إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

موسوعه فتاوى اللقاء الشهري العلامه ابن عثمين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #76
    اللقاء الشهري

    اللقاء الشهري [41] رقم1
    رمضان شهر مبارك له خصائص وفضائل عن غيره من الشهور حقيقته وآدابه ومستحباته ينبغي للشخص أن يعرفها حتى يعبد الله على بصيرة، ومما يفعل في هذا الشهر هو الإكثار من الصدقات وإخراج الزكوات، فعلى المرء أن يعرف أحكام الزكاة حتى يؤدي زكاة ماله على الوجه المشروع.

    (41/1)


    --------------------------------------------------------------------------------

    خصائص شهر رمضان
    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    أما بعد: فإنني أبشركم -أيها الإخوة- الذين حضروا إلى هذا المكان لالتماس العلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء، كلنا ينشد أن يصل إلى الجنة، كلنا يقوم بعبادة الله يبتغي من الله فضلاً ورضواناً، وأسباب ذلك كثيرة، وطرقه -ولله الحمد- كثيرة ومنها: أن الإنسان يسعى إلى المحاضرات والملتقيات العلمية النافعة، فإنه يدخل في عموم هذا الحديث: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) .

    (41/2)


    --------------------------------------------------------------------------------

    نزول القرآن فيه
    وبما أننا في استقبال شهر مبارك -شهر رمضان- الذي خصه الله تعالى بخصائص كثيرة سابقة وباقية، فمن خصائصه: أن الله تعالى أنزل فيه القرآن كما قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185] ونزل في ليلة القدر كما قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1] {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان:3] أي: ابتدأ الله إنزاله على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ليلة القدر، ولا شك أن القرآن العظيم فيه الهدى والشفاء والنور والسلامة والأجر والثواب والتمكين في الأرض.

    (41/3)


    --------------------------------------------------------------------------------

    الانتصارات الإسلامية في رمضان
    ومما ما حصل في هذا الشهر المبارك غزوتان عظيمتان: إحداهما غزوة بدر وكانت في السنة الثانية من الهجرة، وسمى الله تعالى يومها يوم الفرقان، قتل فيها صناديد قريش، وظهر فيها الحق على الباطل، وانتصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على عدوه، وفيها يتأول قوله تبارك وتعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:249] .
    وأما الغزوة الثانية: فهي غزوة الفتح، فتح مكة، فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج من مكة أم القرى وهو أحق الناس بها، خرج منها خائفاً على نفسه بما حصل له من أذية قريش، حتى اجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم: ماذا يصنعون بهذا الرجل، وفي هذا يقول الله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال:30] أي: ليثبتوك بالحبس فلا تتحرك، أو يقتلوك بإزهاق النفس، أو يخرجوك من البلد، ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، خرج من البلد بإذن الله عز وجل مختفياً؛ حتى بقي في غار ثور مختفياً ثلاث ليال؛ خوفاً من أن يدركه طلب قريش؛ لأن قريشاً بثت البعوث في طلب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى إنهم أخرجوا مائة بعير لمن يأتي به، ومائتي بعير لمن يأتي به وبصاحبه أبي بكر رضي الله عنه، ولكن الله تعالى من ورائهم محيط، وبما يكيدون لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليم، فكف الله أبصارهم عنه حتى كانوا يقفون على الغار الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر ويقول أبو بكر: (يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا) لأنه ليس ثمة حائل، لا عش للعنكبوت، وليس ثمة ما يتروء بالبشر، فلا غصن عليه حمامة، كما قاله المؤرخون من غير سند صحيح، بل إن باب الغار مفتوح، وليس فيه ما يمنع الرؤية، ولكن الله عز وجل أعمى أبصارهم، فكان يقول: (لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا، فيجيبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟!) حتى أنجاه الله.
    وبعد ثمان سنوات رجع هذا الذي خرج من مكة مختفياً خائفاً من أهلها رجع فاتحاً ظافراً منصوراً مؤيداً بنصر الله عز وجل، حتى إنه وقف على باب الكعبة وقريش تحته ينتظرون ماذا يفعل، فقال لهم -أي: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: (يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم -أي: ما تظنون أن أفعل بكم بعد أن قدرت عليكم-؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم قال: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء) .
    انظروا إلى هذا العفو العظيم عند المقدرة لقوم أخرجوه من بلده، أخرجوه من بلد الله الحرام الذي هو أحق الناس به! كما قال الله تبارك وتعالى في قريش: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الأنفال:34] .
    هذه مناسبة عظيمة، بعدها ذل العرب وأكمل الله ذلك الذل بما حصل من هزيمة ثقيف، ودانت العرب لدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    (41/4)


    --------------------------------------------------------------------------------

    تميز رمضان بعبادات مخصوصة
    ثم هناك مناسبة باقية وهي: صوم رمضان وقيام رمضان والاعتكاف فيه وليلة القدر، هذه كلها باقية (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه) هكذا قاله محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
    (من صام رمضان إيماناً) -أي: إيماناً بالله وبفريضة الصيام (واحتساباً) أي: لثواب الله تعالى وأجره.
    فلا بد من نيتين: الإيمان والاحتساب، من صام على هذا الوصف غفر الله ما تقدم من ذنبه، أي: كل ما تقدم، ولكن جاءت الأحاديث أن المراد ما عدا الكبائر؛ لأن الكبائر لا بد فيها من توبة خاصة.
    وقيام رمضان قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه) .
    الاعتكاف: اعتكف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في العشر الأواخر من رمضان حينما تقرر أن ليلة القدر في العشر الأواخر فقط.

    (41/5)


    --------------------------------------------------------------------------------

    أحكام الزكاة
    في هذا الشهر المبارك يخرج عامة الناس زكاتهم لمستحقيها؛ لأنه شهر فاضل ينبغي فيه الجود بالمال والنفس والجاه، فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أجود الناس، كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة، والريح المرسلة هي التي يرسلها الله عز وجل سريعة، فالرسول عليه الصلاة والسلام بالخير في رمضان أجود من الريح المرسلة، لذلك اعتاد أن يخرج زكاته في رمضان.
    وحينئذ يحسن بنا أن نتكلم عن الزكاة فنقول: الزكاة ركن من أركان الإسلام، وهي الركن الثالث بارك الله فيكم، الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والثاني: إقام الصلاة، والثالث: الزكاة -إيتاء الزكاة- فموقعه الركن الثالث من أركان الإسلام.
    وما أكثر ما تجدونه مقروناً بالصلاة في كتاب الله عز وجل؛ لأن الزكاة حق المال، حتى إن أبا بكر رضي الله عنه قاتل الذين يمنعونها، وقال: [والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة، فالزكاة حق لله] فهي عظيمة جداً يجب على الإنسان أن يعتني بها، يجب على الإنسان أن يعرف ما الذي تجب زكاته والذي لا تجب، يجب على الإنسان أن يعرف أين يضع هذه الزكاة؛ لأنه إذا لم يضعها في موضعها لم تنفعه ولم تبرأ بها ذمته.

    (41/6)


    --------------------------------------------------------------------------------

    زكاة الذهب والفضة
    الزكاة تجب -في الغالب- في كل مال نام -نام أي: يتزايد- هذا الغالب، وأحياناً تجب حتى في المال الذي لا ينمو كما سيتبين، فتجب في الذهب والفضة، سواء كانت نقوداً وهي الريالات والجنيهات، أو تبراً -أي: قطعاً من الذهب أو قطعاً من الفضة- أو حلياً أو غير ذلك، ليس فيه استثناء، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في إجماع أهل العلم ولا في قياس صحيح التفريق بين الحلي وغيرها أبداً.
    وهذا هو القول الراجح -أعني: القول بوجوب الزكاة في الحلي- هو القول الراجح الذي تدعمه الأدلة.
    إذاً الذهب والفضة تجب فيها الزكاة على كل حال، ولكن بشرط أن يبلغ النصاب، والنصاب في الذهب عشرون مثقالاً، وفي الفضة مائة وأربعون مثقالاً، وهي تساوي بالمعايير الحاضرة خمسة وثمانين جراماً للذهب، وخمسمائة وخمسة وتسعين جراماً للفضة.
    الورق ليس ذهباً ولا فضة لكن تقدر قيمته بالفضة، فإذا كان عند الإنسان من الورق ما تساوي قيمته خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً من الفضة ففيه الزكاة، وقدره علماؤنا بالريالات السعودية الفضية بستة وخمسين ريالاً، فاسألوا الصراف مثلاً: كم تساوي مائة ورقة بالنسبة للدراهم الفضة السعودية؟ وبذلك تعرف الواجب.
    وهل يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب أو لكل واحد منهما نصاب منفصل؟ الثاني هو القول الراجح، وعليه فإذا كان عند الإنسان نصف نصاب من الذهب ونصف نصاب من الفضة فلا زكاة عليه، مع أنه لو جمع أحدهما مع الآخر لأتما نصاباً.
    لكن الصحيح أنه لا يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، كما لا يضم الشعير إلى البر في تكميل النصاب، فلو كان عند إنسان نصف نصاب من البر ونصف نصاب من الشعير، فلا زكاة عليه لأنه لا يضم الشعير إلى البر، فكذلك لا يضم الذهب إلى الفضة.

    (41/7)


    --------------------------------------------------------------------------------

    زكاة عروض التجارة
    والثالث: عروض التجارة، فما معنى عروض؟ العروض معناه: ما يعرض، وهو الذي ليس للإنسان فيه قصد وإنما قصده الربح، أما عين المال فليس له قصد فيه، فكل مال أعده الإنسان للربح بيعاً وشراءً فهو عروض تجارة.
    مثال: رجل عنده معرض سيارات، السيارة نفسها ليس فيها زكاة، لكن هذا رجل يتاجر بالسيارات، ويوجد عنده معرض، فيه الزكاة؟ نعم، لماذا؟ لأنها معروضة، فهو لا يريد السيارة بل يريد الاتجار، يمكن هذا الشهر يتجر بالسيارات والشهر الثاني يتجر بالمكائن أليس كذلك؟ لأن الرجل تاجر، ما له غرض بنفس السلعة، بل غرضه في الربح.
    مثال: رجل عنده سيارة طابت نفسه منها واشترى أخرى، ووضع هذه السيارة الأولى في المعرض وبقت سنة كاملة ليس فيها زكاة؛ لأن الرجل ليس تاجر سيارات، الرجل عنده سيارة طابت نفسه ويريد أن يبيعها.
    مثال: رجل منحت له أرض من الحكومة، أعطاها صاحب مكتب العقار ليبيعها، ليس فيها زكاة؛ لأن الرجل ليس تاجر أراضٍ، لكن هذه أرض أعطيها ويريد أن يبيعها، ليس فيها زكاة؛ لأن عروض التجارة -بارك الله فيكم- هي التي يتجر بها الإنسان.
    الآن -مثلاً- صاحب الدكان عنده أقمشة للبيع فعليه الزكاة فيها؛ لأنه يتجر، يشتري اليوم هذا نوعاً من القماش واليوم الثاني نوعاً آخر، فإذا وضع رجل من الناس عنده قماش ليبيعه مع قماشه، هل على الثاني هذا الذي وضع قماشه زكاة وهو ليس صاحب عروض؟ لا، انظر الآن! عندك مثلاً هذا القماش من اليمين فيه زكاة، وهذا القماش من اليسار ليس فيه زكاة؛ لأن هذا عروض تجارة والثاني ليس عروض تجارة.
    لكن هل تدخل عروض التجارة في رجل عنده آلات كهربائية وهو يتاجر فيها أو لا تدخل؟

    الجواب
    تدخل؛ لأن عروض التجارة لا تقيد بمال معين، قد تكون أراضي، وقد تكون أدوات كهربائية، وقد تكون مكائن، وقد تكون سيارات، وقد تكون أقمشة، وقد تكون أواني، وقد تكون طيباً المهم أنها لا تتقيد بمال، لها ضابط وليس لها حد، والضابط: أن يعدها للتجارة.
    مسألة رجل عنده عمائر كثيرة يؤجرها ويستلم أجرتها كل سنة مليوناً أو مليونين هل فيها زكاة؟ الجواب: ليس فيها زكاة؛ لأن الرجل يريد أن تبقى العمائر، لكن رجل آخر صاحب عقارات يشتري العمارة اليوم ويبيعها غداً هل فيها زكاة؟ الجواب: نعم.
    فيها الزكاة، ولهذا عروض التجارة تشكل على بعض طلبة العلم، لكن إذا عرفت الضابط سهل عليك الأمر.
    مسألة إذا كان الإنسان متردداً يقول: والله ما أدري أتجر بها أو أبقيها، مثلاً عنده أرض يقول: لا أدري أتجر بها أو أبقيها أو أعمر عليها عمارة هل فيها زكاة أو لا؟ الجواب: ليس فيها زكاة؛ لأن الأصل عدم وجوب الزكاة حتى تتمحض النية لإرادة التجارة.
    بعد أن عرفنا عروض التجارة أن فيها زكاة فكم يكون نصابها؟ نقول: إذا كان عنده دراهم يضمها إلى الدراهم، فإذا قدرنا عنده نصف نصاب من الفضة ونصف نصاب من العروض هل فيها زكاة أو لا؟ الجواب: فيها زكاة، العروض تضم إلى الفضة؛ لأن قصد صاحب العروض هي الفضة "القيمة" لا بقصد السلعة إطلاقاً، وإنما قصده القيمة.
    لكن إذا كان رجل عنده ثلاث سيارات إحداها للركوب والثانية للأجرة والثالثة يبيع ويشتري بالسيارات، انتبه الآن سيارة للركوب، وسيارة للأجرة، وسيارة للتجارة، فالأولى ليس فيها زكاة، والثانية ليس فيها زكاة لكن الزكاة في أجرتها، قد تكون أجرتها كثيرة، الثالثة فيها الزكاة بعينها، بمعنى: أن يقدر فيمة هذه السيارة إذا تم الحول ويزكيها.

    (41/8)


    --------------------------------------------------------------------------------

    زكاة المواشي
    المواشي من بهيمة الأنعام فيها زكاة، وبهيمة الأنعام ثلاثة أنواع: إبل، وبقر، وغنم، وأما الخيل فليست من بهيمة الأنعام، فالخيل ليس فيها زكاة إلا إذا كانت عروض تجارة، لكن هذا إنسان عنده ماشية: عنده إبل وعنده غنم وعنده بقر، إذا كان أعدها للتنمية فلها حال، وإذا كانت للتجارة فلها حال.
    فإذا كانت للتجارة فهي عروض تجارة، وقد عرفنا أن فيها زكاة، إذا كانت للتنمية نظرنا هل هو يرعاها أو يعلفها، إن كان يرعاها أكثر أيام السنة ففيها الزكاة، وإن كان يعلفها أكثر أيام السنة فليس فيها الزكاة.
    يوجد بعض الناس عندهم بساتين والحمد لله، وبعض أهل البادية عندهم غنم، لكنهم يعلفونها الشعير والعلف وهم يريدون بها التنمية ولا يريدون التجارة، هل عليهم زكاة أو لا؟

    الجواب
    لا، ليس عليهم زكاة حتى لو بلغت مائة بعير فليس فيها زكاة، أو ألف شاة ليس فيها زكاة؛ لأنها معلوفة والمعلوفة ليس فيها زكاة، فلا بد أن تكون سائمة، أي: ترعى الحول أو أكثره، فما تقولون: في رجل عنده بستان وعنده مائة شاة للتنمية تتوالد، يأخذ لبنها يبيع ما فضل عن حاجته من أولادها هل فيها زكاة؟ ليس فيها زكاة؛ لأنها معلوفة.
    مثال: رجل عنده مائة شاة للتنمية لكنها ترعى، ولا ينفق عليها ولا فلساً هل فيها زكاة؟ الجواب: فيها زكاة لكن رجل عنده شاة للتجارة، إنسان يبيع ويشتري بالغنم وعنده شاة للتجارة تبلغ قيمتها نصاباً من الفضة هل فيها زكاة؟ الجواب: نعم، لأنها عروض تجارة.
    وآخر عنده تسع وثلاثون شاة للتنمية، وترعى ولا يعلفها أفيها زكاة؟ الجواب: ليس فيها زكاة؟ لأنها لم تبلغ النصاب، ونصاب الغنم التي للتنمية لا يقل عن أربعين شاة، سبحان الله! عروض التجارة شاة واحدة فيها الزكاة؛ لأن المعتبر قيمتها، لكن إذا كانت للتنمية وهي تسع وثلاثون شاة فليس فيها زكاة؛ لأن أقل نصاب الغنم للتنمية أربعون.

