خلال تجوالي بين النصوص القديمة والنبوءات المتوارثة لأتتبع واحدة من أكثر القضايا إثارة وغموضا في الفكر الديني وهي نبوءة المخاض الأليم عند اليهود تلك المرحلة التي تصفها مصادرهم بأنها زمن الحروب العظمى والاضطرابات العالمية والانهيارات الكبرى التي تسبق ظهور مشيحهم الموعود ، سعيت إلى استقراء هذه النبوءة من مصادرها المختلفة ومقارنتها بما ورد في النصوص الإسلامية المتعلقة بأحداث آخر الزمان .
وفي هذا البحث أكشف أوجه التشابه والاختلاف بين الرؤيتين وأناقش كيف ترى المصادر اليهودية هذه المحن طريقا إلى الخلاص بينما تقدمها النصوص الإسلامية باعتبارها تمهيدا لأعظم فتنة في التاريخ الإنساني وهي فتنة الدجال كما تتبعت الروابط الزمنية والعقدية بين الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام مبينا ما تحمله هذه الأحداث من دلالات عقدية وسياسية عميقة .
ولا يقف البحث عند حدود السرد التاريخي أو النقل النصي بل يتجاوز ذلك إلى قراءة فكرية واستراتيجية تربط بين العقيدة والسياسة وتوضح كيف يمكن للنبوءات أن تتحول إلى عوامل مؤثرة في تشكيل الرؤى والمشاريع والصراعات الدولية ومن هنا تنبع أهمية هذا الموضوع وخطورته إذ يسلط الضوء على تصورات ما زالت حاضرة في الوعي الديني والسياسي المعاصر وتلقي بظلالها على فهم كثير من التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم .
إنه بحث لا يكتفي بعرض النبوءات بل يحاول فهمها وتحليلها وربطها بسياقها العقدي والتاريخي ليمنح القارئ رؤية أشمل وأكثر عمقا لما قد يكون من أكثر ملفات آخر الزمان إثارة للجدل والتساؤل
وفي هذا البحث أكشف أوجه التشابه والاختلاف بين الرؤيتين وأناقش كيف ترى المصادر اليهودية هذه المحن طريقا إلى الخلاص بينما تقدمها النصوص الإسلامية باعتبارها تمهيدا لأعظم فتنة في التاريخ الإنساني وهي فتنة الدجال كما تتبعت الروابط الزمنية والعقدية بين الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام مبينا ما تحمله هذه الأحداث من دلالات عقدية وسياسية عميقة .
ولا يقف البحث عند حدود السرد التاريخي أو النقل النصي بل يتجاوز ذلك إلى قراءة فكرية واستراتيجية تربط بين العقيدة والسياسة وتوضح كيف يمكن للنبوءات أن تتحول إلى عوامل مؤثرة في تشكيل الرؤى والمشاريع والصراعات الدولية ومن هنا تنبع أهمية هذا الموضوع وخطورته إذ يسلط الضوء على تصورات ما زالت حاضرة في الوعي الديني والسياسي المعاصر وتلقي بظلالها على فهم كثير من التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم .
إنه بحث لا يكتفي بعرض النبوءات بل يحاول فهمها وتحليلها وربطها بسياقها العقدي والتاريخي ليمنح القارئ رؤية أشمل وأكثر عمقا لما قد يكون من أكثر ملفات آخر الزمان إثارة للجدل والتساؤل

























نبوءة المحنة العظيمة عند اليهود
المخاض الأليم
قبل مجيء المشيح
مقدمة ...
الحمدُ للهِ الذي كتبَ الأقدارَ بحكمتِه ، وأجرى سُنونَ الكونِ بقدرتِه ، لا رادَّ لما قضى ، ولا معقِّبَ لما حكم ، ﴿... إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... يونس 55﴾. والصلاةُ والسلامُ على من بُشِّرَت به الكتبُ ، ونادت به الرُّسلُ ، وختم اللهُ به النبوّةَ ، محمّدٍ المصطفى صلى الله عليه وسلم .
في زمنٍ تتكاثرُ فيه الرؤى ، وتتشابكُ فيه النبوءاتُ مع الواقع ، يلوحُ في الأفقِ نُذُرٌ قديمة وأصداءُ ووعدُ الآخرة نُسِجت خيوطها من صحائف الأنبياء ، وتناقلتها الألسن عبر العصور والأجيال تقرر مصير اليهود والأميين آخر الزمان ، وقد سُطِّرت في صفحاتِ الكتبِ المنزَّلة قبل أن يتنزل بهما الوحي في القرآن الكريم. هي نبوءاتٌ ليست كغيرِها، إذ تمسُّ مركزَ الصراعِ على الأرضِ والهويةِ والإرثِ المقدّس. بين مشيحٍ ملك ينتظرهُ اليهود ، ودجالٍ يحذِّرُ منهُ الأميون المسلمون الموحدون ، تتقاطعُ الروايات والنبوءات في إحداثيات لتصنعَ مشهدًا واحدًا مهيبًا.
... هذا البحثُ رحلةٌ في بعض النصوصِ والروايات ، واستقراءٌ لأحداثٍ بدأت بوادرها تلوح في الأفق . فهناك مفاتيح و إشارات تتحدث عن المستقبل ، من جمعَ بينهما أبصرَ ما غفلَ عنه كثيرون.
• وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿الإسراء: ٤﴾
• وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ﴿الإسراء: ١٠٤﴾
• قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿الأعراف: ١٢٨﴾
• وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴿الأنبياء: ١٠٥﴾
وفي كتب أهل الكتاب
• مدراش تهليم (على المزامير 21) : "المسيح ابن داود سوف يرفع راية للأمم، ويجمع المنفيين من إسرائيل."
• التلمود البابلي، رسالة بَراخُوت 34 : "كل الأنبياء لم يتنبأوا إلا عن أيام المشيح."
