-اهتمامه بالدعوة وتبليغ العلم
كان أبو هريرة رضي الله عنه واحداً من علماء الصحابة رضي الله عنهم، الذين تحملوا أمانة الدعوة وتبليغ العلم الذي تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان من أكثرهم نشاطاً في هذا المجال، وذلك لسعة علمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس في وقته إلى علمه وتعليمه لهم ولخوفه من تبعات كتمان العلم، فقد روي عنه أنه قال: "وايم الله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشئ أبداً" ثم تلا : ]إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى[] البقرة:159 [ الآية كلها. (1)
وروي عنه أيضاً أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة".(2)
وروي عن الحسن عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل يأخذ مما قضى الله ورسوله كلمة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً فيجعلهن في طرف ردائه فيعمل بهن ويعلمهن" قلت: أنا وبسطت ثوبي، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث حتى انقضى حديثه، فضممت ثوبي إلى صدري … الحديث.(3)
_____________
(1) أحمد: المسند14/122-123
(2) أحمد: المسند4/5، وأبو داود 3/321.
(3) أحمد: المسند 8/147، والحسن: هو البصري.
لهذا سلك أبو هريرة رضي الله عنه كل السبل الممكنة للدعوة إلى الدين وتبيلغ ما تلقاه عن رسول الله من علم ومعرفة، فنراه يعظ ويحدث في كل مكان يتسنى له التحديث فيه، في البيت والمسجد والسوق وغيره من الأماكن التي يستطيع التحديث والوعظ فيها.
فقد روى الإمام أحمد عن عكرمة قال: دخلت على أبي هريرة في بتيه، فسألته عن صوم يوم عرفة … الحديث الذي تقدم قريباً.
وروى الحاكم عن عاصم بن محمد عن أبيه قال: (رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يخرج يوم الجمعة، فيقبض على رمانتي المنبر قائماً ويقول : حدثنا أبو القاسم رسول الله الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فلا يزال يحدث حتى إذا سمع فتح باب المقصور لخروج الإمام للصلاة جلس)(1)
وروى البخاري عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم: (أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم …الحديث) (2)
وروى أحمد والبخاري عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال: "ما أدري كم رأيت أبا هريرة قائماً في السوق يقول: يقبض العلم وتظهر الفتن…" الحديث، الذي تقدم قريباً أيضاً.
______________
(1) الحاكم: المستدرك 3/512، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي عليه.
البخاري: التاريخ 1/186.
وعن مكحول قال: "تواعد الناس ليلة إلى قبة، فاجتمعوا فيها، فقام فيهم أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح".(1)
ولم يقتصر أبو هريرة رضي الله عنه في التحديث والوعظ والإرشاد على الرجال، وإنما تعداهم إلى النساء فحدثهن ووعظهن بما يحتجن إليه، ويتعلق بهن من أمور، فقد روى أحمد عن عبيد مولى لأبي رهم، عن أبي هريرة: "أنه لقي امرأة، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من امرأة تطيبت للمسجد فيقبل الله لها صلاة حتى تغتسل منه اغتسالها من الجنابة" فاذهبي فاغتسلي.(2)
وروى الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله، عن كريمة بنت الحسحاس قالت: سمعت أبا هريرة في بيت أم الدرداء يقول: "ثلاث هن كفر: النياحة، وشق الجيب، والطعن في النسب". (3)
وهكذا بين أبو هريرة رضي الله عنه للمرأة المتطيبة عدم مشروعية خروجها من بيتها متطيبة متزينة، ولو كان خروجها لأداء الصلاة في المسجد، وأمرها بالرجوع إلى بيتها والاغتسال من الطيب إن هي شاءت العودة إلى المسجد، وحري بنسائنا المؤمنات اليوم أن يحرصن على هذا
_______________
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء2/599، وابن كثير: البداية والنهاية8/110.
(2) أحمد: المسند15/107-108، وابن ماجه: السنن2/1326، واللفظ لأحمد والإعصار، هو فوح الطيب، شبه بما تثير الريح من الأعاصير. ابن الأثير: النهاية3/247.
(3) الذهبي: سير أعلام النبلاء2/586، وأم الدرداء: هي الصغرى، روت عن زوجها أبي الدرداء وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم.
التوجيه النبوي الكريم، ليحفظن أنفسهن من العيون الزائفة، والنفوس المريضة المنحرفة.