    (41/9)


    --------------------------------------------------------------------------------

    زكاة الزروع والثمار
    وتجب الزكاة في الخارج من الأرض مثل الحبوب والثمار، والحبوب: كالشعير والحنطة والرز وما أشبه ذلك، والثمار: كالعنب والتمر، والتين عند بعض العلماء، هذه فيها الزكاة، ولها شروط لا نحب أن نطيل بها لأن الحاجة إليها قليل.

    (41/10)


    --------------------------------------------------------------------------------

    من شروط وجوب الزكاة تمام الحول
    يبقى النظر -بارك الله فيكم- أن من شروط الزكاة تمام الحول، وفي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) فلو أن الإنسان ورث مالاً من شخصٍ قريب له، ورث منه عشرة آلاف ريال في شهر محرم، وفي شهر ذي القعدة اشترى له بها بيتاً بالعشرة آلاف ريال، هل عليه زكاة؟

    الجواب
    لا؛ لأنها لم يتم حولها، ومن شرط وجوب الزكاة تمام الحول إلا شيئاً واحداً -مما تدعو الحاجة إلى بيانه وإلا فهناك أشياء مستثناة- وهو ربح التجارة، فحوله حول أصله، مثال هذا: رجل اشترى أرضاً للتجارة بعشرة آلاف ريال، وشراؤه إياها في محرم، يعني: ملك مالاً قدره عشرة آلاف ريال واشترى به أرضاً للتجارة، وفي ذي الحجة، زادت الأراضي فبلغت قيمة الأرض التي اشتراها بعشرة آلاف ريال عشرين ألف ريال هل تجب الزكاة في عشرة آلاف ريال عند تمام حول العشرة أو في العشرين؟ الجواب: في العشرين انتبه إلى هذه، الربح يتبع الأصل فليس له حول، وإنما حوله حول أصله.

    (41/11)


    --------------------------------------------------------------------------------

    كيفية إخراج زكاة الرواتب
    وبقي عندنا شيء يحتاج الناس إلى بيانه وهو الرواتب، أما الرواتب التي تعطى للإنسان كل شهر كيف يزكيها؟ إذا كان الرجل لا يعطى راتب الشهر إلا وقد استهلك راتب الشهر الأول، كرجل راتبه ثلاثة آلاف ريال وينفق هذه الثلاث آلاف ريال، لا يأتي الشهر الثاني إلا وقد أنفقها هل عليه زكاة؟

    الجواب
    لا؛ لأنه ما تم عليها الحول.
    ورجل آخر ينفق من راتبه النصف ويبقى النصف فكيف الزكاة والمال يتجدد كل شهر؟ نقول: له طريقان: الطريق الأول: أن يحصي ما يوفره كل شهر وإذا تم عليه الحول زكاه، وعلى هذا يجب أن يلاحظ ماله كل شهر، وهذا فيه نوع من المشقة، وقد يكون فيه غفلة من الإنسان فينسى، وربما يمر عليه الشهران أو الثلاثة وما زكاها.
    لكن طريق آخر أهون من هذه: مثلاً: أول راتب استلمه في رمضان، نقول: إذا جاء رمضان الثاني زك ما عندك حتى وإن لم يتم عليه سنة.
    لكن الذي تمت سنته واضح أنه أدى زكاته في وقتها والذي لم تتم تكون الزكاة فيه معجلة، وتعجيل الزكاة لا بأس به، ولهذا لو كان الرجل تحل زكاته في رمضان ثم جاءه فقير في شعبان وقال: أنا محتاج.
    وقدم زكاته فلا بأس.
    إذاً نقول: الطريق الثاني لمسألة الرواتب أسهل، انظر أول شهر بدأت تأخذ الراتب واجعله هو رأس الحول كل سنة، وعليه إذا كان الرجل أخذ أول راتب في محرم، متى يأتي الحول؟ الجواب: في محرم، كلما جاء محرم أحصى الذي عنده وأخرج زكاته ويستفيد، لا يحتاج إلى تعب ولا إلى غفلة ولا إلى شيء، هذا أحسن طريق في الرواتب.
    مثل ذلك الأجور، بعض الناس عنده عقارات يؤجرها وتختلف المدة: هذا أجره في أول السنة وهذا أثناء السنة وهذا في آخر السنة، فنقول: لك الآن طريقان: الطريق الأول: أن تزكي كل أجرة على حدة.
    والطريق الثاني: أن تأخذ أول أجرة وتجعل الحول عليها وتعجل الباقي الذي لم يتم حوله.

    (41/12)


    --------------------------------------------------------------------------------

    الأصناف التي يصرف لها الزكاة
    بعد أن عرفنا ما يسر الله تعالى من أحكام الزكاة لا بد أن تقع الزكاة موقعها، ليس للإنسان الخيار أن يعطي زكاته من شاء؛ لأن الله تعالى تولى قسمها، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:60] {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة:60] إنما: للحصر، تفيد أن الصدقات لا تخرج عن هذا.

    (41/13)


    --------------------------------------------------------------------------------

    الفقراء والمساكين
    ونتكلم على ثلاثة أصناف: صنفين كأنهما شيء واحد، وصنف مستقل، نتكلم عن الفقراء والمساكين، فمن هم الفقراء والمساكين؟ الفقراء والمساكين: هم الذين لا يجدون كفايتهم وكفاية عيالهم، إما أنه ليس عنده شيء، فيتكسب يوماً يربح عشرة ريالات ويوماً يربح عشرين ويوماً لا يربح شيئاً، المهم أنه لا يجد كفايته وكفاية أهله فهذا فقير.
    وكذلك المسكين، ولكن المسكين أخف حاجة، لكن هل يعطى حتى يصبح غنياً أو يعطى مقداراً معيناً؟ الثاني هو الأرجح وإلا فبعض العلماء يقول: تعطيه من الزكاة حتى يزول عنه وصف الفقر، وهذا ربما يتطلب مئات الألوف، لكن أكثر العلماء يقول: أعطه مقدار كفايته لسنة واحدة فقط، وإذا انتهت السنة وأقبلت زكوات السنة الأخرى يصرف له منها.
    لكن كيف نعرف أن المال الذي عنده لا يكفيه سنة، وأنتم تعلمون أنه قد يعتري الإنسان حوادث، وقد يكون على الناس مسغبة كيف نقدر هذا؟ نفرض أن هذا في رجل له وظيفة، يتقاضى منها خمسة آلاف، لكنه ينفق عشرة آلاف؛ لأنه صاحب عائلة كبيرة والأجور غالية ومرتفعة، فكم نعطيه؟ نعطيه خمسة آلاف لتكمل حاجته، فخمسة آلاف مضروبة في اثني عشر، تبلغ ستين ألفاً، يعني: نعطيه ستين ألفاً، لكن قد يكون بعض الناس أخرق، تعطيه ستين ألفاً فيذهب يشتري سيارة بستين ألفاً ويبقى جائعاً، ماذا نعمل؟ نعطيه بقدر، وهذا لا بأس به وإن كان فيه تأخير للزكاة لكن لمصلحة الفقير.

    (41/14)


    --------------------------------------------------------------------------------

    الغارمون
    الثالث -وهو في الحقيقة هو الثاني- الغارم: يعني المدين الذي عليه دين، وأقصد بالدين أن في ذمته حقاً لأحد لكن لا يستطيع الوفاء، هذا -أيضاً- يعطى من الزكاة، في أي صنف دخل في الآية؟ في قوله {وَالْغَارِمِينَ} [التوبة:60] .
    فإذا كان الإنسان عنده راتب يكفيه هو وعائلته طعاماً وشراباً وكسوةً وسكناً ولكنه مدين تدين لزواجه، أو تدين لشراء بيت وما أشبه ذلك، ولا يستطيع الوفاء أنعطيه من الزكاة؟ نعم، ولكن هل نعطيه هو ويوفي أو نذهب إلى الذي يطلبه ونعطيه؟

    الجواب
    هذا ينظر من باب المصلحة يا إخوان! فإذا كان الرجل المدين حريصاً على إبراء ذمته وأميناً، ونعلم أننا إذا أعطيناه ذهب مباشرة وأدى الدين، فهذا نعطيه؛ لأنه أستر وأبعد عن الرياء ويتولى هو بنفسه قضاء دينه.
    أما إذا كنا نخشى أن هذا الرجل لو أعطيناه المال ليوفي به تلاعب به؛ فهل نعطيه أو نذهب إلى من يطلبه ونعطيه؟ الثاني نذهب لصاحبه ونقول: يا فلان بلغنا أنك تطلب فلان بن فلان كذا وكذا من الدراهم.
    قال: نعم.
    نقول: تفضل، هذه هي.
    ونعطيه إياها.
    هذا هو ما يمكن أن نتكلم عليه فيما يتعلق في أهل الزكاة.

    (41/15)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم صرف الزكاة للأقارب
    ويبقى النظر: هل تصرف الزكاة للأقارب؟ هل تصرف للزوج؟ هل تصرف للزوجة؟ إذا كانوا مستحقين.


    الجواب
    على القول الراجح نعم تصرف؛ لكن لا تصرف في شيء يجب على المزكي أن يقوم به، فمثلاً: إنسان له ولد منعزل عنه في بيته، والولد فقير هو وزوجته وأولاده، وأبوه عنده زكاة، هل يجوز للأب أن يعطي زكاته لهذا الابن؟ الجواب: لا نقول: لا، ولا نقول: نعم.
    ولكن ينظر إذا كان مال الأب واسعاً يمكن أن ينفق منه على ولده الذي خرج عنه فهنا لا يجوز أن يعطيه الزكاة، وإنما ينفق عليه من ماله رغماً عن أنفه، حتى إن العلماء رحمهم الله قالوا: يجوز في هذه الحالة أن يطالب الولد أباه عند القاضي حتى يلزمه القاضي بالنفقة؛ لأن هذا حق واجب لله عز وجل، ليس الولد هو الذي أوجبه كالدين مثلاً، فالولد لا يطالب أباه بالدين، لكن يطالب أباه بالنفقة، وهذا لحفظ النفس ولحق الله.
    أرجو الانتباه الآن، هذا رجل له ولد فقير منعزل عن بيته، في بيت وحده هل يعطيه من الزكاة؟ ينظر إذا كان مال الأب واسعاً يمكنه أن ينفق على ولده، فحرام أن يعطيه من الزكاة ووجب عليه أن ينفق على ولده، أما إذا كان مال الأب قليلاً ففي هذه الحال يجوز أن يعطي ولده من الزكاة.
    لكن لو كان هناك إنسان له ولد في بيته، وحصل من الولد حادث وتلفت به سيارة شخص آخر، وقدرت هذه السيارة بعشرين ألفاً، هل يجوز للأب أن يدفع هذه الغرامة عن ابنه الذي في بيته؟ الجواب: يجوز أن يدفع؛ لأن الأب لا يلزمه أن يدفع الغرامات عن ابنه، أما النفقة فيلزمه، لكن دفع الغرامات عن ابنه لا يلزم، ولهذا يجوز للأب في هذه الحال أن يقضي دين ابنه من زكاته، والعلة: لقول الله تعالى: {وَالْغَارِمِينَ} [التوبة:60] وهذا الابن من الغارمين، والأب لا يلزمه قضاء دين ابنه وكذلك بالعكس: لو كان الإنسان له أب عليه دين، والأب لا يستطيع أن يوفي، فهل يجوز لابنه الغني الذي عنده مال كثير، أن يقضي دين أبيه من زكاته؟ الجواب: نعم يجوز، لكن هل يجوز أن ينفق على أبيه من زكاته؟ الجواب: لا؛ لأن الإنفاق واجب على الابن، لكن قضاء الدين لا يجب على الابن، وحينئذٍ نقول: اقض دين أبيك من زكاتك ولا حرج.
    والخلاصة: أن الإنسان إذا كان دفع الزكاة يسقط واجباً عليه لم يجزئ، وإذا كان لا يسقط واجباً أجزأه.
    أرأيتم لو أن إنساناً نزل به ضيف، وعنده زكاة تمر، فقال: أخرجها لهذا الضيف بدلاً من أن أبحث عن فقير نقول: هذا لا يجوز؛ لأنه يسقط عن نفسه واجباً عليه وهي الضيافة، فاعرفوا هذا الضابط.

    (41/16)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم قضاء دين الميت من الزكاة


    السؤال
    هل يجوز أن يقضى من الزكاة دين على ميت؟

    الجواب
    الصحيح أنه لا يجوز، وقد حكى ابن عبد البر رحمه الله وأبو عبيد صاحب كتاب الأموال أن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز أن يقضى من الزكاة دين على ميت، لكن الواقع أن فيها خلافاً؛ إلا أن الصواب أنه لا يقضى من الزكاة دين على الميت، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل أن يفتح الله عليه، ويكثر عنده المال، كان إذا قدموا إليه ميتاً عليه دين قال: (صلوا على صاحبكم) ولم يؤد عنه الدين من الزكاة، ولما فتح الله عليه وكثر المال عنده صار إذا قدم إليه الرجل عليه الدين قال: (من ترك ديناً أو ضياعاً -أو ضيعاً- فإلي وعلي) فأصبح يقضي الدين وصلى على الميت إذاً الذي عليه جمهور الأمة وعلمائها: أن الزكاة لا يقضى منها دين على ميت، ولأننا لو فتحنا هذا الباب -قضاء الديون عن الأموات- لكان الإنسان يحسب ما هو الذي على آبائه وأجداده من الديون ويصرف زكاته إليه، ولكان الناس يعطفون على الأموات ويؤدون الزكاة في قضاء ديونهم وينسون الأحياء؛ لأن عاطفة الإنسان على الميت أقوى من عاطفته على الحي، وحينئذ يتطلب الذهاب إلى سجلات التجار يقول: تطلبون الميت الفلاني والميت الفلاني، ويقضي الدين عن الأموات ويترك الأحياء، مع أن الحي أحق، وأما الميت فكل من مات له ميت وعليه دين فإنه إذا كان أخذه وهو يريد أداءه، فإن الله يؤدي عنه، ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) .
    وإلى هنا ينتهي الكلام عن الزكاة، وأسأل الله أن يجعل فيه خيراً وبركة.

    (41/17)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حقيقة الصيام
    أما ما يتعلق بصيام رمضان، فإن صيام رمضان هو أحد أركان الإسلام، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام، وهو -أعني الصيام- أن يتعبد الإنسان لربه بترك الأكل والشرب والجماع وجميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذا هو الصيام الشرعي؛ لقول الله تبارك وتعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة:187] أي: النساء {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] هذا هو الصيام، يمسك الإنسان عن الأكل والشرب والجماع وجميع المفطرات لله عز وجل لا لأحد، إنما يريد أن يتقرب إلى الله تعالى بترك محبوباته لما يحبه ربه، ولكن حقيقة الصوم وروح الصوم ولب الصوم أن يصوم الإنسان عما حرم الله، ودليله قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] لهذا السبب: لتتقوا الله عز وجل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الصوم جنة) أي: وقاية من المعاصي، جنة: يعني وقاية من عذاب النار؛ لأن (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله ما تقدم من ذنبه) .