• "لأن عاملي الشر يقطعون والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض " المزامير (37: 9 )
• "أمَّا الوُدَعاءُ فيَرِثُون الأرض" المزامير (37: 11)
• "لِأَنَّ الْمُبَارَكِينَ مِنْهُ يَرِثُون الأرض" المزامير (37: 22)
• "الصِدِّيقُونَ يرثُونَ الأَرضَ وَيَسكنُونهَا إِلَى الأَبَدِ" المزامير (37: 29)
• "طوبى للودعاء لانهم يرثون الأرض" متى (5: 5 )
• انجيل برنابا - الفصل الثاني والخمسون : " ولكني سأعود قبيل النهاية ، وسيأتي معي أخنوخ وايليا، ونشهد على الأشرار الذين ستكون آخرتهم ملعونة"
• انجيل برنابا - الفصل الثالث والخمسون : قال يسوع : قبل أن يأتي ذلك اليوم سيحل بالعالم خراب عظيم، وستنشب حرب فتاكة طاحنة، فيقتل الأب ابنه، ويقتل الابن أباه بسبب أحزاب الشعوب، ولذلك تنقرض المدن وتصير البلاد قفرا، وتقع أوبئة فتاكة حتى لا يعود يوجد من يحمل الموتى للمقابر بل تترك طعاما للحيوانات، وسيرسل الله مجاعة على الذين يبقون على الأرض فيصير الخبز أعظم قيمة من الذهب، فيأكلون كل أنواع الأشياء النجسة، يالشقاء ((ذلك)) الجيل الذي لا يكاد يسمع فيه أحد يقول: (( أخطأت فارحمني يا الله)) يجدفون بأصوات مخوفة على المجيد المبارك إلى الأبد .
... عبر مراحل الزمن المختلفة ، وفي أعماق النصوص والكتب الدينية والتلمودية تتردد نبوءة المحنة العظيمة عند بني إسرائيل تلك التي عرفت في تراثهم باسم المخاض الأليم قبل بزوغ فجر المشيح وهي صورة رمزية تستحضر آلام الولادة وما يسبق الميلاد من وجع وشدة واضطراب إذ لا يأتي الخلاص في تصورهم إلا بعد اجتياز مرحلة قاسية من الحروب والمحن والشدائد التي تضرب العالم عامة وبني إسرائيل خاصة
وقد صورت النصوص التوراتية والتلمودية هذه المرحلة بوصفها زمنا استثنائيا من الضيق والخوف حتى يصبح الناس في حال من الهلع والعجز تشبه حال المرأة في أشد ساعات المخاض ثم يعقب ذلك بحسب معتقدهم ظهور المشيح الذي يجمع الشتات ويعيد المُلكْ ويؤسس العصر الماسياني المنتظر ، فنهاية المخاض عندهم يبدأ بخلاص بني إسرائيل الأخير وقد ربطت مروياتهم فترة المخاض بمدة رمزية تمتد تسعة أشهر على مثال مدة الحمل التي تسبق الولادة.
و في الحقيقة نهاية مخاضهم هي ذاتها بداية علوهم وفسادهم الأخير عندنا وفي عقيدتنا نحن المسلمين .
ففي المقابل تكشف النصوص الإسلامية عن صورة مختلفة لهذه الأحداث إذ تضع هذه الفتن في سياق أشراط الساعة الكبرى وتربطها بأحداث متلاحقة تقع في آخر الزمان كالملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال فتأتي الوقائع متتابعة متسارعة كحبات العقد إذا انقطع نظامها تتبع بعضها بعضا دون فواصل طويلة
ومن هنا تبرز أهمية دراسة نبوءة المخاض الأليم وتحديد نقاط الإلتقاء بين الرؤيتين اليهودية والإسلامية مع ما بينهما من اختلاف جذري في تفسير الشخصيات والأحداث والنتائج النهائية فبينما تنظر إليها المصادر اليهودية بوصفها الطريق إلى الخلاص بمجيء المشيح المنتظر ، يبين الإسلام أن هذه المرحلة ليست إلا تمهيدا لخروج الدجال أكبر فتن التاريخ الإنساني وأن النهاية الحقيقية لهذه الفتنة لا تكون إلا بنزول المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام ليقضي على الدجال ويظهر الحق ويضع حدا لعصر الفتن والاضطرابات .
وهكذا فإن المخاض الأليم لا يمثل مجرد استعارة دينية أو رمزا أدبيا في الموروث اليهودي بل يشكل تصورا متكاملا لمرحلة فاصلة من مراحل آخر الزمان تتشابك فيها الحروب والصراعات والانهيارات الكبرى وتتشكل خلالها ملامح عالم جديد كما تتصوره العقيدة اليهودية بينما تكشف الرؤية الإسلامية حقيقة هذه المرحلة وموقعها ضمن السنن الإلهية وأحداث النهاية الكبرى بين وعد الله الحق وأوهام الخلاص التي يصنعها البشر لأنفسهم والله أعلم .
• معنى المخاض الأليم: يشير هذا التعبير إلى المحن والحروب والشدائد، والمصائب ، والاضطرابات ، والآلام التي من المتوقع أن تصيب العالم عامة و شعب بني إسرائيل خاصة في الفترة التي تسبق مباشرة مجيء (المشيح - بداية العصر الماسياني - عصر الخلاص).
• الرمزية : شُبّهت هذه الفترة بآلام ولادة الطفل (المخاض) ، فكما أن ألم المخاض الشديد ضرورة تسبق خروج حياة جديدة إلى العالم ، فإن هذه المحن الشديدة تُعد المعاناة الضرورية التي تسبق "ولادة" الخلاص النهائي والعصر المسياني
• طول الفترة الزمنية للمخاض الأليم : طول فترة المعاناة التي تسبق خروج الملك المشيح والذي سيستمر ملكه لنهاية العالم هو نفسه فترة حمل المرأة الطبيعي ( 9 أشهر ).
• فترة المخاض الأليم :
ففترة المخاض الأليم
هي الفترة التي تجيء بعد
- ( إسلاميا : الحربين العالميتين 1حرب الصلح الآمن التي تكون ضد عدو لنا وللروم ( معا ) وهذا العدو هو ( التيس وقرنه المذكورين في نبوءة دانيال 8 ) تحديدا وبعد 2الملحمة الكبرى ضد الروم )
- و ( توراتيا : بعد حرب جوج وماجوج )
وتستمر هذه الفترة إلى حين خروج المشيح ( الدجال ) وخلال هذه الفترة تفتح فارس وفلسطين من اليهود في الصلح الآمن تحقيقا لوعد الأولى في سورة الإسراء وتفتح كذلك القسطنطينية ( في الملحمة الكبرى ) مرة ثانية من الروم .
• تعقيب : المراجع اليهودية تنتهي بالمشيح ( المسيا ) ( الدجال ) كتأريخ ممتد لنهاية الزمان ولا يتطرقون إلى نزول المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام الذي يقتل ملكهم الدجال بل يجعلونهم كشخصية واحدة متصلة في نبوآتهم وهذا اللغط واللبس الشيطاني أزاله فكرنا وشرعنا .
فأيام الدنيا حسب رؤيتهم تنتهي بالملك الدجال الذي سيمتد حكمه لألف سنة بعد خروجه وديننا ينبئنا بأن الدنيا لا يبقى لنهايتها إلا قليل حتى قيام الساعة بنزول المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام.
الرؤية التوراتية ...