كما حذر النساء اللاتي وجدهن في بيت أم الدرداء التابعية الفاضلة، زوج أبي الدرداء الصحابي الجليل رضي الله عنه، من ثلاثة أمور تتعاطاهن النساء، وهن من عادات الجاهلية، التي حرمها الإسلام وساواها بالكفر، لأنها توصل من يتفوه بها إلى النار، كما يوصل الكفر صاحبه إليها، وقد نهج في ذلك النهج التربوي الدعوي الإصلاحي الناجح، حيث خاطب كلاً بما يناسبه، خاطب الرجال بما ينسابهم، وخاطب النساء بما يناسبهن، ويخصهن من أمور، متأسياً في ذلك بالمنهج التربوي الدوعوي الأول، الذي أرسى دعائمه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تفنن رضي الله عنه في أساليبه في الدعوة، وكان من أساليبه فيها:
1 – أسلوب الترغيب:
روى الهيثمي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه مر بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: "يا أهل السوق ما أعجزكم قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم ها هنا! ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه. قالوا : وأين هو؟ قال: في المسجد، فخرجوا سراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة فقد أتينا المسجد فدخلنا فلم نر فيه شيئاً يقسم، فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحداً؟ قالوا: بلى رأينا قوماً يصلون، وقوماً يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم لذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم. (1)
_________________
(1) الهيثمي: مجمع الزوائد 1/123-124.
وبهذا الأسلوب الدعوي الرائع بين لهم أبو هريرة رضي الله عنه الميراث النبوي الحقيقي الرابح، إذ إنه لم يورث لهم درهماً ولا ديناراً ولا غيرهما من الأموال، وإنما ترك لهم الكتاب والسنة، وما اشتملا عليه من أنواع الهدي والمعرفة والفلاح.
1- أسلوب الترهيب:
وكما استخدم أسلوب الترغيب في الدعوة، استخدم أيضاً أسلوب الترهيب فيها، مع المدعوين الذين كانوا يتعاطون بعض المعاصي جهلاً، أو عن سوء تقدير لما يترتب عليها من تبعات.
من ذلك ما مر من وعظه للنساء في بيت أم الدرداء رضي الله عنها، وتحذيرهن من : النياحةن وشق الجيب والطعن في النسب التي عدها كفراً، لما تؤدي إليه من عظيم الإثم وشديد العقاب.
ومنه أيضاً ما روي عنه أنه قال: أسبغوا الوضوء فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : "ويل للعراقيب من النار".(1)
2- أسلوب المواجهة والمصارحة:
فعن قتادة عن أبي عمر الغدانيّ، قال: "كنت عند أبي هريرة جالساً، قال: فمر رجل من بني عامر بن صعصعة، فقيل له: هذا أكثر عامري نادي مالاً، فقال أبو هريرة: ردوه إلي فردوه عليه، فقـال: نبئت أنك ذو
______________
(1) أحمد: المسند 19/125،ومعنى أسبغوا الوضوء : أتموه بإكساء العراقيب بالماء.
مال كثير، فقال العامري: أي والله، إن لي مائة حمراً، ومائة أدماً، حتى عد من ألوان الإبل، وأفنان الرقيق، ورباط الخيل، فقال أبو هريرة: إياك وأخفاف الإبل وأظلاف الغنم، ويردد ذلك عليه حتى جعل لون العامري يتغير أو يتلون، فقال: ما ذاك يا أبا هريرة؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كانت له إبل لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها" قلنا: يا رسول الله وما رسلها ونجدتها؟ قال: "في عسرها ويسرها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكبره وأسمنه وأسره، ثم يبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه فيه بأخفافها إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله … الحديث".
فقال العامري: وما حق الإبل يا أبا هريرة؟ قال أن تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر، وتسقي اللبن، وتطرق الفحل".(1)
ولو تتبعنا جهود أبي هريرة رضي الله عنه الدعوية والتعليمية وأساليبه فيها لطال بنا المقام، وحسبنا ما أوردناه منها للدلالة على سعة ما بذل في هذا المجال من جهود، وعلى كثرة المستفيدين منه والحاملين لعلمه رضي الله عنه وأرضاه.
_________________
(1) أحمد: المسند 20/72-73، ومسلم بشرح النووي 7/64-66، واللفظ لأحمد.
والمراد بالقاع القرقر: المستوية الواسعة، ومعنى العزيرة : كثيرة اللبن، ومعنى تقفر الظهر: تعير البعير لمن يحتاج لركوبه.
تعليق