    (41/18)


    --------------------------------------------------------------------------------

    تحذير الصائمين من بعض الأخلاق السيئة
    وقال عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) يعني: أن الله لا يريد منا أن ندع الطعام والشراب وإنما يريد منا أن ندع قول الزور والعمل به والجهل، وقول الزور هو: كل قول محرم، والعمل بالزور هو: كل عمل محرم، والجهل هو: كل عدوان على الناس.
    فالذي لا يترك هذه الأشياء لم يصم حقيقة، فهو قد صام عما أحل الله وفعل ما حرم الله.
    ولهذا أقول: يجب علينا ونحن صيام أن تكون تقوانا لله عز وجل أكثر من تقوانا في الإفطار، وإن كانت التقوى يجب أن تكون في الإفطار والصيام، لكن يجب أن نعتني بالتقوى في حال الصوم أكثر، وإني أظن لو أن أحداً من الناس أمسك عن المعاصي شهراً كاملاً فسوف يتغير منهجه ومسلكه؛ لأنه سيبقى شهراً كاملاً لا يعصي الله.
    ومن رحمة الله عز وجل بنا أن شهر رمضان تصفد فيه الشياطين حتى لا تسلط علينا بتحسين المعاصي في قلوبنا، وأنها تغلق فيه أبواب النيران، وتفتح فيه أبواب الجنة؛ حتى يسهل على الإنسان العمل بما يباعده من النار ويقربه من الجنة، وهذه نعمة من الله عز وجل! فهذا الشهر فيه ما يساعد الإنسان على التقوى فاتقوا الله.
    ليس من الصوم يا إخوان أن يملأ الإنسان بطنه مما أحل الله له ثم ينام عن صلاة الفجر والظهر والعصر، فإذا قرب المغرب قام ليصلي بل ليفطر؛ لأنه لو كان يصلي لصلى أولاً، لكن ليفطر، ثم يصلي في آخر النهار، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يرقب الشمس حتى إذا صارت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) وهذا يوجد عند بعض الناس نسأل الله العافية، يتمتعون بما أحل الله لهم في ليلهم، ثم ينامون عما أوجب الله عليهم في نهارهم.
    مثلاً: رجل آخر صام عن الطعام والشراب، فجلس إلى صاحبه على عتبة الدكان أو على الرصيف أو في أي مكان، وجعلا يأكلان لحوم الناس: فلان فيه، وفلان فيه.
    وربما يؤزهم الشيطان فيقعون في أعراض العلماء، وهذا أشد وأخبث، فغيبة العالم أعظم إثماً من غيبة العامي انتبه! لأنك إذا اغتبت العامي تضرر هو بنفسه إن تضرر أو قد لا يضره غيبتك، لكن إذا اغتبت العالم تضررت الشريعة الإسلامية، فحملة الشريعة هم العلماء، فإذا قدح الإنسان فيهم هبطت قيمتهم عند الناس وضعفت الثقة بأقوالهم، وحينئذ يكون ذلك ضرراً على الشريعة الإسلامية، ولهذا لما كان قائد الشريعة الإسلامية محمد رسول الله في منزلة التشريع قال: (إن كذباً علي ليس ككذب على أحدكم، إن من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) لأنه إذا كذب على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم صار ما ينسبه للرسول شريعة، فأدخل في الشريعة ما ليس منها أو أخرج من الشريعة ما هو فيها.
    أقول يا إخوان: رجل صام وفي أثناء النهار جلس إلى صاحبه يأكلان لحوم الناس، أهو صائم حقا؟ لا: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) فهذا لم يدع قول الزور.
    في مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله الذي صنفه في الحديث، والذي قال لابنه: يا بني إن هذا المسند سيكون للناس إماماً.
    في هذا المسند: (أن امرأتين في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، صامتا فجلست إحداهما إلى الأخرى تأكلان لحوم الناس، فعطشتا عطشاً شديداً -أصابهما العطش- فدعا بهما النبي عليه الصلاة والسلام -أي: طلب مجيئهما- فجاءتا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأمرهما أن تقيئا فقاءتا دماً وصديداً ولحماً -نسأل الله العافية- فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس) وهذا الحديث ضعيف السند لكن يذكر في مقام الترهيب حتى ينكف الناس عن الغيبة.
    ويكفي من ذلك قول الله عز وجل: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} [الحجرات:12] .
    ل

    الجواب
    لا يحب {فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات:12] قال بعض أهل العلم: إنه يؤتى بالرجل الذي اغتيب يوم القيامة بجثة ميت، ويعذب الذي اغتابه بالأكل منه، وهو لا يريده بل يكرهه، لكن يعذب، وهذا نظير الذي يصور، حيث إنه إذا كان يوم القيامة يجعل له صورة ويقال له: انفخ فيها الروح.
    وهو لا يستطيع لكن يعذب.
    من كذب في الرؤية قال: رأيت كذا وكذا.
    وهو كاذب، إذا كان يوم القيامة يكلف أن يعقد بين شعيرتين، تعرفون الشعير؟ هو حب الشعير، لا يمكن أن تعقد بينهما لكن يعذب، ويلزم، فيجد حرجاً ولا يستطيع.
    على كل حال أقول: إن الواجب على الصائم أن يتقي الله عز وجل فيقوم بما أوجب الله، ويترك ما نهى الله حتى يكون صومه صوماً حقيقياً.

    (41/19)


    --------------------------------------------------------------------------------

    مستحبات الصيام وآدابه
    ثم اعلم يا أخي أن الصيام له مستحبات:

    (41/20)


    --------------------------------------------------------------------------------

    السحور
    منها: أن يتسحر الإنسان، ومعنى السحور أن يقدم الإنسان أكلاً في آخر الليل يأكله ويستعين به على صيامه، ويكون السحور في آخر الليل، وتأخير السحور هو الأفضل بحيث إذا انتهيت منه أذن الفجر، لا تقل: أتسحر مبكراً وأنام حتى يطلع الفجر، لكن نم ثم تسحر حتى إذا انتهيت من السحور وإذا الفجر قد أذن؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل؛ ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا يؤذن إلا إذا قيل له: أصبحت، أصبحت.
    إذا قيل له: أصبحت وطلع الصباح ذهب يؤذن.
    فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه أن يأكلوا ويشربوا حتى يسمعوا أذان ابن أم مكتوم.
    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (تسحروا فإن في السحور بركة) ومن بركاته: أولاً: أكل السحور فيه بركة؛ لأنه إعانة على طاعة الله.
    ثانياً: لأنه امتثال لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (تسحروا) .
    ثالثاً: لأنه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه كان يتسحر، قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: (تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم قمنا إلى الصلاة) .
    رابعاً: لأنه فصل ما بيننا وبين صيام أهل الكتاب، فأهل الكتاب اليهود والنصارى يصومون لكن لا يتسحرون، والأمة الإسلامية تتسحر، فيكون سحورها فصلاً بين صيام المسلمين وصيام اليهود والنصارى، ففيه بركة.

    (41/21)


    --------------------------------------------------------------------------------

    تعجيل الفطور وتأخير السحور
    من آداب الصيام: سرعة الإفطار، والمبادرة بالفطر من حين أن تغرب الشمس، فإذا رأيت قرص الشمس قد غاب فأفطر ولا تتأخر، حتى لو كانت السماء صحواً والنور مضيئاً جداً، ما دمت رأيت قرص الشمس غاب فأفطر، وإن لم تسمع الأذان، فلو كنت على مكان عال ورأيت الشمس قد غابت فأفطر، ولو كان الناس لم يؤذنوا، والدليل: قول الله تبارك وتعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] ولم يقل: إلى أن يؤذن قال: {إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا أقبل الليل من هاهنا -وأشار إلى المشرق- وأدبر النهار من هاهنا -وأشار إلى المغرب- وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) أي: فقد حل له الفطر.
    وإذا أذن المؤذن وأنت في مكان مرتفع وتشاهد الشمس فلا تفطر، لكن يجب عليك أن تنبه من يمكنك تنبيهه بأن الشمس لم تغرب، ويجب عليك -أيضاً- أن تبلغ الجهات المسئولة: أن المؤذنين يؤذنون قبل غروب الشمس، وأن تبلغ من تستطيع إبلاغه من المؤذنين حتى يتأخر.
    مسألة: لو أن الإنسان أكل وشرب، ثم تسحر، يظن أن الليل باق ولما خرج وجد الناس قد خرجوا من الصلاة أيلزمه القضاء؟ الصحيح: أنه لا يلزمه القضاء، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] فقال الله: قد فعلت.
    وهذا الرجل الذي أكل لو كان يعلم أن الفجر قد طلع ما أكل أبداً.
    وبالعكس: رجل ظن أن الشمس قد غربت -مثلاً: السماء كانت مغيمة وظن أن الشمس قد غربت- فأكل، ثم طلعت الشمس أعليه القضاء؟

    الجواب
    لا؛ لقوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] فقال الله: قد فعلت.
    ولأنه ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم طلعت الشمس) وفي عهد الرسول لم يكن هناك ساعات، وكانت السماء ملبدة بالغيوم فظنوا أن الشمس قد غربت فأفطروا ثم طلعت الشمس، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين أظهرهم ولم يأمرهم بالقضاء، ولو كان القضاء واجباً لأمرهم به، ولو أمرهم به لكان من شريعته، وإذا كان من شريعته وجب أن يكون محفوظاً لأمته، ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أمرهم بالقضاء، وهذا مبني على القاعدة العظيمة التي جاءت من عند الله وهي: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] والحمد لله على التيسير، لما كان الإنسان ضعيفاً يجهل وينسى عفا الله عن الجهل والنسيان.
    رجل أكل ناسياً وهو صائم ثم ذكر أنه صائم بعدما شبع تماماً فهل عليه قضاء؟ لا، ليس عليه قضاء والدليل: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] فهذه الآية قاعدة عظيمة، بل ورد في النسيان قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) فالدين يسر، وسمح، لكن بعض الناس يعسر على نفسه.
    كنا نتحدث ونحن صغار أن رجلاً اشترى لأهله عنباً وهو صائم -أنا أحدث بها بدون سندها- وجعل يأكل من العنب وهو يمشي، ولما وصل إلى أهله لم يبق في العنقود إلا عنبة واحدة، فأفتى نفسه قال: إن كان العنب الذي أكلته سابقاً لم يفطر فهذه لا تفطر، وإن كان قد فطر فهذه تبع.
    فالآن أفطر من الواحدة؛ لأنه تعمد، ولم يبق ناسياً.
    على كل حال: من أفطر ناسياً أو جاهلاً من أول النهار أو من آخر النهار فليس عليه شيء، ولكن يجب عليه إذا زال العذر أن يتوقف، حتى لو ذكر والماء في فمه يجب عليه أن يمجه، ولو ذكر واللقمة في فمه يجب عليه أن يلفظها؛ لأنه بعد العلم لا يجوز إدخال شيء إلى الجوف.
    ولعل في ما ذكرنا كفاية، وسنأخذ بعض الأسئلة.

    (41/22)


    --------------------------------------------------------------------------------

    الأسئلة

    (41/23)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم صيام القضاء قبل رمضان بيوم


    السؤال
    فضيلة الشيخ! هل يجوز صيام القضاء قبل رمضان بيوم، مثلاً: هل يجوز صيام يوم الأربعاء القادم؟

    الجواب
    أولاً: نقول: من كان عليه قضاء من رمضان فليبدأ من الغد، فغداً الثلاثاء فيبدأ من الغد؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يصوم أحد قبل رمضان بيوم أو يومين، لكن إذا لم يمكن، فقد تكون امرأة عليها عادة تمنعها من الصيام فلا بأس أن تصوم الأربعاء أو الخميس إذا لم يكن من رمضان.

    (41/24)


    --------------------------------------------------------------------------------

    خطر الوسواس وأضراره


    السؤال
    فضيلة الشيخ! لي أخت لها خمس سنوات لا تصلي ولا تصوم -وهي سليمة العقل- ولا تقضي رمضان، وهي -يا شيخ- بها وسواس، فما الحكم معها؟ وهل عليها صيام أو هي ممن رفع عنهم القلم؟

    الجواب
    أسأل الله أن يعافيها، اللهم عافها، اللهم عافها، لا شك أن الوسواس أمره عظيم، وأن بعض الموسوسين لا يتمكنون إطلاقاً من العبادة، يعني: بعضهم يخر مغشياً عليه إذا أراد أن يجبر نفسه، ولكن يجب على هذا الذي ابتلي بالوسواس أن يكثر من التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يكثر من ذكر الله، وأن يكثر من قراءة القرآن، وأن يجبر نفسه على فعل الطاعة ولو تعب، هو سيتعب مرة أو مرتين أو ثلاثاً لكن في النهاية سيزول هذا بإذن الله؛ لأن الوسواس من الشيطان: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس:4-6] فبدأ بالجنة، والشياطين من الجن، والجن من الشياطين {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} [الكهف:50] فالشيطان ذريته الجن كما قال تعالى: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن:15] وقال الشيطان للرب عز وجل: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12] .
    ومعلوم أن الشيطان إذا رأى من بني آدم إعراضاً عن طاعة الله بواسطة الوسواس فسوف يتعبه في هذا، لكن ما هو إلا تعب يسير ثم يزول، وهذا والحمد لله مجرب، فدائماً يتصل بنا أناس من هذا النوع فإذا أجبروا أنفسهم على ذلك فإنه يزول عنهم بإذن الله، وأسأل الله لهذه المرأة المبتلاة أن يشفيها عاجلاً غير آجل، آمين.

    (41/25)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم من وافق صيامه النافلة آخر يوم من شعبان


    السؤال
    فضيلة الشيخ! من صام شهر شعبان فهل يصله برمضان أو لا بد أن يفصل بينهما، مثال ذلك: رجل من عادته صيام ثلاثة أيام من الشهر فتأخر صيامه ولم يبق عليه غير غد وبعد غد فهل يأثم إذا صام؟

    الجواب
    لا يأثم إذا صام؛ لأن هذا داخل في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) لأن الحديث: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) فإذا كان من عادته أن يصوم يوم الخميس، وفي هذا العام ربما يصادف يوم الخميس آخر يوم من شعبان فإنه يصوم وليس هناك مانع، وكذلك من لم يتيسر له أن يصوم ثلاثة أيام قبل هذا الوقت فله أن يصوم؛ لأنه داخل في قوله: (إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) .

    (41/26)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم من شرب بعد طلوع الشمس للتقوي في صوم النافلة


    السؤال
    فضيلة الشيخ! رجل يصوم ولكنه يوماً من الأيام لم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس فشرب قليلاً من الماء؛ ليتقوى به على الصيام، فهل يجوز صيامه؟

    الجواب
    لا يجوز الصيام؛ لأن الصيام لا بد أن يمسك الإنسان عن الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات من طلوع الفجر، وهذا لا يصح صومه، لكن الحمد لله النفل أمره واسع، إذا قام بعد طلوع الفجر وهو ناو أن يصوم فإما أن يبقى على نيته بدون أكل ولا شرب ولا شيء من المفطرات، وإما أن يأكل ويشرب ويقضي يوماً مكانه، وإما أن يأكل ويشرب ولا يقضي شيئاً منه؛ لأن النفل تطوع إن شاء فعل الإنسان وإن شاء لم يفعل.

    (41/27)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم ما وصل إلى الحلق من غير المنافذ المعتادة الموصلة للمعدة


    السؤال
    فضيلة الشيخ! سمعت في درس من دروسكم أنك قلت -وفقك الله-: إن القطرة لا تفطر حتى لو وصلت إلى الحلق؛ لأنها ليست بمعنى الأكل والشرب، أما البخور فلا يستنشق؛ لأن له جرماً، فإذا وصل إلى الجوف فإنه يفطر، سؤالي يا فضيلة الشيخ: كيف يفطر دخان البخور وهو ليس بمعنى الأكل والشرب؟

    الجواب
    أما الأول وهو القطرة في العين أو في الأذن فلا تفطر ولو وصلت إلى الحلق لأن هذا ليس أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب، وليست العين والأذن من المنافذ المعتادة في إيصال الشيء إلى المعدة، لكن الاستنشاق من الأشياء المعتادة في إيصال الشيء إلى المعدة، والدليل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للقيط بن صبرة: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) وهذا يدل على أن ما دخل من الأنف كالذي يدخل من الفم، هذا هو الفرق، ولهذا نقول: لا بأس أن يتطيب الصائم بالبخور والدهون وغير ذلك والروائح -أيضاً- لكن دخان البخور لا يستنشقه؛ لأنه ربما يصل إلى جوفه.

    (41/28)


    --------------------------------------------------------------------------------

    حكم من أفطر في رمضان لعذر فأطعم ولم يقض


    السؤال
    فضيلة الشيخ! رجل قبل عشر سنوات أمر زوجته المرضع بالإفطار في شهر رمضان لعلة الإرضاع وقال لها: ليس عليك إلا الإطعام فقط وأنا أطعم عنك فقد أفتاني بعض العلماء، وفي هذا العام الحالي علمت بأن عليها القضاء والإطعام، السؤال: ما هو قولكم في ذلك يا فضيلة الشيخ؟

    الجواب
    قولي في ذلك أنه لا شيء عليها، ما دام زوجها قد استفتى بعض العلماء وقال: ليس عليها إلا الإطعام، فليس عليها شيء، لكن الصحيح: أنه يلزمها القضاء لعموم قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:185] أما ما مضى وبني على الفتوى التي نقلها الزوج فلا شيء عليها، وهكذا كل مسألة يسأل عنها العاميُ من يعتقده عالماً ثم يفتي بخلاف الصواب فلا شيء عليه، لكن بشرط أن يعرف أن هذا المستفتى أهل للفتوى، ليس كل من لبس زي العلماء وأعفى اللحية يكون عالماً، فقد يكون جاهلاً، لكن إذا علم من كونه رجلاً مشهوراً، أو من كون الناس يستفتونه أنه أهل للفتوى وأفتاهم ولو بخلاف الصواب فلا شيء على المستفتي.

