إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    أبو هريرة



    صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه



    دراسة حديثة تاريخية هادفة




    تأليف الدكتور


    حارث سليمان الضاري



    تقديم


    أ.د. عمر سليمان الأشقر



    مقدمة
    بقلم أ.د.عمر سليمان الأشقر

    الحمد لله واهب النعم، ورافع النقم، وصاحب الفضل في الأولى والآخرة، له الأمر كله، ما شاء كان، ومال لم يشأ لم يكن، المعبود بحق فلا معبود بحق سواه، له ملك السموات والأرض، فالكل ملكه وتحت قهره، وأصلي وأسلم على عبد ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي محا الله به ظلمات الباطل، وأضاء به نفوس العباد وقلوبها، وأقام به ما أعوج من الدين، فكان في سماء بني البشر النور اللامع، والبدر المنير النافع، والضياء الساطع، وعلى آله أعلام الدجى، والنجوم الزهر الذين تلألؤا في سمائنا، ولا يزالون وعلى من سار مسارهم، وسلك مسلكهم إلى يوم الدين، وبعد:

    فهذا الكتيب حديث طيب عن نفس طيبة زكية، حفظت لنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحلت حب النبي صلى الله عليه وسلم في سويدائها، و صرحت بهذا الحب وتفننت به، وكان حبها عملاً واتباعاً، وقد صاغت حياتها وفق المنهج الإلهي الرباني القرآني النبوي، وأسهمت في بناء المسيرة الإسلامية التي بناها الباني الأول محمد صلى الله عليه وسلم، وقد صنع الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه مسيرة خير، آتت أكلها عطاء ونماء، ولا تزال تؤتي أكلها لكل حين بإذن ربها.

    إن الخير الذي أقره الرسول صلى الله عليه وسلم في جيل الصحابة، وأقره الصحابة في جيل التابعين تغلغل في نفوس هذه الأمة، ولا يزال هذا الخير يعطي عطاءه في أرض الإسلام، ولا يزال الزاد الذي غرس هذا الخير من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يغذي مسيرة الخير إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.


    يتبع
    اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

  • #2
    لقد استعصى على أعداء الإسلام في عصور الإسلام الأولى اقتلاع الإسلام، وكان مكرهم بالإسلام وأهله جهداً ضائعاً، لم يستطع على الرغم من شدته وقسوته أن يرقى إلى مطاولة الإسلام ) يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون(] الصف: 8 [.

    وإذا عجز أعداء الإسلام عن طمس نور الإسلام، والاقتصار عليه في الميدان، فقد جيشوا جيوشهم لهدم الإسلام في نفوس أبنائه، ومن ذلك محاولتهم قديماً وحديثاً طعن هذا الدين بطعن حملة الوحي الإلهي، وهم صحابة رسوله، فقد حول بعض الضالين صحابة رسول الله صلى عليه وسلم إلى خونة أشقياء، يستحقون اللعن والبذاء بدل الترضي عنهم والثناء.

    وكان من مكر أعداء الإسلام محاولة تشويه سيرة الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، فإذا نجحت المؤامرة، وتسلل الشك في النفوس، فصدقت الافتراء في هذا الصحابي، فإن الشك سيلقي بظلاله على آلاف الأحاديث التي رواها، وسيلقي ظلالاً قاتمة على الرجال الذين شكلوا أسانيد تلك الأحاديث، وسيحيك في النفوس شبهات حول كل دواوين السنة التي روت أحاديث هذا الصحابي.

    إن الهجوم على هذا الصحابي ليست قصة جزئية، ولكنه هجوم على الدين كله، تريد أن تنقص منه، وتنال منه، فالهدف الذي يرمون إليه بعيد، أبعد مما نتصور، وقد أدرك الإمام أحمد رحمه الله خطورة الدعوة إلى خلق القرآن، لقد أراد أعداء الإسلام أن يحدثوا في جدار الإسلام ثلمة، وقد فقه الإمام أحمد وكل من كان له مثل فقهه وعلمه مقولة أبي بكر الصديق، عندما ثار ثورة الأسد

    الهصور عندما رأى ليناً من بعض الصحابة تجاه المرتدين ومانعي الزكاة، وقال قولته التي نفقهها اليوم حق فقهها، قال: "أينقض الدين وأناحي".

    رضي الله عن أبي بكر، ورحم الله الإمام أحمد، فإن الهدف الذي يرمي إليه أعداء الإسلام هدم هذا الدين.

    إن ما سطره أخي الشيخ حارث سليمان ضاري في هذا الكتاب ليست سيرة تقرأ للمتعة والتسلية، بل وليست سيرة تدرس للتأسي والاقتداء فحسب، وإنما الأمر أعظم من ذلك، إن مقصده حفظ هذا الدين في نصوصه، التي تبين عقائده وأحكامه وقيمه وأخلاقه وإرشاداته، إن الذين يطعنون في أبي هريرة يريدون هدم الإسلام.

    لقد أدرك أخي الحبيب هذا المقصد وهذا الهدف، فانبرى يكشف الزيف، ويشير إلى الخلل، ويبرز المؤامرة، فما يكاد قارئ هذا الكتاب إذا رزق العدل والإنصاف أن يأتي على آخره حتى يعرف ضخامة المكيدة، وإن كان ممن تلطخ بقاذورات الشبهات حتى يتطهر منها.

    لقد أبدع أخي الكريم في تأليف هذا الكتاب، أيما إبداع، لقد حشد لمعركة الكتاب كل ما أمكنه من أدلة وبراهين، وعاص في دواوين الأحاديث والتراجم والسير، واستطاع أن يستخدم ذلك كله في كشف الشبهات، ورد المزاعم، وإيضاح الحق على نسق سواء، فجاء هذا الكتاب على الرغم من إيجازه وصغر حجمه وافياً بالغرض، محققاً للطلب.

