إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

موسوعه فتاوى اللقاء الشهري العلامه ابن عثمين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #61
    نصيحة لمن يفرط في شهر رمضان


    السؤال
    فضيلة الشيخ نقاط مهمة أحب أن يكون لكم فيها لنا نصيحة وتوجيه: رمضان في هذا العام الليل طويل والنهار قصير بارد، ومن المتوقع أن يضيع الليل على الكثير شيباً وشباباً، أما الكبار من الرجال والنساء فإن المسلسلات والأفلام لهم بالمرصاد، إذا طال الليل طالت، ونوعت على حُبٍّ وغرام، وأما الشباب فالبراري والأحواش والدشوش ولعب البلوت والورق، أرجو من فضيلتكم بسط الجواب عسى الله أن ينفع بكم عباده؟

    الجواب
    واقع هذا السؤال مؤلم، أن يفني الإنسان عمره في مثل هذه الأمور، سواء في رمضان أو في غير رمضان.
    إنني أقول: لو أن إنساناً فقد درهماً واحداً من ماله لصار يبكي عليه ويطلبه.
    ولو أنه ضاع عليه في الحساب خطأً درهم واحد لذهب يكرر الحساب مرة بعد أخرى حتى يعرف أين كان هذا الدرهم، لا شك أن هذا هو الواقع عند كثير من الناس أو أكثرهم، وهؤلاء مساكين يضيعون ساعات العمر واللحظة منها أفضل من الدنيا كلها، اللحظة منها إذا لم يصرفها الإنسان في طاعة الله فهي خسارة لا تعوض، المال يمكن أن يعوض بأن يتجر الإنسان ويربح، أو يموت له قريب غني ويرث، لكن العمر لا يعوض أبداً، إذا فات منه لحظة أبعدتك من الدنيا وأقربتك من الآخرة، ويدلك على أن العمر أغلى من المال كله: أن الله قال في كتابه: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون:99-100] هذا المال الذي أفنى عمره به يطلب من الله أن يرجع ليعمل بهذا المال صالحاً، ولكن أنَّى ذلك، قال الله تعالى: {كَلَّا} [المؤمنون:100] أي: لن ترجع، ثم أكد عز وجل أنها كلمة حق: {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون:100] الله أكبر! يقولها الإنسان وإن لم يسمع، يمكن أن من عنده لا يسمعونه لكنه قائلها، ولهذا جاءت الجملة اسمية، لم يقل: إنها كلمة يقولها، قال: {كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون:100] بالتأكيد، ولكن لا تنفع {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ} إلى متى؟ {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون:100] ولا يمكن أن يعودوا إلى الدنيا، هؤلاء الذين يمضون أوقاتهم في هذه المقولات -في السؤال- هم أعظم الناس خسارة وأفدحهم -والعياذ بالله- هذا في غير رمضان فما بالك في رمضان! الذي ساعته غرر، وأوقاته درر، والإنسان لا يدري هل يدركه بعد عامه أو لا يدركه، كم من إنسان استقبله فلم يدركه، وكم من إنسان أدرك أوله ولم يدرك آخره؟ وكم من إنسان أدركه كله ولم يستفد منه شيئاً؛ لأنه أمضاه في المعصية؟ الله أكبر! السلف الصالح يقال عنهم: إنهم يسألون الله ستة أشهرٍ أن يبلغهم رمضان، فإذا أتى سألوا الله ستة أشهر أن يقبل منهم رمضان، وهؤلاء يفرطون في هذا الشهر هذا التفريط -والعياذ بالله- الشيوخ والعجائز يمضون الليالي في المسلسلات واللغو من القول، بل والمنكر من القول أحياناً، ولست أقول هذا معمماً لكل الشيوخ والعجائز بل في الشيوخ والعجائز -ولله الحمد- من يبيتون لربهم سجداً وقياماً في رمضان وفي غيره، لكن الناس ابتلوا الآن بفتنة دخلت عليهم في البيوت، ولم يستطع أن يتخلص منها إلا من شاء الله هدايته.
    فنصيحتي لإخواني: أن يتقوا الله تعالى في هذا الشهر، وأن يقبلوا على العبادة، وإني ليغلب على ظني أن قوماً انقطعوا إلى الله عز وجل شهراً كاملاً في عبادته صياماً في النهار، وقياماً في الليل، وصدقات، وقرآن، وذكر لله عز وجل، أعتقد أنهم سيجدون تربية، وأن هذا سيؤثر على قلوبهم حتى يستقيموا على أمر الله.
    الله الله يا إخوان، أوصي نفسي قبلكم وأوصيكم أيضاً: بأن ننتهز هذه الفرصة العظيمة.

    (33/7)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم الجمع بين صلاتي الظهر والعصر للمطر


    السؤال
    فضيلة الشيخ نحن في هذه الأيام نعيش فصل الشتاء وهو موسم الأمطار، ولقد حدث في مسجد حينا أن أم الناس في صلاة الظهر أحد الإخوة، وهو يصلي بالناس كان المطر يتساقط وبعد أن انصرف من صلاته شاور الجماعة ما تقولون: أنجمع صلاة العصر مع الظهر، وبعد أن كرر ذلك ثلاث مرات أجابه أحدهم: بأن يتوكل على الله ويجمع، سؤالي: ما رأي فضيلتكم في جمع صلاة العصر مع الظهر جمعاً، وما تقولون في مثل هذه الاستشارة؟

    الجواب
    أولاً أقول: إن الله تعالى فرض الصلاة على العباد فرضاً مؤقتاً محدداً، فقال جل وعلا: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء:103] لكن هذه الآية دلت عليه إجمالاً لا تفصيلاً، لكن فصلها رسوله عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ} [النساء:170] جاءنا بالحق عليه الصلاة والسلام وجزاه الله عنا خيراً، قال عليه الصلاة والسلام: (وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر، ووقت العصر إلى أن تصفر الشمس، ووقت المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) وقتها الرسول بينها حددها حداً واضحاً يتميز به كل وقت صلاة عن الآخر.
    فإذا قدم الإنسان صلاة قبل وقتها، ولنقل: إنه كبر للظهر وصلى ركعة قبل أن تزول الشمس هل تصح صلاته؟ لا تصح، لماذا؟ لأنه ما دخل الوقت فصلاها قبل أمر الله ورسوله بها، وقد ثبت عن النبي صلى عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود غير مقبول، الله عز وجل يقول: صل لي بعد زوال الشمس، وأنت تصلي قبل زوال الشمس!! العصر متى يأتي وقتها؟ إذا صار ظل الرجل كطوله دخل وقتها، هذا رجل صلاها مع الظهر هل تقبل؟ لا تقبل، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) لا تقبل بأي حال من الأحوال إلا بعذر شرعي قام عليه الدليل.
    ومن العذر الشرعي: إذا كان الإنسان مريضاً، ويشق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها نقول: اجمع الظهر مع العصر جمع تقديم أو تأخير حسب المتيسر لك، واجمع المغرب مع العشاء.
    المطر: اختلف العلماء رحمهم الله: هل يجوز الجمع للمطر أو لا يجوز؟ فمنهم من قال: لا يجوز أبداً، لا في صلاة الظهرين ولا في صلاة العشائين.
    ومنهم من قال: يجوز الجمع بين صلاة المغرب والعشاء دون الظهر والعصر.
    وهذا هو مذهب الحنابلة الذي عليه عامة علماء هذه البلاد، يقولون: الجمع بين الظهر والعصر حرام، ولا تقبل صلاة العصر، وإنما الجمع بين المغرب والعشاء فقط؛ لأنه الذي يحصل به المشقة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة الذي عليه عامة علماء أهل هذه البلاد.
    وقال بعض العلماء: يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إذا وجد السبب الشرعي.
    وهذا القول أصح وأرجح؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر) هذا كلام ابن عباس، وابن عباس من فقهاء الأمة وحفاظها.
    فالصحيح: أنه يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء إذا وجد السبب الشرعي.
    ابن عباس عندما حدث بهذا الحديث لم يتركه الناس، لأننا لو أخذنا بهذا الحديث على إطلاقه لفاتت الفائدة من تحديد وقت الصلاة، فلو قلنا: اجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء لعذر أو لغير عذر، صار تحديد الرسول عليه الصلاة والسلام لوقت الصلاة لا عبرة به، ولهذا ناقشه الناس، قالوا: يا ابن عباس! ما أراد إلى ذلك؟ لماذا يفعل هذا؟ قال: (أراد ألا يحرج أمته) والمعنى: ألا يلحق الأمة حرجٌ إذا لم يجمعوا.
    فنقول لمن جمع بين الظهر والعصر: هل أنت حين جمعت ترى أن الناس يلحقهم حرج ومشقة لو حضروا لصلاة العصر، أم لا؟ الغالب أنه لا يلحقهم، هذا هو الغالب، وقد قال العلماء رحمهم الله: لا يجوز الجمع للمطر، إلا لمطر يبل الثياب وبللها معناه: أنه لو عصرت الثياب لخرج منها المطر، ليس مجرد النقطة والنقطتين، إلا لمطر يبل الثياب، وتوجد معه مشقة احترازاً مما لو جاء المطر في أيام الصيف، أيام الصيف يفرح الواحد إذا جاء ثوبه ماء يبرده، ما في مشقة، لكنهم قالوا: لا بد من مطر يبل الثياب، وتوجد معه مشقة.
    وليسأل هذا الإمام الذي شاور الناس وسكتوا ثم في المرة الثالثة أجابه شخص يمكن لا يعرف الحكم، وقال: توكل على الله اجمع.
    نقول له: هل بربك تعتقد أن المطر يبل الثياب ويشق على الناس أن يأتوا إلى العصر؟ لا بد أن يتحقق الإنسان هذا، وأما التلاعب بدين الله، وبعض الناس أدنى نقطة يقول: (من غير خوف ولا مطر) هكذا قال ابن عباس، هكذا في صحيح مسلم، طيب، لا تكن كالذي قال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} [الماعون:4] وسكت لم يقل بعدها: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون:5] ابن عباس رضي الله عنه لما حدث بهذا الحديث ناقشه الصحابة قالوا: لماذا؟ قال: (أراد ألا يحرج أمته) أنت إذا فعلت مثلما يدل عليه حديث ابن عباس فعلى العين والرأس، أما مجرد نقطة مطر أو بلل في الأرض والسماء واقفة فهذا لا يجوز، يب هذا تلاعب بدين الله، أن يقدم الصلاة عن وقتها بدون عذر شرعي مثل من فعل أكبر كبيرة، مع أننا لو شاهدنا أحداً يزني أو يشرب الخمر أنكرنا عليه، الصلاة قبل وقتها بدون عذر شرعي أكبر من هذه لماذا؟ لأن إضاعة الصلاة ركن من أركان الإسلام، ليست هينة، المسألة ليست لعباً، وفقه الشرع ليس إلى المبتدئين في العلم، بل إلى العلماء الذين رسخوا في العلم، وعلموا موارد الشريعة ومقاصدها، ليس إذا عرف الإنسان حديثاً واحداً يقول: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا، ليس بصحيح هذا، اتق الله -يا أخي- بنفسك، واعلم أنك مسئول يوم القيامة، يسألك الله عز وجل: لماذا تعديت حدودي؟ لماذا أذنت للناس بصلاة قبل دخول وقتها بدون عذر؟ لا بد للإنسان أن يتقي الله عز وجل في عباد الله وفي نفسه أولاً.
    ولقد حدثت أن قوماً صلوا الجمعة -لكن في غير عنيزة - وصلوا معها العصر، انظر الجهل المركب، جهل مركب إلى أبعد الحدود، من قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع بين العصر والجمعة؟ ائتوا لنا بحديث صحيح أو ضعيف أنه جمع بين العصر والجمعة، وقياس الجمعة على الظهر خطأ؛ لأن بينهما من الفروق ما يمتنع معه القياس، الفروق بين الجمعة والظهر أكثر من عشرين فرقاً، الجمعة صلاة مستقلة بوقتها وشروطها وأحوالها ومكانها، كل البلاد يمكن أن تصلي الظهر في كل مسجد، بل يمكن أن يصلي أهل المكاتب في مكاتبهم على قول بعض العلماء، لكن الجمعة يجب أن تكون في مكان واحد في البلد إلا للضرورة كتباعد الأحياء، أو ضيق المكان، أو ما أشبه ذلك، فكيف يقاس هذا على هذا؟! أليست الشريعة حدوداً حدها الله؟! هل أنزل في كتابه، أو على لسان رسوله، أو بفعل الرسول عليه الصلاة والسلام أنه جمع بين العصر والجمعة؟! أنا أتحدى أي واحد، أي إنسان يقف على حديث صحيح أو ضعيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع بين العصر والجمعة فليتفضل بإرشادنا إليه، وإلا فليتق الله في أمة محمد، لا يتلاعب، ولهذا قيل لي: إنه صدرت فتوى من لجنة الإفتاء في الرياض بأن على هؤلاء القوم أن يعيدوا صلاة العصر؛ لأنهم تعدوا حدود الله، قدموا العصر قبل دخول وقته، وكذلك يقال أيضاً في العصر مع الظهر: إذا لم يكن هناك سبب شرعي يبيح الجمع.

    (33/8)


    --------------------------------------------------------------------------------

    كيفية أداء أذكار صلاتي المغرب والعشاء ورواتبهما عند الجمع بينهما


    السؤال
    فضيلة الشيخ إذا حصل ضررٌ في الجمع فجمعت الصلاة، فهل إذا جمعت تصلى راتبة المغرب والعشاء وتقال أذكار المغرب والعشاء كذلك، أم يكتفى ببعضها دون بعض؟

    الجواب
    أما الراتبتان فتصليان، راتبة المغرب أولاً ثم راتبة العشاء ثانيا، وأما الأذكار فالظاهر أنه يكتفى بذكر واحد، لكن أيهما أكثر: ذكر المغرب أو ذكر العشاء؟ ذكر المغرب، فإذا اقتصر عليه الإنسان فأرجو أن يكون كافياً.

    (33/9)


    --------------------------------------------------------------------------------

    تقديم قضاء الدَّين على النافلة


    السؤال
    فضيلة الشيخ أنا مدينٌ لعدة أشخاص هل أذهب إلى مكة للصيام فيها مع أولادي مع أن أجرة السكن سوف أتقاسمها أنا وأولادي؟

    الجواب
    إنني أسأل سؤالاً: هل الصدقة أفضل أو الزكاة الواجبة؟ الزكاة الواجبة.
    هل التطوع أفضل أو الواجب؟ الواجب.
    هل العقل أن أبدأ بالواجب قبل التطوع أو بالعكس؟ يقتضي أن أبدأ بالواجب قبل التطوع، فلا يجوز للإنسان أن يذهب إلى مكة للتطوع بالعمرة وعليه دين، الدين يجب عليه الوفاء به، والتطوع في العمرة هل يجب عليه؟ لا يجب، حتى الفريضة تسقط مع وجود الدين.
    يا إخواني: الدين ليس عاطفة، الفرض الذي فرضه الله على العباد وهو حج البيت والعمرة إذا كان الإنسان مديناً سقط عنه، ولقي ربه بغير ذنب، إنسان مدين ولم يحج لم يؤدِ الفريضة، نقول: كلمة: (لم يؤد الفريضة) غلط، لماذا غلط؟ لأن ما عليه فريضة، حتى الآن ما عليه فريضة، لكن لا يكون الحج فريضة إلا لمن سلم من الدين.
    ولذلك نقول لهذا الأخ: هون على نفسك، أمسك عليك مالك، ابق في بلدك، وفِّر الدرهم لقضاء دينك، ولا تكن كالذي عمر قصراً وهدم مصراً.
    فنرى لهذا الأخ: أنه يجب عليه البقاء في بلده، نعم لو فرض أن أحداً من الناس تبرع له بكل النفقات، وقال: لا تعطني ولا درهماً واحداً.
    فهنا نقول: إذا كان سفره إلى العمرة لا يعطل شغلاً يحصل به على المال فليذهب؛ لأنه في هذه الحالة هل يضر غريمه أو لا يضره؟ لا.
    قال له شخص: أنا أعلم أن عليك عشرة آلاف ريال، وأعلم أن الدين يجب تقديمه على التطوع، لكن تفضل معي أنت وأهلك مجاناً من حين تركب حتى ترجع، هل له أن يذهب معه؟ هنا نقول: إذا كان صاحب عمل، وكان غيابه عن عمله ينقص من تحصيله فلا يذهب، أما إذا لم يكن صاحب عمل، وأن ذهابه معه لا ينقصه شيئاً، فلا بأس أن يذهب معه.
    السائل: هل يفرق إذا كان الدين حالاً أو غير حال؟ الشيخ: نعم.
    لا يفرق بين كون الدين حالاً ولا مؤجلاً، إلا إذا كان مؤجلاً وهو يعرف من نفسه أنه إذا حلَّ الأجل فهو قادر على الوفاء فلا بأس، كرجلٍ موظف عليه دين يحل بعد شهرين مثلاً، ويعرف أنه إذا حل الدين فهو قادر على الوفاء، فحينئذٍ نقول: اذهب، لأن بقاءه في بلده لا يغني الغريم شيئاً.

    (33/10)


    --------------------------------------------------------------------------------

    مسئولية رعاية الأب لأبنائه مقدمة على النوافل


    السؤال
    فضيلة الشيخ ما رأيك بمن يذهب بعائلته إلى مكة لأداء العمرة، ويترك أبناءه يمضون في الشوارع وهو لا يصلي، بل حتى نساءه يتسكعن في الأسواق بين الرجال وهو يصلي في الحرم، لكن ليس له دخل بهم، هل هو مأجور أم آثم؟

    الجواب
    أقول عن عقيدة مبنية على أصل: إنه آثم وليس بمأجور؛ لأنه أهمل أمراً حمله الله إياه لأمرٍ ليس بواجب، ما الذي حمله الله؟ رعاية أهله، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} [التحريم:6] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الرجل راعٍ في أهل بيته ومسئول عن رعيته) أين تحذير الله عز وجل أن نقي أنفسنا وأهلينا ناراً؟ وأين الرعاية التي حملنا إياها رسوله صلى الله عليه وسلم والإنسان يجلس في المسجد الحرام مع ما فيه من الشدة والضيق ومشاهدة النساء وغير ذلك، وأولاده الذكور والإناث يتسكعون في الأسواق، أين الرعاية؟ أين الأمانة؟ فأقول: إنه آثم، فإذا قال: إذا أثمتموني بذهابي وأهلي معي أبقي أهلي في البلد وأذهب أنا، قلنا: لا بأس، هل إذا أبقيت أهلك في البلد هل لهم راعٍ يرعاهم؟ إن قال: نعم.
    قلنا: لا بأس اذهب؛ لأنه لا يترتب على ذهابه شيء، ولا نقص رعاية، ولا إخلال بأمانة، أما إذا قال: إذا ذهبت لم يبق أحد يرعاهم، وسفروا في البلد، وحصل إهمال، فنقول: لا تذهب ولا للعمرة، اللهم إلا أن تذهب في أول النهار بالطائرة وترجع في آخر النهار بالطائرة، حتى لا يضيع الوقت عليك بالنسبة لرعاية أهلك.
    وإني أقول وأكرر أمانة أبلغها لمن شاء الله: إن الدين ليس بالعاطفة، الدين حدود وتشريعات من الله عز وجل، انظر عملك قبل أن تفعل ما تهوى نفسك، هل عملك مطابق للشريعة أم لا؟ إن كان مطابقاً للشريعة فذلك من فضل الله، فافعل ما تقتضيه الشريعة، لو كان الدين بالعاطفة لكان جميع أهل البدع على حق؛ لأن هذا هو الذي تمليه عليهم عاطفتهم، الصوفية يقولون: هذا أعلى رتب الإيمان، والمعطلة لأسماء الله وصفاته يقولون: هذا أعلى رتب التنزيه، والممثلة يقولون: هذا أعلى رتب الامتثال، وهلم جراً، لكن الدين شرع محدد من قبل الله ورسوله، فإذا كان كذلك فليس كلما يروق لي ويدخل مخي ويتحلاه ذوقي يكون شرعاً، ليس بصحيح، المشركون حينما يشركون هل هذا ذوق لهم أو اتباع؟ ذوق.
    هم يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] ولَكُنَّا نقول: هذا حق أيضاً، فكون الإنسان يعمل بهواه وبما يتذوقه ويقول: هذا هو الشرع ويعرض عما أوجب الله عليه فهذا خطأ عظيم، يقول الله عز وجل: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:71] .

    (33/11)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم تكفير صوم رمضان للكبائر وحقوق الآدميين


    السؤال
    فضيلة الشيخ: ذكرت في أول اللقاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) فهل يشمل هذا الكبائر والصغائر وحقوق الآدميين، أرجو التفصيل وفقك الله؟

    الجواب
    الحديث هكذا جاء عاماً: (غفر له ما تقدم من ذنبه) و (ما) اسم موصول من صيغ العموم، تقتضي أن جميع الذنوب مغفورة، ولكن هذا العموم مخصص بأدلة أخرى، وهي أنه لا بد من اجتناب الكبائر، والدليل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان -صيامه وقيامه- مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) وعلى هذا فيكون هذا العموم مخصوصاً بالسنة بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (رمضان إلى رمضان مكفر لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) فلا تطمع -يا أخي- فيما ليس لك، ولا تيئس مما هو لك، أنت صم رمضان إيماناً واحتساباً وقم رمضان إيماناً واحتساباً وأبشر بالخير.

    (33/12)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم صوم المصاب بمرض السكر


    السؤال
    إذا كان الإنسان مريضاً بالسكر وهو يعتمد على الحبوب دون الإبر وصحته لا بأس بها، فأيهما أفضل في حقه: أن يصوم أم أن يفطر؟ جزاك الله خيراً.


    الجواب
    هذا حسب القاعدة التي ذكرناها وهي: هل الصوم يشق عليه؟ هل الصوم يضره؟ إن كان الصوم يشق عليه فالصوم في حقه مكروه، وإن كان يضره فالصوم في حقه حرام، فإذا قال الأطباء: إنك إذا تركت أكل الحبوب في الساعات المقررة فإن السكر ربما يؤدي إلى هلاكك، فإن الواجب عليه أن يفطر، والحمد لله: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) بل إن الفطر في حال الضرر بالصوم عزيمة وليس رخصة.

    (33/13)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم الاهتمام بالنافلة دون الفريضة


    السؤال
    فضيلة الشيخ يهتم كثير من الأئمة بكثرة المصلين معه في رمضان، ولو كان على حساب صلاة الفريضة، أو على العبادة: ومن ذلك: الأذان للعشاء قبل الوقت المحدد بربع ساعة لكي يخرج مبكراً.
    ثانياً: ترك الاستعاذة من عذاب القبر وفتنة الدجال في صلاة التراويح، لكي يخرج أيضاً مبكراً.
    ثالثاً: التخفيف في صلاة العشاء مع أنها فريضة وهي أحب العمل إلى الله، وإطالته لصلاة التراويح.
    رابعاً: الاقتصار في التسبيح بعد الصلاة -أعني: الفريضة- على أقل القليل، والاستمرار على ذلك طيلة الشهر.
    خامساً: عدم الاطمئنان في الركوع والسجود، حتى ولو قرأ وجهاً في الركعة فإنه لا يزيد على ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود.
    إلى غير ذلك، فما نصيحتك للأئمة في هذه النقاط بالتفصيل؟

    الجواب
    وأزيده أيضاً: ترك الاستفتاح في أول كل صلاة.
    نقول: أولاً: ولي الأمر قرر أن أذان العشاء بعد مضي ساعتين من غروب الشمس، فهل أمر بمحرم؟ لا.
    لأن تأخير صلاة العشاء أفضل من تقديمها، ثم إن تأخيرها إلى مضي ساعتين بعد غروب الشمس أرفق بالناس، حتى يجلس بعد صلاة المغرب من يتعشى منهم ويتعشى بهدوء ومن يتقهوى ويتوضأ كذلك، فهو أرفق بالناس، وطاعة ولي الأمر في غير المعصية طاعة لله، ومعصية ولي الأمر في غير المعصية معصية لله، ولهذا إذا قرر ولي الأمر أن الأذان في العشاء في الساعة الثانية أي: بعد مضي ساعتين من الغروب فأرى أن يجب امتثاله، وهل فاتنا شيء؟ حتى الفضيلة يا إخواني ما فاتتنا؛ لأن صلاة العشاء الأفضل فيها التأخير، لو قال قائل: ولي الأمر لو قال: أخروا نصف ساعة عن الوقت العادي، هذا أمر بترك الفضيلة؟ نقول: هذا غير صحيح، أنت لا تفهم الفضيلة، الفضيلة كلما أخرت فهو أفضل، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج وقد ذهب عامة الليل في صلاة العشاء قال: (إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي) وليس على الأمة بمشقة إذا أخر أذان العشاء إلى الساعة الثانية، أي: إلى بعد ساعتين بعد الغروب.
    ثانياً: يقول: إنه يعجل في صلاة العشاء، يقرأ فيها سور قصيرة، ويمكن الركوع والسجود أيضاً يقصره، وهذا خطأ، أيهما أفضل: الفريضة أو النافلة؟ الفريضة.
    الشيخ: الفريضة أفضل؟ النافلة زيادة خير هداكم الله إذا قلت: السلام عليكم، وقال الثاني: عليك السلام، أيهما أفضل: قولي أنا: السلام، أو قوله: وعليك السلام؟ أنا أفضل منه، مع أن رده واجب وسلامي سنة.
    إذاً الآن نسأل: هل السنة أفضل في قيام رمضان أو الفريضة؟ الفريضة أفضل، والدليل: نقلي وعقلي: الدليل النقلي: قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال: (وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) هذا كلام رب العالمين، رواه عنه أصدق الخلق عليه الصلاة والسلام.
    إذاً الفريضة أفضل من النوافل، فهي أحق بأن يتأنى فيها الإنسان أكثر من التأني في التراويح.
    والدليل العقلي: أن الواجب أفضل من التطوع، أنه لولا تأكده ما أوجبه الله، فلم يوجبه الله على عباده إلا لأنه أحب إليه ولأنه أوكد، فلم يجعل للإنسان خياراً في الواجب بل جعله حتماً عليه، وهذا يدل على أن الواجب أفضل من التطوع، وأن الإنسان ضرورته إلى الواجب أعظم من ضرورته إلى التطوع.
    بقي الإشكال الذي أوردته: ابتداء السلام أفضل من رده، لماذا؟ لأن أصل رد السلام مبني على ابتداء السلام، فلولا أني ابتدأت بالسلام ما رد عليَّ، فمن ثم صار ابتداؤه أفضل؛ لأنه يترتب عليه الرد الذي هو الواجب، فصار الابتداء فيه تطوع وواجب؛ تطوع لأنه ابتداء، وواجب لأنه ذريعة إلى الرد الذي هو واجب.
    هذا محظور كونه يقصر في صلاة العشاء ويتأنى في التراويح خطأ خطأ في الأول، أما التأني في التراويح فنحن نحمده على ذلك.
    ثانياً: ترك الاستفتاح.
    أكثر الذين يصلون التراويح يستفتحون في أول تسليمة فقط، والباقي لا، سبحان الله!! لماذا تترك الاستفتاح؟ أليست التسليمة الثانية مستقلة عن الأولى؟ بلى.
    لو بطلت الثانية لم تبطل الأولى، مستقلة عنها تماماً، فإذا كانت مستقلة عنها فإن المشروع في الأولى يكون مشروعاً في الثانية، فكما أن الاستفتاح مشروع في التسليمة الأولى فهو مشروع في التسليمة الثانية.
    ثالثاً: يتركون الاستعاذة؛ وهي: (أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) .
    وأزيد على ذلك: أن بعضهم يترك بقية الصلاة الإبراهيمية، إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد.
    السلام عليكم.
    فقط، لا يتمون حتى الصلاة الإبراهيمية، سبحان الله!! نحن جئنا نتعبد الله، {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة:16] تركنا الأهل والفرش لأجل أن نتقي الله، تقتصر بنا على: اللهم صلِّ على محمد، وربما يكون الإمام سريع القراءة فينتهي من: اللهم صلِّ على محمد قبل أن يقول ذاك: السلام عليك أيها النبي.
    وهذا غلط عظيم.
    أما ترك الاستعاذة من الأربع: (أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) .
    فإن مذهب الإمام أحمد رحمه الله في أحد الوجهين: أن الاستعاذة من هذه الأربع واجبة، مثل التشهد الأول، لا بد أن تستعيذ بالله من هذه الأربع، وهذا القول له وجهة قوية من النظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تشهد أحدكم التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع) فأمر بالاستعاذة، ولأن الاستعاذة وقاية عظيمة للإنسان إذا استجاب الله له.
    فترك الاستعاذة يرى بعض العلماء من التابعين وغير التابعين أن من تركها وجب عليه إعادة الصلاة، ولهذا لما أمر طاوس وهو أحد التابعين المشهورين، أمر ابنه لما ترك الاستعاذة -من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال- أمره أن يعيد الصلاة؛ لأنه خالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: (إذا تشهد أحدكم التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع) .
    رابعاً: وهذه قاصمة الظهر وهي عدم الاطمئنان في الركوع والسجود، حتى كأنه ملحوق، كأن ناراً لحقته، أو وادياً لحقه، أو عدواً لحقه، لا يطمئن في ركوعه، ولا في سجوده ولا في قيامه بعد الركوع، ولا في جلوسه بين السجدتين، كأنه ملحوق، لماذا يا أخي؟ ألست تناجي الله عز وجل في صلاتك؟ ألست بين يدي الله؟ لماذا تفر من الله؟ أنت الآن ما أتيت للصلاة إلا للتقرب إلى الله، كيف تفر من الله وأنت تريد التقرب إليه؟ إن ركعتين متقبلتان من عند الله أفضل من ألف ركعة من هذا النوع، لو أن الأئمة اقتصروا في التراويح على ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقتصر عليه على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة مع التأني والطمأنينة لكان -والله- أفضل لهم، لا من جهة مقامهم بين يدي الله ولا من جهة اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أم المؤمنين وهي من أخص الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلم الناس بحياته سئلت: كيف كانت صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت: [ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة] فأما كونه يحافظ على ثلاث وعشرين ركعة ولكن يسرع هذه السرعة، فهذا غلط عظيم.
    رابعاً: الاقتصار في التسبيح بعد الصلاة -أعني: الفريضة- على أقل القليل والاستمرار على ذلك.
    كذلك أيضاً يهضمون الفرائض حقها من التسبيح بعد الصلاة، وهذا لو كان هناك حاجة لا بأس؛ لأنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في التسبيح بعد الصلاة أربعة أوجه: الأول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
    خمساً وعشرين مرة، تكون الجميع مائة مرة.
    ثانياً: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر.
    جميعاً ثلاثاً وثلاثين مرة، فالجميع تسع وتسعون، وكمال المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
    ثالثاً: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرة سرداً، الحمد لله ثلاثاً وثلاثين مرة سرداً، الله أكبر أربعاً وثلاثين مرة، كم هذه؟ مائة.
    والفرق بين هذه والتي قبلها: الفرق الأول: أن التي قبلها يجعل: سبحان الله والحمد لله والله أكبر عدداً واحد، وهذه يجعلها: سبحان الله وحدها، والحمد لله وحدها، والله أكبر وحدها.
    الفرق الثاني: ختم الصفة الأولى: بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأما الثانية: فيختمها بزيادة التكبير أربعاً وثلاثين.
    الصفة الرابعة: أن يقول: سبحان الله عشر مرات، والحمد لله عشر مرات، والله أكبر عشر مرات، وتكفي.
    لأن كل هذا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    (33/14)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم استعمال جهاز صدى الصوت في المساجد


    السؤال
    فضيلة الشيخ: إننا نصلي التراويح في بعض المساجد وفيها هذا الجهاز الذي يدعونه بالصدى، أي: الذي يكرر الكلام، وهو مما يساعد على الخشوع، وقد سمعنا لكم فتوى بحرمة هذا الجهاز، فهل هذا صحيح؟ وهل هذا التردد المنهي عنه يبطل الصلاة في هذا المسجد؟ وهل يأثم المصلي في تلك المساجد أم لا؟ وما حكم الإمام حينئذٍ؟

    الجواب
    نعم أفتيت بأن الصدى حرام، وأرجو ممن سمع مقالي هذا أن يبلغه؛ لأن الصدى كما سمعت يردد الحرف ولا سيما الحرف الأخير، هو يردد كل الحروف لكن الحروف التي قبل الأخير تدخل في الحرف الثاني ولا يبين التردد لكن في الحرف الأخير يبين، ولا شك أن هذا زيادة في كلام الله عز وجل.
    وإلحاق للقرآن الكريم بالأغاني المطربة، وهذا مما نهي عنه وذمه السلف، السلف ليس عندهم هذا لكن يقولون: إن الإنسان إذا جعل نغماته في القرآن الكريم كنغمات الأغاني فإن ذلك منهي عنه ومذموم، فكيف إذا جعلت هذه الآلة التي تزيد في القرآن ما ليس منه، يجعل الراء كم مرات؟ عدة راءات، والنون عدة نونات وهكذا بقية الآية، ونحن ما جئنا لنطرب، الذي يريد الطرب يذهب إلى محلٍ آخر.
    وأما كونه أزيد في الخشوع فهذا ليس عند من يرى أن ذلك حراماً، عند إنسان جاهل سمع هذا الإطراب والتغني وتلذذ به، لكن عند من يرى أن ذلك حراماً وأنه زيادة في كلام الله ما ليس منه، فلا يمكن أن يخشع، بل لا يزداد إلا نفوراً عن المكان والمسجد والإمام.
    وأرى أن الإمام الذي يفعل هذا يجب أن ينصح ويقال: يا أخي! الناس يتعلقون بذمتك، وهذا أمر ليس جائزاً فلا تفعل، لا بأس إن اكتفى بالميكرفون الداخلي خاصة دون المنارة، لا بأس إذا كان هذا أبين لصوتك وأهون لك أنت؛ لأن الإنسان في التراويح إذا لم يكن صوته قوياً جداً ربما يزداد في رفع الصوت فيتكلف ويشق عليه، فإذا جعل مكبر الصوت مكبراً عادياً أعانه على ذلك، هذا لا بأس لكن بشرط: ألا يكون في المنارة، وبشرط أن يكون مكبر الصوت بلا صدى، الصدى يقطع سلكه على طول ويبعد في الحال.

    (33/15)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم الأذان على ما في التقويم


    السؤال
    فضيلة الشيخ من المعلوم أنكم قد ذكرتم أن في التقويم بعض التقديم بعض الدقائق، فما اللازم في الإمساك والفطر على المرء وعلى المؤذن خاصة؟

    الجواب
    أما الإمساك فليحتط الإنسان فيه بمعنى: لا يؤذن قبل الوقت، إذا قال: دخل الوقت أو لم يدخل؟ نقول: انتظر حتى يغلب على ظنك، أو تتيقن أن الوقت دخل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالاً يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) قال الراوي: وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت.
    يقال للمؤذن: تأن يا أخي، لا تحرم عباد الله ما أحل الله لهم، الإنسان قد أحل الله له أن يأكل ويشرب حتى يتبين الفجر، فلا تحرم عباد الله ولا تؤذن قبل الوقت بخمس دقائق احتياطاً، ثم إنك إذا احتطت من جهة الصيام أخللت بالاحتياط من جهة الصلاة، والصلاة أهم، الصيام أباح الله لنا أن نأكل حتى يتبين الفجر، والصلاة نهانا أن نصلي حتى يتبين الفجر، فأنت لو احتطت للصيام وقعت في الخطأ بالنسبة للصلاة، والصلاة أهون؛ لأنه كم من امرأة أو مريض في البيت ينتظر الأذان وبمجرد ما يؤذن يقوم ويصلي، فربما يصلي قبل الوقت، وتكون أنت الذي تحملت هذا الإثم.
    في الغروب يحتاط أيضاً، لا يؤذن حتى يرى الشمس قد غابت، أو يغلب على ظنه أن الشمس قد غابت، ليس لازماً أن يتيقن غروب الشمس، إذا غلب على ظنه أن الشمس قد غابت فلا بأس، وأظن أن التقويم مع الساعة المضبوطة أظنه في الغروب لا بأس به، لكن في الفجر مقدم خمس دقائق بالتأكيد، خمس دقائق لا إشكال عندنا أن فيه تقديماً، لكن في الغروب الظاهر أنه على الصواب، ولكن لا بد أن تكون ساعة المؤذن مضبوطة، بعض المؤذنين ساعاتهم غير مضبوطة، تغره، ربما تقدم من حين ينظر الساعة فيؤذن، وهذا لا بد أن يحتاط، فيحتاط الإنسان في الفجر ويحتاط في الغروب، ويضبط ساعته تماماً، والحمد لله الآن ضبط الساعة سهل، أنا سمعت أن التليفون فيه رقم معين تضغطه فيبين لك الساعة، فالظاهر أن ساعة الإذاعة وساعة التوقيت كلها مضبوطة ولا شك أنها أضبط من الساعة التي في يد الإنسان.

    (33/16)


    --------------------------------------------------------------------------------

    نصيحة لاستغلال عطلة الربيع


    السؤال
    فضيلة الشيخ كما يعلم فضيلتكم بأن عطلة الربيع في هذا العام ستكون خلال شهر رمضان المبارك، مما يترتب على ذلك خروج الناس إلى البراري وتخييلهم فيه، مما يحصل فيه ما يحصل، فما الذي تنصح به من توزيع الأشرطة والكتيبات، وما نصيحتك للناس بعامة، هل إذا جاءت إجازة الربيع حتى في رمضان الخروج إلى البراري؟

    الجواب
    الواقع أن الأمر كما قال السائل: ستصادف إجازة نصف السنة هذا العام في رمضان، ولكن هل الخير أن أخرج إلى البر للنزهة وإضاعة الوقت، وربما يحصل من الكلام واللغو ما لا ينبغي في هذا الشهر المبارك، أو الأفضل أن أكون في بلدي أتعبد لله وأنتهز هذه الفرصة؟ لا شك أن الثاني أفضل، ولكن الأول مباح مع الإتيان بما لا بد منه من الواجبات وترك المحرمات.
    وفي هذه الحالة ينبغي لإخوتنا الدعاة إلى الله عز وجل: أن يختاروا بعض الرسائل القصيرة، أو الملفات التي يسمونها مطويات، أو الشرائط التي تدعوا إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، حتى يوزعوها على هؤلاء، فلعل الله أن يفتح عليهم.

    (33/17)


    --------------------------------------------------------------------------------
    وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
    وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

    حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
    https://www.musacentral.com/

    تعليق


    • #62
      اللقاء الشهري

      اللقاء الشهري [34]
      ما حكم الأضحية؟ ما هي شروطها؟ ومتى وقتها الذي لا تجزئ إلا فيه؟ وما هي الأمور المستحبة لمن نوى أن يضحي؟ الجزء الأول من هذه المادة أجاب بالتفصيل عن هذه التساؤلات، واشتمل الجزء الثاني منها على كثير من الفتاوى والنصائح المتعلقة بشئون الحياة المختلفة.

      (34/1)


      --------------------------------------------------------------------------------

      مشروعية الأضحية وشروطها
      إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
      أما بعد: فهذا اللقاء يعتبر جزءاً من لقاء لأنه متممٌ للقاء السابق وهو الرابع والثلاثون من اللقاءات الشهرية التي تتم كل شهر في هذا المسجد الجامع الكبير في عنيزة، أسأل الله تعالى أن يجعل هذه اللقاءات وغيرها من لقاءات إخواننا العلماء في كل البلاد لقاءات نافعة ينفع الله بها عباده؛ لأنه لا شك أن العلماء هم الهداة الذين يهدون بأمر الله عز وجل إذا وفقهم الله تعالى للأخذ بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
      تكلمنا في أول هذا اللقاء عن الحج شروطه وصفته وبعض أحكامه، وأما الليلة فإننا سنجعلها كلاماً عن الأضحية على وجه يسير ثم نجيب عن الأسئلة.

      (34/2)


      --------------------------------------------------------------------------------

      دليل مشروعية الأضحية من الكتاب والسنة
      الأضحية مشروعة في القرآن والسنة وإجماع المسلمين، يقول الله عز وجل مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2] والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خطابٌ له وللأمة، والحكم الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام موجهٌ له وللأمة؛ لقوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً} [الأحزاب:37] فقال الله: زوجناكها، وهذا خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ثم قال: {لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} [الأحزاب:37] فدل ذلك على أن الحكم الثابت للرسول صلى الله عليه وسلم ثابتٌ له وللأمة، ولهذا لما أراد الله تعالى أن يبين أن هذا الحكم خاصٌ بالرسول قال: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً} [الأحزاب:50] أي: وأحللنا لك امرأة مؤمنة {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب:50] .
      فقوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:1-2] يشمل الأمة.
      وقال الله عز وجل: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرْ الْمُحْسِنِينَ} [الحج:36-37] .
      وأما السنة فقد ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله حتى إنه كان صلى الله عليه وسلم يذبح ضحاياه في مصلى العيد إظهاراً لهذه الشعيرة، وكان الناس يفعلون هذا، لكن لما طال الزمن وتغيرت الأحوال صار الناس يذبحون ضحاياهم في بيوتهم.

      (34/3)


      --------------------------------------------------------------------------------

      الشروط المتعلقة بالأضحية
      الأضحية في الأصل عن الرجل وأهل بيته سواءٌ صغاراً كانوا أم كباراً ذكوراً كانوا أم إناثاً، فينبغي لقيم البيت أن يضحي عنه وعن أهل بيته، ولكن لا تقبل الأضحية ولا تكون أضحية شرعية إلا بشروطٍ ثلاثة: الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم، فلو ضحى بغيرها ولو كان أغلى منها فإنها لا تكون أضحية، لو ضحى الإنسان بفرس لم تقبل منه على أنها أضحية، لأنها ليست من بهيمة الأنعام، ولو ضحى بنعامة لم تقبل منه على أنها أضحية؛ لأن الأضحية لا بد أن تكون من بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم.
      الشرط الثاني: أن تكون بالغةً للسن المحدد شرعاً وهي في الإبل: خمس سنوات، وفي البقر: سنتان، وفي الماعز: سنة، وفي الضأن: نصف سنة، ودليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تذبحوا إلا مسنة -أي: ثنية- إلا إن تعسَّر عليكم فتذبحوا جذعةً من الضأن) .
      الشرط الثالث: أن تكون سليمةً من العيوب المانعة من الإجزاء، لأن هناك عيوباً تمنع من إجزاء البهيمة ولو كانت من بهيمة الأنعام، وقد بينها النبي عليه الصلاة والسلام حيث قيل له: (يا رسول الله! ماذا يتقى من الضحايا؟ قال: أربعٌ لا تجوز في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء -أي: الهزيلة- التي لا تنقي) أي: التي لا مخ فيها هذه أربع لا تجزئ في الأضاحي.
      قوله: المريضة: ليست كل مريضة لا تجزئ لا بد أن يكون مرضها بيناً، كأن يظهر عليها أعراض المرض من الحمى وعدم الأكل وما أشبه ذلك، ومن المرض: الجرب، فالجرباء لا تجزئ؛ لأن الجرب مفسدٌ للحم، فإذا كان في البهيمة مرض لكنه ليس ببين ولنفرض أنه بعد أن ذبحناها وجدنا فيها "طالوعاً" "والطالوع" عبارة عن غدة فاسدة تكون في داخل اللحم وقد تكون خارج اللحم، فالتي داخل اللحم لا يعلم عنها، فإذا ذبحها الإنسان على أنها أضحية فإنها تجزئ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المريضة البين مرضها) .
      العرجاء لا بد أن يكون ضلعها بيناً، فأما إذا كانت تهمز همزاً يسيراً ولكنها تمشي مع البهائم فإنها تجزئ.
      والثالثة: العوراء البين عورها، والعوراء إذا لم يكن عورها بيناً فهي مجزئة كما لو كانت لا تبصر بعينها ولكن من رآها يظن أنها تبصر فهذه تجزئ، لكن إذا كان عورها بيناً بأن تكون عينها انخسفت أو نتأت وبرزت فإنها لا تجزئ.
      والرابعة: الهزيلة التي ليس فيها مخ لا تجزئ، طيب إذا كانت أذنها مقطوعة وليس فيها مرض فهل تجزئ؟ نعم تجزئ، لأنها لا تدخل في الأربع.
      إذا كان قرنها مكسوراً ولكن ليس فيها مرض فإنها تجزئ.
      إذا كان ذيلها مقطوعاً ولكن ليس فيها مرض تجزئ إلا في الضأن فإن العلماء قالوا: إن الضأن التي قطعت إليتها لا تجزئ لأن الإلية كبيرة مقصودة بخلاف ذيل البقرة وذيل البعير وذيل المعز فإن ذلك لا يضر، لكن اعلموا أنه كلما كانت الأضحية أكمل فهي أفضل بلا شك، قال الله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92] .
      أيضاً شرط رابع لا يتعلق بالأضحية نفسها: وهو أن تكون في الوقت المحدد شرعاً.
      الشروط التي سبقت ثلاثة: أن تكون من بهيمة الأنعام.
      الثاني: أن تبلغ السن المعتبر شرعاً.
      الثالث: أن تكون سليمةً من العيوب المانعة من الإجزاء.
      الرابع: أن تكون في الوقت، أي: في وقت الأضحية، فمن ذبح قبل وقت الأضحية فلا أضحية له، ومن ذبح بعد انتهاء المدة فلا أضحية له، وما هي المدة؟ المدة: من صلاة العيد إلى غروب شمس يوم الثالث عشر، أي: أربعة أيام، من ذبح قبل الصلاة فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (شاته شاة لحم) ومن ذبح بعد غروب شمس يوم الثالث عشر فشاته شاة لحم، إلا أن تهرب الأضحية وتضيع ثم يجدها بعد أن يفوت الوقت فهنا يذبحها قضاءً، إذا كان عينها قال: هذه الأضحية ثم هربت وضاعت، فبحث عنها ولم يجدها إلا في اليوم الرابع عشر نقول: اذبحها، لأن تأخيره هنا بعذر كما لو أخر الصلاة عن وقتها لعذر فإنه يقضيها، هذا الكلام على الأضحية.
      فإن قال قائل: إذا كان الإنسان ليس عنده مال هل يسن أن يستقرض ليضحي؟ أو يشتري شاة بدين ليضحي؟ نقول: إذا كان واثقاً من نفسه أنه سوف يوفي بحيث يكون موظفاً وجاء وقت الأضحية وليس عنده مال، لكنه يعرف أنه في آخر الشهر سيستلم الراتب فهنا لا بأس أن يستقرض أو يشتري شاة بثمن مؤجل ويضحي، وأما إذا كان ليس كذلك فلا يستدين؛ لأنه إذا استدان شغل ذمته بما لم يكلفه الله به.

      (34/4)


      --------------------------------------------------------------------------------

      ما يجزئ من الأضحية وما يسن للمضحي
      اعلم أن الشاة تجزئ عن الرجل وأهل بيته، لا حاجة إلى أن كل واحد يضحي، بل الرجل يضحي عنه وعن أهل بيته، وأن البعير والبقرة تجزئ عن سبع شياه، فلو اشترك سبعة بيوت في ناقة وذبحوها على أنها أضحية وكل واحدٍ منهم يضحي عنه وعن أهل بيته بالسبع فهذا جائز؛ لأن السبع عن شاة، وكذلك لو كانت بقرة فإنها تجزئ عن سبعة يضحي لو اجتمع سبعة بيوت واشتروا بقرة وذبحوها على أنها أضحية كل واحد يضحي عنه وعن أهل بيته كفى ذلك.
      وليعلم أن من أراد أن يضحي فدخل عشر ذي الحجة فإنه لا يأخذ من شعره ولا من ظفره ولا من بشرته شيئا، البشرة هي الجلد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، إلى أن يضحي، فإذا كان لا يحصل له أن يضحي إلا في اليوم الثاني من أيام العيد، قلنا: انتظر حتى تضحي، لم يحصل له أن يضحي إلا في اليوم الثالث، قلنا: انتظر حتى تضحي، وهذا في حق من يضحي، أما من يضحى عنه فليس ممنوعاً من ذلك، وعلى هذا فالرجل الذي يضحي عنه وعن أهل بيته يكون حكم المنع من أخذ الشعر والظفر والبشرة خاصاً بالرجل وحده أما أهل بيته فلا حرج عليهم، ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي) ولم يقل: أن يضحى عنه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي عنه وعن أهل بيته ولم يمنع أهل بيته من الأخذ من شعورهم وأظفارهم وأبشارهم، وأما قول بعض الفقهاء يرحمهم الله: يحرم على من يضحي أو يضحى عنه فهو قول ضعيف، والصواب: أنه خاص بمن يضحي فقط.
      والله الموفق.

      (34/5)


      --------------------------------------------------------------------------------

      الأسئلة

      (34/6)


      --------------------------------------------------------------------------------

      حكم إرسال المغترب ثمن الأضحية إلى أهله


      السؤال
      فضيلة الشيخ! نحن لسنا من أهل هذه البلاد المعطاءة أسأل الله أن يديم عليها الخير، وأن يحفظ علماءها وولاة أمورها، السؤال هو: يا فضيلة الشيخ لا يخفى عليكم أن أهلنا في أشد الحاجة للأضاحي والاستفادة من لحومها وجلودها، والغالب عليهم هو الفقر فهل لنا أن نرسل ثمن الأضاحي إليهم ونوكل من ينوب عنا، مع العلم أن المقصود منها إظهار هذه الشعيرة، فهل يجوز لنا فعل ذلك؟

      الجواب
      إذا كان الإنسان في بلد وأهله في بلد آخر فلا حرج عليه أن يوكل من يضحي عنه عند أهله حتى يسر أهله بالأضحية ويتمتعوا بها؛ لأنه لو ضحى في بلد الغربة فمن الذي يأكل الأضحية؟ وربما لا يجد أحداً يتصدق عليه، فلذلك نرى أن من له أهل فليبعث بقيمة الأضحية إلى أهله ويضحوا هناك.

