئن تماما إلى حمايته " (1) .
_________
(1) تفسير إنجيل مرقس : ص427 -428 .
ح - في أعقاب الصلب :
يقول مرقس : " انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، ولما رأى قائد المائة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح قال حقا كان هذا الإنسان ابن الله " ( 15 : 38 - 39 ) .
ويقول متى : " وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت ، والقبور تفتحت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين " ( 27 : 51 -53 ) .
ويقول لوقا : " أظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من وسطه . فلما رأى قائد المائة ما كان ، مجد الله قائلًا : بالحقيقة كان هذا الإنسان بارا " ( 22 : 45 - 47 ) .
أما يوحنا فإنه لا يعلم شيئا عن ذلك .
يقول جورج كيرد : " إن حدوث كسوف للشمس ( حسب رواية لوقا ) بينما يكون القمر بدرا ، كما كان وقت الصلب ، إنما هو ظاهرة فلكية مستحيلة الحدوث . . ولقد كان الشائع قديما أن الأحداث الكبيرة المفجعة يصحبها نذر سوء ، وكأن الطبيعة تواسي الإنسان (1) بسبب تعاسته " (2) .
ويقول نينهام : " لقد قيل إن مثل تلك النذر لوحظت عند موت بعض الأحبار الكبار وبعض الشخصيات العظيمة في العصور القدمية الوثنية وخاصة عند موت يوليوس قيصر " (3) .
ويقول جون فنتون : " لقد أضاف متى إلى ما ذكره مرقس حدوث الزلزلة وتفتح القبور وقيامة القديسين من الأموات وظهورهم لكثيرين في أورشليم بعد قيامة يسوع ، وكان قصده من إضافة هذه الأحداث أن يبين أن موت يسوع كان عملًا من صنع الله " (4) .
الحق الذي لا مرية فيه أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا يخسفان لموت صغير أو كبير .
تعليق الدكتور محمد جميل غازي :
_________
(1) يلاحظ أن هذا الكلام كلام « جورج » ، ولا يُقر عليه . الناشر .
(2) تفسير إنجيل لوقا : ص253 .
(3) تفسير إنجيل مرقس : ص427 .
(4) تفسير إنجيل متى : ص444 .
لقد رأينا أكثر من ثلاثين تناقضا في موضوع الصلب ، ومعي الآن كتاب " قاموس الكتاب المقدس " الصادر عن مجمع الكنائس في الشرق الأدنى . ومن العجيب أن هناك خلافا في شكل الصليب الذي استخدم ، فهذا القاموس يذكر أن هناك الصليب ( x ) والصليب ( T ) والصليب ( + ) ، والصليب المستخدم كرمز للمسيحية هو ( + ) لكن هذا القاموس يقول إن الصليب الذي استخدم كان على شكل ( T ) وهذا هو نص ما يقوله قاموس الكتاب المقدس .
" وللصلبان نماذج رئيسية ثلاثة ، أحدها المدعو صليب القديس أندراوس وهو على شكل ( X ) وثانيها بشكل ( + ) وثالثها بشكل السيف ( T ) وهو المعروف بالصليب اللاتيني .
ولعل صليب المسيح كان من الشكل الأخير ( T ) كما يعتقد الفنانون ، الأمر الذي كان يسهل وضع اسم الضحية وعنوان علتها على القسم الأعلى منه " .
فإذا كان شكل الصليب مختلفا فيه ، إذن قوله تعالى { وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ } يبين لنا بوضوح أن كل ما تعلق بالصلب اشتبه أمره عليهم وغابت عنهم الحقيقة ، فهم لا يزالون مختلفين في كل ما يتعلق بقضية الصلب مثل : حامل الصليب وعلة المصلوب ، واللصان والمصلوب ، ووقت الصلب ، وصلاة المصلوب ، وصرخة اليأس على الصليب ، وما حدث في أعقاب الصلب . .
وأما بخصوص الجملة التي ختم بها السيد اللواء حديثه فإنها تختص بإبراهيم ابن النبي والتي تعطي الدليل - لكل ذي عقل سليم - على صدق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم ، وأنه لا يجمع خرافات أو أوهاما ، إنما يريد أن يحق الحق .
فالذي حدث هو أنه لما مات ابنه إبراهيم حدثت ظاهرة فلكية وهي كسوف الشمس ، وهذا شيء طبيعي حدوثه . لكن بعض الناس قالوا : كسفت الشمس لموت إبراهيم .
لقد مات إبراهيم ، وكسفت الشمس في نفس اليوم ، وربط الناس بين الحدثين ، فلو كان الرسول يريد التأييد ولو عن طريق الأكاذيب ، لصمت عن ذلك . لكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم -برأه الله - يرفض كل أكذوبة من كل لون لتأييده ، ولهذا صعد المنبر غاضبا وقال : « أيها الناس ، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينكسفان لموت أحد أو لحياته . فإذا رأيتم شيئا من ذلك ، فادعوا الله وصلوا » .
ط - شهود الصلب :
لعل هذه واحدة من أهم عناصر قضية الصلب ، وإنها لترينا أن شهود الصلب كن نساء وقفن ينظرن من بعيد ذلك الذي علق على الصليب ، ولم تكن هناك فرصة للتحقق والمعاينة عن قرب .