    إن مرادي بالذي ذكرته ليس المدح للمؤلف، فمدحي لا ينفعه ولا ينفعني، وإنما مرادي الدلالة بقوة على خطورة الموضوع الذي يعالجه، وأنه نجح في ذلك إلى حد بعيد، ومقصدي أيضاً الدعوة إلى نشره في الأوساط التي تنتشر فيها هذه الشبهة إما للوقاية منها، وإما لمعالجة آثارها، أما المؤلف فأحسبه والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً أنه من الذين يهتمون بأمر الإسلام والمسلمين، والذين يحسنون معالجة مثل القضايا التي عرضها في هذا الكتاب، وأنه محب للإسلام وأهله، لقد قرأت هذا الكتاب وراجعته، فوجدت فيه علماً نافعاً، أسأل الله أن ينفع به مؤلفه ومراجعه وناشره وقارئه، وأن يكون فيه شيء من سداد الدين الذي في أعناقنا لأئمتنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخاصة الصحابي العلم الذي نشهد الله على حبه، ونسأله تعالى أن يحشرنا معه في زمرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب العالمين.

    أ.د.عمر سليمان الأشقر

    كلية الشريعة. الجامعة الأردنية. عمان
    الأحد 23 جمادى الآخرة 1420هـ
    3 تشرين أول (أكتوبر) 1999م


    يتبع
    اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

    تعليق


    • #3
      مقدمة المؤلف

      الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

      فقد دأب بعض الناس جهلاً أو تقليداً لمن سلب الهوى عقولهم على النيل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين آمنوا به، وتشرفوا بصحبته، وآزروه ونصروه، وساهموا معه بكل بذل وسخاء في بناء حضارة هذه الأمة ومجدها وتأريخها الذي تفخر به، وتباهي الأمم الأخرى، فلولاهم بعد مشيئة الله تعالى ما انتصر الإسلام، وما انتشر في بقاع الأرض وما شع نوره في الآفاق، فاهتدت به أمم وأقوام على اختلاق ألسنتها وألوانها وأعراقها، فسعدت به وسادت على من سواها، فاستحقوا بذلك وبغيره من الأعمال الجليلة التي لا يتسع المقام لذكرها: ثناء الله تعالى عليهم، وترضيه عنهم، وثوابه لهم في كثير من آيات القرآن الكريم، فمن ذلك:

      قوله تعالى : ) والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم ( ] التوبة: 100[

      وقوله تعالى: ) لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً( ] الفتح: 18[

      وقوله تعالى : ) لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير( ] الحديد: 10[

      كما استحقوا ثناء النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، وإشادته بهم، وتفضيله لهم على من سواهم بأحاديث كثيرة فمن ذلك:

      قوله عليه الصلاة والسلام :"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم الحديث"([1])

      وقوله: "لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" ([2])

      وقوله: " الله الله في أصحابي، لا تتخذوا أصحابي غرضاً، من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه" ([3])

      ومع ثناء الله تعالى عليهم ورضائه عنهم، وإشادة النبي صلى الله عليه وسلم بهم، وتفضيله لهم على من سواهم من أبناء هذه الأمة، فقد تناولتهم ألسنة موزورة، وأقلام مأجورة، ركزت على عدد منهم من السابقين الأولين وغيرهم.


      ([1]) البخاري 3/35 كتاب فضائل الصحابة، ومسلم 7/185

      ([2]) البخاري 7/21، ومسلم 7/188، وأبوداود 4/214، وابن حبان 8/188، واللفظ لمسلم.

      ([3]) ابن حبان 8/189


      فقولتهم ما لم يقولوه، ونسبت إليه ما لم يفعلوه، وافترت عليهم ما هم منه براء غير عابئة بآيات القرآن الكريم المزكية لهم، والمترضية عنهم، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة المشيدة بفضلهم، معتمدة في ذلك على روايات تأريخية مزورة، دسها المتظاهرون بالإسلام من أعدائه، وعملت الأهواء على تضخيمها حتى أصبحت حقائق أو كالحقائق عند أهلها، مع أنها لا أصل لها في الواقع، وإنما هي تخيلات وأوهام، نتجت عن أفهام سقيمة، واستنتاجات خاطئة.

      وفي هذه العجالة سأتحدث عن أحد الصحابة الكرام الذين لاكتهم ألسنة السوء، وافترت عليهم ما شاءت من الفرى الكاذبة، والمزاعم الباطلة التي أملاها خيالها المريض، وتعصبها المقيت. ذلكم هو الصحاب الجليل (أبو هريرة) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه وحافظ سنته.

      وسأقوم بالتعريف به، وبصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبجهوده في خدمة السنة النبوية، وسأفند بعض ما أثير حوله من شبهات، بلغة واضحة، وعرض سهل بعيد عن التعقيد، مع الإيجاز والبعد عن الاسترسال، لتكون في متناول كل المستويات، ولتسهم مع ما كتبه فضاء قبلي: في التعريف بهذا الصحابي الجليل وإنصافه، وتفنيد ما أثير حوله من افتراءات لا تستند إلى حجة أو دليل مقبول، ومن الله أستمد العون والتوفيق.

      الدكتور
      حارث سليمان الضاري
      إربد الأردن
      15 محرم الحرام 1420هـ
      1/5/1999م


      يتبع
      اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

      تعليق


      • #4
        المبحث الأول

        ترجمته وسيرته

        1 اسمه ونسبه
        اختلف في اسم أبي هريرة رضي الله عنه قبل إسلامه على أقوال، فقيل: عبد شمس بن صخر، وقيل: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل غير ذلك، كما اختلف في اسمه بعد إسلامه على أقوال أيضاً، أشهرها: عبد الرحمن بن صخر، فقد روي عنه أنه قال: كان اسمي في الجاهلة : عبد شمس بن صخر، فسماني رســـــول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن(1)، وأياً كان اسمه فقد غلبت كنيته (أبو هريرة) على اسمه، وأصبح لا يعرف إلا بها، ولا تنصرف عند إطلاقها إلى إليه.