      (34/7)


      --------------------------------------------------------------------------------

      إجزاء الأضحية المصابة بمرض غير خطير


      السؤال
      إذا كان "الطالوع" ظاهراً لكنه صغير فهل يجزئ؟ كذلك إذا كان الكبش قد انكسر طرف قرنه ولم يظهر هذا الكسر حيث أنه في الضأن لا يظهر لصغرها فهل يجزئ؟

      الجواب
      "الطالوع" إذا كان ظاهراً فإنه يُسأل أهل الخبرة: هل هذا من الأمراض الخطيرة؟ إن قالوا: نعم فهو مرض ظاهر لا يضحى بالشاة التي طلع فيها، وإن قالوا: ليس خطيراً، والشاة ليس فيها خلاف من جهة الصحة والنشاط والأكل فإنه يضحى بها، إلا إذا قرر البياطرة أن أكل لحمها ضرر فهنا لا يضحى بها.

      (34/8)


      --------------------------------------------------------------------------------

      حكم التمتع في الحج لأهل مكة


      السؤال
      ذكرت يا فضيلة الشيخ: أن أفضل الأنساك التمتع، وقلت: إن أهل مكة لا تشرع لهم العمرة فكيف يكون التمتع والعمرة لا تشرع لهم؟

      الجواب
      ذهب أكثر أهل العلم إلى أن أهل مكة لا متعة لهم، وإنما المتعة للقادم إلى مكة حتى لو كان من أهل مكة، وعلى هذا فإذا كان الرجل من أهل مكة وهو يعمل في الرياض وقدم من الرياض إلى مكة فله أن يأخذ عمرة من الميقات ويكون متمتعاً لكنه لا هدي عليه؛ لقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:196] إلا إذا انتقل من مكة إلى البلد الآخر واستوطنه فإنه إذا رجع منه بالعمرة يجب عليه هدي التمتع، لكن أهل مكة يمكن أن يقرنوا بين الحج والعمرة، بمعنى: أن الإنسان يحرم من مكانه من بيته بالحج والعمرة جميعاً ويكون قارناً والقارن عليه هدي التمتع.

      (34/9)


      --------------------------------------------------------------------------------

      مشروعية صيام عشر ذي الحجة


      السؤال
      امرأة كبيرة في السن كان من عادتها أن تصوم عشر ذي الحجة، لكنها في هذا العام أتاها من قال لها: لا يشرع لك صيام العشر؛ لأنه ليس من السنة صيام العشر كلها وإنما صومي كالأشهر الأخرى فقط أيام البيض ويوم عرفة، وهي الآن تسأل عن ذلك تريد منك يا فضيلة الشيخ بيان أمرها بالتفصيل؟

      الجواب
      بيان أمرها بالتفصيل: أن تصوم العشر، ما دامت قادرة ولا يشق عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) .
      ولنسأل: هل الصيام من الأعمال الصالحة؟ الجواب: نعم بلا شك، ولهذا جعله الله من أركان الإسلام، فالصيام بلا شك من الأعمال الصالحة حتى قال الله تعالى في الحديث القدسي: (الصوم لي وأنا أجزي ب) وإذا كان كذلك فإن الصوم مشروع، ومن زعم أن العشر لا تصام فليأت بدليل على إخراج الصوم من هذا العموم: (ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصمها فهذه قضية عين، ربما كان لا يصوم؛ لأنه يشتغل بما هو أنفع وأهم، لكن عندنا لفظ الرسول عليه الصلاة والسلام: (ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) على أنه قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يدع صيامها، وقدَّم الإمام أحمد هذا -أعني: أنه لا يدع صيامها- على رواية النفي، وقال: إن المثبت مقدم على النافي، لكن على فرض أنه ليس هناك ما يدل على أنه يصوم فإنه داخلٌ في عموم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) .
      أما صيام البيض فإنه لا يمكن صومها في شهر ذي الحجة في اليوم الثالث عشر؛ لأن يوم الثالث عشر من أيام التشريق التي يحرم صومها.

      (34/10)


      --------------------------------------------------------------------------------

      حكم ارتداء ملابس الإحرام قبل ركوب الطائرة


      السؤال
      فضيلة الشيخ! ذكرت في اللقاء السابق: أن الذي يريد الحج أو العمرة عن طريق الجو تكون ملابس إحرامه في العفش بأنه يجعل ثوبه إزاراً ويلتف به، يقول: يا فضيلة الشيخ! لو أنه لبس ملابس الإحرام من منزله وحينما يحاذي الميقات يلبي بالحج أو العمرة هل هناك حرج، وهل هذا هو الأفضل؟

      الجواب
      ليس هناك حرج أن يلبس الإنسان ثياب الإحرام من بيته إذا كان ينوي السفر في الطائرة، ثم إذا قارب الميقات أحرم وليس في ذلك بأس.
      لا يقال: إن هذا الرجل أحرم قبل الميقات؛ لأنه لم يحرم، فليس الإحرام لبس الرداء والإزار، الإحرام هو عقد النية وهذا لم يعقد نيته، لكن بعض الناس لا يحب أن يكون لابساً لثياب الإحرام في المطار وأمام الناس، ويلبس ذلك في داخل الطائرة.
      وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
      وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

      حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
      https://www.musacentral.com/

      تعليق


      • #63
        حكم زيارة المرأة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم
        يقول: هل المرأة إذا قدمت المدينة حاجة أو معتمرة لها أن تزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟

        الجواب
        لا تزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن زيارتها لقبر النبي صلى الله عليه وسلم ليس ضرورة، إذ أن الإنسان إذا سلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان في أقصى المشرق أو المغرب فإن سلامه يبلغه، فليس هناك ضرورة إلى أن تقف على قبره وتسلم عليه، ثم إن كثيراً من العلماء يقول: إنها إذا زارت قبر الرسول عليه الصلاة والسلام دخلت في اللعنة حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور) فلا تزور قبر الرسول عليه الصلاة والسلام ويكفي أن تسلم عليه وهي في نفس المسجد النبوي أو في بيتها أو في أي مكان.

        (34/12)


        --------------------------------------------------------------------------------

        اختيار الأضحية بين الأكثر لحماً والأكثر ثمناً
        يقول: فضيلة الشيخ! ورد في كلامك وفقك الله في فضل الأضحية: أنها كلما كانت أكمل كلما كانت أفضل، مع أن الثنية من الضأن أفضل لحماً وأقل ثمناً عند الناس من التي أكبر منها فأيهما أفضل؟

        الجواب
        الأفضل ما كانت أكثر لحماً وأنفع للفقراء، وإن كان بعض العلماء يقول: ما كان أكثر ثمناً، فالمسألة فيها خلاف بين العلماء، إذا دار الأمر بين أن تكون أكثر ثمناً أو أكثر لحماً وأنفع فمن العلماء من يرجح ما كانت أكثر ثمناً؛ لأن كون الإنسان يبذل المال الأكثر في مرضاة الله هذه درجة عالية، ومنهم من يقول: ما دام القصد نفع الفقراء ونفع الأهل والأكل فإن الأفضل ما كان أكثر لحماً، فكل من العلماء نظر إلى ناحية.
        ولكن الذي يظهر: أن الأفضل ما كان أنفع للفقراء وأكثر للحم لتكثر الهدية والصدقة والأكل، اللهم إلا أن يمتاز الأقل بفضلٍ آخر أو بميزةٍ أخرى مثل أن يكون أطيب لحماً وأشهى للناس، ويكون الناس مثلاً في زمن رفاهية لا يأكلون من اللحوم إلا ما كان غضاً طرياً فهنا يرجح.

        (34/13)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم الأضحية بأكثر من شاة


        السؤال
        هل يجوز للمقتدر أن يذبح أكثر من أضحية له حيث ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين؟ وهل يمكن أن يشترك الرجل وزوجه في أضحية واحدة من هذا نصف ومن هذا نصف وعلى أيهما يكون الإمساك؟

        الجواب
        الأفضل ألَّا يزيد الإنسان على شاة واحدة عنه وعن أهل بيته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، ومعلوم أنه أكرم الخلق عليه الصلاة والسلام، وأنه صلى الله عليه وسلم أشد الناس حباً لعبادة الله وتعظيمه، أما كونه ضحى بكبشين فالثاني ليس عن نفسه وأهل بيته ولكنه عن أمته، وعلى هذا فالأفضل الاقتصار على شاة واحدة للرجل وأهل بيته، ومن كان عنده فضل مال فليبذله دراهم أو أطعمة أو ما أشبه ذلك للبلاد الأخرى المحتاجة أو للمحتاجين في بلده؛ لأن البلاد لا تخلوا من أناس محتاجين.
        وأما إذا اشترك الإنسان وزوجته في شاة فإن هذا لا يصح؛ لأنه لا يشترك اثنان اشتراكاً في القيمة في شاة واحدة، إنما الاشتراك المتعدد في الإبل والبقر تكون البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة، وأما الغنم فلا يمكن أن يشترك اثنان على الشيوع أبداً، الثواب ليس له حصر، لا بأس أن يقول: اللهم إن هذا عني وعن زوجي، عني وعن أهلي، وأما أن كل واحد منهم يبذل نصف القيمة ويشتري أضحية واحدة من الغنم، فهذا لا يصح.

        (34/14)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم حج من لا يصلي الفجر


        السؤال
        عندي عمال يريدون فريضة الحج هل أسمح لهم، وهل هم في ذمتي، مع العلم أنهم لا يشهدون صلاة الفجر؟

        الجواب
        أقول: إذا أذنت لهم في الحج فجزاك الله خيراً، وأبشر بالخلف العاجل أن ما تفقده من الأعمال في زمن حجهم سيعوضك الله إن شاء الله تعالى خيراً منه، وأما كونهم لا يصلون صلاة الفجر فانصحهم وهددهم بأنهم إذا لم يحافظوا على الصلوات أنك سوف ترجعهم إلى بلادهم، وهو حق أن ترجع من لا يقيم الصلاة إلى بلده؛ لأنه لا خير فيه، لا خير في إنسان لا يصلي، وأما الإذن لهم بالحج فهذا يعتبر معروفاً منك ونرجو الله لك الإثابة.

        (34/15)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم الأضحية عن الحاج


        السؤال
        فضيلة الشيخ! كيف يجمع الإنسان بين الأضحية والحج، وهل هذا مشروع؟

        الجواب
        الحاج لا يضحي وإنما يهدي هدياً، ولهذا لم يضحِ النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وإنما أهدى، ولكن لو فرض أن الحاج حج وحده وأهله في بلده فهنا يدع لأهله من الدراهم ما يشترون به أضحية ويضحون بها، ويكون هو يهدي وهم يضحون، لأن الأضاحي إنما تشرع في الأمصار، أما في مكة فهو الهدي.

        (34/16)


        --------------------------------------------------------------------------------

        المكان الذي يحرم منه الحاج


        السؤال
        فضيلة الشيخ! كيف تكون صفة الإحرام بالحج أو العمرة: هل يحرم الإنسان وهو في المسجد أم وهو على السيارة؟ وما حكم رفع اليدين واستقبال القبلة عند قولك: لبيك اللهم حجاً؟

        الجواب
        اختلف العلماء رحمهم الله من أين يبتدئ الإحرام: - فقال بعضهم: من حين يصلي في المسجد يعقد النية.
        - وقال بعضهم: إذا ركب السيارة.
        - وقال بعضهم: إذا كان محرماً من ذي الحليفة إذا علا البيداء.
        والأقرب: أنه يلبي إذا ركب السيارة، ولا يشرع له عند التلبية أن يتوجه إلى القبلة ويرفع يديه؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

        (34/17)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم تصدق الحاج من هدي غيره دون هديه


        السؤال
        ثلاثة رجال كل واحد اشترى له هدياً فقالوا: شاة نهديها وشاة نتصدق بها وشاة نأكلها، فبهذا نكون قد أكلنا الثلث وتصدقنا بالثلث وأهدينا الثلث فما رأيك في هذا؟

        الجواب
        هذا غلط، لأن الثلث لا بد أن يكون مشاعاً، ولا بد أن يتصدق الإنسان بشيء مما أهداه، وفي هذا المثال الذي ذكره السائل الشاة الثالثة ما أهدي منها بشيء ولا تصدق منها بشيء أكلت كلها، والطريق السليم: أن تأخذ من هذه الشاة قليلاً، ومن هذه الشاة قليلاً، ومن هذه قليلاً ثم تأكل.

        (34/18)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم الأضحية عن أهل البيت وإن كانوا أكثر من أسرة


        السؤال
        ثلاثة إخوة في بيت لهم رواتب وكلهم متزوج فهل تجزئهم أضحية واحدة، أم لكل واحد أضحية؟

        الجواب
        إذا كان طعامهم واحداً وأكلهم واحداً فإن الواحدة تكفيهم يضحي الأكبر عنه وعمن في البيت، وأما إذا كان كل واحد له طعام خاص، أي: مطبخ خاص به، فهنا كل واحد منهم يضحي؛ لأنه لم يشارك الآخر في مأكله ومشربه.

        (34/19)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم تأخير الإحرام إلى مكة


        السؤال
        أريد الذهاب إلى مكة في أول يومٍ من أيام الحج بدون أن أحرم، فإذا جاء اليوم الثامن أحرمت مفرداً فهل يصح فعلي هذا بالإحرام مفرداً؟ ومن أين أحرم؟

        الجواب
        الواجب على من أراد الحج أو العمرة إذا مر بالميقات أن يحرم منه، ولا يحل له أن يؤخر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل اليمن من يلملم، وأهل نجد من قرن) وفي لفظ: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهل أهل المدينة من ذي الحليفة) إلى آخره، فلا يحل للإنسان إذا مر بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات بلا إحرام، فإن فعل قلنا له: ارجع وأحرم من الميقات، فإن أحرم من غير الميقات لزمه عند العلماء دم يذبح في مكة ويوزع على الفقراء.

        (34/20)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم الاشتراك في العقيقة


        السؤال
        هل يجوز أن يشترك سبعة من الرجال في جمل ولكن ليس في أضحية إنما في عقيقة قياساً على الأضحية؟

        الجواب
        لا يصح الاشتراك في البقر أو الإبل في العقيقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في العقائق أنها عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، فلا بد من نفسٍ كاملة، ولو اشترك جماعة في بعير لم يكن كل واحد منهم أتى بنفسٍ كاملة إنما أتى ببعض نفس، ولهذا قال العلماء: إنه لا يجزئ في العقيقة اشتراك في بعير أو بقرة، بل قالوا: إن الشاة في باب العقيقة أفضل من البعير، فلو جاءنا إنسان وقال: أنا أحب أن أعق عن ولدي ببكرة صغيرة هل هذا أفضل أو أعق بشاة؟ قلنا: بالشاة أفضل؛ لأن هذا هو الذي وردت به السنة، ودع البكرة الصغيرة لك للأكل، أما العقيقة فاذبحها من الغنم كما جاء في الحديث.

        (34/21)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم تأخير طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة


        السؤال
        ذكرت يا فضيلة الشيخ في اللقاء السابق: أنه يجوز تأجيل طواف الإفاضة إلى ما قبل سفر الحج حتى لو كان سيسافر في نهاية ذي الحجة، السؤال: لو أجل الحاج طواف الإفاضة إلى يوم سفره إلى بلاده فهل يغني هذا الطواف عن طواف الوداع؟ وهل يجوز للحاج أن يطوف طواف الإفاضة والوداع في نفس اليوم؟

        الجواب
        ذكرنا هذا فيما سبق على وجه التفصيل وقلنا: يجوز للإنسان أن يؤخر طواف الإفاضة إلى سفره، فإذا طاف عند سفره كفاه عن طواف الوداع إلا إذا تأخر سفره إلى ما بعد شهر ذي الحجة فهنا يجب عليه أن يطوف طواف الإفاضة في شهر ذي الحجة، وذكرنا أيضاً: أنه إذا أخر طواف الإفاضة إلى سفره فطافه بنية الإفاضة فقط أجزأه عن طواف الوداع، وإن طافه بنية الوداع فقط لم يجزئه عن طواف الإفاضة، وإن طاف عنهما جميعاً أجزأه عنهما جميعاً، ولهذا يجب أن ننتبه إذا أخرنا طواف الإفاضة إلى السفر ألا ننسى طواف الإفاضة؛ لأن كثيراً من الناس ربما إذا أخره إلى السفر وطاف عند السفر لا ينوي إلا طواف الوداع، وهذا على خطر، لهذا يجب أن تنتبه لهذه المسألة.

        (34/22)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم إعطاء الهدي للشركات لتوزيعه


        السؤال
        سمعنا عنكم يا فضيلة الشيخ أنكم قد حذرتم من إعطاء هذه الشركات، ولكن ما الحل فيما مضى فإنا قد حججنا أكثر من مرة ونعطيها هذه الشركات ولا يأخذون أسماءنا، فما الحكم فيما مضى هل يجزئ؟ فإن كان لا يجزئ فماذا يلزمنا؟

        الجواب
        إننا لم نحذر من إعطاء الهدي؛ لأن الهدي في الحقيقة ضرورة، لأن الإنسان بين أمرين: إما أن يعطيها لهذه الشركات، وإما أن يذبحها ويدعها في الأرض لا ينتفع بها لا هو ولا غيره، أما إذا حصل أن الإنسان يذبح هديه ويأكل منه ويهدي ويتصدق فهذا لا شك أنه أفضل بكثير، وهذا يمكن لبعض الناس الذين لهم معارف في مكة يمكن أن يوكلوه ويقولوا: اذبحوا لنا الهدي، وحينئذٍ ينتفع به، أو هو ينزل إلى مكة ويذهب إلى المسلخ ويشتري ويذبح هناك فسيجد من يتزاحمون عنده ليأخذوا منه، لكن الذي أرى أن من الخطأ العظيم أن يرسل بقيمة الأضاحي إلى بلاد أخرى ليضحى بها هناك، هذا هو الذي ليس له أصل، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث بالهدي إلى مكة ليذبح في مكة ولم ينقل عنه لا في حديث صحيح ولا ضعيف أنه أرسل أضحيته لأي مكان، بل كان يذبحها في بيته ويأكلون ويهدون ويتصدقون.

        (34/23)


        --------------------------------------------------------------------------------

        أضحية من حلق لحيته في عشر ذي الحجة


        السؤال
        فضيلة الشيخ! رجل أراد أن يضحي، ومن المعلوم أنها في الأيام العشر وقد أخذ من شعر لحيته وهو من الحالقين للّحى وهو عالمٌ بعدم جوازه فما حكم ذلك؟ هل أضحيته صحيحة؟ وهل من نصيحةٍ لإخواننا الذين يرتكبون هذه المعصية؟

        الجواب
        نصيحتي لهؤلاء: أن يتقوا الله عز وجل سواءٌ أرادوا الأضحية أو لا، وأن يمتثلوا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (خالفوا المجوس) (خالفوا المشركين) (وفروا اللحى وحفوا الشوارب) وليعلموا أن هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وحلقها من هدي المشركين، ولو سألنا أي مؤمن بالله ورسوله: أتقدم هدي المشركين على هدي سيد المرسلين؟ لقال: لا، إذا كان يقول: لا، فلماذا لا يكون عنده عزيمة ويتقي الله؟ ولهذا كان من المؤسف جداً أنك ترى بعض الناس حريصاً على صلاة الجماعة، يصوم إما أيام البيض أو يوماً بعد يوم، ويتصدق، وهو صاحب خير وخلق حسن، ومع ذلك ابتلي بحلق اللحية، فصار حلق لحيته قذىً في أخلاقه وفي دينه أيضاً، فالواجب تقوى الله عز وجل، ولعلَّ امتناعه من حلق لحيته في العشر الأولى من الأضحية يكون سبباً في امتناعه من ذلك دائم الدهر؛ لأنه يعينه، إذ أن بقاء اللحية عشرة أيام لا تحلق سوف يكون لها أثر وتبين وتظهر، وحينئذٍ يسهل عليه أن يعفيها وألا يحلقها، لكن أقبح من ذلك: أن بعض الناس يقول: لا أضحي لأني لو نويت الأضحية امتنعت من حلق اللحية -أعوذ بالله- يترك الخير من أجل فعل الشر، وهذا غلط عظيم، نحن نقول: ضح ولو عصيت الله بحلق اللحية، الأضحية شيء وحلق اللحية شيء آخر، وكذلك ما تظنه بعض النساء أن المرأة إذا كدت رأسها في أيام العشر فلا أضحية لها، هذا أيضاً غلط ليس بصحيح، المرأة إذا كانت تريد أن تضحي فلها أن تكد شعرها لكن برفق، وإذا سقط منه شيء بغير اختيارها فلا شيء عليها، وإن كانت تخشى أنه لا يمكن كده إلا بسقوط شعر فلا تكده ولكن تغسله بالماء وتعصره وتنظفه.

        (34/24)


        --------------------------------------------------------------------------------

        فضل كون الحج في يوم الجمعة


        السؤال
        هل ورد شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل كون الحج حج الجمعة؟

        الجواب
        لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الجمعة إذا صادف يوم عرفة، لكن العلماء يقولون: إن مصادفته ليوم الجمعة فيه خير.
        أولاً: لتكون الحجة كحجة النبي صلى الله عليه وأله وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادف وقوفه بـ عرفة يوم الجمعة.
        ثانياً: أن في يوم الجمعة ساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياها، فيكون ذلك أقرب للإجابة.
        ثالثاً: أن يوم عرفة عيد ويوم الجمعة عيد، فإذا اتفق العيدان كان في ذلك خير، وأما ما اشتهر من أن حجة الجمعة تعادل سبعين حجة فهذا غير صحيح.

        (34/25)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم قيام الزوج بالحج عن زوجته المتوفاة


        السؤال
        رجل توفيت زوجته ولم تحج مع أن زوجها الآن قادر على الحج ويريد دفع قيمة الحج لمن يقوم بأداء الحج عنها فهل يؤجر على ذلك؟ وهل الأفضل أن يقوم بالحج هو بنفسه عنها أم يوكل؟

        الجواب
        الأفضل أن يقوم هو بالحج عنها من أجل أن يأتي بالنسك على وجهه الأكمل الذي يحبه، ولكن إذا كان لا يرغب بذلك ووكل من يحج عنها فهو على خير فقد أحسن إليها، وليس بغريب أن يحسن الإنسان إلى زوجته التي كانت قرينته في الحياة وشريكته في الأولاد، أما الوجوب فلا يجب عليه.

        (34/26)


        --------------------------------------------------------------------------------

        توبة تارك الصلاة


        السؤال
        أمي كانت لا تصلي لمدة أربعين سنة، والآن تريد أن تصلي وتحج فهل يشترط عليها أن تشهد الشهادتين؛ لأن تارك الصلاة قد كفر؟

        الجواب
        صلاتها توبة، هي إذا صلت فقد تابت وصارت مسلمة، فنسأل الله تعالى أن يثبتها على ما تريد وأن يعينها على ذلك، وهي إذا تابت إلى الله وأنابت إليه وقامت بالصلاة والزكاة والصيام والحج كفَّر الله عنها؛ لقول الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} [الفرقان:68-70] وقال جل وعلا: {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53] وأبشرها إذا صدقت في توبتها مع الله أنها على خير، فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: (أن الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) .

        (34/27)


        --------------------------------------------------------------------------------

        وقت التكبير المقيد


        السؤال
        أشكل علينا يا فضيلة الشيخ وقت التكبير المقيد متى يبدأ، فنرجو من فضيلتكم التنبيه على السنة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في التكبير، وهل هو للمقيم والحاج سواء؟

        الجواب
        من المعلوم أن الله عز وجل أمر بذكره في كل وقت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب:41-42] لكن عشر ذي الحجة اختصت بمزيد، فيشرع للناس الذكور والإناث من دخول شهر ذي الحجة إلى آخر يومٍ من أيام التشريق أن يكبروا ويهللوا ويحمدوا، يقولون: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، في كل وقت، لكن العلماء رحمهم الله يقولون: من طلوع فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق يسن أن يكبر فيها تكبيراً مقيداً في أدبار الصلوات، أي: بعد أن تستغفر الله وتقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تكبر من طلوع فجر يوم عرفة إلى آخر يومٍ من أيام التشريق وذلك في صلاة العصر يوم التشريق آخر أيام التشريق، ولك أيضاً أن تكبر في جميع الوقت فيجتمع من يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق تكبير مطلق وتكبير مقيد.

        (34/28)


        --------------------------------------------------------------------------------

        النطق بالنية في الحج والأضحية


        السؤال
        يشكل علي يا فضيلة الشيخ النطق بالنية إذا قال الحاج: لبيك عمرةً مثلا، أو قول المضحي: هذه عن فلان أي: تسمية صاحب الأضحية عند الذبح، فأرجو رفع الإشكال؟

        الجواب
        لا إشكال في ذلك؛ لأن قول المضحي: هذه عني وعن أهل بيتي إخبار عما في قلبه، فهو لم يقل: اللهم إني أريد أن أضحي كما يقوله من ينطق بالنية، بل أظهر ما في قلبه فقط وإلا فإن النية سابقة من حين أن أتى بالأضحية وأضجعها وذبحها فقد نوى، وكذلك يقال في النسك: لبيك حجاً لبيك عمرة، ليس هذا من باب ابتداء النية؛ لأن الناس قد نووا من قبل، ولهذا لا يشرع أن تقول: اللهم إني أريد العمرة اللهم إني أريد الحج، لا، انو بقلبك ولبِّ بلسانك، وأما التكلم بالنية في غير الحج والعمرة والأضحية فهذا أمر من المعلوم أنه ليس بالمشروع، فلا يسن للإنسان إذا أراد أن يتوضأ أن يقول: اللهم إني أريد أن أتوضأ، أو اللهم إني نويت أن أتوضأ، أو بالصلاة اللهم إني أريد أن أصلي، اللهم إني نويت أن أصلي، كل هذا غير مشروع، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

        (34/29)


        --------------------------------------------------------------------------------

        كيفية أخذ المرأة من شعرها القصير


        السؤال
        إذا كانت المرأة قصيرة الشعر بحيث أن شعرها كشعر الرجل لا يمكنها أن تظفره ظفائر فماذا عليها؟

        الجواب
        هذه المرأة إذا لم يكن لها ظفائر فإنها تأخذ من أطراف الشعر بقدر أنملة والأنملة: هي فصطت الإصبع.

        (34/30)


        --------------------------------------------------------------------------------

        جواز الحلق في الحج قبل النحر أو بعده


        السؤال
        ما معنى قول الله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196] أليس هذا هو صريح في أن النحر يكون قبل الحلق وإلا فما معنى الآية؟

        الجواب
        قوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196] أي: لا تحلق الرأس إلا إذا ذبحتم، هذا معنى الآية، لكن جاءت السنة أنه لا حرج أن يحلق قبل النحر، وما دامت السنة جاءت بذلك فيكون هذا تخفيف من الله عز وجل، أو يقال: (حتى يبلغ الهدي محله) أي: وقت حلوله، لا أن المراد أن يذبحه فعلاً، وحينئذٍ لا منافاة بين الحديث وبين الآية، فلها في ذلك توجيهان: التوجيه الأول: أن يقول: إن معنى قوله: {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196] ليس هو أن يذبح الهدي بل أن يأتي وقت الذبح.
        والثاني أن يقال: إنه {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196] أي: حتى يذبح، لكن السنة جاءت بجواز تقديم الحلق على النحر.

        (34/31)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم أضحية الحاج
        يقول: كيف يجمع الإنسان بين الحج والأضحية؟ وماذا يصنع بالنسبة للأخذ من شعره وأظفاره؟

        الجواب
        ذكرنا أن الحاج لا يضحي، لكن من له أهل فإنه يجعل عندهم القيمة يضحون عنه، وأما هو فله الهدي، وإذا قدر أن يقول لأهله: ضحوا عني وعنكم والفلوس منه هو فهو المضحي حقيقة، ولكن لا حرج أن يأخذ من شعره إذا تحلل من العمرة، لأن الإنسان المتمتع إذا قدم مكة وطاف وسعى فإنه يقصر وهذا التقصير لا يضر لأنه نسك، والذي ورد به النهي إنما هو الأخذ بغير النسك.

        (34/32)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حيض المرأة أثناء الطواف


        السؤال
        حاضت المرأة في أثناء الطواف فماذا تفعل؟

        الجواب
        إذا حاضت في أثناء الطواف؛ إذا كان الطواف طواف الوداع خرجت ولا شيء عليها، وإن كان طواف الإفاضة خرجت ثم أعادت الطواف إذا طهرت.
        وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
        وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

        حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
        https://www.musacentral.com/

        تعليق


        • #64
          اللقاء الشهري

          اللقاء الشهري [35]
          الأمر بالمعروف بمعروف والنهي عن المنكر بلا منكر من أسباب خيرية هذه الأمة، وهو من فروض الكفاية، فعلى من يقوم به أن يتحلى بالحكمة والعلم بالشريعة، مع مراعاة المصالح والمفاسد المعتبرة المتعلقة بذلك.
          وقد احتوت هذه المادة -إضافة إلى ما سبق- على إجابات شافية لكثير من الأسئلة والإشكالات.

          (35/1)


          --------------------------------------------------------------------------------

          المعروف والمنكر وواجب المسلم تجاههما
          إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
          أما بعد: فهذا هو اللقاء الأول من هذا العام عام (1417هـ) وهو يتم في شهر المحرم ليلة الأحد السادس عشر من الشهر، وكما هو معروف عند الجميع أنه يحصل لقاء شهري في ليلة الأحد الثالث من كل شهر، نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العام عام خير وبركة، يجمع الله به بين المسلمين، ويؤلف بين قلوبهم، ويهيئ لهم أمر رشد يؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
          إن لقاءنا هذه الليلة سيكون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا بد أولاً أن نعرف ما هو المعروف وما هو المنكر؟ هل المعروف ما تعارفه الناس من خير وشر وإثم وثواب أم أن المعروف ما أمر الله به ورسوله؟

          الجواب
          بالثاني بأن المعروف ما أمر الله به ورسوله سواء كان معروفاً بين الناس أو منكراً؛ لأن من المعروف ما لا يعرفه الناس، ومن المعروف ما هو معروف والحمد لله، لكن المعروف الذي جاء الأمر بالأمر به هو ما أمر الله به ورسوله، والمنكر ما نهى الله عنه ورسوله، هذا هو الضابط في المعروف وفي المنكر، وبناءً على ذلك يكون الأمر بالمعروف الذي هو سنة يكون الأمر به سنة، ويكون الأمر بالمعروف الذي هو واجب يكون واجباً، فمثلاً: إذا رأيت إنساناً يخل بصلاة الجماعة فأمره بذلك واجب؛ لأنه أخل بواجب، وإذا رأيت إنساناً أخل براتبة الظهر مثلاً فأمره سنة، والأمر غير البلاغ وغير الإبلاغ، الإبلاغ يجب على العالم أن يبلغ شريعة الله الواجب منها والمستحب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) كل من علم شيئاً من الشرع يجب عليه أن يبلغ به، لكن الأمر شيء آخر الأمر التكليف وطلب فعل، والنهي طلب كف، يأمر الإنسان غيره أو ينهى غيره، أما الدعوة فيقوم مثلاً بين الناس إما في مسجد أو مجتمع ويدعو إلى الله عز وجل.

          (35/2)


          --------------------------------------------------------------------------------

          حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشريعة الإسلامية
          الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكمه في الشريعة الإسلامية أنه من أفضل الأعمال الصالحة، حتى أن هذه الأمة فضلت على غيرها؛ لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110] .
          والأمر بالمعروف سببٌ لوحدة الأمة واجتماعها واتفاقها، وائتلافها دليل ذلك قول الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:104-105] .
          وهذا الذي ذكره الله عز وجل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببٌ للاجتماع وعدم التفرق وللألفة وعدم العداوة أمر يشهد به الواقع، لو أن بعضنا دخل المسجد وصلى وبعضنا بقي خارج المسجد يبيع ويشتري، أليس هذا تفرقاً؟ بلى هذا تفرق، هؤلاء يصلون وهؤلاء يضحكون ويلعبون، لكن لو أمرنا بالمعروف قلنا للذي خارج المسجد مثلاً: تفضل صل، إذاً اجتمعنا وائتلفنا ولم نتفرق.
          الأمر المعروف والنهي عن المنكر واجب ولكنه فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، دليله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ} [آل عمران:104] (مِن) هنا للتبعيض، ولو كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً على الأعيان لكان واجباً على كل الأمة، لكن الآية صريحة: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} [آل عمران:104] أي: كونوا أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، ولكن إذا لم يوجد إلا الشخص المعين صار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقه واجباً عينياً كسائر فروض الكفايات إذا لم يوجد من يقوم بها وجب على الباقين، وعلى هذا فلو مررت بقوم على منكر ولم تجد أحداً ينهاهم عنه كان نهيك إياهم واجباً يجب عليك أن تنهاهم.

          (35/3)


          --------------------------------------------------------------------------------

          مراعاة المصالح والمفاسد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
          انههم على حسب ما تقتضيه المصلحة، والمصلحة تختلف، قد تقتضي المصلحة أن أنهرهم وأشدد عليهم، وقد تقتضي المصلحة أن ألين معهم وأسهل عليهم، حسب الحال، لأنك مثلاً لو رأيت إنساناً يقوم بمنكر لكنه معاند تعرف أنه يعلم المنكر ولكنه معاند، وإنسان آخر على منكر لكنه جاهل لا يدري، هل يكون نهيك الثاني كنهيك للأول؟

          الجواب
          يختلف، ودليل ذلك: أنك تنزل الناس منازلهم في النهي عن المنكر، ما ثبت في الصحيحين: أن أعرابياً دخل مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فتنحى ناحية فجعل يبول، فزجره الناس صاحوا به، وحق لهم أن يصيحوا به، فزجرهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله، دعوه، فتركوه، فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأمرين: الأمر الأول: قال: (صبوا عليه ماءً) على البول، فصبوا عليه الماء، عادت الأرض الآن طاهرةً كما كانت قبل البول زالت المفسدة الآن.
          الأمر الثاني: أمر الأعرابي، قال: تعال، فقال له: (إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر إنما هي للصلاة والتكبير وقراءة القرآن) أو كما قال، فانشرح صدر الأعرابي بهذا القول اللين البين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر له حكماً وعلة، يعني: ذكر له حكماً وتعليلاً، الحكم قال: (هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر) والتعليل قال: (لأنها مبنية للصلاة والتكبير وقراءة القرآن) أو كما قال، الأعرابي انشرح وانبسط تماماً وقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً.
          لأن محمداً صلوات الله وسلامه عليه قابله باللين واللطف والتعليم، والصحابة رضي الله عنهم أخذتهم الغيرة فزجروه وصاحوا به، فالأعرابي قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً.
          وفي هذا دليل واضح على أننا ننزل الناس منازلهم، والجاهل ليس كالعالم، نأتيه بلطف.
          مثال ذلك أيضاً أمر واقع: رأى إنسان رجلاً يمشي في السوق ومعه سيجارة فصاح به: تشرب الدخان، هذا حرام، والعياذ بالله، أنت فاسق، ماذا يكون مقابلة هذا الذي يشرب السيجارة لهذا الرجل؟ سوف يغضب عليه ويصيح به ويقول: أنت الفاسق، ولا يمتثل أمره، لكن لو جاءه إنسان بلطف وقال: يا أخي، يقول: يا أخي ما فيه مانع هو أخوك لأنه مؤمن، يا أخي هذا أمر لا يليق بك أنت رجل شريف، ثم هذا أمر قد حرمه الله عليك، هذا أمر يتلف مالك، هذا أمر يهلك صحتك، هذا أمر يسود أسنانك وشفتيك، هذا أمر تقدمه على خبز أهلك، هذا غير معقول، تب إلى الله وارجع إلى الله واترك، قال: أنا والله ما أقدر، كلامك زين وعلى عيني ورأسي، لكن لا أقدر، فاسمح لي أن أتدرج يوماً يشرب عشرة سيجارات واليوم الثاني ثمان واليوم الثالث خمس وهكذا، تسمح لي، ماذا يقول له؟ يقول: نعم أم يقول: لا؟ الأول الذي زجره يقول: لا أبداً لا أسمح لك ولا تكمل السيجارة التي في يدك، وهذا يقول له: ما فيه مانع لا بأس، أيهما أصوب؟ الثاني أصوب، لأن المسألة تحتاج إلى علاج، دعه يستمر لكن يترك شيئاً فشيئاً.
          كذلك إنسان وجدته أمام قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الرسول عليه الصلاة والسلام منهمكاً غاية الانهماك في الدعاء، يبكي بانفعال، هل من الحكمة أن تتركه حتى يقضي وطره ثم بعدئذٍ تكلمه تقول: هذا حرام، هذا شرك لكن بأسلوب، إن النبي عليه الصلاة والسلام لا يرضى بهذا، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام إنما بعث ليهدم هذا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25] ، {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60] وتبين له بلطف، ولا حرج أنك تمسك يده بهدوء وتجلس معه، لأن العقيدة أمرها مشكل، هذا رجل معتقد من بلده إلى أن وصل إلى المدينة أن أكبر فرصة ينتهزها أن يقف أمام قبر النبي عليه الصلاة والسلام ليدعوه، ائت به واجلس معه وطمئنه وبين له، لأن المقصود هو إصلاح حاله وليس الانتقاد، المقصود الإصلاح لا الانتقاد.

          (35/4)


          --------------------------------------------------------------------------------

          أهمية العلم والحكمة للآمر بالمعروف
          إذاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى حكمة، يحتاج إلى لين، يحتاج إلى سهولة، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران:159] هؤلاء إخوانك، إن لم تصلحهم أنت من يصلحهم؟ ولا بد للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من أن يعلم بالشريعة بأن هذا معروف وهذا منكر؛ لئلا يأمر بمنكر أو ينهى عن معروف، بعض العوام عنده غيرة يحب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن قد يأمر أحياناً بما ليس بمعروف بناءً على أنه هو يرى أنه معروف وليس كذلك، وهذا خطأٌ عظيم.
          كذلك أيضاً بعض العامة عنده غيرة شديدة يرى أن هذا الشيء منكرٌ فينهى عنه مع أنه ليس بمنكر، إن من الناس من يكسر المسجل الذي يسمع منه كلام الله؛ لأن ذوقه يرى أنه حرام منكر، ويقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) هذا غلط، أولاً: ليس الاستماع إلى المسجل منكراً، المسجل آلة يودع فيه الخير ويودع فيه الشر، وإن استمعت إلى شر فهذا شر، إن استمعت إلى خير فهذا خير، لكن مع ذلك لو استمعت إلى شريط مسجل فيه أغنية محرمٌ سماعها هل من الحكمة أن تكسر المسجل أم أن تكسر الشريط؟ الثاني لا شك أنه الصحيح، إلا إذا كان لك أمر، أي: ولاية من الأمر وكسرت هذا المسجل تعزيراً فهذا شيء آخر، أما نهياً عن المنكر فليس إليك أن تكسر هذا المسجل، كسر إن استطعت بلا فتنة ما فيه التحريم.
          إذاً لا بد للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من أن يكون عنده علم بالشرع؛ لئلا يأمر بمنكر أو ينهى عن معروف، كذلك لا بد أن تعلم أن هذا الفاعل قد أتى منكراً أو ترك واجباً، مثال ذلك: رأيت مع إنسان امرأة فظننت أنها أجنبية منه فجعلت تنهاه، هذا غير صحيح، قد تكون هذه المرأة من محارمه أو زوجة له، لا تنكر حتى تعلم أن هذا الذي تريد أن تنهاه قد وقع في منكر.
          كذلك الواجب إنسان أتى وجلس في المسجد هل تأمره أن يقوم فيصلي تحية المسجد، أم تسأل: هل صلى أم لا؟ الثاني؛ لأنه ربما صلى في زاوية لم تشاهده، أما إذا كنت تشهد أنه دخل المسجد فربما نقول: مره بأن يقوم ويصلي على أننا أيضاً لا نقول: مره، لأنه ربما دخل المسجد لأنه خرج من المسجد لحاجة قريبة توضأ ورجع لا حاجة أن يصلي تحية المسجد، لهذا لا بد أن تعلم أن صاحبك ترك المعروف أو وقع في المنكر حتى يتوجه أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر.
          ومن المهم ألا يزول المنكر إلى أنكر منه، لو أن إنساناً وقع في منكر ونهيته عنه، لكن تعلم أنك بنهيك إياه سيتحول إلى ما هو أعظم، فلا تنكر؛ لأن درء أعلى المفسدتين بأدناهما أمرٌ واجب، خذ من المفسدتين أقلهما إذا كان لا بد، ودليل هذا: أن الله عز وجل قال: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:108] سب آلهة المشركين أمر مطلوب، لكن إذا كان سبهم يؤدي إلى سب الله عز وجل صار أمراً محرماً: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:108] .
          لو رأيت قوماً في مجلس على رصيف من الأرصفة يشربون الدخان ويلعبون البلوت وأشياء أخرى محرمة لكنك تعلم أنك لو نهيتهم وأقمتهم عن هذا المنكر سوف يذهبون إلى حانة خمور أو الميسر أو اللواط أو الزنا، هل تنهاهم على ما هم عليه أم لا؟ لا، لماذا؟ لأنه أهون، ولا يمكن أن تنقلهم من الأهون إلى الأشد والأشر، وأمثلة هذا كثيرة، لكن العاقل يزن بين الأمور ويعرف النتائج وينظر ما هي العواقب.
          سئل أبو حنيفة رحمه الله: عن قوم يخرجون إلى الناس يضربون ويبطشون، يقولون: نحن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر؟ فنهى عن ذلك، وقال: إنما يفسدون أكثر مما يصلحون.
          فلا بد أن تنظر العواقب ما هي حتى تكون على بصيرة في أمرك ونهيك.
          اللهم اجعلنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر على علم وبصيرة يا رب العالمين، اللهم أخلص نياتنا، وأصلح أعمالنا، واجعلنا من دعاة الحق وأنصار الحق يا رب العالمين.
          والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

          (35/5)


          --------------------------------------------------------------------------------

          الأسئلة

          (35/6)


          --------------------------------------------------------------------------------

          تعليق على دعاء: (اللهم اجعلنا أغنى خلقك بك)


          السؤال
          فضيلة الشيخ! ما معنى ما يؤثر في الدعاء أو ما نسمعه من الدعاء: اللهم اجعلنا أغنى خلقك بك وأفقر عبادك إليك وأغننا اللهم عمن أغنيته عنا؟

          الجواب
          اللهم اجعلنا أغنى خلقك بك، هذا لا ينبغي؛ لأن أغنى الخلق بالله هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا أحد يعتصم بالله أكثر مما يعتصم به الأنبياء، ولا يتوكل على الله أكثر مما يتوكل الأنبياء فهذه تحذف.
          والثانية: وأفقر عبادك إليك، هذا ربما يكون مقبولاً؛ لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} [فاطر:15] ومعنى هذه العبارة أفقر عبادك إليك: أي: ألا نفتقر إلى غيرك.
          والثالثة: وأغننا عمن أغنيته عنا، أي: أغننا عن الناس، لكن قد ورد ما هو أفضل من هذا الدعاء: (اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين) .

          (35/7)


          --------------------------------------------------------------------------------

          كيفية نصح الوالد العاصي


          السؤال
          فضيلة الشيخ! إذا شاهدت والدي يشاهد الدش ما هي النصيحة التي أنصحه بها بحيث ألا أعقه ولا أهينه؟

          الجواب
          النصيحة أن تلاطفه وأن تختار الوقت الذي يكون فيه منشرح الصدر، وبعيداً عن الانفعالات، وأن يكون كلامك معه سراً مرةً بعد أخرى، إن استفاد هذا هو المطلوب، وإن لم يستفد فلا بأس أن تجهر له وتكلمه علناً كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين كان يحاور أباه، يقول: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً} [مريم:42] ويقول: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} [مريم:43] يأمر أباه أن يتبعه لأنه جاءه من العلم ما لم يأته {يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} [مريم:44-45] .
          فالمهم أن الواجب أن يداري والده وأن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر بأقرب وسيلة يحصل بها المقصود ولا ييئس، بعض الناس إذا نهره أبوه مرة أو تكلم عليه ترك، هذا غلط، اصبر وصابر ورابط ولا تيئس، لكن ليكن الأمر بينك وبينه سراً فإنه أقرب إلى القبول.

          (35/8)


          --------------------------------------------------------------------------------

          معاصي الأرحام لا تمنع من زيارتهم


          السؤال
          فضيلة الشيخ! أختي تسكن في مدينة الرياض وكنت أزورها، والآن زوجها أحضر في منزله دشاً وأنا متحرجٌ من زيارتها أفأزورها أم أقاطعها ويكفي الاتصال بالهاتف، مع العلم أني إذا ذهبت إليها أنام عندهم فأنا الآن أستحي من الله أن أنام وفوقي الدش الخبيث؟

          الجواب
          يجب عليك أن تصل أختك وأن تذهب إليها في بيتها وأن تناصح زوجها حسب ما تقدر عليه، ولا يجوز للإنسان أن يقاطع رحمه -أقاربه- من أجل أنهم عصاة؛ لقول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} [لقمان:14-15] صورة المسألة: إنسان له أبوان أم وأب مشركان بالله، قد بذلا غاية الجهد على أن يشرك ولدهما معهما، يقول: أشرك بالله وقد بذلا الجهد والطاقة لذلك يقول الله عز وجل: {فَلا تُطِعْهُمَا} [لقمان:15] ولكن ماذا؟ {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان:15] ما قال: قاطعهما {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان:15] إذاً الواجب أن يصل الإنسان رحمه وأن يدعوهم إلى الله وأن ينصحهم فإن امتثلوا فهذا هو المطلوب، وإلا فالإثم عليهم، فإذا وصلهم وذهب إليهم واتصل بهم وقدموا له الأكل أو الشرب فليأكل وليشرب ما لم تكن المعصية أمامه بأن يكونوا قد فتحوا على الدش وهو ينظر إلى الأشياء المحرمة فحينئذٍ يقول: إما أن تغلقوه، وإما أن أغادر، ويجب عليه أن يغادر إذا أبوا؛ لأنه لا يجوز أن يشاركهم في المنكر.

          (35/9)


          --------------------------------------------------------------------------------

          نصيحة للعزاب ولأولياء أمورهم


          السؤال
          سماحة الوالد! حفظك الله ورعاك وسدد خطاك، بما أن حديثك الليلة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبما أن الإجازة قد قربت وكثرت الزيجات أشكو أنا وأمثالي من الشباب العزاب إلى الله ثم إليكم ما نواجهه من الآباء الأغنياء الذين حرمونا الزواج وعلقوه بإنهائنا للدراسة التي لا ندري متى ننهيها، والله الذي لا إله إلا هو يا سماحة الوالد أننا نعيش في حياة كلها هم وألم مع كثرة هذه الفتن والمنكرات، وهؤلاء الآباء يظنون أننا في أرغد عيش وأهنئه، ووالله لئن نعيش في صحراء وبيت شعر مع زوجة وأولاد أحب إلينا من القصور الشاهقة في حياة العزاب، فنرجو أن توجهوا كلمة لهؤلاء الآباء ووصيةٍ لنا معشر الأبناء لعل الله أن ينفع بها جزاكم الله خيراً؟

          الجواب
          الواقع أن هذا السؤال حق؛ لأننا نسمع من بعض الآباء -والعياذ بالله- من أغناهم الله وعندهم الأموال الكثيرة، وإذا طلب الشاب أن يزوجوه قالوا: لا، حك ظهرك بظفرك، أنت توظف وإذا توظفت فتزوج، وإني أوجه نصيحة إلى هؤلاء الآباء: أن يتقوا الله عز وجل، وأن يعلموا أنهم مطالبون فرضاً عينياً بأن يزوجوا أولادهم ما دام عندهم قدرة، كما يجب عليهم أن يطعموهم ويسقوهم، ويكسوهم ويسكنوهم، يجب عليهم أن يزوجوهم وجوباً، وهم إذا لم يفعلوا آثمون، وهم من البخلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله يظنون ذلك خيراً لهم وهو شرٌ لهم، وإذا قدر وأسأل الله ألا يقدر، أن الولد انحرف بسبب امتناع والده عن تزويجه مع قدرته على ذلك، فإن والده عليه إثم من هذا الانحراف؛ لأنه هو السبب، ثم نقول لهذا الوالد: ما تدري فلعلك تدرك طلوع الشمس ولا تدرك غروبها ثم يكون مالك بين أولادك الذين بخلت به عليهم، اتق الله.
          يقول: أنا لا أزوجهم لأنهم هم رجال ويزوجون أنفسهم، سبحان الله! المسألة هل هي بأيديهم؟ هل كل من تخرج اليوم يجد وظيفة؟ أبداً، ربما يبقى شهراً أو شهرين أو سنةً أو سنتين ما وجد الوظيفة، ليس الأمر بيده، إذا كان كذلك فالآن عندنا مصلحة محققة وأبوه قادر عليها وهي تزويجه وعندنا مصلحة موهومة وهي أن يتزوج الشاب بماله لا ندري متى يكون هذا؟ فأقول: أي إنسان أغناه الله وقدر على أن يزوج ولده، والولد يطلب ذلك إما بلسان مقاله وإما بلسان حاله، ويمتنع الأب من ذلك، فإنه آثم بهذا، آثم لأنه أهمل واجباً عليه.
          أما بالنسبة للشباب فإني أوصيهم بالصبر والاحتساب والاستعفاء، وهم إذا فعلوا ذلك فإن الله تعالى سوف يغنيهم من فضله، يقول الله عز وجل: {وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33] وهذا شبه وعد من الله عز وجل أنك إذا استعففت فإن الله تعالى سوف يغنيك، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) .
          ثم أشير على الشباب أن يبتعدوا عن مهيجات الشهوة من صور أو مشاهدة تلفاز أو حديث يتحدث بعضهم مع بعض أو ما أشبه ذلك، لأنهم إذا مارسوا ما يثير الشهوة فإن الإنسان في مستقبل شبابه لا بد أن تثور شهوته ويخشى عليه، فليصبروا وليحتسبوا، فإن الصبر مفتاح الخير، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) .