يقول مرقس : " وكانت أيضا نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي وسالومة . اللواتي أيضا تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل . وأخر كثيرات صعدن معه إلى أورشليم " ( 15 : 40 -41 ) .
وكذلك يقول متى في ( 27 : 55 -56 ) .
ويقول لوقا : " وكان جميع معارفه ونساء كن تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظن ذلك " ( 23 : 49 ) .
ويقول يوحنا : " وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية " ( 19 : 25 ) .
ويقول جون فنتون : " لقد هرب التلاميذ عند القبض على يسوع ، ورغم أن بطرس قد تبعه من بعيد إلى فناء دار رئيس الكهنة ، فإننا لا نسمع عنه شيئا أكثر من هذا ، بعد إنكاره ليسوع .
إن مرقس ومتى ولوقا يخبروننا أن شهود الصلب كن نساء تبعن يسوع من الجليل إلى أورشليم ، وقد رأين دفنه ، واكتشفن القبر خاليا صباح الأحد ، وقابلن يسوع ( بعد قيامته ) (1) .
ويعلق العلماء على ما قاله يوحنا عن وجود مريم أم المسيح عند الصليب بقولهم : " إنه من غير المحتمل أساسا أن يكون قد سمح بوقوف أقارب يسوع وأصدقائه بالقرب من الصليب " (2) .
كذلك تقول دائرة المعارف البريطانية تعليقا على اختلاف الأناجيل في شهود الصلب : " نجد في الأناجيل ( الثلاثة ) المتشابهة أن النساء فقط تبعن يسوع ، وأن القائمة التي كتبت بعناية واستفاضة لا تضم والدته - وأنهن كن ينظرن من بعيد " ( مرقس 15 : 40 ) .
ولكن في يوحنا نجد أن والدته مريم تقف مع مريمين أخريين والتلميذ المحبوب تحت الصليب ، ومن تلك الساعة أخذها التلميذ المحبوب إلى خاصته .
_________
(1) تفسير إنجيل متى : ص455 .
(2) تفسير إنجيل مرقس : ص431 .
هذا بينما لا تظهر والدته في أورشليم - حسبما ذكرته المؤلفات القديمة - إلا قبيل عيد العنصرة وفي رفقة إخوته ( أعمال الرسل 1 : 14 ) (1) .
من ذلك نتبين أن شهود الأحداث الرئيسية التي قامت عليها العقائد المسيحية وهي الصلب ، والقيامة ، والظهور ، إنما كن - على أحسن الفروض - نساء شاهدن ما شاهدن من بعيد ، ثم قمن بعد ذلك بالرواية والتبليغ . . .
التعليق على أحداث الصلب :
والآن يحق لنا التعليق على أحداث الصلب فنقول : إن اعتماد كتاب أحد الأناجيل على ما رواه كاتب إنجيل آخر ، كان أولى به أن يوجد تآلفا بين الأناجيل ، ويمنع التناقض والاختلاف بينها . ولكن ما حدث كان على النقيض من ذلك .
وإذا أخذنا بما ترويه الأناجيل عن الصلب وأحداثه ، لوجدناها قد اختلفت فيه من الألف إلى الياء .
_________
(1) ج13 ، ص99 .
ويكفي أن يراجع القارئ ما ذكرته الأناجيل عن حادث القبض وملابساته - المحاكمات - توقيت الصلب ( اليوم والساعة ) - صرخة اليأس على الصليب - شهود الصلب ، كل ذلك وغيره كثير يكفي للقول بأن الأناجيل اختلفت فيما بينها اختلافا بعيدا . وهو اختلاف يكفي لرفضه ما يذكره أحد الأناجيل - على الأقل - إذا أخذنا برواية الإنجيل الآخر . فأيهما نأخذ به ، وأيهما نرفضه ؟
رب قارئ درج على الإيمان التقليدي بما ترويه الأناجيل ، لا يجد مفرا الآن من أن يقول : " إنما العلم عند الله " .
نهاية يهوذا الخائن
لقد انفرد إنجيل متى -دون بقية الأناجيل - بالحديث عن نهاية يهوذا ، كذلك تحدث سفر أعمال الرسل الذي سطره لوقا عن كيفية هلاكه . ولنرجع الآن إلى هذين المصدرين لنرى كيف هلك يهوذا ، وما إذا كانا قد اتفقا في الحديث عن هذا الجزء الخطير ، والذي له علاقة مؤكدة بقضية الصلب أم أنهما اختلفا كالعادة .
يقول متى : " حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دِينَ ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلًا : قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا فقالوا ماذا علينا ، أنت أبصر .
فطرح الفضة في الهيكل وانصرف . ثم مضى وخنق نفسه .
فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم . فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء . لهذا سمي هذا الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم .
حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل : وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب - 27 : 3 - 10 ) .
ويقول جون فنتون : " إن متى يستخدم الفترة ما بين قرار السهندرين والمحاكمة أمام بيلاطس ، في أخبار قرائه عن نهاية يهوذا . وعند هذه النقطة نجد أن متى لا يتبع مرقس الذي لم يورد أي ذكر ليهوذا بعد القبض على يسوع . ويذكر متى أن يهوذا غير رأيه بعد أن رأى يسوع قد دينَ ، فأرجع النقود إلى أعضاء السهندرين واعترف لهم بجرمه . . ثم هو يضع النقود في خزينة الهيكل ، ويمضي ليخنق نفسه .