        وقد روي عنه في سبب تكنيته بذلك أنه قال: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجر، فإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها فكنوني أبا هريرة (2)

        وأما نسبة فيذكر المؤرخون أنه من قبيلة دوس الأزديه اليمانية، وقد توفي سنة سبع وخمسين، وقيل سنة ثمان وخمسين وقيل: سنة تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وقد ضعف القول الأخير الحافظ الذهبي، واعتمد الأول الحافظ ابن حجر، وكانت وفاته بالمدينة المنورة، وقيل: بالعقيق، فحمل إلى المدينة ودفن بالبقيع، وكان من المشيعين له رضى الله عنه: عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما.(3)
        ______________________
        (1) الحاكم: المستدرك 3/507، وابن حجر: الإصابة 4/202، وابن عبد البر: الاستيعاب هامش الإصابة 4/205 وما بعدها.
        (2) الترمذي: السنن 5/350، والحاكم: المستدرك 3/506


        (1) الحاكم: المستدرك 3/508، والذهبي: سير أعلام النبلاء 2/262-627، وابن حجر: الإصابة4/210، وابن عبد البر: الاستيعاب هامش الإصابة 4/209-210، والعقيق يبعد نحو عشرة أميال من المدينة المنورة.


        اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

        تعليق


        • #5
          2 إسلامه وصحبته
          أسلم أبو هريرة رضي الله عنه عام خيبر في المحرم سنة سبع من الهجرة، وشهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: "شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر الحديث"(1)



          وعن أبي الغيث، عن أبي هريرة، قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ففتح الله علينا الحديث" (2)


          كما شهدنا غيرها من المشاهد بعدها، وبذلك قد حاز فضل الجهاد في سبيل الله تعالى إلى جانب شرف الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ صحبه منذ ذلك اليوم إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، وهي مدة تزيد على أربع سنين (3)، لازمه فيها ملازمة تامة تفرغ فيها للأخذ عنه، والتعلم منه، فكانت يده مع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدور معه حيث دار، وينتقل معه حيث ينتقل، لا ينفك عنه سفراً ولا حضراً، إذ لا يشغله عن ذلك بيع ولا شراء ولا رعاية أموال.

          صح عنه أنه قال : "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، إني كنت أمراً مســكيناً

          (1) البخاري 5/74
          (2) البخاري فتح 6/225، ومسلم شرح النووي 1/42-43، وأحمد 15/225.
          (3) مسلم بشرح النووي 2/128



          أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي صلى الله عليه وسلم مجلساً، فقال : "من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئاً سمعه مني، فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه، ثم قبضها إلي، فوالذي نفيس بيده ما نسيت شيئاً سمعته منه بعد" (1)
          وبهذا نرى أن أبا هريرة رضي الله عنه قد غمرته بركة صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وملازمته له، وخدمته إياه، حيث رزقه الله تعالى ببركة تلك الصحبة حفظ ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم نسيانه.

          _______________
          (1)البخاري 4/247 البيوع، ومسلم بشرح النووي 16/52-53 فضائل الصحابة، واللفظ للبخاري.


          يتبع
          اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

          تعليق


          • #6
            - حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خدمته له

            كان أبوهريرة رضي الله عنه شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قوي الثقة به، يتقرب إليه بما يرضيه صلى الله عليه وسلم، يفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، ويسوؤه النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان من أقرب الناس إليه، فقد صح عنه أنه قال: "كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً، فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ابكي، قلت : يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام، فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة.

            فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اهد أم أبي هريرة".

            فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت : يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله.

            قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر، قد استجاب الله دعوتك،


            وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال خيراً الحديث"(1)

            وهذا الحديث يرينا إلى جانب حب إبي هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبكائه عند النيل منه، تكريم النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بإجابة طلبه بالدعاء لهداية أمه التي هداها الله تعالى ببركة ذلك الدعاء، مما ضاعف سرور أبي هريرة، وفرحه وبكائه لذلك.
            وكان يعبر عن حبه للرسول صلى الله عليه وسلم بمثل قوله :"أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث، لا أدعهن حتى أموت: صور ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر".(2)

            وقوله: سمعت خليلي يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن إلى حيث يبلغ الوضوء". (3)
            كما كان يعبر عنه بالحرص على ملازمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخدمته حيث كان لا يدع فرصة لخدمته صلى الله عليه وسلم إلا اغتنمها، فمن ذلك: أنه كان يحمل إداوة وضوئه صلى الله عليه وسلم إذا أراد الوضوء، فقد أخرج البخاري عنه أنه كان يحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: "من هذا؟" فقال: أنا أبو هريرة، قال: "ابغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم، ولا بروثة" فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعتها إلى جنبه، ثم انصرفتالحديث" (4)
            _________________
            (1) مسلم بشرح النووي 16/51-92 فضائل الصحابة، وابن حبان 8/142، واللفظ لمسلم.
            (2) البخاري 2/54، ومسلم 2/158، واللفظ للبخاري.
            (3) أحمد: المسند 17/27، والمراد بالحلية: النور.
            (1) البخاري 2/240، والإداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء، ابن الأثير النهاية 1/33.

            ومن ذلك: ما رواه أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة، قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلاء، فأتيته بتور فيه ماء، فاستنجى، ثم مسح يده في الأرض، ثم غسلها، ثم أتيته بتور آخر، فتوضأ به"(1)
            ومنه أيضاً ما رواه مجاهد عن أبي هريرة قال: "مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرف ما في وجهي من الجوع، فقال: "أبو هريرة؟" قلت : لبيك يا رسول الله، فدخلت معه البيت فوجد لبناً في قدح، فقال: "من أين لكم هذا؟" قيل: أرسل به إليك فلان، فقال: "يا أبا هريرة انطلق إلى أهل الصفة فادعهم" وكان أهل الصفة أضياف الإسلام، لا أهل ولا مال، إذا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة أرسل بها إليهم، ولم يصب منها شيئاً، وإذا جاءته هدية أصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني إرساله إياي، فقلت: كنت أرجو أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، وما هذا اللبن في أهل الصفة، ولمن يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فأتيتهم فأقبلوا مجيبين، فلما جلسوا، قال: "خذ يا أبا هريرة، فأعطهم" فجعلت أعطي، فيشرب حتى يروى، حتى أتيت جميعهم، وناولته رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلي مبتسماً، وقال: "بقيت أنا وأنت" قلت: صدقت يا رسول الله، قال: "فاشرب" فشربت، فقال: "فاشرب" فشربت، فقال: "فاشرب" فشربت، فما زال يقول: اشرب، فأشرب حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مساغاً فأخذ فشرب من الفضلة(2)
            _________________
            (1) أحمد: المسند 15/239، والتور: إناء من صفر أو حجارة، النهاية 1/199.
            (2) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/591-592، وأصل هذه الرواية في البخاري 7/179-180 كتاب: الرقاق، والصفة هي المكان الذي أعده النبي صلى الله عليه وسلم، في مسجده الشريف لإيواء فقراء المهاجرين.