إرميا 30-6 اسالوا وانظروا ان كان ذكر يضع .لماذا ارى كل رجل ويداه على حقويه كماخض وتحول كل وجه الى صفرة. 7 اه لان ذلك اليوم عظيم وليس مثله . وهو وقت ضيق على يعقوب ولكنه سيخلص منه.
o التفسير : تصف شدة الضيق والخوف حتى يبدو الأقوياء كمن يتلوّون من آلام المخاض ، لكن الله يعد بأن هذا الضيق ، رغم عظمته ، لن يدوم بل يعقبه خلاص وإنقاذ لشعبه .
تلمود بابلي – سنهدرين 98ب "قال ربي يوحنان : لِيَأتِ المشيح ولا أرَه. فسأله تلاميذه: ولماذا؟ قال: لأنني أخشى مخاضات المشيح" .
o التفسير : قال ربي ( الحاخام ، الأستاذ ، المعلم ) يوحنان )أحد أبرز علماء التلمود في القرن الثالث الميلادي( يتمنى أن يأتي (المشيح)، لكنه لا يريد أن يعيش ليرى الفترة التي تسبق ظهور المخلص بسبب الشدائد والأهوال التي ستسبقه (مخاضات/آلام المسيح) فهو خائف من صعوبة وشدة واضطرابات هذا المخاض العظيمة.
التلمود البابلي – سِنهِدْرِين 97أ "قال راب : لن يأتي المشيح بن داود حتى تسود مملكة (أجنبية) على إسرائيل تسعة أشهر، كما قيل (سفر ميخا 5: 2): لذلك يُسْلِمُهُمْ إلى حينما تلد التي تلد، والباقون من إخوته يرجعون إلى بني إسرائيل "
o التفسير : يقول الحاخام راب إن المشيح لن يأتي إلا بعد أن يمرّ إسرائيل بفترة تسلّط ومعاناة من مملكة أجنبية عليهم تستمر تسعة أشهر ، مستندًا إلى تشبيه من سفر ميخا يشبّه تلك الفترة بآلام الحمل التي تسبق الولادة. والباقون : أي الذين نجوا من بني إسرائيل ومن بقي ونجى منهم في فترة المخاض الأليم سيأتي الخلاص فتجتمع بقية إسرائيل المفرقة على يد الملك المشيح و يحدث جمع شمل للشعب بعد المعاناة مرة أخيرة .
مدراش رباه (التكوين) 42:4 "كما أن المرأة تجلس في آلامها تسعة أشهر، هكذا إسرائيل تسعة أشهر حتى يأتي ملك المشيح" .
o التفسير : "شبه إسرائيل أنها ستعيش في محن وآلام تسعة أشهر حتى يأتي ملك المشيح": يُشير إلى أن الخلاص سيأتي حتماً بعد انقضاء هذه الفترة المحددة من الانتظار في المحن والألم " ... الملاحظ أن ما قبل ( 9 شهور ) لا يكونون في ضيق وضنك وشدة وألم وعذاب ومحن ( لأنهم يكونون في ذروة علوهم الأول وهذه الفترة قبل ( حرب الصلح الآمن – وتحقق وعد الأولى )
وهناك إشارات في تحديد طول الفترة الزمنية ( للمخاض الأليم لليهود ) وهي تقع بين فتح القسطنطينية وخروج الدجال عندنا في الآثار المروية ... وإن كان في بعضها ضعف إلا أن الصحيح منها يقوي ضعف الأخرى كما سيتضح لاحقا ...
- «صحيح مسلم» (8/ 176): «فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ، إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاؤُوا الشَّأْمَ خَرَجَ» لاحظ التعاقب والتتابع الزمني القريب بين الأحداث
- «مسند أحمد» «عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ»
- ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه واحمد
« عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمَلْحَمَةُ الْكُبْرَى وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ ، ( وما ذاك إلا كهيئة العقد ينقطع فيتبع بعضه بعضًا ) .
- «الفتن لنعيم بن حماد» : "عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، قَالَ: «الْمَلْحَمَةُ الْعُظْمَى، وَخَرَابُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ، حَمْلُ امْرَأَةٍ "
- «السنن الواردة في الفتن للداني» : عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ الْكُبْرَى وَخَرَابِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ» أَوْ «سَبْعَةٌ» ، الشَّكُّ مِنْ أَبِي طَالِبٍ
خلاصة القول : تشير هذه الأحاديث بمجموعها إلى أن الفترة بين هذه الفتن العظام (الملحمة وفتح القسطنطينية) وخروج الدجال هي فترة زمنية متقاربة وصغيرة جدا ومحدودة تقع في آخر الزمان وتتفق كثيرا مع الرؤية اليهودية لهذه الفترة
تعقيب ...
... مما قرأنا في سلسلة 1رجسة الخراب و2نبوءة دانيال 8 و3نبوءة هلاك عيلام وبابل
أن منظومة المشيح المكونة من التيس (أمريكا) وقرنه الطفيلي (بني إسرائيل) تظن أنها أتمت سيطرتها العالمية المطلقة واستقر لها "السلام والأمان" عبر هندستهم المشيحية ، حيث بدأت تُسخّر هذه المنظومة كل إمكانياتها المادية وغير المادية لخوض حرب كونية ليجلس هذا النظام على عرش العالم ، ولكن الله عز وجل يقضي بما يشاء فهو الذي بيده مقاليد كل شيء فيجعل الدائرة تدور على النظام المشيحي فينزل الله عز وجل بهم عذابا شديدا ويذلهم ويقطع عنهم حبال الأرض وحبال السماء في حرب الصلح الآمن الحرب الكونية الشاملة .
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿آل عمران: ١١٢﴾
فيجعل الله عز وجل الذين تصالحوا صلحا آمنا ( المسلمين والروم ) أداة عذابه وعقابه ضد هذه المنظومة السامة الخبيثة المشيحية نكالا بهم وعقابا لهم يعذبهم ويمحقهم ويزيل بأسهم من الوجود ويقطع دابرهم فينتهي بهم المطاف إما قتلى ، أو سبايا لمن قُدر عليه قبل قتله وفي هذه الفترة يقتل مسيحهم ( الأول بن إفرايم بن يوسف ) .
فــ... "المخاض الأليم" هي فترة العقاب والعذاب والذل المهين الذي سيقع على بني إسرائيل بعد حرب الصلح الآمن والملحمة الكبرى إلى حين خروج الدجال ملكهم ومخلصهم .
ولو رأينا خلف الصورة السوداوية التي ستحل ب(بالتيس والقرن – أمريكا وإسرائيل) في حرب الصلح الآمن وبعده فإنه في فترة "المخاض " ستكون مرحلة قدرها الله عز وجل لصعود الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة لتطهير الأرض من فساد بني إسرائيل وتحطيم علوهم الأول على يد الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بقيادة المهدي رضي الله عنه فالمسلمين أصبحوا أحد الأطراف الرئيسة اللاعبة في أحداث السياسة العالمية وأحد قطبي القوى العالمية مع الروم .