ويقول رؤساء الكهنة إنه طالما كانت تلك النقود ثمنا لحياة ، فلا يحل وضعها في خزينة الهيكل ، ولهذا يشترون بها قطعة من الأرض مقبرة للغرباء . وهذا يحقق نبوءة يرجعها متى إلى أرميا ( خطأ ) ولكنها في الواقع من كتاب زكريا الذي لعب من قبل دورا هاما في رواية متى .
ولقد سجل لوقا موت يهوذا في ( أعمال الرسل 1 : 18 ) ، وتتفق روايته مع رواية متى في جزء منها ، بينما تختلف في جزء آخر " (1) .
إننا قبل أن نذهب لمعرفة ما سجله لوقا عن موت يهوذا في سفر أعمال الرسل يخبرنا جون فنتون : أنه اتفق مع متى في جزء من الرواية ، وخالفه في جزء آخر ، كما أن متى أرجع قصة حقل الدم إلى نبوءة ظنها - خطأ - من سفر أرميا بينما هي لها شبيه في سفر زكريا .
_________
(1) تفسير إنجيل متى : ص431 .
وتقول رواية لوقا المشار إليها - في سفر أعمال الرسل : " في تلك الأيام قام بطرس في وسط التلاميذ . وكان عدة أسماء نحو مائة وعشرين . فقال أيها الرجال الإخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقال بفم داود عن يهوذا . . فإن هذا اقتنى حقلًا من أجرة الظلم وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه ، وصار ذلك معلوما عند جميع سكان أورشليم حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما أي حقل دم ؛ لأنه مكتوب في سفر المزامير لتصر داره خرابا ولا يكن فيها ساكن وليأخذ وظيفته آخر " ( 1 : 15 - 20 ) .
فعلى حسب رواية لوقا تجد - كما يقول جون فنتون : " أن يهوذا نفسه الذي يشتري الحقل ثم هو يموت هناك ، ولهذا سمي ذلك الحقل حقل دم . إن هذا يعني : إما أن كلًا من متى ولوقا كان لديه مدخلًا مستقلًا لمثل تلك القصص عن يهوذا ، أو أن لوقا اختصر رواية متى وأدخل إليها بعض التغييرات " (1) .
وسواء أكان هذا أو ذاك ، فإن هذا واحد من بين مئات الأدلة على أننا نتعامل مع كتب مؤلفة بكل معنى الكلمة ، لا علاقة لها بوحي الله .
_________
(1) تفسير إنجيل متى : ص431 .
إن ما اتفق عليه متى ولوقا - وصمت عنه مرقس ويوحنا - هو أن يهوذا الخائن قد هلك في ظروف مريبة ، لكن روايتهما اختلفت في ثلاثة عناصر هي :
الأول - يتعلق بكيفية موته ، وفيها يروي متى أن يهوذا قد انتحر بخنق نفسه ، بينما يروي لوقا أنه مات ميتة دموية ، انشق فيها وسطه وانسكبت جميع أحشائه .
الثاني - ويتعلق بمشتري الحقل ، فيروي متى أن رؤساء الكهنة هم الذين اشتروه ، بينما يروي لوقا أن يهوذا كان هو الشاري .
الثالث - كذلك اختلفت روايتا متى ولوقا في سبب تسمية الحقل باسم : حقل دم ، فرواية متى ترجع ذلك لكونه اشتري بنقود كانت ثمنا لبيع دم بريء ، بينما يرد لوقا تلك التسمية إلى الميتة الدموية التي ماتها يهوذا .
إن ما يذكره متى ولوقا عن هلاك يهوذا لا يعني إلا شيئا واحدا هو : أن يهوذا قد اختفى في فترة الاضطراب التي غشيت أحداث الصلب وملابساته .
تنبؤات المسيح بآلامه
لقد تأثرت الأناجيل - التي كتُب أقدمها وهو إنجيل مرقس بعد أن بدأ بولس كتابة رسائله بأكثر من 15 سنة - بنظرية سفك دم المسيح فدية عن كثيرين ، تلك التي روج لها بولس وجعلها إنجيله الوحيد الذي يبشر به . فهو يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس : " إني لم أعزم أن أعرف شيئا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبا " ( 2 : 2 ) .
ولما كان من المتوقع أن يتحدث المسيح عن آلامه ورفضه باعتبارها ظواهر اقترنت دائما بحمل رسالات السماء ، فإنا نجد إنجيل مرقس يضع ما يمكن اعتباره أساسا لكل ما قيل عن التنبؤات بالآلام المرتقبة . فهو يروي حديث المسيح لتلاميذه : " كيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيرا ويرذل " ( 9 : 12 ) .
ولقد طور متى هذا القول فجعله تنبؤا بصلب المسيح إذ يقول على لسانه :
" ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت . ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه "20 : 18 -19 ) .
ومن المعلوم أن إنجيل مرقس كان مصدرا رئيسيا لمتى ، ومن المعلوم كذلك أن إنجيل متى هو الإنجيل الوحيد الذي نسب للمسيح تنبؤه بالقتل صلبا .