            تعكس لنا هذه الرواية وما قبلها من روايات حرص أبي هريرة رضي الله عنه على خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاعته، كما تعكس لنا مدى اعتماده صلى الله عليه وسلم وإيثاره لهم على نفسه، حيث لم يشر مما أهدي إليه من لبن مع حاجته صلى الله عليه وسلم إليه إلا بعد أن شربوا منه جميعاً، وشبعوا بفضل بركة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هذا مستغرباً من الرحمة المهداة، وصاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم.
            اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

            تعليق


            • #7
              - علمه وفضله
              كان أبو هريرة رضي الله عنه من علماء الصحابة وفضلائهم، يشهد لذلك رواية كثير منهم عنه، ورجوعهم غليه في الفتوى، فقد روى عنه من الصحابة: زيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وعائشة، والمسور بن مخرمة، وأبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم من الصحابة، وروى عنه من التابعين قبيصة بن ذؤيب، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو صالح السمان، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، ومجاهد، والشعبي، وابن سيرين، وعكرمة، ونافع مولى ابن عمر، وأبو إدريس الخولاني، وغيرهم من التابعين رضي الله عنهم. (1)

              قال البخاري رحمه الله : روى عنه ثمانمائة نفس أو أكثر. (2)

              وكما رووا عنه فقد رجعوا إليه في السؤال والفتوى، ومنهم من قدمه في ذلك ووافقه فيما قال.

              قال الشافعي رحمه الله: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بكير بن الأشج، عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري، : أنه كان جالساً مع

              (1) الحاكم: المستدرك 3/513، الذهبي : سير الأعلام النبلاء 2/580-585.
              (2) الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/36، وابن حجر الإصابة 4/205.

              ابن الزبير، فجاء محمد بن إياس بن البكير، فسأل عن رجل طلق ثلاثاً قبل الدخول، فبعثه إلى أبي هريرة، وابن عباس، وكانا عند عائشة، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فقال: الواحدة تبينها والثلاث تحرمها، حتى تنكح زوجاً غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك، (1)

              وعن الزهري، عن سالم، أنه سمع أبا هريرة يقول: سألني قوم محرمون عن محلين أهدوا لهم صيداً، فأمرتهم بأكله. (2)

              وعن زياد بن مينا، قال: كان ابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وجابر مع أشباه لهم، يفتون بالمدينة عن رسول الله صلى عليه وسلم من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا، قال: وهؤلاء الخمسة إليهم صارت الفتوى. (3)

              وقال الذهبي: وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه، ويقول: أفت يا أبا هريرة. (4)
              _______________
              (1) مالك : الموطأ 2/57، والشافعي : المسند 2/36، بلفظ : تبتها.
              (2) مالك : الموطأ 1/351-352.
              (3) الذهبي : سير أعلام النبلاء 2/606-607.
              (4) المصدر نفسه 2/609.


              اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

              تعليق


              • #8
                -عبادته وتقواه
                عرف أبو هريرة رضي الله عنه بالعبادة والتقوى، وكل ما يقربه إلى الله تعالى، كيف لا يكون كذلك، وقد صحب الأسوة الحسنة في العبادة، ورآه كيف كان يجهد نفسه فيها، حتى تورمت قدماه صلى الله عليه وسلم، فكان يكثر من الصلاة والصيام وقراءة القرآن، وقيام الليل.

                فعن حماد بن زيد عن عباس الجريري قال: سمعت أبا عثمان النهدي قال: "تضيفت أبا هريرة سبعاً، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثاً، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يرقد ويوقظ هذا، قال : قلت : يا أبا هريرة كيف تصوم؟ قال: أما أنا فأصور من أول الشهر ثلاثاً، فإن حدث لي حادث كان آخر شهري.(1)

                وعن ابن جريج قال: قال أبو هريرة: إني أجزئ الليل ثلاثة أجزاء، فجزء لقراءة القرآن، وجزء أنام فيه، وجزء أتذكر فيه حديث رسول الله. (2)

                وصح عنه أنه قال: "أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام"(3)
                _____________________
                (1) أحمد: المسند 16/260.
                (2) ابن كثير: البداية والنهاية 8/113.
                (3) البخاري 2/247.

                وعن حماد بن سلمة، عن هشام بن سعيد بن زيد الأنصاري، عن شرحبيل أن أبا هريرة كان يصوم الأثنين والخميس. (1)

                وكان إلى جانب ذلك كثير التسبيح، والحمد لله تعالى على نعمة الإسلام وغيرها من النعم التي أنعم بها تعالى عليه، كما كان شديد الخوف من الله تعالى، كثير التحذير من النار، أعاذنا الله منها.