          (
          وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
          وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

          حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
          https://www.musacentral.com/

          تعليق


          • #65
            نصيحة لمن يقصر في صلاة الجماعة


            السؤال
            فضيلة الشيخ! أنا إنسان مستقيم ولله الحمد والمنة فلا أسمع الأغاني ولا أدخن ولكني لا أشهد صلاة الفجر وأحياناً العصر مع الجماعة مع العلم بأني أحاول كثيراً بالقيام لتلك الصلوات، وعندما تفوتني تلك الصلوات أندم كثيراً، صدقني يا فضيلة الشيخ أني حاولت بشتى الوسائل ولكني عجزت هل أنا آثم أم لا؟

            الجواب
            أما إذا كان ما يقوله من العجز حقيقة وأنه لا يستطيع فإن الله تعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] ، ويقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286] لكن هل لهذا العجز من دواء؟ هذا هو السؤال الحقيقي، الجواب: أظن أنه لا بد أن يكون له دواء، فمثلاً في صلاة الصبح: من المعروف أن الإنسان إذا نام مبكراً استيقظ مبكراً هذا هو المعروف، ولهذا كره النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بعد العشاء؛ لأن الحديث يوجب السهر، ثم لا يستطيع الإنسان أن يقوم لصلاة الفجر، وإن قام فهو في مشقة، أما بالنسبة للعصر فالظاهر والله أعلم أن هذا الرجل موظف ولا يأتي إلا متأخراً ثم يتغدى ثم ينام ويصعب عليه أن يقوم، فأقول: إذا كان وقت العصر قريباً فلا تنم إذا تغديت فتمش لك خمس دقائق عشر دقائق، ثم إذا حضر الأذان فصلِّ مع الجماعة، فعلى كل حال الإنسان العاقل اللبيب إذا نزل به مثل هذه الأمور فإنه يعرف كيف يتخلص منها.

            (35/11)


            --------------------------------------------------------------------------------

            نصيحة لمن يسكن مع صاحب معصية


            السؤال
            فضيلة الشيخ! رجلٌ يتهاون في صلاة الجماعة ويعلم تمام العلم وجوبها وكلمته مراراً علماً بأني أسكن معه في دار واحدة، هل سكناي معه تعتبر مشاركة له في هذا المنكر؟ أفدني جزاك الله خيراً؟

            الجواب
            لا تعتبر مشاركةٌ له في هذا المنكر ما دمت تحاول أن يهديه الله على يديك، ابق معه وحاول إصلاحه وأعنه على نفسه بإيقاظه إذا قمت، فلعل الله أن يهديه على يدك، ويكون ذلك خيراً لك وله، أما إن استمر في معصيته فأرى أن تفارقه وأن تطلب مكاناً آخر حتى تسلم من شره.

            (35/12)


            --------------------------------------------------------------------------------

            المتسبب في القتل وكفارة ذلك
            يقول: فضيلة الشيخ! امرأة أمرت أحد أبنائها أن يذهب إلى الدكان مع أخته فصدمته سيارة فمات، فهل عليها صيام علماً أن عمر الصبي ثلاث سنوات؟

            الجواب
            نعم، يجب أن نعرف قاعدة مهمة ذكرها العلماء رحمهم الله وقالوا في الجنايات والحوادث: إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على المباشر؛ لأنه هو الذي باشر الجناية، فصاحب السيارة هو المسئول؛ لأن الواجب أن يوقف السيارة وألا يمشي في الأسواق المزدحمة بالناس كما يمشي في البر، فالضمان في مثل هذه الصورة على صاحب السيارة لا الكفارة ولا الدية، أما المرأة فلا شيء عليها، نعم لو فرض أن المرأة وهو بعيد جداً أخذت بصبيها وألقته أمام السيارة في حال لا يتمكن السائق من إيقاف السيارة فهنا يكون الضمان على المرأة؛ لأنها متسببة، ولكني أقول: لا ينبغي للمرأة أن تخرج طفلها الصغير في سوق تكثر فيه السيارات، فابن ثلاث سنوات ماذا ينفع إذا خرج مع أخته؟ لا ينفع شيئاً، ثم ابن ثلاث سنوات مشيه هادئ ما يستطيع ينطلق فخطر عليه وعلى أخته أيضاً، لذلك يجب على المرأة وعلى من هو ولي على أطفال ألا يخرج هؤلاء الصغار إلى الأسواق التي تكثر فيها السيارات.

            (35/13)


            --------------------------------------------------------------------------------

            نصيحة لوالد فاجر ولأقاربه


            السؤال
            فضيلة الشيخ! إن لي أباً عاش طيلة حياته في ظلم الناس والتشفي في أكل حقوقه ظلماً وزوراً لدرجة أني وعائلتي بكاملها وجميع أقاربه لم نسلم من شره وفجوره ودخول المحاكم والمطالبات والقضايا ديدنه وشغله الشاغل، وأريد أن أعرف ما تجاهي من ناحيته فإني أخاف أن أموت ولم آمره بمعروف ولم أنهه عن منكر، مع العلم أنه يعيش حياة لا تمكنني من مجالسته أو لقائه، وإذا لاقيته أعرض عني وشتمني وسب ديني وتمادى في ظلمي وكذلك أخاف عليه من سوء الخاتمة، فأنا لا أريد أن أفقد باباً من أبواب الجنة فتقصيري يكفيني، فما توجيهكم حفظكم الله؟ ولعل هذا الشريط أقدر على إيصاله إليه فينفعه الله بتوجيهكم.


            الجواب
            أوجه النصيحة إلى هذا الأب من وجهين: الوجه الأول: فيما بينه وبين ربه، فأقول: اتق الله في نفسك وفي أهلك وفي إخوانك فإنك لا تدري متى يفجؤك الموت، وإذا كنت ظالماً فإن الظالم قد يعاقب بسوء الخاتمة والعياذ بالله، وإذا مات الإنسان على غير هدى وتقوى فيا ويله ويا خسارته، ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله عن رجل كان يرابي -يتعامل بالربا- فيعطي العشرة بإحدى عشر أو بأكثر فلما حضرته الوفاة حضره بعض أهله، فكان يقول له: قل: لا إله إلا الله، فيقول: العشر بإحدى عشر، كلما قيل: قل لا إله إلا الله قال: العشر بإحدى عشر، ختم له بسوء الخاتمة والعياذ بالله، لأنه تعلق قلبه بالدنيا ونسي الآخرة ونسي الله عز جل، فنقول لهذا الأب المبتلى بهذه الفتنة والعياذ بالله: مطالبة الناس وأكل أموال الناس بالباطل اتق الله في نفسك، وإني أذكره بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمينٍ هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) والعياذ بالله، وقال عليه الصلاة والسلام: (من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين) تكون هذه القطعة طوقاً في عنقه يوم القيامة اليوم الذي يشهده الأولون والآخرون يكون طوقاً في عنقه والعياذ بالله، واليوم هذا كم مقداره؟ خمسون ألف سنة، فعليه أن يتوب ويرد الحقوق إلى أهلها مما أخذه بغير حق.
            أما الأمر الثاني: فمعاملته مع من ينصحه من أولاده بنين أو بنات أو إخوان له ينصحونه: فإن الواجب على من نُصح أن يتشكر ممن نصحه؛ لأنه ما أسدى أحدٌ معروفاً إلى أحد أبلغ من نصيحةٍ تنفعه في دينه ودنياه، كيف يقابل النصيحة والعياذ بالله بالسب والشتم، بل سمعنا في السؤال أنه يسب الدين والعياذ بالله، يسب الدين الذي تأمره به ابنته، وسب دين الله كفرٌ مخرجٌ عن الملة، وهذا الرجل لو مات على هذا السب لكان خالداً مخلداً في نار جهنم والعياذ بالله، لا ينفعه مالٌ ولا بنون، فعليه أن يراجع نفسه وأن يتوب إلى الله وباب التوبة مفتوح والحمد لله، يقول الله عز وجل: {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ} [الزمر:53-59] آيات عظيمة.
            على هذا الأب أن يتلوها بتمعن وتفكر وتدبر لعلَّ الله سبحانه وتعالى أن يدركه برحمته وفضله، نسأل الله أن يتوب علينا وعليه وأن يهديه صراطه المستقيم إنه على كل شيء قدير.

            (35/14)


            --------------------------------------------------------------------------------

            مساعدة الأب لولده على الزواج


            السؤال
            والدي رحمه الله تعالى ساعدني في زواجي أنا وأحد إخواني أما إخواني الباقين فإنهم على ما أعتقد قادرون ولم يطلبوا منه شيئاً وهم الآن يقولون: إن مساعدته لكم دين عليكم، أفتنا جزاك الله خيراً؟

            الجواب
            هذا القول بأن مساعدته ابنه الفقير على الزواج دين عليه قول باطل لا صحة له؛ لأن تزويج الإنسان أبناءه من النفقة بالمعروف وهم قد أغناهم الله لا يحتاجون إلى أن يزوجهم أبوهم، وعلى هذا فلو كان عند الإنسان ابنٌ له عشرون سنة يحتاج إلى زواج وابنٌ له عشر سنوات لا يحتاج إلى زواج فزوج الأول ولم يعطِ الثاني شيئاً أيكون عادلاً بين أولاده؟ الجواب: نعم، هو عادل، وما زوج به الابن الكبير ليس ديناً على الابن الكبير، بل هو نفقةٌ قام بها الأب ويثاب عليها ويؤجر، إنفاقك على ابنك صدقة، قال النبي عليه الصلاة والسلام لـ سعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك) حتى الذي تجعله في فم امرأتك لك أجر إذا ابتغيت بذلك وجه الله، فالأب ليس بآثم إذا زوج ابنه الفقير ولم يزوج أبناءه الأغنياء، والابن المزوج ليس عليه دين.
            بقي أن يقال: هل يجوز للأب أن يوصي بمثل المهر الذي زوج به ابنه الفقير لأولاده الصغار الذين لم يبلغوا سن الزواج في حياته؟ الجواب: لا يجوز، خلافاً لما يفهمه بعض الناس إذا زوج أبناءه الكبار أوصى للصغار بمثل ما زوج به الكبار، وهذا غلط، ولا تنفذ هذه الوصية، يدخل ما أوصى به لأولاده الصغير ليتزوجوا به يدخل في التركة ويقسم على فرائض الله عز وجل.

            (35/15)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم تحية المسجد


            السؤال
            فضيلة الشيخ! هل ترك تحية المسجد منكر وهل يجب عليَّ أن آمر من ترك تحية المسجد أن يصلي ركعتين؟

            الجواب
            ترك تحية المسجد منكر على رأي بعض العلماء الذين يقولون: إن تحية المسجد واجبة، وهذا القول قوي جداً له وجهة نظر؛ لأن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس فجلس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصلِّ ركعتين وتجوز فيهما) فقطع النبي صلى الله عليه وسلم خطبته ليكلم هذا الرجل، وأمره أيضاً أن يصلي وإذا كان يصلي سوف يتشاغل عن سماع الخطبة، ومعلوم أن الاستماع إلى الخطبة واجب، قال الذين يوجبون تحية المسجد: ولا يشتغل عن واجب إلا بواجب، فإذا رأيت شخصاً دخل المسجد وجلس قل له: هل صليت؟ فإذا قال: نعم، انتهى الأمر، إذا قال: لست على طهارة انتهى الأمر؛ لأنه لا يتوجه إليه الخطاب بالصلاة وهو على غير وضوء.
            إذا قال: إنه على وضوء ولم يصل، تقول له: قم فصل ركعتين؛ لئلا تقع في الإثم، لأن القائلين بوجوب صلاة تحية المسجد يرون أنه إذا تركها الإنسان فإنه آثم.

            (35/16)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم التذكير والوعظ بمناسبة بداية العام


            السؤال
            فضيلة الشيخ! تذكير الأئمة وحثهم للناس في بداية العام الهجري ونصيحتهم بمحاسبة النفس وحمد الله على إدراك هذا العام وأن خير الناس من طال عمره وحسن عمله هل يعتبر من البدع؛ لأنه لم يعهد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يفعل ذلك في مطلع كل عام؟

            الجواب
            ليس هذا من البدع، هذا من التذكير بالمناسبات من أجل أن يحث الناس ويبين لهم أنه ينبغي أن يستقبلوا عامهم بالجد والاجتهاد والعبادة والدعوة إلى الله عز وجل وحسن المعاملة وما أشبه ذلك فلها مناسبات.
            أما قوله: إن ذلك لم يعهد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فنعم لأن التاريخ هذا لم يكن إلا بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام وبعد وفاة أبي بكر، لم يعرف إلا في عهد عمر حين صار يكتب الكتب إلى أمرائه فيأتيهم الكتاب يقولون: ما نعرف متى كتبته يا أمير المؤمنين، اجعل تاريخاً فجعل التاريخ في أثناء خلافته رضي الله عنه.

            (35/17)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم بيع الدش للتخلص منه


            السؤال
            فضيلة الشيخ! أنا رجل عندي أولاد وكان عندي ما يسمى بالدش فهداني الله وتركته فهل يجوز لي أن أبيعه لأحدٍ آخر؟

            الجواب
            إذا بعت الدش لشخص آخر ماذا سيصنع به؟ سوف يستعمله في محرم، فتكون أنت ممن أعنت على محرم.
            لنفرض أن السائل قال: إذاً أهديه على شخص هدية أبتغي بها وجه الله، ماذا نقول له؟ نقول: لا يجوز هذا، ولا يصح أن تبتغي وجه الله بمحرم، إن الله لا يتقرب إليه إلا بالطاعة فلا يحل ولو مجاناً، إذاً ماذا يصنع به؟ يكسره، وإذا كسره لله عز وجل فإن الله تعالى يخلف عليه خيراً منه.
            ذكر بعض المفسرين: أن سليمان عليه الصلاة والسلام لما استعرض الخيل وسها بها عن صلاة العصر حتى غابت الشمس أمر برد الخيل إليه وقال: {رُدُّوهَا عَلَيَّ} [ص:33] فجعل يقتلها ويعقرها {فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ} [ص:33] السوق: جمع ساق، فأخلف الله عليه خيراً من ذلك، أخلف الله عليه الريح سخر له الريح {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص:36] وهل تجري ببطء أم بسرعة؟ بسرعة، لأن الله قال: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} [الأنبياء:81] قوية، لكن مع ذلك هي رخاء لا يتزعزع ولا يتقلب، قالوا: إنه يضع بساطه على الأرض ويجلس إليه من حوله من حاشيته ثم يأمر الريح فتحمل البساط بمن عليه، وتتجه حيث أراد هو {رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص:36] {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ:12] في الصباح تمشي مسيرة شهر وفي الغدو مسيرة شهر، تقطع في اليوم الواحد مسيرة شهرين، لأنه عقر الجواد من خيله حميةً لله عز وجل، ولئلا تشغله مرةً أخرى عن طاعة الله فسخر الله له الريح، (ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه) .
            فنقول لهذا الأخ الذي منَّ الله عليه بالهداية وترك الاستماع والنظر إلى الدش نقول: كسره وأبشر بإخلاف الله عز وجل عليك.

            (35/18)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم الطواف على سطح المسعى


            السؤال
            فضيلة الشيخ! في طواف الوداع في الحج الماضي طفت في السطح وكان طوافي من ناحية المسعى على الجدار الذي بين المسعى والمطاف وفي أحد الأشواط طفت مع المسعى وكذلك سألني أحد الحجاج: هل يجوز الطواف مع المسعى؟ فأجبته أنه يجوز، فهل فعلي هذا صحيح أم لا؟ وإن كان غير صحيح فما يلزمني أنا وكذلك الرجل الذي أجبته علماً بأني لا أعرفه؟ جزاك الله خيراً.


            الجواب
            أما الطواف على سطح المسعى لا يجوز؛ لأن المسعى خارج المسجد الحرام، ولذلك لو أن امرأة طافت للعمرة ثم حاضت قبل السعي جاز لها أن تسعى؛ لأن السعي لا يشترط له الطهارة والمسعى ليس مسجداً حتى نقول: لا تمكث فيه، وكذلك لو أن امرأة جاءت مع أهلها وعليها الحيض وجلست في المسعى تنتظرهم وهي حائض فلا بأس، وكذلك البيع والشراء في المسعى يجوز؛ لأنه ليس مسجداً، وكذلك الجنب يمكث فيه بدون وضوء لأنه ليس مسجداً، وكذلك المعتكف في المسجد الحرام لا يخرج إلى المسعى؛ لأن المسعى خارج المسجد، فلا يجوز الطواف خارج المسجد؛ لأن الله تعالى قال: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29] ومن طاف خارج المسجد هل يقال: طاف بالبيت أو طاف بالمسجد؟ طاف بالمسجد، لكن نرى نظراً للأزمنة المتأخرة هذه وكثرة الحجاج والزحام الشديد نرى أنه إذا طاف في سطح المسجد وامتلأ المضيق الذي في جانب المسعى ولم يجد بُدَّاً من النزول إلى المسعى أو الطواف فوق الجدار نرى إن شاء الله تعالى أنه لا بأس به، لكن يجب أن ينتهز الفرصة من حين ما يجد فرجة يدخل في المسجد.
            أما إفتاء هذا للرجل من غير علم فهو حرام عليه؛ لقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33] وليعلم المفتون أن من أفتى أحداً بغير علم فترك واجباً فإثمه على الذي أفتاه وإن فعل محرماً فإثمه على الذي أفتاه، الفتوى ليست سلعاً تباع وتشترى ويجلب لها الزبائن، الفتوى أمرها خطير؛ لأن المفتي سفيرٌ بين الله وبين خلقه في إبلاغ شرعه، فهو أمرٌ عظيم جداً (أجرأ الناس على الفتيا أجرؤهم على النار) والعياذ بالله، فعلى كل واحد أن يتقي ربه، وألا يستعجل الأمر إن قدر الله تعالى أن يكون أمة يهدي الله به الناس فسوف يكون، فليصبر حتى ينضج، الإنسان إذا أكل العنب وهو حصرم قبل أن ينضج ماذا يكون؟ يضره، نقول: تأنى حتى تصل إلى الغاية التي تؤهلك للفتوى، أما أن تعرف مسألة من العلم وتظن أنك عرفت جميع المسائل، أو تحكم برأيك هذا لا يجوز.

            (35/19)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم من طاف الوداع ونام بعده في الحرم


            السؤال
            رجال ونساء طافوا طواف الوداع قبل الفجر ثم من شدة التعب ناموا في الحرم حتى أذان الفجر ثم توضئوا وصلوا وسافروا فهل عليهم شيء؟

            الجواب
            إذا غلبهم النوم قهراً فأرجو ألا يكون عليهم شيء، وأما إن كان يمكنهم أن يستمروا ولكنهم أخلدوا إلى الراحة فكأنهم لم يطوفوا طواف الوداع، أما لو طاف الإنسان طواف الوداع ثم أذن لصلاة الفجر وانتظر وصلى فلا بأس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من حجة الوداع طاف بالبيت قبل الفجر ثم صلى الفجر ومشى.
            السائل: ماذا عليهم؟ الشيخ: قلنا: إذا غلبهم النوم بحيث لا يستطيعون أن يتحكموا بأنفسهم فلا شيء عليهم، وإلا فكالذين لم يطوفوا طواف الوداع، ومن لم يطف طواف الوداع فعليه عند أهل العلم فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء.

            (35/20)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم بيع الدش لنصراني


            السؤال
            يقول: هذا الرجل بعد توبته الذي يملك الدش إن كان بحاجة إلى المال فهل يجوز له أن يبيعه لنصراني؟

            الجواب
            أنا أتوقف في هذا، بيع الإنسان ما يحرم للكفار هل يجوز أم لا؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم بيع الخمر وهي حرام بيعها على المسلمين وعلى غير المسلمين، وكذلك لما كتبوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن المجوس أو النصارى أرادوا أن يعطوا المسلمين شيئاً من الخمر نهاهم عمر وقال: لا تأخذوه ولوهم بيعها -أي: خلوهم هم الذين يبيعونها بعضهم على بعض- وخذوا من ثمنها.
            على كل حال: أنا أتوقف في هذه المسألة، وأقول: توكل على الله وكسره وأبشر بالخير العاجل.

            (35/21)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم وضع عباءة المرأة على كتفيها


            السؤال
            هل وضع المرأة العباءة على الكتفين في الصلاة جائز؟

            الجواب
            نعم لا بأس به؛ لأن هذا قد يكون أحفظ لها وأهون عليها من أن تبقى كلما نزلت العباءة عن رأسها أعادتها إلى رأسها، وليس هذا من باب التشبه بالرجال؛ لأن هيئة المرأة في هذه الحالة لا تشبه هيئة الرجال.

            (35/22)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم إفراد عاشوراء بالصيام، وبعض مخالفات الصحافة


            السؤال
            فضيلة الشيخ كتبت إحدى المجلات الإسلامية فتوى عن فضيلتكم بجواز إفراد يوم عاشوراء بلا كراهة، فإن كانت الفتوى المنقولة عنكم صحيحة فكيف نوفق بينها وبين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة الكفار ونهيه عن التشبه بهم؟

            الجواب
            مع الأسف أن الصحف لا تتقي الله عز وجل وتكتب العناوين على ما تريد، وإذا قرأت العناوين وقرأت مضمون العنوان وجدته مخالفاً تماماً، وهذا غلط، والواجب الأمانة، نحن قلنا: إنه لا يكره إفراده وهذا هو الذي صرح به فقهاؤنا رحمهم الله وقالوا: إن إفراده ليس مكروهاً، ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، لكن مع ذلك قلنا: ينبغي ألا يفرده الإنسان وحده؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) أي: مع العاشر، واليهود اليوم ليسوا يتبعون التاريخ الهجري، بل لهم تاريخ خاص بهم قد لا يوافق اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه ليوم العاشر من شهر محرم.
            ومن جملة ما يخدعون الناس بالعناوين في مجلة الفرقان وهي مجلة طيبة ولا بأس بها، تصدر من الكويت، وقد حصل معي مقابلة مع بعض مراسليها وسألني سؤالاً: عن معهد صحي يقرأ فيه نساء بدون اختلاط وبدون تبرج وبدون أي شيء محظور، لكن يمارسن بعض التمارين الرياضية التي فيها مصلحة وفائدة؛ لأنهن يشتغلن بما يتعلق بالصحة، فقلت: ما دام فيه فائدة ولا محظور فلا بأس، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سابق عائشة رضي الله عنها والمسابقة نوع من الرياضة، لكن ماذا جاء في الخط العريض؟ جاء: فلان يقول: لا بأس بفتح معاهد رياضية للنساء، فرق عظيم! هذه خيانة في النقل، أحببنا أن ننبه لكي لا تقع هذه المجلة في أيديكم، وإلا فقد كتبنا لهم إنكاراً لما صنعوا، وقلنا: هذا خلاف الأمانة، على أنهم نقلوا الكلام فيه أخطاء حتى في الآيات والأحاديث، لكن هذه لا تهم؛ لأن كل إنسان يعرف الآيات أنها خطأ، لكن المهم أن ينقل عن الإنسان ما لم يقله ويجعل في عنوان بارز؛ لأن أكثر الناس إذا قرءوا الصحف ماذا يقرءون؟ العناوين ويتركون ما في بطون العناوين، لذلك أحببت ألا تغتروا بالعناوين، الصحفيون نسأل الله لنا ولهم الهداية يجعلون العناوين على مزاجهم.

            (35/23)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم العرافة والضرب على الزير والرقص


            السؤال
            فضيلة الشيخ! هذا سؤال مهم نعاني في أحد المناطق من أربعة أمور وهي: أولاً: وجود من يبيع الدش على أنواعها.
            ثانياً: من يدعي إحضار المفقودات.
            ثالثاً: الضرب على الزير في الأعياد والمناسبات.
            رابعاً: من يتخذ الرقص مع الشعر الذي فيه سب وتتبع لعورات الناس وإعلانها على رءوس الخلائق.
            المطلوب توجيه النصيحة لكل منهم، مع التفصيل بالحكم لكي نقوم بتوزيع هذا الشريط في الإجازة بارك الله فيك؟

            الجواب
            يقول: أولاً وجود من يبيع الدشوش على الناس.
            من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] وجلب هذه الدشوش وبيعها إعانةً على اقتنائها، ومن أعان على معصية ناله من إثمها ما يستحق، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه) لأن الشاهدين والكاتب أعانا على إثبات هذا العقد فنالهما ما يستحقان من اللعنة، فبيع الدشوش حرام، وشراؤها حرام، وحملها إلى أماكن البيع حرام؛ لأن ذلك كله إعانةٌ على الإثم والعدوان، وثمنها وما يحصل فيها من كسب كله سحت والعياذ بالله.
            ثانياً: من يدعي إحضار المفقودات.
            أما من يدعي إحضار المفقودات فهذا يسمى عند العلماء العرَّاف، وإتيان العرافين محرم؛ لأنه إغراءٌ لهم، وما الذي يضمن أن يكون هذا الذي يستدل أو يحضر المفقودات أنه يسخر شياطين الجن على وجهٍ محرم؟! إما أن يسجد لهم أو يذبح لهم أو ما أشبه ذلك؟! فيكون في إتيان هؤلاء العرافين إغراءٌ لهم على ما هم عليه من هذا العمل.
            ثالثاً: الضرب على الزير في الأعياد والمناسبات.
            الذي جاءت به السنة في هذه الأمور هو أن النساء يضربن بالدف ليلة الزواج، فإن هذا من إعلان النكاح ومما جاءت به السنة.
            رابعاً: من يتخذ الرقص مع الشعر الذي فيه سب وتتبع عورات الناس وإعلانها على رءوس الخلائق.
            الرقص للرجال محرم؛ لأن حقيقته تشبه الرجال بالنساء، وأيضاً رقص النساء لا ينبغي لأنه يحصل فيه فتنة لا في الأعراس ولا في غير الأعراس، ثم إذا كان موضوع القصائد فيه هجاء وسب وشتم كان أقبح وأقبح.

            (35/24)


            --------------------------------------------------------------------------------
            وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
            وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

            حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
            https://www.musacentral.com/

            تعليق


            • #66
              اللقاء الشهري

              اللقاء الشهري [36]
              يختلف الناس في استغلالهم لإجازة الصيف، فمنهم من يقضيها في النافع المفيد، ومنهم من يقضيها في الضار الخبيث، ومنهم من يقضيها في المباح.
              وقد صنف الشيخ الناس في الإجازات إلى خمسة أصناف، وبيّن أحكام كل صنف من حيث الجواز أو التحريم.
              كما أجاب عن كثير من الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع وغيره.

              (36/1)


              --------------------------------------------------------------------------------

              أصناف الناس في استغلال إجازة الصيف
              إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
              أما بعد: فإننا نحمد الله عز وجل أولاً وقبل كل شيء أن يسر لنا مثل هذه اللقاءات في بيوت الله عز وجل من أهل العلم، يجتمع إليهم فيها طلاب العلم والعامة، يتدارسون بينهم ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم وهذه من نعمة الله عز وجل.
              هذا اللقاء يتم في عنيزة في الجامع الكبير كل شهر مرة في مساء السبت الثالث من كل شهر، وهذا هو السبت العشرون من شهر صفر عام (1417هـ) .
              أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحيينا جميعاً حياةً طيبة نستغلها فيما يرضي الله تبارك وتعالى.
              نحن في مطلع إجازة الصيف لعام (1417هـ) فكلمة (إجازة) معناها: أن الإنسان يتجوز من شيء إلى شيء، أو يجتاز من شيء إلى شيء، وليس معناها (عطلة) كما يعبر عنها بعض الناس، هي في الواقع ليست عطلة، والإنسان ليس في حياته عطلة إطلاقاً، الإنسان دءوب كادح إلى أن يلقى الله عز وجل، كما قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ} [الانشقاق:6] أتت (الفاء) بعد قوله: (إنك كادح) إشارةً إلى أن هذا الكدح سوف يستمر إلى ملاقاة الله عز وجل وذلك بحلول الأجل، الإنسان دائماً لا بد أن يكون كادحاً عاملاً، ولهذا جاء في الحديث: (أصدق الأسماء حارث وهمام) لأن كل إنسان له همة وإرادة، وكل إنسان له حرث وعمل، فلا بد أن يكون الإنسان دائماً في عمل لكننا نجتاز من عمل إلى عمل.

              (36/2)


              --------------------------------------------------------------------------------

              استغلال الإجازة في طلب العلم
              في الأيام الماضية كان التلاميذ والشباب من ذكور وإناث مشتغلين بالدراسات النظامية، ثم جاءت هذه الإجازة من أجل أن يستعيدوا ما فات مما قصروا فيه، لأن الإنسان ربما لا يستوعب جميع المعلومات التي درسها؛ لأن الوقت قصير، والمقررات طويلة ومتنوعة، فربما يركز في هذه الإجازة على شيء مما فاته مما سبق، وقد تكون بعض المواد التي قرأها في وقت الدروس النظامية قد يكون لم يهضمها ولم يتقنها تماماً فيعود عليها مرةً ثانية في هذه الإجازة، وقد يكون في هذه الإجازة يستعد للسنة القادمة فيراجع ما تيسر من دروسه المستقبلية، وقد يكون له دروس أخرى غير الدروس النظامية يستغل هذه الإجازة فيها، وقد يكون الإنسان ممن لا يهتم بالعلم كثيراً ولكنه يهتم بالزراعة والبيع والشراء وغير ذلك من الأشياء.
              ولهذا نرى الناس في هذه الإجازة يختلفون، فمنهم من يستغلها بالعلم إما دراسةً لما مضى أو دراسةً لما يستقبل وهذا لا شك أنه خير الأقسام، لأن العلم لا يعدله شيء، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: (العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته) فالذي يستغلها في العلم إما بحفظ كتاب الله أو سنة الرسول عليه الصلاة والسلام أو شيء من كتب العلماء في العقيدة أو في الأخلاق أو في الفقه هذا لا شك أنه خير الأقسام أن يستغل أي: هذه الإجازة في العلم.

              (36/3)


              --------------------------------------------------------------------------------

              استغلال الإجازة في زيارة مكة والمدينة
              من الناس من يستغلها في زيارة مكة والمدينة إما منفرداً أو مع صحبة أو مع أهله، وهذا أيضاً لا شك أنه خير، وبناءً على ذلك نود أن نقول: إن العمرة في السفر الواحد عمرة واحدة بمعنى: أنه لا يمكن أن يكرر الإنسان عمرة في سفر واحد، لأن هذا ليس من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام ولا من هدي السلف، خلافاً لما يتوهمه كثير من الناس.
              وهذه صفة العمرة: قبل أن تعمل أي عمل من الأعمال تطوف وتسعى وتقصر أو تحلق والحلق أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلق ثلاثاً وللمقصر مرة.
              انتهت العمرة ثم إذا أردت أن تعود إلى أهلك فطف للوداع وارجع إلى أهلك.
              وينبغي في هذا السفر أن يكون الإنسان مكثراً في الطاعة والإنابة إلى الله وبذل المال فيما يرضي الله عز وجل، وإذا أردت أن تذهب إلى المدينة من أجل الصلاة في المسجد النبوي وتزور بعد ذلك قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه -والثلاثة في مكان واحد معروف- وتخرج أيضاً إلى البقيع لتزور أهل البقيع، وتبدأ بأفضلهم عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ فإن أفضل أهل البقيع هو عثمان لأنه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، تزور قبره وهو معروف، ثم تزور بقية قبور أهل البقيع، وتخرج أيضاً إلى قباء متطهراً وتصلي فيه ما شاء الله، وتخرج كذلك إلى شهداء أحد لتسلم عليهم وتدعو لهم، فهذه خمسة أشياء: 1- زيارة المسجد النبوي.
              2- ثم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه.
              3- ثم زيارة البقيع.
              4- ثم زيارة قباء.
              5- ثم زيارة أحد، وما سوى ذلك مما يقال: إنه يزار في المدينة فلا أصل له، المدينة ما فيها شيء يزار إلا هذه المواضع الخمسة.
              هذان صنفان من الناس: الأول: من يشتغل بالعلم وهو أفضل الأصناف، والثاني: من يذهب إلى مكة والمدينة لزيارة مكة والمسجد النبوي.

              (36/4)


              --------------------------------------------------------------------------------

              استغلال الإجازة في النزهة في البلاد
              الثالث: من يخرج إلى نزهة، يذهب بأهله إلى نزهة في البلاد أياماً أو أسبوعاً أو أكثر أو أقل، هذا أيضاً لا بأس به، لا بأس أن يخرج الإنسان إلى بلد مجاور في بلاده -أي: في المملكة - من أجل أن يرفه عنه وعن أهل بيته، ولكن في هذه الحالة يحرص على أن يكون داعياً إلى الله عز وجل آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر؛ لتكون رحلته رحلة خير، فكم من أناسٍ في أطراف البلاد لا يفهمون إلا القليل مما يفهمه بعض الناس في أواسط البلاد، فيدلهم على الخير ويأمرهم به ويبين لهم الشر وينهاهم عنه وهذا خير.
              ومن الناس من يخرج إلى نزهةٍ قريبة من بلده، شباب يخرجون إلى نزهة قريبة من البلد وهذا أيضاً لا بأس به، ولكن بشرط: ألا يمارسوا شيئاً من المحرمات، وينبغي لهؤلاء أن يتخذوا لهم مسجداً؛ أي: أن يجعلوا لهم مخيماً كبيراً للمسجد ويحسن أن يكون فيه مكتبة للمراجعة والمطالعة حتى تكون هذه النزهة رحلة علم وإخاء ومودة، وليحرصوا على أداء الصلاة في جماعة؛ لأن الجماعة لا تسقط لا عن المقيمين ولا عن المسافرين، إن الجماعة لم تسقط حتى عن المقاتلين، يقول الله عز وجل: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ} [النساء:102] أي: في الحرب {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء:102] .

              (36/5)


              --------------------------------------------------------------------------------

              استغلال الإجازة في مساعدة الأب في تجارته
              هناك أيضاً صنف يستغل هذه الإجازة بمساعدة أبيه في تجارته أو حراثته أو ما أشبه ذلك، وهذا لا شك أنه خير؛ لأنه من البر بالوالدين، ولكن في هذه الحالة إذا كان الإنسان له أولاد منهم من يساعده في حرثه وتجارته ومنهم من لم يساعده، فهل يجوز أن يفضل الذي يساعده على الآخر بشيء من المال؟

              الجواب
              إذا كان هذا الذي يساعده يريد بذلك بر والديه وثواب الآخرة فلا حاجة أن يعطيه شيئاً؛ لأن هذا الذي ساعد والده أراد بذلك ثواب الآخرة فليكن له ثواب الآخرة، وأما إذا رأى منه أنه يتطلع إلى أن يعطيه أبوه شيئاً يختص به؛ لأنه يساعد أباه ويعمل معه في الحرث أو في التجارة أو في غيرها، فحينئذٍ يعطيه مثلما يعطي رجلاً من غير أولاده، بمعنى: أنه يفرض له كل شهر كذا، أو يجعل له نصيباً مشاعاً من الربح فيما إذا عمل بالتجارة أو بالزراعة أو ما أشبه ذلك، لماذا؟ لئلا يفضل بعض أولاده على بعض، فإن تفضيل بعض الأولاد على بعض في غير النفقة الواجبة محرم، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من الشهادة عليه حيث نحل بشير بن سعد الأنصاري رضي الله عنه ابنه النعمان بن بشير نحلة -أعطاه عطية- فقالت أم النعمان: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب بشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بأنه نحل ابنه النعمان نحلة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أكل ولدك أعطيتهم مثل ذلك؟ قال: لا.
              قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور) فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الشهادة عليه؛ لأن هذا جورٌ وتبرأ منه، وقال: (أشهد على هذا غيري) .
              وكان السلف رحمهم الله يعدلون بين أولادهم حتى في التقبيل، فمثلاً: إذا قبل الصبي الذي له خمس سنين أو ست سنين وأخوه عنده قبَّل الثاني، لماذا؟ لئلا يجور حتى في هذه الحالة، وكذلك أيضاً في الكلام يجب أن تسوي بين أولادك بالكلام، لا تتكلم مع هذا بغضب ومع هذا برضا، لا تنظر إلى هذا بوجه عابس والآخر بوجه راضٍ، يجب أن تعدل ما استطعت.

              (36/6)


              --------------------------------------------------------------------------------

              استغلال الإجازة في الذهاب إلى بلاد الكفر والفجور
              وصنفٌ من الناس يمضون هذه الإجازة فيما يغضب الله عز وجل، فيكونون من الذي بدلوا نعمة الله كفراً، تجدهم يذهبون إلى خارج البلاد: إلى بلاد الكفر والفجور والدعارة والأخلاق السيئة، هؤلاء خسروا دينهم ودنياهم، أما دينهم فإنه لا شك أن هذه المشاهد التي يشاهدونها سوف تؤثر عليهم تأثيراً بالغاً ولا سيما الصغار، فإن الصغير إذا انطبع في ذهنه شيء لم يكد يخرج منه، وخسروا دنياهم؛ لأنهم يبذلون أموالاً طائلة في مثل هذا السفر: فنادق، سيارات نقل، وغير ذلك من الأموال الباهظة، ثم هم مع ذلك ينمون أموال الكفار؛ لأن الكفار يدخل عليهم فائدة كبيرة من السياح الذين يصلون إلى بلادهم، ولهذا أرى وخذوا عني: أن السفر إلى بلاد الكفار محرم إلا بثلاثة شروط: الأول: أن يكون عند الإنسان علمٌ يدفع به الشبهات.
              والثاني: أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات.
              والثالث: أن يكون محتاجاً إلى ذلك.
              فأما الإنسان الذي ليس عنده علم ويخشى عليه من الشبه التي يسمعها هناك أو يقرؤها فإنه لا يذهب؛ لأنه إذا ذهب زعزع عقيدته وشك بعد الإيمان وتردد بعد اليقين، وهذا دمارٌ للإنسان.
              كذلك إذا كان ليس عنده دينٌ قوي بمعنى: أنه يفسد مع الفاسدين وتغريه المناظر فيفسد، هذا أيضاً لا يذهب؛ لأن المحافظة على الدين أولى من المحافظة على البدن.
              والثالث: الحاجة إلى هذا، أن يحتاج إلى ذلك إما لعلم لا يوجد له نظير في المملكة، أو ذهب لمرضٍ يتداوى، أو لتجارة لا بد منها، وأما إذا لم يكن له حاجة فلا يذهب، وكم من أناسٍ يذهبون إلى الخارج باسم التمشي والنزهة فتفسد أخلاقهم وتنحل عقائدهم -والعياذ بالله- ويرجعون ممسوخين، ولا شك أن هذا لا يحل للمسلم أن يتعرض له لما فيه من الشر والفساد.
              هذا ما يتعلق بأصناف الناس في هذه الإجازة، وإنني أكرر على إخواني: أن يستغلوا هذه الإجازة بما فيه الخير إما في الدين وإما في الدنيا، وأفضل ما تقضى فيه هذه الإجازة هو طلب العلم، قال الإمام أحمد رحمه الله: (العلم لا يعدله شيء) .
              أسأله الله تعالى أن يرزقنا وإياكم اغتنام الأوقات بما يرضي الله عز وجل.

              (36/7)


              --------------------------------------------------------------------------------

              الأسئلة

              (36/8)


              --------------------------------------------------------------------------------

              حكم الطواف بالبيت بعد العمرة مباشرة


              السؤال
              ذهبت الصيف الماضي لأداء العمرة أنا وقريبٌ لي، وعندما انتهينا من أداء العمرة ذهبنا فوراً إلى جدة وجلسنا يومين تقريباً، وعندما أردنا السفر إلى أبها لكي نقضي فيها بقية العطلة، مررنا بـ مكة فقال لي قريبي: كيف نمر بـ مكة ولا نطوف للوداع؟ فقلت له: لقد خرجنا منها بعد العمرة فوراً، والذي يخرج من مكة فوراً بعد العمرة ليس عليه طواف الوداع، والحاصل: أننا طفنا للوداع ثم سافرنا، فهل الصواب مع قريبي أم معي؟ مع العلم أني سأذهب في هذا الصيف إن شاء الله تعالى وسأجلس في جدة ثم أرجع؟

              الجواب
              الصواب هو مع من قال: إن الإنسان إذا خرج بعد العمرة مباشرة فلا وداع عليه، ودليل ذلك: أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما اعتمرت بعد الحج خرجت بدون طواف وداع؛ لأن الطواف الذي كان قبل السعي يكفي، ولكن طوافكم بعد مروركم بـ مكة لا شك أنه خير تكسبون به أجراً إن شاء الله عز وجل، فمن ناحية الحكم الصواب مع السائل الذي قال: إنه لا وداع علينا، ومن ناحية الأجر والثواب الصواب مع الذي قال: إننا نريد أن نطوف للوداع، لكن في الحقيقة أن هذا ليس طواف وداع بل هو طواف تطوع.

              (36/9)


              --------------------------------------------------------------------------------

              حكم الإسراف في الذبائح لإكرام الضيف والزواج


              السؤال
              فضيلة الشيخ! بمناسبة عطلة الصيف أحببت أن أعرض مشكلة يقع فيها بعض الناس وهي في المناسبات، وهي أن بعض الناس يريد أن يكرم ضيفه فتجده يذبح ذبيحةً فتكون زائدةً عن الحاجة فيرمي الباقي، فما نصيحتك لهؤلاء، خصوصاً ونحن مقبلون على موسم الزواجات ونحو ذلك؟ فهل من نصيحة لهؤلاء؟ وهل من نصيحة للذي لا يرضى إلا بالذبيحة ولا يرضى بسائر الطعام؟

              الجواب
              النصيحة لمن أراد إكرام ضيفه في الذبيحة، نقول: إذا كان الضيوف كثيرين يحتملون الذبيحة فلا بأس، هذا خير من كونك تذهب وتشتري لحماً، وأما إذا كان الضيف واحداً أو اثنين لا يحتملون الذبيحة فلا تذبح لهم؛ لأن هذا من الإسراف الذي نهى الله عنه، حيث قال سبحانه وتعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31] نعم لو فرضنا أن الرجل الذي نزل ضيفاً بالإنسان رجلٌ كبير له قيمته، فلا بأس أن تذبح له ذبيحة، إذا كنت تجد من ينتفع بها بعد إكرام الضيف كما ذبح الأنصاري ذبيحة للرسول صلى الله عليه وسلم حين نزل به ضيفاً ومعه أبو بكر وعمر، فأخذ المدية ليذبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إياك والحلوب) وأذن له في ذبحها، لكن من المعلوم أنه كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لا يرمى اللحم والطعام بل ينتفع به الناس.
              أما بالنسبة للضيف الذي لا يرى أن إكرامه إلا بالذبح له فإن نصيحتي له أن يدع عنه هذا الجهل؛ لأن هذا من أعمال الجاهلية، وإكرام الضيف يكون بما جرت به العادة التي ليس فيها إسراف، فأنت لا تشره على الناس أن يكرموك بالذبائح، يكفي إذا لاقاك بوجه طلق وصدر منشرح وأحسن لك الكلام والتحية هذا فيه الكفاية.

              (36/10)


              --------------------------------------------------------------------------------

              حكم الإتيان بأكثر من عمرة بعد الخروج من مكة ثم الرجوع إليها


              السؤال
              فضيلة الشيخ! ذكرت أنه لا يعتمر الإنسان في سفره أكثر من عمرة، فهل يجوز أن يعتمر بعد رجوعه من أبها وقد اعتمر قبل خروجه إليها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين رجوعه من الطائف وهو لم ينشئ سفراً من بلده؟

              الجواب
              لا بأس إذا كان الإنسان خرج من مكة لحاجة ثم عاد إلى مكة فلا بأس أن يأتي بعمرة، لكن كلامنا في هؤلاء القوم الذين يأتون بالعمرة ويبقون في مكة ثم يخرج إلى التنعيم ويأتي بعمرة، هذا لم يفعله الصحابة ولم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، غاية ما هنالك أنه حصل لـ عائشة رضي الله عنها عذر حين جاءت من المدينة وهي محرمة بالعمرة، وفي أثناء الطريق حاضت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فأخبرته أنها حاضت، فقال لها: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) ففعلت وقرنت بين الحج والعمرة، ولما أنهت حجها قالت: [يا رسول الله! يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج] فلما ألحت على الرسول عليه الصلاة والسلام أمرها أن تخرج ومعها أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم وتأتي منه بعمرة، فذهبت إلى التنعيم وأتت منه بعمرة وأخوها عبد الرحمن معها ولم يأخذ عمرة؛ لأن أخذ العمرة من التنعيم لم يكن معروفاً عندهم، فإذا قدر أن امرأة وقع لها مثلما وقع لـ عائشة رضي الله عنها ولم تطب نفسها إلا أن تأتي بعمرة مستقلة فلا حرج عليها.

              (36/11)


              --------------------------------------------------------------------------------

              حكم فوات الإحرام من الميقات


              السؤال
              فضيلة الشيخ! ذهبت لأداء العمرة بالطائرة من القصيم وأعلن المضيف: أن المرور بالميقات سيكون في الساعة الفلانية.
              فانشغلت عن ذلك حتى مضى الوقت وكان بين إعلانه وبين الوقت خمس دقائق من الموعد المحدد فماذا أفعل؟ علماً بأني عند وصولي إلى مكة ذهبت إلى التنعيم ونويت مرةً أخرى للإحرام بالعمرة ثم أديت العمرة؟

              الجواب
              الواجب على الإنسان أن يحتاط لدينه، فإذا كان في الطائرة وقال المضيف: إنه بقي عشر دقائق على الميقات فلتحرم من الآن وتحتاط؛ لأنك إذا تقدمت قبل الميقات بخمس دقائق فلا ضرر عليك، لكن لو تأخرت بعد الميقات بدقيقة واحدة فاتك الإحرام من الميقات؛ لأن الطائرة سريعة، هذا هو الذي ينبغي للإنسان.
              ينبغي لمن سافر بالطائرة أن يتأهب ويلبس الإزار والرداء وإذا أعلن المضيف بأنه بقي عشر دقائق فلا حرج عليه أن يحرم ولو قبل الوصول إلى الميقات لئلا يقع في مثل هذا الخطأ الذي ذكره السائل.
              أما بالنسبة للجواب على سؤاله فنقول: إن الواجب عليك أن تذبح فديةً في مكة وتوزعها على الفقراء، هكذا قال العلماء رحمهم الله: إن من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة وجب عليه فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء، فإن كنت تريد أن تذهب إلى العمرة هذا العام، فالأمر واضح، تذبحها أنت بنفسك هناك وتوزعها على الفقراء، وإلا فلا حرج عليك أن توكل أحداً يقوم بالواجب سواءً ممن سافروا من بلدك أو ممن كانوا في مكة.
              أما من لم يسمع المضيف ولم يحرم إلا بعد تجاوز الميقات، فعليه الدم لكن ليس عليه إثم؛ لأنه جاهل، ولكن عليه الفدية.
              وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
              وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

              حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
              https://www.musacentral.com/

              تعليق


              • #67
                فوارق أحكام الصلاة بين الرجل والمرأة


                السؤال
                في السجود في الصلاة هل هناك فرق بين المرأة والرجل؟

                الجواب
                لا فرق بين المرأة والرجل في السجود، ولا فرق بين المرأة والرجل في الركوع، ولا فرق بين المرأة والرجل في الجلوس، الرجال كالنساء إلا أنهن لا يجهرن بالقول، أي: ليس من السنة أن تجهر المرأة في الصلاة ولو في صلاة الليل، وكذلك إذا أخطأ الإمام فإنهن لا يسبحن ولكن يصفقن، لأن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، والأصل: أن الرجال والنساء في أحكام الله تعالى سواء إلا إذا وجد دليل على التفريق، وهذا ضابط وإن شئت فقل قاعدة ينتفع بها المسلم: الأصل أن الرجال والنساء سواءٌ في أحكام الله وشريعة الله إلا إذا وجد دليل صريح يدل على التفريق بين الرجال والنساء، ولذلك من قذف رجلاً محصناً أيجلد ثمانين جلدة؟ نعم يجلد مع أن الآية في النساء: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:4-5] وأجمع العلماء على أن قذف الرجل المحصن كقذف المرأة المحصنة؛ لأن الأصل أن الرجال والنساء في شريعة الله سواء.