ففي فترة مخاض بني إسرائيل ( القرن ) يكون هناك صعود للخلافة الإسلامية على منهاج النبوة وستكون تلك الفترة من سعد المؤمنين الموحدين أهل الإيمان والتوحيد الأميين .
ففي ذروة علو المسلمين ينتكس مشروع بني إسرائيل ( القرن ) وينهار أمام ناظريهم مرة واحدة في وعد الأولى ويسبى بني إسرائيل وتمرغ جباههم بالأرض . وسيلاقوا الهلاك والإنهيار وسقوط كل مشاريعهم مرة واحدة فيظنوا أن دولتهم قد انهارت وأن مصيرهم إلى الفناء .
وفي وسط عواصف المآسي والأحزان التي تحل ببني إسرائيل تبدأ تلوح في الأفق أحداث فصل جديد ترسم ملامح الأمل لهم بعلو وفساد جديد (أخير) لبني إسرائيل حيث يبدأ عصر ملكهم المشيح الذي سيكون لبني إسرائيل فجر الخلاص والمنقذ لهم من المآسي والعذاب الذي هم فيه والذي سيقيم لهم مملكتهم الأخيرة الألفية (حسب معتقدهم ) في القدس بعد هذا المخاض الأليم ويرد سبي بني إسرائيل ويخرج بالسبايا الذين حررهم من أيدي المسلمين من أصفهان كما وضحنا في نبوءة هلاك عيلام وبابل ونبوءة دانيال 8 ورجسة الخراب .
فالحقيقة التي عندنا وعندهم أن مشيحهم الدجال لا يظهر إلا بعد دمار العالم الغارق في الحروب والدم فنحن وهم نعتقد أن ( الولادة الجديدة لمملكة المشيح ) لا يمكن أن تتم بسلاسة ، بل يجب أن يسبقها دمار هائل شامل للأرض وفوضى عارمة تنهار فيها المنظومات الدولية القائمة وتدمر الدول وتهلك البشرية إلى حد قريب من الفناء .
فلم يتبق لبني إسرائيل في تقاويمهم وحسب معتقدهم قبل خروج ملكهم المشيح إلا الخراب و الإضطرابات والحروب ودمار العالم ( فهذه المرحلة مرحلة التحضير للخلاص ) لمجيء ملكهم المشيح لتحل الراحة الأبدية و السلام والسمو الروحي عليهم ويكتمل التاريخ البشري ( يوم السبت العظيم ) وتخضع البشرية وتستعبد لنظام الملك الذي يقوده "المشيح اليهودي"
التلمود البابلي ، رسالة سَنْهِدْرِين (Sanhedrin) 97أ_ب (97a-97b)
"ليس للعالم سوى ستة آلاف سنة... ففي الألف السابع يكون خراب ، ثم يأتي المشيح."
قراءة سياسية وعقدية معاصرة لنبوءة المخاض الأليم
يمثل المخاض الأليم في التصور اليهودي المرحلة الأخيرة من الاضطرابات والحروب قبل ظهور المشيح وبداية العصر الماسياني ومن منظور استراتيجي يمكن فهمه كمرحلة انتقالية عنيفة يعاد فيها تشكيل النظام الدولي عبر صراعات وأزمات كبرى القدس وفلسطين تظل في قلب هذه النبوءة مما يمنحها بعدا يتجاوز السياسة التقليدية إلى العقيدة والتاريخ أما في الرؤية الإسلامية فإن هذه المرحلة تدخل ضمن الفتن الكبرى وأشراط الساعة التي تسبق خروج الدجال ثم نزول المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام وعليه فإن المخاض الأليم ليس مجرد نبوءة دينية بل إطار لفهم التحولات الكبرى في التاريخ وعلاقة العقيدة بالمشهد السياسي العالمي .
التحليل السياسي
• اضطراب النظام الدولي النبوءة اليهودية تقوم على أن الخلاص لا يسبق استقرار عالمي بل يسبقه انهيار واضطراب شامل يزعزع أنظمة جميع الدول وهذا يتقاطع مع الواقع الحالي حيث يتراجع النظام الأحادي وتتصاعد المواجهات بين القوى الكبرى.
• الشرق الأوسط كمسرح المنطقة تشهد تراكم أزمات وحروب وصراعات دينية وقومية مما يجعلها بيئة خصبة لتأويل النبوءات وتوظيفها في الخطاب السياسي والديني.
• القدس وفلسطين تمثل نقطة التقاء بين العقيدة والسياسة حيث تُستدعى المعتقدات الدينية في الصراع السياسي مما يمنحه بعدا يتجاوز المصالح التقليدية إلى اعتبارات عقدية وتاريخية .
• تأثير النبوءة على القرار السياسي : أخطر ما في هذه النبوءات ليس صحتها بل تحولها إلى عامل مؤثر في صناعة القرار إذ قد يتصرف بعض الفاعلين وفق تصورات دينية عن المستقبل لا وفق قراءة مادية وحضارية للواقع.
• الخطاب العالمي جزء من الخطاب السياسي المعاصر لا يركز على منع الصراعات بل على إدارتها وإعادة تشكيل النظام الدولي من خلالها وهو ما يشبه صورة الفوضى التي تسبق الخلاص في أدبيات آخر الزمان.
الجانب العقدي وأشراط الساعة
• الاضطراب قبل النهاية : الإسلام يقر أن آخر الزمان يسبقه اضطراب عالمي واسع النطاق وفتن متعاقبة لكنه يختلف جذريا في هوية الشخصية المنتظرة ونتيجة الأحداث .
• خروج الدجال : بينما تنتهي الرؤية اليهودية بظهور المشيح تنتهي الرؤية الإسلامية بخروج الدجال باعتباره أعظم فتنة تمر على البشرية وقتله بحربة نبي الله عيسى عليه السلام .
• الملحمة الكبرى : النصوص الإسلامية تصف مرحلة ما قبل خروج الدجال بأنها زمن تتسارع فيه الأحداث وتكثر فيه الحروب والانقسامات وتربط بين الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في فترة زمنية متقاربة.
• نزول المسيح : النهاية الحقّة لهذه الفتنة تكون بنزول المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام ليقضي على الدجال ويظهر الحق ويضع حدا لعصر الفتن .
وفي ختام هذا البحث ...
يتبين أن نبوءة المخاض الأليم تحتل موقعا مركزيا في التصور العقدي اليهودي لأحداث آخر الزمان فهي ليست مجرد فكرة عقدية أو رمز أدبي بل تأتي خطورتها من تحولها إلى برنامج عملي يسير عليه اليهود ويطبقونه حرفيا بل يخلقون أحداثا في الواقع لكي تتوافق مع هذه النبوءات فيظهر المشهد وكأنه يحقق ما ورد في نصوصهم القديمة .