    (41/29)


    --------------------------------------------------------------------------------
    وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
    وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

    حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
    https://www.musacentral.com/

    تعليق


    • #77
      كيفية الإطعام لمن لا يقدر على الصيام


      السؤال
      امرأة كبيرة في السن تشكو من مرض، فهي لا تقدر على الصيام، كيف يكون مقابل ذلك؟ هل تدفع في كل يوم صاعاً، أو تدفعه دفعة واحدة في آخر رمضان؟

      الجواب
      هي بالخيار: إن شاءت دفعت فدية كل يوم بيومه، لكن لا تدفع في اليوم الثاني للفقير الأول؛ لأنه لا بد أن يكون عدد الفقراء كعدد الأيام، إذا كان الشهر ثلاثين يوماً فيكون عدد الفقراء ثلاثين مسكيناً أو ثلاثين فقيراً، وإذا كان تسعة وعشرين يوماً فعدد الفقراء تسعة وعشرون فقيراً.
      أما مقدار ما يبذل فليس كما قال السائل صاعاً، بل هو أقل، والصاع الموجود عندنا -من الأرز- يكفي لخمسة فقراء.
      ويجوز أن الإنسان يجمع في العشر الأول عشرة من الفقراء ويعشيهم، وفي العشر الوسطى عشرة من الفقراء غير الأولين يعشيهم، وفي العشر الأخيرة عشرة من الفقراء غير الأولين ويعشيهم، ويجوز أن يجمع ثلاثين فقيراً في آخر يوم كما كان أنس بن مالك رضي الله عنه يصنع ذلك لما كبر.

      (41/30)


      --------------------------------------------------------------------------------

      توجيه للمعتمرين في رمضان


      السؤال
      فضيلة الشيخ! نرى كثيراً من الناس يقضون أيام شهر رمضان المبارك في مكة طلباً للثواب ومضاعفة الأجر مستصحبين عوائلهم معهم، ولا شك أن هذا من حرصهم على طاعة الله عز وجل، ولكن يلاحظ على بعضهم إهماله أو غفلته عن أبنائه أو بناته هناك مما قد يتسبب في أمور لا تحمد مما تعلمونها، فهل من توجيه إلى هؤلاء، ليكمل أجرهم ويسلم عملهم؟

      الجواب
      نعم هناك توجيه، والشكايات في هذا كثيرة، بعض الناس يصطحب عائلته في العمرة لكنه يعتمر ويبقى في مكة يوماً أو يومين ثم يرجع، هذا حصل أجراً كاملاً؛ لأنه أدى عمرةً في رمضان ومن أدى عمرة في رمضان فكمن أدى حجاً وانتهى، ويرجع إلى بلده، وينشط أهل مسجده، وربما يكون خشوعه في بلده أكثر من خشوعه في المسجد الحرام؛ لكثرة الناس وكثرة الضوضاء والأصوات وما أشبه ذلك، فهذا لا شك أنه على خير.
      ورجل آخر ذهب بأهله وأدى العمرة وأبقاهم هناك ورجع، وهذا خطأ عظيم، وإهمال، وليس له من الأجر -والله أعلم- أكثر من الوزر إذا فعل أهله ما يوزرون به؛ لأنه هو السبب.
      ورجل ثالث ذهب بأهله وبقي طيلة شهر رمضان، لكن كما قال السائل: لا يبالي بأولاده ولا ببناته ولا بزوجاته، يتسكعون في الأسواق، وتحصل منهم الفتنة وتحصل بهم الفتنة، ولا يهتم بشيء من ذلك، وتجده عاكفاً في المسجد الحرام، سبحان الله! تفعل شيئاً مستحباً وتترك شيئاً واجباً! هذا آثم بلا شك، وإثمه أكثر من أجره؛ لأنه ضيع واجباً، والواجب إذا ضيعه الإنسان يأثم به، والمستحب إذا تركه لا يأثم.
      فنصيحتي لهؤلاء: أن يتقوا الله، فإما أن يرجعوا بأهلهم جميعاً، وأما أن يحافظوا عليهم محافظة تامةً، والله المستعان.

      (41/31)


      --------------------------------------------------------------------------------

      حكم تعجيل الزكاة أو تأخيرها للحاجة


      السؤال
      فضيلة الشيخ! هل يجوز تعجيل الزكاة أو تأخيرها للحاجة كقدوم الفقير، أو عدم وجود المستحق في ذلك البلد أو لغيرها؟

      الجواب
      تقديمها جائز، أما تأخيرها فلا يجوز إلا إذا كان لا يوجد في المكان مستحق، أو كان يؤخرها لحاجة أشد مثل أن يقول الناس في رمضان: الفقراء مستغنون، أؤجلها إلى شوال، أو إلى ذي القعدة، أو إلى ذي الحجة؛ لأنهم أكثر حاجة، فهذا لا بأس به، لكن عليه أن يضبطها بالقيد؛ لأنه لا يأمن أن يموت ويضيع الواجب عليه.

      (41/32)


      --------------------------------------------------------------------------------

      الضابط في دفع الزكاة من الأب للابن أو من الابن للأب


      السؤال
      ما هو الضابط في دفع الزكاة سواءً من الأب للابن أو من الابن للأب؟

      الجواب
      الضابط ما ذكرناه: وهو ألا يدفع شيئاً واجباً عليه، فإذا دفعها للابن أو للأب من أجل النفقة وهو ممن يجب عليه الإنفاق عليه فإنها لا تجزئ، وإذا دفعها في قضاء دين أو نحوه مما لا يجب عليه فهي مجزئة.

      (41/33)


      --------------------------------------------------------------------------------

      حكم تحويل مبلغ الزكاة إلى مواد غذائية توزع للفقراء


      السؤال
      هل يجوز تحويل مبلغ الزكاة إلى مواد عينية غذائية وغيرها فتوزع على الفقراء؟

      الجواب
      لا يجوز، الزكاة لا بد أن تدفع دراهم، لكن إذا وجد أحد يقبض الزكوات نيابة عن الدولة فهنا لا بأس أن يشتري بها حوائج للفقراء ويعطيهم إياها، وأما إذا كان من نفسه أو كان وكيلاً لشخص آخر فإنها لا تحول إلى أعيان بل تصرف دراهم.

      (41/34)


      --------------------------------------------------------------------------------

      حكم ضمان الوديعة إذا لم يفرط فيها


      السؤال
      فضيلة الشيخ! شخص أعطاني مبلغاً من المال لأبحث له عن شخص لم يؤد فريضة الحج فأحججه منه، فيسر الله لي شاباً لكن المبلغ فقد وأنا في الطريق، ولا أدري أسرق من الحقيبة أم من البيت، حيث أن عندنا سائقاً وزوجته، والشاب حج -ولله الحمد- ودفعت عنه الهدي، واستسمحت ممن حججنا معه وأخبرته بالقصة فقال: لا حرج.
      ولكن حيث أن حجة هذا الشاب لم تكلف إلا نصف المبلغ فهل أضمن ما بقي من المبلغ وأتصدق به، أم أعيده، أم أحجج به شخصاً آخر، أرجو إنقاذي أنقذك الله ووالديك والسامعين من النار؟

      الجواب
      ما دام أن هذا الرجل لم يفرط في حفظ الدراهم ووضعها في محل أمين، ووضعها -أيضاً- في جيبه الذي على صدره لا في جيبه الذي على جنبه؛ لأن الجيب الذي على الجنب في الزحام ليس بحرز في الواقع، لأن كل واحد في الزحام يمكنه أن يدخل يده فيها ويخرج ما شاء، لكن يكون الجيب في الصدر، فأقول: إذا لم يفرط فلا بأس، وأما إذا كان مفرطاً فإن عليه أن يضمن هذه الدراهم، ويرد ما زاد إلى صاحبه الذي أعطاه إياها.

      (41/35)


      --------------------------------------------------------------------------------

      الزكاة في عروض التجارة (المساهمة)


      السؤال
      فضيلة الشيخ! رجل باع منزله ووضع قيمته في مساهمة، والآن لها ثلاث سنوات لم يستلم قيمة المساهمة حيث أنها لم تبع إلى الآن فهل فيها زكاة؟ وإذا لم يكن فيها زكاة الآن فهل يزكي عنها إذا استلمها عن سنة واحدة؟

      الجواب
      إذا كان قد اشترى فيها أرضاً للبيع والشراء وللتكسب ففيها زكاة لا شك، ولكن كيف يزكيها؟ الجواب: إذا جاء حولُ الزكاة فيقدر قيمة الأرض، ويقدر سهمه منها، ثم يكتب عنده، يجب علي لهذا العام عام (1417هـ) مائة ريال زكاة نصيبي من الأرض الفلانية، ولا يلزمه الدفع إذا لم يكن عنده دراهم إلا إذا باعها فيزكي لما مضى، أما إذا كان عنده دراهم فيجب أن يدفع زكاتها؛ لأن عروض التجارة كبقية المال يندمج بعضه في بعض.

      (41/36)


      --------------------------------------------------------------------------------

      حكم تنفيذ وصية المرأة الكبيرة السن في حال حياتها وبعد موتها


      السؤال
      جدتي كبيرة في السن وقد دخلت في مرحلة الهرم، وعندها مال وتوصينا الآن ببناء مسجد، علماً بأنها تصلي أحياناً، وتعرفنا أحياناً، وتعرف أشياء كثيرة، وأحياناً لا تعرف، ولها بنت وهي أمي، ولها أبناء ابن وهم أبناء خالي المتوفى، والمال موجود لدي، فهل أتصرف فيه ببناء مسجد حسب ما توصي به الآن أم ماذا أفعل؟ وإذا وافتها المنية فكيف أعمل؟

      الجواب
      أما إذا قدر الله عليها وماتت من قبل أن ينفذ، فالمال يرجع إلى الورثة إذا أرادوا أن يبنوا به مسجداً فلا بأس وجزاهم الله خيراً، وأما قبل أن تموت فلا يجوز أن يتصرف فيه؛ وذلك لأن هذه العجوز لا حكم لقولها؛ لأنها لا تشعر ولا تدري فقولها هدر، ولا يجوز أن ينفذ شيئاً مما قالته إلا إذا كانت قالته عن وعي وعقل فنعم.
      وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء، وأرجوكم المعذرة لأن لنا موعداً في محاضرة في بلاد مجاورة، ونريد أن يسمع صوتنا في هذه البلاد وهي بلاد بعيدة، وموعدهم الساعة الثامنة والنصف فبقي ساعة إلا ربع، وهي الصلاة والذكر والمشي فنرجوكم المعذرة.
      ونسأل الله يجزيكم خيراً، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح إنه على كل شيء قدير.

      (41/37)


      --------------------------------------------------------------------------------

      اللقاء الشهري [41] رقم2
      على العبد الذي يريد أن ينفع نفسه في الآخرة وأن ينفعها فيما فيه صلاحها وعافيتها أن يستغل ليالي رمضان بالعبادة؛ لما فيها من الأجور العظيمة، ويجدر بالمرء أن يحذر في ليالي رمضان من الإفراط في الأكل والشرب، والإسراف والتبذير.
      كما ينبغي للإنسان الذي يريد قصد بيت الله الحرام لأداء العمرة في رمضان أن يتنبه من الأخطاء التي تقع في عمرته، وأن يعلم أحكام العمرة قبل الذهاب إلى مكة.
      وفي ختام هذا اللقاء بسط الشيخ الإجابة على كثير من الأحكام التي تتعلق بشهر الصيام.

      (41/1)


      --------------------------------------------------------------------------------

      أهمية استغلال ليالي رمضان بالعبادة
      الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
      أما بعد: فهذه الليلة هي ليلة الأحد الثالث من شهر رمضان عام (1417هـ) وهذا اللقاء فيها تكميل للقاء السابق، حيث إنه كان هناك أسئلة كثيرة لم نتمكن من الإجابة عليها، ولكن لا مانع أن نتكلم بما تيسر حتى يتسنى عرض هذه الأسئلة إن شاء الله تعالى.
      في هذا العام (1417هـ) يؤدي المسلمون ولا سيما في هذه الجزيرة العربية شهر رمضان في جو معتدل، يشبه جو الربيع، على أن الناس في هذه الأيام في أشد ما يكون برداً من أيام الشتاء، وهذا لا شك من نعمة الله، اللهم لك الحمد، نسأل الله أن يتمم بالقبول، كما أن فيه دليلاً على أن الأمر أمر الله عز وجل، وأنه تعالى هو الذي يرجع إليه الأمر كله، وأن العادات قد يخلفها رب الأرض والسماوات، قد يكون زمن البرد معتدلاً، وقد يأتي في أيام الحر -أيضاً- اعتدال ليس حراً؛ لأن الأمر أمر الله عز وجل يفعل ما يشاء.
      هذا الجو الذي نعيشه هذه الأيام جو معتدل كما قلنا، فيه طول الليل وقصر النهار، ويخف الصوم على المسلمين ويكثر الخير في الليالي للموفقين؛ لذلك نقول: اغتنم يا أخي هذه الأوقات الثمينة، نم في الليل ما تيسر، وتعبد لله بما تيسر، واجعل النهار نهار عمل صالح لا نهار نوم كما يفعله بعض الناس المفرّطون المفرطون: مفرّطون في تفويت الأعمال الصالحة، حيث تجدهم يسهرون الليل كله وينامون النهار كله، إلا أنهم يقومون بما أوجب الله عليهم من الصلوات وغيرها، لكنهم محرومون؛ لأن سهرهم الليل كله ليس للتهجد أو قراءة القرآن، حيث إن أكثر الذين يسهرون إنما هو لإمضاء الوقت وقتله بلا فائدة، بل منهم من يقتل الوقت بالمضرة عليه: على دينه، وخلقه، وأهله، وهذا حرمان عظيم.
      ففي هذا الجو المناسب ينبغي لك أن تنام في الليل، وأنت إذا قمت مع الإمام حتى ينصرف كتب الله لك قيام ليلة كاملة ولو كنت في منامك، اللهم لك الحمد، ولهذا لما قال الصحابة للرسول عليه الصلاة والسلام: (لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه -يعني: لو تركتنا حتى نقوم إلى الصباح- قال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) ولم يقل: صلوا في بيوتكم، إشارةً إلى أن الإنسان ينبغي أن ييسر على نفسه، ما دام الله تعالى قد كتب لك قيام ليلة إذا قمت مع الإمام حتى ينصرف فخفف على نفسك.

      (41/2)


      --------------------------------------------------------------------------------

      نصائح وإرشادات للصائمين
      كذلك -أيضاً- أذكركم بما بدأنا به أولاً: من أن الصوم ليس الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح، لكنه إمساك عن معصية الله؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الصوم جنة) ومعنى جنة: وقاية من المعاصي، ولهذا رتب عليه قوله: (فلا يصخب ولا يرفث، وإن أحد سابه أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم، إني صائم) فاحفظوا الصيام.

      (41/3)


      --------------------------------------------------------------------------------

      التحذير من الإفراط في المأكول والمشروب
      ثم احذروا من الإفراط في المأكول والمشروب، فإن الناس اتخذوا رمضان موائد البطون لا موائد القلوب، ليس لهم هم إلا أن يكون على مائدة الفطور أو على مائدة السحور من الأشياء ما لا حاجة إليه.
      وإن من الناس من اتخذوا عادة سيئة بدعية ليس لها في كتاب الله ولا في سنة رسوله أصل ولا في عمل الصحابة: حيث صاروا يذبحون الذبائح كأنه عيد أضحى -نسأل الله العافية- والذبائح في عيد الأضحى لكنهم يتخذون الذبائح ويتعازمون فيما بينهم، كل يوم على واحد ذبيحة وطعام، وربما يكون بعض أهل الحي فقيراً يتدين هذه الذبيحة فيكلفونه ما لا يلزمه في دين الله.
      ثم زد على ذلك أن بعض الناس يجعل هذه الموائد -التي لا يراد بها إلا ملء البطون- كالصدقة فيقول: هذا عشاء أبي، وهذا عشاء أمي، وما أشبه ذلك، وربما حاموا بأيديهم على الطعام وقالوا: اللهم اجعله لأبي أو لأمي.
      أين نحن من الجماعة؟!! أين نحن من هدي السلف الصالح؟!! هل نحن مأمورون أن نتبع أهواءنا، أو أن نتبع كتاب الله وسنة رسوله وخلفائه الراشدين والصحابة المهديين؟!! الثاني بلا شك، هل فعل الصحابة هذا؟

      الجواب
      هذا ليس من فعلهم.
      ولهذا أخشى إن طال بالناس زمان أن يتخذوا رمضان كعيد الأضحى تذبح فيه الضحايا ثم يأتي الناس مع طول المدة ويقول: إذا أراد أحدكم أن يذبح ذبيحة ودخل رمضان فلا يأخذ من شعره ولا من ظفره شيئاً، وربما يجعلون أحكام الأضاحي لهذه الذبائح.
      ولكن هنا شيء حتى لا يؤخذ علينا ما نقول، إذا قال القائل: أنا أريد أن أدعو جيراني للتعارف، وأريد أن أذبح ذبيحة؛ لأنها أنسب لي من أن آخذ من المجزرة، فهذا لا بأس به، لكن كونهم يعتقدون أن الذبح نفسه أفضل من شراء اللحم لا لأنه أحسن وأطيب وأطرى ولكن يرونه كالتعبد لله فهذا بدعة.