                فعن ميمون بن ميسرة، قال: "كانت لأبي هريرة صيحتان في كل يوم: أول النهار وآخره، يقول: ذهب الليل، وجاء النهار، وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمعه أحد إلا استعاذ بالله من النار" (2)

                وروي عن ابن المبارك: أن أبا هريرة بكى في مرضه، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على دنياكم هذه، ولكن على بعد سفري، وقلة زادي، وأني أمسيت في صعود، ومهبطه على جنة أو نار، فلا أدري إلى أيهما يؤخذ بي. (3)
                وروي عنه أيضاً: أن أبا هريرة قال: "لا تغبطن فاجراً بنعمة، فإن من ورائه طالباً حثيثاً طلبه، جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً". وقال ابن كثير: "وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم".(4)
                ____________________
                (1) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/610.
                (2) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/611.
                (3) المصدر نفسه 2/625.
                (1) ابن كثير: البداية والنهاية 8/113.
                اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                تعليق


                • #9

                  6-تواضعه وكرمه وطيب أخلاقه

                  عرف أبو هريرة بتواضعه الجم في كل مراحل حياته، فلم ينس ماضيه بعد أن منّ الله تعالى عليه بنعمة العلم والجاه والفضل، كمن يحاولون نسيان ماضيهم إذا طابت أيامهم ووسع الله عليهم، وإنما كان يستحضر ماضيه، وما عانى فيه من فاقة وحرمان، ليشكر الله تعالى على نعمة الدين وغيرها من النعم التي أسبغها عليه، ويستزيد بذلك من نعمه تعال، فقد روي عنه أنه قال: نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لابنة غزوان بطعام بطنى، وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا، واحتطب إذا نزلوا، فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وأبا هريرة إماماً بعد أن كان أجيراً لابنة غزوان على شبع بطنه، وحمولة رجله.(1)

                  قال الذهبي: وكان من أوعية العلم مع الجلالة والعبادة والتواضع.(2)

                  وكان مع تواضعه كريماً، وكيف لا يكون كذلك وقد صحب من كان أجود من الريح المرسلة صلى الله عليه وسلم، فقد روى أبو نضرة العبدي عن الطفاوي قال: نزلت أبي هريرة بالمدينة ستة أشهر، فلم أر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد تشميراً، ولا أقوم
                  ___________________
                  (1) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/611، وابن كثير: البداية والنهاية 2/113.
                  (2) الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/34ن ولعله أراد بقوله: إماماً، إمامة العلم والفتوى.

                  على ضيف منه. (1) ولعله أراد بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضافه منهم، كما يفهم من كلامه لا كلهم، لأن فيهم أبحراً لا تدرك سواحلها في الجود والكرم، ومع تواضعه وكرمه كان دعوباً خفيف الظل، صريحاً فيما يقول، لا يحمل لأحد حقداً، ولا يتطلع إلى ما عند غيره، راضياً بما عنده، شاكراً لله تعالى عليه.

                  فقد روي عنه أنه قال: "الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين: التمر والماء".(2)



                  ___________________
                  (1) الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/35، وسير أعلام النبلاء 2/593، والطفاوي: صحابي من أهل الصفة، أبو نعيم الحلية 1/375.
                  (2) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/610.
                  اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                  تعليق


                  • #10

                    7-بره بأمه وحب الناس له

                    كان أبو هريرة باراً بأمه، وكان من بره بها: اصطحابه لها في الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مشركة، رجاء أن تؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد حقق الله تعالى رجاءه حيث أجاب النبي صلى الله عليه وسلم طلبه بالدعاء لأمنه فآمنت، وفرح بذلك فرحاً شديداً أبكاه كما مرّ.

                    وكان من بره بها أيضاً، ما روي عنه أنه قال: خرجت يوماً من بيتي إلى المسجد، فوجدت نفراً، فقالوا: ما أخرجك؟ قلت: الجوع، فقالوا : ونحن والله ما أخرجنا إلا الجوع، فقمنا، فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما جاء بكم بهذه الساعة"؟، فأخبرناه فدعا بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل منا تمرتين، فقال: "كلوا هاتين التمرتين، واشروا عليهما من الماء، فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا"، فأكلت تمرة، وخبأت الأخرى، فقال: "يا أبا هريرة لم رفعتها"؟، قلت: لأمي. قال: "كلها فسنعطيك لها تمرتين".(1)

                    ومن برّه بها، ما روي عن ابن شهاب الزهري: أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها. (2)
                    _______________
                    (1) ابن سعد: الطبقات 4/329، والذهبي: سيرا أعلام النبلااء 2/592.
                    (2) ابن سعد: الطبقات 4/329.

                    لهذا ولغيره من المعاني والصفات الحميدة التي كان يتحلى بها أبو هريرة، ولبركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالمحبة، رزق القبول والمحبة من قبل معاصريه من المؤمنين من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.

                    فقد روي عنه في طلب الدعاء لأمه بالإيمان، أنه قال: "قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا" قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله حبب عُبيدَك هذا يعني أبا هريرة وأمّه إلى عبادك المؤمنين، وحبّب إليهم المؤمنين الحديث".(1) قال ابن كثير: وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته.(2) أي بما روي عنه من روايات.



                    _____________
                    (1) مسلم بشرح النووي 16/52.
                    (2) ابن كثير: البداية 8/108.
                    اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                    تعليق


                    • #11

                      8- حرصه على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم
                      ظهر من سلوك أبي هريرة العملي ما يدل على حرصه الشديد على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به فيما قال وما فعل امتثالاً لقوله تعالى:] وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا[] الحشر7[.

                      واستجابة لدواعي الحب الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ملأ قلوب أصحابه رضي الله عنهم، وملك كل عواطفهم وجوارحهم، ومنهم أبو هريرة الذي كان شديد الحرص على اتباعه صلى الله عليه وسلم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولعل في الأمثلة الآتية ما يؤكد ذلك:

                      فمن ذلك: ما روي عنه أنه قال:"أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوع على وتر". (1)

                      ومن ذلك: ما روي عنه أنه قال: "أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: ربنا ولك الحمد، وكان يكبر إذا ركع، وإذا رفع رأسه، وإذا قام من السجدتين قال: الله أكبر".(2)
                      _________________
                      (1) تقديم تخرجه.
                      (2) أحمد: المسند 16/111.


                      ومن ذلك: ما روي عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء".