وهنا تكمن الخطورة إذ تتحول النبوءة إلى أداة سياسية واستراتيجية تدفعهم إلى افتعال الأزمات وإشعال الحروب وصناعة الفتن العالمية ليبدو وكأن التاريخ يسير وفق ما رسمته عقيدتهم في حين أن الحقيقة أن هذه الأفعال ليست إلا محاولة لفرض واقع يتماشى مع أوهام الخلاص المزعوم .
أما في الرؤية الإسلامية فإن هذه المرحلة تسير وفق قدر الله عز وجل وقضائه وتدبيره منذ الأزل وتندرج ضمن أشراط الساعة الكبرى وتمثل تمهيدا لخروج الدجال ثم نزول المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام الذي يقضي على الدجال ويظهر الحق ويضع حدا للفتنة الكبرى التي تمر بها البشرية وبذلك يتضح أن ما يعده اليهود خلاصا ليس إلا فتنة عظيمة وأن النهاية الحقّة لا تكون إلا بوعد الله الصادق .
إن دراسة نبوءة المخاض الأليم تكشف عن التقاء خطير بين العقيدة والسياسة عند بني إسرائيل وتوضح كيف أن النصوص القديمة تتحول إلى مخطط عملي يوجّه سلوكهم في الحاضر والمستقبل وهو ما يستدعي وعيا يقظا وفهما عميقا لطبيعة هذه النبوءات وخطرها على مسار التاريخ الإنساني عامة والإسلامي خاصة بين وعد الله الحق وأوهام البشر .
والله أعلم
المخاض الأليم
قبل مجيء المشيح
مقدمة ...
الحمدُ للهِ الذي كتبَ الأقدارَ بحكمتِه ، وأجرى سُنونَ الكونِ بقدرتِه ، لا رادَّ لما قضى ، ولا معقِّبَ لما حكم ، ﴿... إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... يونس 55﴾. والصلاةُ والسلامُ على من بُشِّرَت به الكتبُ ، ونادت به الرُّسلُ ، وختم اللهُ به النبوّةَ ، محمّدٍ المصطفى صلى الله عليه وسلم .
في زمنٍ تتكاثرُ فيه الرؤى ، وتتشابكُ فيه النبوءاتُ مع الواقع ، يلوحُ في الأفقِ نُذُرٌ قديمة وأصداءُ ووعدُ الآخرة نُسِجت خيوطها من صحائف الأنبياء ، وتناقلتها الألسن عبر العصور والأجيال تقرر مصير اليهود والأميين آخر الزمان ، وقد سُطِّرت في صفحاتِ الكتبِ المنزَّلة قبل أن يتنزل بهما الوحي في القرآن الكريم. هي نبوءاتٌ ليست كغيرِها، إذ تمسُّ مركزَ الصراعِ على الأرضِ والهويةِ والإرثِ المقدّس. بين مشيحٍ ملك ينتظرهُ اليهود ، ودجالٍ يحذِّرُ منهُ الأميون المسلمون الموحدون ، تتقاطعُ الروايات والنبوءات في إحداثيات لتصنعَ مشهدًا واحدًا مهيبًا.
... هذا البحثُ رحلةٌ في بعض النصوصِ والروايات ، واستقراءٌ لأحداثٍ بدأت بوادرها تلوح في الأفق . فهناك مفاتيح و إشارات تتحدث عن المستقبل ، من جمعَ بينهما أبصرَ ما غفلَ عنه كثيرون.
• وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿الإسراء: ٤﴾
• وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ﴿الإسراء: ١٠٤﴾
• قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿الأعراف: ١٢٨﴾
• وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴿الأنبياء: ١٠٥﴾
وفي كتب أهل الكتاب
• مدراش تهليم (على المزامير 21) : "المسيح ابن داود سوف يرفع راية للأمم، ويجمع المنفيين من إسرائيل."
• التلمود البابلي، رسالة بَراخُوت 34 : "كل الأنبياء لم يتنبأوا إلا عن أيام المشيح."
• "لأن عاملي الشر يقطعون والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض " المزامير (37: 9 )
• "أمَّا الوُدَعاءُ فيَرِثُون الأرض" المزامير (37: 11)
• "لِأَنَّ الْمُبَارَكِينَ مِنْهُ يَرِثُون الأرض" المزامير (37: 22)
• "الصِدِّيقُونَ يرثُونَ الأَرضَ وَيَسكنُونهَا إِلَى الأَبَدِ" المزامير (37: 29)
• "طوبى للودعاء لانهم يرثون الأرض" متى (5: 5 )
• انجيل برنابا - الفصل الثاني والخمسون : " ولكني سأعود قبيل النهاية ، وسيأتي معي أخنوخ وايليا، ونشهد على الأشرار الذين ستكون آخرتهم ملعونة"
• انجيل برنابا - الفصل الثالث والخمسون : قال يسوع : قبل أن يأتي ذلك اليوم سيحل بالعالم خراب عظيم، وستنشب حرب فتاكة طاحنة، فيقتل الأب ابنه، ويقتل الابن أباه بسبب أحزاب الشعوب، ولذلك تنقرض المدن وتصير البلاد قفرا، وتقع أوبئة فتاكة حتى لا يعود يوجد من يحمل الموتى للمقابر بل تترك طعاما للحيوانات، وسيرسل الله مجاعة على الذين يبقون على الأرض فيصير الخبز أعظم قيمة من الذهب، فيأكلون كل أنواع الأشياء النجسة، يالشقاء ((ذلك)) الجيل الذي لا يكاد يسمع فيه أحد يقول: (( أخطأت فارحمني يا الله)) يجدفون بأصوات مخوفة على المجيد المبارك إلى الأبد .
... عبر مراحل الزمن المختلفة ، وفي أعماق النصوص والكتب الدينية والتلمودية تتردد نبوءة المحنة العظيمة عند بني إسرائيل تلك التي عرفت في تراثهم باسم المخاض الأليم قبل بزوغ فجر المشيح وهي صورة رمزية تستحضر آلام الولادة وما يسبق الميلاد من وجع وشدة واضطراب إذ لا يأتي الخلاص في تصورهم إلا بعد اجتياز مرحلة قاسية من الحروب والمحن والشدائد التي تضرب العالم عامة وبني إسرائيل خاصة
وقد صورت النصوص التوراتية والتلمودية هذه المرحلة بوصفها زمنا استثنائيا من الضيق والخوف حتى يصبح الناس في حال من الهلع والعجز تشبه حال المرأة في أشد ساعات المخاض ثم يعقب ذلك بحسب معتقدهم ظهور المشيح الذي يجمع الشتات ويعيد المُلكْ ويؤسس العصر الماسياني المنتظر ، فنهاية المخاض عندهم يبدأ بخلاص بني إسرائيل الأخير وقد ربطت مروياتهم فترة المخاض بمدة رمزية تمتد تسعة أشهر على مثال مدة الحمل التي تسبق الولادة.