ولقد رأينا فيما سبق كيف طور متى ما قيل عن آية يونان ، فقد بدأها مرقس بقوله : " خرج الفريسيون وابتدأوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه ، فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية ؟ الحق أقول لكم لن يعطى هذا الجيل آية " ( 8 : 11 -12 ) .
ولقد طورها لوقا فقال :
" وفيما كان الجموع مزدحمين ابتدأ يقول هذا الجيل شرير ، يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبي ؛ لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضا لهذا الجيل " ( 11 : 29 - 30 ) .
أما متى - الذي اعتمد على مرقس وكتب إنجيله بعد لوقا أيضا - فإنه حول ذلك القول الذي ينسب للمسيح ، بما قدمه من إضافات وتعديلات ، إلى نبوءة خاطئة ، وذلك في قوله :
" حينئذ أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين يا معلم نريد أن نرى منك آية ، فأجاب وقال لهم : جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إِلا آية يونان النبي ؛ لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال ، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال " ( 12 : 38 - 40 ) .
ولقد بينا خطأ هذه النبوءة عند الحديث عن التنبؤات التي استحال تحقيقها .
يبقى بعد ذلك ما ينسب للمسيح من قوله إن ابن الإنسان سوف يتألم كثيرا ويرفض من جيله ، ماذا يعني قول كهذا ؟
يقول تشارلز دود : " لقد سجلت أقوال بأن يسوع تنبأ بأن الآلام تنتظره هو وتابعيه ، وغالبا ما استحسن ذلك الاعتقاد في أن الإنذار بموته - وهو القول الذي تكرر ذكره منسوبا ليسوع في الأناجيل - إِنما هو تنبؤ خرج من واقع الأحداث ، أي بعد وقوعها ( حيث عاصر جيل المسيح اختفاءه فجأة ، وقتل شخص على الصليب لم يسمح لتلاميذه بالاقتراب منه ) .
إن رجال الكنيسة لم يستطيعوا الاعتقاد بأن ربهم كان جاهلا بما كان ينتظره . ويمكن التسليم صراحة بأن دقة بعض هذه التنبؤات قد ترجع إلى ما عرفته الكنيسة من حقائق فيما بعد .
وفي الواقع إن الانطباع الذي نخرج به من الأناجيل ككل هو أن يسوع قاد أتباعه إلى المدينة بمفهوم واضح هو أن أزمة تنتظرهم هناك ، وقد يصيبه وأتباعه بسببها آلام مبرحة .
وإن الفقرة المتميزة في هذا المقام هو ما ذكره مرقس في ( 10 : 35 - 40 ) ( عندما تقدم أبناء زبدي إلى المسيح طالبين مشاركته المصير والملكوت فقال لهما : أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا ، وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا ؟ فقالا له : نستطيع . فقال لهما يسوع : أما الكأس التي أشربها أنا فتشربانها وبالصبغة التي أصطبغ أنا تصطبغان . . ) .
فنجد هنا أن ابني زبدي قد تأكدا أنهما سيشربان الكأس التي يشربها سيدهما ويصطبغان بصبغته . إن مفهوم الكلام هنا لا شك فيه .
وبالنسبة للتنبؤ بمشاركة الأخوين ( ابني زبدي ) لسيدهما مصيره فإنها تعتبر واحدة من التنبؤات التي لم تتحقق بمعناها الطبيعي .
وبما أن الصليب كان هو الوسيلة الوحيدة المألوفة للإعدام تحت حكم الرومان فإن ما توحي به تلك الفقرة هو أنه أراد تهيئتهم لا من أجل المعاناة فقط ، بل للموت . وما من شك في أنه يمكن قبول الرأي الذي يقول بأن التنبؤات التي نجدها في الأناجيل ليست أكثر من انعكاس لتجارب الكنيسة الأولى التي تكونت فيها التعاليم المسيحية . ومن المؤكد أن بعضا من هذه التنبؤات -على الأقل - قد كونتها تلك التجارب . . وفضلًا عن ذلك تظهر بعض الآثار لتنبؤات نسبت ليسوع ولم تتحقق " (1) .
_________
(1) من كتاب : « أمثال الملكوت » ، ص41 - 47 .
تنبؤات المسيح بنجَاته من القتل
المسيح يرفض كل محاولة لقتله:
منذ أن بدأ المسيح دعوته حتى آخر يوم فيها نجد الأناجيل تذكرنا بين الحين والحين برفضه فكرة قتله واستنكارها تماما ، ثم هو قد عمل كثيرا لإحباط جميع المحاولات التي رآها تبذل من اليهود لقتله .
يقول إنجيل يوحنا : " أجابهم يسوع وقال تعليمي ليس لي ، بل للذي أرسلني لماذا تطلبون أن تقتلوني . . ؟
لكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني ، وأنا إنسان قد حدثكم الحق الذي سمعه من الله . هذا لم يعمله إبراهيم " ( 7 : 16 - 19 ، 8 : 37 - 40 ) .