                (36/13)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم زيارة النساء لمقبرة البقيع


                السؤال
                هل يجوز للنساء زيارة مقبرة البقيع؟

                الجواب
                لا يجوز للمرأة أن تزور القبور، بل زيارتها القبور من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور) والحديث هذا روي على وجهين: زائرات وزوارات، فالزوارات: اللاتي يكثرن الزيارات، والزائرات: اللاتي يزرن ولو مرةً واحدة، وكلاهما -أي: كلا الحديثين- في الصحة سواء أو على حد قريب بعضهما من بعض، وهما في مرتبة الحسن، والمستدل بالأول زوارات يلزمه أن يستدل بالثاني زائرات؛ لأن إسنادهما متقارب، ومرتبتهما في الحديث متقاربة، وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تزور البقيع ولا شهداء أحد.
                لكن هل تزور قبر النبي عليه الصلاة والسلام وقبري صاحبيه: أبي بكر وعمر أم لا؟ من العلماء من قال: لا بأس أن تزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه؛ لأن زيارتها ليست زيارة حقيقية؛ إذ أنها لا يمكن أن تصل إلى القبر وتقف عليه، فبينها وبين القبر جدر لا يمكن الوصول إلى القبر.
                ومن العلماء من قال: ما دام ذهابها إلى القبر يسمى زيارة وهي تعتقده زيارة؛ فإنه لا يجوز لها أن تزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه.
                وهذا أحوط ألا تزور قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا قبري صاحبيه.
                فإن قالت: أنا أود أن أسلم على الرسول؟ قلنا: سلمي عليه وأنتِ في مكانك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن تسليمكم يبلغني أينما كنتم) .

                (36/14)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم تأخير دفع مؤخر الصداق عن الموعد المشروط


                السؤال
                الزوج يرفض دفع مؤخر الصداق مع أنه ميسور؛ لأنه اتفق مع الولي على أنه إلى أحد الأجلين: الموت أو الطلاق، والزوجة في حاجة شديدة إليه فما الحكم؟

                الجواب
                الحكم أن الشرط أملك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم) وما دام الزوج قد شرط له أن المهر مؤجلٌ في أحد الأجلين: الموت أو الفراق فهو على ما شرط له، واللوم في الحقيقة على المرأة وعلى وليها الذي زوجها، إذ أن الواجب أن المرأة عند العقد رفضت هذا الشرط، والواجب على وليها إذا كان يريد أن يشترط هذا الشرط أن يشاورها أولاً؛ لأن المهر ليس للأب ولا للأخ ولا للعم المهر للمرأة، قال الله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء:4] فلتصبر ولتحتسب، فإن تيسر للزوج أن يقدم المؤجل فهذا خير بلا شك، وإن لم يتيسر أو تيسر ولكن يقول: لا أوفي بناءً على الشرط.
                فالأمر إليه.

                (36/15)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم استئجار من يقوم بالغناء في حفلات زواج النساء


                السؤال
                ما حكم استئجار من يقوم بالغناء في حفلات زواج النساء؟

                الجواب
                إذا كان الغناء غناءً مباحاً فلا بأس أن نستأجر امرأة تغني ولكن بشرط: أن تكون الأجرة معقولة مناسبة للعمل، لا كما يفعله بعض الناس، يعطيها على الليلة الواحدة ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، لماذا يا أخي؟! وأما إذا كان الغناء محرماً كغناء الفاسقات والعاهرات فهذا حرام لا بأجرة ولا بغير أجرة، والفرق أن الغناء المباح عملٌ مباح، وما كان مباحاً جاز أخذ الأجرة عليه، بل ما كان مباحاً جاز أخذ العوض عليه، والغناء المحرم حرام، وإذا حرم الله شيئاً حرم ثمنه.

                (36/16)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم الإحرام من الميقات بعد انقضاء الحاجة من جدة


                السؤال
                فضيلة الشيخ! زميلٌ لي يريد أن يذهب إلى جدة مع عائلته وذلك لزواج أحد أقاربه، وعنده نية بعد الزواج أن يعتمر، فهل يجوز له أن يتعدى الميقات ويحرم بعد الزواج من جدة أم ماذا يفعل؟

                الجواب
                لا يجوز له أن يؤخر الإحرام من الميقات ما دام عازماً على العمرة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المواقيت: (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل اليمن من يلملم، وأهل نجد من قرن، وأهل الشام من الجحفة) فأمر بالإهلال من هذه المواقيت، أما من سافر لحاجة وقال: إن تيسر لي أتيت بالعمرة وإلا فلا، فهذا نقول له: إن تيسر لك أن تأتي بالعمرة، فأحرم من المكان الذي تيسر لك منه، وإن لم يتيسر فلا شيء عليك، ولكن لو سألنا هذا الرجل فقال: إنه قدم إلى جدة لحاجة وهو قد عزم على العمرة، وهو الآن في جدة وانتهت حاجته فماذا يصنع: أيحرم من جدة أم يلزمه أن يذهب إلى الميقات؟ قلنا: يلزمه أن يذهب إلى الميقات ويحرم منه، وإذا ذهب إلى الميقات وأحرم منه سقط عنه الدم.

                (36/17)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم النذر والوفاء به


                السؤال
                فضيلة الشيخ: نذرت والدتي أن تذبح بعيراً بعدما نسكن بيتاً يكون ملكاً لنا، والحمد لله قد نزلنا في البيت الذي هو ملك لنا، فما هو البعير أهو الجمل الكبير أم (الحاشي) أم يكون من أي نوع من أنواع الإبل؟ وإذا ذبحت هذا البعير فماذا نصنع به: هل يوزع أم نأكله أو نجعله في البيت أو نجعله عشاءً؟ أرجو التفصيل وفقك الله.


                الجواب
                قبل أن أجيب على الوفاء بهذا النذر أقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال: (إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل) وقال: (إنه لا يرد قضاءً) وما أكثر الذين ينذرون ولا يوفون، وعدم الوفاء بالنذر إذا كان نذر طاعة له عواقب وخيمة، اسمعوا قول الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ} [التوبة:75-76] أي: ولم يتصدقوا {وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [التوبة:76] ولم يكونوا من الصالحين {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة:77] عاقبة وخيمة جعل الله في قلوبهم نفاقاً إلى الموت؛ لأنهم لم يفوا بالعهد.
                وإذا كان النذر منهياً عنه وقد تكون عاقبته وخيمة فإن المؤمن العاقل لا ينذر، إذا كان الله قد أذن لك بالشفاء شفيت بدون نذر، وإذا كان الله لم يأذن لك بالشفاء؛ فإنك لا تشفى ولو نذرت.
                كذلك أيضاً إذا كان الله قد يسر لك بيتاً يكون ملكاً لك تسكنه فإنه سيكون بلا نذر، وإذا لم يأذن الله بذلك فلن يكون.
                أما بالنسبة للجواب على هذا السؤال: فإن الواجب أن تذبح بعيراً كما نذرت، ثم إن كان في ذهنها ونيتها في ذلك الوقت أنه أي بعير فلتذبح أي بعير ولو (حاشياً) صغيراً، وإن لم يكن في ذهنها شيء، فإنها تذبح بعيراً تصح أن تكون أضحية أي: ثنية لها خمس سنين، وإذا ذبحتها فرقتها على الفقراء؛ لأن هذا شكرٌ لله على تيسيره، إلا إذا كان من نيتها أنها تذبحها لإظهار الفرح والسرور كما يفعله بعض الناس إذا نزل بيتاً جديداً صنع وليمة، فهنا نقول: لا بأس أن تأكل منها وتطعم وتتصدق (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) .

                (36/18)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم الجمع والقصر للمسافر إذا جد به السير


                السؤال
                فضيلة الشيخ نرجو توضيح ما ورد في السنة أنهم كانوا يقصرون إذا جد بهم السير، وهل إذا كان قد وقف للراحل ينقطع به السير أو أنه جادٌ في الطريق؟ وما الحكم إذا كان بينه وبين بلده ما يقارب ما سيلحق به الوقت الثاني فهل يقصر ويجمع أم لا؟

                الجواب
                الصواب أن يقال: يجمعون؛ وذلك أن القصر سنة للمسافر سواء جدَّ به السير أم لا، أما الجمع فهو سنةٌ للمسافر إن جدَّ به السير، أي: إن كان يسير -أي: يمشي- أما إذا كان نازلاً في مكان أو في بلد فإنه لا يجمع، وإن جمع فلا بأس، فصار الآن القصر سنة بكل حال والجمع سنةٌ إن جدَّ به السير، وإلا فالأفضل ألا يجمع وإن جمع فلا بأس.
                أما إذا كان قد أقبل إلى بلده ويعرف أنه سيصل إلى بلده قبل دخول وقت الثانية فهل له أن يجمع؟ نقول: نعم له أن يجمع، لكن الأفضل في هذه الحالة ألا يجمع لأنه لا حاجة به إلى الجمع.

                (36/19)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم الزواج ببنت الأخ من الرضاع


                السؤال
                فضيلة الشيخ: تزوجت ابنة عمي منذ عشر سنين ورزقت -ولله الحمد- بخمسة أبناء، وقد أخبرتني والدتي بأني قد رضعت من زوجة جدي الثانية غير أم والدي، وقد سألت والدتي عن تلك الرضعات فأخبرتني أنني دائماً أرضع منها أي: من زوجة جدي، وقد فهمت من كلامها بأن والدتي تذهب وتتركني عندها باستمرار وترضعني مع ابنتها باستمرار، فضيلة الشيخ! ماذا أفعل الآن علماً بأنه لم يعلم عن تلك القضية إلا أنا ووالدتي فقط؟

                الجواب
                هذا لا بد فيه من شيئين: الشيء الأول: أن تكون المخبرة ثقة في عقلها ودينها، أما إذا كانت كبيرة يخشى أنه قد حصل لها النسيان، فهذا لا عبرة بكلامها، فإذا كانت ثقة يؤخذ بقولها.
                الشيء الثاني: أن تشهد بأن هذا رضع خمس مرات فأكثر، فإن قالت: رضع مرة، فلا شيء، مرتين لا شيء، ثلاث مرات لا شيء، أربع مرات لا شيء، إذا قالت: لا أدري أرضع خمس مرات أو أقل؟ فلا شيء أيضاً؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: (نسخن بخمس معلومات) فلا بد من العلم فمع الشك لا شيء، فإذا وجد أن المخبرة ثقة وأنها شهدت بأن الرضاع خمس مرات فإن ابنة عمك لا تحل لك؛ لأن بنت عمك قد صارت بنت أخيك من الرضاع، عمه هو ابن جده وهو قد رضع من زوجة جده فيكون هذا الزوج ابناً للجد وأخاً للعم، وتكون بنت العم بنت أخيه وهو عمها، لكن لا بد من التأكد، وإذا تأكدنا فإنه يجب التفريق بينهما؛ لأنه تبين أن النكاح الذي وقع بينهما كان باطلاً بإجماع المسلمين، وإذا تم الرضاع فإنه يبطل هذا العقد.

                (36/20)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم الرجوع إلى الميقات بعد تعديه للإحرام


                السؤال
                فضيلة الشيخ من نسي الإحرام أو انشغل عنه في الطائرة حتى تعدى الميقات هل يجوز له الرجوع من البر إلى الميقات ويحرم منه عند ذلك؟

                الجواب
                يجوز، والقاعدة تقول: إذا تجاوز الإنسان الميقات ولم يحرم منه، فإن أحرم من مكانه الذي دون الميقات لزمه الدم، وإن رجع إلى الميقات وأحرم منه فلا شيء عليه.
                وبناءً على ذلك: لو فرضنا أنه ركب طائرة من مطار القصيم وهو يريد العمرة ثم نزل في جدة قبل أن يحرم، نقول له: إما أن تذهب إلى ذي الحليفة ميقات أهل المدينة وتحرم منه، وإلا فإن أحرمت من جدة فعليك دم.

                (36/21)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم الكدرة أو الصفرة بعد انقضاء دم الحيض


                السؤال
                أنا امرأة أجتهد كثيراً في أمر الطهارة ولكني لا أرى القصة البيضاء غالباً فتكون المدة التي أحيض فيها مدة أسبوعين، وأنا لا أرى الدم إلا مدة سبعة أيام تنقص يوماً أو تزيد يوماً، ثم تخرج مادة بنية اللون أو كدرة، ثم بعد ذلك صفرة، ثم أرى الرطوبة التي تخرج من المرأة في الأيام العادية، وكما ذكرت لا أرى القصة البيضاء في غالب الأمر، أرجو من فضيلتكم الإيضاح في هذا الأمر: متى يكون الاغتسال من الحيض في مثل هذه الحالة، كفاك الله هموم الدنيا والآخرة ووالديك وجميع المسلمين؟

                الجواب
                دم الحيض إذا انقطع وخلفه صفرة أو كدرة فإنه لا عبرة بذلك، أي: لا عبرة بالكدرة والصفرة بعد انقطاع الدم؛ لأن الله تعالى يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة:222] والأذى هو الدم، وقالت أم عطية: [كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً] هكذا رواية البخاري ولـ أبي داود: [بعد الطهر شيئاً] لكن يحصل الطهر إذا انقطع الدم.
                وعلى هذا فنقول لهذه المرأة: ما دامت ترى الحيض -أي: الدم- سبعة أيام ثم يخلفه كدرة أو صفرة؛ فإنها تغتسل عند انقطاع دم الحيض -أي: عند تمام سبعة أيام- ثم تصلي وتصوم، ويأتيها زوجها إن كان لديها زوج ولو كان عليها صفرة أو كدرة.

                (36/22)


                --------------------------------------------------------------------------------

                مراعاة التنقل للدعوة إلى الله


                السؤال
                فضيلة الشيخ الحق أن يؤتى إلى العلم وأنتم أهلٌ إلى أن يؤتى إليكم، ولكن يا شيخنا لنا أهلٌ كبارٌ في السن ولنا نساءٌ وبيوتٌ بعيدة عن هذا الجامع العامر، نفوسهم تضعف عن الحضور، وأنتم لكم قدوةٌ بنبينا صلى الله عليه وسلم وسلفنا الصالح في تنقلهم للدعوة إلى الله، وأنتم على هذا -ولله الحمد- سائرون، لكن هذا اللقاء المبارك هل يمكن أن يتنقل من حي إلى حي في الجوامع الكبيرة في البلد بعد نهاية الدروس أي: في وقت الأسئلة؟ نحن نتشرف بذلك، ولا تقل: يا فضيلة الشيخ الشريط يكفي فليس راءٍ كمن سمعا؟

                الجواب
                هذا السائل احتاط لنفسه، أنا كنت أقول: إني آتي إليكم وأحضر إليكم بالشريط، لكن الرجل احتاط لنفسه، لا شك أنه لا يستوي من سمع ومن رأى، ولكني إذا احتج عليَّ بالشريط أو بهذه الكلمة أحتج إليه بأن العلم يؤتى إليه ولا يذهب إلى العلم، لكن لنا في رسول الله أسوة حسنة؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قالت له إحدى النساء: (يا رسول الله! غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً تأتينا فيه) فواعدهن النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وأتى إليهن ووعظهن وذكرهن.
                وفي ظني أن البلاد -والحمد لله- متقاربة الآن ويقرب بعضها إلى بعض السيارات، فالأمر سهل إن شاء الله، وأقول: احتسبوا واحضروا إلى العلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) .

                (36/23)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم قراءة خطابات الزوجة من غير إذنها


                السؤال
                فضيلة الشيخ! زوجي يفتح ما يصلني من أهلي من خطابات ويقرأها وأنا أكره ذلك، ويمنع منها ما فيه عزاء وأنا كنت في حاجة إلى ذلك هل يحق له ذلك؟

                الجواب
                لا يحل للزوج ولا لغير الزوج أن يفتح ظروف الكتب؛ لأن هذا عدوان على أخيه على صاحب الكتاب، الكتب المظرفة لا شك أنها سر، فلا يحل لأحد أن يطلع عليها، وإني أنصح هذا الزوج وأخوفه بالله عز وجل وأقول له: أترضى أن أحداً يفتح مظاريف كتبك؟ أعتقد أنه لا يرضى، وإذا كان هو لا يرضى أن أحداً يفتح مظاريف كتبه فلماذا يبيح لنفسه أن يفتح مظاريف زوجته؟! فأحذره من ذلك وأقول: استحل زوجتك مما مضى وتب إلى الله فيما يستقبل.

                (36/24)


                --------------------------------------------------------------------------------

                وقت الانصراف للمأموم من الصلاة


                السؤال
                فضيلة الشيخ: (من قال قبل أن ينصرف أو يثني رجليه -كما جاء في الحديث-: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير بعد المغرب والفجر) إلى آخر الحديث.
                والحديث الآخر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان يلتفت بعد أن يقول: اللهم أنت السلام) هل هذا خاصٌ بالإمام، أم بالإمام والمأموم والمنفرد؟

                الجواب
                الإمام لا يبقى متوجهاً إلى القبلة إلا بقدر الاستغفار ثلاثاً، (واللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) فإذا قال الإمام: أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) فلينصرف، وذلك لأن المأمومين مربوطون به، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبقوني بالانصراف) وإذا كانوا مربوطين به فلا ينبغي له أن يبقى فيسجن الناس، بل يقول بقدر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ثم ينصرف، هذا هو السنة في حق الإمام.
                أما المأموم فإذا انصرف إمامه فله أن ينصرف، وأما ما جاء في الحديث: (قبل أن يثني رجليه) فالمعنى: أنه إذا قال ذلك وهو في مكانه سواءٌ ثنى رجليه اتباعاً للسنة كالإمام أم لا.

                (36/25)


                --------------------------------------------------------------------------------

                العداوة والشحناء ورفع أعمال المتخاصمين


                السؤال
                صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المتخاصمين لا ترفع أعمالهم، فأحياناً تحدث الخصومة بين الناس وتكون هذه الخصومة بسبب سب أو شتم أو كلام جارح من أحدهما فيغضب الآخر ويمتنع عن كلامه ويكون هذا مظلوماً فعلاً بهذا السب أو الشتم، فهل أعمالهم فعلاً لا ترفع إلى الله، أم أن هذا من أحاديث الترهيب أطال الله عمرك ونفع بك؟

                الجواب
                لا شك أن النزاع والخصومة بين الناس سببٌ لمنع الخير، ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلةٍ إلى أصحابه في رمضان ليخبرهم بليلة القدر فتلاحى رجلين من الصحابة -أي: تخاصما- فرفعت، أي: رفع العلم بها في تلك السنة.
                كذلك أيضاً: الأعمال تعرض على الرب عز وجل كل إثنين وكل خميس إلا رجلين بينهما شحناء وفي قلوبهما شيء من الكراهية والعداوة فإنه يقال: (أنظرا هذين حتى يصطلحا) ولذلك ينبغي للإنسان أن يحاول ألا يكون في قلبه غلٌ على أحدٍ من المسلمين، حتى لو أن النفس الأمارة بالسوء قالت له: إن فلاناً فعل كذا وفعل كذا وقال كذا، يجب أن يمحو ذلك من قلبه وأن يكون قلبه نظيفاً بالنسبة لإخوانه المسلمين.

                (36/26)


                --------------------------------------------------------------------------------

                دور الآباء تجاه أبنائهم في الإجازة


                السؤال
                ما نصيحتك للآباء نحو أبنائهم في هذه الإجازة في حلق الجماعة والمراكز الصيفية؟

                الجواب
                نصيحتي للآباء: أن يتقوا الله عز وجل فيما ولاهم الله عليهم من الأبناء والبنات، وأن يراقبوهم مراقبةً شديدة، وأن ينظروا أين ذهبوا وأين رجعوا؛ لأنهم مسئولون عنهم يوم القيامة.
                أما بالنسبة للمراكز الصيفية وحلق تحفيظ القرآن فأنا أشير على أولياء الأمور أن يلحقوا أبناءهم بذلك حتى لا يقتلهم الفراغ النفسي والفكري والجسدي، وربما يجرهم هذا الفراغ إلى أمور لا تحمد عقباها.
                فنصيحتي لأولياء الأمور: أن يلحقوا أبناءهم إما في جماعة تحفيظ القرآن وإما في المراكز الصيفية.

                (36/27)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم خروج المؤذن إلى بيته للوضوء بعد الأذان


                السؤال
                فضيلة الشيخ! أنا مؤذنٌ عندما أنتهي من الأذان أذهب وأتوضأ في البيت هل آثم لأنه عندما يؤذن المؤذن لا يجوز أن يخرج أحدٌ من المسجد؟ وأرجو يا فضيلة الشيخ أن تنبه على المؤذنين من حيث أذان الفجر؛ لأن هناك تفاوتاً بين المؤذنين قد يصل إلى ثمان دقائق.


                الجواب
                أما بالنسبة للفقرة الأولى من السؤال: فالأفضل للمؤذن ألا يؤذن إلا على طهر؛ وذلك لأن الأذان من ذكر الله عز وجل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أحب ألا أذكر الله إلا على طهر) وقد قال العلماء رحمهم الله: يكره أن يؤذن وعليه جنابة.
                هذا إذا كان الأذان في غير المسجد، أما في المسجد فلا يجوز أن يؤذن وعليه جنابة إلا بعد الغسل.
                وأما إذا أذن بدون وضوء، مثل: أن يقوم من نومه متأخراً فيذهب ويؤذن فوراً، أو يكون منشغلاً فذهب عليه الوقت، ولم يشعر إلا والناس يؤذنون فذهب على عجل وأذن وهو على غير وضوء فأذانه صحيح، ولا حرج عليه إذا انتهى من الأذان أن يخرج من المسجد ويتوضأ؛ لأن خروج الإنسان من المسجد بعد الأذان من أجل الوضوء ثم الرجوع لا بأس به، وإنما جاء الحديث في التحذير من خروج الإنسان بعد الأذان بدون رجعة، وأما إذا كان في نيته أن يرجع ورجع فلا حرج عليه في هذا إطلاقاً.
                وأما الفقرة الثانية من السؤال وهي تفاوت ما بين المؤذنين في أذان الفجر فنعم الأمر كما قال، قد يكون بعضهم بينه وبين المؤذن الأول نحو ثمان دقائق أو عشر دقائق أيضاً؛ وذلك أن بعض المؤذنين يؤذن على التوقيت الموجود في الأوراق في التقاويم، وأذان الفجر خاصة بالنسبة للتقاويم متقدم خمس دقائق، وعليه فنقول: إذا وجدت التقويم أن الأذان مثلاً: على كذا وكذا فزد خمس دقائق، هذا خاص بأذان الفجر، أما بقية الأوقات فالتقويم لا بأس به، لكن في الفجر متقدم، فمثلاً: إذا كان هذا الرجل أذن على التقويم والآخر تأخر خمس دقائق صار بينهما خمس دقائق، وإذا تأخر دقيقتين أو ثلاثاً صار بينهما ثمان دقائق.

                (36/28)


                --------------------------------------------------------------------------------

                عواقب التفجيرات


                السؤال
                فضيلة الشيخ! أزعجنا وأزعج كل غيور حادث الانفجار كما نبهتم وفقكم الله في الخطبة وقرار مجلس هيئة كبار العلماء، ولكن أزعجنا أكثر انفجار الصحف ووسائل الإعلام في الهجوم على المتدينين، فما نصيحتك في مثل هذا الأمر وفقك الله تعالى؟

                الجواب
                أقول: إن الهجوم من أهل الشر والفساد على الملتزمين بهذه المناسبة أمر متوقع؛ لأن مثل هؤلاء ينتهزون الفرص حتى يتكلموا بما يريدون، وهذا من مفاسد هذه الانفجارات، فإن من مفاسدها: أن الناس صاروا ينظرون شزراً إلى كل متدين، مع أننا نعلم أن صاحب الدين الحق لا يمكن أن يفعل مثل هذه الفعلة الشنيعة، وأن الملتزمين حقيقةً يتبرءون من هذا الفعل وينكرونه بقلوبهم وألسنتهم، لكن أهل الشر يستغلون كل موقف يرون لهم فيه مدخلاً فيتكلمون بما يريدون، ولكننا نقول: إن الله تعالى قال في كتابه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:16-18] .
                ولكن هناك شيء آخر: وهو أن بعض الجهال من العوام ينهى ابنه عن الالتزام والتدين ويقول: انظر إلى ما فعل الملتزمون والمتدينون، وهذا غلط؛ لأن هؤلاء الذين فعلوا هذه الأفعال لم يملِ عليهم هذا الشيء دينهم، ولو أنهم رجعوا حقيقةً إلى نصوص الكتاب والسنة لعلموا علم اليقين أن هذا الفعل حرام، وأنه ليس ديناً يقرب إلى الله، بل هو عدوان على عباد الله عز وجل، فلا ينبغي للعوام أن يتخذوا من هذا سبيلاً لتحذير أبنائهم من الالتزام المبني على المنهج الصحيح.

                (36/29)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم قص شعر البنات


                السؤال
                فضيلة الشيخ! ما حكم قص شعور البنات قصة فرنسية؟ ومتى يبدأ سن التحريم، لأن الناس يقولون عن الطفلة التي عمرها سنتين أو ثلاث: إنها صغيرة؟

                الجواب
                أخذ المرأة من شعرها فيه خلاف بين العلماء: - منهم من يقول: إنه حرام.
                - ومنهم من يقول: إنه مكروه.
                - ومنهم من يقول: إنه جائز.
                لكن إذا كان أخذ الشعر على وجه التشبه بالفرنسيين أو غير الفرنسيين من الكفار فهو حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تشبه بقومٍ فهو منهم) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم: أقل أحوال هذا الحديث التحريم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم.
                كثيرٌ من النساء يقلن: إننا ما أردنا التشبه، فيقال: التشبه إذا حصل لا يشترط له إرادة؛ لأن التشبه هو المظهر، فإذا وجد المظهر الذي يكون كمظهر الكفار حصل التشبه سواءٌ أردت أو لم ترد، هذا ليس عبادة هذا زي، إذا كان عليه الكفار فإنه لا يحل للإنسان أن يتزيا به، وعلى هذا فنقول: إنه لا يجوز للمرأة أن تقص رأسها كقص رءوس الفرنسيات أو غيرهن من الكافرات، وأما القص اليسير للتجمل للزوج بشرط ألا يكون كثيراً بحيث يشبه شعر الرجال فأرجو ألا بأس به.

                (36/30)


                --------------------------------------------------------------------------------

                أحكام عورة المرأة بالنسبة لغيرها


                السؤال
                ما هو المقدار الجائز للمرأة أن تخرجه عند محارمها بالنسبة للكم هل يجوز إلى نصف العضد، كذلك النحر الذي قبل الثديين، والصدر -أعني: فتحة الصدر- أيجوز أن تخرج منها بداية الثديين، كذلك الفتحات في أسفل الثوب؟ وما هو الجائز خروجه عند النساء من الأشياء السابقة؟ وما حكم التكشف للطبيبة الكافرة أو الممرضة؟

                الجواب
                هذا سؤال طويل عريض، لكن نقول: إن نساء الصحابة كن يلبسن من الثياب ما يسترهن من الكعب إلى الكف في البيت، أما في الخارج فقد علم حديث أم سلمة رضي الله عنها أنه لما قال النبي عليه الصلاة والسلام في ذيول النساء -أي: أطراف الثياب التي تسحب على الأرض- لما قال: (ترخينه شبراً، قلنا: يا رسول الله! إذاً تنكشف أقدامهن.
                قال: يرخينه ذراعاً ولا يزدن) وهذا يدل على أن المرأة يجب عليها أن تستر حتى قدميها إذا خرجت إلى السوق.
                أما في البيت ومع النساء فالأمر أسهل بلا شك، تخرج المرأة رأسها ووجهها وكفيها وذراعيها ولا حرج، لكن الثياب لا بد أن تكون ضافية، فإذا كان على المرأة ثياب ضافية وأخرجت ذراعيها لعمل من الأعمال وحولها نساء أو محارم فلا بأس، لكن نحن لا نرخص الثياب القصيرة إطلاقاً، وهناك فرق بين أن يخرج الذراع أو أن تخرج الرقبة أو الرأس أو أعلى الصدر أو ما أشبه ذلك وبين أن تكون الثياب مهتكة الأستار خفيفة أو ضيقة أو قصيرة فهذا النوع من الثياب دل الدليل على أنه حرام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما قط: قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) .

                (36/31)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم مساعدة الأب لابنه الذي يعمل معه في زواجه


                السؤال
                فضيلة الشيخ! إذا كان أحد الأبناء يعمل مع والده في الزارعة وباقي الإخوة قد تعلموا، فهل للأب أن يساعد ابنه هذا في زواجه من إنتاج الأرض ومما لديه من ماشية؟

                الجواب
                إذا كان الرجل له ولد مستغنٍ بنفسه عنده راتب أو عنده تجارة، والآخر ليس عنده شيء، واحتاج الذي ليس عنده شيء إلى زواج؛ وجب على الأب أن يزوجه، ولا يعطي الآخرين مثله إلا إذا احتاجوا إلى الزواج وليس عندهم شيء فليزوجهم كما زوجه، وهنا نعطيكم شيئاً من الضوابط: ما كان من أجل النفقة فالعدل فيه أن يعطي كل واحد ما يحتاج، والنكاح من النفقة.

                (36/32)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم إعطاء الأب لأولاده الناجحين وترك الراسبين


                السؤال
                فضيلة الشيخ: إذا نجح الأولاد وأعطى الأب أولاده الناجحين وترك الراسبين فهل يكون هذا خلاف العدل؟

                الجواب
                هذا ليس خلاف العدل؛ لأن إعطاء الناجحين من باب تشجيعهم على الدروس والتحصيل، وإذا نجح الآخرون يعطيهم، لكن إذا نجح أحدهم في الدور الأول والثاني في الدور الثاني هل تكون الجائزة سواءً؟ لا، مقتضى العدل ألا تكون سواءً؛ لأن الناجح في الدور الأول أسبق من الناجح في الدور الثاني.

                (36/33)


                --------------------------------------------------------------------------------
                وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                https://www.musacentral.com/

                تعليق


                • #68
                  اللقاء الشهري

                  اللقاء الشهري [37]
                  في ظلال تفسير سورة العصر كان للشيخ -رحمه الله- إطلالة على آياتها، وبيان معانيها وأحكامها وفوائدها، مع تناول مواضيع مختلفة كان من أهمها: أصول الإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، كما ذكر شروط قبول الأعمال الصالحة، وعرج على كيفية التواصي بالحق والتواصي بالصبر بين المؤمنين، ثم أردف ذلك بسيل من الإجابات المحكمة والفتاوى النافعة المسددة على أسئلة المستمعين.

                  (37/1)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  تفسير سورة العصر
                  الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
                  أما بعد: فهذا هو اللقاء السابع والثلاثون كما ذكر الشيخ/ حمود بن عبد العزيز الصايغ من اللقاءات الشهرية التي تتم في الجامع الكبير في مدينة عنيزة، وهذه الليلة هي ليلة الأحد العشرين من شهر ربيع الأول عام (1417هـ) .
                  إنه ليس في بالي شيءٌ معين محدد أتكلم فيه، ولكن من المستحسن أن نتكلم على ما سمعناه في تلاوة صلاتنا هذه الليلة ألا وهو سورة العصر التي قال الله تعالى فيها: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3] .
                  لا يخفى علينا جميعاً أن هذه السورة كان قبلها (بسم الله الرحمن الرحيم) فالبسملة هل هي آية من السورة التي بعدها، أو من السورة التي قبلها، أم هي آية مستقلة؟ الصحيح: أنها آية مستقلة، تفتتح بها السور ما عدا سورة براءة فإن الصحابة لم يكتبوها، ولذلك درجت الأمة الإسلامية على عدم التسمية في سورة براءة، لكن ما سواها فكل السور قبلها (بسم الله الرحمن الرحيم) .
                  أما قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ} [العصر:1] فالمراد بالعصر: الدهر، هذا هو الصحيح، وليس المراد صلاة العصر، وأقسم الله به؛ لأن الدهر هو زمن العمل، ولأن الدهر يتقلب لأهله من حرب إلى سلم، ومن شدة إلى رخاء، ومن مرض إلى صحة، ومن علمٍ إلى جهل {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ} [النور:44] {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140] فالعصر هو خزانة الأعمال، ولهذا أقسم الله به فقال: {وَالْعَصْرِ} [العصر:1] .
                  قوله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:2] (الإنسان) أي إنسان هو؟ كل إنسان، ولذلك نقول إن (أل) في قوله: (الإنسان) بمعنى: كل، فهي للاستغراق، كل إنسان في خسر، أي: في خسارة، وقته عليه خسارة، وحياته عليه خسارة، وماله عليه خسارة، وولده عليه خسارة، كما قال الله تعالى عن نوح مع قومه: {وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً} [نوح:21] .
                  استثنى الله عز وجل من اتصفوا بهذه الصفات الأربع: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3] هؤلاء هم الرابحون: (الذين آمنوا) بما يجب الإيمان به، (وعملوا الصالحات) أي: عملوا الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة هي التي جمعت بين شرطين: 1- الإخلاص لله.
                  2- المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
                  (وتواصوا بالحق) أي: جعل بعضهم يوصي بعضاً بالحق، والحق ما جاءت به الرسل، كما قال تعالى: {وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة:213] .
                  (وتواصوا بالصبر) على ما اتصفوا به من هذه الصفات: الإيمان، العمل الصالح، التواصي بالحق، جعل بعضهم يوصي بعضاً بالصبر، يقول: اصبر على دينك، اثبت عليه، اصبر على العمل، اصبر على ما يصيبك، يوصي بعضهم بعضاً بالصبر، والصبر: هو حبس النفس عما يضرها، والصبر بمعنى الحبس، ومنه قولهم: قتل فلانٌ صبراً، أي: حبس وشد ثم قتل.

                  (37/2)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  من أصول الإيمان
                  ذكرنا أن الإنسان في خسر إلا من اتصف بصفات أربع، هي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
                  الإيمان هو: إقرار القلب إقراراً يستلزم القبول والإذعان، تقر بقلبك بما يجب الإقرار به، وقد سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان؟ فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) هذه أصول الإيمان.

                  (37/3)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  الإيمان باليوم الآخر
                  الإيمان باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإيمان، فما هو اليوم الآخر؟ اليوم الآخر هو يوم القيامة، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، وذلك أن الإنسان إذا مات ودفن وتولى عنه أهله وأصحابه أتاه ملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه، كل إنسان يُسأل حتى إن الإنسان يُقعد في قبره، فيقال له: من ربك؟ فيقول المؤمن: ربي الله.
                  ما دينك؟ ديني الإسلام.
                  من نبيك؟ نبيي محمد -فيجيب بالصواب- وحينئذٍ ينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً من الجنة -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من هؤلاء- أما الكافر أو المنافق فإذا قيل له: من ربك؟ قال: هاه هاه لا أدري، ما دينك؟ هاه هاه لا أدري، من نبيك؟ هاه هاه لا أدري.
                  وحينئذٍ يقال له: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمرزبة من حديد يصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين، ثم ينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار -أعاذنا الله وإياكم من ذلك- هذا من الإيمان باليوم الآخر.
                  ومن الإيمان باليوم الآخر: أن تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يخلو بعبده المؤمن وحده ويقول له: ألم تعمل كذا؟ ألم تعمل كذا؟ ألم تعمل كذا من الذنوب؟ فيقول: بلى يا رب، ويقرره بذنوبه، فيقول الله له: قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، أما غير المؤمن -والعياذ بالله- فإنه لا يحاسب هذا الحساب، ولكن تحصى أعماله فيخزى بها وينادى على رءوس الأشهاد: {هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود:18] .

                  (37/4)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  الإيمان بالقدر
                  الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان الستة، والقدر: هو تقدير الله عز وجل، وذلك أن الله عز وجل كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، خلق الله القلم فقال له: اكتب.
                  قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة، ولكن الله عز وجل خلقنا وجعل لنا إرادة ومشيئة واختياراً نختار الذهاب والرجوع والأكل والشرب والنوم، كل شيء نختاره والحمد لله، أعطانا الله تعالى اختياراً، نختار أيضاً العمل الصالح أو ضده، فلا عذر للإنسان مع أن الله أعطاه الاختيار وأرسل إليه الرسل وأنزل إليه الكتب.

                  (37/5)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  شروط قبول الأعمال الصالحة
                  قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر:3] (وعملوا الصالحات) أي: عملوا الأعمال الصالحات، ويكون العمل صالحاً إذا كان مخلصاً لله، يتعبد لله بلا رياء ولا سمعة ولا طلب جاه ولا طلب مال، إنما يبتغي من الله فضلاً ورضواناً، قال الله تعالى عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} [الفتح:29] ماذا يطلبون؟ {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً} [الفتح:29] لا بد من الإخلاص، قال الله تعالى: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) لأن الله غني عنه.
                  احذر يا أخي من الرياء! لا تحسن صلاتك لأن الناس يرونك، ولا تتصدق لأن الناس يرونك، ولا تعمل أي عمل من أجل أن يقول الناس: عمل فلان؛ فإن ذلك محبطٌ لعملك، واحذر أيضاً أن يدخل عليك الشيطان هذا، أعني: خوف الرياء، فإن من الناس من يريد العمل الصالح فيأتيه الشيطان ويقول: أنت مراءٍ.
                  يريد أن يحضر إلى مجالس العلم يقول له الشيطان: أنت مرائي.
                  يريد أن يتصدق؛ يقول له الشيطان: أنت مراءٍ.
                  من أجل ألا يعمل العمل الصالح، احذر هذا، لا تبالي به، أعرض عنه، لو قال لك الشيطان: إنك مراءٍ، اتركه وأعرض عنه فأنت مخلص.
                  كذلك المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام شرط، ولا يكون العمل صالحاً إلا بها، فمن ابتدع في دين الله ما ليس منه فليس عمله عملاً صالحاً، حتى وإن كان الذي حمله على ذلك أمراً محبوباً إلى الله فإن عمله مردودٌ عليه، ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وفي لفظ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) .

                  (37/6)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  التواصي بالحق والتواصي بالصبر
                  قوله تعالى: (وتواصوا بالحق) : يوصي بعضهم بعضاً بالحق، مثلاً: يقول لأخيه وقد رآه مقصراً في بعض الواجبات: أوصيك بتقوى الله، أوصيك أن تقوم بالواجب، أوصيك أن تصل بوالديك، أوصيك أن تبر أرحامك، أوصيك أن تطلب العلم، وما أشبه ذلك، هذا بالحق.
                  (تواصوا بالصبر) : بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله.
                  فالصبر على الطاعة: إذا رأيت من أخيك تكاسلاً عن الصلاة -مثلاً- انصحه، وإذا قال لك: والله النوم يغلبني، قل له: اصبر، ولو شق عليك، فاليوم يشق عليك وغداً لا يشق عليك.
                  والصبر أيضاً يكون عن المعصية، إنسان -مثلاً- همَّ بمعصية وجاء يخبر أخاه يقول له: اصبر، احتسب، انتظر الفرج من الله، يأتي إليك أخوك يشكو إليك يقول: فلان والله كان يؤذيني أتعبني: ماذا تقول له؟ اصبر فدوام الحال من المحال، أنت إذا صبرت الآن على أذيته، فإن الله سوف يعطف قلبه عليك: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34] أي: صديق قريب، لذلك من الرابحين من يتواصون بالصبر وبالحق، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم منهم.

                  (37/7)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  الأسئلة

                  (37/8)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  علة كون (العصر) بمعنى الدهر


                  السؤال
                  فضيلة الشيخ! أقسم الله بالضحى وأقسم بالفجر وأقسم بالليل فما هي العلة في كون العصر هنا بمعنى الدهر؟ هل هناك قرينة تدل على ذلك، أفدنا أفادك الله وحرمك على النار؟

                  الجواب
                  القرينة على: أن المراد بالعصر الدهر هو أن الله تعالى ذكر المقسم عليه وهي أعمال العباد التي تكون في هذا العصر {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3] .

                  (37/9)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  كيفية الدخول في جماعة مكونة من إمام ومأموم


                  السؤال
                  فضيلة الشيخ: إذا دخلت المسجد فرأيت اثنين يصليان جماعة، فهل أجذب المأموم، أم أدفع الإمام، أم أدخل عن يسار الإمام فإذا شعر بي تقدم هو لكي لا أشوش عليه؟

                  الجواب
                  لا حرج عليك أن تدفع الإمام، أو تجذب المأموم، كل هذا سواء، لكن قد يكون الإمام يصلي إلى سترة ولا يمكن أن تدفعه؛ لأن الجدار قريبٌ منه وحينئذٍ يتعين أن تجذب المأموم.
                  ولكن هنا سؤال آخر يترتب على ذلك: هل تكبر للصلاة قبل أن تجذب المأموم أم تدفع الإمام أم تجذب المأموم وتدفع الإمام قبل أن تكبر؟ الثاني؛ لأنك إذا كبرت قبل أن تجذب المأموم أو تدفع الإمام لزم من ذلك أن تتحرك في أثناء الصلاة، لكن ادفع الإمام أو اجذب المأموم ثم كبر تكبيرة الإحرام، فإذا قال قائل: في هذه الحالة إذا قدمت الإمام بقي المأموم منفرداً، نقول: هذا لا يضر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين قام ابن عباس على يساره ماذا صنع؟ أخذه بيده من ورائه وأقامه عن يمينه فلا يضر.
                  أما قول السائل: أو أقوم عن يسار الإمام.
                  فنقول: لو فعلت لكان جائزاً، لكن السنة إذا كانوا ثلاثةً فأكثر أن يتقدم الإمام.

                  (37/10)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  مفهوم قوله تعالى: ((مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا))


                  السؤال
                  فضيلة الشيخ! أشرت إلى عذاب القبر ونعيمه، والحمد لله نحن نؤمن بهذا، ولكن أحب أن أستفهم عن قول الله تعالى: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ.
                  } [يس:52] إلى آخر الآية، فقول الله عز وجل: (من مرقدنا) هل يدل على أنهم نيام أم أن في القبر عذاب ونعيم؟

                  الجواب
                  لا شك أن القبر إما روضةٌ من رياض الجنة وإما حفرةٌ من حفر النار، وقد ورد أنه يوسع للمؤمن مد البصر ويضيق على الكافر حتى تختلف أضلاعه -والعياذ بالله- وأما قولهم: (من بعثنا من مرقدنا) فمرقد الإنسان محل رقاده، ولا يلزم من ذلك أن ينام، كما تقول مثلاً: هذا مرقدي وتضطجع فيه ولا تنام.
                  ومن العلماء من يقول: إنه يرفع عنهم العذاب فيما بين النفختين فيظنون أن العذاب انقطع وانتهى، ثم يبعثون -والعياذ بالله- من قبورهم ويشاهدون من العذاب أكثر من عذاب القبر، ولهذا يقولون: (يا ولينا من بعثنا من مرقدنا) .
                  والخلاصة أن يقال: إن المرقد اسمٌ لمكان الرقاد، ولا يلزم من اضطجع فيه أن يكون نائماً هذا واحد.
                  أو يقال كما قال بعض العلماء: إنهم يرفع عنهم العذاب ما بين النفختين حتى يظنوا أنهم قد رفع عنهم كلية، ثم إذا بعثوا قالوا: (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) .

                  (37/11)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  صفة الوضوء والغسل المجزئة والكاملة


                  السؤال
                  فضيلة الشيخ مما لاشك فيه أن من أهم العبادات الصلاة وأنه لا صلاة لمن لا وضوء له، فآمل من فضيلتكم تلخيص صفة الوضوء كاملة لتكون للعامة والخاصة وخاصةً للبادية، فكم من هؤلاء من لا يحسن الوضوء وبالتالي لا تصح صلاته شرعاً، وكذلك يجهلون الاغتسال للجنابة، أرجو بإلحاح أن تفيدنا ليوزع هذا على الناس، بارك الله فيك؟

                  الجواب
                  الوضوء شرط لصحة الصلاة فلا صلاة لمن لا وضوء له؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) ولقوله: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فلا بد من الوضوء، وصفته على وجهين: 1- وجه مجزئ.
                  2- وجه كامل.
                  فالمجزئ أن يقتصر على ما ذكره الله تعالى في القرآن: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6] ولم يذكر الله تعالى التثليث، أي: ما ذكر ثلاثاً، فلو أن الإنسان توضأ فغسل وجهه مرة واحدة ثم غسل يديه من أطراف الأصابع إلى المرفق مرة واحدة، ثم مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين مرة واحدة لكفى، لكن الأفضل أن يثلث ويغسل كفيه قبل غسل وجهه، فإذا حضر عنده ماء كثير فلينو، ثم ليسم ثم ليغسل كفيه ثلاثاً، ثم يتمضمض ويستنشق ويستنثر ثلاثاً، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ثم يديه من أطراف الأصابع إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً، ثم يمسح برأسه وأذنيه مرة واحدة، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً هذا هو الوضوء الأكمل الأتم.
                  أما غسل الجنابة فله صفتان: 1- صفة مجزئة.
                  2- صفة كاملة.
                  فالمجزئة: أن يعم بدنه كله بالماء غسلاً، ومنه المضمضة والاستنشاق.
                  والكامل: أن يتوضأ أولاً كما يتوضأ للصلاة، ثم يفيض الماء على رأسه ثلاث مرات، ثم يغسل بقية جسده، يبدأ بالأيمن قبل الأيسر.

                  (37/12)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  حكم الجلوس مع أناس غير ملتزمين من أجل إصلاحهم ووعظهم


                  السؤال
                  فضيلة الشيخ: أنا شاب من دولة مجاورة أطلب العلم، ولدي أصدقاء لكنهم ليسوا ملتزمين ويدخنون، وأحياناً يلعبون الورق، ولكنهم -ولله الحمد- يصلون، وقليل منهم لا يصلي، ولكني أجلس معهم لعلي أقوم بإصلاحهم، فأنا أحياناً أتحين الفرصة في الوعظ والتذكير، وهذا قد يمر في يوم أو أكثر حتى تأتي الفرصة، فما حكم جلوسي معهم دائماً حتى أسافر إلى هذه الدولة؟

                  الجواب
                  أقول: أحبه الله الذي أحبنا فيه، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً من أحبابه وأوليائه.
                  أما ما ذكره في مشكلة البقاء مع زملائه الذين يمارسون بعض المعاصي، فهذا ينظر إن كان في بقائه مصلحة وكفٌ عن المعصية أو تقليل لها فلا بأس، وإلا فلا يجوز أن يبقى معهم؛ لقول الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} [النساء:140] أي: إن جلستم وقعدتم معهم فأنتم مثلهم.

                  (37/13)
                  وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                  وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                  حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                  https://www.musacentral.com/

                  تعليق


                  • #69
                    حكم توبة من تاب وقد سنَّ في الإسلام سنة سيئة


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: رجل سن في الإسلام سنة سيئة وتاب منها، ولكن غيره لم يتب منها، فهل يلحقه إثمٌ من آثامهم بعد توبته؟

                    الجواب
                    الظاهر أنه لا يلحقه إثم من آثامهم؛ لأن الرجل تاب وإذا تاب عفا الله عن كل ما تعلق بهذه المعصية، ومن سؤال هذا السائل يتبين لنا خطر البدعة؛ لأن البدعة إذا سنها الإنسان وهي بدعة سيئة وكل بدعة ضلالة، واتخذها الناس سنة صاروا يحيون هذه البدعة بناءً على فعله -والعياذ بالله- فيلحقه من إثمهم، لكن إذا تاب فإن ظاهر النصوص أن من تاب من الذنب كمن لا ذنب له، ومن شروط التوبة أن يبين أنه رجع عن بدعته إلى الطريق الصحيح.

                    (37/14)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم ترك هللات قليلة للبنك الذي أخذ منه الراتب


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: قد يكون للإنسان راتباً عند بنك من البنوك فيأتي يصرف ذلك الشيك ولكن يبقى هللات قليلة، فهل يجوز ترك تلك الهللات أم لا بد من أخذها، وأنه إن تركها فهو مساعد على الربا؟

                    الجواب
                    أولاً: قبل أن نجيب عن هذا السؤال نسأل: هل وضع الأموال في البنوك حلال أم لا؟ نقول: إذا احتاج الإنسان إلى وضعها فلا بأس؛ لأن البنوك ليست تتعامل بالربا (100%) بل معاملتها ربوية وغير ربوية، فإذا احتاج الإنسان إلى وضعها في البنك فلا حرج عليه، لكن لا يأخذ منهم رباً أبداً مهما كان الأمر؛ لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:178-279] .

                    (37/15)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم من نسي التسمية في الوضوء


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: تكلمت عن الوضوء لكن بالنسبة للتسمية ما حكم من نسيها وذكرها في أثناء الوضوء أم بعده؟

                    الجواب
                    التسمية على الوضوء ليست بواجبة؛ لأن الأحاديث الواردة فيها ضعيفة، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله فيما نقله عنه ابن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام قال: لا يثبت فيه شيء.
                    وعلى هذا: فإن سمى الإنسان فهو خير، وإن لم يسمِ فلا حرج عليه، وإذا نسي أن يسمي في أول الوضوء؛ فليسم متى ذكر ولو في أثناء الوضوء، فإن تم الوضوء وهو لم يذكر فلا شيء عليه.

                    (37/16)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم من سبق الإمام في التسليمة الثانية


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: إذا نهض المسبوق في الصلاة بعد تسليمة الإمام الأولى وقبل التسليمة الثانية، هل صلاته باطلة؟

                    الجواب
                    صلاته غير باطلة، لكن ذكر بعض أهل العلم أن صلاته في هذه الحالة تنقلب نفلاً، ولا تجزئه عن الفريضة، وذلك لأنه انفرد عن الإمام قبل تمام صلاة الإمام إذ أن صلاة الإمام لا تنتهي إلا بالتسليمة الثانية، فإذا قام يقضي ما فاته فقد انفرد قبل تمام صلاة إمامه، ولكن قالوا: إنها تكون نفلاً؛ لأن النفل عند كثير من هؤلاء يخرج منه الإنسان بتسليمة واحدة.