                      وقال أبو هريرة: "لقد كنت أستن قبل أن أنام وبعد ما أستيقظ، وقبل ما آكل، وبعد ما آكل، حين سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قال".(1)
                      ومن ذلك أيضاً: ما رواه سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه مر بقوم، وبين أيديهم شاة مصلية، فدعوه فأبى أن يأكل. خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير.(2)

                      وفيما تقدم من أمثلة دلالة كافية على مدى اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم واقتدائه به قولاً وعملاً وسلوكاً.

                      ____________
                      (1) أحمد: المسند 18/16.
                      (2) البخاري 6/205 كتاب الأطعمة.
                      اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                      تعليق


                      • #12
                        - أقواله وحكمه
                        رويت عن أبي هريرة رضي الله عنه أقوال وحكم ومليئة بالعظات والمعاني الدالة على قوة إيمانه بالله وباليوم الآخر، وما يكون فيه من حساب وثواب وعقاب، وعلى سعة إدراكه وفهمه لتعاليم الإسلام وأبعاده، ومعرفته بالدنيا وزهده فيها، وسنقتطف طائفة من تلك الأقوال، لنقف على ما فيها من عمق المعاني، وبليغ العظات:
                        1- فمن ذلك قوله لأبي سلمة بن عبد الرحمن حين دعا له بالشفاء: "يا أبا سلمة إن استطعت أن تموت فمت، فوالذي نفس أبي هريرة بيده ليوشكن أن يأتي على العلماء زمن يكون الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، أو ليوشكن أن يأتي على الناس زمان يأتي الرجل قبر المسلم فيقول: وددت أني صاحب هذا القبر".(1)
                        2- وقوله فيما رواه أبو المتوكل: "إن أبا هريرة كانت له زنجية قد غمُّتهم بعملها، فرفع عليها السوط يوماً، فقال: لولا القصاص لأغشيتك به، ولكن سأبيعك، ممن يوفني ثمنك، اذهبي فأنت لله".(2)
                        3- وقوله: "إن هذه الكناسة مهلكة دنياكم وآخرتكم، يعني الأموال والشهوات".

                        _______________
                        (1) ابن سعد: الطبقات 4/337.
                        (2) أبو نعيم: الحلية 2/384، وابن الجوزي: صفة الصفوة 1/692


                        1- وقوله فيما روي عن معمر: "أنه كان إذا مرت به جنازة قال: روحوا فإنا غادون، أو اغدوا فإنا رائحون، موعظة بلغية، وغفلة سريعة، يذهب الأول، ويبقى الآخر لاعقل له".(1)
                        2- وقوله حين قال له رجل من أهل المدينة بنى داراً: ما أكتب على باب داري؟، فقال: اكتب على بابها، ابن للخراب، ولد للثكل، واجمع للوارث.(2)
                        3- وقوله: "ما وجع أحب إلي من الحمى، لأنها تعطي كل مفصل قسطه من الوجع، وإن الله تعالى يعطي كل مفصل قسطه من الأجر".(3)
                        4- وقوله في مرضه:"اللهم إني أحب لقاءك، فأحب لقائي".(4)
                        5- وقوله لابنته: "لا تلبسي الذهب، فإني أخشى عليك اللهب".

                        وقد نهاها عن لبس الذهب ورعاً، وربما لأن لبسه قد يؤدي إلى الترف، المفضي أحياناً إلى الفتور عن العبادة، والتقصير في الطاعة، وإلا فإن التحلي به للنساء جائز شرعاً. عنده وعند غيره من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمة فيما نعلم، ما لم يكن للفخر أو الاختيال، فإنه يحرم، كمن جر ثوبه خيلاء. (5)
                        _______________________
                        (1) ابن كثير: البداية 8/114-115.
                        (2) أبو نعيم: الحلية 2/385.
                        (3) ابن الجوزي: صفة الصفوة 1/692.
                        (4) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/625، وابن كثير: البداية والنهاية 8/118.
                        (5) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/629.
                        اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                        تعليق


                        • #13
                          -رواياته وحفظه

                          كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمن فقد رُوي عنه نحو خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً مسنداً،(1) وتعود كثرة رواياته وحفظه لها إلى أمور:

                          1- صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم مدة تزيد على أربع سنين، وهي مدة كافية لحفظ ما حفظ من أحاديث في العادة، بل لأكثر منها. من قِبل من يتفرغ فيها للأخذ والحفظ.
                          2- أخذه لكثير من تلك الروايات عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، ولا سيما التي فاته سماعها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه، كأبي بكر وعمر والفضل ابن عباس وأبي بن كعب وأسامة بن زيد وعائشة وغيرهم.(2)

                          فقد عايش هؤلاء وغيرهم من الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاً غير قليل، وعليه فلم يكن مصدر رواياته كلها الرسول وحده، كما لم تكن مدة أخذه لها وحفظه إياها منحصرة بمدة صحبته له صلى الله عليه وسلم كما ظن الجاهلون ذلك، وإنما تعدتها إلى عهد الصحابة الذين عاشوا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
                          ________________
                          (1) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/632، وابن حجر: الإصابة 4/205.
                          (2) ابن حجر: الإصابة 4/205.


                          3 تفرغه للعلم والحفظ، كما مر.(1)
                          4 تأخر وفاته إلى ما بعد سنة خمسين هجرية، وكما توفي قله أكثر علماء الصحابة وحفاظهم رضي الله عنهم، ولم يبق بعده إلا القيل منهم، كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعائشة وآخرين رضي الله عنهم. في وقت اشتدت الحاجة فيه إلى علم الصحابة رضي الله عنهم نظراً لاتساع رقعة الدولة الإسلامية، وازدياد الداخلين في الإسلام، وكثرة الباحثين عن العلم من أولاد الصحابة وغيرهم ممن عنوا بعلم الصحابة باعتبارهم المراجع الوحيدة والأمينة التي تصلهم مباشر برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما من عرف منهم بالحفظ والملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي هريرة رضي الله عنه.