ولأن المسيح إنسان عادي ككل البشر فإنه يجهل ما يخبئه له القدر ، ولذلك اتخذ من الاحتياطات ما يجنبه الوقوع في براثن أعدائه من اليهود . ولو كان يعلم أنهم سيقبضون عليه في يوم معين ، فلم - إذن - تلك الاحتياطات ؟ يقول إنجيل يوحنا : " كان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل لأنه لم يرد أن يتردد في اليهود لأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه " ( 7 : 1 ) .
" فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه . فلم يكن يسوع أيضا يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية " ( 11 : 53 - 54 ) .
هذا - ونكتفي الآن بذكر عدد من التنبؤات الواضحة التي قالها المسيح بنجاته من القتل ، والتي تتفق وتلك الاحتياطات التي اتخذها للمحافظة على حياته .
1 - حدث ذات مرة في إحدى محاولات القبض عليه أن " أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خداما ليمسكوه .
فقال لهم يسوع : أنا معكم زمانا يسيرا بعد ، ثم أمضي للذي أرسلني .
ستطلوبني ولا تجدونني ، حيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا " ( يوحنا 7 : 32 - 34 ) .
لا نظن أحدا يشك في وضوح هذا القول الذي يعني أن اليهود حين يطلبون المسيح لقتله فلن يجدوه لأنه سيمضي للذي أرسله ، أي سيرفعه الله إِليه كما سبق أن رفع إيليا ( إلياس ) وشاهده تلميذه اليشع ( اليسع ) وهو يصعد إلى السماء .
2 - وفي موقف آخر من مواقف التحدي بين المسيح واليهود ، أكد لهم نبوءته السابقة وأن محاولاتهم ضده ستنتهي برفعه إلى السماء :
" قال لهم يسوع أيضا أنا أمضي وستطلوبنني وتموتون في خطيتكم ، حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا .
فقال اليهود ألعله يقتل نفسه حتى يقول حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ؟
فقال لهم يسوع : متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا ولست أفعل شيئا من نفسي ، بل أتكلم بهذا كما علمني . .
والذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " ( يوحنا 8 : 21 - 29 ) .
لكن ذلك المصلوب صرخ يائسا على الصليب قائلًا : إلهي إلهي لماذا تركتني ؟
3 - ولقد كانت آخر أقوال المسيح لتلاميذه في تلك اللحظات التي سبقت عملية القبض مباشرة ، وهو تأكيده لهم أن الله معه دائما ولن يتركه :
" هو ذا تأتي ساعة ، وقد أتت الآن ، تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي . وأنا لست وحدي لأن الآب معي . . لكن ثقوا أنا قد غلبت العالم " ( يوحنا 16 : 32 - 33 ) .
ومن المؤكد أن ذلك المصلوب قد تركه إلهه ، كما قال بلسانه في صرخته اليائسة ، ومن المؤكد كذلك أن ذلك المصلوب قد غلبه أعداؤه وقهره الموت وأخضعه لسلطانه .
4 - وفي آخر مواجهة عاصفة حدثت بين المسيح والكهنوت اليهودي كان قوله :
" إني أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب . ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل " ( متى 23 : 39 ، 24 : 1 ) .
إن التحدي في هذا القول واضح ، ذلك أن المسيح يؤكد لأعدائه أنهم لن يروه منذ تلك الساعة حتى يأتي في نهاية العالم " بقوة ومجد كثير " . لكن ذلك المصلوب رآه الكهنوت اليهودي أسيرا في قبضته أثناء المحاكمة ، ثم رأوه بعد ذلك معلقا على الخشبة قتيلا قد أسلم الروح والمشيئة ، ولم يبق منه إلا جسد خامد فقد نبض الحياة .
وأستعير لغة المسيح في الإنجيل ، اكتفاء بهذا القدر فأقول : " من له أذنان للسمع فليسمع ، ومن يسمع فعليه أن يعقل . . . "
وقبل أن نذهب لسماع ما تقوله المزامير ، أرجو أن يكون معلوما أن تراجم أسفار العهدين القديم والجديد تتغير من حين لآخر وفقا للدراسات التي يقوم بها علماء الكتاب المقدس ، إما لتدقيق الترجمة ، أو للتخلص من التناقضات والاختلافات .
وكمثال نجد أنه في واحدة من طبعات الكاثوليك للعهد الجديد أنها عندما تحدثت عن نهاية الخائن يهوذا ( في الإصحاح الأول من سفر أعمال الرسل ) فإنها جعلته يخنق نفسه ، ليتفق هذا مع ما يقوله إنجيل متى ، أما طبعة البروتستانت فلا تزال تروي نهاية يهوذا بأن نقمة حلت به " إذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها " وهذا شيء مختلف تماما عن عملية الانتحار خنقا .
كذلك ظهرت طبعات حديثة للمزامير تختلف كثيرا عما في الطبعات المتداولة لها . وإذا كان داود هو الاسم الذي يرتبط بأغلب المزامير ، فإن العلماء مختلفون فيما يتعلق بحقيقة قائل كل مزمور وتاريخه وظروفه ، كما أن هناك خلافا حول ترقيمها . ولقد بينا ذلك في مناسبة سابقة ، وكيف أن الترجمة المتداولة للمزمور 69 -كمثال - تقول في بعض فقراتها :
" حينئذ رددت الذي لم أخطفه " .
" ويجعلون في طعامي علقما " .