                    (37/17)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم طلب الطلاق من رجل لا ينجب


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: امرأة تزوجت قبل سبعة أعوام، وأثبتت التقارير الطبية أن زوجها ليس فيه إنجاب، فهل لها أن تطلب الطلاق من زوجها الذي ليس فيه إنجاب، وبماذا تنصحها يا فضيلة الشيخ؟

                    الجواب
                    نعم لها أن تطلب الطلاق، لأن لها حق في الأولاد، وإذا ثبت أن زوجها عقيم فلها أن تفسخ النكاح، لكن يبقى النظر: هل الأولى أن تطالبه بالفسخ، أو الأولى أن تبقى معه؟ ينظر إذا كان الرجل صاحب خير ودين وخلق؛ فلا بأس أن تبقى معه، وإلا فالأفضل أن تطلب زوجاً تنجب منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تزوجوا الودود الولود) .

                    (37/18)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم سجود السهو لمن بنى على الراجح ووافقه على ذلك المأمومون


                    السؤال
                    إذا شك الإمام في الرباعية هل صلى ثلاثاً أم أربعاً فبنى على الراجح عنده وهي ثلاث، وقال في نفسه: إذا سبح من خلفي جلست.
                    فوافقه الجماعة ولم يسبحوا، فهل يوجب ذلك سجوداً للسهو؟ وأين مكان سجود السهو؟

                    الجواب
                    الغالب أن الإمام إذا أخطأ نبهه المأمومون لا سيما إذا كانوا كثيرين، أما إذا لم يكن معه إلا مأموم واحد، فالمأموم الواحد قد يخطئ كما أخطأ هو، وعلى هذا فإذا قام الإنسان إلى الثالثة وهو يظن أنها الرابعة ولم يسبح المأمومون فإن صلاته صحيحة، ولا يلزمه أن يسجد للسهو؛ لأن سكوت المأمومين عنه يدل على أنه على صواب.
                    والشك لا يوجب السجود لأن عدم التنبيه يدل على أنه على صواب، لكن لو بقي شاكاً متردداً حتى في عدم تنبيههم إياه صار لا بد من أن يسجد للسهو، ويكون سجود السهو بعد السلام؛ لأن سكوت المأموم عنه يجعله يغلب على ظنه أنه على صواب.

                    (37/19)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم زيارة الجيران إذا كان فيهم من لا يصلي


                    السؤال
                    إذا كان لي جار قريب من البيت لا يصلي، ولكن في بيته من يصلي، فهل أترك تعاهدهم بالصدقة والعطية من أجله، أم أنويها لمن يصلي من أهل بيته؟ وما حكم ذلك الذي لا يصلي إذا كنت قد ناصحته عدة مرات؟

                    الجواب
                    أما الشق الأول من السؤال فنقول: نعم، تعاهد جيرانك حتى لو كان فيهم من لا يصلي، ما دام الأكثر في البيت هم الذين يصلون، وأما إذا كانوا لا يصلون كلهم -والعياذ بالله- كما يوجد في بعض العوائل فهؤلاء ليسوا أهلاً للصدقة ولا للبر؛ لأن هؤلاء لا يقرون على دينهم، بخلاف الجار إذا كان كافراً أصلياً، لم يطرأ عليه الكفر، فهذا أحسن إليه، ولهذا قال العلماء: الجيران ثلاثة: الأول: جار مسلم قريب فله حق الإسلام وحق القرابة.
                    الثاني: جار كافر قريب فله حق القرابة والجوار.
                    الثالث: كافر ليس قريباً فله حق الجوار.
                    أما إذا كان الكفر ردة -والعياذ بالله- كالذي لم يصل فهذا لا يساعد بشيء، ولا يتصدق عليه بشيء.

                    (37/20)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم التعامل مع شركات التأمين


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: ما حكم التعامل مع شركات التأمين التي تؤمن على المال والسيارات، مع العلم أنها تقول بأن طرقها شرعية؟

                    الجواب
                    شركات التأمين هي أن الإنسان يدفع كل سنة عن ماله -مثلاً- شيئاً معلوماً، مثل أن يقول: هذه سيارتي أؤمن عليها كل سنة خمسمائة ريال، على أنها إذا أصيبت بحادث أصلحتها شركة التأمين، وإن لم تصب بحادث سلمت الشركة وهذا هو عين الميسر تماماً الذي حرمه الله تعالى في كتابه وأجمع المسلمون عليه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:90] فهذا الذي تعامل مع شركة التأمين إما أن يكون غانماً وإما أن يكون غارماً.
                    فمتى يكون غانماً؟ إذا أصيبت السيارة بحادث كبير فإنه يكون حينئذ غانماً؛ لأنه دفع مثلاً خمسمائة ريال والسيارة صلحت بخمسة آلاف ريال.
                    ومتى يكون غارماً؟ إذا لم يحصل عليه حادث، فسيكون غارماً؛ لأنه دفع مثلاً خمسة آلاف ريال ولم يستفد منها شيئاً.

                    (37/21)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم الإسراف في شراء البخور والطيب


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: في هذه الأيام تكثر الولائم في مناسبات الزواج وغيره، وبعض الناس يبالغ في شراء العود -أعني: البخور- فيصل في قيمته إلى مبالغ خيالية، وإذا نوقش في ذلك استدل بما روي عن عمر حيث قال: [لو أنفق الرجل ماله كله في الطيب لم يكن مسرفاً] فما قولك وفقك الله؟

                    الجواب
                    قولنا: الطيب لا شك أنه محبوب، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (حبب إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) والحقيقة أن الطيب إذا لم يتعد طوره فلا إسراف فيه، أي: لو كان مثلاً هذا المكان يفد إليه الناس أفواجاً، كلما جاء فوج وضع له طيباً، هذا ليس إسرافاً، وإن كان هذا الطيب بالنسبة لأول فوج سيكون متكرراً، لكنه حقيقة ليس إسرافاً؛ لأن الطيب الأخير لمن جاء آخراً، فنقول: هذا ليس فيه إسراف.
                    أما من أتى بطيب كثير وجعله يتبخر طوال المجلس مع طوله وعدم الاحتياج إليه فهذا يكون إسرافاً.

                    (37/22)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حقيقة حديث النفس الذي يؤاخذ عليه الإنسان والذي لا يؤاخذ عليه


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: ما هو حديث النفس الذي يؤاخذ عليه الإنسان والذي لا يؤاخذ عليه؟

                    الجواب
                    حديث النفس الذي يؤاخذ عليه هو الذي يركن إليه الإنسان ويعتقده ويجزم به، هذا يؤاخذ عليه، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من وجد في نفسه شيئاً من الوساوس أن يستعيذ بالله وينتهي عنها، يقطع التفكير فيها.
                    وأما إذا ركن إلى الشيء واعتقده؛ فهذا يكون آثماً على حسب ما حدث به نفسه، والإنسان يجد الفرق بين طارئ يطرأ على ذهنه ويدعه وبين شيء ثابت يستقر في ذهنه.

                    (37/23)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم الكلام أثناء خطبة الجمعة خارج المسجد


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: إذا كنت قريباً من المسجد فسمعت الخطيب يوم الجمعة يخطب وأنا في البيت أكلم زوجتي أو أولادي والإمام يخطب، أو كنت قريباً من المسجد في الطريق فقرأت السلام على من حولي، وأردت السلام عليه، فهل يشملني الحديث: (من لغا فلا جمعة له) ؟ وهل أعيد الصلاة؟

                    الجواب
                    أما إعادة الصلاة فلا إعادة حتى لو تكلم الإنسان في جوف المسجد والإمام يخطب فصلاته صحيحة، لكنه محروم الأجر، لا يكتب له أجر الذي أنصت ولم يتكلم.
                    وأما كلامه خارج المسجد مع أهله أو في الشارع، فإذا كان يسمع خطبة الإمام الذي يريد أن يصلي خلفه فإنه لا يحل له، لأن هذا إمامه، أما إذا كان يسمع خطبة مسجد آخر مر به وهو يخطب، فلا حرج عليه أن يتكلم ولا يضره ذلك، سواء مع أهله أو في الشارع.

                    (37/24)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    أحوال العالم الإسلامي


                    السؤال
                    سماحة الشيخ: نريد أن تسمعنا كلمات مختصرة عن أحوال العالم الإسلامي في هذه الأيام؟

                    الجواب
                    لا أستطيع أن أخبرك بها؛ لأن هذا يحتاج إلى أن أطوف جميع البلاد الإسلامية، وأبقى عند كل حكومة ودولة لمدة شهرين أو ثلاثة حتى أتفقد الأحوال في القرى والمدن، لكن حسب ما نسمع من الإذاعات: أن الناس في أمواج من الفتن: في القتل والتخريب وغير ذلك، والشكوى إلى الله عز وجل، والعجب أنه قد تكون المقاتلة والتخريب من المسلمين بعضهم مع بعض كما تسمعون، لهذا نسأل الله عز وجل أن يهيئ لكل بلد إسلامي قيادة صالحة تقوده بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والناس إذا رجعوا إلى الكتاب والسنة فإنهم سيجدون السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.

                    (37/25)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم من أخذ شيئاً سقط منه في أثناء الصلاة


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: رجل في صلاة الظهر سقط منه منديل وهو قائم فانحنى ثم أخذ المنديل، فهل تبطل صلاته بهذه الحركة؟

                    الجواب
                    نعم تبطل صلاته بهذه الحركة؛ لأنه إذا ركع انحنى حتى وصل إلى حد الركوع فقد زاد ركوعاً، لكن إن كان جاهلاً فلا شيء عليه؛ لعموم قوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] ولذلك لو سقط منك منديل أو مفتاح وأنت قائم تصلي، فدعه حتى تصل إليه عند السجود، أو خذه برجلك إن كنت تستطيع أن تقف على رجل واحدة، خذه برجلك واقبضه بيدك، أما أن ينحني الإنسان ويأخذه من الأرض انحناءً يكون إلى الركوع أقرب منه إلى القيام فهذا لا يجوز.

                    (37/26)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم صلاة المنفرد خلف الصف


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: ما هو الراجح في صلاة المنفرد خلف الصف إن لم يجد من يصف معه، أو كان الذي يصف معه صبياً صغيراً لا سيما إن أدرك الإمام وهو راكع؟

                    الجواب
                    القول الراجح: أنه إذا لم يجد الإنسان مكاناً في الصف فإنه يصف وحده ولا حرج عليه، وذلك لقول الله تبارك وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] وهذا لا يستطيع إلا في شيء فيه محظور، المحظور إما أن يجذب شخصاً من الصف وهذا غلط؛ لأنه تصرف في الغير بغير إذنه، ولأنه اعتدى على هذا الرجل فنقله من المكان الفاضل إلى المكان المفضول، ولأنه فتح في الصف فرجة، ولأنه يلزم من ذلك أن الصف كله يتحرك ويقرب بعضه إلى بعض، هذا إذا قلنا: إنه يسحب شخصاً.
                    وإذا قلنا: اذهب وقف مع الإمام، فهذا أيضاً محظور، ما هو المحظور؟ إذا وقف مع الإمام فقد خالف السنة؛ لأن السنة أن ينفرد الإمام في مكانه ولا يبقى معه أحد.
                    ثم إذا قلنا: ادخل مع الإمام لزم من ذلك تخطي الصف أم لا؟ كم من صف يتخطاه؟ حسب الموجود، قد يتخطى صفاً واحداً أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر، فيكون في ذلك ضرر.
                    ثم نقول: لو قلنا: تقدم إلى الإمام، وجاء شخص بعد ذلك والصف تام أين يكون؟ يتقدم إلى الإمام، صاروا ثلاثة، ثم جاء آخر ووجد الصف قد تم وقلنا: تقدم إلى الإمام.
                    صاروا أربعة، وحينئذٍ ربما يكونون صفاً كاملاً، لكن لو أنه شرع في الصلاة منفرداً خلف الصف وجاء آخر صاروا صفاً.
                    أما قوله: هل يجوز أن يقف مع الصبي؟ فنقول: نعم، يجوز أن يقف مع الصبي، والصبي له أن يصاف البالغ، ولا حرج، فقد صلى أنس بن مالك ويتيم معه خلف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
                    ويقال أيضاً: أليس هذا الصبي تصح صلاته؟ بلى، كل من صحت صلاته صحت مصافته إلا المرأة مع الرجل، وكل من صحت مصافته صحت إمامته، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه وفود، فقال عليه الصلاة والسلام: (ليؤمكم أكثركم قرآناً) فكان عمرو بن سلمة الجرمي أكثر قومه قرآناً، فجعلوه هو الإمام، وليس له إلا ست أو سبع سنين، جعلوه إماماً للقبيلة كلها الفريضة وهو ليس له إلا ست أو سبع سنين هكذا جاء في صحيح البخاري.

                    (37/27)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    احتساب الأجر وانتظار الفرج لمن أصيب بمرض المس


                    السؤال
                    شيخنا المبارك نحن أسرة كاملة قد حضر معظمنا هذا اللقاء المبارك، ونحن ضيوف في هذه الليلة المباركة، شيخنا! لقد قدر الله علينا أذية المشعوذين وتسلط المجرمين من الشياطين والحمد لله على كل حال، ونحن الآن في بداية طريق العلاج وما أشقه، ولكن النفس تكل وتتعب وتمل وتضجر خصوصاً يا فضيلة الشيخ إذا رأى الإنسان ذلك من أقرب الناس إليه كما قال الشاعر: وظلم ذوي القربى.
                    شيخنا المبارك! إن من إكرام الضيف أن تؤنسه، وإن من حق المؤمن على المؤمن أن يوصيه بالصبر، فهلا كلمات ترفع الهم بها عنا وتكسر جدار الحزن والظلم فرج الله كربتك وغفر لنا ولوالديك؟

                    الجواب
                    لا شك أن هذه الحال التي وصفها السائل محزنة، لكن على كل إنسان أصيب بمصيبة أن يصبر، وأن يعلم أن هذه المصائب تكفر بها السيئات، وإذا احتسب الإنسان الأجر رفع الله له بها درجات.
                    ثم إنه إذا صبر وتناسى الأمر حصل له برؤ منه، لأن الوهم النفسي له تأثير في بقاء المرض وزيادته المرض، فإذا رفض الإنسان هذا المرض وصار لا يفكر فيه فإنه بإذن الله سوف يشفى.
                    فنصيحتي لكم: أن تصبروا وتحتسبوا الأجر من الله وتنتظروا الفرج منه {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82] وكم من أناس بلغوا إلى حد الموت إلا أن أرواحهم لم تخرج من أبدانهم وشفاهم الله.

                    (37/28)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم ترك الرواتب في مكة لمن كان مسافراً


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: إذا كان الإنسان في مكة ويصلي في المسجد الحرام وهو مسافر، فهل الأفضل له أن يصلي الرواتب، أم الأفضل أن يتركها؟ فإذا تركها هل تكتب له مائة ألف صلاة أم تكتب صلاة واحدة؟

                    الجواب
                    أولاً: يقول السائل: إن المسافر يترك الرواتب، والحقيقة أنه لا يترك الرواتب إنما يترك راتبة الظهر وراتبة المغرب وراتبة العشاء، المسافر لا يترك من النوافل إلا هذه الثلاث فقط، وانتبهوا لها، لأن بعض الناس يقول: من السنة في السفر ترك السنة! فتجده لا يصلي صلاة الضحى، ولا يتهجد في الليل، بناءً على هذا المفهوم الذي فهمه وهو خطأ.
                    فاعلم يا أخي أنه -أي: المسافر- يصلي جميع النوافل ما عدا ثلاثاً فقط، وهي: سنة الظهر، وسنة المغرب، وسنة العشاء.
                    أما إذا كان الإنسان في مكة فإن الأفضل له ألا يصلي الرواتب الثلاث كما قلنا، لكن يغتنم الفرصة في الصلاة في المسجد الحرام على أنه نفل مطلق وليس راتبة، والنفل المطلق يجوز للمسافر أن يصلي ما شاء.

                    (37/29)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم السائل الذي يخرج بعد مداعبة الزوجة


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: "لا حياء في الدين" يكون بيني وبين زوجتي مداعبة وتقبيل، وفي أثناء المداعبة أحس بلذة، وبعد فترة أرى سائلاً يخرج مني، فهل هذا السائل يوجب الغسل؟ أي: هل يكون هذا السائل منياً؟ وهل المرأة يكون إنزالها مثل إنزال الرجل بالكيفية والكمية واللون؟ وما حكم صلاتي وصيامي في الماضي؟

                    الجواب
                    أما ما ذكره السائل من أنه بعد أن تفتر شهوته يخرج منه هذا الخارج فإنه مذي ولا يوجب الغسل؛ لأن الجنابة التي توجب الغسل تخرج دفقاً بلذة، وهذا السائل لم يخرج دفقاً فليس موجباً للغسل، وإنما عليه أن يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ للصلاة.
                    أما سؤاله عن المرأة: فإن ماءها يختلف عن ماء الرجل، ماؤها رقيق ولا يخرج دفقاً بخلاف ماء الرجل، كذلك ماء الرجل له رائحة تشبه رائحة لقاح النخل بخلاف المرأة فإنه ليس للخارج منها رائحة.
                    وأما ما ذُكر أنه صلى من قبل دون أن يغتسل، فنقول: إن هذا لا يوجب الغسل وإنما يوجب غسل الذكر والأنثيين، وإذا كان لا يدري عن هذا الأمر فليس عليه شيء.
                    أما قوله "لا حياء في الدين" فالأحسن أن يقول: إن الله لا يستحيي من الحق، كما قالت أم سليم رضي الله عنها: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟) أما "لا حياء في الدين" فهذه توهم معنىً فاسداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (الحياء من الإيمان) فالحياء في الدين من الإيمان، لكن غرض القائل: "لا حياء في الدين" يقصد أنه لا حياء في مسألة الدين، أي: في أن تسأل عن أمر يستحيا منه، فيقال: إذا كان هذا هو المقصود فخير منه أن يقول: إن الله لا يستحيي من الحق.

                    (37/30)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم تغطية المرأة وجهها من الطفل الصغير


                    السؤال
                    متى تغطي المرأة وجهها من الطفل الصغير؟

                    الجواب
                    لم يقيد الله عز وجل ذلك بسنٍ معين، وإنما قال: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور:31] فإذا كان هذا الطفل لا يأبه بالمرأة ولا يلتفت إليها ولا يذكر أوصافها فإنه لا حرج عليها أن تكشف وجهها عنده، أما إذا علم من نظراته وتتبعه النساء أن فيه شهوة؛ فإنه يكون هنا قد اطلع على عورات النساء فلا يحل للمرأة أن تكشف أمامه.
                    وفي الغالب أن من بلغ عشر سنوات فإنه يطلع على عورات النساء.

                    (37/31)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم من أفطرت رمضان لسنوات متتالية في بسبب الحمل أو الرضاع


                    السؤال
                    إذا أفطرت المرأة سنوات متتالية في رمضان بسبب حملها أو الرضاعة، فهل يجوز أن تؤدي تلك الأيام بعد ذلك؟

                    الجواب
                    إذا أفطرت المرأة لحملها أو لإرضاعها وجب عليها أن تصوم من أيام أخر، حتى لو طالت المدة فإنه لا إثم عليها؛ لأنه ربما يأتيها رمضان الثاني وهي في رضاع، فيشق عليها الصوم، فنقول: تنتظر حتى يزول الرضاع وحتى لا يحدث حمل آخر.

                    (37/32)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم أذية الناس من قبل الأطفال وغيرهم في المساجد


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ لا نستطيع السماع إلى هذا اللقاء بسبب إزعاج الأطفال حتى بلغني أحد الإخوة يقول: عددنا في اللقاء الماضي عشرين طفلاً؟

                    الجواب
                    إذا كان الأطفال يشوشون على الحاضرين؛ فإنه لا يجوز لأوليائهم أن يأتوا بهم إلى المساجد؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منع آكل البصل من قربان المسجد، وعلل ذلك بأنه أذية، قال: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان) فكلما يؤذي المصلين فإنه لا يجوز إحضاره.
                    بقي أن يقال أيضاً: إن بعض الناس يشكون من البياجر، بعض الناس بيجره صوته رفيع، وأحياناً يدق وهو في السجود فلا يستطيع أن يسكته، فيحصل بذلك تشويش، فنقول: من عنده بيجر فإنه ينتبه له، وله أزرار فليصكه إذا جاء إلى الصلاة من أجل أن يسلم الناس من شره.

                    (37/33)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم قراءة القرآن من أجل العلاج الجسدي


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: قرأت لكم في أحد مساجد عنيزة منشوراً معلقاً في المسجد ومضمونه: أنه إذا تعسرت الولادة على المرأة فبالإمكان أن تقرأ بعض السور والآيات.
                    إلى غير ذلك، وذُكِرَ في المنشور أنه من باب التجربة له إيجابيته، فهل نجعل ما يحصل بالتجربة مقياساً للشرع والعبادة أم لا؟

                    الجواب
                    أما السؤال الآن -كما سمعنا- يقول: إن الحامل التي تعسرت ولادتها هي التي تقرأ، وليس كذلك، بل يُقرأ لها في ماء وتسقى منه، ويمسح به ما حول مخرج الولد، وهذا نافع بإذن الله.
                    وأما التجربة فإن كان المجرب له أصل فإن التجربة تكون تصديقاً له، وإن لم يكن له أصل فإن كانت هذه التجربة في أمور محسوسة فلا شك أنها عمدة، وإن كانت في أمور شرعية فلا، القرآن الكريم الاستشفاء به له أصل، قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء:82] فله أصل، فإذا جربت آيات من القرآن لمرض من الأمراض ونفعت صار هذا النفع تصديقاً لما جاء في القرآن من أنه شفاء للناس.
                    أما غير الأمور التعبدية فهذه خاضعة للتجربة بلا شك، فلو أن إنساناً مثلاً له بصيرة فيما يخرج من الأرض من الأعشاب ونحوها خرج إلى البر وجمَّع ما يرى أن فيه مصلحة وجرب فإنه يثبت الحكم به.

                    (37/34)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    أسهل طريقة لفهم النحو


                    السؤال
                    هذا طالب علم مبتدئ يقول: فضيلة الشيخ أحاول أن أفهم النحو ولكني وصلت إلى مرحلة اليأس، أرجو أن تدلني على الطريقة المثلى لفهمه بسهولة، وما هو الكتاب المفيد للمبتدئين، وهل لا بد من دراسته على أستاذ وفقك الله؟

                    الجواب
                    يقال: إن أحد أئمة النحو حصل له مثلما حصل لهذا الشخص، عجز عن إدراك النحو، وأنه في يوم من الأيام رأى نملة تحمل طعاماً، وتريد أن تصعد الجدار، وكانت كلما ارتفعت في الجدار سقطت هي وطعامها، تعجز، فجرى ذلك عدة مرات من هذه النملة، تصعد وتسقط، تصعد وتسقط، وفي النهاية صعدت وسلمت، فقال: هذا النملة كابدت هذا العمل إلى هذا الحد ولم تيئس وحصل لها مقصودها، فلماذا لا أتابع أنا؟! فتابع ودرس النحو وصار إماماً فيه.
                    وأقول لأخينا السائل: من أحسن وأبرك وأنفع ما قرأنا كتاب الآجرومية، هذا الكتاب مختصر مبارك، جمع فيه المؤلف رحمه الله أصول النحو، فما دمت مبتدئاً فعليك بهذا الكتاب، واحرص على أن تجد معلماً جيداً في عرض المعاني وفي تصوير المسائل، ويقال: إن النحو بابه حديد، وباقيه قصر، سهل، فأنت استعن بالله وتعلم، ولا تيئس.

                    (37/35)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم إلقاء النقود على من يضربن بالدف في الزواج


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: سمعنا عن زواج وجد فيه رمي للنقود على من يضربن بالدف، فنريد من فضيلتكم أن تطرحوا كلمةً توجيهية حول هذا الموضوع؟

                    الجواب
                    لا شك أن الدف والغناء ليلة الزفاف مما جاءت به السنة، حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (هلا بعثتم معها من يغني فإن الأنصار يعجبهم اللهو) .
                    وأما إلقاء الدراهم على اللاتي يباشرن هذا العمل فهذا عند العلماء مكروه، قالوا: إنه يكره النثار والتقاطه لما في ذلك من المشاحة والتعب، وربما تشاحوا فأمسك أحدهم بطرف الورقة والثاني بطرفها الآخر ثم تمزقت بين أيديهم.

                    (37/36)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم دق الطبل للرجال والنساء في الأعراس وغيرها


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ: نقل عنكم في بعض المناطق جواز دق الطبل في العرس للرجال، فهل هذا صحيح؟ وما حكم دق الرجال للطبل في العرس، نرجو بيان ذلك لأن اللقاء ينشر في أشرطة؟

                    الجواب
                    أما الطبل فلا يجوز لا للرجال ولا للنساء، والذي يجوز للنساء هو الدف، والفرق بين الدف والطبل: أن الدف من جانب واحد والطبل من الجانبين، والذي من الجانبين سيكون له رنين ونغمة أكثر من الذي من جانب واحد، فلذلك جاءت السنة بالدف ولم تأت بالطبل.
                    وأما الرجال فإن الرجال لا نفتيهم بالجواز وإن كان بعض العلماء أجاز ذلك لكننا لا نفتي به؛ لأننا نخشى من أن يتوسع الأمر ويحصل فيه ضرر على الرجال والنساء.
                    والناقل عنا بأننا أفتينا بجوازه للرجال غير صحيح، لكن لعله سمع منا أننا قلنا: إن بعض العلماء أجازه، فظن أن هذا من باب الإقرار.

                    (37/37)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم قصر الصلاة لمن وصل إلى البلد


                    السؤال
                    إذا أدرك الإنسان وقت الصلاة وهو في السفر قادماً إلى بلده ولم يصل تلك الصلاة حتى وصل إلى البلد، هل يصليها قصراً، أم يصليها تامةً جزاك الله خيراً؟

                    الجواب
                    يصليها كاملة، إذا أقبل الإنسان على بلده ودخل الوقت ووصل إلى البلد فهل يصليها تامة أم مقصورة؟ نقول: صلها تامة، كما أن العكس يصليها مقصورة، فلو أذن المؤذن وأنت في بلدك، ثم سافرت قبل أن تصلي، فهل تصليها أربعاً أو تصليها ركعتين؟ الراجح أنك تصليها ركعتين، لأن العبرة بفعل الصلاة، فيقال: كما أن الإنسان لو قدم من سفره قبل أن يصلي وقد دخل عليه الوقت يصلي أربعاً، فكذلك إذا خرج من بلده مسافراً ولم يصل فإنه يصلي ركعتين.

                    (37/38)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    كيفية الرجوع إلى الله


                    السؤال
                    إنسان رجع إلى الله وهو لا يدري كيف يتوب إلى الله، أريد توضيح ذلك يا فضيلة الشيخ؟

                    الجواب
                    الرجوع إلى الله عز وجل: أن يندم على ما حصل منه، وأن يتمنى أنه لم يقع منه الذنب، وأن يعزم على ألا يعود في المستقبل، وليس من الشرط ألا يعود، الشرط أن يعزم على ألا يعود، فلو فرض أن نفسه سولت له وعاد إلى المعصية فإن توبته الأولى تصح بالنسبة للذنب السابق عليه، وهذا الذنب اللاحق يجب أن يحدث له توبة.

                    (37/39)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم الإنكار على كافر متلبس بمنكر


                    السؤال
                    هل إذا رأيت الكافر على منكر هل أنكر عليه أم لا؟

                    الجواب
                    إذا رأيت الكافر على منكر فلا تنكر عليه؛ لأنه لم يلتزم بأحكام الإسلام، ولكن ادعه إلى الإسلام، ادعه إلى أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت، لكن إذا كان في وسط قوم ينكرون هذا المنكر فإنه ينكر عليه لا من أجل أنه ملتزم بأحكام الإسلام، وإنما ينكر عليه لأنه خالف نظام البلد.

                    (37/40)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم كشف والدي من الرضاع على زوجتي


                    السؤال
                    هل يعتبر والدي من الرضاع محرماً لزوجتي، وما هي القاعدة في الرضاع؟

                    الجواب
                    أكثر العلماء يقولون: إن والد الزوجة من الرضاع كوالد الزوجة من النسب، والصحيح عندي خلاف ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن أبا الزوج من الرضاع لا علاقة له في زوجته؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وأبو الزوج حرام من الصهر وليس من النسب، لذلك نرى أن أبا الزوج من الرضاع لا يحل لزوجة ابنه من الرضاع أن تكشف له؛ لأنه ليس من محارمها
                    وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                    وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                    حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                    https://www.musacentral.com/

                    تعليق


                    • #70
                      اللقاء الشهري

                      اللقاء الشهري [38]
                      في هذا اللقاء الشهري تحدث الشيخ رحمه الله عن كيفية صلاة الكسوف وأحكامها، وذكر المسائل المتعلقة بها.
                      ثم ختم ذلك بذكر ميراث الأنبياء من العلم والدين، وما ينبغي على العلماء أن يرثوا فيه الأنبياء، كالعلم والدعوة والحكمة، والعبادة، وحسن الخلق، وكل هذا يعد من الإرث الذي يرثه أهل العلم من أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام.

                      (38/1)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      مشروعية صلاة الكسوف
                      الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
                      أما بعد: فإن من المناسب أن يكون لقاؤنا هذا وهو اللقاء الشهري الذي يتم في مساء كل سبت من السبت الثالث من كل شهر، وهذا هو السبت السادس عشر من شهر جمادى الأولى عام (1417هـ) .
                      وكان ما ذكره أخونا الشيخ/ حمود بن عبد العزيز الصايغ هو موضوع البحث لاستقبال دور العلم للشباب، لكن قد يكون هناك شيء معترض كما يقول النحويون: هذه جملة معترضة، والشيء الذي اعترض هو ما حصل قبل الليلة الماضية من كسوف القمر، يقال: كسوف القمر وخسوف القمر ويقال: كسوف الشمس وخسوف الشمس، لكن الأكثر أن يقال في القمر: خسوف، وفي الشمس: كسوف.
                      نحن نعلم جميعاً أن خالق السماوات والأرض هو الله عز وجل، وخالق الشمس والقمر هو الله عز وجل، ومسير الشمس والقمر هو الله عز وجل، يقول الله تبارك وتعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} [يس:38] محجوب {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس:38-39] فهما -أعني: الشمس والقمر- يسيران بأمر الله عز وجل منذ خلقهما الله تعالى وإلى أن يأذن الله تعالى بخرابهما وانتهاء العالم، هذه الشمس تطلع كل يوم، والهلال يهل كل شهر بأمر الله عز وجل هو المدبر لهما؛ ولهذا لما حاج الرجل إبراهيم في ربه، فقال له إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة:258] فقال له إبراهيم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة:258] فما استطاع أن يرد على هذا الإيراد: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258] ولهذا لو اجتمعت الخلائق كلها على أن ترد الشمس عن طلوعها أو تعجل في غروبها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وإنما الذي يقدر على ذلك هو خالقها الله رب العالمين جل وعلا.
                      وإذا أراد الله تعالى أن ينذر عباده خسف القمر وكسف الشمس بأمره جل وعلا، هما آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، هكذا أعلن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك لأن الشمس كسفت في آخر حياته عليه الصلاة والسلام، في اليوم التاسع والعشرين من شهر شوال سنة عشر من الهجرة، وصادف أن ذلك اليوم كان فيه موت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم؛ لأنهم في الجاهلية يقولون: الشمس تكسف إذا مات عظيم، والقمر يخسف إذا مات عظيم، فأعلن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بطلان هذه العقيدة وقال: (إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) قال: (لموت أحد) لأن هذا هو المعتقد في زمن الجاهلية (ولا لحياته) طرداً للباب، وإلا فلا نعلم أن أحداً من الناس قال: إن الشمس تنكسف أو القمر ينخسف لحياة أحد، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الموت بذكر الحياة طرداً للباب، وأن حياة الناس وموتهم لا يؤثر في العالم العلوي أبداً.

                      (38/2)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      صفة صلاة الكسوف
                      ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كسفت الشمس وكان كسوفها كلياً، وكان بعد ارتفاعها بمقدار رمح أو رمحين، أي: بعد ثلثي ساعة تقريباً من طلوعها، وكان اليوم شديد الحرارة، فزع النبي عليه الصلاة والسلام فزعاً عظيماً، وقام مسرعاً حتى لحق بردائه، وخرج إلى الناس وأمر منادياً ينادي: الصلاة جامعة.
                      فاجتمع المسلمون رجالاً ونساءً في المسجد ينظرون ماذا يفعل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن المعلوم أنه إذا كان الكسوف كلياً في الشمس فإن الدنيا سوف تظلم، وقيل: الصلاة جامعة.
                      فاجتمع المسلمون وقام بهم النبي صلى الله عليه وسلم قياماً طويلاً، وصلى صلاةً غير معهودة لماذا؟ لأنه لما كان الكسوف غير معهود كانت الصلاة غير معهودة، فلهذا قيل: آية شرعية لآية كونية، ما هي الآية الشرعية؟ الصلاة، لأنه لا نظير لها في الصلوات، لآية كونية: وهي كسوف الشمس الذي حصل.
                      قرأ قراءة طويلة حتى إن الصحابة على قوتهم في دين الله، وشدة أجسامهم، بعضهم صار يخر، يغشى عليه، والنبي عليه الصلاة والسلام في آخر عمره ومع ذلك بقي قائماً القيام الأول بمقدار سورة البقرة، كم البقرة؟ جزآن ونصف تقريباً، ومع ذلك بقي يقرأ عليه الصلاة والسلام، ثم ركع ركوعاً طويلاً طويلاً، ثم قام وقرأ الفاتحة وسورةً طويلة لكنها دون الأولى، وهذا من حكمة النبي عليه الصلاة والسلام، يبدأ الصلاة بالطول ثم يقصرها؛ لأن الناس إذا ابتدءوها بالطول ربما يلحقهم كسل أو ملل أو عجز وتعب، فصار أول الصلاة طويلاً وآخرها قصيراً، حتى في الصلوات الخمس يطيل الركعة الأولى في الظهر أكثر من الثانية، وكذلك من العصر، وكذلك من الفجر لهذه الحكمة.
                      ثم قرأ قراءةً طويلة دون الأولى، ثم ركع ركوعاً طويلاً دون الأول، ثم قام وقال: سمع الله لمن حمده، وقام قياماً طويلاً نحواً من ركوعه إلا أنه لم يقرأ، ثم سجد سجوداً طويلاً، ثم جلس بين السجدتين جلوساً طويلاً، ثم سجد سجوداً طويلاً، ثم قام إلى الثانية وصنع كالأولى إلا أنها أخف منها.
                      وانصرف وقد تجلت الشمس، وتعلمون أن الكسوف إذا كان كلياً تطول مدته، لكن الرسول أطال الصلاة.

                      (38/3)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف
                      ولما انتهى من الصلاة قام وخطب الناس خطبةً عظيمةً بليغة، وبين عليه الصلاة والسلام أن الجنة عرضت عليه، والنار عرضت عليه، وأنه تقدم إلى الجنة ليأخذ منها عنقوداً قال: (ولو أخذت لأكلتم منه ما بقيت الدنيا) ولكن الله سبحانه وتعالى صرف همته عنه وبدا له ألا يأخذ شيئاً.
                      ثم عرضت عليه النار وتأخر حتى كاد يبلغ الصف خوفاً من لفحها، ورأى فيها من يعذب، رأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي يعذب يجر قصبه في النار، ما هي القصب؟ الأمعاء، يجرها في النار؛ لأنه أول من أدخل الشرك وسيب السوائب في جزيرة العرب.
                      ورأى فيها صاحب المحجن وهو رجل يسرق الحجاج بمحجنه، يأخذ متاع الحاج ويجذبه حتى يسقط من البعير، فإن فطن له الناس قال: علق بالمحجن -أي: هو لم يتقصد- وإن لم يفطنوا له أخذه ومشى، رآه يعذب في النار.
                      ورأى أيضاً امرأةً عذبت في هرة حبستها، لا هي أطعمتها حين حبستها، ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض، فعذبت بسبب هذه الهرة انظر تعذيب الحيوان يعذب عليه الإنسان، والإحسان إلى الحيوان يثاب عليه الإنسان، امرأة بغي زانية مرَّ بها كلب يأكل الثرى من العطش، ما هو الثرى؟ التراب الرطب، يأكله من العطش، فنزلت وأخرجت ماءً بخفها وأسقته الكلب فغفر الله لها.
                      قالوا: (يا رسول الله! ألنا في البهائم أجراً؟ قال: نعم، في كل ذات كبد حراء أجر) الله أكبر! أنت الآن إذا أطعمت الشاة من العلف وسقيتها من الماء تنمي مالك، والمصلحة لك، ومع ذلك لك أجر عند الله، أنت إذا أطعمت أهلك تبتغي بذلك وجه الله أثابك الله على ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم لـ سعد بن أبي وقاص: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في فم امرأتك) .
                      هذه صفة صلاة الكسوف، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته إذا رأوا الكسوف أن يفزعوا إلى الصلاة والدعاء والذكر والتكبير والاستغفار والصدقة والعتق، من أجل أن يندفع الشر الذي انعقدت أسبابه، والكسوف نفسه ليس هو عذاب لكنه منذر بعذاب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يخوف الله بهما عباده) ولم يقل: يعاقب الله بهما عباده، تخويف، فالأمر عظيم، يجب الفزع له، ولهذا كان أرجح أقوال العلماء: أن صلاة الكسوف فرض كفاية، لا بد أن تقام في البلد.

                      (38/4)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      مسائل متعلقة بصلاة الكسوف
                      المسألة الأولى: الأفضل في صلاة الكسوف أن يجتمع الناس عليها؛ لأن هذا هو الذي حصل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، لم يتفرق الناس في مساجدهم، ولأن الناس إذا اجتمعوا كانوا أقرب إلى القبول ورفع الإنذار بالعذاب عنهم.
                      وأيضاً إذا اجتمعوا على إمام واحد فقد يكون عند الإمام من الموعظة ما يلين القلوب بخلاف ما إذا تفرقوا.
                      المسألة الثانية: إذا جاء المأموم وقد رفع الإمام من الركوع الأول في الركعة، فهل يكون أدرك الركعة؟

                      الجواب
                      لا، لو دخلت مع الإمام وقد ركع الركوع الأول فقد فاتتك الركعة، ولنضرب لهذا بأربعة أمثلة: المثال الأول: رجل دخل مع الإمام قبل أن يركع الركوع الأول فهذا نقول: إنه أدرك الركعة، وبعد أن ركع الركوع الأول لكنه يقرأ للركوع الثاني ماذا نقول؟ فاتته الركعة.
                      المثال الثالث: دخل مع الإمام في قراءة الركوع الأول من الركعة الثانية فهذا فاتته الركعة الأولى وأدرك الركعة الثانية.
                      المثال الرابع: دخل مع الإمام بعد أن رفع من الركوع الأول في الركعة الثانية، فاتته الصلاة كلها، فإذا سلم الإمام أتى بما فاته على صفته، أي: يركع ركوعين في كل ركعة.
                      المسألة الثالثة: لو انجلى الكسوف قبل أن يتم الصلاة فماذا يصنع؟ يتم الصلاة ولكن يخفف؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (صلوا حتى ينجلي) فإذا انجلى والإمام في أثناء الصلاة فإنه يخففها ويتممها.
                      المسألة الرابعة: لو انجلى الكسوف قبل أن يصلوا، فماذا يفعلون؟ لا يصلون؛ لأنه انجلى وفات وقته، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (صلوا حتى ينجلي) .
                      المسألة الخامسة: لو حصل الكسوف كما حصل في شهرنا هذا -أي: عند طلوع الفجر- فنقول: إن علموا به قبل الأذان صلوا الكسوف؛ لأنهم علموا به ولا ينبغي أن يؤخروا الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (افزعوا) أي: صلوا بسرعة كالفزع من الخوف، فإذا صلوا وطلع الفجر وخافوا أن تطلع الشمس قبل أن ينتهوا من صلاة الفجر فماذا يصنع؟ يخفف الصلاة -أي: صلاة الكسوف- من أجل صلاة الفجر.
                      المسألة السادسة: إذا طلع الفجر قبل أن يصلوا صلاة الكسوف، فماذا يصنعون؟ يبدءون بالفريضة قبل صلاة الكسوف، لأن الفريضة صلاة، فتدخل في عموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (افزعوا إلى الصلاة) ولأنها فريضة والفريضة أحب إلى الله من النافلة؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) ولأنه إذا صلى الفريضة صار الناس في سعة، يستطيع الإنسان أن يخرج إذا كان له شغل أو يخرج إذا كان يريد قضاء حاجته، بخلاف ما إذا كانت صلاة الفجر هي المؤخرة، فالمهم أنه متى صار الكسوف بعد دخول وقت الصلاة المفروضة فإنه يبدأ بالصلاة المفروضة.
                      هذه مسائل تتعلق بالكسوف، ونسأل الله تعالى أن يعاملنا جميعاً بعفوه، إنه على كل شيء قدير.

                      (38/5)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
                      أما موضوع اللقاء قبل أن يأتي هذا العارض فهو "إرث الأنبياء" الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يورثون، لو تركوا أموالاً عظيمة لا يرثها أقاربهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة) وهذا من حكمة الله؛ لأنه لو كان النبي يورث لقال المفترون الكاذبون: إن هذا يريد أن يجمع المال ليورث من بعده، لكنهم لا يورثون، وأما قوله تعالى: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم:5-6] فالمراد: إرث العلم والنبوة، بدليل قوله: {وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم:6] ومعلوم أن الإنسان لا يرث ميراث المال إلا من أبيه، فهذا ميراث العلم.

                      (38/6)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      من إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام العبادة
                      الأنبياء ورَّثوا شيئاً واحداً وهو العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ولكن يجب على العلماء الذين ورثوا الأنبياء في علمهم أن يرثوا الأنبياء في: أولاً: عباداتهم.
                      ثانياً: دعوتهم إلى الله عز وجل.
                      ثالثاً: أخلاقهم.
                      فالعالم يجب عليه أولاً أن يكون من أسبق الناس إلى عبادة الله؛ لأنه يدعو الناس إلى العبادة فكيف يدعوهم وهو معرض عنها، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي حمله الله أعظم رسالة كان أخشى الناس وأتقاهم لله عز وجل، حتى إنه يقوم يتهجد فتتورم ساقاه وقدماه من طول القيام.
                      قام معه مرة حذيفة بن اليمان وهو أشب من الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول: فقرأ البقرة، فقلت: يقف عند المائة -أي: مائة آية- فاستمر عليه الصلاة والسلام حتى أتم البقرة، ثم شرع في النساء فأتمها، ثم في آل عمران فأتمها ثلاث سور تبلغ خمسة أجزاء وربع، ويقول حذيفة: (كان لا يمر بآية تسبيح إلا سبح، أو آية رحمة إلا سأل، أو آية وعيد إلا تعوذ) فسيكون قيامه طويلاً!! ابن مسعود أيضاً صلى معه وأطال القيام عليه الصلاة والسلام، قال ابن مسعود: [حتى هممت بأمر سوء -وابن مسعود صغير- قيل: ماذا هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه] .
                      فأقول: إن وارث الأنبياء الذي منَّ الله عليه بالعلم يجب أن يرثهم في العبادة أيضاً فيكون من أعبد الناس لله عز وجل.

                      (38/7)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      من إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الدعوة إلى الله
                      ويجب أن يرثهم في الدعوة إلى الله عز وجل سراً وعلناً، عموماً وخصوصاً، ولكن يجب أن يكون على بصيرة بالعلم، يكون عنده علم حقيقي، لا يأخذ العلم تناوشاً ثم يقول: أنا من أنا.
                      بعض طلبة العلم يأخذ العلم تناوشاً وإذا أدرك منه مسألةً واحدة قال: أنا من أنا، ثم صار يفتي ويتكلم ويقول ويزمجر، ومعلوم أن مثل هذا إذا جلس عند العامة فهو عندهم شيخ كبير عالم؛ لأن العامي لا يعرف شيئاً؛ لذلك يجب أن يكون عند الإنسان علم يستطيع به أن يدعو إلى الله على بصيرة، لا بد من هذا، ولكن دعوة حق، دعوة حكمة، ينظر إلى هدي النبي عليه الصلاة والسلام في دعوة الخلق إلى الحق: أهي بالعنف والصرامة، أم هي باللين والحكمة؟ باللين والحكمة، واستمع إلى قول الله عز وجل: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159] نسأل الله أن يلين قلوبنا لذكره ولإخواننا.
                      دعاهم باللين واللطف مع شدة غيرته عليه الصلاة والسلام، هو أشد الناس غيرة، لما أنزل الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4] وكان سعد بن عبادة رضي الله عنه من أشد الناس غيرة، قال: (يا رسول الله! أراه على امرأتي وأذهب آتي بأربعة شهداء؟!! والله لأضربنه بالسيف) انظر إلى كلام سعد! أي: يجد رجلاً على امرأته: (والله لأضربنه بالسيف غير مصفح) ما معنى غير مصفح؟ أي: أضربه بحده، أقطعه نصفين.
                      فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ألا تعجبون من غيرة سعد؟ والله إني لأغير من سعد والله أغير مني) الشاهد: هو أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو أغير الناس، ومع ذلك كان في دعوته إلى الله يستعمل اللين والسهولة.
                      وسأضرب لكم مثلاً في قصة أعرابي دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وتنحى ناحية وجلس يبول، في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أشرف المساجد بعد المسجد الحرام، وعنده الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة، زجره الناس وصاحوا به، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (دعوه لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله، فتركوه امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يرون أن هذا الأمر منكر، فالمنكر منكر لكن كيف يكون التغيير؟!! لما انتهى من بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدلوٍ من ماء فصب على البول، انتهت المفسدة الآن، المكان الذي تنجس بالبول صار الآن طاهراً، بقينا في علاج هذا الرجل الأعرابي، دعاه النبي عليه الصلاة والسلام فقال له: (إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر، إنما هي للتسبيح والتكبير وقراءة القرآن) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
                      فانشرح صدر الأعرابي لكلام الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنه ضاق من وجهٍ آخر، ماذا قال؟ قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً! لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عامله باللطف واللين فانشرح صدره، والصحابة رضي الله عنهم عاملوه بالشدة، وصاحوا به.
                      فتأمل! كيف بلغت هذه الكلمة من هذا الأعرابي إلى هذا المبلغ العظيم؟! إلى أن تحجر واسعاً يقول: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً.
                      فالداعي إلى الله يجب أن يكون عنده علم بشريعة الله قبل كل شيء، ويجب أن يكون عنده حكمة كيف يعالج الأمور؟ كيف يدعو الناس؟ وليصبر على مضضٍ إذا رأى شخصاً على منكر وكان صياحه به يؤدي إلى نفوره، المقصود هو إصلاح الخلق، الطبيب الناصح يؤتى إليه بالمريض كله نتن، كله مرض، يصبر عليه، يصبر على نتنه، على مرضه، لأنه يريد علاجه، كذلك أنت تتعامل مع هذا الجاهل حسب ما يقتضيه جهله حتى تتمكن من قلبه؛ لأنك إذا تمكنت من قلبه انفتح لك وانشرح صدره.

                      (38/8)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      من إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: حسن الخلق
                      الأمر الثالث: أن يرث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخلق الذي قال الله تعالى فيه عن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] ولهذا كان عليه الصلاة والسلام أحسن الناس خلقاً، ومن أراد المزيد من هذا فعليه بقراءة آخر كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله المسمى: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ذكر في آخره كلاماً يكتب بماء الذهب في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وأخلاقه وآدابه.
                      عليك يا أخي بحسن الخلق، إنك لا يمكن أن تسع الناس برزقك مهما كان عندك من المال، لكن بحسن الخلق يمكن أن ترضيهم كلهم إذا حَسُنَ خلقك، ألم تعلموا أن الرسول عليه الصلاة والسلام جاءه أعرابي مرة من المرات وجذب رداءه بشدة حتى أثر في عنقه، وقال: اقسم يا محمد! -الأعراب يحبون المال- قال: اقسم.
                      ولم يقل له الرسول عليه الصلاة والسلام شيئاً بل التفت وضحك، مع أن مقامه أرفع مقامات البشر صلوات الله وسلامه عليه، لكن خالق الناس بخلق حسن، إن كنت تريد أن تكون محترماً بينهم معظماً مقبولاً فعليك بحسن الخلق، واجعل دائماً أمام عينك قول الله عز وجل: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199] (خذ العفو) أي: ما عفا وسهل من أخلاق الناس، لا تكلف الناس أمراً تريد أن يكونوا عليه لا، أنت كن عليه لا يكون الناس عليه، خالق الناس بخلق حسن، وخذ ما عفا منهم، وما فات فلا تحرص على طلبه، تسامح، غض عنهم حتى تكون على أخلاق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
                      نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم اتباعه ظاهراً وباطناً، وأن يتوفانا على ملته، ويحشرنا في زمرته، ويسقينا من حوضه، ويقر أعيننا فيه بدار كرامته إنه على كل شيء قدير.
                      والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وإلى الأسئلة التي نرجو الله تعالى أن نوفق فيها للصواب.