      (41/4)


      --------------------------------------------------------------------------------

      التحذير من الإسراف والتبذير في رمضان
      كذلك -أيضاً- توسع الناس في الإسراف حتى في الإضاءة: إضاءة البيوت إضاءة الدكاكين، يجعلون على دكاكينهم قناديل كأنها قصر أفراح، أليس في هذا إضاعة للمال؟ بلى، فيه إضاعة مال، ثم إن فيه -أيضاً- تحميلاً للطاقة العامة الكهربائية، ما يخشى أن يقصر أعمال المكائن مثلاً؛ لأن هذه المعدات والمكائن كلما تحملت صارت أقرب إلى أجلها بلا شك، فلماذا نحمل أنفسنا نفقات ونحمل التيارات الكهربائية عبئاً ثقيلاً لغير فائدة؟! وكذلك -أيضاً- في البيوت، مع أن الله عز وجل يقول في مدح عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان:67] سبحان الله! انظر! الإسراف طرف، والإقتار طرف، والذي بينهما فجوة، يقول: {بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان:67] أحياناً يميلون إلى الإقتار؛ لأن المصلحة تقتضي ذلك، وأحياناً يميلون إلى الزيادة لأن المصلحة تقتضي ذلك، ولكن انظر إلى قوله: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ} [الفرقان:67] ليس هو عبثاً ولكنه {قَوَاماً} [الفرقان:67] تستقيم به الأمور.

      (41/5)


      --------------------------------------------------------------------------------

      أخطاء يقع فيها بعض المعتمرين
      وتكلمنا أيضاً -وأعيدها لأنها مهمة- على أولئك الذين يذهبون إلى مكة بقصد العمرة، ونِعْم ما قصدوا؛ لأن عمرة في رمضان تعدل حجة، وهي -أعني: كونها تعدل حجة- في عهد الرسول وغيره، قلت ذلك يا إخواني: لأن المسألة ليست هي مسألة اتفاق بين العلماء، فلم يتفق العلماء على أن العمرة في رمضان تعدل حجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاطب بها امرأة تخلفت عن حجها معه، فقال لها: (عمرة في رمضان تعدل حجة -وفي لفظ- معي) يعني أن معناه: أنك إذا اعتمرت في رمضان فكأنما حججت معي؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن هذا الحديث خاص بتلك المرأة، ليس هو عام للأمة، لكن جمهور الذين رأيناهم تكلموا على الحديث يرون أنه عام.
      فأقول: العمرة في رمضان سنة، لكن الناس يخطئون فيها في أشياء نذكر منها:

      (41/6)


      --------------------------------------------------------------------------------

      تكرار العمرة في السفرة الواحدة
      أولاً: بعضهم يأخذ عمرة لنفسه أول ما يقدم، وبعد يومين أو ثلاثة يخرج إلى التنعيم ويأخذ عمرة ثانية لأمه، وبعد يومين أو ثلاثة أخذ عمرة ثالثة لأبيه، وبعد يومين أو ثلاثة أخذ عمرة رابعة لجدته وهلم جرا، وربما أخذ بعضهم عمرتين في يوم، وتجد رأسه أصلع قد حلقه في أول مرة ثم يعتمر، ماذا يبقى للعمرة الثانية؟

      الجواب
      لا شيء إلا شيئاً واحداً منكراً، رأيت رجلاً يسعى بين الصفا والمروة وقد حلق نصف رأسه تماماً، حلق النصف، فهو أبيض ليس فيه شعر، والثاني فيه شعر كثير، فقلت له: لماذا؟ قال: هذا الذي حلقته لعمرة أمس وهذا لعمرة اليوم.
      وعلى قياس قوله: لو أراد أن يعتمر أربع مرات حلق الربع، والثاني في الربع الثاني، والثالث في الربع الثالث، والرابع الرأس كله، كل هذا من الخطأ، وسببه حب الناس للخير وجهلهم بالشريعة.
      ومعلوم يا إخواني أن العبادة لا بد لها من شرطين أساسيين هما: الإخلاص والمتابعة.
      هل هم أحرص على الخير من الصحابة؟ لا والله ليسوا بأحرص، وليسوا أعلم بشريعة الله من الصحابة، فليأتوا بحديث واحد على أن الصحابة كرروا العمرة في رمضان أو في غير رمضان، أما والمسألة ليس فيها أي حرف لا صحيح ولا ضعيف يدل على أن الصحابة يكررون عمرة في رمضان أو غيره، إذا حل الإنسان من عمرته هذه خرج إلى التنعيم وأتى بعمرة أخرى، حتى قال عطاء رحمه الله وهو فقيه أهل مكة قال: لا أدري هؤلاء الذين يذهبون إلى التنعيم فيأتون بعمرة لا أدري أيأثمون أم يؤجرون.
      أي: وكأن ليس لهم أجر إلا التعب والعياذ بالله؛ لأنهم على غير الشريعة.
      هذه واحدة.

      (41/7)


      --------------------------------------------------------------------------------

      ترك الأهل بغير راع
      المسألة الثانية: بعض الناس يذهب إلى العمرة ويذهب بأهله، وقد قسمنا في المجلس السابق الناس في هذا إلى ثلاثة أقسام: قسم يذهب بنفسه ويعتمر ويرجع إلى أهله، وهذا حسن.
      قسم آخر: يذهب إلى مكة ويعتمر ويبقى طيلة الشهر ويدع أهله مسيبين، وهذا خطأ؛ لأن بقاءه في أهله أفضل من بقائه في مكة.
      وأذكر لكم قصة؛ لأني لا أحب أن يتكلم أحد بشيء إلا بدليل: مالك بن الحويرث رضي الله عنه، قدم إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في وفد، وأقاموا عنده عشرين يوماً، ثم قال لهم عليه الصلاة والسلام: (ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم) والشاهد في هذا الحديث قوله: (اذهبوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم) لأن الرعية بلا راع تضيع، والرجل راع في أهل بيته، فكونه يذهب إلى مكة ويبقى هناك ويزعم أنه يتعبد الله وأن ذلك أفضل من رجوعه إلى أهله هذا خطأ، بل رجوعه إلى أهله وبقاؤه فيهم أفضل بكثير؛ لأنه سيؤدبهم، وسيراقبهم، وسينظر أحوالهم.
      القسم الثالث: يذهب الرجل بعائلته إلى مكة ويبقى فيها كل الشهر أو أكثر الشهر لكنه يترك أهله، ويترك الفتيات والفتيان والزوجات والأخوات، ويبقى في المسجد يتعبد الله، لكن يترك الواجب عليه وهو مراعاة الأهل، وتعلمون أن مكة في أيام العمرة تكون خليطاً من كل فج، من البلاد ومن خارج البلاد، وعباد الله تعالى لا يملكهم زمام، فيكون في ذلك شر كثير.
      حيث يكون هذا مضيعاً للواجب فاعلاً للمستحب، والواجب أولى به، فإما أن يراعي أهله ويمنعهم وإما أن يرجع، وهذا من الجهل.

      (41/8)


      --------------------------------------------------------------------------------

      تحري العمرة في ليلة سبع وعشرين
      ما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اعتمروا في ليلة سبع وعشرين، وإنما حث على قيام ليلة القدر، قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) .
      ثم هل ليلة القدر هي ليلة سبعة وعشرين؟ الله أعلم، قد تكون ليلة سبعة وعشرين، قد تكون في خمسة وعشرين، أو في غيرها من الليالي العشر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من كان متحريها فليتحرها في العشر الأواخر) وأول عام علم فيه الرسول عليه الصلاة والسلام أن ليلة القدر في العشر الأواخر كانت ليلة القدر في ليلة واحد وعشرين، حيث أريها النبي عليه الصلاة والسلام، وأري أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، وأمطرت السماء ليلة واحد وعشرين، وكان مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام سقفه جريد النخل، فوكف المسجد وابتلت الأرض، فسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من صبيحتها في ماء وطين، فشاهده الصحابة حين انصرف من الصلاة وعلى جبهته -صلوات الله وسلامه عليه- أثر الماء والطين.
      إذاً كانت ليلة القدر هي ليلة واحد وعشرين.
      ورآها جماعة من أصحابه في السبع الأواخر، فقال: (أرى رؤياكم قد تواطأت، فمن كان متحريها -يعني: في تلك السنة- فليتحرها في السبع الأواخر) وقال: (التمسوها في الوتر من السبع الأواخر) والوتر لا يقتصر بسبعة وعشرين، ولذلك بعض الناس مساكين ليلة سبعة وعشرين يقوم ويأتي مع الإمام ويصلي ويبكي ويخشع، وفي غيرها لا يأتي، فيقول: قمت ليلة القدر، وقد غفر لي.
      يا مسكين! من قال لك إن ليلة القدر ليلة سبعة وعشرين في هذا الشهر؟ قد تكون قبل هذه أو بعدها.
      ومن حكمة الله ورحمته أن أخفى علم عينها، حتى يجتهد الناس في جميع العشر، وحتى لا يتكل الكسلان ويقول: انتهى أنا قمت ليلة القدر وأنا سوف أنام.
      فعلى كل حال هذه ثلاثة أشياء في العمرة يخطئ فيها الناس.

      (41/9)


      --------------------------------------------------------------------------------

      ترك الإحرام من الميقات
      بقي الشيء الرابع -أيضاً-: بعض الناس يذهب إلى مكة يريد العمرة لكنه يقول: أريد أن أقيم في جدة لمدة أيام ثم أحرم منها -وهو قد مر بالميقات إما عن طريق المدينة وإما عن طريق الطائف - لكن يقول: أنا سأذهب وأريد أن أبقى في جدة؛ لأن هذه إجازة ونزهة أذهب إلى هناك، ومتى نويت أن أعتمر اعتمرت، هذا غلط، إذا كنت قد أردت العمرة فلا بد أن تعتمر من الميقات الذي حدده الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد حدد صلى الله عليه وعلى آله وسلم المواقيت وقال: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة) لو قال: إذا أردت الإحرام ذهبت إلى الميقات الذي مررت به أولاً فأحرمت منه فلا بأس، تبقى في جدة ما شئت وإذا أردت الإحرام إن كنت مررت بـ المدينة اذهب إلى أبيار علي ذي الحليفة وأحرم منها، وإن كنت مررت بـ الطائف فاذهب إلى السيل وأحرم منه.
      وبهذا نقول: الناس في هذه المسألة على ثلاثة أقسام: قسم أراد العمرة وأراد المكث في جدة فنقول له: أحرم من الميقات واذهب إلى مكة مباشرة، واجعل العمرة هي المقصد الأول؛ لأنها عبادة وبقاؤك في جدة ليس عبادة، فابدأ أولاً بالعبادة، وليس بين جدة وبين مكة في إقامة العمرة إلا نحو ثلاث ساعات، وثلاث ساعات بالتأكيد تكفي إذا كان المطاف ليس زحاماً ولا المسعى فمن جدة إلى مكة ساعة أو أقل، والطواف والسعي اجعلوه ساعة، والرجوع ساعة، ثلاث ساعات يا أخي، يخذلك الشيطان ويقول لك: لا، ابق في جدة، اذهب إلى جدة ومتى شئت اذهب من جدة.
      الثاني من الناس من يقول: أنا أذهب إلى جدة؛ لأني ما أدري هل يحصل لي أن أعتمر أو لا، لست عازماً، يمكن أحرم ويمكن لا أحرم، نقول: لا بأس اذهب إلى جدة وإذا تيسر لك الإحرام فأحرم من جدة ولا حرج عليك؛ لأنك لم تجزم بأنك ستعتمر.
      القسم الثالث: من أراد العمرة أو الحج والبقاء في جدة وذهب إلى جدة محلاً لا محرماً، ولما أراد الإحرام أحرم من جدة، فنقول: هذا حرام، وهو آثم، وعاص للرسول عليه الصلاة والسلام، ومن عصى الرسول فقد عصى الله، وعليه -أيضاً- عند العلماء فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء.
      فهذه أحوال الناس، ونحن ننصح إخواننا الذين يذهبون إلى تلك الأماكن -إلى الحجاز - للنزهة مع العمرة أن يبدءوا أولاً بالعمرة ثم بالنزهة.
      نسأل الله لنا ولكم التوفيق، وأن يرزقنا وإياكم اغتنام هذا الشهر المبارك بما يرضيه، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.

      (41/10)


      --------------------------------------------------------------------------------

      الأسئلة

      (41/11)


      --------------------------------------------------------------------------------

      نصيحة للمدخنين


      السؤال
      فضيلة الشيخ بمناسبة شهر رمضان سؤالي هو: هل من يشرب الدخان ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أن من قتل نفسه فهو في النار" أو فيما معنى الحديث، فهل يدخل شارب الدخان في هذا، وما نصيحتك لإخوان لنا ابتلوا به؟

      الجواب
      شارب الدخان لا شك أنه عرض نفسه للخطر؛ لأن الأطباء اتفقوا على أن الدخان -أجارنا الله وإياكم منه وعصم من ابتلي به من المسلمين- ضار، وأنه سبب لسرطان الحلق والرئة وضرره أمر واضح، وانظروا إلى الذين ابتلوا به حيث تجد أحدهم هابط الهمة، ضعيف الإرادة، ولو أنهم أقلعوا عنه لوجدوا نشاطاً وحيوية.
      ومن المعلوم أن من الناس من قد لا يتضرر به في الحال، لأننا نشاهد أناساً يشربونه وهم أصحاء، لكن في المآل لا بد أن يضره، ثم لو عصموا منه لكانوا أقوى وأصح، لذلك نقول: على من ابتلي بالدخان أن يسأل الله سبحانه وتعالى أن يعصمه منه، وأن يلجأ إلى الله وأن يستعين به على تركه، وأن يتركه شيئاً فشيئاً، وأن يبتعد عن الذين يشربونه حتى لا يحن إليه مرة أخرى، والإنسان إذا أراد الله سبحانه وتعالى عصمته أعطاه عزيمة قوية، فإننا شاهدنا أناساً كان عندهم عزيمة فتركوه قطعاً ولم يعودوا إليه، لكن أكثر الناس همته ضعيفة، تجده إذا ضاق صدره يريد شربه ويعجز أن يصبر فيعود إليه، لكن لو صبر وتحمل لفكه الله منه.

      (41/12)


      --------------------------------------------------------------------------------

      من آداب الدعاء ومحاذيره


      السؤال
      فضيلة الشيخ في هذه الأيام يكثر الدعاء من الأئمة، أرجو من فضيلتكم بيان آداب الدعاء ومحاذيره.


      الجواب
      الأئمة يدعون لأنفسهم خاصة في سجودهم وتشهدهم وبين السجدتين وكذلك المأمومون، لكن الدعاء المشترك كدعاء القنوت ينبغي أولاً: المحافظة على ما ورد؛ لأن الدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كله خير، وهو خير وخير وخير من بعض الأدعية المسجوعة التي صنفها من صنفها من الناس، فالوارد هو الخير، ثم إن زاد على ذلك فلا بأس، لكن يراعي عامة من وراءه -يعني: أكثرهم- لأن بعض الناس يحب التطويل جداً، وبعض الناس يحب التخفيف جداً فليكن بين وبين، وإذا كان هناك أحوال تستدعي أن يقصر فليقصر مثل: أن يكون الجو بارداً جداً، والناس ربما يحتاجون إلى قضاء الحاجة -إلى البول أو الغائط مثلاً- فهنا الأولى أن يراعي الضعفاء، وكذلك لو كان في شدة حر وغم فليراعي هذه الحال.
      أما مع اعتدال الجو فهذا خير، فليكن بين بين، لا طولاً مملاً ولا قصراً مخلاً.