                          شهادة أهل العلم له بالحفظ:
                          لهذه الأمور، وببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالحفظ كان من أحفظ الصحابة رضي الله عنهم وأكثرهم حديثاً.
                          فقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال لأبي هريرة: يا أبا هريرة أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه. (2)
                          ___________________
                          (1) مر في : إسلامه وصحبته.
                          (2) الترمذي: السنن 5/348، والحاكم:المستدرك3/511، بلفظ: وأعلمنا بحديثه.

                          وأخرج أيضاً عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه قال: لا أشك أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع..الحديث".(1)
                          وروى الحاكم: أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله عن شئ، فقال: عليك أبا هريرة، فإني بينما أنا جالس وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله تعالى ونذكر ربنا: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلينا فسكتنا، فقال: عودوا للذي كنتم فيه. قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك مثل الذي سألك صاحباي هذان، وأسألك علماً لا ينسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(آمين) فقلنا: يا رسول الله ونحن نسأل الله علماً لا ينسى، فقال: "سبقكما بها الدوسي".(2)
                          وقال الأعمش عن أبي صالح قال: كان أبو هريرة من أحفظ الصحابة.(3)
                          وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره.(4)
                          وقال ابن عبد البر: وكان أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لانشغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحوائطهم، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حريص على العلم والحديث.(5)
                          ____________________
                          (1) الترمذي: السنن 5/348-349.
                          (2) الحاكم: المستدرك 3/508.
                          (3) ابن حجر: الإصابة 4/205.
                          (4) الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/36، وابن حجر: الإصابة 4/205.
                          (5) ابن عبد البر: الاستيعاب بهامش الإصابة 4/208-209.

                          وعن محمد بن عمار بن عمرو بن حزم: أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر رجلاً فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم ثم يحدثهم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه حتى فعل ذلك مراراً. قال: فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.(1)
                          وقال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره.
                          وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين.(2)
                          وقال الحاكم: قد تحريت الابتداء من فضائل أبي هريرة رضي الله عنه، لحفظه لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وشهادة الصحابة والتابعين له بذلك، فإن كل من طلب حفظ الحديث من أول الإسلام وإلى عصرنا هذا فإنهم من أتباعه وشيعته إن هو أولهم وأحقهم باسم الحفظ.(3)
                          وكفى بشهادة هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم ومن تلاهم من أعلام علماء الأمة على كثرة روايته وحفظه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
                          _____________
                          (1) البخاري: التاريخ 1/186.
                          (2) ابن حجر: الإصابة 4/206.
                          (3) الحاكم: المستدرك 3/512.
                          اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                          تعليق


                          • #14
                            - عدالته وضبطه

                            لقد ثبتت العدالة لأبي هريرة رضي الله عنه بتعديل الله عز وجل العام لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم وتعديل النبي صلى الله عليه وسلم لهم، بالآيات والأحاديث السابقة غيرها مما لم نذكره هنا خشية الإطالة، وذلك لما كانوا عليه من صدق الإيمان وحسن الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قاموا به من جهود وتضحيات، لنصرة الإسلام وإعلاء كلمته.
                            قال الخطيب: على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شئ مما ذكرنا لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين: القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم.(1)
                            ولم يثبت من خلال سيرة أبي هريرة ما ينافي ذلك من ردة أو كذب، أو نفاق، أو غير ذلك، مما نعيذه بالله تعالى منه، ومما يؤكد ذلك: رواية من ذكرنا قبل قليل من الصحابة والتابعين الذي بلغ عددهم المئات عنه.
                            كما أن العدالة تثبت عند علماء الجــرح والتعديل للراوي من غير
                            _______________
                            (1) الخطيب: الكفاية 94.

                            الصحابة رضي الله عنهم، برواية عدلين عنه وتوثيقهم له، ومنهم من اكتفى بتعديل واحد له.(1)
                            فكيف بمن روى عنه أكثر من عشرين صحابياً، ومئات من ثقات التابعين رضي الله عنهم، ووثقوه، من ذلك ما تقدم عن ابن عمر رضي الله عنهما من قوله لأبي هريرة: "أنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحفظنا لحديثه" وقول طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: "لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع".
                            وما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال لرجل سأله عن شئ: "عليك أبا هريرة".
                            لهذا لكه أجمع العلماء من المحدثين وغيرهم على تعديله مع غيره من الصحابة رضي الله عنهم، وقبول ما صحت نسبتها إليه من روايات، أما ما لم تصح نسبتها إليه فهي مردودة لا يحتج بها مثل غيرها من الروايات الضعيفة والموضوعة المنسوبة إلى غيره من الصحابة من آل البيت وغيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
                            وعليه فلا التفات إلى التشكيك بهن أو بما صحت نسبته إليه من روايات من قبل من توارثوا سوء الظن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم، ومن رددوا مفترياتهم من الجاهلين بسيرة هذا الصحابي الجليل، والمستخفين بشرف صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم بذلك ما لم يقدم مثله أو قريباً منه لهذا الدين المتقولون عليه وعلى غيره من سلف الأمن الصالح وعلمائها المخلصين.
                            ___________

                            (1) الخطيب: الكفاية 94.

                            وإذا كانت العدالة قد تحققت لأبي هريرة بكل الاعتبارات المتقدمة، فإنه قد تحقق له أيضاً: الضبط التام لرواياته، وقد شهد بذلك تلاميذه وغيرهم من المختبرين لحفظه وضبطه.
                            روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلف نبي، وأنه لا نبي بعدي الحديث": (1) أي أنه لم يزد فيه ولم ينقص منه على مدى المدة المذكورة.
                            وروى الحاكم عن كاتب مروان بن الحكم أمير المدينة قال: "إن مروان دعا أبا هريرة، فأقعدني خلف السرير وجعل يسأله، وجعلت أكتب حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر".(2)
                            وكان ذلك من مروان اختباراً لحفظ أبي هريرة رضي الله عنه كما يبدو، ولم يكن الإملاء عنه بعلمه كما هو واضح، ومما يشهد لتمام حفظه وضبطه ما تقدم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "يا أبا هريرة أن كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه".(3)
                            ____________________________
                            (1) أحمد:المسند15/109، والبخاري: بفتح الباري6/350، ومسلم2/87، واللفظ لأحمد ومعنى تسوسهم: تتولى أمورهم.
                            (2) الحاكم:المستدرك3/510، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي عليه.
                            (3) الترمذي 5/348، والحاكم: المستدرك 3/511، بلفظ وأعلمنا بحديثه.