                      (38/9)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      الأسئلة

                      (38/10)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      الراجح في عدد ركعات صلاة الكسوف


                      السؤال
                      فضيلة الشيخ: لماذا تحمل صفة صلاة الكسوف على صفة واحدة، ونعلم أنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من صفة ولكن بعض أهل العلم ذكر أنها شاذة مع أن الكسوف نراه في هذا الزمن يتكرر، فلماذا لا تحمل على عدة صفات لا على الشذوذ؟

                      الجواب
                      من المعلوم أن الكسوف لم يقع بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة، فكم تكون صلاته؟ صلاة واحدة، وإذا اجتمع البخاري ومسلم على أنها ركوعان في كل ركعة ثم انفرد مسلم أو غيره بأنها ثلاث ركوعات فإن ما اتفق عليه البخاري ومسلم هو المعتمد، ولهذا من قواعد علم المصطلح: أن الثقة إذا خالف من هو أرجح منه عدداً أو حفظاً فالمخالف يسمى شاذاً لا يعول عليه.
                      وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن المحفوظ في صلاة الكسوف هو حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان، وما عدا ذلك فهو شاذ.
                      لكن صح عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم صلوا ثلاث ركوعات في كل ركعة.

                      (38/11)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      كيفية التدرج في طلب العلم وتنظيم الوقت فيه


                      السؤال
                      فضيلة الشيخ: سمعنا أن من أراد أن يحصل علماً نافعاً فعليه أن يجعل للعلم وقتاً فرضاً، ما مدى صحة هذه العبارة؟ وإن صحت فما سبيل تحصيل ذلك ووسائله؟

                      الجواب
                      على كل حال ينبغي للإنسان أن يكون منظماً لوقته، بقدر المستطاع، فمثلاً: أولاً ينظم الكتب التي يريد قراءتها، فيبدأ قبل كل شيء بفهم كتاب الله عز وجل؛ لأن الله تعالى قال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص:29] هذا قبل كل شيء، لكن لا مانع من أن يضيف إلى ذلك شيئاً من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام.
                      ثم بما قاله العلماء في التوحيد والصفات، ثم بما قاله العلماء في الفقه، وكذلك أيضاً لا مانع من أن يخلط مع هذه العلوم شيئاً من علوم اللغة العربية، فهي الآن تكاد تكون مهجورةً عند كثير من الطلبة، تجد طالب علم متقدماً في العلم، إذا قرأ وإذا اللحن في قراءته كثير، وإذا كتب وإذا اللحن في كتابته كثير وهذا لا ينبغي.
                      فعلى كل حال طالب العلم لا بد أن يكون على يد شيخ يوجهه لما ينبغي أن يبدأ به.

                      (38/12)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      وصايا لطلاب العلم في الحفظ والفهم


                      السؤال
                      فضيلة الشيخ: طالب علم مستجد يريد الهداية والنور، هل توصينا بالحفظ أولاً أو الفهم؟ وما هي المتون التي توصينا بحفظها؟

                      الجواب
                      أنا أوصي بالحفظ أولاً من كان صغيراً؛ لأن الصغير يمتاز بالحفظ عن الكبير بشيئين: أولاً: سرعة الحفظ.
                      ثانياً: عدم النسيان.
                      ولهذا كان من الأمثال السائرة المشهورة: (العلم في الصغر كالنقش في الحجر) ولأن الصغير لا يحتمل ذهنه إلى شرح المعاني وتشقيقها وتحليلها لأنه صغير هذه واحدة.
                      ثانياً: أول وأولى ما يحفظ كتاب الله عز وجل هذا أول شيء، لأن كتاب الله إذا حفظته فهو الأصل في إثبات الأحكام والأدلة، إذا حفظته وأمكنك أن تقرأه على كل حال ما لم تكن جنباً، تقرأه وأنت تمشي في السيارة، أو على قدميك، أو على فراشك، أو في كل وقت ما لم تكن جنباً أو في أماكن لا يليق أن تقرأ القرآن فيها.
                      ثم بعد ذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا سيما في الكتب المخصصة لذلك كـ عمدة الأحكام فإن ما فيها مأخوذ من الصحيحين.
                      ثم ما كتبه العلماء في الفقه، وأحسن ما نرى زاد المستقنع في اختصار المقنع وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله يوصينا فيه، ويقول: إنه من أجمع الكتب المختصرة، وقد تناوله العلماء بالشرح والحاشية والتعليق وغير ذلك.

                      (38/13)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      حكم إخبار الناس بالكسوف قبل أن يقع


                      السؤال
                      فضيلة الشيخ: إذا ذكر أهل الفلك بأن الكسوف سيحدث في الساعة الفلانية فهل للإمام أن يخبر من خلفه بموعد الكسوف حتى يحضروا أو لا يخبرهم حتى يحدث الكسوف؟

                      الجواب
                      الذي أرى ألا يخبرهم، وألا يشيع الخبر أيضاً إذا علم به؛ لأن الناس إذا علموا به من قبل لم يهتموا به كثيراً، وظنوه كالهلال إذا هل، والكسوف رهبة وتخويف، وصلاته صلاة رهبة، ليست كصلاة العيد التي هي صلاة فرح وسرور حتى يعلن عنها، فكتم خبر الكسوف أولى بكثير من الإخبار عنه هذا ما نراه في هذه المسألة، وكذلك يراه شيخنا عبد العزيز بن باز، وهو أولى بلا شك؛ ولهذا تجد الناس الآن يأتون مثلاً إلى صلاة الكسوف وكأنما أتوا إلى صلاة عيد، وجد الكسوف فجاءوا يصلون، لكن لا تجد الرهبة العظيمة التي أدركناها، كان الناس يأتون إلى المساجد مسرعين، يبكون، وتجد المسجد له صوتاً من البكاء، أما الآن فأصبح كأنه هلال عيد هلَّ، وجاء الناس يصلون.
                      فلذلك أرى ألا تعلن وألا تشاع إذا سمع بها الإنسان حتى يأتي الناس مفاجأة ويحصل لهم الرهبة والخوف من الله عز وجل.

                      (38/14)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      نصيحة توجيهية لمن يضرب الدفوف ويذبح الذبائح عند وقوع الكسوف


                      السؤال
                      فضيلة الشيخ: بينت لنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف، فما نصيحتكم لأناس في غير هذه البلاد وهم أولئك الذين يضربون بالدفوف ويذبحون الذبائح إذا حصل الكسوف، ويسمون هذه كرامة لله، ويوزعونها للناس، وهذا معتقد كثير منهم وللأسف، وهو في البلاد الإسلامية، وإن هذا الشريط سوف يصل إليهم بإذن الله تعالى؟

                      الجواب
                      أقول: نصيحتي لهؤلاء أبدؤها بعلماء البلاد: يجب عليهم أن يبينوا للعامة ما حملهم الله إياه، بأن صلاة الكسوف سببها تخويف الله عز وجل للعباد، وأنها تصلى على الصفة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذه الخرافات والخزعبلات لا أصل لها، كيف يذهب الناس يضربون بالدفوف ويرقصون في الأسواق والله عز وجل جعل ذلك تخويفاً؟! فالواجب أولاً على العلماء.
                      أما العامة فالواجب عليهم الكف عن هذه الأشياء والاتجاه إلى المساجد وإقامة صلاة الكسوف كما أقامها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
                      وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                      وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                      حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                      https://www.musacentral.com/

                      تعليق


                      • #71
                        أسباب وقوع الكسوف


                        السؤال
                        ذكرت يا فضيلة الشيخ في الخطبة: أن الكسوف ازداد في هذا الزمان بسبب ازدياد المعاصي، فهل المعاصي تؤثر في حركة الأجرام؟

                        الجواب
                        المعاصي لا شك أنها تؤثر لكنه ليس التأثر من نفس المعاصي، بل المعاصي سبب، والذي يغير الأفلاك هو الله عز وجل، قال الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم:41] ولهذا جاء في الحديث -أعني: حديث الكسوف- (لينظر من يحدث منهم توبة) لأن الله يقدر ذلك لينظر من يحدث منهم -أي: من الناس- توبة إلى الله عز وجل، فدل ذلك على أن سبب هذا الكسوف هو المعاصي.

                        (38/16)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حكم قراءة الفاتحة في صلاة الكسوف


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ: إمام صلى الكسوف وفي الركعة الثانية لم يقرأ سوى الفاتحة، فهل صلاته صحيحة؟ أرجو الإيضاح.


                        الجواب
                        صلاته صحيحه؛ لأنه قرأ الركن وهو الفاتحة، واعلموا أن الركوع الثاني من كل ركعة ليس بواجب، بل هو سنة، والركوع الأول هو الواجب وهو الركن، ولهذا قلنا: إن الركعة لا تدرك إلا بإدراك الركوع الأول؛ لأنه هو الركن، أما الثاني فإنه تطوع، لكن يا حبذا لو أن الأئمة طلبوا دورة من المسئولين عن شئون المساجد تبين لهم هذه الأحكام التي تخفى على كثير منهم.

                        (38/17)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        بيان غدر اليهود ومكرهم


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ: تعلمون ما تعرض له أقصانا المبارك من اعتداء صارخ وآثم من قبل اليهود، وتعلمون الجرائم المروعة التي لقيها إخواننا في فلسطين وهم يدافعون عن أولى القبلتين، فما توجيهك لأولئك المغترين بأن هؤلاء اليهود قد انسلخوا عن عقائدهم وحقدهم الدفين؟

                        الجواب
                        لا غرابة على إخوان القردة والخنازير أن يقع منهم ذلك؛ لأن اليهود خونة، لما أنجاهم الله تعالى ومروا بقوم يعبدون الأصنام قالوا: {يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف:138] ولما جاء موسى لميقات الله عز وجل وتأخر عنهم صنعوا من حليهم عجلاً جسداً له خوار، وقالوا: {هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه:88] وأفعالهم كثيرة، من أراد المزيد من الاطلاع عليها فليرجع إلى كتاب: إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان لـ ابن القيم رحمه الله، ذكر عنهم أشياء عجيبة، ووصفهم بأنهم الأمة الغضبية استناداً إلى قول الله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة:60] هذه الأوصاف لليهود، لا غرابة أن ينكثوا العهد وأن يغدروا، فقد غدروا بأوفى الناس ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما قدم المدينة وكان فيها ثلاث قبائل من اليهود: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، عاهدهم ولكنهم نقضوا العهد، ولكن والحمد لله كان نقضهم للعهد سبباً في إجلائهم عن البلاد الطاهرة المطهرة منهم وأمثالهم، فلا تستغرب أن يقع منهم مثل ذلك لا سيما وأن الحكومة الآن صارت من جانب المتشددين المتطرفين منهم.

                        (38/18)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حكم من دخل مع الإمام بنية صلاة الفجر ثم تبين له أنها صلاة الكسوف


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ: رجل دخل مع الإمام في صلاة الكسوف وهو لا يعلم بالكسوف، فصلى وظنها صلاة الفجر، فماذا يصنع: أتكفيه هذه الصلاة أم عليه الإعادة؟

                        الجواب
                        أما إذا كان ذلك قبل طلوع الفجر؛ لأن بعض الناس رأى الكسوف قبل الفجر بنحو ثلث ساعة وصلى، فهذا إذا كان قبل طلوع الفجر فصلاته غير صحيحة، لا تصح فرضاً، يستمر مع الإمام أو يقطعها أحسن، يقطع صلاة الفجر التي نواها ويدخل مع الإمام في صلاة الكسوف.
                        وأما إذا كان ذلك بعد طلوع الفجر كما هو غالب الناس الذين صلوا بعد طلوع الفجر، فهنا إذا دخل معهم على أنها الفجر ثم تبين له أنها صلاة الكسوف فإنه ينوي الإنفراد عن الإمام ويكملها على أنها صلاة الفجر.
                        مثال ذلك: دخل معه وهو يقرأ ثم ركع الركوع الأول، فلما قام شرع في القراءة، سوف يعلم هذا المسبوق أن هذه صلاة كسوف وهو قد نوى الفجر، نقول: الآن انوِ الانفراد وأتمها على أنها صلاة فجر ثم ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة الكسوف.
                        الخلاصة الآن: إذا كان الإمام قد شرع في صلاة الكسوف قبل دخول الوقت، وهذا دخل بنية الفجر، ماذا نقول له إذا علم أنها كسوف؟ اقطع النية، لأنه لا يمكن أن تبني صلاة الكسوف على الفريضة، اقطع النية الآن وادخل من جديد مع الإمام، إذا كان ذلك بعد طلوع الفجر وعرفت أن هذه صلاة كسوف فانوِ الانفراد ولا تقطع الصلاة، انوِ الانفراد وأتمها على أنها صلاة الفجر ثم ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة الكسوف.

                        (38/19)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حكم السائل الذي يخرج من فرج المرأة بعد الغسل من الجنابة


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ: هل السائل الذي يخرج من المرأة بعد الغسل من الجنابة يوجب الغسل أم لا؟

                        الجواب
                        لا يوجب الغسل؛ لأن الغسل لا يجب إلا بواحد من أمرين -أعني: غسل الجنابة وما يتعلق به-: إما بالجماع ولو بدون إنزال، وإما بالإنزال ولو بدون جماع، وإذا حصل إنزال وجماع صار الحكم معروفاً يجب الغسل.

                        (38/20)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حكم تفريق طلاب العلم بين العلماء في الحديث والفقه


                        السؤال
                        انتشر في الآونة الأخيرة بين طلاب العلم المبتدئين التفريق بين العلماء بقولهم: هذا محدث وهذا فقيه.
                        فهل بينهما فرق؟ وإذا كان هناك فرق فأيهما أفضل؟

                        الجواب
                        لا شك أن العلماء كل منهم تناول الشريعة من وجه، هذا محدث، وهذا فقيه، وهذا عالم في العقائد، وهذا عالم في النحو، وهذا عالم في البلاغة، لا شك في هذا، وخير الناس من جمع بين الحديث والفقه، ولكن ليعلم أن من المحدثين من ليس عنده فقه بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (رب مبَلغ أوعى من سامع) من المبلِغ؟ ناقل الحديث، والمبلَغ: هو الذي أخذ الحديث عمن رواه ولكن فقه في دين الله، فليس كل محدث يكون فقيهاً، وليس كل فقيه يكون محدثاً، من الفقهاء مثلاً من يعتني بكتب العلماء ويحققها ويدققها لكنه ضعيف في الحديث، ومنهم بالعكس عنده علم من الحديث لكنه لا يفقه، قليل الفقه في الحديث، فتجده يعتقد العموم فيما ليس بعام، أو الخصوص فيما ليس بخاص، وهلم جراً.
                        لكن المشكلة الآن ليست هذه، المشكلة تصنيف الناس بمعنى: هذا محدث لا تسأله عن مسألة فقهية، هذا فقيه لا تسأله عن مسألة حديثية هذه هي المشكلة، والواجب أن نعتقد الخير والبركة بعلمائنا، وأقصد بالبركة: بركة العلم، وألا نزهد فيما عندهم من العلم؛ لأنك إذا زهدت فيما عند العلماء من العلم فعمن تأخذ الشريعة؟ عن الجهال، هذا من الخطأ العظيم.

                        (38/21)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        نصيحة توجيهية لمن وَجَدَ في قلبه شكاً في مخلوقات الله


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ: أرجو أن تشفي قلبي بما يؤرقني فإن عذاب النار -أقصد عذاب نار جهنم- عذاب أبدي وعقلي لا يتصوره وأخاف منه، ولكن يشككني الشيطان فيه شكاً يؤرقني، أرجو منك توجيهي؟

                        الجواب
                        أقول: إن من نعمة الله عز وجل أنه لا يؤاخذ عباده بما تحدثهم به نفوسهم، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] ألم تعلموا أن الله لما أنزل: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة:284] لما أنزل الله هذه الآية جاء الصحابة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وجثوا على ركبهم بين يديه، وقالوا: (يا رسول الله! لا نطيق هذا، كيف يحاسبنا الله على ما في قلوبنا سواء أبديناه أو أخفيناه؟ فقال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: لا تكونوا كالذين قالوا: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [النساء:46] قولوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [النور:51] فقالوا كلهم: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285]-ماذا كان ثوابهم؟ - ثوابهم أن قال الله: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] قال الله: نعم، لا أكلف نفساً إلا وسعها: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] قال الله: نعم.
                        {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] قال الله: نعم.
                        {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة:286] قال الله: نعم.
                        {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} [البقرة:286] قال الله: نعم) .
                        انظر الجزاء والثواب! لما أذعنوا واستسلموا أنزل الله الفرج: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] هذه الشكوك التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان لا عمل عليها، ولا أثر لها والحمد لله، ولكن عليك بوصفة دوائية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن تنتهي عن ذلك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر هذه الوصفة لأصحابه حين شكوا إليه أنهم يجدون في نفوسهم ما يحبون أن يخروا من السماء ولا يتكلموا به، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وانته، بمعنى: أعرض عن هذا، اشتغل بالأمور الأخرى.
                        وإني أسأل أي إنسان يرد في قلبه هذا الشك: ألست تصلي؟ سيقول: بلى.
                        ألست تتوضأ في أيام الشتاء؟ بلى.
                        ألست تصوم فتجوع وتعطش؟ بلى.
                        لمن؟ لله، أين الشك؟ فما يكون هذا الشك إلا وهماً يلقيه الشيطان في قلبك لعله يجد منك قبولاً ثم اعتقاداً ثم انتكاساً -والعياذ بالله- عليك بالدواء الذي وصفه أعلم الخلق بدواء القلوب ودائها، ماذا يقول؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذه استعاذة بالله تعالى من شيء لا تقدر عليه، الشيء الذي تقدر عليه ما هو؟ (ولينته) اعرض عن هذا، لا يهمك، قم، تطهر، صل، تصدق، أحسن الخلق، ولا يهمك، والله لو أننا سألنا هذا الرجل الذي الآن يشكو الأمر وما أكثر الذين يشكون من ذلك لو قلنا له: تعال أنت تتوضأ وتصلي وتتصدق وتصوم وتحج لمن؟ لقال: لله، ما في إشكال، إذاً اترك الوهم الذي أدخله الشيطان على قلبك، أعرض عن هذا، وحينئذٍ إذا استعذت بالله ولجأت إليه عز وجل وهو يجير من استجار ثم انتهيت لا يمضي عليك إلا زمن يسير حتى يطهرك الله من ذلك.

                        (38/22)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        الهجرة في طلب العلم وعقوق للوالدين


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ: أنا طالب علم في الجامعة وأهلي يطلبون مني ترك الدراسة في الجامعة، وأن أعمل في المدينة التي يسكنونها، مع أني إذا عملت في هذه البلدة أو غيرها فإني أخشى من قسوة قلبي، مع أني قد جربت ذلك قبل الجامعة، فهل دراستي في الجامعة والحال هذه من عقوق الوالدين؟

                        الجواب
                        ليس هذا من عقوق الوالدين، إذا كان اغترابك عن أهلك وعن وطنك أكثر لعلمك وأقوى لإيمانك فعليك به، وليس هذا من عقوق الوالدين، ويمكن أن تزور والديك في الشهر مرة أو مرتين حسب ما يتيسر لك، ويمكن أيضاً أن تتصل بهم صباحاً ومساءً بواسطة الهاتف، لو فرض أن الوالدين مضطران اضطراراً تاماً لك فحينئذٍ نقول: لا بد أن تدفع ضرورتهما، أما والأمر ليس فيه حاجة لكنهما يحبان أن تكون عندهما، وأنت ترى أن وجودك في البلد الذي هم فيه يؤثر عليك، الحمد لله ابق في البلد الذي يزداد فيه علمك وإيمانك، ويمكنك أن تبر والديك بطرق متعددة.

                        (38/23)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حكم إنكار كل المنكرات التي نراها


                        السؤال
                        فضيلة الوالد: نشاهد في الشوارع من المنكرات وخصوصاً الظاهرة كالدخان والإسبال ونحو ذلك الشيء الكثير، فهل يجب على الإنسان أن ينكر كلما يواجهه من المنكرات مع أن هذا فيه مشقة عظيمة؟

                        الجواب
                        الواقع أنه كما قال السائل، لا يمكن للإنسان أن ينكر كلما يشاهده في السوق مع كثرة المنكرات، لو أنه فعل ذلك ما خطا خطوةً أو خطوتين، لأنه سيجد من حلق لحيته، وسيجد من يشرب الدخان، وسيجد امرأة متبرجة، وسيجد رجلاً أسبل ثيابه، يقف مع كل واحد؟! مشكلة، هذا لا يجب، وربما يكون أضحوكةً للناس إذا فعل هذا، لكن من الممكن من حين لآخر أن يمسك رجلاً يرى أنه أقرب للقبول ويسر إليه بأن هذا العمل الذي أنت تعمله حرام ولا يجوز، وقد قال الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] وقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] .
                        أما سؤال الأخ في مسألة الدخان: فأنا أرى والحمد لله أن الناس الآن انكفوا عنه انكفافاً بالغاً، يعني: ظني الآن أن الشباب خاصة لا يوجد منهم (20%) يشربون الدخان حسب علمي، وأنا لست أتجول في الأسواق لكن هذا ما نشاهده.
                        فعلى كل حال: الذي ينبغي للإنسان ألا يهول الأمور أكثر من الواقع، الحمد لله الدخان قليل فيما نعلم.
                        على كل حال: الدخان في الواقع أتعجب ممن يتناوله وهو ضار في البدن، ومضيع للمال، ومضيع للوقت، ومثقل للعبادة، ومفسد للأسنان، ومفسد للرائحة، آفاته كثيرة، ويقال لي: إن بعض البلاد التي يعتبرها كثير من الناس راقية في أمور الدنيا الدخان عندهم ممنوع منعاً باتاً، حتى إذا اضطر أحد منهم إلى أن يشرب السيجارة ذهب مختفياً، وهي بلاد كفر، حتى بلغنا أن الذين في الطائرات إذا مرت بهم من فوق هذه الحكومة امتنعوا من شربها، يشربون الدخان وهم في الجو، فإذا كان هذا شأن أولئك القوم الكفار الذين لا يعرفون التعبد لله عز وجل بالشريعة فما بالنا نحن المسلمين؟ نسأل الله الهداية للجميع.

                        (38/24)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        خطر انتشار الأغاني والاستماع إليها


                        السؤال
                        انتشر في الآونة الأخيرة بين الشباب خاصة والفتيات سماع إذاعة تبث الأغاني، وقد خصص لها راديو، فنرى أن عدداً من الشباب صار يستمع إلى ذلك كثيراً، بل ترى الشباب في الأسواق يرفعونها على أعلى صوت ويدورون في الشوارع بذلك الصوت، فما توجيهك وفقك الله والتحذير لسامعيها؟

                        الجواب
                        أما توجيهي لعموم الناس: فإن الواجب اجتناب هذه الأغاني؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أنه سيكون من أمته قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، أتدرون والحر هو الزنا، فقرن النبي عليه الصلاة والسلام استحلال الخمر والزنا باستحلال المعازف، والمعازف في اللغة العربية وعند العلماء: هي آلات اللهو، وهذه الأغاني المسموعة لا تخلوا من آلة لهو، فاستحلالها حرام، والاستماع إليها حرام، وإعلاء الصوت بين المسلمين حرام، فالواجب الانتهاء عنها وألا تسمع، وألا تبث أشرطتها، حتى نكون أمةً صالحة تتعاون على البر والتقوى ولا تتعاون على الإثم والعدوان.
                        وليعلم أن هذا الذي يعلي صوت الأغاني إن كان قصده المراغمة لأهل العلم والدين فهو في الحقيقة لم يراغم هؤلاء لأشخاصهم إنما راغمهم لما يحملوه من علم الشريعة ودين الله عز وجل، وهو على خطر عظيم أن يزيغ الله قلبه ويفسد عليه دنياه وآخرته -والعياذ بالله.
                        وإن كان قصده أن يستمع إليها من يهوون هذه الأغاني ليجذبهم إليه فهذا دون الأول لكنه قبيح، والواجب الحذر من هذه الأغاني، وأن يُستبدل بدلها بأشرطة قرآنية أو حديثية أو علمية حتى ينتفع الإنسان بها.

                        (38/25)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        وجوب نفقة الزوجة على الزوج وإن كانت غنية


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ: إذا كانت المرأة معلمة وتقبض راتباً، فهل يجب على الزوج أن ينفق عليها أم تسقط عنه النفقة؟

                        الجواب
                        الزوج يجب عليه أن ينفق على زوجته ولو كانت غنية؛ لقول الله تعالى: {ليُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق:7] ؛ ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) لكن ينبغي للزوجة إذا كان زوجها فقيراً وليس ذا سعة من المال ينبغي لها أن تساعده على مئونة البيت ومئونة العيال ومئونة نفسها أيضاً، وإلا فإن الزوج ملزم بنفقتها ونفقة أولادها منها.

                        (38/26)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        كلمة توجيهية في حسن تربية الزوجة


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ امرأة يهددها زوجها دائماً كلما حصل بينهما خلاف أن تذهب إلى بيت أهلها، وهذا يكثر عند الخلاف بين الزوجين، فما نصيحتك يا فضيلة الشيخ والحال هذه لمن هذا شأنه، خصوصاً وأن الله جل وعلا نهى المرأة أن تخرج من بيت زوجها ولو كان طلاقاً؟

                        الجواب
                        نصيحتي لهؤلاء الرجال: أن يكونوا رجالاً كما هم كذلك، وأن تكون لهم السلطة على أنفسهم، وألا يخضعوا للغضب، ولقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أوصني.
                        قال: لا تغضب فردد مراراً قال: لا تغضب) .
                        ثم إن دواء الخلاف بين الزوجين ليس بأن يطردها من البيت إلى أهلها، هذا لا يزيد الأمر إلا شدة، بل الذي ينبغي أن يتودد إلى زوجته، وأن يعفو عن السيئات، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة) لا يفرك أي: لا يبغض ولا يكره: (إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر) والذي ينبغي أن يكون الرجل رجلاً بمعنى الكلمة، من الذي ينسى الحسنات إذا حصلت عليه سيئة واحدة؟ المرأة، أتريد أن تنزل بنفسك حتى تكون بمنزلة المرأة إذا رأيت منها سيئةً واحدة قلت: ما رأيت خيراً قط.
                        فلذلك أنصح إخواننا إذا حصل بينهم وبين زوجاتهم مشاكل أو سوء تفاهم أن يصبر الرجل ويتحمل، ويعامل المرأة بما هي أهله مما أوصى به الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: (إنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها على عوج) هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، وإني واثق من أن الرجل إذا أطاع الله ورسوله في معاشرة أهله فسوف يقلب الله تعالى العداوة والبغضاء في قلبها إلى ولاية ومحبة، يقول الله عز وجل: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34] القلوب بيد الله عز وجل، ادفع بالتي هي أحسن وستتغير الأمور.

                        (38/27)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        التفصيل في إسقاط الجنين من بطن أمه


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ: إذا قرر الأطباء بأن هذا الطفل مشوه خلقةً في بطن أمه، وأشار الطبيب بإسقاط هذا الجنين ووافقت الأم على ذلك، وذكر بأن إسقاطه سيكون بالأشعة، فما حكم إسقاطه، وما هي الأحكام المترتبة على ذلك؟

                        الجواب
                        أما إذا كان الجنين قد نفخت فيه الروح، وتنفخ فيه الروح إذا تم له أربعة أشهر، فهذا لا يجوز إسقاطه بأي حال من الأحوال سواء كان مشوهاً، أو أصيبت الأم بمرض لو بقي حتى الوضع لهلكت فإنه لا يجوز إسقاطه أبداً، حتى لو قرر الأطباء أن الحمل لو بقي في بطنها لماتت، نقول: فلتمت ولا يمكن أن نسقطه لماذا؟ لأننا لو أسقطناه لقتلنا نفساً بغير حق، جنين لم يجن ولم يعتد على أحد كيف نقتله؟ فإن قال إنسان: أنت إذا أبقيته في بطن أمه هلكت أمه ثم هلك هو أيضاً؟ فالجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أنه لو ماتت أمه وكان في زمن يمكن أن يبقى حياً فإنه يمكن أن يبادر بالعملية ويشق بطنها ولو بعد الموت ويخرج الجنين ثانياً: لو قدر أن هذا متعذر وأنه لا يمكن إخراج الجنين، وأن بقاءه سوف يكون سبباً لموت أمه قلنا: إذا ماتت أمه فهل موتها بسبب منا أو من الله؟ من الله، إذاً ليس بأيدينا حيلة، لكن لو أننا أخرجنا الجنين ومات فموته بسبب منا هذا إذا كان بعد نفخ الروح فيه وهو ما تم له أربعة أشهر.
                        أما إذا كان قبل ذلك فالأمر فيه أهون، يمكن أن يسقط ويعمل إجهاض؛ لأنه الآن ليس إنساناً، لم تنفخ فيه الروح، ولهذا قال الله عز وجل لما ذكر أطوار الجنين، قال: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} [المؤمنون:14] فارتقى من الجماد إلى الحياة، وعلى هذا فنقول: إذا كان ذلك بعد تمام أربعة أشهر وهو الوقت الذي تنفخ فيه الروح فإن تنزيله حرام، حتى لو أدى بقاؤه إلى موت أمه هذه واحدة، وإذا كان قبل ذلك فلا بأس، إذا قرر الأطباء أنه سيخرج مشوهاً ويتعب هو ويتعب أهله، أو قالوا: إن بقاءه يكون سبباً لهلاك أمه فحينئذٍ لا حرج أن نجهض هذا الحمل.

                        (38/28)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        كيفية التوبة والعلاج من الوقوع في الكبائر


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ: مشكلتي وشكواي أبثها إلى الله ثم إليك: شخص يقع في كبيرة دائماً ويحاول التوبة بصدق وإخلاص وإصرار ولكنه يعود، فما الداء والعلاج في نظر فضيلتكم؟

                        الجواب
                        الدواء والعلاج أن يتوب إلى الله، كلما أذنب يتوب إلى الله فإن الله يتوب على من تاب، ولكن بعد التوبة ينبغي أن يتجنب الأسباب التي تكون بها هذه المعصية، يبتعد عنها حتى يسلم من شرها، ويستعين الله عز وجل، ويسأل الله تعالى دائماً الثبات على التوبة، والله سبحانه وتعالى كريم، إنما ليبشر أنه كلما أذنب واستغفر وتاب توبةً حقيقةً يعلم الله منه أنه صادق فإن الله يتوب عليه.

                        (38/29)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        نصيحة توجيهية لمن ينام عن صلاة الفجر


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ: نشكو إلى الله ثم إليك أن عدداً من الشباب لا نراهم يصلون صلاة الفجر في هذه الأيام، والسبب أنهم ربما سهروا وناموا، فما نصيحتك لهم، وما حكم من ترك صلاة الفجر حتى طلعت الشمس وكان ذلك باستمرار؟

                        الجواب
                        أما نصيحتنا لهؤلاء فالظاهر أن كلامنا فيها من باب التكرار، كل يعلم أنه لا يجوز للإنسان أن يسهر ليله ويدع صلاة الفجر.
                        وأما الذين يؤخرون صلاة الفجر حتى يخرج وقتها مع قدرتهم على أن يصلوا في الوقت فهؤلاء لا تقبل صلاتهم ولو صلوا ألف مرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه، ومن أخر الصلاة عن وقتها بلا عذر شرعي فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً عليه، لكن عليه أن يتوب إلى الله، وأن يكثر من الأعمال الصالحة، ويسأل الله السلامة.

                        (38/30)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حكم أخذ الأجرة على الإمامة


                        السؤال
                        أنا شاب أرغب في أن أكون إماماً لمسجد، ولدي القدرة على ذلك، وقد كنت في فترة ماضية، ولكني أخاف على نفسي من هذا الراتب الخوف من دخول الدنيا في القلب وأن يكون الهم هو الراتب فقط؟

                        الجواب
                        نقول: بارك الله فيك، لا تجعل الهم هو الراتب، اجعل همك أن تكون إماماً للمتقين، فإن الحاضرين إلى المساجد من المتقين إن شاء الله، وأنت إمامهم، فتدخل في عموم قوله تعالى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان:74] واترك الراتب كأنه إن جاء فهو سوف يأتي وإن لم يأت فلا يهمنك، وحينئذٍ تكون نيتك خالصة.
                        أما وضع الراتب للأئمة والمؤذنين والمعلمين والمدرسين والدارسين فهذا من باب التشجيع على الخير، ولا بأس به، وكان النبي عليه الصلاة والسلام في غزواته يجعل جعلاً ينشط الغزاة على القتال، حتى قال: (من قتل قتيلاً فله سلبه) أي: ما عليه من الثياب والرحل وما أشبه ذلك مما يعد سلباً، كل هذا من باب التشجيع على الخير، ولا حرج على الإنسان أن يأخذ بدون طلب، المشكل أن يطلب زيادة على وظيفة دينية، ولهذا سئل الإمام أحمد رحمه الله: عن رجل طلبوا منه أن يصلي التراويح فقال: أنا أصلي بكم التراويح، لكن بكم؟ ما أصلي إلا بكذا وكذا، فسئل الإمام أحمد عن هذا فقال: من يصلي خلف هذا؟! من يصلي خلف هذا؟! معناه أن هذا الرجل يريد أن يكون إماماً من أجل الدنيا، قال: نعوذ بالله! من يصلي خلف هذا؟ بعض الناس يقول: إن أخذه الراتب على الإمامة ينقص من إخلاصه، وهذا غير صحيح، ينقص من إخلاصه إذا كان لا يصلي إلا لأجله، أما إذا كان يصلي لله عز وجل ويستعين بما يأخذه على نوائب الدنيا فلا بأس بذلك.

                        (38/31)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حكم زكاة الذهب إذا بلغ النصاب


                        السؤال
                        أنا امرأة عندي ذهب قليل ولا ألبسه، بل جعلته للحاجة الماسة لا سمح الله في أي يوم من الأيام إذا طرأت علينا، وعندي أطفال، وتأتيني زكاة، فهل أزكي عليه أم أبيعه؟

                        الجواب
                        إذا كان لا يبلغ النصاب والنصاب خمسة وثمانون جراماً فلا زكاة فيه، وإذا كان يبلغ النصاب فالأرجح من أقوال أهل العلم: أن الزكاة واجبة فيه، يقدر كل سنة ويخرج ربع العشر -أي: (2،5%) - وأما أخذها الزكاة من أجل نفقتها ونفقة عيالها من طعام وشراب وكسوة فلا بأس به إذا كان الذهب الذي عندها لا يزيد عما يلبسه مثلها، أما إذا كان يزيد فلتبع منه ولتستغن بذلك عن أخذ الزكاة.
                        وفي سؤالها عبارة: (لا سمح الله) وينبغي أن يستبدل بدلاً منها "لا قدر الله" لأن كلمة "سمح الله" تشعر بأن الله تعالى يكره على الشيء إن شاء سمح وإن شاء ما سمح، ولكن الأفضل أن يقال: لا قدر الله ذلك مثلاً.

                        (38/32)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        خطر ارتفاع نسبة المدخنين في المجتمع


                        السؤال
                        ذكرت يا فضيلة الشيخ أن نسبة المدخنين من الشباب (20%) وقد قرأت في أحد الصحف اليوم أن نسبة المدخنين (70%) .


                        الجواب
                        أعوذ بالله، هذا خبر صحفي ليس صحيحاً، ولا نوافق عليه، اللهم إلا إذا كان في بعض الأماكن فممكن.

                        (38/33)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        ضابط المسافة التي يستحب فيها القصر


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ: نحن شباب خرجنا في رحلة برية من بعد صلاة الفجر حتى الساعة العاشرة ليلاً، وكان المكان يبعد عن البلدة (170كم) ، السؤال: عندما وجبت علينا صلاة العصر صلينا الظهر والعصر جمعاً وقصراً، وأحدنا جمع ولم يقصر، فما حكم صلاتهم مع أنهم لم يسافروا؟

                        الجواب
                        هذه مسألة فيها خلاف بين العلماء: منهم من حدد المسافة، ومنهم من جعل الأمر راجعاً لعرف الناس، فالذين يحددون المسافة يقولون: إذا تجاوز (83كم) فإنه يعتبر مسافراً يقصر ويجمع إن احتاج للجمع، لأن الجمع ليس من رخص السفر دائماً، بل الجمع الأفضل تركه للمسافر النازل في المكان دون السائر، أما القصر فإنه سنة للمسافر ولو كان نازلاً.
                        ومن العلماء من يقول: السفر ليس محدداً بمسافة وإنما السفر ما عده الناس سفراً وتأهبوا له، وهذا الثاني هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه فنقول: إذا خرج الإنسان عن بلده نحو (70كم) أو (80كم) أو (100%) أو أكثر، ومن نيته أن يرجع عن قرب خرج في الصباح ورجع في آخر النهار فهذا لا يعد سفراً عند الناس، فالأحوط له أن يصلي أربعاً وأن يصلي كل صلاة في وقتها.
                        وأرى أن مثل هؤلاء أن يصلوا بلا قصر وألا يجمعوا، إلا إذا دعت الحاجة إلى الجمع فليجمعوا بدون قصر.
                        ثم إني أحب من الإخوة ألا يختلفوا، فمثلاً: هؤلاء الذين اختلفوا: أحد يقول نقصر والآخر يقول: لا نقصر، والثاني يقول: نجمع، والآخر يقول: لا نجمع.
                        يمكن أن نجمع بين الجميع فنقول: أتموا وصلوا كل صلاة في وقتها حتى تؤدوها بلا خلاف.

                        (38/34)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حكم من نسي التشهد الأول ثم لم يسجد للسهو


                        السؤال
                        ما تقول يا فضيلة الشيخ في رجل صلى المغرب فنسي التشهد الأول ولم يذكره المؤتمون، وهو ظن أنه قد جلس للتشهد الأول فسلم من الصلاة ولم يذكره أحد، ولم يسجد للسهو، وبعد تفرق الناس سأل المؤذن: هل جلس للتشهد الأول؟ فقال المؤذن: لم تجلس للتشهد، فما هو الحكم في هذه الحال؟

                        الجواب
                        إذا كان الرجل الذي قام عن التشهد الأول ناسياً ثم ذُكِّر إذا كان العهد قريباً يسجد للسهو ولا حرج عليه، وإن كان العهد قد تطاول وطال الزمن فإنه يسقط عنه سجود السهو وصلاته صحيحة.

                        (38/35)


                        --------------------------------------------------------------------------------
                        وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                        وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                        حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                        https://www.musacentral.com/

                        تعليق


                        • #72
                          اللقاء الشهري

                          اللقاء الشهري [39]
                          لقد ابتليت الأمة المحمدية في عصرنا هذا بأنواع شتى من الفتن والمحن والبلايا، وإن من أعظم ما فُتنت به الأمة اليوم هو الغزو الفكري والأخلاقي المدمر للبيوت والأخلاق والفضيلة والعفاف من قبل أعداء الله عبر القنوات الفضائية، فأفسدوا وميعوا شباب ونساء الأمة ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد اغتر كثير من المسلمين بذلك وظنوه حضارة، ولكن المخرج والعصمة بهجر آلات اللهو والطرب، والالتزام بالكتاب والسنة.

                          (39/1)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          فتنة الغزو الفكري والخلقي عبر القنوات
                          الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
                          أما بعد: أيها الإخوة فهذا هو اللقاء التاسع والثلاثون من اللقاء الشهري الذي يتم في ليلة الأحد الثالث من كل شهر، وشهرنا هذا هو شهر جمادي الثانية عام (1417هـ) أسأل الله تعالى أن يكثر من اللقاءات النافعة بين المسلمين بين شبابهم وشيوخهم بين علمائهم ومتعلميهم إنه على كل شيء قدير.
                          أيها الإخوة: إلى أين نسير؟ وإلى أين نتجه؟ أنحن نعيش كما تعيش البهائم؟ أنعيش كما تعيش الأنعام ليس لنا هم إلا ملء البطن وشهوة الفرج؟ إلى أين؟ الواقع أن هذا سؤال عظيم، تنبني عليه حياة الإنسان الحاضرة والمستقبلة، إننا في الحقيقة نعلم أين نذهب، ونعلم إلى أي شيء نعيش، ونعلم لماذا وجدنا في هذه الحياة من كلمة واحدة من كلام الله عز وجل ألا وهي قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] لم يخلق الله الجن والإنس إلا لعبادته، وعبادته توحيده والقيام بطاعته فعلاً للمأمور وتركاً للمحظور.
                          ولقد أكرم الله تعالى بني آدم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً، خلق لهم ما في الأرض جميعاً لينتفعوا به ويستعينوا به على ما خلقوا من أجله وهي العبادة، ولقد أكرم الله بني آدم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً حين سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، كما قال الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة:29] وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [الجاثية:13] ولكن هل نحن استخدمنا هذا المسخر لنا والمخلوق لنا فيما خلقنا له، أم أننا ألغينا ما خلقنا له واشتغلنا بما خلق لنا؟

                          الجواب
                          إن كثيراً من بني آدم على هذا الوضع، تركوا ما خلقوا له، واشتغلوا بما خلق لهم، ويدلك على هذا قول الله تبارك وتعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116] من أكثر من في الأرض؟ الكفرة، الكفار هم أكثر من في الأرض إن أطعناهم أضلونا عن سبيل الله: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا} [النساء:89] {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة:2] {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} [آل عمران:69] {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً} [البقرة:109] أكثر أهل الأرض ضُلَّال ليسوا على هدى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116] .
                          ولكن تدرون هل من في الأرض من هؤلاء يصدرون الأوامر بلفظ: افعلوا؟ لا، لا يصدرون الأوامر بلفظ: افعلوا كذا، ولو أنهم أصدروا ذلك لكشفوا عن أنفسهم، ولتبين خطؤهم، لكنهم يسرون في جسم الأمة الإسلامية كما تسري النار في الفحم أو كما يسري السم في البدن، إنهم يأمروننا أمراً غير مباشر بسخافة الأخلاق، ونحاتة الأفكار، وفساد الأديان بما يغزوننا به من أنواع الغزو الفكري والخلقي والمالي والاقتصادي والاجتماعي، في كل ما يستطيعون من قوة؛ لأنهم يعلمون أنه لو كان الميدان بيننا وبينهم في الأخلاق والعبادة لكان الظفر للمسلمين، يعلمون ذلك، لكنهم لم يجابهونا مجابهةً نعلم بها حقدهم وعداوتهم وبغضاءهم، إنما دسوا لنا هذه الأخلاق عبر وسائل الإعلام؛ ولهذا تجدهم جادِّين ليلاً ونهاراً في اختيار الأساليب المغرية والصور الفاضحة التي يبثونها عبر الأقمار الصناعية، ولا شك أن هذا من فتنة الله عز وجل لعباده: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35] .
                          الذي يسر هذه السبل حتى أوصلوا أخلاقهم الرذيلة وأفكارهم المنحرفة إلى بلادنا، إلى حجرنا، إلى غرفنا، إلى مدارسنا إنما ذلك لحكمة؛ امتحاناً من الله عز وجل، والله تعالى يمتحن عباده بتيسير أسباب المعصية ليبلوهم أيهم يصبر أو أيهم ينحدر.
                          ألم تعلموا إخوانكم وسلفكم حين ابتلوا بتسهيل أسباب المعصية ولكنهم امتنعوا، امتحن الله الصحابة رضي الله عنهم وهم محرمون بشيء من الصيد، ونحن نعلم جميعاً أن المحرم يحرم عليه الصيد، حتى ولو كان خارج الحرم؛ لأن الصيد يشغف القلب، ولو استرسل الإنسان وراءه لنسي أنه محرم، فحرم من أجل ألا يشتغل به عن إحرامه، حرم الله عليهم الصيد لكنه ابتلاهم بشيء من الصيد تناله أيديهم ورماحهم، واحد يمسك الصيد بيده أو برمحه، قال العلماء: ينالون الصيد الزاحف باليد مثل الأرنب، وينالون الصيد الطائر بالرمح بدون سهم ليبلوهم عز وجل أيهم يصبر عن هذا الصيد أو لا يصبر هذا تسهيل لطرق المعصية حتى يبتلى العبد أيصبر عنها أو لا؟ فماذا كان منهم؟ أن صبروا وهجروها وتركوها، وربما يكونون جياعاً يحتاجون إلى الأكل لكن الله حرم ذلك.
                          نحن في زمننا الآن في فتنة، ومحنة، هذه الأقمار الصناعية التي يبث فيها أعداؤنا من اليهود والنصارى والشيوعيين وغيرهم ما يدمرون به عقائدنا وأخلاقنا، ويدمرون به مجتمعاتنا من أكبر الفتن، هذه الوسائل الإعلامية القوية الزاحفة أضلت أناساً كثيرين إما مباشرة وإما غير مباشرة، إننا تكلمنا قبل جمعتين أو أكثر على موضوع الدشوش، وبينا أنها مدمرة للأخلاق، وأنها مدمرة حتى للعقيدة؛ لأن الشعوب إذا دمرت أخلاقها، وارتفع حياؤها، دمر دينها وعقيدتها، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) .
                          أين الحياء من قوم يبثون بيننا شباباً وشابات سافرات متبرجات؟ تجد هذه تعانق الشاب، إذا رأى الشاب والشابة هذا المنظر فهو بشر تعصف به الشهوة إلى مكان سحيق، إنهم يأتون بالشبهات حتى فيما يتعلق بالعقيدة كما سمعنا أنهم يشبهون السحب المتراكمة وفوقها شيخ كبير يصب عليها براميل الماء!! وكأنهم يقولون: هذا الشيخ هو الله -والعياذ بالله- قاتلهم الله، إلى غير ذلك من الأشياء المزعجة المخزية.

                          (39/2)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          فتنة بناء الاستراحات والأحواش التي يجاهر فيها بالمعاصي
                          والمسلمون الآن ممتحنون مفتونون بهذا، إننا نسمع أنه بواسطة ما منَّ الله به علينا من السعة في الأموال وكثرة الأرزاق بنيت الاستراحات، وبنيت الأحواش، وصار يجتمع فيها الناس من شيوخ وكهول وشباب ومراهقين يجتمعون فيها إلى ساعات متأخرة من الليل، ولقد بلغنا أنهم يصطحبون معهم هذه الدشوش ليسهروا عليها -والعياذ بالله- ولقد بلغنا أيضاً أنهم يحملون (الشيشة) ليدخنوا بها، ويحملون علب السجائر ليدخنوا بها، ويحصل عندهم من آلات العزف والموسيقى ما يفسد أخلاقهم، فلماذا لا يكون كل واحد منا رقيباً على أولاده؟ أين ذهبتم؟ لماذا تأخرتم في المنام؟ إنكم مسئولون إنكم محاسبون! أتظنون أن هذه النعم التي ابتليتم بها اليوم لن تسألوا عنها! أبداً لا بد أن يسأل الإنسان كما قال عز وجل: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8] تسأل عن النعيم وأنت ترى الجحيم: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:6-8] لا بد أن نسأل أين ذهب هؤلاء الشباب.

                          (39/3)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          الذين يجب عليهم تحمل المسئولية في إنكار المنكر

                          (39/4)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          حمل المسئولية على الشباب
                          إن بعض الناس -حتى الكبار كما سمعنا- يحضرون في هذه الاستراحات، وفي هذه الأحواش إلى وقت متأخر من الليل، وربما يأتون إليها من قبل الغروب فينسون أهليهم وأبناءهم وبناتهم، يأتي الإنسان في آخر الليل وقد انهمك جسمه من التعب والسهر وينام، والله أعلم هل يصلي الفجر أم لا يصلي! ولا يرى أهله، ولا يجلس معهم في عشاء ولا غداء، وكأنه في وادٍ وهم في واد أين المسئولية؟ إن أي إنسان يضيع حق الله في أولاده فسيضيعون حق الله فيه؛ سوف يبتلى بعقوقهم وكراهيتهم له حتى كأنه ليس أباً لهم، لذلك أنصح أولاً الشباب عن الانهماك في هذه الأحواش وفي هذه الاستراحات على وجهٍ لا يرضي الله ورسوله.

                          (39/5)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          حمل المسئولية على أولياء أمور الشباب
                          ثانياً: أحمل المسئولية أولياءهم أمام الله ثم أمام مجتمعهم، أحمل المسئولية لآبائهم الذين استرعاهم الله عز وجل عليهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكَّل كل إنسان على أهله، أنت راع بوكالة الرسول عليه الصلاة والسلام: (الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته) هل يمكن أن تنفك عن هذه الوكالة التي ألزمك بها رسول الله؟ لا يمكن، إذاً: قم بالوكالة على الوجه المطلوب وإلا فستسأل: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65] أين جوابك يوم القيامة إذا لقيت الله عز وجل؟

                          (39/6)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          حمل المسئولية على أصحاب أماكن المنكرات
                          ثالثاً: أحمل المسئولية أصحاب هذه الأحواش وأصحاب هذه الاستراحات، إذا أتاهم من يعلمون أو يغلب على ظنهم أنه سوف يكون فيها على الوجه الذي لا يرضاه الله ورسوله فليعلم أنه يأكل أجرتها سحتاً وحراماً، وما أعظم أن يكون معيناً على الإثم والعدوان، هذه الأجرة التي يأخذها سحتاً وحراماً؛ لأن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه.
                          ثم إذا أكل هذا ما الذي يترتب عليه؟ جاء في الحديث: (كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به) هذه واحدة.
                          أيضاً الذي يأكل الحرام يبعد أن تجاب دعوته -والعياذ بالله- حتى لو دعا في أكبر الأسباب التي تستجاب بها الدعوة فإن إجابته بعيدة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة:172] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51] ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا ربِ! يا ربِ! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!) بعيد أن يستجاب له، مع أن الرجل فعل من أسباب إجابة الدعاء ما فعل، ما الذي فعل من أسباب إجابة الدعاء؟ أولاً: السفر.
                          ثانياً: أنه أشعث أغبر.
                          ثالثاً: أنه يمد يديه.
                          رابعاً: أنه يستنجد بالله ويتوسل بربوبيته: يا رب! يا رب! ولكن مطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فلا يستجاب له.
                          أتريد أيها المؤمن أن تدعو الله ولا يستجيب لك؟ لا أحد يريد هذا، لكن إذا كان مأكلك حراماً، ومشربك حراماً، وغذيت بالحرام فالإجابة -أعني: إجابة الدعاء- بعيدة منك نسأل الله العافية.