      (41/13)


      --------------------------------------------------------------------------------

      حكم متابعة المأموم للإمام في سجود السهو


      السؤال
      فضيلة الشيخ أرجو بسط الموضوع في المسبوق إذا سها إمامه وسجد قبل السلام أو بعده، وهل يسجد المسبوق في كلتا الحالتين بعد أن يكمل صلاته؟

      الجواب
      المسبوق إذا سجد إمامه قبل السلام فلا بد أن يتابعه؛ لأنه لا يحل للمسبوق أن يفارق الإمام إلا إذا سلم، أما إذا سجد بعد السلام فلا يتابعه، بل إذا سلم إمامه من الصلاة قام وقضى ما فاته، فإذا أتم ذلك نظرنا: إن كان قد أدرك الإمام في سهوه سجد هو بعد السلام، وإن كان سهو الإمام قبل أن يدخل معه فلا سجود عليه، هذا هو حكم متابعة المأموم للإمام في سجود السهو.

      (41/14)


      --------------------------------------------------------------------------------

      حكم صيام الحائض التي انقطع عنها الدم قبل الغروب


      السؤال
      امرأة جاءتها العادة الشهرية قبل رمضان بأيام ثم دخل رمضان وهي لم تطهر بعد، ففي اليوم الثاني من رمضان نوت الصوم وانتظرت انقطاع الدم وهي ممسكة حتى انتهى اليوم وقد انقطع الدم قبل الغروب وهي ممسكة طيلة يومها ولم تغتسل، فتسأل هل تقضي يومها هذا أو لا؟

      الجواب
      إذا كان السؤال كما تصورناه: أن الحيض أتاها قبل رمضان ودخل عليها رمضان وهو لا يزال عليها، ودخل اليوم الثاني وهو لا يزال عليها لكنها تظن أنها تطهر في ذلك اليوم -اليوم الثاني- نقول: إن صومها حرام عليها، ولا يحل لامرأة أن تصوم وقد بقي الحيض عليها أبداً لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) وهذا محل إجماع من العلماء رحمهم الله.
      فعلى هذه المرأة الآن أن تقضي اليوم الأول واليوم الثاني، وأن تتوب إلى الله من كونها نوت الصوم وعليها الحيض، وعلى المرأة إذا طهرت قبل الفجر أن تغتسل وتصلي صلاة الفجر، وتستمر في صومها حتى لو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر كما لو كان الإنسان جنباً ولم يغتسل من الجنابة إلا بعد طلوع الفجر فلا بأس.

      (41/15)


      --------------------------------------------------------------------------------

      حكم كشف المرأة وجهها أمام إخوان زوجها


      السؤال
      هل يجوز لي أن أكشف وجهي لإخوان زوجي وأنا أعرف أنه حرام، ولكن ظروفي صعبة جداً تمنعني من ذلك، فإني أتغطى إلا وجهي يبقى مكشوفاً، وللعلم إني لا أجلس معهم إلا على الأكل، أفدني جزاك الله خيراً؟

      الجواب
      لا يحل للمرأة أن تكشف وجهها لإخوان زوجها ولا لأعمام زوجها؛ لأنهم ليسوا من محارمها، وعليها أن تصبر حتى لو آذوها فلتصبر، وكونها لا تغطي الوجه وتغطي بقية البدن غلط منها؛ لأن الوجه أحق من البدن بالستر عن الأجانب، إذ أن الوجه هو محل جمال المرأة وبه تكون الفتنة.
      سل الرجال إذا خطبوا امرأة عم يسألون؟ يسألون عن وجهها أو يسألون عن رجلها؟ الجواب: عن وجهها، لا تجد أحداً يقول عند خطبة المرأة: يا أخي، أو يا أختي إذا وكل -وهو على كل حال لا يوكل أحداً إلا من محارمها كأخيها الذي قد يكون صديقاً له- يقول: يا أخي أخبرني عن قدم أختك، أو عن وجه أختك؟ بالثاني بلا شك، وسبحان الله يعني لولا أن المسألة قال بها أحد من أهل العلم -أعني قال بها العلماء الكبار- لكان العقل يقتضي أنه إذا حرم على المرأة أن تخرج إبهام رجلها أو خنصر رجلها فتحريم إخراج الوجه من باب أولى ولا إشكال في هذا، يعني: لو رددت المسألة لمجرد العقل لقال الإنسان: لا يمكن للمرأة أن تكشف وجهها وتغطي قدميها.
      مع أن الشرع يقتضي وجوب تغطية المرأة وجهها عمن ليسوا من محارمها.
      فأقول لهذه المرأة جزاها الله خيراً: لتصبر وتحتسب وإن أوذيت وتذكر قول الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّه} [العنكبوت:10] تصبر وتترقب وعد الله عز وجل: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ} [هود:49] لمن؟ {لِلْمُتَّقِينَ} [هود:49] .

      (41/16)


      --------------------------------------------------------------------------------




      ا
      وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
      وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

      حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
      https://www.musacentral.com/

      تعليق


      • #78
        لسؤال
        فضيلة الشيخ عندما يكبر الإمام تكبيرة الإحرام لصلاة الوتر فإن المأموم لا يدري هل الوتر ثلاث ركعات أو واحدة، فماذا ينبغي على المأموم؟

        الجواب
        أولاً يجب يا إخواني أن تعرفوا أن الركعتين اللتين يسميهما الناس الشفع أنهما وتر، فأنت من حين ما ينتهي الإمام من التراويح تنوي إذا قام الوتر حتى لو كان يصلي من الركعتين الأوليين؛ لأن الإيتار بالثلاث لك فيه صفتان: إما أن تجعل الثلاث بتسليم واحد وتشهد واحد، وإما أن تجعل الثلاث بتسليمين وتشهدين، تسلم من ركعتين ثم تأتي بالثالثة، هذا الإيتار بالثلاث، وإذا أوتر الإنسان بخمس كيف يعمل؟ يسرد الخمس جميعاً بتشهد واحد وتسليم واحد، وإذا أوتر بسبع؟ مثلها يسردها بتسليم واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بتسع يسرد ثمان ركعات ويتشهد ولا يسلم ثم يأتي بالتاسعة ويتشهد ويسلم فيكون التسع فيها تشهدان وتسليم واحد، هكذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام.
        لكن هل لنا ونحن أئمة أن نفعل هذا بالناس: لو جعلنا نوتر خمساً أو سبعاً سرداً وتسعاً سرداً ونتشهد في الثامنة؟ لا، هذا مما يشق على الناس ويتأذى به بعض الناس إذا احتاج إلى البول أو الغائط، ثم يقع الناس في شك: هل إمامهم الآن يوتر أو يصلي التراويح، لا يدرون.
        وبعض الأئمة فعل مثل ذلك مدعياً أن ذلك سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ونحن نقول: نعم، الرسول فعل ذلك، لكن هل فعله وهو إمام؟ لا، بل فعله بنفسه، فالإنسان إذا صلى بنفسه يطول ما شاء كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن إذا صلى بالناس يخفف.
        ومعلوم أن كون الإمام يسلم من ركعتين أخف على الناس من أن يسرد خمساً أو سبعاً أو تسعاً، فلا يوجد حديث واحد أن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى بالصحابة خمساً أو سبعاً أو تسعاً، إنما كان يفعلها بنفسه، ونحن نقول: في بيتك افعل كل السنة، نحن نشجع على أن الإنسان يوتر مرة بهذا ومرة بهذا لإحياء السنة، لكن كوننا نفعل ذلك بالمسلمين، هذا ليس بصحيح، ربما لو كانوا جماعة معينين مختصين اتفقوا على أن يوتروا بخمس سرداً أو سبع سرداً أو تسع سرداً فلا بأس، أما مسجد يشرع للناس كلٌ يأتي ويدخل ويصلي فلا تخرج بالناس عن ركعتين ركعتين.
        بالنسبة الآن مثلاً إذا انتهيتم من التراويح وقام الإمام يصلي تنوون وتراً، حتى لو صلى ركعتين وسلم هي وتر.

        (41/17)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم من دخل عليه رمضان وهو في غيبوبة


        السؤال
        فضيلة الشيخ امرأة أصيبت بغيبوبة في بداية شهر رجب وحتى الآن هي في غيبوبة، فهل يجب أن نطعم عنها أو يسقط عنها أو ماذا نصنع؟

        الجواب
        هذه المرأة التي فيها غيبوبة إن كان يرجى أن تصحو فانتظروا حتى تصحو، وإن كان لا يرجى أن تصحو فإنه يوزع عن كل يوم إطعام مسكين، أما إذا كان لا يرجى أن تصحو صارت من جنس المريض، بل هي مريضة مرض لا يرجى برؤه، وفرض من مرض مرضاً لا يرجى برؤه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، وإن كان يرجى أن تصحو انتظروا حتى تصحو، ونسأل الله لها العافية.

        (41/18)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم التغني بدعاء القنوت وحكم الاستسقاء في القنوت


        السؤال
        فضيلة الشيخ ما حكم التغني بدعاء القنوت؟ وما حكم الاستسقاء في ذلك الدعاء؟

        الجواب
        التغني بدعاء القنوت إن كان يريد السائل أن يقف القانت على كل جملة دعائية فهذا لا بأس به، حتى يتمكن الناس من تصور ما يقول إمامهم والتأمين عليه، وأما إن كان يأتي به بصفة الأغنية فهذا لا يصح، ولا يمكن، الناس ليسوا بحاجة إلا أن يسمعوا كلاماً كالأغاني، هم بحاجة إلى دعاء يقنتون فيه لله عز وجل.
        وأما الاستسقاء فيه فلا بأس أن يستقي الإنسان في دعاء القنوت؛ لأن دعاء القنوت دعاء مطلق، يذكر فيه ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام وما زاد فيتخير الإنسان ما شاء.

        (41/19)


        --------------------------------------------------------------------------------

        توجيه لمن يجلس في مجالس فيها منكرات


        السؤال
        فضيلة الشيخ أنا شاب ملتزم وأجلس في هذه الليالي المباركة في استراحة مع بعض الشباب، لكن قد يأتي من يدخن وقد يأتي من يشرب الشيشة، فماذا أصنع في هذه الحالة؟

        الجواب
        قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) فإذا حضر إلى مجالسكم حاضر وشرب الدخان فانصحه أولاً، فإن انتهى فهذا خير لك وله، وإن لم ينته وأنت قادر على إخراجه من المكان فأخرجه لأنك تقدر على تغيير المنكر بيدك، وإن لم تقدر بأن كان المكان لغيرك فاخرج؛ لأنك لم تستطع بلسانك ولا تستطيع بفعلك، ما الذي بقي؟ القلب، القلب لا يمكن أن ينكر شيئاً ويبقى مع صاحبه أبداً، فاخرج، قال بعض الناس: إنه يجلس معهم وهو كاره بقلبه.
        نقول: سبحان الله العظيم! هذا تناقض، لو كنت كارهاً بقلبك فمن الذي أجبرك؟ لا يوجد إجبار، فكل إنسان ينكر الشيء بقلبه فلا بد أن يفارق مكانه، وإن ادعى أنه منكر بقلبه وهو باق في مكانه فهو كاذب.
        فنقول: إذا كنت منكراً بقلبك فاخرج، وهكذا في جميع المحرمات، إذا لم تستطع تغييرها فاخرج.

        (41/20)


        --------------------------------------------------------------------------------

        بيان متى ينتهي الاعتكاف


        السؤال
        فضيلة الشيخ هل ينقطع الاعتكاف إذا رأى الإنسان علامات ليلة القدر؛ كأن يراها مثلاً في ليلة خمس وعشرين فهل يقطع اعتكافه؟

        الجواب
        ما شاء الله! سؤال لا بأس به، لا ينقطع الاعتكاف، فالاعتكاف مسنون في العشر الأواخر كلها، حتى لو رأى ليلة القدر، أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد علم أن ليلة القدر ليلة واحد وعشرين واستمر في اعتكافه؟ بلى، وهو عالم بها، وأنها قد مضت، ومع ذلك اعتكف العشر الأواخر، فنقول: ربما يكون اعتكافك بعد أن رأيتها بمنزلة الراتبة للفريضة، يعني: أنه يكمل أجر الليلة، هل منا من يتأكد أنه أعطى ليلة القدر حقها؟ أبداً، كلنا مقصرون نسأل الله أن يعاملنا بعفوه.
        إذاً اعتكافك فيما بقي بعد رؤيتك ليلة القدر -هذا إن صح أنك رأيتها حقاً وأنها هي حقاً- يكون بمنزلة الراتبة للصلاة ويكمل بها الأجر، فأنت وإن رأيتها اعتكف.
        لكن متى تخرج؟ تخرج إذا غابت الشمس آخر يوم من رمضان، إن كمل الشهر ثلاثين، متى تخرج؟ بعد الغروب ليلة واحد وثلاثين، وإن ثبت الشهر أنه تسع وعشرون فمتى ثبت فاخرج.
        فلو قدرنا أن رجلاً معتكفاً وبعد العشاء من ليلة الثلاثين أعلن عن أول الشهر، فقال: ما أشد اشتياقي إلى أهلي! فهل يصبر حتى يصلي العيد أو يذهب؟ يذهب، فقد انتهى وقت الاعتكاف، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يعتكف إلا في العشر الأواخر، والعشر الأواخر انتهت.
        وهناك سؤال يسأل عنه كثيراً في المسجد الحرام، تجد الرجل -مثلاً- من أهل جدة، أو من أهل الطائف، ويحب أن يبقى ليلة العيد في أهله فيقول له بعض الناس: اصبر حتى يطلع علينا ونصلي العيد من أين أتاهم هذا؟ متى ينتهي الاعتكاف؟ الجواب: إذا غربت شمس آخر يوم من رمضان انتهى الاعتكاف.
        والله الموفق.

        (41/21)


        --------------------------------------------------------------------------------

        بيان الأفضل من طلب العلم أو العبادة وكذلك الحفظ أو التلاوة


        السؤال
        فضيلة الشيخ ما رأيك في الأولى: طلب العلم أو العبادة، وكذلك الحفظ أو التلاوة؟

        الجواب
        طلب العلم أفضل من العبادة، وأقول هذا تبعاً لقول السائل، وإلا فإن طلب العلم عبادة ومن أفضل العبادات، حتى قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله وجمعنا به في جنته: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته.
        فهو أفضل من السنن الراتبة، وأفضل من الوتر، وأفضل من قيام الليل، قال الإمام أحمد: تذاكر ليلة -يعني في طلب العلم- أحب إلي من إحيائها.
        فطلب العلم نفسه عبادة، فقولنا: الأفضل العبادة أو طلب العلم غير صحيح؛ لأن طلب العلم عبادة، صحيح أنه يراد بمثل هذا السؤال طلب العلم والعبادة القاصرة كالصلاة والقراءة فنقول: طلب العلم أفضل، بل إن طلب العلم أفضل من قتال العدو في من ليس أهلاً للقتال، بل إن بعض العلماء المعاصرين يفضله مطلقاً بحجة أن القتال اليوم ليس تحت راية إسلامية، بمعنى: ليس هناك إمام يقاتل الكفار، حتى الذين يذهبون من بلاد إلى بلاد أخرى للقتال كثير منهم لا يعتقد أنه تحت راية أهل البلد الذي قدم إليه، بل يشكلون جماعات جماعات وكل شخص يقاتل مع جماعة.
        وعلى كل حال: هذه مسألة ليس هذا المكان موضع بحثها أو التحقيق فيها، فهي تحتاج إلى تأمل كثير، لكن قصدي: أن طلب العلم أفضل من كل عمل غير الفرائض، فالفرائض أمرها مفروغ منه كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) .
        أما قوله: هل الأفضل الحفظ أو القراءة؟ فهذه تعود إلى نفس الإنسان، إذا كان يمكنه أن يجمع بين الأمرين فهو خير، وإذا كان لا يمكنه فأرى رأياً مني إن كنت أصبت فالحمد لله وإن كنت أخطأت فأسأل الله العفو: أن كونه يتلو القرآن بالمصحف في هذا الشهر المبارك ويختمه أفضل من أن يتحفظه، إلا إذا خاف أنه لو ترك التحفظ والتعاهد نسي ما حفظه أولاً فهنا نقول: تعاهد ما حفظته أولاً.