و في الحقيقة نهاية مخاضهم هي ذاتها بداية علوهم وفسادهم الأخير عندنا وفي عقيدتنا نحن المسلمين .
ففي المقابل تكشف النصوص الإسلامية عن صورة مختلفة لهذه الأحداث إذ تضع هذه الفتن في سياق أشراط الساعة الكبرى وتربطها بأحداث متلاحقة تقع في آخر الزمان كالملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال فتأتي الوقائع متتابعة متسارعة كحبات العقد إذا انقطع نظامها تتبع بعضها بعضا دون فواصل طويلة
ومن هنا تبرز أهمية دراسة نبوءة المخاض الأليم وتحديد نقاط الإلتقاء بين الرؤيتين اليهودية والإسلامية مع ما بينهما من اختلاف جذري في تفسير الشخصيات والأحداث والنتائج النهائية فبينما تنظر إليها المصادر اليهودية بوصفها الطريق إلى الخلاص بمجيء المشيح المنتظر ، يبين الإسلام أن هذه المرحلة ليست إلا تمهيدا لخروج الدجال أكبر فتن التاريخ الإنساني وأن النهاية الحقيقية لهذه الفتنة لا تكون إلا بنزول المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام ليقضي على الدجال ويظهر الحق ويضع حدا لعصر الفتن والاضطرابات .
وهكذا فإن المخاض الأليم لا يمثل مجرد استعارة دينية أو رمزا أدبيا في الموروث اليهودي بل يشكل تصورا متكاملا لمرحلة فاصلة من مراحل آخر الزمان تتشابك فيها الحروب والصراعات والانهيارات الكبرى وتتشكل خلالها ملامح عالم جديد كما تتصوره العقيدة اليهودية بينما تكشف الرؤية الإسلامية حقيقة هذه المرحلة وموقعها ضمن السنن الإلهية وأحداث النهاية الكبرى بين وعد الله الحق وأوهام الخلاص التي يصنعها البشر لأنفسهم والله أعلم .
• معنى المخاض الأليم: يشير هذا التعبير إلى المحن والحروب والشدائد، والمصائب ، والاضطرابات ، والآلام التي من المتوقع أن تصيب العالم عامة و شعب بني إسرائيل خاصة في الفترة التي تسبق مباشرة مجيء (المشيح - بداية العصر الماسياني - عصر الخلاص).
• الرمزية : شُبّهت هذه الفترة بآلام ولادة الطفل (المخاض) ، فكما أن ألم المخاض الشديد ضرورة تسبق خروج حياة جديدة إلى العالم ، فإن هذه المحن الشديدة تُعد المعاناة الضرورية التي تسبق "ولادة" الخلاص النهائي والعصر المسياني
• طول الفترة الزمنية للمخاض الأليم : طول فترة المعاناة التي تسبق خروج الملك المشيح والذي سيستمر ملكه لنهاية العالم هو نفسه فترة حمل المرأة الطبيعي ( 9 أشهر ).
• فترة المخاض الأليم :
ففترة المخاض الأليم
هي الفترة التي تجيء بعد
- ( إسلاميا : الحربين العالميتين 1حرب الصلح الآمن التي تكون ضد عدو لنا وللروم ( معا ) وهذا العدو هو ( التيس وقرنه المذكورين في نبوءة دانيال 8 ) تحديدا وبعد 2الملحمة الكبرى ضد الروم )
- و ( توراتيا : بعد حرب جوج وماجوج )
وتستمر هذه الفترة إلى حين خروج المشيح ( الدجال ) وخلال هذه الفترة تفتح فارس وفلسطين من اليهود في الصلح الآمن تحقيقا لوعد الأولى في سورة الإسراء وتفتح كذلك القسطنطينية ( في الملحمة الكبرى ) مرة ثانية من الروم .
• تعقيب : المراجع اليهودية تنتهي بالمشيح ( المسيا ) ( الدجال ) كتأريخ ممتد لنهاية الزمان ولا يتطرقون إلى نزول المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام الذي يقتل ملكهم الدجال بل يجعلونهم كشخصية واحدة متصلة في نبوآتهم وهذا اللغط واللبس الشيطاني أزاله فكرنا وشرعنا .
فأيام الدنيا حسب رؤيتهم تنتهي بالملك الدجال الذي سيمتد حكمه لألف سنة بعد خروجه وديننا ينبئنا بأن الدنيا لا يبقى لنهايتها إلا قليل حتى قيام الساعة بنزول المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام.
الرؤية التوراتية ...
إرميا 30-6 اسالوا وانظروا ان كان ذكر يضع .لماذا ارى كل رجل ويداه على حقويه كماخض وتحول كل وجه الى صفرة. 7 اه لان ذلك اليوم عظيم وليس مثله . وهو وقت ضيق على يعقوب ولكنه سيخلص منه.
o التفسير : تصف شدة الضيق والخوف حتى يبدو الأقوياء كمن يتلوّون من آلام المخاض ، لكن الله يعد بأن هذا الضيق ، رغم عظمته ، لن يدوم بل يعقبه خلاص وإنقاذ لشعبه .
تلمود بابلي – سنهدرين 98ب "قال ربي يوحنان : لِيَأتِ المشيح ولا أرَه. فسأله تلاميذه: ولماذا؟ قال: لأنني أخشى مخاضات المشيح" .
o التفسير : قال ربي ( الحاخام ، الأستاذ ، المعلم ) يوحنان )أحد أبرز علماء التلمود في القرن الثالث الميلادي( يتمنى أن يأتي (المشيح)، لكنه لا يريد أن يعيش ليرى الفترة التي تسبق ظهور المخلص بسبب الشدائد والأهوال التي ستسبقه (مخاضات/آلام المسيح) فهو خائف من صعوبة وشدة واضطرابات هذا المخاض العظيمة.
التلمود البابلي – سِنهِدْرِين 97أ "قال راب : لن يأتي المشيح بن داود حتى تسود مملكة (أجنبية) على إسرائيل تسعة أشهر، كما قيل (سفر ميخا 5: 2): لذلك يُسْلِمُهُمْ إلى حينما تلد التي تلد، والباقون من إخوته يرجعون إلى بني إسرائيل "
o التفسير : يقول الحاخام راب إن المشيح لن يأتي إلا بعد أن يمرّ إسرائيل بفترة تسلّط ومعاناة من مملكة أجنبية عليهم تستمر تسعة أشهر ، مستندًا إلى تشبيه من سفر ميخا يشبّه تلك الفترة بآلام الحمل التي تسبق الولادة. والباقون : أي الذين نجوا من بني إسرائيل ومن بقي ونجى منهم في فترة المخاض الأليم سيأتي الخلاص فتجتمع بقية إسرائيل المفرقة على يد الملك المشيح و يحدث جمع شمل للشعب بعد المعاناة مرة أخيرة .