                          (39/7)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          حمل المسئولية على عموم الناس
                          رابعاً: أحمل بقية الناس الذين يعلمون ما يحصل في هذه الأحواش أو في هذه الاستراحات أحملهم أن يقوموا بما أوجب الله عليهم من النصيحة، ينصحون إخوانهم، أرأيت لو أن ناراً استعرت وأقبل الناس إليها، أليس من النصيحة أن تحذرهم منها؟ بلى، من حق إخوانك عليك أن تنصحهم وتحذرهم، تكف النار عنهم أو تكفهم عن النار، فالواجب على من علم عن أخيه أن له استراحةً أو أن له حوشاً يجتمع فيه الناس على معصية الله أن ينصحه ويحذره من عذاب الله.
                          يقول: يا أخي الدنيا ليست باقية، لا تدري متى تلاقي ربك، قد تصبح ولا تدرك المساء، وقد تمسي ولا تدرك الصباح، اتق الله.
                          ثم اذكر أنك متى اتقيت الله جعل لك من أمرك يسراً متى اتقيت الله رزقك من حيث لا تحتسب متى اتقيت الله جعل لك مخرجاً من كل ضيق وانصحه فلعل الله أن يهديه، وإذا هداه الله على يديك اكتسبت خيراً كثيراً.
                          ثم إذا قُدِّر أنه ليس في الإنسان إقدام على النصيحة إما لعجزه أو خجله أو خوفه ممن يوجه النصيحة إليه فعليه أن يبلغ من يستطيع نصحه ومنعه؛ لأن سكوتنا عن شيء نشاهده بأعيننا أو نسمعه بآذاننا وهو محرم دون نصح أو محاولة للإصلاح خطأ عظيم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه) وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) أنت وأخوك شيء واحد، إذا انحرف واحد من الشباب فيعني ذلك أنه نقص نقص هذا الواحد، أو نقص قوة تماسكه وسلامته؟ الأمرين، نقص هذا المنحرف خسارة، أيضاً يعتبر هذا النقص الذي حصل للمجتمع خللاً في الجميع، ومن الأمثلة العامة يقولون: إن البئر إذا سقط منه حصاة فالبئر كله خراب؛ لأنه يختل كل البناء، والرسول عليه الصلاة والسلام بين أن المجتمع الإسلامي كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وأما السكوت على الباطل فلا.
                          فإن قال قائل: أرأيت لو أن الإخوة أو الأقارب اجتمعوا في واحد من هذه الأحواش أو في الاستراحة للتآلف والتعارف، وإلقاء أطراف الحديث لتزول الوحشة لكن من غير شيء محرم فهل هذا جائز؟

                          الجواب
                          جائز، لكن ليكن بقدر معلوم، لا يمضوا أكثر الليل في هذا المكان، لأنه مهما كان الأمر إذا أمضوا أكثر الليل في هذا المكان فسوف ينفد ما عندهم من الكلام النافع، ويبقى الكلام اللغو أو المحرم، فليكن هذا بقدر الحاجة بحيث إذا حصلت الفائدة انفضوا، ونحن لا يمكن أن نحجر على عباد الله ونقول: لا تفرحوا، لا تستأنسوا، لا تجتمعوا غير ممكن، الصحابة لما قال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: (إياكم والجلوس على الطرقات! قالوا: يا رسول الله! هذه مجالسنا مالنا منها بد -أقرهم على ذلك- لكنه قال: أعطوا الطريق حقه) .
                          نحن لا نقول: لا تجتمعوا في هذا! ولو قلنا هذا ما أطاعنا الناس، ولا نقوله أيضاً لكن نقول: ليكن جلوسكم على خير، تآلف، تعارف، تجاذب أطراف الحديث النافع هذا طيب.
                          هناك قسم ثالث يجتمعون على كتاب الله، وعلى ذكر الله، وعلى التناقش في مسائل العلم، وهذا لا شك أنه في قمة المجالس؛ لأنه ما اجتمع قوم على ذكرٍ إلا كان ذلك خيراً لهم، وهذا يعتبر في قمة المجالس.
                          فتبين الآن أن الجلوس في هذه الأماكن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: 1- قسم خير محض.
                          2- قسم شر محض.
                          3- قسم لغو لكن قد يكون خيراً وقد يكون شراً حسب ما يؤدي إليه.
                          ولنقتصر على هذا القدر من الكلام، ونسأل الله تعالى أن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يجمع كلمتنا على الحق، وأن يجعلنا من الهداة المهتدين والقادة المصلحين.
                          أما الآن فإلى الأسئلة، وأحثكم على أن تكون أسئلتكم واضحة وصريحة بقدر الإمكان؛ لأن الصراحة في السؤال تدل على صدق السائل، وأنه يريد الوصول إلى الحق، لقد جاءت أم سليم وهي امرأة تقول: (يا رسول الله، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت) صرحت، وطُلِقت امرأة طلقها زوجها ثلاثاً فتزوجها رجل، لكنه لم يجامعها، ولم ترض به، فأرادت الرجوع إلى الزوج الأول، وجاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام تقول له: (إني نكحت فلاناً وليس معه إلا مثل هدبة الثوب.
                          وأمسكت بثوبها ونفضته) تعني بذلك: أنه لم بجامعها، ليس معه شيء، هذا كلام يمكن لا يستطيع الرجل أن يعبر به، لكنها امرأة صارت صريحة، فالصراحة -كما قيل- هي الراحة، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق.

                          (39/8)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          الأسئلة

                          (39/9)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          نصيحة لمن ابتلي بدخول الدش إلى بيته


                          السؤال
                          فضيلة الشيخ: تعرضت -وفقك الله- في الخطبة واللقاء إلى الأحواش والاستراحات، وما تكلمت وفقك الله عن البيوت وغزو الدشوش لها، فهذا والد له أولاد كبار ألزموا والدهم بإحضار الدش، فأحضروه من مالهم، فأقرهم الوالد ومكنهم منه مع أنه ممن يصلي في الروضة ولا يريده، لكنه مكره، فما نصيحتك له ولأولاده والبيت فيه نساء وأطفال؟

                          الجواب
                          حقيقة أني تكلمت على الأحواش والاستراحات؛ لأنه بلغني أنها شاعت شيوعاً عجيباً وبسرعة، حتى بلغت نحو ألفين في مدينة كـ عنيزة، وهذا صعب جداً، أما الذي في البيوت فهو من مدة كثيرة، وأقول: إن هذا الرجل الذي وافق أهله إما أبناءه أو بناته أو زوجاته على أن يحضر هذا الدش، ويستمعون إلى ما شاءوا فيه، وينظرون إلى ما شاءوا، أرى أنه أخطأ وأنه مسئول عن ذلك، وهو صاحب البيت يستطيع أن يمنع، وأنصحه الآن بأحد أمرين: إما أن يكون رقيباً مباشراً على هذا الدش بحيث لا ينظر فيه إلا إلى ما فيه المصلحة، وإما أن يكسره -يجب عليه- سواء رضي الأولاد أم لم يرضوا؛ لأنه مسئول عن ذلك، ولا يمكن أن يبيعه هو، لأنه إذا باعه إنما يبيعه على قوم يستعملونه في المعصية فيكون معيناً على معصية الله، ولا سبيل إلى التوبة منه إلا أن يكسره، فإذا قال: خسر عليه مثلاً ألف ريال أو ألفي ريال نقول: الحمد لله، الخسارة فيما يقرب إلى الله ربح، وسوف يخلف الله عليك خيراً منه.
                          وإتلاف الأموال لرضا الله عز وجل غضباً على النفس وانتقاماً منها من سنن المرسلين، قال سليمان عليه الصلاة والسلام: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص:32] أي: ألهاني حب المال عن ذكر الله حتى توارت الشمس بالحجاب -أي: حتى غابت- {رُدُّوهَا عَلَيَّ} [ص:33] وكان ذلك الخير الذي شغله عن الله كانت خيولاً وفرساناً يجاهد عليها: {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [ص:33] أكثر المفسرين على أن المعنى: جعل يقص أعناقها ويقص أرجلها غضباً على نفسه وإرضاءً لربه حتى لا يعود مرةً ثانية.
                          وها هو النبي عليه الصلاة والسلام صلى يوماً في خميصة أهداها له أحد أصحابه وهو أبو جهم، فنظر إلى أعلامها -خطوطها- وهو يصلي نظر إليها نظرةً واحدة، فلما انصرف من صلاته قال: (اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم لأنها ألهتني آنفاً عن صلاتي) وهو لم ينظر إليها إلا نظرةً واحدة، لكنها ألهته، ولكنه من أجل ألا ينكسر قلب صاحبها قال: (ائتوني بأنبجانية أبي جهم) من أجل ألا يقول: إنه ردها علي، فأتوه بها.
                          المهم أني أقول لصاحب هذه العائلة: عليك بتقوى الله، فإما أن تبقى عند هذا الدش ليلاً ونهاراً حتى لا تنظر العائلة إلى ما لا يجوز، وإما أن تكسره ويخلف الله عليك.
                          وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                          وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                          حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                          https://www.musacentral.com/

                          تعليق


                          • #73
                            حكم من أجّر أو سعى في تأجير استراحة لأناس يرتكبون فيها المعاصي


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ: رجل عنده استراحة وقد أجرها على أناس يستعملونها فيما حرم الله تعالى، ولم يشترط عليهم في العقد عدم استعمال ذلك، فما الحل؟ وإذا كان قد اشترط عليهم فهل ينفسخ العقد ويحق له إخراجهم؟ وماذا عن قيمة الإيجار؟

                            الجواب
                            نحن تكلمنا عن شيء من ذلك، وقلنا: أولاً: إذا كان يغلب على ظنه أو يعلم علم اليقين أن هؤلاء استأجروها ليعصوا الله فيها فهذا لا يجوز تأجيرهم أصلاً، والإجارة باطلة ولم تنعقد، ولا يملك الأجرة وهم لا يملكون الانتفاع بهذه الاستراحة، عقد باطل، والعقد الباطل عند العلماء هو الذي لا يترتب عليه أثره.
                            أما إذا آجرهم وهو لا يدري ماذا يصنعون ثم حدد لهم مدة معينة وصاروا يفعلون هذا الشيء، أي: يستعملونها في معصية الله، فالأجرة باقية إلى أمدها، لا يملك إخراجهم، لكن عليه أن ينصحهم وينهاهم عن المنكر، والأجرة التي أخذها حلال له، لأنه لم يؤجرهم إياها ليعصوا الله فيها، ولا علم بذلك، ولا غلب على ظنه.
                            فالمسألة إذاً فيها تفصيل: إن كان يعلم أو يغلب على ظنه أنهم سوف يستعملونها في معصية الله فما الجواب؟ العقد باطل، والأجرة ليست ملكاً له، وهم لا حق لهم بالانتفاع، وله أن يخرجهم فوراً.
                            ثانياً: إذا كان لا يغلب على ظنه ذلك جاءه قوم استأجروها ولكن صاروا يعصون الله فيها، فهذا يجب إنظارهم إلى مدتهم؛ لأن عقد الإجارة عقد لازم.
                            لكن إن شرط عليهم ألا يستعملوا ذلك واستعملوه وجب عليه فسخ الإجارة وجوباً، وله ما سبق الفسخ من الأجرة.
                            السؤال: هل يأثم صاحب المكتب العقاري وما ذنبه؟ فإنه مجرد واسطة بين المؤجر والمستأجر، يأتيه أناس فيؤجرهم هذه الاستراحات والأحواش وقد يعلم أنهم يشاهدون فيها الدشوش، ويجتمعون فيها على ما حرم الله، وقد لا يعلم ذلك، فهل يلحقه الإثم؟ الجواب: نعم، الدلال كصاحب الملك، إذا كان يعلم أن هؤلاء استأجروها للمعصية فهو حرام عليه، وما أخذه من الدلالة حرام عليه، وإذا كان لا يعلم فلا شيء عليه.

                            (39/11)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            نصيحة في ترك الاستدانة لأجل بناء استراحة للتنزه


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ: حول موضوع الاستراحات أنا موظف وراتبي قليل، أريد أن يكون لي استراحة لي ولأولادي أتنزه فيه، وليس عندي مال أعمل به هذه الاستراحة، فهل يجوز أن أستدين أموالاً لأعمل هذه؟

                            الجواب
                            لا أرى أن يستدين ليعمل هذه الاستراحة، ونقول: الاستراحة -الحمد لله- موجودة، نم على الفراش، فراش هادئ وواطئ وهذه استراحة، أما أن تستدين من أجل أن تعمل هذا الحرث أو تبني هذا القصر في هذه الاستراحة ويكون في ذمتك دين لا تدري أتستطيع وفاءه في حياتك أم لا، ولا تدري أيضاً ربما هذه الطفرة في الاستراحات والأحواش ربما تنزل كما نزل غيرها، ربما تنزل ولا تساوي ولا ربع ما أفنيته فيها.

                            (39/12)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            واجبنا نحو أصحاب الاستراحات التي فيها معاصٍ


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ لقد تألم قلبي كثيراً مما سمعت منك عن واقع الناس اليوم، وسمعت الكثير عن ذلك، وسؤالي يا فضيلة الشيخ: كيف نتعامل مع هؤلاء؟ هل يقوم طلاب العلم بالزيارة لهم وتوجيههم وإهداء الأشرطة لهم داخل هذه الأحواش والاستراحات أم ماذا نعمل نحن حتى تبرأ ذممنا ونعذر، ونكون قد أعذرنا إلى الله تعالى أرشدنا أرشدك الله ونفع بك، ورد المسلمين إليه رداً جميلاً؟

                            الجواب
                            الظاهر أن كاتب السؤال كتبه ونحن نتكلم عما يجب علينا نحو هؤلاء الإخوة، فقد بينا أن الواجب نصيحتهم، وإذا لم نستطع لخجل أو عجز أو خوف بلغنا من يستطيع أن ينصحهم أو يمنعهم.

                            (39/13)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            الهجر مصالحه ومفاسده


                            السؤال
                            من كان له قريب قد وضع دشاً على ظهر بيته، فهل يزوره في بيته أم يهجره؟ ومتى يكون الهجر، لأني أخشى أن تكون زيارتي له إضراراً وأنا أعلم أنه لن يستجيب للنصيحة؟

                            الجواب
                            أيها الإخوة! الهجر لا يجوز، لا يجوز هجر العاصي مهما بلغت معصيته، إلا إذا كان في الهجر مصلحة، ودليل ذلك: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) هل العاصي مؤمن أو غير مؤمن؟ مؤمن، لو كانت معصيته أعظم المعاصي بعد الشرك فهو مؤمن، ليس هناك ذنب فيما يتعلق بمعاملة المخلوقين أشد من القتل، قتل المؤمن عمداً من أعظم الذنوب، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) ومع ذلك قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة:178] أخيه من هو؟: المقتول، مع أن القتل عمد؛ لأنه لا قصاص إلا بعمد: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة:178] فجعل الله تعالى المقتول أخاً للقاتل، مع أنه قاتل من أعظم الذنوب، وإذا كان مؤمناً فإنه لا يجوز هجره إلا ثلاثة أيام فقط.
                            نعم لو كان في الهجر مصلحة وفائدة هجرناه، كيف المصلحة؟ أن يخجل، ويشعر بذنوبه، ويقول: إنه لم يهجرني قريبي أو أخي إلا لهذا السبب إذاً نترك هذا السبب، فهنا يحسن الهجر أو يجب الهجر، اذكروا لي هجراً صار مفيداً؟ الثلاثة الذين خلفوا، صار هجرهم مفيداً، هجرهم النبي عليه الصلاة والسلام، وهجرهم الصحابة، لكن يا له من هجر! أثمر ثمرات يانعة لا نظير لها في مثل قصتهم، أنزل الله فيهم قصةً تتلى في المساجد في الصلوات يتقرب إلى الله تعالى بها، في كل حرف منها عشر حسنات، ثم في النهاية قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119] لكن أي هجر يورث هذا؟! بعض الناس يقول: أنا والله ما عندي نفس أتحمل أن أُسلِّم على الإنسان العاصي! يا أخي العاصي هذا عنده مرض، هل نترك المرضى ونقول: لا نعالجهم؟ الجواب: لا، نعالجهم لا نغلب العاطفة والغيرة على المصلحة العامة، عالجهم، صحيح أن الإنسان ربما يجد من نفسه ثقلاً عظيماً أن يلقاه إنسان معه سيجارة ويسلم عليه، لكن ما دمت تعلم أنك تريد أن تداوي هذا الرجل من مرضه فاسلك أقرب طريق يكون دواءً له ولا عليك، الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعامل الناس باللطف واللين والرفق، وقال الله له: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران:159] .

                            (39/14)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            الصحف والمجلات وخطرها على العقائد والأخلاق


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ: تطرقت للحديث عن الغزو الفكري وأثره عبر هذه القنوات، وإن هناك خطراً لم تتحدث عنه وهو هذه الصحف التي أصبحت تنشر صور النساء العاريات، بل أساءت إلى القلوب والأفكار، خصوصاً وأن الرجل أو الأب يأتي بها إلى بيته، وتكون بين يدي نسائه دون رقيب ودون رعاية، فما نصيحتك له ولإخواننا المسلمين؟

                            الجواب
                            هذه المشكلة صحيحة وحقيقةً، لكنها مشكلة قديمة تكلمت عنها عدة مرات على المنبر، وتكلم عليها غيري في مقالات وخطب، لكن بعض الناس قلوبهم ميتة -والعياذ بالله- لا تحس بشيء، والله عز وجل يقول: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق:37] عجزنا وعجز غيرنا، وإلا فلا شك أنه يوجد في المجلات -ولا سيما المجلات التي ترد إلينا من الخارج- يوجد مجلات نسأل الله العافية تنشر العهر والفساد، إما بكلماتها النابية، وإما بصورها الخليعة، ولا يحل لإنسان استرعاه الله تعالى على أهله -والموكل له رسول الله- أن يبقي هذه الصحف في بيته أبداً، يجب عليه أن يحاربها محاربة الأسد للشاة، بل يجب أن يحاربها محاربة الماء للنار، وأن يمزقها وأولاده يشاهدون؛ حتى يعلموا أنها حرام وباطلة، أما أن يأتي بها إليهم أو يراهم يشترونها ويقرهم فهذا والله ما رعاهم حق رعايتهم، ولا أحسن الرعاية لهم.
                            ثم إن من العجب أن هذه المجلات التي ترد أو الصحف وفيها ما يدمر الأخلاق والعقائد يشتريها الناس بأموالهم، وهل هناك ضياع للمال أكثر من هذا؟!! لو أن الإنسان مشى في السوق وجعل ينثر الدراهم لكان ذلك خيراً من أن يشتري هذه المجلات ويعطيها أولاده؛ لأنه بهذه المجلات فعل محرماً، وأعان على باطل، وأفسد أخلاق أهله، لكن لو كان ينثر الدراهم في السوق ربما يأخذها مسكيناً وينتفع بها.
                            فعلينا -أيها الإخوة- أن ينصح بعضنا بعضاً عن هذه المجلات الخليعة، إما في مقارها وإما في غيره، حتى إننا رأينا كتابة في صحفنا لامرأة، والمرأة دائماً كما قال الرسول ناقصة في عقلها ودينها تقول: يجب ألا نكفر اليهود والنصارى، كلها أديان سماوية سبحان الله! نحن وإن قلنا: هذه امرأة جاهلة، أدنى ما نقول فيها: أنها جاهلة، فكيف تنشر الصحيفة مثل هذا الكلام في بلد مسلم يقرءون القرآن صباحاً ومساءً، والله تعالى يكفر النصارى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة:72] {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة:73] {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [البينة:6] كيف نقول: لا يجوز أن نطلق عليهم الكفر؟!! هؤلاء نطلق عليهم الكفر وزيادة أيضاً؛ لأنهم حرفوا نصوص التوراة والإنجيل وأفسدوها، يبدون كثيراً ويخفون كثيراً: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء:46] نعم نقول: إن أصحاب موسى في عهد موسى الذين اتبعوه كانوا مسلمين وإخوتنا، ونسأل الله لهم المغفرة والرحمة، وكذلك أيضاً أتباع عيسى في زمن عيسى الذين اتبعوه هم مؤمنون وندعو لهم بالمغفرة والرحمة، لكن بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام الذي قال الله عز وجل له: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158] بعد هذا صار من لم يتبعه من اليهود والنصارى فهو كافر، من أصحاب النار هذه عقيدتنا، وهذا ما نشهد به أمام الملأ وأمام كل إنسان أن كل من لم يتبع رسول الله محمد بن عبد الله فإنه كافر، مهما تسمى بأي اسم، فتأتي امرأة تقول: إن هؤلاء ليسوا كفاراً، ولا يجوز أن نطلق عليهم كفاراً سبحان الله! {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم:9] .

                            (39/15)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            نصيحة لامرأة تعمل في المستشفى


                            السؤال
                            سائلة تقول: فضيلة الشيخ: أنا عاملة في المستشفى فكيف أحافظ على التزامي وأنا أخصائية في قسم النساء؟

                            الجواب
                            على كل حال هي تستطيع أن تلتزم بقدر ما تستطيع، قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] فلا تخضع بالقول للرجال، ولا تخلو بأحد من الرجال، ولا تكشف من وجهها إلا ما دعت إليه الحاجة عيناً واحدة تنظر بها، وتلتزم ما أمر الله به ورسوله نساء المؤمنين، وبإمكانها بقدر المستطاع، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يأتي اليوم الذي يخصص فيه مستوصفات أو مستشفيات للنساء خاصة وللرجال خاصة، وما ذلك على الله بعزيز.
                            نسأل الله أن يوفق حكومتنا أن تتخذ هذا حتى تسلم من القيل والقال، وحتى يسلم أيضاً الملتزمون في هذه المستشفيات من الإثم الذي قد يحيط بهم.

                            (39/16)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            حكم امرأة كانت تؤدي زكاة حليها ثم تركته


                            السؤال
                            زكيت على ذهبي الملبوس في العام الأول والثاني والثالث، ثم تكاسلت عن أداء زكاته في العام الرابع وما بعده، وقلت: إن فيه خلافاً فلا يلزمني، فهل يلزمني الآن دفع زكاة الذهب الملبوس عن السنوات التي لم أزكِ فيها؟

                            الجواب
                            يجب عليك أن تؤدي الزكاة لكل ما مضى؛ لأنك أديتيها في الأول على أنها واجبة وأنها فريضة فما الذي ثناك في المرة الثانية؟!! أطالعت في الأدلة ثم اشتبه عليك الأمر فأنت معذورة، أم مجرد أنك سمعت أن في ذلك خلافاً فلا يجوز، بمجرد أن فيه خلافاً لا يجوز للإنسان أن يعدل عن رأيه الأول، هي في الأول التزمت بأنها تؤدي الزكاة فما الذي حولها؟ أراجعت أدلة الذين قالوا: بأن الزكاة واجبة وأدلة القائلين بأنها غير واجبة، أم مجرد أنها سمعت أن فيه خلافاً وقالت: خلاص، اختلاف الأمة رحمة؟ هذا غلط.
                            أقول لأختنا: بارك الله فيها، عليها أن تؤدي زكاة ما مضى، وأن تعلم هي وغيرها أن الزكاة غنيمة وليست غرامة، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة، هل أحد منا يخلد للمال؟ وهل المال مخلد لنا؟ ما أكثر القوم الأغنياء الذين افتقروا! وما أكثر الأغنياء الذين ماتوا في شبابهم! فنقول للأخت: استعيني بالله ودعي البخل: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [البقرة:268] قال العلماء: أي: بالبخل: {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً} [البقرة:268] فأبشري بالمغفرة والفضل والخلف العاجل، وأدي زكاة حليك فإن النصوص العامة في القرآن والسنة بل والنصوص الخاصة في نفس الحلي تدل على وجوب الزكاة في الحلي.

                            (39/17)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خدمة أهله


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ: هل يوجد ضابط لخدمة الرجل زوجته في البيت؟ وما معنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في خدمة أهله وأنه قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) فبعض الرجال قد يكنس، وبعضهم يطبخ، وبعضهم يرتب الأثاث ويقول: نحن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم في خدمة أهله، ويغسل لهم الأواني، ويكنس لهم البيت، وبعض الرجال يقول: أنا لا آكل مع زوجتي، وبعضهم يقول: أنا لا أنام معها إلا في فترة الجماع فقط، فأرجو من فضيلتكم بيان هذه المسألة لكثرة الرجال الذين يقعون في إفراط أو تفريط فيها، وما هو الهدي الذي ترونه؟

                            الجواب
                            أقول: إن الله تعالى ذكر ميزاناً عادلاً، فقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] وقال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ} [البقرة:228] لكن الله تعالى قطع أطماعهن أن يساوين الرجال، لما قال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ} [البقرة:228] ربما تشمخ المرأة تقول: أنا والرجل واحد: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ} [البقرة:228] فقطع الله ذلك وقال: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة} [البقرة:228] لا يوجد مساواة بين الرجل والمرأة إلا فيما تقتضي الحكمة تساويهما فيه.
                            فأقول: هذا راجع للعرف، إذا جرى العرف بأن الزوجة هي التي تخدم زوجها في الكنس والطبخ والغسيل وإصلاح الحرث فلا بأس، كانت زوجة الزبير بن العوام تنقل النوى من المدينة إلى حائطه خارج المدينة، وهي زوجته، وكان الناس في زماننا الذي أدركناه كانت المرأة هي التي تفرش البيت وتكنسه وتغسل الأواني وتحلب البقرة، وتطبخ وتعمل كل شيء، والرجل عليه أن يأتي بالنفقة، وهذا هو الأصل، لكن لا بأس أن يعين الرجل امرأته تأليفاً لها وقرباً منها، وهذا فيه مصلحة عظيمة.
                            أما ما صوره صاحب السؤال من أن عائشة أم المؤمنين نائمة والرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي ينفخ ويطبخ فهذا كذب وغير صحيح، يأتي الرسول عليه الصلاة والسلام يجد طعامه مهيأً، ويأتي ويقول: هل عندكم من طعام؟ وأتى مرةً والبرمة على النار تغلي باللحم وسأل عنها، لكنه لا شك أنه يعين أهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه عليه الصلاة والسلام، لكن أما أن تصور المسألة كما صورها هذا السائل فهذا إما أنه جاهل، وإما أنه خفي عليه الأمر.
                            على كل حال: الدين الإسلامي قال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] وقال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة:228] فالإنسان يتبع العرف، ربما يختلف العرف في الوقت الحاضر القريب عما كان سابقاً، أي: المرأة عليها من كلفة البيت فيما سبق وأدركناه نحن أكثر بكثير مما هو اليوم، اليوم المرأة بدأت تطلب الخادم، وبدأت تقول للزوج إذا خرجت هي وإياه إلى السوق تقول: احمل الصبي وأنا أتبعك! أحياناً تقول: احمل الصبي وأنت ورائي!! هذا موجود، لكن هل هذا اقتداء بالرسول وأصحابه؟ لا.
                            لكن بالأمم الغربية، لذلك يجب علينا أن نتمسك بعاداتنا ما لم تأتنا عادة أفضل منها من الناحية الشرعية، أنا لست أقول: نتمسك بالعادة حسنة أو سيئة وإنما: أمسك بالعادة ما لم تر شيئاً خيراً منها إما في دينك أو دنياك فلا بأس.

                            (39/18)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            السفر الذي يصح فيه قصر الصلاة وجمعها


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ: أخبرني عن أمرٍ أجهله وتعلمه أنت: رجل خرج من بيته طالباً للعلم واستقر في عنيزة واستوطنها، فأتم فيها الصلاة، ثم بدا له أن يرحل منها بعد سنين عدة إلى منطقة أخرى يعلم الناس فيها الخير غير بلدته الأولى -أعني: مسقط رأسه التي خرج منها- ولا ينوي أيضاً أن يستقر في كلا البلدين الأولى والأخرى التي نزل فيها، سؤالي يا فضيلة الشيخ: هل بتغير نيته يقصر الآن في عنيزة؟ وهل إذا وصل إلى بلده أو إلى بلدة أخرى يقصر الصلاة أسبغ الله عليك من فضله، وعاملك بلطفه؟

                            الجواب
                            أليس لي الحق أن أقول: لا أدري.
                            هو يقول: يخفى عليَّ وأنت تعلمه، فما الذي أعلمه أني أعلمه؟! يمكن أن أقول: لا أدري.
                            لكن يظهر لي والله أعلم في هذه المشكلة: أنه مقيم في عنيزة ويجب أن يعتبر نفسه مقيماً فيها حتى يسافر إلى البلد الآخر، فإذا قال لنا: الآن لا أقرر أي بلد وطناً لي.
                            قلنا: إذاً كل البلاد التي أنت فيها وطنك، عليك أن تتم الصلاة، فإذاً ما دام كان قد قرر أن يبقى في عنيزة نقول: أتم الصلاة حتى ترتحل عنها، وإذا ارتحل إلى بلد أخرى قال: حتى البلاد الأخرى الآن لا أنوي الاستيطان فيها ولا الإقامة المطلقة، ولا أريد أن يكون لي بلد معين حتى مسقط رأسي.
                            نقول: إذاً الأرض كلها بلدك، وليس لك الحق أن تترخص برخص السفر إلا فيما بين البلدتين، أما في البلدتين فأنت مقيم عليك أن تتم الصلاة، وعليك ألا تترخص برخص السفر إلا ما بين البلدتين ما دمت مسافراً من هذه إلى هذه فأنت مسافر.

                            (39/19)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            المخرج من وساوس الشيطان ومن الحسد


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ أنا امرأة ملتزمة -ولله الحمد- ولا أزكي نفسي، ولكن مشكلتي التي أعاني منها هي أنني أتعذب مما أشعر به وهو: أولاً: أشعر أن الله لا يقبل عملي.
                            ثانياً: إذا رأيت أحداً عنده نعمة لا توجد عندي أتمنى زوالها، وهذا ليس بيدي، بل دائماً أدعو الله أن يزيل عني هذا الشعور في كل وقت.
                            جزاك الله خيراً؟

                            الجواب
                            الواقع أن هذا من الشيطان، كون الإنسان يعمل العمل على حسب ما جاءت به الشريعة مخلصاً لله، متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يرجو ثواب الله ويخاف عقاب الله، ثم يقول: إن الله لا يقبل مني.
                            ليس هذا إلا من الشيطان: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا} [الحجر:56] إلا من؟ {إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر:56] هذا قنوط من رحمة الله.
                            وأنا أقول لهذه المرأة وللرجل أيضاً: أبشر يا أخي المسلم إذا من الله عليك بالعمل على الوجه الذي شرعه فأبشر بأن الله يقبله؛ لأن فعل المرء ما أمر الله به ورسوله من التقوى، وقد قال الله تعالى في كتابه: {إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ} [المائدة:27] ممن؟ {مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27] ولو أننا كلما عملنا خيراً قلنا: ما قبل الله.
                            ما استطعنا أن نمشي، ولاستولى علينا اليأس من روح الله.
                            بل الواجب على المرء إذا أتى بالعبادة على الوجه المشروع إخلاصاً لله ومتابعة لرسول الله أن يستبشر خيراً، وأن يقول: اللهم كما مننت عليَّ بالعمل فامنن عليَّ بالقبول، ولا ييئس، بل يفرح، وقد جاء في الحديث: (من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن) هذه شهادة من الرسول عليه الصلاة والسلام أن الإنسان إذا فعل الحسنة وسر بذلك وفرح وانشرح صدره، وإذا عمل سيئة اغتم لذلك فذلك هو المؤمن بنص الرسول عليه الصلاة والسلام، أبشر يا أخي! لا تقنط من رحمة الله، ولا تيئس من روح الله.
                            وأما الحسد، فيلقيه الشيطان في قلب بني آدم، وهو من أردئ الأخلاق، الحساد أشبه ما لهم اليهود، أترضى أن تكون مشابهاً لليهود؟ لا، يقول الله عز وجل: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة:109] فالحسد لو لم يكن منه إلا أنه خُلُق اليهود لكفى به رادعاً، مع أن الحسد خلق الظالم من ابنيَ آدم، ما هي القصة؟ هابيل وقابيل قربا قرباناً فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فقال الثاني الذي لم يتقبل الله منه: لأقتلنك.
                            لماذا؟ حسداً، لماذا الله يتقبل منك ولا يتقبل مني؟ وحصل ما حصل، قتله، ولكنه عوقب بحمله وعجز عن التصرف فيه، حتى بعث الله غراباً يبحث في الأرض.
                            ما أقل حيلتك يا ابن آدم! من علمك أن تقبر الموتى؟ الغراب، نحن الآن نقبر موتانا نتأسى بالغربان، لكنه بإذن الله {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} [المائدة:31] .
                            فالحسد خلق ذميم، خلق يهودي.
                            ثم إن الحاسد إذا تمنى زوال نعمة الله على أخيه، أو كره أن ينعم الله على غيره هل ذلك يمنع نعمة الله على المحسود؟ لا، هل ذلك يزيد نعمة الله على الحاسد؟ أبداً، الحاسد قلبه حار كأنه على جمر، كلما رأى نعمة اغتم، لا يهدأ له بال، ومع ذلك لن ينال خيراً، قال الله عز وجل: {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:32] إذا رأيت الله أنعم على غيرك بمال أو علم أو صحة أو جاه أو أولاد أو غير ذلك قل: اللهم إني أسألك من فضلك، كما قال عز وجل: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:32] أما أن تبقى مغموماً محزوناً كلما رأيت نعمة من الله على أحد اغتممت فسوف تحرق نفسك.
                            فأقول للأخت السائلة: كلما أحسستِ بشيء من الحسد فقولي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم إني أسألك من فضلك كما أعطيت هؤلاء ألا تحرمني.

                            (39/20)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            حكم الشك في الحدث من الطهارة


                            السؤال
                            شيخي الفاضل: هذه مشكلتي وهي مسألة في الطهارة، وهي أنني كلما قضيت حاجتي ثم توضأت وانتهيت من الوضوء فما إن أتحرك أي حركة كانحناء أو عطسة أو جلوس إلا وأحس بأن شيئاً قد خرج مني، ولا أدري هل هو باقٍ من البول، أو أنه من الماء من أثر الوضوء، والله إنها يا شيخ مشكلة كبيرة لديَّ، وأخشى أن أترك الصلاة من أجلها؛ لأنني أحس أني أصلي بلا طهارة إن كان الخارج بولاً، وإن أعدت الوضوء فإن ذلك تكلفة عليَّ.
                            أرجو الإجابة على مشكلتي حفظك الله؟

                            الجواب
                            الحمد لله رب العالمين، ما من مشكلة إلا وفي كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حلها، أي مشكلة ترد على العالم فحلها في كتاب الله أو سنة رسوله، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، لكن قد يخفى على الإنسان الحكم الشرعي؛ لأنه قاصر العلم أو قاصر الفهم.
                            إن النبي صلى الله عليه وسلم شكي إليه: الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، أي: يخيل إليه أنه أحدث، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) أي: حتى يتيقن يقيناً لا شك فيه، الإنسان إذا سمع صوت الريح خارجةً منه هل يبقى عنده شك أنه خرج؟ لا يبقى، إذا شم ريحاً وليس حوله أحد يمكن أن يكون منه هل يبقى شاكاً أو يتيقن أنه أحدث؟ يتيقن.
                            إذاً ما دمت أيها الأخ لم تتيقن ولكنك تحس ببرودة في طرف الذكر فتقول: لعله بول خرج.
                            لا تجعله بولاً خرج، اجعله من أثر الماء الذي استنجيت به، وهذا يقع كثيراً، لكن بعض الناس يضيق على نفسه، يقول: لا، هذا بول.
                            ثم يذهب ويكشف عن مؤتزره، ويقلب ذكره، وربما يعصره لعله يخرج فيصدق وهمه، وهذا غلط بلا شك.
                            إذا أحسست بهذا الوهم، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تقلب ولا تفكر، ولهذا قال إمام أهل السنة ومن نعلمه من عباد الله المتورعين المتقين أحمد بن حنبل رحمه الله حين سئل عن ذلك قال له: اله عن ذلك.
                            أي: تله عنه فاتركه، لا تلتفت إليه من أجل أن تستريح.
                            وقال بعض أهل العلم: إذا ابتليت بهذه الأوهام فانضح سراويلك.
                            أي: رشها بالماء لأجل إذا جاءك الشيطان يقول لك: خرج منك بول، هذه البرودة بول، هذه الرطوبة بول، تقول له: هذا الماء أنا الذي رشيته.
                            فهذه الأوهام يا أخي إياك إياك أن تعلق بذهنك! الشيطان عدو لك، كما قال ربك عز وجل: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} [فاطر:6] وأنت إذا استرسلت معه في هذا فسوف تتعب، ألم تعلموا أن بعض الناس من هذه الأوهام صار لا يصلي أبداً نسأل الله له العافية ولنا ولكم، عجز، ربما يبكي، ويصيح، ولكن يعجز، الله لا يبتلينا ولا إياكم، ويعافينا، فأنت إن استرسلت تعبت، ألم تعلموا أن بعض الناس استرسل معهم هذا الأمر ودبَّ إلى أهله وزوجته، فصار يخيل إليه أنه طلقها، حتى إن بعضهم يقول لي: إني يخيل أني إذا فتحت القرآن أقرأ أني قلت لزوجتي: أنت طالق إلى هذا الحد! كل هذا من استرسال الإنسان بالهواجيس.
                            لذلك يجب عليك اتخاذ شيئين أرشد إليهما الرسول عليه الصلاة والسلام، هما: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والانتهاء، انته عن هذه الوساوس واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإلا فسيكون الأمر خطيراً.
                            فأقول للأخ: لا عليك، لا تفتش، ولا تفكر، تله عن ذلك، واستمر، وصلِّ، وبإذن الله عز وجل سوف يزول عنك، لأنك امتثلت أمر النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) .

                            (39/21)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            كلمة توجيهية في مد يد العون والمساعدة لإخواننا المضطهدين


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم) وفي هذه الأيام نسي كثير من الناس إخوانهم في بقاع الأرض، نسوا أن يفعلوا لهم أقل ما يفعلون وهو الدعاء أو المساعدة بما زاد من حاجتهم، نرجو يا فضيلة الشيخ توجيه نصيحة أو كلمة تهز بها وجدان الحاضرين وتحرك مشاعرهم، وتذكرهم بكلمة نافعة نفع الله بك الحاضرين ووفقك.


                            الجواب
                            لا شك أن زمننا هذا زمن فتن، وزمن شر إلا من عصم الله، وإذا تأملنا من حولنا وجدنا أشياء كثيرة: من قتل ونهب وخوف، ونسمع أشياء نسأل الله تعالى أن يحمينا منها وأن يرفعها عن إخواننا، والواجب علينا نحو وإخواننا أن نسأل الله لهم الثبات قبل كل شيء، وأن نسأل الله لهم المعونة وأن يعينهم على ما ابتلاهم به، وأن نجود عليهم بشيء مما يسر الله عز وجل كل بحسب حاله.
                            ولكن أيضاً يجب أن نعلم أن هناك ممن حولنا من كانوا في حاجة شديدة وليسوا بعيدين منا، يحتاجون أيضاً إلى مد يد العون والمساعدة: (والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) فلا أقل من أن ندعو الله لهم بالثبات والنصر وأن يدحر أعداءهم الذين هم أعداء الله في الواقع.

                            (39/22)


                            --------------------------------------------------------------------------------
                            وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                            وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                            حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                            https://www.musacentral.com/

                            تعليق


                            • #74
                              اللقاء الشهري

                              اللقاء الشهري [40]
                              شهر رجب من أشهر الله الحرم، وقد بين الشيخ ما ثبت فيه من فضل، وما أحدث الناس فيه من عبادات وطقوس ومناسبات، وما خصصوا به لياليه من صلوات وصيام، وما أقاموا فيه من احتفالات.
                              ثم عرج الحديث عن تفسير آية من سورة الفرقان، وهي قوله تعالى: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) .
                              وفي ختام اللقاء تناول بعض الأسئلة بشيء من البسط والتفصيل.

                              (40/1)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              شهر رجب ما ثبت فيه من الفضل ومالم يثبت
                              إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
                              أما بعد: فهذا هو اللقاء الأربعون من اللقاءات الشهرية التي تتم ليلة الأحد الثالث من كل شهر، وهذه الليلة ليلة الأحد الحادي والعشرين من شهر رجب عام (1417هـ) ، أحمد الله سبحانه وتعالى أن يسر مثل هذه اللقاءات، وأسأله تبارك وتعالى أن يثيبنا جميعاً، وأبشر الإخوة الذين يحضرون إلى هذه اللقاءات أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) وأن مجالس الذكر هي رياض الجنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: حلق الذكر) .
                              إنني أحمد الله سبحانه وتعالى على تيسير مثل هذه اللقاءات، وأسأله تعالى أن يجعلها لقاءات نافعة مباركة.
                              لدينا اليوم موضوع وهو أننا الآن في شهر رجب، وشهر رجب هو أحد الأشهر الأربعة الحرم، والأشهر الأربعة الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.
                              كما قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة:36] وقد ورد في هذا الشهر صلوات وصيام وأذكار لكنها كلها ضعيفة، لا تثبت بها حجة، ولا تُثبت بها سنة، وإذا ثبت ذلك فإنه لا يجوز للإنسان أن يقول: هذا شهر محرم، سأزيد فيه من صلاتي، أو أزيد فيه من ذكري، أو أزيد فيه من صيامي، أو ما أشبه ذلك، لماذا لا يجوز؟ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أدرك هذا الشهر، فهل زاد فيه على غيره؟ لا، إذا لم يزد فيه على غيره فليس من حقنا أن نقول: إنه شهر محرم نزيد فيه على غيره؛ لأننا نحن متبعون ولسنا مبتدعين، ولو أن الإنسان فيما يتقرب به إلى الله اتبع ذوقه أو اتبع رأيه لأصبح بلا دين؛ لأنه إنما يتبع هواه، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص:50] .
                              إذاً علينا ألا نخص شهر رجب إلا بما خصه الله به ورسوله، أنه شهر محرم يتأكد فيه اجتناب المحرمات، وأنه لا يحل فيه القتال مع الكفار فإنه شهر محرم، والأشهر الحرم لا قتال فيها إلا إذا بدءونا بالقتال أو إذا كان ذلك سلسلةً قتالية امتدت إلى الشهر المحرم.
                              كذلك أيضاً نحن الآن في النصف الأخير من شهر رجب، مقبلون على شهر شعبان فهل لشهر شعبان مزية على غيره؟

                              الجواب
                              نعم، له مزية على غيره في الصيام فقط، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يكثر من صيامه حتى كان يصومه كله إلا قليلاً منه، فإكثار الصيام في شعبان من السنة أما في رجب فلا.

                              (40/2)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              بدعية الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج
                              هناك بدعة تحدث على مستوىً عالمي في شهر رجب، ألا وهي بدعة ليلة المعراج، ليلة المعراج: هي الليلة التي عرج فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى، أسري به أولاً من مكة إلى بيت المقدس: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء:1] والتقى بالرسل هناك، وصلى بهم إماماً، ثم عرج به جبريل بصحبته إلى السماوات فاستفتحها سماءً بعد سماء حتى وصل إلى السماء السابعة، بل وصل إلى موضع سمع فيه صريف الأقلام وهي تكتب أقضية الله وأقداره، ووصل إلى سدرة المنتهى، وخاطب الله عز وجل، وفرض الله عليه الصلوات الخمس خمسين صلاةً ثم خففت إلى خمس.
                              هذه الليلة أي ليلة كانت؟ وفي أي شهر؟ لا يستطيع أحد أن يعينها، ولهذا اختلف المؤرخون فيها على أقوال متعددة، لم يتفقوا على شيء لماذا؟ لا لأنه حدث سهل يسير بل هو والله حدث عظيم، لكن تعرفون أن العرب كانوا أميين لا يقرءون ولا يكتبون ولا يؤرخون إلا بسنة الفيل وما أشبه ذلك، فهم لم يحددوا تلك الليلة بليلة معينة، وما اشتهر من أنها ليلة سبع وعشرين من رجب فإنه لا أصل له في التاريخ.
                              ثم على فرض أنه ثبت أنه أسري به في تلك الليلة -أعني: ليلة سبعٍ وعشرين- هل لنا أن نحدث فيها شيئاً من العبادات والرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدث ذلك، ولا الخلفاء الراشدون، ولا الصحابة، ولا الأئمة؟ هل لنا أن نجعلها عيداً؟ ليس لنا أن نجعلها عيداً نعطل فيها المدارس، نعطل فيها الدوائر، نعتبرها عيداً يتكرر، ليس لنا ذلك، لنا سلف في دين الله من هم؟ الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإن فعلوا ذلك فعلى العين والرأس، وإذا لم يفعلوا ذلك فتركه سنة؛ لأنهم تركوه، ولهذا نقول: السنة إما إيجاد وإما ترك، فما وجد سببه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يفعله كان ذلك دليلاً على أن تركه هو السنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقم لهذه الليلة صلوات ولا أدعية ولا جعلها عيداً.
                              وللأسف الشديد أن كثيراً من المسلمين يتمسكون في هذه الأشياء البدعية التي ما أنزل الله بها من سلطان وتجدهم في أمور ثبتت فيها السنة غير نشطاء فيها بل متهاونون بها، بل لو فعلها الإنسان لقالوا: هذا مبتدع، وهذا هو الذي أوجب للمسلمين التأخر والنكوص على الوراء؛ لأنهم ما نظروا إلى أسلافهم نظرةً قاصرة لا تتجاوز القرن الذي هم فيه إلى المدى البعيد إلى زمن السلف الصالح، وهذا والله ضرر عظيم.
                              إذاً: ما موقفنا من ليلة سبع وعشرين من رجب إذا مرت علينا؟

                              الجواب
                              أن تمر كغيرها من الليالي، ويومها كغيره من الأيام، ولا نرفع بها رأسا، ً ولا نرى في عدم إقامة الاحتفالات بها بأساً؛ لأنها ليست بسنة، وخير الهدي هدي محمد صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا يا إخواني كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر في كل خطبة يوم الجمعة يقول: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها) لماذا؟ لأنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) اختلف الناس وابتدعوا في دين الله ما ليس منه حتى حصل هذا التأخر الذي نشاهده اليوم، نسأل الله أن يعيد للأمة الإسلامية مجدها وعزها.

                              (40/3)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              تفسير آيات من سورة الفرقان
                              بعد هذا نريد أن نتكلم على ما قرأناه في هذه الليلة من آخر سورة الفرقان، على آية منها، من صفات عباد الرحمن أنهم يقولون: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان:74] ثلاث دعوات: قرة أعين للأزواج، قرة أعين من الذرية، والجملة الثالثة: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان:74] أي: أسوة حسنة يقتدي بنا المتقون، ويكون لنا مثل أجورهم؛ لأننا أسوتهم: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان:74] يدعون بها عباد الرحمن، لكن هل يقتصرون على الدعاء أم يفعلون الأسباب التي يحصل بها مطلوبهم؟ الثاني.
                              لو أن الإنسان قال: اللهم ارزقني ذريةً صالحة وبقي لم يتزوج.
                              أيكون مصيباً، أم مخطئاً؟ مخطئاً.

                              (40/4)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              تفسير قوله تعالى: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا)
                              قال تعالى: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان:74] أي: ارزقنا أزواجاً يكنَّ لنا قرة أعين، وهذا في غير المتزوجين، أو هب لنا من أزواجنا اللاتي بين أيدينا قرة أعين، يشمل هذا وهذا، لكن لا بد من فعل الأسباب، متى تكون الزوجة قرة عين لزوجها؟ تكون الزوجة قرة عين لزوجها والزوج قرة عين لزوجته إذا قاما بما يجب عليهما في دين الله، قال الله عز وجل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] ، وقال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة:228] لو قام كل زوج بما يجب عليه لزوجته من حقوق، فأنفق الإنفاق الواجب من كسوة وطعام وشراب ومسكن، وقام بما يجب عليه من العشرة بالمعروف من طلاقة الوجه، ومساعدة الزوجة فيما ينبغي مساعدتها فيه، وكذلك هي قامت بما يجب عليها من حقٍ لزوجها لدامت العشرة بينهما، ولسعدا في حياتهما، ولاستقامت الأحوال بينهما، لكن مع الأسف الشديد أن بعض الأزواج -وأعني بهم الرجال- لا يقومون بالواجب عليهم بالنسبة لحق الزوجات، بل كأن الزوجة خادم، ليس له هم إلا أن يقضي وطره منها أو يستخدمها في مصالح البيت، ولا يسفر وجهه أمامها يوماً من الأيام، ولا يتكلم عليها إلا بطرف أنفه، ويحتقرها، ثم مع ذلك يريد أن تقوم بواجب حقه فهذا من الظلم (عاشروهن) معاشرة من الجانبين (بالمعروف) .
                              لكن لو أنه بذل الواجب عليه، وصار كما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله، يحلب الشاة لأهله عليه الصلاة والسلام، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويقول: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) وهي كذلك أيضاً لو أنها صبرت واحتسبت الأجر، وانتظرت الفرج، وقامت بحق زوجها وإن قصر في حقها كانت العاقبة لها، وهذه قاعدة اعتبرها في كل من بينك وبينه حقوق: إذا قمت أنت بالواجب وقصر هو نصرك الله عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي كان يصل رحمه ويحسن إليهم ويحلم عليهم وهم بالعكس، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملَّ، ولا يزال لك من الله ظهير عليهم) (ظهير) أي: معين عليهم، لأن ظهير بمعنى: معين، كما قال تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم:4] .
                              انظر كيف قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يزال لك من الله ظهير عليهم) كذلك الزوجة إذا قامت بحق زوجها وصبرت على تفريطه وعلى عدم قيامه بالواجب ستكون العاقبة لها، والزوج كذلك، أي: أنه يوجد من الأزواج الذكور والإناث من يُخل بالواجب عليه فعلى كُلٌّ منا أن يصبر.
                              ولكن أسألكم أيها الرجال: من الذي يخاطب بالصبر والتحمل الذكر أم الأنثى؟ الذكر، والدليل: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة) قال العلماء: أي: لا يكرهها (إن سخط منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر) فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الرجل يجب أن يكون رجلاً يتحمل أكثر؛ لأنه رجل عاقل يملك نفسه ويعرف المنافع فينظر إلى المستقبل، والمرأة -كما تعلمون- تنظر إلى ما بين قدميها فقط، لا يمتد طرفها إلى بعيد، والنبي صلى الله عليه وسلم قال أيضاً: (إن استمتعت بها استمتعت بها على عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها) وكسرها: طلاقها.
                              لذلك على الأزواج أن يتحملوا ما يجدون من تقصير بالنسبة لزوجاتهم، وأن يلاطفوهن.
                              ثم اعلم أن المرأة قريبة بعيدة، لو سمعت منك كلمة لينة لزال كل ما في قلبها من الغل؛ لأنها قريبة، ولو سمعت منك كلمةً سهلة وتصورتها صعبة انتفخت وغضبت؛ لأنها قريبة، فيجب على الرجال أن يداروا النساء حتى يتحقق دعاؤهم: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان:74] .
                              ومن المهم في هذا الباب: أن يكون الإنسان حريصاً على استقامة أهله، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويتحدث إليهم في الترغيب والترهيب، ولا يقول: أنا لست بشاق عليهم، أخشى أن يملوا مني لا، والله متى فعل الإنسان شيئاً لله أو قال قولاً لله ولو كان يعتقد أن الناس سيستثقلونه فإن العاقبة ستكون له مهما كان.