بينما تقول الترجمة الحديثة له في نظير ذلكما العددين :
" كيف أرد الذي لم أسرقه أبدا ؟ " .
" أعطوني لطعامي سما " .
فالاختلاف بينهما واضح ، سواء في المضمون أو في زمن الفعل .
الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب :
إن الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب وسفك الدم ، فتلك نظرية بولسية أقحمها بولس في مسيحية المسيح الحقة . وهذا شيء نستطيع تبيانه من الأناجيل :
1 - بينما كان المسيح يسير خارجا " إذا واحد تقدم وقال له أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية ؟
فقال له : لماذا تدعوني صالحا ؟ ليس أحد صالحا إلا واحد هو الله . ولكن إن أردت أن تدخل الحياة ، فاحفظ الوصايا . قال له : أية الوصايا ؟ فقال يسوع : لا تقتل . لا تزن . لا تسرق . لا تشهد بالزور . أكرم أباك وأمك وأحب قريبك كنفسك .
قال له الشاب : هذه كلها حفظتها منذ حداثتي ، فماذا يعوزني بعد ؟ قال له يسوع : إن أردت أن تكون كاملًا فاذهب وبع أملاك واعط الفقراء ، فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني " ( متى 19 : 16 - 21 ) .
ومن الملاحظ أن المسيح قبل أن يجيب السائل إلى سؤاله ، فقد صحح صيغة السؤال ، فنفى الصلاح عن نفسه ، ورده إلى الله الذي تفرد في ذاته وصفاته . وبذلك قرر المسيح على رؤوس الأشهاد أن " لله المثل الأعلى في السموات والأرض " ، وأن أي خلط بين الله - سبحانه - وبين المسيح ، إنما هو قول مردود وكفر مرفوض .
ومن ذلك يتبين أن الخلاص الحق يقوم على الإيمان بالله الواحد ، ثم العمل الصالح . ولا مجال للحديث هنا عن الصلب أو الصليب ، فتلك كلها مسميات قال بها بولس وتلاميذه ، ما أنزل الله بها من سلطان .
2 - في يوم الدينونة تكون النجاة بالعمل الصالح بعيدا عن الصلب وفلسفاته ، بل وحتى اسمه . فهناك " يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا . . رِثوُا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم . لأني جعت فأطعمتموني . عطشت فسقيتموني . كنت غريبا فآويتموني . عريانا فكسوتموني . مريضا فزرتموني . محبوسا فأتيتم إليَّ .
فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين : يا رب متى رأيناك جائعا فأطعمناك . أو عطشانا فسقيناك . ومتى رأيناك غريبا فآويناك أو عريانا فكسوناك ؟
فيجيب الملك ويقول لهم الحق أقول لكم بما أنكم فعلتم بأحد إخوتي الأصاغر ، فبي فعلتم . ثم يقول الملك للذين عن اليسار : اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته ؛ لأني جعت فلم تطعموني . .
حينئذ يجيبونه هم أيضا قائلين : يا رب متى رأيناك جائعا ؟
فيجيبهم قائلًا : الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر ، فبي لم تفعلوا .
فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي ، والأبرار إلى حياة أبدية " ( متى 25 : 34 - 46 ) .
هكذا يدان الناس : أهل البر والعمل الصالح إلى الحياة الأبدية السعيدة ، وأهل الشر والبخل إلى عذاب أبدي .
ومرة أخرى لا دخل لفلسفة الصلب والفداء في إنقاذ أهل الشر ، فلن تنفعهم في شيء .
3 - يقول يعقوب في رسالته : إن الدينونة التي تحدد المصير الأبدي للإنسان تقوم على ركيزتين هما : إيمان بالله الواحد يصحبه عمل صالح ، وبدونهما لا فائدة ترجى . وإن كلا منهما لا علاقة له بالصلب وسفك الدم ، من قريب أو بعيد : " أنت تؤمن بأن الله واحد . حسنا تفعل . والشياطين يؤمنون ويقشعرون . ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت ؟ بالأعمال يتبرر الإنسان ، لا بالإنسان وحده " ( 2 : 19 - 24 ) . إن " الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه : افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم " ( 1 : 27 ) .
من ذلك وغيره كثير وكثير جدا ، نتبين أن الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب على الإطلاق .
وبهذا نكون قد انتهينا من بحث قضية الصلب وما يتعلق بها ، ويبقى أمامنا بحث قضية القيامة والظهور ، وهو ما سوف نبحثه في الجلسة القادمة .
تعقيب الدكتور محمد جميل غازي :
وتد عقب الدكتور محمد جميل غازي على ما انتهى إليه الصلب بقوله :
نضع الآن مجموعة من الأسئلة حول الصلب والفداء ، موجهة إلى المسيحيين لعلنا نجد لها إجابة إن تيسر الوقت في جولة أخرى . وهذه الأسئلة هي :
1 - ادعى المسيحيون أن صلب المسيح كان لتحقيق العدل والرحمة ، فأي عدل وأي رحمة في تَعذيب غير مذنب وصلبه ؟
قد يقولون : إنه هو الذي قبل ذلك ، ونقول لهم إن من يقطع يده أو يعذب بدنه أو ينتحر ، فإنه مذنب ، ولو كان يريد ذلك .