                            وما روي عن الأعمش عن أبي صالح قال: "كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم".(1)

                            فهذه الروايات وغيره من الروايات المتقدمة الدالة على حفظه جعلت العلماء يثقون بحفظ أبي هريرة وضبطه، ويعتنون برواياته، وكان من عنايتهم بها موازنتهم بين أسانيدها من حيث التفاوت في الصحة، إذ رويت عنهم في ذلك أقوال:

                            فقيل: "أصح أسانيد أبي هريرة: الزهري عن سعيد بن المسيب عنه، وقل أبو الزناد، عن الأعرج عنه، وقيل: حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة".

                            ومنهم من قال: "إن أصح أسانيد اليمانيين معمر عن همام عن أبي هريرة".

                            وقال أحمد بن صالح المصري: "أثبت أسانيد أهل المدينة: إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي هريرة"

                            وقال أبوبكر البرديجي: "أجمع أهل النقل على صحة أحاديث الزهري عن سالم، عن أبيه، وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة".(2)
                            __________________
                            (1) الحاكم: المستدرك 3/509
                            (2) الحاكم: معرفة علوم الحديث 55، والسيوطي: تدريب الراوي 1/46-48.

                            وأياً قيل، فإن هذه الأقوال تدل على أهمية روايات أبي هريرة واهتمام المحدثين الواضح بها: حفظاً ووعياً وتدويناً حيث أخرجها أئمة المحدثين في كتبهم، فالكتب الستة وغيرها من الكتب المشهورة والمتداولة، اعتمدت روايات أبي هريرة بلا نكير عندهم، فلا تكاد تجد باباً إلا وله فيه حديث أو أكثر
                            اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                            تعليق


                            • #15
                              -مسلكه في الرواية

                              إن المتأمل فيما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه من أحاديث يجده أنه قد سلك في روايته فها مسلكين رئيسيين:

                              المسلك الأول: هو الرواية المجردة للأحاديث النبوية:

                              وهي التي يقتصر فيها على أداء ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال، أو شاهده من أفعال وأحوال لتلاميذه أو للسائلين له عن حديث أو أحاديث بعينها لتحملها منه، أو للتأكد من صحة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك.

                              فمن ذلك: ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيارهم خيارهم لنسائهم".(1)

                              وروى عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخلت على أبي هريرة في بيته، فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات؟ فقال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات".(2) فقد اقتصر في أداء هذين الحديثني على ما سمعه من رسول الله صلـى الله
                              ____________
                              (1) أحمد: المسند 13/133، والترمذي: السنن2/204، وقال حسن صحيح.
                              (2) أحمد: المسند5/180، وأبو داود 2440.


                              عليه وسلم على عادة محدثي الصحابة ومن بعدهم من تابعين وغيرهم رضي الله عنهم في التحديث، وهذا المسلك هو الغالب على ما روي عنه من أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
                              المسلك الثاني: هو الرواية غير المجردة:

                              وهي التي يرويها ضمن كلام له يشرح فيه الرواية، أو يستنبط منها معاني، أو أحكاماً استفادها منها، أو من روايات أخرى باجتهاده وفهمه الخاص. بقصد التعليم والإرشاد اللذين شكلا ظاهرة بارزة في حياته رضي الله عنه الدعوية: التي أولاها اهتمامه كما سنرى فيما بعد.

                              ومن تلك الروايات على سبيل المثال:

                              ما رواه أحمد، عن محمد بن زياد، قال: رأيت أبا هريرة مر بقوم يتوضؤون من مطهرة، فقال: أحسنوا الوضوء يرحمكم الله، ألم تسمعوا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويل للأعقاب من النار".(1)

                              وما رواه أحمد والبخاري عن سالم بن عبد الله قال:"ما أدري كم رأيت أبا هريرة قائماً في السوق يقول: يقبض العلم وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قال: قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال"بيده هكذا وحرفها".(2) أي حركها يميناً وشمالاً.
                              ________________
                              (1) أحمد: المسند14/222، والمطهرة: الإناء الذي يتطهر منه.
                              (2) أحمد: المسند 14/257، والبخاري1/165، والهرج بفتح الهاء وإسكان الراء: القتل.


                              وبهذا نراه قد قدم هاتي الروايتين بكلام من عنده، حيث أمر بإحسان الوضوء خوف الوقوع بما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وهي النار في الرواية الأولى.

                              وقدم للرواية الثانية ببيان بعض أشراط الساعة، كقبض العلمن وظهرو الفتن، وكثرة القتل، وذلك على سبيل التحذير من التمادي في المعاصي، والبعد عن طاعة الله تعالى، وختمها بما يؤكد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

                              المرفوع والموقوف في روايات أبي هريرة:

                              وعلى هذا فالكلام الذي يأتي به في أول الروايات المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو في آخرها يعد موقوفاً عليه، لأنه من كلامه هو، لا من المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي إذا سئل عنه أحياناً، هل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول: لا هذا من كيسي، أو من كيس أبي هريرة.
                              وقد ظن بعض من لا لعم له بالحديث، ولا معرفة له بطريقة أبي هريرة في الرواية أنه يعني بقوله هذا: الرواية بسميها (المرفوع والموقوف) لا الموقوف منها خاصة، فراح يقول جهلاً: إن أبا هريرة ينسب ما يقوله من نفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصادفت هذه المقولة الجاهلة هوى في نفوس الذين في قلوبهم مرض، فأخذوا يرددونها، لعلها تؤيدهم فيما يفترون على هذا الصحابي الجليل.
                              اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                              تعليق

                              يعمل...
                              X