مدراش رباه (التكوين) 42:4 "كما أن المرأة تجلس في آلامها تسعة أشهر، هكذا إسرائيل تسعة أشهر حتى يأتي ملك المشيح" .
o التفسير : "شبه إسرائيل أنها ستعيش في محن وآلام تسعة أشهر حتى يأتي ملك المشيح": يُشير إلى أن الخلاص سيأتي حتماً بعد انقضاء هذه الفترة المحددة من الانتظار في المحن والألم " ... الملاحظ أن ما قبل ( 9 شهور ) لا يكونون في ضيق وضنك وشدة وألم وعذاب ومحن ( لأنهم يكونون في ذروة علوهم الأول وهذه الفترة قبل ( حرب الصلح الآمن – وتحقق وعد الأولى )
وهناك إشارات في تحديد طول الفترة الزمنية ( للمخاض الأليم لليهود ) وهي تقع بين فتح القسطنطينية وخروج الدجال عندنا في الآثار المروية ... وإن كان في بعضها ضعف إلا أن الصحيح منها يقوي ضعف الأخرى كما سيتضح لاحقا ...
- «صحيح مسلم» (8/ 176): «فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ، إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاؤُوا الشَّأْمَ خَرَجَ» لاحظ التعاقب والتتابع الزمني القريب بين الأحداث
- «مسند أحمد» «عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ»
- ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه واحمد
« عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمَلْحَمَةُ الْكُبْرَى وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ ، ( وما ذاك إلا كهيئة العقد ينقطع فيتبع بعضه بعضًا ) .
- «الفتن لنعيم بن حماد» : "عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، قَالَ: «الْمَلْحَمَةُ الْعُظْمَى، وَخَرَابُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ، حَمْلُ امْرَأَةٍ "
- «السنن الواردة في الفتن للداني» : عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ الْكُبْرَى وَخَرَابِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ» أَوْ «سَبْعَةٌ» ، الشَّكُّ مِنْ أَبِي طَالِبٍ
خلاصة القول : تشير هذه الأحاديث بمجموعها إلى أن الفترة بين هذه الفتن العظام (الملحمة وفتح القسطنطينية) وخروج الدجال هي فترة زمنية متقاربة وصغيرة جدا ومحدودة تقع في آخر الزمان وتتفق كثيرا مع الرؤية اليهودية لهذه الفترة
تعقيب ...
... مما قرأنا في سلسلة 1رجسة الخراب و2نبوءة دانيال 8 و3نبوءة هلاك عيلام وبابل
أن منظومة المشيح المكونة من التيس (أمريكا) وقرنه الطفيلي (بني إسرائيل) تظن أنها أتمت سيطرتها العالمية المطلقة واستقر لها "السلام والأمان" عبر هندستهم المشيحية ، حيث بدأت تُسخّر هذه المنظومة كل إمكانياتها المادية وغير المادية لخوض حرب كونية ليجلس هذا النظام على عرش العالم ، ولكن الله عز وجل يقضي بما يشاء فهو الذي بيده مقاليد كل شيء فيجعل الدائرة تدور على النظام المشيحي فينزل الله عز وجل بهم عذابا شديدا ويذلهم ويقطع عنهم حبال الأرض وحبال السماء في حرب الصلح الآمن الحرب الكونية الشاملة .
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿آل عمران: ١١٢﴾
فيجعل الله عز وجل الذين تصالحوا صلحا آمنا ( المسلمين والروم ) أداة عذابه وعقابه ضد هذه المنظومة السامة الخبيثة المشيحية نكالا بهم وعقابا لهم يعذبهم ويمحقهم ويزيل بأسهم من الوجود ويقطع دابرهم فينتهي بهم المطاف إما قتلى ، أو سبايا لمن قُدر عليه قبل قتله وفي هذه الفترة يقتل مسيحهم ( الأول بن إفرايم بن يوسف ) .
فــ... "المخاض الأليم" هي فترة العقاب والعذاب والذل المهين الذي سيقع على بني إسرائيل بعد حرب الصلح الآمن والملحمة الكبرى إلى حين خروج الدجال ملكهم ومخلصهم .
ولو رأينا خلف الصورة السوداوية التي ستحل ب(بالتيس والقرن – أمريكا وإسرائيل) في حرب الصلح الآمن وبعده فإنه في فترة "المخاض " ستكون مرحلة قدرها الله عز وجل لصعود الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة لتطهير الأرض من فساد بني إسرائيل وتحطيم علوهم الأول على يد الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بقيادة المهدي رضي الله عنه فالمسلمين أصبحوا أحد الأطراف الرئيسة اللاعبة في أحداث السياسة العالمية وأحد قطبي القوى العالمية مع الروم .
ففي فترة مخاض بني إسرائيل ( القرن ) يكون هناك صعود للخلافة الإسلامية على منهاج النبوة وستكون تلك الفترة من سعد المؤمنين الموحدين أهل الإيمان والتوحيد الأميين .
ففي ذروة علو المسلمين ينتكس مشروع بني إسرائيل ( القرن ) وينهار أمام ناظريهم مرة واحدة في وعد الأولى ويسبى بني إسرائيل وتمرغ جباههم بالأرض . وسيلاقوا الهلاك والإنهيار وسقوط كل مشاريعهم مرة واحدة فيظنوا أن دولتهم قد انهارت وأن مصيرهم إلى الفناء .
وفي وسط عواصف المآسي والأحزان التي تحل ببني إسرائيل تبدأ تلوح في الأفق أحداث فصل جديد ترسم ملامح الأمل لهم بعلو وفساد جديد (أخير) لبني إسرائيل حيث يبدأ عصر ملكهم المشيح الذي سيكون لبني إسرائيل فجر الخلاص والمنقذ لهم من المآسي والعذاب الذي هم فيه والذي سيقيم لهم مملكتهم الأخيرة الألفية (حسب معتقدهم ) في القدس بعد هذا المخاض الأليم ويرد سبي بني إسرائيل ويخرج بالسبايا الذين حررهم من أيدي المسلمين من أصفهان كما وضحنا في نبوءة هلاك عيلام وبابل ونبوءة دانيال 8 ورجسة الخراب .