2 - إذا كان المسيح ابن الله ، فأين كانت عاطفة الأبوة وأين كانت الرحمة حينما كان الابن الوحيد يلاقي دون ذنب ألوان التعذيب الصلب مع دق المسامير في يديه ؟
3 - ما هو تصور المسيحيين لله - جل في علاه - الذي لا يرضى إلا أن ينزل العذاب المهين بالناس ، والعهد في الله - الذي يسمونه الآب ويطلقون عليه : الله محبة ، الله رحمة - أن يكون واسع المغفرة ، كثير الرحمات ؟
4 - من هذا الذي قيد الله - سبحانه وتعالى - وألزمه وجعل عليه أن يلتزم العدل وأن يلتزم الرحمة ، وأن يبحث عن طريق للتوفيق بينهما ، بين العدل والرحمة ، بأن ينزل ابنه الوحيد ، في صورة ناسوت ، يصلب تكفيرا عن خطيئة آدم ؟
5 - يدعي المسيحيون أن ذرية آدم لزمهم العقاب بسبب خطيئة أبيهم ، وفي أي شرع يلتزم الأحفاد بأخطاء الأجداد - خاصة وأن الكتاب المقدس ينص على أنه " لا يقتل الأباء عن الأولاد ، ولا يقتل الأولاد عن الآباء . فكل إنسان بخطيئته يقتل " ( تثنية 16 : 24 ) ؟
6 - إذا كان صلب المسيح عملًا تمثيليا على هذا الوضع ، فلماذا يكره المسيحيون اليهود ويرونهم آثمين معتدين على السيد المسيح ؟
إن اليهود - وخاصة يهوذا الأسخريوطي - كانوا حسب الفهم المسيحي لموضوع الصلب أكثر الناس عبادة لله ، لأنهم بذلك نفذوا إرادة الله التي قضت بصلب ابنه فقاموا هم بتنفيذ ذلك العمل .
7 - هل كان نزول ابن الله وصلبه للتكفير عن خطيئة البشر ضروريا ، أم كانت هناك وسائل أخرى من الممكن أن يغفر الله بها خطيئة البشر ؟
ماذا يقول المسيحيون للإجابة عن مثل هذا السؤال ، كما يقدمه كاتب مسيحي هو القس بولس ساباط ، إذ يقول :
" لم يكن تجسد الكلمة ضروريا لإنقاذ البشر ، ولا يتصور ذلك مع القدرة الإلهية الفائقة الطبيعية " - ثم يسترسل هذا الكاتب ، فيذكر السبب في اختيار الكلمة لتكون فداء لخطيئة البشر ، فيقول :
" إن الله على وفرة ما له من الذرائع إلى فداء النوع البشري وإنقاذه من الهلاك الذي نتج من الخطيئة ومعصية أمره الإلهي ، قد شاء - سبحانه - أن يكون الفداء بأعز ما لديه ، لما فيه من القوة على تحقيق الغرض وبلوغه سريعا " . إن أبسط الذرائع لدى الله - سبحانه - إذا استخدمنا لغة ذلك القس ، هي أن يقول الله : عفوت عنك يا آدم . إن هذا ما يقوله القرآن الكريم { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } .
ونصرخ في وجه هذا الكاتب فنقول إنه ليس من الحكمة في شيء أن نفتدي بدينار ما نستطيع أن نفتديه بفلس .
ثم هناك إجابة أخرى عن هذا السؤال نقتبسها من كاتب مسيحي آخر هو الأب بولس اليافي الذي يقول :
" مما لا ريب فيه أن المسيح كان باستطاعته أن يفتدي البشر ويصالحهم مع أبيه بكلمة واحدة أو بفعل سجود بسيط يؤديه باسم البشرية لأبيه السماوي لكنه أبى إلا أن يتألم ، ليس لأنه مريض بتعشق الألم أو لأن أباه ظالم يطرب لمرأى الدماء ، وبخاصة دم ابنه الوحيد ، وما كان الله بسفاح ظلوم ، لكن الإله الابن شاء مع الله الآب أن يعطي الناس أمثولة خالدة من المحبة تبقى على الدهر وتحركهم على الندامة لما اقترفوه من آثام وتحملهم على مبادلة الله المحبة " .
ومرة أخرى نصرخ في وجه هذا المؤلف مؤكدين أنه صور الداء أدق تصوير عندما تكلم عن الدماء والقسوة ، لكنه عندما بدأ يجيب ويصف الدواء تعثر وكبا ولم يقل إلا عبارات جوفاء لا تحمل أي معنى .
8 - ونعود إلى القس بولس ساباط ، ونسأله كما سأل : إذا كان الكلمة قد تجسد لمحو الخطيئة الأصلية ، فما العمل في الخطايا التي تحدث بعد ذلك ؟ يجيب هذا الكاتب بما يلي :
" إذا عاد الناس إلى اجتراح الخطايا ، فالذنب ذنبهم لأنهم نسوا النور وعشوا عنه مؤثرين الظلمة بإرادتهم " .