        (41/22)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم دخول دم اللثة إلى الجوف بدون قصد الصائم


        السؤال
        فضيلة الشيخ يخرج من لثة أسناني دم ويدخل في جوفي بدون شعور مني في نهار رمضان، وخاصة بعد الاستيقاظ من النوم، فهل يفسد صومي دخول هذا الدم إلى جوفي؟

        الجواب
        لا يفسد صومك، ما دام لا يعلم به ودخل بغير اختياره فإنه لا يفسد الصوم لقول الله تبارك وتعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب:5] لكنني أشير على الأخ السائل من الناحية الطبية أن يراجع أطباء الأسنان واللثة لينظر فيها، وأن يتعهدها بالمعجون والتنظيف الدائم فإنه ينقطع هذا بإذن الله.
        والعجيب أنني سألت مسألة ألقيها عليكم وأنظر ما الجواب: هل يفطر الإنسان ببلع الريق؟ مداخلة: لا يفطر.
        تقول: لا؟ ما هو التفصيل؟ مداخلة: يا شيخ بعضهم يجلب الريق فيتعمد بلعه.
        الشيخ: تقصد: إن جمع ريقه فابتلعه أفطر وإن لم يجمعه فلا يفطر هل هذا هو التفصيل؟ مداخلة: نعم.
        أقول: لا يفطر مطلقاً ولو جمعه وابتلعه، ولكن في ظني أنه لا أحد من الناس يجمع ريقه ويبتلعه، إنما بعض الناس إذا قام يقرأ اجتمع الريق بدون قصد فهذا لا يفطر، والريق دم يفرزه الفم، ليس هو شيء داخل حتى يقول إنه يفطر، بل إن العلماء اختلفوا في النخامة إذا وصلت إلى فمه فابتلعها هل يفطر أو لا، منهم من قال: يفطر؛ لأن النخامة ليست ريقاً معتاداً، ومنهم من قال: لا يفطر.
        هذا إذا وصلت إلى الفم.
        أما النخامة التي تكون من الحلق والحلقوم ولا تصل إلى الفم فهذه لا تفطر بلا إشكال؛ ولهذا نحن ننتقد بعض الناس إذا أحس بنخامة في نخاعه حاول أن يجذبها لتخرج منه.
        فهذا خطأ، دعها تدخل فإنها لا تفسد الصوم.

        (41/23)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم استعمال بخاخ الربو في نهار رمضان


        السؤال
        فضيلة الشيخ ما حكم استعمال بخاخ الربو في نهار رمضان، أسأل الله أن يكتب لك الصحة؟

        الجواب
        بخاخ الربو قسمان: شيء (كلبسات) يعني: حبوب فهو يضغط على شيء يسمونه مسدس ثم تدخل الحلق، فهذه تفطر، فإذا كان الإنسان محتاج إليها يفطر والحمد لله الأمر واسع ويقضي.
        والشيء الآخر: وليس هو إلا هواء -أكسجين- وهذا لا يفطر؛ لأنه لا يصل إلى المعدة وإنما يفتح مسام العروق للتنفس فقط، فهذا لا يضر.

        (41/24)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم الصلاة لمن لديه رعاف دائم


        السؤال
        يقول: والدي لديه رعاف في أنفه ومنديله في يده يستمر معه الرعاف، فماذا يفعل في أثناء الصلاة، هل عليه شيء لو صلى وعليه رعاف؟

        الجواب
        الذي أفهم من السؤال أنه دائم.
        السائل نفسه: نعم.
        الشيخ: ليس عليه شيء في هذا الرعاف، وكما قال: يأخذ منديلاً وينظف بها أنفه، لكن لو حدث له في أثناء الصلاة هل ينصرف من صلاته أو يستمر؟ نقول: إن كان يشغله فلينصرف، وإذا كان لا يشغله في صلاته فليستمر، فإذا كان يشغله فلينصرف؛ لأنه معذور.

        (41/25)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم العادة السرية


        السؤال
        فضيلة الشيخ أرجو توضيح حكم العادة السرية في نهار رمضان؟

        الجواب
        العادة السرية يعني بها: الاستمناء باليد أو بغيرها، وهي حرام سواء في رمضان أو غير رمضان، والدليل على تحريمها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المعارج:29-31] وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ووجه الدلالة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام، أمر من لم يستطع الزواج أن يصوم، ولم يقل: من لم يستطع فليخرج ماءه بأي وسيلة، ولو كان ذلك جائزاً ما عدل عنه الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الصوم؛ لأن الصوم أشق من الاستمناء.
        فعلى كل حال الاستمناء محرم سواء في رمضان أو في غيره، وإذا وقع والإنسان صائم فسد صومه إن أنزل، وإذا كان في رمضان وجب عليه أن يمسك بقية يومه ويقضي يوماً مكانه.
        نسأل الله تعالى أن يهيئ لشبابنا نكاحاً عاجلاً في رخص المهور، وخضوع أولياء الأمور؛ لأن البلاء الآن من أولياء الأمور أحياناً، ومن كثرة المهور أحياناً، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أعظم النكاح بركة أيسره مئونة) وأراد أن يزوج شخصاً على خاتم من حديد، فإذا كان خاتم من حديد يكفي مهراً (وأعظم النكاح بركة أيسره مئونة) فلنسلك هذا المسلك حتى لا يضيع شبابنا من ذكور وإناث.

        (41/26)


        --------------------------------------------------------------------------------

        الطريقة الصحيحة لمن أراد الأجر لوالديه


        السؤال
        فضيلة الشيخ ذكرت أن الصحابة لم يعتمروا في رمضان إلا مرة واحدة، فما الطريقة الصحيحة لمن أراد أن يأخذ عمرة لأحد والديه؟

        الجواب
        الطريق الصحيح: أن يأتي من بلده لوالده أو لأمه من الأصل، لكن مع ذلك أنا أفضل أن يعتمر الإنسان لنفسه وأن يدعو لوالديه في الطواف، وفي السعي، وفي الصلاة، وكلما دعا لنفسه، وليس هناك مانع، وإنما اخترت ذلك؛ لأن هذا هو الذي اختاره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فوالله إن خيار الرسول خير لنا من اختيارنا، فقد حدث النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) بالله ربكم هل قال: ولد صالح يصوم عنه أو يتصدق عنه أو يحج عنه؟ لا، عدل عن العمل كله، لا تعمل لأمك أو لأبيك قال: أو ولد صالح يدعو له، ولهذا لو سألنا سائل: أيهما أفضل أتصدق عن أبي بمائة ريال أو أدعو له دعوةً تستجاب إن شاء الله؟ الثاني أفضل، وأنت بنفسك محتاج للعمل، والله ليأتين عليك يوم تتمنى أن في صحيفتك تسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أو تهليلة، اجعل العمل لك واسترشد بإرشاد الرسول عليه الصلاة والسلام، واجعل الدعاء لأمك وأبيك، ونحن لا نتكلم بهذا عن فراغ، بل بأيدينا أدلة.
        وإذا كان كذلك فالواجب على طلبة العلم أن ينبهوا العوام، إلى حد أن بعض الناس يقول لي: إذا صنع طبخة جيدة -كبسة على لحم، بخارها ينفخ الرأس- قال: اللهم اجعل ثوابه لأبي وأمي وهو الذي يأكله!! نعم إذا قدموا طعاماً يحبه أبوه أو أمه قال: هذا أبي يحب كذا من الطعام، الله يجعل ثوابه له.
        هل هو الذي يأكله؟! كل هذا من الجهل، لأنه في ظني أن العامة إذا أرشدوا استرشدوا، لكن الغفلة وتتابع الناس على هذه الأمور جعلت كأن هذا هو أفضل شيء.

        (41/27)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم دعاء ختم المصحف


        السؤال
        فضيلة الشيخ سمعنا عنكم فتوى في الختمة، فهل هذا في دعاء الختمة أو في ختم المصحف؟

        الجواب
        من الذي سمع عني؟ السائل: لا أدري والله يا شيخ.
        الشيخ: لأن الواجد المسموع عنه كذب، ماذا سمع؟ السائل: ما أدري يا شيخ.
        الشيخ: السائل موجود؟ غير موجود؛ إذاً يلغى الجواب.
        أنا في الحقيقة أقول: أقوى ما ورد في الختمة ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله ودعا في بيته، في أهله فقط، وأما في الصلاة فما سمعت بها لا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا عن أحد من الصحابة، لكن استحبها بعض العلماء، فالمسألة مسألة خلاف بين الناس، فإذا كان بعض العلماء استحبها، وكان الإمام الذي نحن نصلي وراءه يرى ذلك فلنتبعه، أما كوننا نشذ عن جماعة المسجد أو نتخلف ولا نأتي فهذا خطأ، ما دامت المسألة مسألةً خلافية وأنا حاضر فلا ينبغي أن أشذ عن الناس.
        حتى إن الإمام أحمد رحمه الله مع حرصه على السنة واتباعه لها قال: إن الرجل إذا ائتمَّ بقانت في صلاة الفجر فليتابعه وليؤمن على دعائه.
        صلاة الفجر ليس فيها قنوت عند الإمام أحمد، ولا يسن فيها القنوت، ومع ذلك قال: إذا صليت وراء إمام يقنت فتابعه وأمن على دعائه؛ لئلا تشذ عن الجماعة، فالاجتماع كله خير، وليت أن شبابنا راعوا هذه المسألة -أعني مسألة الاجتماع- ونبذوا ما يوجب اختلاف القلوب وراء ظهورهم، ولو أنهم فعلوا ذلك لكان خيراً كثيراً، لكن صار الكثير من الشباب ينحو منحى لا ينحاه أخوه فيعاديه من أجل ذلك، ويتكلم فيه في المجالس، ويحذر عنه، وهذا خطأ عظيم، سبحان الله!! أهل الخير، والذين يريدون الخير والذين لهم اتجاه صحيح هم الذين يتنابزون بالألقاب، هم الذين يتفرقون، وأهل الشر كلمتهم واحدة، أليس هذا عاراً على أهل الخير؟

        (41/28)


        --------------------------------------------------------------------------------

        توجيه لمن تُحضر طفلها إلى المصلى


        السؤال
        فضيلة الشيخ في مصلى النساء يحدث بعض الأمور منها: أن بعض النساء ربما أحضرت أولادها معها، فمن شدة خوفها عليهم ربما تتبعهم النظر، وقد يؤدي ذلك إلى الالتفات الشديد وقد تخرج من الصلاة وهي في الركعة الثانية -مثلاً- فتذهب لتحضر الولد، فما رأيك فضيلتكم في مثل هذا؟

        الجواب
        الأولاد إذا كانوا يؤذون المصلين بالركض والمضاربة والصياح ورفع الصوت، فإن الذي يحضرهم أخشى أن يكون عليه إثم بسبب أنه شوش على المصلين وأزعجهم، وبقاء المرأة عند أطفالها في بيتها خير لها من مجيئها إلى المسجد مع هذه الأذية.
        أما إذا كان من عادة الصبي أنه هادئ متأدب فلا بأس بإحضاره ولا حرج، فإن بدر منه بادرة فإن وليه هو الذي يتولى أمره ويسكته ويسكنه.

        (41/29)


        --------------------------------------------------------------------------------

        المكان الذي ينظر إليه في القنوت


        السؤال
        في دعاء القنوت يرفع المأموم يديه فأين يكون نظره، هل يرفع نظره إلى فوق، أم يجعل نظره إلى موضع سجوده؟

        الجواب
        أما رفع بصره إلى السماء فهذا لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى المصلي أن يرفع بصره إلى السماء، واشتد قوله بذلك حتى قال: (لينتهين أقوام عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم) عقوبةً لهم، ولا شك أن رفع الإنسان بصره إلى السماء في الصلاة ينافي الأدب مع الله، فكن خاضعاً.
        أما أين ينظر إذا رفع يديه إلى الدعاء فإنه ينظر تلقاء وجهه -يعني: أمامه- ولا يرفع بصره ولا يمكن أن ينزله؛ لأن يديه تحول بينه وبين النظر إلى موضع سجوده.

        (41/30)


        --------------------------------------------------------------------------------

        مسألة من دعا زوجته إلى فراشه وهي صائمة القضاء بإذنه


        السؤال
        أنا صائمة قضاء رمضان؛ فدعاني زوجي إلى فراشه مع أني قد استأذنته قبل الصيام ولكنه أصر عليَّ، فهل علي كفارة؟

        الجواب
        الكفارة لا تجب إلا على من جامع في نهار رمضان وهو ممن يجب عليه الصوم، فالقضاء ليس فيه كفارة، لكنه لا يجوز لها أن تجيب زوجها إذا كانت شرعت في القضاء بإذنه، لأنها لما شرعت بالقضاء صار الصوم واجباً، وهو واجب قد أذن فيه الزوج، فليس له حجة، والزوج يحرم عليه أن يدعوها إلى الفراش وهي صائمة صوماً واجباً بإذنه؛ لأنه لا عذر له.
        كذلك إذا كان زوجها أجبرها على أن يجامعها ولم تستطع دفعه فإن صومها لا يفسد.
        أما لو صامت بلا إذنه فنعم، له أنه يدعوها، وليس لها أن تمتنع منه؛ لأن حق الزوج في هذا الحال باق.

        (41/31)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم من سلم بعد ركعة واحدة في التراويح سهواً


        السؤال
        لو أن إماماً في صلاة التراويح سلم من ركعة واحدة سهواً فماذا يفعل، هل يجعلها وتراً أو ماذا يفعل علماً أن المأمومين لم ينبهوه حتى سلم؟

        الجواب
        إذا سلم الإمام من الركعة الأولى ثم ذكره المأمومون وجب عليه أن يقوم ويكمل بركعة، ويسجد للسهو بعد السلام، ولا يجوز أن يجعلها وتراً، لأنه لم ينو الوتر من أوله، لكن على العكس من ذلك لو أن الإمام قام في صلاة التراويح إلى ثالثة وذكره الناس أيستمر أو يرجع؟ يجب أن يرجع، فإن استمر بطلت صلاته، فيجب أن يرجع ويتشهد ويسلم، ثم يسجد سجدتين بعد السلام ويسلم.

        (41/32)


        --------------------------------------------------------------------------------

        حكم من حضر لصلاة الجنازة وأدركهم في الفريضة


        السؤال
        فضيلة الشيخ رجل صلى في مسجده ثم ذهب إلى مسجد آخر لكي يصلي فيه على جنازة فوجدهم يصلون الفريضة فدخل معهم بنية النفل حيث أدرك معهم ركعتين وسلم فما الحكم؟

        الجواب
        الظاهر إن شاء الله أنه لا بأس به؛ لأنه إنما حضر من أجل الصلاة على الجنازة، والتطوع بركعتين جائز، لكن إذا كان يعرف أنه يمكنه أن يقضي الركعتين فإنه يقضيهما -أعني: الركعتين اللتين فاتتاه- وبهذه المناسبة أود أن أذكّر إخواني الأئمة: أنه إذا كان في المسجد جنازة، وكان بعض الحاضرين يقضي ما فاته، والعدد الذي يقضي ما فاته كثير؛ فإن الأولى أن ينتظر حتى يتم هؤلاء صلاتهم من أجل أن يشاركوا إخوانهم في الصلاة على الميت.
        أولاً: أنهم ربما حضروا من أجل الصلاة على الميت.
        ثانياً: أن في ذلك تكثيراً للمصلين على الميت.
        ثالثاً: أنه ربما لا يستجاب لأحد من هؤلاء إلا لواحد من هؤلاء الذين يقضون، وما تدري.
        وأما كون بعض الناس الآن من حين يسلم الإمام يأتون بالجنازة ويمكن أن يكون صفين من ستة يقضون، هذا ليس بصحيح، بل انتظر، والعلماء يقولون: يستحب الإسراع، ولا شك في أن الإسراع أفضل، لكن ليس هناك فرق، فالفرق خمس دقائق مثلاً، فما الذي يضر؟!

        (41/33)


        --------------------------------------------------------------------------------

        السبب الذي يقوي محبة الله في قلب العبد


        السؤال
        فضيلة الشيخ ما هي الأسباب التي تقوي محبة الله في قلب العبد، وتقوي للعبد إجلال الله وتعظيمه؟

        الجواب
        السبب الوحيد بيّنه الله عز وجل في قوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31] كلما كان الإنسان أشد في اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، كان أشد محبةً لله، وليس الشأن أن تحب الله أنت، بل الشأن أن يحبك الله عز وجل، ولهذا جاء الجواب: {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31] ولم يقل: فاتبعوني تصدقون في دعواكم، قال: {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31] .
        فعليك إذا أردت محبة الله بالحرص التام على التمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فستجد محبة الله لك ومحبتك لله، نسأل الله أن يحقق لنا ذلك إنه على كل شيء قدير.
        والحمد لله رب العالمين، وختامه مسك وهو محبة الله، نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم حبه، وحب من يحبه، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبه إنه جواد كريم.
        المقدم: جزى الله فضيلة الشيخ خير الجزاء، وبارك في عمره، وأثابه على ما سمعنا منه.
        وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.