                              (40/5)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              تفسير قوله تعالى: (وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ.)

                              ثانياً: قال تعالى: (وهب لنا من ذرياتنا قرة أعين) من الذرية؟ الأولاد من بنين وبنات، لكن الأولاد صغار، البنين والبنات يحتاجون إلى تربية وإلى تهذيب أخلاق، وما أحسن أن يلقاك صبي صغير في سن التمييز تقول: أحفظت شيئاً من القرآن؟ يقول: نعم، اقرأ الفاتحة، يقرؤها عليك، الإنسان يمتلئ قلبه سروراً، وهذا والحمد لله يوجد الآن، يوجد أناس إذا جلس مع أولادهم الصغار درسوهم القرآن، وعلموهم شيئاً من أصول الدين ولو كانوا صغاراً، الصغير لا ينسى، لا ينسى ما سمع ولا ما رأى، علِّم ولدك الذكر أو الأنثى، إذا جلست معه على القهوة على الغداء على العشاء على مجلس سهر علمه أدبه، قل له: يا بني كذا، يا بنتي كذا.
                              كذلك أيضاً علمه الصدق، لا تعده موعداً فتخلفه، إذا وعدته موعداً فأخلفته استسهل الكذب، واستسهل إخلاف الوعد، لو قلت: تعال يا ولد، أريد أن أعطيك حلوى، وأدخلت يدك في جيبك على أنك تريد أن تعطيه حلوى، ثم إذا جاء أمسكته إما تريد أن تضربه أو ما تعطيه شيئاً، ماذا يكون رد الفعل في نفسه؟ سيكون شديداً، وسيتعود الكذب، ولذلك يخطئ بعض الناس إذا صاح الصبي قال: اسكت، اسكت، تريد حلوى؟ الصبي يسكت مباشرة؛ لأن الحلوى عنده من أغلى شيء، إذا سكت قال: لا يوجد حلوى وهذه الحلوى عنده هل هذا صواب؟ لا، لكن إذا لم يكن معك حلوى تفي بوعدك تقول: اسكت يا ولد، الصياح ليس طيباً، وقل له كلاماً يكون حقاً.
                              وكذلك أيضاً أمرهم بالصلاة: متى نأمرهم بالصلاة؟ لسبع، قبل السبع لا تأمرهم، إن صلوا فمن أنفسهم فذاك المطلوب، ولا تمنعهم، لكن لا تأمرهم لأنك لست أحكم من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يأمرنا أن نأمرهم إلا لسبع إلى العشر، فإذا أتموا عشراً فحينئذٍ يُضربون لكن ليس ضرباً مبرحاً، وليس كضرب البالغ منهم، بل ضرباً يحسون باهتمامك بالصلاة، ولكل مقام مقال، والصبيان يختلفون، فبعضهم عنده شعور قوي بمجرد ما تنهره أو تأمره يمتثل، وبعضهم عنيد لا يزداد بمثل ذلك إلا نفوراً منك، فلكل مقام مقال.

                              (40/6)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              تفسير قوله تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)
                              أما الجملة الثلاثة وهي: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان:74] هذه تتطلب أشياء: أولاً: العلم، أن الإنسان يسأل الله أن يكون عالماً لماذا؟ يقول: {لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان:74] متى يكون إماماً في التقوى؟ إذا كان عالماً بما يتقي.
                              إذاً هذه الجملة تتضمن أنك تسأل الله أن تكون طالب علم؛ لأن من لازم التقوى أن يكون عالماً بما يتقي.
                              ثانياً: تتضمن أيضاً: أن يكون الإنسان عاملاً بما علم؛ لأن الإنسان لا يكون إماماً إلا إذا كان قدوةً صالحة، ولذلك تجد العلماء يقتدون بأسلافهم يقتدون بأئمة المسلمين كالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وإخوانه من الأئمة؛ لأنهم علموا وعملوا, ولو جاء رجل عالم فصيح بليغ وتكلم ولكن الناس لا يعرفون منه عملاً فإن قبولهم إياه سيكون ضعيفاً إذاً: أنت تسأل الله بقولك: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان:74] أن يرزقك عملاً بما علمت.
                              ثالثاً: مما يدخل في هذه الجملة: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان:74] أن تسأل الله أن تكون لك حجة قوية؛ لأن الإنسان إذا لم يكن عنده حجة قوية يمكن يصلح بنفسه لكن لا يستطيع أن يصلح غيره؛ لأن كل إنسان يناظره يمكن أن يغلبه وينهزم أمامه، وحينئذٍ لا يكون إماماً للمتقين، فأنت بهذا تسأل الله أن يجعل لديك بلاغةً وفصاحةً وإقناعاً، والناس يختلفون، كم من إنسان واسع العلم لكنه لا يستطيع أن يقنع، وكم من إنسان أقلَّ ولكنه يستطيع أن يقنع غيره.
                              رابعاً: ومما تتضمن هذه الجملة: حسن الأخلاق، وما أعظم حسن الأخلاق وما أقله في كثيرٍ من الناس، الإنسان لا يمكن أن يكون محبوباً ولا مقبولاً إلا إذا وفِّق لذلك بكونه محباً لله فيحبه الله عز وجل ويتبع سبيل المؤمنين، ومن أهم شيء في ذلك أن يكون حسن الأخلاق، يتحمل ويصبر على أذى الناس، ويعلم أن الدنيا لم تفرش وروداً له، ويعلم أنه كلما نجح في أمره فإنه سوف يحاول عدوه الذي ليس على منهجه أن يعرقل سعيه، وكلما كثر تأثيره ظهر له أضداد، ولا بد، وإن شئتم فتابعوا سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، هل ظهر له أضداد؟ نعم، ظهر له أضداد وأرادوا أن يقتلوه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال:30] كم هذه؟ ثلاثة: (ليثبتوك) الحبس، (أو يقتلوك) الإعدام، (أو يخرجوك) الطرد، كل هذا أرادوه ولكنهم {َيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30] .
                              إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوذي وقد كان ساجداً لله تحت بيت الله، آمن ما يكون في أرض الله وتوضع سلى الناقة على ظهره وهو ساجد، وهو صابر محتسب، ذهب إلى أهل الطائف وماذا فعلوا به؟ اصطفوا صفين من سفهائهم وخدمهم وعبيدهم، وكل واحد معه حجر، وجعلوا يرمون النبي صلى الله عليه وسلم حتى أدموا عقِبه، ولم يفق، فرَّ على وجهه، ولم يفق إلا في قرن الثعالب عليه الصلاة والسلام، من يتحمل هذا؟ وأعظم من ذلك أنه جاءه ملك الجبال واستأذنه أن يطبق الأخشبين عليهم ولكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أستأني بهم -أؤخر عقوبتهم- لعلَّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله) انظر إلى بعد النظر! قوم حاربوه، أخرجوه من مكة وطردوه من الطائف، ومع ذلك يقول: (أستأني بهم لعلَّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله) كان الأمر متوقعاً، فأخرج الله تعالى من أصلابهم من عبد الله وكان إماماً في دين الله، وكان من الفرسان في دين الله عز وجل، فحسن الخلق يجعل الإنسان إماماً للمتقين.
                              فعليك يا أخي بحسن الخلق، واصبر واحتسب، واجعل هذه الآية الكريمة أمامك إماماً لك، وهي: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199] يا لها من آية، والله لو سرنا عليها لسلمنا من قلق كثير: {خُذِ الْعَفْوَ} [الأعراف:199] ما معنى العفو؟ ما عفا من أخلاق الناس، وما يعاملك به، واترك ما وراء ذلك، لا تريد من الناس أن يعاملوك بما تريد أبداً إلا إن يشاء الله.
                              ثانياً: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف:199] لا تصمت، وإذا أصابك شيء فاصبر واحتسب.
                              ثالثاً: ((وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)) [الأعراف:199] ستجد جاهلاً يشتمك، يغتابك، ربما يضربك، يقول الله عز وجل: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199] وكن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين أدميت أصبعه قال: (هل أنت إلا أصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت) .
                              واعلم يا أخي أن ما أصابك في دين الله فهو رفعة لك وخير وأجر، وتذكر أنه لن ينفعك حينما تكون ممدوداً على نعشك إلا هذا وأمثاله، لن ينفعك حينما تنفرد في قبرك إلا هذا وأمثاله، لن ينفعك حين تقوم لرب العالمين حافياً عارياً أغرل إلا هذا، هذا هو الذي ينفعك حقيقة، وما سوى ذلك من مُتع الدنيا فهو زائل: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات:46] فأنت يا أخي عندما تقوم تصلي تجد عراكاً مع نفسك، مصارعة، نفسك تقول: عجل، عجل، عجل لكن لا تطعها، قل: أنا أعلم أني لا أنتفع من دنياي إلا في هذه اللحظة وبهذا العمل، وإذا شعرت هذا الشعور وأنك لن تنتفع من حياتك إلا بهذا وأمثاله هل تفر منه فرارك من الأسد أم تطمئن؟

                              الجواب
                              تطمئن، يا أخي فكر في هذا، عندما تقول: الله أكبر.
                              تجد شيئاً في نفسك يقول: يا الله (مشي مشي) .
                              قل: يا أخي هوناً هوناً هوناً ما لي من حياتي إلا هذا، ما ينفعني في قبري ولا عند موتي ولا يوم القيامة إلا هذا، اطمئن يا أخي، ثم اذكر وأنت في صلاتك من تناجي يا أخي؟ تناجي أحب شيء إليك وهو الله عز وجل، ألم تعلم أنك إذا قلت: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] قال الله تعالى من فوق سبع سماوات: حمدني عبدي؟ ألم تعلم أنك إذا قلت: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة:3] قال الله: أثنى عليَّ عبدي؟ ألم تعلم أنك إذا قلت: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:4] قال الله: مجدني عبدي كل هذا حق.
                              ألم تعلم أنك إذا قلت: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين؟ ألم تعلم أنك إذا قلت: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6] قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل؟ هل تجد خيراً أكثر من هذا؟!! كيف تفر من أن تقف بين يدي من يناجيك وهو على كل شيء قدير؟!! يا أخي! اعرف نفسك، ولماذا خلقت، والله لو كنا نشعر هذا الشعور لهانت علينا العبادات، ولرخصت علينا الدنيا كلها:
                              لو ساوت الدنيا جناح بعوضة لم يسق منها الرب ذا الكفران
                              لكنها والله أحقر عنده من ذا الجناح القاصر الطيران
                              هكذا يقول ابن القيم رحمه الله وصدق.
                              أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من دعاة الخير، وأنصار الحق، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
                              وإلى ما تيسر من الأسئلة نجيب عليها، ونسأل الله أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا للصواب إنه على كل شيء قدير.

                              (40/7)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              الأسئلة

                              (40/8)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              كيفية إخراج الكفارة لمن لم يستطع صيام رمضان


                              السؤال
                              فضيلة الشيخ: لقد قدر الله علي فتعرضت لحادثٍ في العام الماضي، ولم أستطع صيام شهر رمضان، وقد كنت أتوقع في ذلك الوقت أنه بعد شهرين أو ثلاثة سوف يعافيني الله تعالى وبعدها أصوم، والآن لا أستطيع الصيام حيث ما زلت على الفراش ولا أستطيع الحركة، لذا أرجو الإفادة عن الكفارة من الطعام، وهل تجزئ أن أطعم عائلةً كيساً من الأرز مثلاً الذي يحتوي على خمسة وأربعين كيلاً؛ لأنه يشق علينا أن نعطي كل مسكين على حدة، علماً أنه يوجد في حاراتنا عائلة فقيرة وأبوهم عليه دين، ولديه كثير من الأولاد، فهل تجزئ الكفارة إذا منحناهم إياها دفعةً واحدة؟ وكم تكون الكفارة من أكياس الرز؟

                              الجواب
                              أسأل الله سبحانه وتعالى لأخينا السائل أن يشفيه ويعافيه، وأن يرزقه الصبر والاحتساب، وأن يجعل ما أصابه رفعةً في درجاته وتكفيراً لسيئاته.
                              أما موضوع السؤال فنقول: يطعم عن كل يومٍ مسكيناً، وليس بلازم أن يعطي كل مسكين على حدة، فإذا قدر أن في البيت عشرة مساكين أعطاهم ما يكفي عشرة، لكل واحد كيلو من الرز، ويجعل معه شيئاً من اللحم يكون إداماً له، ثم ينظر إلى بيتٍ آخر فيه عشرة فيعطيهم، ثم إلى بيت ثالث فيه عشرة ويعطيهم، وبذلك تبرأ ذمته، وإذا قدر أنه في قرية صغيرة لا يجد ثلاثين واحداً فلا بأس أن يكررها على الموجودين في أيام متعددة حتى يستكمل ثلاثين.

                              (40/9)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              وجوب التسليم لله في الأخبار الغيبية


                              السؤال
                              فضيلة الشيخ: ذكرت بارك الله فيك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمع صريف الأقلام ليلة المعراج، فكيف نجمع بين هذا وبين ما ثبت (أن الله تعالى أول ما خلق القلم فقال له: اكتب.
                              قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) فالله قد كتب مقادير الخلق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فنرجو إزالة هذا الإشكال أحسن الله لنا ولكم الحياة والمعاد؟

                              الجواب
                              أولاً: أنصح أخي السائل والمستمعين أن مسائل الغيب لا يجوز فيها أن يعارض بعضها ببعض، فيجب أن نقبل أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى يوم القيامة، ويجب أن نؤمن بأن محمداً رسول الله سمع صريف الأقلام ما دام كل منهما صحيحاً، يجب علينا أن نؤمن ولا نقول: لماذا أو كيف؟ لأن هذه أمور غيبية كما أننا نؤمن بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، هل يقول قائل: كيف ينزل وهو فوق كل شيء؟ نقول: لا يجوز هذا، الأمور الغيبية قل: سمعنا وصدقنا ولا تعارضها، أسألكم كلكم الآن: هل يستطيع رجل منكم أن يصف لنا نفسه التي بها حياته؟ الجواب: لا: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:85] كيف تحاولون أن تعرفوا صفة الرحمن عز وجل أو تعرفوا أقداره؟ هذا لا يمكن.
                              نصيحتي لكل شخص أن مثل أمور الغيب يجب أن يؤمن بها ولا يسأل، أشرنا قبل قليل في المعراج أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بالرسل إماماً في بيت المقدس، وحين صعد إلى السماء وجد فيها من المرسلين من وجد، هل نقول: كيف يكون ذلك؟ أبداً، الأمور إذا صحت في القرآن أو في السنة قل: آمنا بالله ورسله، لا تضرب القرآن بعضه ببعض ولا السنة بعضها ببعض، هذه أمور أكبر من عقولنا.
                              على أنه لا يستحيل عقلاً أن تكتب الأشياء مرتين، الإنسان مثلاً عنده دفتر يكتب فيه اليوميات ويعيدها أيضاً مرةً ثانية في أوراق أخرى هذا ممكن عقلاً؟ على أن الأمور الغيبية لا تحاول أن تقيسها بعقلك؛ لأنها أكبر من عقلك.
                              فنقول: إن الله تعالى قال: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:29] كل يوم هو في شأن عز وجل، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهذه الأقلام التي سمعها الرسول عليه الصلاة والسلام من الممكن أن تكون أقلاماً تعيد ما كتب في اللوح المحفوظ، والله أعلم، إن كان هذا هو الحق فالحمد لله الذي وفقنا له، وإن كنا أخطأنا فنستغفر الله ونتوب إليه، لكننا نؤمن بما أخبر الله به ورسوله، وإياك -أيها الأخ- أن تعارض القرآن بعضه ببعض أو السنة بعضها ببعض هذه أمور غيبية، الأمور الحكمية الفقهية لعقل الإنسان فيها مجال ومدخل، أما الأمور الخبرية المحضة فلا تتعب نفسك.

                              (40/10)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              خطأ من يخطب في رجب عن الإسراء والمعراج


                              السؤال
                              فضيلة الشيخ: كثير من خطباء المساجد في هذا الشهر تكون خطبهم عن الإسراء والمعراج، فهل في هذا حرج أم لا؟

                              الجواب
                              أرى أنه ليس بالمناسب؛ لأن الخطبة في الإسراء والمعراج في هذا الشهر يعني توكيد أن المعراج في هذا الشهر، وهذا غلط، أقرب ما يكون من الأقوال في المعراج: أنه كان في ربيع الأول؛ لأن ربيع الأول هو مبتدأ الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أول ما بدئ بالوحي في ربيع الأول، وصار يرى الرؤيا حتى تأتي مثل فلق الصبح، وفي رمضان نزل عليه القرآن، فأقرب ما يقال مع أنه ليس هناك نص صريح صحيح: أنه في ربيع الأول وليس في رجب، ولذلك لا ينبغي للخطباء أن يقرءوا فصة المعراج في الخطب في هذا الشهر؛ لأن ذلك يعني تثبيته، وإذا ثبت في قلوب العوام صار عقيدة.

                              (40/11)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              كيفية الجمع بين الخوف والرجاء


                              السؤال
                              فضيلة الشيخ: يقول الله جل وعلا: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون:60] ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) والعبد مأمور بالخوف من الله تعالى، وكذلك أن الإنسان مأمور بعدم الإعجاب بعمله، ويقول: أنا أصلي وأزكي، كيف الجمع بين هذه الأقوال والآية؟

                              الجواب
                              يقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون:60] أي: يعطون ما أعطوا (وقلوبهم وجلة) أي: خائفة ألا يقبل منهما، لا استبعاداً لكرم الله عز وجل لكن خوفاً من ذنوبهم، يخشى الإنسان أن يكون ما آتاه من المال لا يقبل؛ إما لإعجابه، وإما لمنه بالصدقة، وإما لكون المال حراماً، أو ما أشبه ذلك، هل كل منا يجزم بأن صدقاته مقبولة؟ لا، كل يخاف.
                              وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) فمراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك حث الإنسان على العمل الصالح إلى الموت؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يحسن الظن بربه وهو يبارزه بالعصيان، لو أنه أحسن الظن بالله وهو يبارزه بالعصيان لكان مستهتراً، إحسان الظن بالله أن تعمل ما يكون سبباً لما تظنه بالله عز وجل، ولهذا يخطئ بعض الناس أن يكون مهملاً ثم يقول: أحسن الظن بالله لا، أحسن الظن بالله بمعنى: صل، وقل: إن الله سيقبل عبادتي، هذا إذا نظرت إلى كرم الله، إذا نظرت إلى نفسك أخشى أن أكون مقصراً، فتكون بين الخوف والرجاء.
                              وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                              وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                              حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                              https://www.musacentral.com/

                              تعليق


                              • #75
                                حكم إغماض العينين في الصلاة من أجل الخشوع


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: ما حكم تغميض العينين في الصلاة من أجل الخشوع فقد سمعت أن ابن القيم رحمه الله يرى أنه جائز، وقد يكون مندوباً لأجل الخشوع؟

                                الجواب
                                أما إذا طرأ ما يوجب التغميض فلا بأس، مثل: أن يدخل في الصلاة ثم حصل أمامه صبيان يلعبون، أو لاحظ شيئاً يشغله عن الصلاة، فهنا لا بأس أن يغمض، وإذا أغمض عينيه بدون سبب ورأى من نفسه أنه يخشع فهذا من وحي الشيطان؛ لأن تغميض العين في الصلاة مكروه، فإنه قيل: إنه فعل المجوس عند عبادتهم النيران.
                                فتغميض العين فيه تفصيل: إذا كان لأمرٍ حدث فتخشى أن تتبعه بصرك فتنشغل عن صلاتك فهنا غمض العينين، وأما أن تغمض عينيك من أجل الخشوع فهذا خطأ.

                                (40/13)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                نصيحة لامرأة أرادت أن توصي ولها مال كثير


                                السؤال
                                امرأة كبيرة تريد أن توصي فما نصيحتك لها؟ كيف يكون نص وصيتها فإنها سوف تسمع هذا الشريط ثم توصي، علماً أنه لا يوجد لها أبناء، ولكن لها بنات متزوجات، ولهن أولاد ولله الحمد، وعندها أكثر من عقار ومنه عمارة ذات شقق سوف تجعل الوصية فيها جزاك الله عنها وعن المسلمين خير الجزاء؟

                                الجواب
                                أقول لهذا السائلة ولمن يستمع: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (خير الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر) أنت صحيح شحيح -تريد المال- (تأمل الغنى) (وتخشى الفقر) هذا أفضل الصدقة، سواء كانت صدقةً جارية تبقى لك بعد موتك، أو كانت صدقةً عارضة لفقير اضطر إليها أو ما أشبه ذلك، هذه خير الصدقة.
                                فنقول لهذه الأخت السائلة: فيما رأينا من الناس الآن وأحوالهم ومحبتهم للدنيا، وشحهم، وقطيعة الرحم، نرى أن الإنسان يجعل من ماله شيئاً للمساجد للجمعيات الخيرية كجمعيات تحفيظ القرآن مثلاً وجمعيات البر وما أشبهها.
                                ثم إذا أراد أن يوصي يوصي لأقاربه الذين لا يرثونه، مثلاً: إنسان له عم وله أبناء عم، له أخ وله أبناء أخ، أخوه يرث وأبناء أخيه لا يرثونه، عمه يرث وأبناء عمه لا يرثونه، يوصي للذين لا يرثونه؛ لأن صلة الرحم أفضل من إعتاق الرقاب، ولهذا لما قالت إحدى أمهات المؤمنين للنبي عليه الصلاة والسلام: إنها أعتقت جارية لها قال: (إنها لو جعلتها في أقاربها كان خيراً لها) أوصي الأقارب الذين لا يرثون، إن شئت قل: الأقرب فالأقرب، وإن شئت فقل: الأحوج فالأحوج، وأما الذين يرثون فلهم ميراثهم.
                                وأيضاً أقول: أوصي لهم بشيء يكون مقطوعاً، كل يأخذ نصيبه ويذهب، لكن الشيء الثابت وجدنا أن أبناء العم يتحاكمون ويتخاصمون من أجل بيت مشترك بينهم أو أرض مشتركة، ويتقاطعون الأرحام، وحدثني بعض الناس: أن قوماً تنازعوا في بيت وقَّفه جدهم، وهم بنو عم عند القاضي، قبل أن تحدث هذه المحاكم والأمور الرسمية، فجعلوا يختصمون ويتكلمون، حتى إن بعضهم قال: لعن الله جداً جمع بيننا! -أعوذ بالله- وهو جدهم الذي أوقف لهم البيت، لكن النزاع والخصومة -والعياذ بالله- (الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم) .
                                إذاً: لا حاجة لهذا، أتصدق أو أوصي بشيء ينقطع وينتهي، أو بشيء دائم بعيد عن الأقارب كالمساجد والجمعيات وما أشبهها.
                                الخلاصة: أقول لهذه المرأة: تختار إحدى العمارات وتجعلها وقفاً على المساجد، أو تباع ويعمر بها مسجد هذا أحسن شيء.
                                أما نص الوصية فلا يحتاج إلى تعب، يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، ويحضر رجلان كاتب وشاهد: حضرت عندنا المرأة الفلانية وأوصت بعمارتها المعروفة في مكان كذا وكذا أن يجعل ريعها للمساجد، أو أن تباع ويعمر بها مسجد، أو ريعها يكون في الجمعيات الخيرية أو في مسابقة تحفيظ القرآن، وما أشبه ذلك.
                                وتكون الوصية من الثلث فأقل لغير وارث.

                                (40/14)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حكم رجل صلى خلف إمام فرأى في رجله قدر الدرهم لم يصبه الماء


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: مأموم صلى خلف إمام فرأى على قدم الإمام مقدار الدرهم لم يصله الماء، فماذا يفعل المأموم وهو يصلي خلف ذلك الإمام ويرى ذلك البياض؟

                                الجواب
                                ينوي الانفراد عنه، وإذا سلم يخبره، أما المأمومون الذين لم يعلموا بذلك فصلاتهم صحيحة، لكن هذا المأموم ينصرف ويتم الصلاة وحده؛ لأنه الآن يصلي خلف إمام في اعتقاده أن صلاته باطلة، لأنه ما توضأ، فينصرف ويسلم وإذا سلم الإمام نبهه، ووجب على الإمام أن يعيد الوضوء والصلاة، وأما المأمومون فلا شيء عليهم.
                                وهذه قاعدة مفيدة أفيدها الآن، والحمد لله أن السؤال جاء بها: إذا صلى الإمام محدثاً ولم يعلم إلا بعد الصلاة وجب عليه الوضوء وإعادة الصلاة، والمأمومون لا شيء عليهم، علم بذلك في أثناء الصلاة ينصرف ويقول للمأمومين: يا فلان! أتم بهم الصلاة، إذا تبقى ركعة كم يصلون؟ ركعة، أتم بهم الصلاة، فإن لم يقل: أتم بهم الصلاة فليقدموا واحداً منهم، فإن لم يفعلوا فليكمل كل واحد لنفسه.

                                (40/15)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                تحريم شرب الدخان وبيعه


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ! أشهد الله بأني أحبك في الله وسؤالي: لدي دكان مؤجر من قبل إخواني لبيع (السندويتشات) وبعد ذلك علمت أنه يبيع الدخان، مع العلم بأننا نأكل ونشرب من مصروف هذا الدكان، وقد نصحت إخواني بأن يمنعوه من بيع هذا الدخان ولكن بلا فائدة، فإنهم منعوني من الكلام وذلك لأن ثلاثةً منهم يدخنون وأنا أصغرهم، ما حكم الأكل من هذا الدكان؟ وبماذا تنصحني أن أفعل معهم جزاك الله خيراً؟

                                الجواب
                                إذا كان هذا الدكان استؤجر لعمل الطعام (السندويتش) أو غيره فالإجارة صحيحة، وإن استؤجر لبيع الدخان فالإجارة باطلة، ولا حق للمستأجر في هذا الدكان؛ لكن الغالب أن المؤجر لا يدري ماذا يفعله المستأجر في دكانه فالإجارة إذاً صحيحة، لكن إذا تمت المدة -أعني: مدة الإجارة- وجب على المؤجر أن يقول للمستأجر: إما أن تمتنع عن بيع الدخان وإلا فاخرج، ولا يجوز أن يعقد له الإجارة بعد ذلك وهو يعلم أنه سيبيع الدخان في هذا الدكان لماذا؟ لأن شرب الدخان محرم، والمعين على المحرم آثم مشارك له في الإثم، ودليل ذلك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله) من آكل الربا؟ المرابي آخذ الربا سواء أكله أو لبسه، وموكله الذي أخذ منه الربا، انظر الذي أخذ منه الربا ملعون مع أنه مظلوم، شاهديه: ما عملهم؟ تثبيت العقد، لأنه بالشهادة يثبت، الخامس: كاتبه، أيضاً يثبت الربا، كلهم ملعونون على لسان النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم متعاونون.
                                فلما كان الدخان حراماً كان بيعه حراماً، وكان تأجير المحلات لبيعه حراماً، والأجرة محرمة، وأقول: إن الدخان حرام بأدلة القرآن والسنة والعقل: أدلة القرآن: الدليل الأول: قال الله تبارك وتعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} [النساء:5] ما الفائدة من الأموال التي أعطانا الله إياها؟ أن تكون لنا قياماً تقوم بها مصالح ديننا ودنيانا، أي مصلحة في إنفاقها في شرب الدخان؟! لا مصلحة.
                                الدليل الثاني: قال الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء:29] وشرب الدخان من أسباب قتل النفس، وانظر إلى الإحصائيات في البلاد التي تعتني بهذه الأمور كم تجد من الذين ماتوا بسبب الدخان.
                                الدليل الثالث: قال الله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] ولا شك أن الذي يشرب الدخان ملقٍ بنفسه إلى التهلكة، وانظر إلى جسمه! انظر إلى نفسه! انظر إلى حاله! ولو أنه سلم من ذلك لوجد نشاطاً وقوة كما علم بذلك من عصمهم الله منه بعد أن كانوا يشربونه.
                                أما السنة: فاستمع إلى ما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه نهى عن إضاعة المال، واسأل المدخن: هل هو يضيع المال، أم يحفظ المال؟ أقول: إنه يضيعه، حتى إن بعضهم -والعياذ بالله- يشتري الدخان ويدع أهله يتضاغون من الجوع! يقدم شراء الدخان على شراء الضروريات والحاجيات -نسأل الله السلامة- وهذا من إضاعة المال.
                                أيضاً شارب الدخان إذا لم يتيسر له شربه ماذا تكون نفسه؟ يضيق صدره، وتضيق عليه الدنيا، حتى الصلاة يؤديها وهو ضيق النفس غير مطمئن إليها، وفي الصيام حدِّث ولا حرج: سوف تضيق عليه الدنيا، ويثقل عليه الصيام، وشيء يثقل العبادات على الإنسان لا خير فيه.
                                أما العقل: فإن كل إنسان عاقل لا يرضى أبداً أن يبذل ماله فيما ليس بفائدة بل فيما فيه مضرة، كل إنسان عاقل لا يرضى أن يكون متلبساً بهذا الدخان ذي الرائحة الكريهة التي يفر منها كل إنسان، حتى إن بعض الناس إذا صف إلى جانبه في الصلاة أحد من شاربي الدخان ربما لا يستطيع أن يصلي، ينصرف إلى جهة أخرى، كل إنسان عاقل لا يمكن أن يفعل شيئاً فيه عليه الضرر.
                                ولهذا نحن في هذا المكان نوجه نصيحةً إلى الشباب أن يبتعدوا كل البعد عن الذين ابتلوا بشربه، فإنهم إذا شربوه ربما يوسوس لهم الشيطان فيشرب جليسهم، وإذا شرب الشاب وليس عنده فلوس، وسوف يضطر إلى تناوله بأي وسيلة، ألا يمكن أن يكون ذلك سبباً لبيع عرضه؟ بلى يمكن، شاب ليس عنده فلوس وقد اضطر إلى شربه سوف يصل إلى مراده بأي وسيلة، أو ربما يوجب له أن يسرق من مال أبيه أو من مال أمه أو من مال صديقه أو من مال من لا يعرف كل هذه آفات لشرب الدخان.
                                والقضايا والقصص فيما يترتب على شرب الدخان كثيرة جداً لا يليق بنا في هذا المجلس ونحن في بيتٍ من بيوت الله أن نذكرها؛ لأنها وخيمة جداً.

                                (40/16)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                جواز نقل السائق بعض المدرسات مع عدم الخلوة


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: أحد الإخوة محتاج للمال فبدأ ينقل بعض المدرسات من مدينة إلى قرية تبعد قريباً من مائة وخمسين كيلاً، ولم يجد معه محرماً إلا زوجته، فهل هذا جائز أم يحرم علماً بأنه يجهل الحكم؟

                                الجواب
                                أما قوله: لم يجد محرماً إلا زوجته فهذه عبارة غير صحيحة، لماذا؟ الزوجة غير محرم، الزوجة امرأة تحتاج إلى محرم، لكن لو قال: إنه لا ينفرد بواحدة من هؤلاء النساء، بمعنى: أنه يأتي يحملهن جميعاً ويردهن جميعاً ولا ينفرد بواحدة؛ لأن معه زوجته لكان اللفظ صحيحاً.
                                أنا أرى في هذا: أن السائق ما دام مأموناً في دينه، ولا ينفرد بواحدة من النساء، ويرجع في يومه أنه لا حرج في ذلك؛ لأن هذا لا يعتبر سفراً، كل الناس لا يقولون: إنهن سافرن للتدريس، حتى وإن كان (100كم) أو أكثر، فهذه المسافة لا تعتبر سفراً لأنه سيرجع في يومه قبل أن يتغدى هناك مثلاً، المهم أن هذا ليس بسفر وليس فيه مانع، والخلوة هي الممنوعة، وما دام ليس هناك خلوة فلا بأس، ولكن يجب على أولياء النساء أن يدققوا النظر في السائق، وهل هو ممن يوثق به أم لا.

                                (40/17)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حكم من حفظ شيئاً من القرآن ثم نسيه


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: ما حكم من يحفظ أجزاءً من القرآن من أجل منهج التعليم، ثم بعد نتيجة الامتحان لا يتابع ذلك الذي حفظ ثم ينساه، فما حكم هذا؟

                                الجواب
                                أرى أنه خاسر في الواقع، ومخالف لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها) وأقول: ما دام الله منَّ عليه بحفظ ما تيسر من القرآن فليتابع وليتعاهد القرآن فإن: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) .

                                (40/18)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                الأسباب الجالبة للخشوع في الصلاة


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: ما هي الأشياء التي تدعو إلى الخوف من الله ومراقبته ورجاء ما عنده من الثواب ومحبته لكي يفعل العبد ما أمر الله به، وأن يجتنب ما نهى الله عنه؟

                                الجواب
                                كثرة قراءة القرآن بتأمل وتدبر، والنظر في آيات الله العظيمة كالسماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم، والنظر في آيات الله العظيمة كهطول الأمطار وامتناعها وما أشبه ذلك، والنظر في نعم الله؛ لأن من نظر إلى نعم الله تعالى أحب الله عز وجل، ولهذا جاء في الأثر: (أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم) والإنسان بطبيعته يحب من أحسن إليه، ولا أحد أعظم إحساناً ولا أكثر إحساناً من إحسان الله عز وجل، وليحرص على حضور القلب في الصلاة؛ لأن هذا من أسباب خشوع القلب، وتأمل قول الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1-2] هذا في أول الآيات، وفي آخر الآيات: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:9] تأمل أن الصلاة مكتنفة بالأعمال كلها وصفات الخير كلها، فعليك بالصلاة والخشوع فيها، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة:45] .

                                (40/19)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                خطأ من فتح تجارته بجوار مسجد لم تنته الصلاة فيه وإن صلى في مسجد آخر


                                السؤال
                                يؤدي بعض أصحاب المحلات التجارية صلاة الجمعة في جامع يخرج مبكراً، ثم يقومون بفتح محلاتهم بجوار جامع آخر لم ينته، وتكون تلك المحلات بجوار ذلك الجامع مفتوحة، فما الحكم في ذلك؟ هل ينكر عليهم؟

                                الجواب
                                هذا يرجع إلى رجال الهيئة والحسبة في الإنكار وعدمه، أما من حيث أداء صلاة الجمعة فقد أدوها ولا يطالبون بها، لكن ليس من المستحسن إطلاقاً أن يفتحوا متاجرهم في سوق فيه مسجد يصلون الجمعة؛ لأن هذا فيه شيء من التحدي وعدم المبالاة، وفيه أيضاً إساءة ظن بهم.
                                فالذي أرى: أن يجتهدوا في الصلاة في الجامع الذي متجرهم فيه أو حوله، حتى إذا خرج الناس قاموا من حين أن يصلوا كما قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10] .
                                أما كونهم يمكنون من فتح الدكاكين مع كون الناس الذين في المسجد الذي بجوارهم يصلون فهذا يرجع إلى الهيئة.

                                (40/20)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                عدم أحقية المؤذن أن يقيم الصلاة حتى يأتي الإمام


                                السؤال
                                تأخر الإمام قليلاً فأقام المؤذن الصلاة وصلى بالناس، فجاء الإمام ودخل المحراب وكبر وكبر بعض الناس معه، والآخرون بقوا على تكبيرتهم الأولى، فما رأيك يا فضيلة الشيخ؟

                                الجواب
                                والمؤذن أين ذهب؟ حقيقةً أين ذهب المؤذن؟!! صار إمامين في المسجد على كل حال الإقامة موكولة للإمام، والأذان للمؤذن، وليس للمؤذن حق أن يقيم الصلاة حتى يحضر الإمام، فإن فعل فهو آثم، وعلى الجماعة أيضاً إذا رأوا من المؤذن أنه سيقيم الصلاة قبل حضور الإمام أن يمنعوه؛ لأن الحق في الإقامة للإمام، لكن لو تأخر الإمام فإن كان مكانه قريباً فإن العلماء يقولون: يُراجع، كما كان الصحابة رضي الله عنهم إذا تأخر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذهبوا إلى بيته يراجعونه يقولون: الصلاة يا رسول الله.
                                وإن كان بعيداً فهم معذورون إذا تأخر تأخراً لم تجرِ به العادة.
                                ولكني أقول: ينبغي للإمام إذا كان عنده شغل ولنقل: عنده وظيفة مثلاً ويخشى أن يتأخر في صلاة الظهر أن يقول لهم: إذا تأخرت مقدار عشر دقائق فأقيموا الصلاة، يكون في ذلك راحة له ولهم، وإذا جاء وهم يصلون دخل معهم كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين تأخر ذات يوم وقد ذهب ليصلح في بني عوف فجاء ووجد الناس يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فدخل معهم في الصلاة، صار مأموماً عليه الصلاة والسلام، ولا حرج، وليس في كون الإمام مأموماً في مثل هذه الحالة أي غضاضة على الإنسان.

                                (40/21)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                الميزان في أعمال العباد


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: ما هو الميزان في الأعمال نحو البدعة والسنة؟

                                الجواب
                                ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك بميزان قسط، فإنه لما قال: (إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) هذه السنة، فمن كان يترسم خطا النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذ بسنته عقيدةً وقولاً وعملاً فهذا الذي على السنة، ومن خالف فليس على السنة، لكن لا يجوز أن ننفي أنه ليس على السنة نفياً عاماً، بل نقول: هو مخالف للسنة في هذا الشيء المعين؛ لأنه يجب أن نعرف الفرق بين الإطلاق والتقييد، ليس من حقنا إذا رأينا أي صاحب بدعة أن نقول: إن هذا من أهل البدع، بل يجب أن نقيد: إنه من أهل البدع في كذا؛ لأن الإنسان قد يبتدع شيئاً ولكنه ملتزم بالسنة في أشياء كثيرة، هذا لا يصلح أن يطلق عليه أنه مبتدع، بل نقيد، وهذا هو الميزان العدل.

                                (40/22)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                التناصح بين الإخوة من أسباب بقاء المودة


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: أبعث إليك بمشكلتي التي تؤرقني وهي: أعلم ما للصديق الصالح من دور في الثبات على دين الله، ولقد بحثت عنه كثيراً والحمد لله أعتقد أنني وجدته، ولكن يا فضيلة الشيخ هناك مشكلة: وهي أننا نتغاضى كثيراً عن أخطاء بعضنا، وعندما أكلمه في ذلك يقول: إنك أفضل مني والواجب عليك نصحي.
                                فضيلة الشيخ! يشهد الله أني أحب ذلك الإنسان في الله، وأعلم أنه يبادلني نفس الشعور، وأعلم أنه يحب لي الخير ولكن ما زالت تلك السلبية بيننا، أرجو من فضيلتكم توجيه كلمة لي ولعموم المسلمين حول ذلك الموضوع؟

                                الجواب
                                لا شك أن المحبة في الله من أفضل الأعمال حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل -وذكر الحديث ومنه-: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) وهذه أوثق عرى الإيمان: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.
                                وعلى كل منهما -أي: من المتحابين في الله- أن ينصح أخاه؛ لأن المؤمن مرآة أخيه، ولكن المهم هو أسلوب النصيحة، وكيف ينصح؟ وأما النصيحة فواجبة، ينظر الوقت المناسب والمكان المناسب والكلام المناسب، وكل إنسان على حسب ما يعتقد ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أما أن يسكت على عيوبه والآخر يسكت على عيوبه لما بينهما من المودة ويخشى أن تنخدش المودة فهذا غلط، بل العتاب من أسباب بقاء المودة، كونك تعاتب أخاك سواء فيما يعاملك به أو في غيره خير من كونك تسكت على مضض ثم تتابع الأحداث ثم تحصل الفرقة.

                                (40/23)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حكم وضع المرأة عباءتها على كتفيها عند الصلاة


                                السؤال
                                بعض النساء إذا كانت في المدرسة أو في البر تصلي وتضع عباءتها على كتفيها، فهل هذا جائز؟

                                الجواب
                                لا بأس به، وأي شيء في هذا؟ المرأة منذُ عهدٍ بعيد وهي إذا صلت تضع العباءة على كتفيها، ولا يعد هذا تشبهاً بالرجال؛ لأن هذا هو لباس النساء، التشبه أن يكون في شيء يختص به الثاني ولا يفعله المتشبه، وأما إذا كان شيئاً مشهوراً بين الطرفين فإن هذا ليس بنية التشبه، فلا نرى في هذا بأساً.
                                ثم إن المرأة أيضاً كيفية خمارها ليس ككيفية غترة الرجل، فهذه اللبسة ليست مشابهةً للبسة المرأة من كل وجه، فلا أرى في ذلك بأساً إن شاء الله.

                                (40/24)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حكم أكل المرأة مع إخوة زوجها في سفرة واحدة


                                السؤال
                                ما حكم أن تجلس زوجة الأخ مع العائلة في أوقات معينة كالغداء أو العشاء مع العلم أن زوجها موجود معنا، وأن الوالد والوالدة والإخوان كلهم معنا ولكنها تغطي جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين فقط، بارك الله لكم وبارك عليكم؟

                                الجواب
                                نرى أن اجتماع العائلة على الطعام ليس فيه بأس، ولكن لا يكونوا في سفرة واحدة، بل يكون النساء في جانب والرجال في جانب ولو كان المكان واحداً، أما كونهم يجلسون على سفرة واحدة فلا نرى ذلك إطلاقاً؛ لأنه لا يمكن أن الواحدة تأكل بدون أن تكشف وجهها، وإذا كشفت وجهها عند أخ زوجها أو عند عمه أو ما أشبه ذلك حصلت الفتنة، ولا تحقرن من الشر شيئاً، كم من إنسان يستبعد كل البعد أن تقع فتنة بينه وبين زوجة أخيه ولكن الشيطان قد ينزغ بينهم، انظر إلى كلام أحكم الخلق عليه الصلاة والسلام لما قال: (إياكم والدخول على النساء) وهذه الجملة تحذير: (إياكم والدخول على النساء، قالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) والمعنى: فِرَّ منه كما تفر من الموت، وأما من قال: الحمو الموت أي: لا بد منه، فهذا غلط، كل الناس يعرف أن المقصود من هذه العبارة هو التنفير، وإنما جعله الرسول عليه الصلاة والسلام بمنزلة الموت، وأنه يجب الفرار منه؛ لأن الحمو -وهو قريب الزوج- إذا دخل على بيت قريبه لا يستنكر الناس ذلك منه، وهو أيضاً لا يخجل إذا فتح الباب ودخل، فيجب الحذر من أقارب الزوج، وأن تكون المرأة منهم على حذر، وأن تخشى من نزغات الشيطان.

                                (40/25)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                تعويد الصبي على صلاة الفجر إذا لم يكن عليه مشقة


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: ابني يبلغ من العمر ثمان سنوات، هل أوقظه لصلاة الفجر؟ وإذا لم يصل هل أنا آثم؟

                                الجواب
                                الظاهر أن هذا ينظر: إذا كان مثلاً في أيام الشتاء وأيام البرد والمشقة فلا بأس أن يُترك وإذا قام، يقال له: صل.
                                وأما إذا كان الجو معتدلاً ولا ضرر عليه في الإقامة فأقمه حتى يعتاد ويصلي مع الناس، ويوجد والحمد لله الآن صبيان صغار ما بين السابعة إلى العاشرة نراهم يأتون مع آبائهم في صلاة الفجر، فإذا اعتاد الصبي على ذلك من أول عمره صار في هذا خير كثير، أما مع المشقة فإنه لا يجب عليك أن توقظهم، لكن إذا استيقظوا مرهم بالصلاة.

                                (40/26)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حرمة الكلام أثناء الخطبة يوم الجمعة


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: بعض الناس هداهم الله عندما يخطب الخطيب يكونون في خارج المسجد يتكلمون بالكلام، بل يضحكون والخطيب يخطب، ولا يزالون على ذلك خارج المسجد حتى تقام الصلاة فيدخلون المسجد ولم يسمعوا الخطبة، علماً أنهم يفعلون ذلك دائماً في صلاة الجمعة؟

                                الجواب
                                هذا حرام عليهم، لا يجوز للإنسان إذا سمع الأذان الذي يكون عند مجيء الإمام أن يتأخر، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9] فأمر بالسعي إلى ذكر الله، وأمر باجتناب البيع مع أن البيع فيه مصلحة فكيف إذا لم يكن فيه مصلحة؟!! ثم إن الواجب عليهم إذا سمعوا الخطيب الذي يريدون أن يصلوا معه أن ينصتوا سواء كانوا في المسجد أو خارج المسجد، فإن لم يفعلوا فإنهم يحرمون من أجر الجمعة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) وقال: (الذي يتكلم والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً، ومن قال له: أنصت.
                                فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له) .
                                فعلى هؤلاء: إذا حضر الإمام أن يدخلوا المسجد ويصلوا ركعتين، ولو كان المؤذن يؤذن، ثم يجلسوا لينصتوا للخطبة.

                                (40/27)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حكم قراءة الفاتحة لمن دخل في الصلاة والإمام يقرأ


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: إذا دخلت المسجد والإمام يقرأ الفاتحة، فهل أقرأ دعاء الاستفتاح أم لا؟

                                الجواب
                                إذا دخل مع الإمام والإمام يقرأ الفاتحة، فبين الفاتحة وقراءة السورة سكوت في الغالب، نقول: أنصت الآن لقراءة الإمام، وإذا فرغ من قراءة الفاتحة فاستفتح ثم اقرأ الفاتحة ولو كان الإمام يقرأ، لكن إذا خشيت ألا يسكت بين الفاتحة وقراءة السورة أو خشيت أن يقرأ سورةً قصيرة لا تتمكن معها من قراءة الفاتحة فإذا دخلت معه وهو يقرأ فكبر، وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واقرأ الفاتحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرأ المأموم والإمام يقرأ إلا بفاتحة الكتاب.

                                (40/28)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حكم إيذاء المصلين بأجراس الهاتف النقال


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: كثر في الآونة الأخيرة مع الناس استخدام جهاز النداء الآلي -البيجر- وكثيراً ما يزعجون المصلين في صلاتهم أو أثناء الخطبة بأجراسها، فهلا نبهت على ذلك بارك الله فيك؟

                                الجواب
                                والله أنا أنبه على هذا بأن كل شيء يؤذي المؤمنين فإنه ممنوع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج على أصحابه ذات يوم وهم يصلون ويجهرون في القراءة، فقال: (لا يؤذين بعضكم بعضاً في القراءة) هذه وهي قراءة القرآن، فكيف بهذا الجرس؟! وقد سمعت -ما أدري هل هو صحيح أم لا- أن هذه النداءات فيها مفتاح تستطيع ألا يسمع له صوت، فإذا حضرت إلى المسجد فأغلقه.
                                أو كذلك اتركه في البيت وإذا رجعت ستجد الأرقام.

                                (40/29)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حث الناس على التبرع لإخوانهم المسلمين بمناسبة دخول الشتاء


                                السؤال
                                هل من كلمة توجيهية بمناسبة دخول فصل الشتاء، وحث الإخوة للتبرع لإخوانهم في كل مكان؟

                                الجواب
                                على كل حال: لا شك أن الناس يحتاجون في فصل الشتاء ما لا يحتاجونه في غيره من البرد إذ أنه يكون فيه البرد قارساً والجوع في الغالب، فلذلك نحث إخواننا على أن يتفقدوا إخوانهم، وأن يؤتوهم مما آتاهم الله عز وجل بإخلاص ورجاء الإخلاف من الله عز وجل، فإنه يقول: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ:39] .
                                رزقنا الله وإياكم الإحسان في عبادته، والإحسان إلى عباده إنه جواد كريم.
                                وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
                                وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                                وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                                حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                                https://www.musacentral.com/

                                تعليق

                                يعمل...
                                X