ومعنى هذا أن خطيئة واحدة محيت ، وأن ملايين الخطايا سواها بقيت وجدت بعد ذلك . وسيحاسب الناس على ما اقترفوه ، وبعض ما اقترفوه أقسى من عصيان آدم . فلقد أنكر بعض الناس وجود الله ، وهاجمه آخرون وسخروا من جنته وناره . فلماذا كانت ظاهرة التجسد لخطيئة واحدة ، وتركت خطايا أكبر ، لا تعد ولا تحصى ؟
9 - أين كان عدل الله ورحمته منذ حادثة آدم حتى صلب المسيح ؟ ومعنى هذا أن الله - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - ظل حائرا بين العدل والرحمة ألوف السنين ، حتى قبل المسيح منذ ألفي عام فقط أن يصلب تكفيرا عن خطيئة آدم .
10 - يلزم - كما في جميع الشرائع - أن تتناسب العقوبة مع الذنب ، فهل يتم التوازن بين صلب المسيح على هذا النحو وبين الخطيئة التي ارتكبها آدم ؟
11 - هذا - إلى أن خطيئة آدم التي لم تزد عن أن تكون أكلا من شجرة نهي عنها قد عاقبه الله عليها - باتفاق المسيحين والمسلمين - بإخراجه من الجنة ، ولا شك أنه عقاب كاف ، فالحرمان من الجنة الفينانة والخروج إلى الكدح والنصب عقاب ليس بالهين . وهذا العقاب قد اختاره الله بنفسه ، وكان يستطيع أن يفعل بآدم أكثر من ذلك ، ولكنه اكتفى بذلك . فكيف يستساغ أن يظل مضمرا السوء غاضبا ألوف السنين حتى وقت صلب المسيح ؟
12 - وقد مرت بالبشر منذ عهد آدم إلى عهد عيسى أحداث وأحداث وهلك كثيرون من الطغاة وبخاصة في عهد نوح حيث لم ينج إلا من آمن بنوح واتبعه وركب معه السفينة . . فهؤلاء هم الذين رضي الله عنهم ، فكيف تبقى بعد ذلك ضغينة أو كراهية تحتاج لأن يضحي عيسى بنفسه فداء للبشرية .
13 - والكاتب المسيحي الذي أسلم - عبد الأحد داود وكان مطرانا للموصل - ينتقد قصة التكفير عن الخطيئة هذه انتقادا سليما فيقول : " إن من العجيب أن يعتقد المسيحيون أن هذا السر اللاهوتي ، وهو خطيئة آدم وغضب الله على الجنس البشري بسببها ظل مكتوما عن كل الأنبياء السابقين ولم تكتشفه إلا الكنيسة بعد حادثة الصلب " .
14 - ويقول هذا الكاتب - عبد الأحد داود - : " إن ما حمله على ترك المسيحية هو هذه المسألة وظهور بطلانها ، إذ أمرته الكنيسة بأوامر لم يستسغها عقله وهي :
أ - نوع البشر مذنب بصورة قطعية ويستحق الهلاك الأبدي .
ب - الله لا يخلص أحدا من هؤلاء المذنبين من النار الأبدية المستحقة عليهم بدون شفيع .
جـ - الشفيع لا بد أن يكون إلها تاما وبشرا تاما " .
ويدخل هذا الكاتب في نقاش طويل مع المسيحيين بسبب هذه الأوامر ، فهم يرون أن الشفيع لا بد أن يكون مطهرا من خطيئة آدم ، ويرون أنه لذلك ولد عيسى من غير أب لينجو من انحدار الخطيئة إليه من أبيه .
ويسألهم الكاتب : ألم يأخذ عيسى نصيباً من الخطيئة عن طريق أمه ؟
ويجيب هؤلاء : بأن الله طهر مريم من الخطيئة قبل أن يدخل الابن رحمها .
ويعود الكاتب يسأل : إذا كان الله يستطيع - التطهير - هكذا في سهولة ويسر إذ يطهر بعض خلقه ، فلماذا لم يطهر خلقه من الخطيئة كذلك بمثل هذه السهولة وذلك اليسر ، بدون إنزال ابنه وبدون تمثيلية الولادة والصلب ؟ ونضيف إلى نقاش عبد الأحد داود ، أن قولهم بضرورة أن يكون الشفيع مطهراً من خطيئة آدم ، مما استلزم أن يولد عيسى من غير أب أو أن يطهر الله مريم قبل دخول عيسى رحمها ، يحتاج إلى طريق طويل معقد ، وكان أيسر منه أن ينزل ابن الله مباشرة في مظهر الإنسان دون أن يمر بدخول الرحم والولادة . ونضيف كذلك أن اتجاه المسيحيين هذا يتعارض مع اتجاه مسيحي آخر ، هو أن ابن الله دخل رحم مريم ليأخذ مظهر الإنسان وليتحمل في الظاهر بعض خطيئة آدم الذي يبدو ابن الله كأنه ولد من أولاده ، ثم يصلب ابن الله تكفيراً عن خطيئة البشر الذين أصبح كواحد منهم .
ويبقى أن نسأل أسئلة أخيرة في هذا الموضوع هي :
هل كان الأنبياء جميعاً ، نوح - إبراهيم - موسى . . ، مدنسين بسبب خطيئة أبيهم ؟
وهل كان الله غاضباً عليهم كذلك ، وكيف اختارهم مع ذلك لهداية البشر ؟
هذه الأسئلة نضعها بين يدي النصارى لعلهم يحاولون الإجابة عنها .


تعليق