فالحقيقة التي عندنا وعندهم أن مشيحهم الدجال لا يظهر إلا بعد دمار العالم الغارق في الحروب والدم فنحن وهم نعتقد أن ( الولادة الجديدة لمملكة المشيح ) لا يمكن أن تتم بسلاسة ، بل يجب أن يسبقها دمار هائل شامل للأرض وفوضى عارمة تنهار فيها المنظومات الدولية القائمة وتدمر الدول وتهلك البشرية إلى حد قريب من الفناء .
فلم يتبق لبني إسرائيل في تقاويمهم وحسب معتقدهم قبل خروج ملكهم المشيح إلا الخراب و الإضطرابات والحروب ودمار العالم ( فهذه المرحلة مرحلة التحضير للخلاص ) لمجيء ملكهم المشيح لتحل الراحة الأبدية و السلام والسمو الروحي عليهم ويكتمل التاريخ البشري ( يوم السبت العظيم ) وتخضع البشرية وتستعبد لنظام الملك الذي يقوده "المشيح اليهودي"
التلمود البابلي ، رسالة سَنْهِدْرِين (Sanhedrin) 97أ_ب (97a-97b)
"ليس للعالم سوى ستة آلاف سنة... ففي الألف السابع يكون خراب ، ثم يأتي المشيح."
قراءة سياسية وعقدية معاصرة لنبوءة المخاض الأليم
يمثل المخاض الأليم في التصور اليهودي المرحلة الأخيرة من الاضطرابات والحروب قبل ظهور المشيح وبداية العصر الماسياني ومن منظور استراتيجي يمكن فهمه كمرحلة انتقالية عنيفة يعاد فيها تشكيل النظام الدولي عبر صراعات وأزمات كبرى القدس وفلسطين تظل في قلب هذه النبوءة مما يمنحها بعدا يتجاوز السياسة التقليدية إلى العقيدة والتاريخ أما في الرؤية الإسلامية فإن هذه المرحلة تدخل ضمن الفتن الكبرى وأشراط الساعة التي تسبق خروج الدجال ثم نزول المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام وعليه فإن المخاض الأليم ليس مجرد نبوءة دينية بل إطار لفهم التحولات الكبرى في التاريخ وعلاقة العقيدة بالمشهد السياسي العالمي .
التحليل السياسي
• اضطراب النظام الدولي النبوءة اليهودية تقوم على أن الخلاص لا يسبق استقرار عالمي بل يسبقه انهيار واضطراب شامل يزعزع أنظمة جميع الدول وهذا يتقاطع مع الواقع الحالي حيث يتراجع النظام الأحادي وتتصاعد المواجهات بين القوى الكبرى.
• الشرق الأوسط كمسرح المنطقة تشهد تراكم أزمات وحروب وصراعات دينية وقومية مما يجعلها بيئة خصبة لتأويل النبوءات وتوظيفها في الخطاب السياسي والديني.
• القدس وفلسطين تمثل نقطة التقاء بين العقيدة والسياسة حيث تُستدعى المعتقدات الدينية في الصراع السياسي مما يمنحه بعدا يتجاوز المصالح التقليدية إلى اعتبارات عقدية وتاريخية .
• تأثير النبوءة على القرار السياسي : أخطر ما في هذه النبوءات ليس صحتها بل تحولها إلى عامل مؤثر في صناعة القرار إذ قد يتصرف بعض الفاعلين وفق تصورات دينية عن المستقبل لا وفق قراءة مادية وحضارية للواقع.
• الخطاب العالمي جزء من الخطاب السياسي المعاصر لا يركز على منع الصراعات بل على إدارتها وإعادة تشكيل النظام الدولي من خلالها وهو ما يشبه صورة الفوضى التي تسبق الخلاص في أدبيات آخر الزمان.
الجانب العقدي وأشراط الساعة
• الاضطراب قبل النهاية : الإسلام يقر أن آخر الزمان يسبقه اضطراب عالمي واسع النطاق وفتن متعاقبة لكنه يختلف جذريا في هوية الشخصية المنتظرة ونتيجة الأحداث .
• خروج الدجال : بينما تنتهي الرؤية اليهودية بظهور المشيح تنتهي الرؤية الإسلامية بخروج الدجال باعتباره أعظم فتنة تمر على البشرية وقتله بحربة نبي الله عيسى عليه السلام .
• الملحمة الكبرى : النصوص الإسلامية تصف مرحلة ما قبل خروج الدجال بأنها زمن تتسارع فيه الأحداث وتكثر فيه الحروب والانقسامات وتربط بين الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في فترة زمنية متقاربة.
• نزول المسيح : النهاية الحقّة لهذه الفتنة تكون بنزول المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام ليقضي على الدجال ويظهر الحق ويضع حدا لعصر الفتن .
وفي ختام هذا البحث ...
يتبين أن نبوءة المخاض الأليم تحتل موقعا مركزيا في التصور العقدي اليهودي لأحداث آخر الزمان فهي ليست مجرد فكرة عقدية أو رمز أدبي بل تأتي خطورتها من تحولها إلى برنامج عملي يسير عليه اليهود ويطبقونه حرفيا بل يخلقون أحداثا في الواقع لكي تتوافق مع هذه النبوءات فيظهر المشهد وكأنه يحقق ما ورد في نصوصهم القديمة .
وهنا تكمن الخطورة إذ تتحول النبوءة إلى أداة سياسية واستراتيجية تدفعهم إلى افتعال الأزمات وإشعال الحروب وصناعة الفتن العالمية ليبدو وكأن التاريخ يسير وفق ما رسمته عقيدتهم في حين أن الحقيقة أن هذه الأفعال ليست إلا محاولة لفرض واقع يتماشى مع أوهام الخلاص المزعوم .
أما في الرؤية الإسلامية فإن هذه المرحلة تسير وفق قدر الله عز وجل وقضائه وتدبيره منذ الأزل وتندرج ضمن أشراط الساعة الكبرى وتمثل تمهيدا لخروج الدجال ثم نزول المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام الذي يقضي على الدجال ويظهر الحق ويضع حدا للفتنة الكبرى التي تمر بها البشرية وبذلك يتضح أن ما يعده اليهود خلاصا ليس إلا فتنة عظيمة وأن النهاية الحقّة لا تكون إلا بوعد الله الصادق .
إن دراسة نبوءة المخاض الأليم تكشف عن التقاء خطير بين العقيدة والسياسة عند بني إسرائيل وتوضح كيف أن النصوص القديمة تتحول إلى مخطط عملي يوجّه سلوكهم في الحاضر والمستقبل وهو ما يستدعي وعيا يقظا وفهما عميقا لطبيعة هذه النبوءات وخطرها على مسار التاريخ الإنساني عامة والإسلامي خاصة بين وعد الله الحق وأوهام البشر .
والله أعلم