        (41/34)


        --------------------------------------------------------------------------------
        وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
        وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

        حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
        https://www.musacentral.com/

        تعليق


        • #79
          اللقاء الشهري

          اللقاء الشهري [42]
          كثير من الناس بعد رمضان تنقلب حاله رأساً على عقب -والعياذ بالله- فبعد أن كان ذا همه عالية في طاعة الله عز وجل أصبحت همته ضعيفة جداً؛ لهذا السبب كان هذا اللقاء عن تحفيز الهمم للأعمال الصالحة بعد رمضان، وقد ذكر الشيخ -رحمه الله- في هذا اللقاء عدة نقاط تتعلق بهذا الموضوع.

          (42/1)


          --------------------------------------------------------------------------------

          تحفيز الهمم إلى الأعمال الصالحة بعد رمضان
          الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
          أما بعد: فإننا نشكر الله تبارك وتعالى أن من علينا باستكمال شهر صيام رمضان وقيامه، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل منا جميعاً، وأن يعيده علينا وعلى الأمة الإسلامية وهي أعز ما يكون شأناً وأرفع ما يكون ذكراً.
          ولا شك أن الإنسان في شهر رمضان قد آتاه الله تبارك وتعالى قوة على الطاعات، على الصلاة والذكر وقراءة القرآن والصدقة والصيام وحسن الخلق وغير ذلك مما هو معروف لكثير منا، ولكن هل إذا انقضى رمضان انقضى العمل؟ لا ينقضي العمل أبداً إلا بالموت لقول الله تبارك وتعالى: {فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة:132] فأمر الله تعالى أن نبقى على الإسلام إلى الموت، وقال الله تبارك وتعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99] قال الحسن البصري رحمه الله: [إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أمداً إلا الموت، ثم تلا هذه الآية {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99]] أي: حتى يأتيك الموت.
          والإنسان يعلم أن الزمن يمضي سريعاً ويزول جميعاً، وأنه لن يتقدم إلى الآخرة بالسنة أو بالشهر أو بالأسبوع أو باليوم أو بالساعة بل باللحظة، اللحظة الواحدة كوميض البرق أو كارتداد الطرف تبعدك من الدنيا وتقربك إلى الآخرة، فالعاقل الحازم هو الذي يدين نفسه ويحاسب نفسه ويعمل لما بعد الموت، والعاجز هو الذي أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، فرط في الواجب وقال: إن الله عفو، انتهك المحرم وقال: إن الله غفور، توانى في طاعة الله عز وجل وقال: رحمة الله أوسع من عملي.
          ولا شك أن هذا عجز وضعف في الهمة.

          (42/2)


          --------------------------------------------------------------------------------

          أعمال لا تنقطع بعد رمضان
          الأعمال الصالحة في رمضان: صلاة، قيام، ذكر، قرآن هل هذه الأعمال انقطعت بانتهاء رمضان؟ لا لم تنقطع.

          (42/3)


          --------------------------------------------------------------------------------

          الصيام
          الصيام لم يزل مشروعاً فهناك أيام تصام، ويحصل بصيامها من الثواب والأجر ما يليق بها، فنبدأ أولاً بصيام التابع لرمضان وهي ستة أيام من شوال، هذه الأيام الستة بمنزلة الراتبة التي بعد صلاة الفريضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر) .
          إذاً الصيام مشروع، صيام ستة أيام من شوال سواء صامها الإنسان متتابعة أو صامها متفرقة فإنه يحصل له الأجر، لكن لا شك أنها إذا كانت متتابعة أنها أفضل.
          هناك -أيضاً- صيام آخر غير ستة أيام من شوال مثل: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فصيام ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يصوم ثلاثة أيام من كل شهر لا يبالي أصامها من أول الشهر أو وسطه أو آخره، لكن الأفضل أن تكون في أيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر، والخامس عشر.
          صيام يومي الإثنين والخميس مشروع، كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصوم الإثنين والخميس ويقول: (هما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) .
          صوم تسع ذي الحجة مشروع؛ لأنه داخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) والصيام لا شك أنه عمل صالح فيدخل في العموم، وبالأخص يوم عرفة لغير الحاج، فإن صوم يوم عرفة يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده.
          وهناك -أيضاً- صيام عاشوراء -العاشر من شهر محرم- مشروع، لكن يصام يوم قبله أو يوم بعده، وأفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم.
          هناك صوم أوسع من هذا كله وهو صوم داود عليه الصلاة والسلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
          إذاً لم نعدم -ولله الحمد- مشروعية الصوم، فالصوم مشروع وباقية مشروعيته.

          (42/4)


          --------------------------------------------------------------------------------

          قيام الليل وذكر الله تعالى
          قيام الليل؛ هل انتهى بانتهاء رمضان؟ لا.
          قيام الليل مشروع كل ليلة لقول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} [الإسراء:79] ولقول الله تعالى في وصف المتقين الذين هم أهل الجنة -جعلني الله وإياكم منهم- قال: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات:17] وقال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة:16-17] وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) كل ليلة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يجعل له نصيباً من آخر الليل ولو كان قليلاً، ولا يحقرن شيئاً، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل) لو تجعل لك نصف ساعة من آخر الليل تقوم فيها، تصلي ما شاء الله، وتختم الصلاة بالوتر لكان في هذا خير كثير، وكنت من القائمين بالأسحار، المستغفرين بالأسحار، فلا تحرم نفسك الأجر، قدم النوم نصف ساعة لتستيقظ قبل الفجر بنصف ساعة.
          الأذكار، قراءة القرآن ما زالت مشروعة -ولله الحمد- قراءة القرآن مشروعة كل وقت (من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات) الذكر مشروع: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في اليوم مائة مرة فإنها تكون حرزاً له من الشيطان) ، (ومن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من بني إسماعيل) (ومن قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) ومن قال سبحان الله وبحمده فقد نال ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حول هذه الكلمة حيث قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) .

          (42/5)


          --------------------------------------------------------------------------------

          النفقات والصدقات
          وأبواب الخير كثيرة: النفقات، والصدقات في كل وقت، حتى ما تأتي به من الطعام لأهلك من الخبز، واللحم، والرز، والفواكه، والبطيخ فإنه صدقة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ سعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لم تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليه -أي: نالك الأجر- حتى ما تجعله في فيّ امرأتك -أي: في فم امرأتك-) فالخير كثير.
          أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه: (على كل سلامى من الناس صدقة) والسلامى هي: الأعضاء والمفاصل، وفي الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلاً، كل مفصل عليه صدقة كل يوم، ولكن: أمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، تعين الرجل في دابته فتحملها عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل عمل صالح صدقة نعمة وخير كثير! لكن الكسل، لذلك أحث نفسي وإياكم على العزيمة الصادقة والنشاط في طلب الخير، والإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين، ولا تحقرن شيئاً، إن الله عز وجل إذا تصدق العبد بصدقة تعادل تمرة وهي من كسب طيب فإن الله تعالى يأخذها بيمينه ويربيها له كما يربي الإنسان فَلُوّة -يعني: صغار خيله- حتى تكون مثل الجبل، فالخير واسع -ولله الحمد-.
          دراستنا الآن، دراسة الطالب في المدرسة هل هو من الخير أو لا؟ ما دام يريد به وجه الله فإنه من الخير، وهو يريد به وجه الله، يريد أن يصل إلى العلم، يريد أن يتبوأ مكاناً قيادياً يقود به الأمة في التعليم، في القضاء، في الأمر بالمعروف، في النهي عن المنكر، في التدبير؛ لأننا أصبحنا الآن في وقت لا يمكن أن يكون الإنسان فيه قيادياً حتى يكون معه شهادة، وأنت إذا نويت بهذه الدراسة تحصيل العلم مع الوصول إلى المرتبة القيادية كان في ذلك أجر كثير وخير، ولا ينقص من أجرك شيئاً، فأبواب الخير كثيرة.

          (42/6)


          --------------------------------------------------------------------------------

          شروط وجوب الحج
          اعلم -أخي المسلم- أن من حكمة الله عز وجل أنه لما انقضى موسم الصيام جاء موسم الحج، وليس بينهما فاصل؛ لأنه من حين أن تغرب الشمس آخر يوم من رمضان ينتهي الصيام (ركن من أركان الإسلام) وفي تلك اللحظة يدخل وقت الحج {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة:197] أولها: شوال وآخرها: ذو الحجة، وهذه من حكمة الله ومن رحمة الله، حتى يتقلب الإنسان دائماً في طاعة الله عز وجل؛ ولهذا كان الناس في الزمن الأول يشدون الرحال من الآن -أي: من شوال- ولذلك نجد المؤلفين الذين ألفوا في وظائف العام نجدهم يتكلمون عن الحج وشروط الحج من شوال؛ لأنه في ذلك الوقت كان الناس يحجون على الإبل أو على الأقدام: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} [الحج:27] أي: على أرجلهم {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج:27] أي: ويأتون على كل ضامر من الإبل: {يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27] .
          فالآن ونحن في استقبال الحج يجب أن نعرف شيئاً من شروط وجوبه، من شروط الوجوب في الحج وهو من أهمها: أن يكون الإنسان مستطيعاً، أي: عنده قدرة مالية وقدرة بدنية، فإن كان عاجزاً لم يجب عليه الحج، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:97] فإذا قدَّرنا أن شخصاً عنده وظيفة قدرها خمسة آلاف ريال لكنها لا تزيد عن كفايته وكفاية عياله، فهل يلزمه الحج؟ لا.
          لا يلزمه الحج ولو كان راتبه مرتفعاً ما دام هذا الراتب لا يزيد عن كفايته وعائلته فإنه لا حج عليه.
          كذلك لو فرضنا أن شخصاً يملك عشرة آلاف ريال لكن عليه دين قدره عشرة آلاف ريال فهل يلزمه الحج؟ لا، لا يلزمه، يوفي الدين أولاً ثم إن بقي شيء حج به وإلا فلا يأثم، فليس عليه شيء، ومثل هذا الرجل يلقى الله عز وجل غير ناقص الإسلام، إسلامه متكامل ما فيه نقص، لماذا؟ لأنه لم يستطع، كالفقير الذي ليس عنده مال هل تجب عليه الزكاة؟ لا.
          وإذا لم يزك هل نقول: إن إيمانه ناقص أو إسلامه ناقص؟ لا، ولهذا نحن نُطَمْئِنُ إخواننا الذين لا يستطيعون أن يحجوا أنه لا نقص عليهم في ذلك؛ لأن ربهم عز وجل الذي بيده الأمور وهو الحاكم بين عباده لم يوجب الحج على الناس إلا إذا استطاعوا إليه سبيلاً؛ فلا ينبغي أن يقلقوا، بعض الناس تجده قلقاً ربما يستدين بقرض أو غيره ليحج.
          نقول: هذا غلط، لا ينبغي أبداً، ما دام الله قد وسع عليك فوسع على نفسك، أنت إذا استقرضت من شخص وحججت بقيت ذمتك مشغولة بهذا القرض الذي استقرضته وهو حق آدمي، لكن إذا لم تستقرض ولم تحج هل تبقى ذمتك مشغولة؟ لا، لأن الحج لم يجب عليك حينئذ.
          كذلك -أيضاً- بالنسبة للنساء، إذا لم يكن للمرأة محرم، قالت -مثلاً- لأخيها: حج بي وأنا أعطيك النفقة، قال: لا.
          وقالت لجميع محارمها فأبوا فلا تقلق ولا تضجر؛ لأنها لا حج عليها، لماذا؟ لعدم الاستطاعة، فإذا قال إنسان: هي مستطيعة، بدنها قوي، ومالها كثير، قلنا: نعم.
          هذه استطاعة حسية؛ لكنها غير مستطيعة شرعاً، إذ أنها ممنوعة شرعاً من أن تحج بدون محرم، إذا أراد الله عليها أن تموت قبل أن تحج وهي لم تجد محرماً فهل تلقى ربها وهي ناقصة الإسلام؟ لا، لأنها لا تستطيع، لو عصت الله وذهبت بدون محرم لكانت عاصية، لكن لو بقيت في بلدها وهي غير قادرة على المحرم لم تكن عاصية وتلقى ربها وليس في دينها نقص.
          ولكن في هذا الحال: لو أراد ورثتها أن يحجوا عنها من مالها الذي خلفته فهل يثابون على ذلك أو لا؟

          الجواب
          نعم، يثابون على ذلك، يعني: لو أن ورثتها ورثوا منها مالاً كثيراً وهي لم تحج؛ لأنه لا محرم لها، فأراد أحدهم أن يتبرع لها بحج من مالها، واتفق الورثة المرشدون على ذلك فلا حرج، وهو من الخير.
          ثم إنه ينبغي لمن أراد الحج أن يختار الرفقة الصالحة العالمة، لا يكفي مجرد الصلاح، بل لا بد من علم؛ لأن مسائل الحج من أكثر ما يكون إشكالاً، يتحير فيها أحياناً العلماء الكبار، لهذا إذا أردت أن تسافر إلى الحج فكن مع رفقة أهل صلاح وأهل علم، أهل الصلاح يعينونك على العبادة وعلى فعل الخير، وأهل العلم يرشدونك ويدلونك على اتباع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
          ولتحرص على أن يكون معك من المال ما يزيد عن كفايتك؛ لأنه ربما يطرأ في أثناء السفر أمور تحتاج إلى مال، فمثلاً: إذا قدرت أنه يكفيك خمسة آلاف وقد أغناك الله فخذ عشرة، فربما تحتاج أنت أو يحتاج رفيقك، لو حصل -مثلاً- على الراحلة حاجة وليس معك مال تعطلت، لكن لو كان معك مال أمكنك أن تدفع ما تحتاج إليه وتمضي في سبيلك.
          ونقتصر على هذا؛ لأنه جاء وقت الأسئلة، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح إنه على كل شيء قدير.

          (42/7)


          --------------------------------------------------------------------------------

          الأسئلة

          (42/8)


          --------------------------------------------------------------------------------

          حكم إخراج الفدية قبل رمضان سواء كانت نقوداً أو طعاماً


          السؤال
          فضيلة الشيخ شخص لا يستطيع الصيام وهو مريض مرضاً لا يرجى برؤه، وفي هذا الآن أخرج الفدية نقوداً قبل شهر رمضان، فهل عمله صحيح؟ فإن كان غير صحيح فماذا عليه الآن؟

          الجواب
          ما أخرجه من الدراهم قبل رمضان فهو صدقة يثاب عليها إن شاء الله؛ لكنه لا يجزئ عن الصيام لسببين: السبب الأول: أنه لم يحن وقت الصيام.
          والسبب الثاني: أنه أخرجها دراهم، والواجب أن تكون فدية طعام مسكين كما قال الله عز وجل: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة:184] .
          فنقول للأخ الذي أخرج الدراهم قبل دخول رمضان نقول: هي صدقة، وأطعم الآن تسعة وعشرين مسكيناً، إما أن تجمعهم على غداء أو عشاء ولو متفرقين مثلاً، لو صنعت طعاماً؛ غداءً أو عشاءً لخمسة، وفي اليوم الثاني خمسة، وفي اليوم الثالث حتى تكمل فلا بأس، وإلا فأعطهم شيئاً غير طعام كالحبوب، ومقداره لكل مسكين تقريباً كيلو من الرز، وبذلك تبرأ الذمة.

          (42/9)


          --------------------------------------------------------------------------------

          جواز صيام أيام القضاء وجواز إفراد يوم الجمعة بصيام


          السؤال
          فضيلة الشيخ رجل عنده فشل كلوي، وهو يرى أنه يستطيع أن يقضي ما عليه من صوم رمضان، لكنه لا يستطيع أن يصوم في الأسبوع إلا في يوم واحد وهو يوم الجمعة من كل أسبوع حيث أنه اليوم الوحيد الذي لا ينشغل فيه، ففي الخميس يغسل وبقية الأسبوع يدرس، ولا يتمكن من الصوم إلا في يوم الجمعة فهل له أن يصومه مفرداً له أم يبقى حتى الإجازة الصيفية فيصوم؟

          الجواب
          الذي أرى: أنه يبقى إلى الإجازة الصيفية؛ لأن قضاء رمضان موسع، للإنسان أن يؤخره إلى أن يبقى من شعبان مقدار ما عليه من الصوم، وأما صومه يوم الجمعة فجائز إذا كان لسبب، وأما إذا لم يكن لسبب فإنه يكره أن يفرده؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل على إحدى نسائه وهي صائمة يوم الجمعة فقال: (أصمت أمس؟ قالت: لا.
          قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا.
          قال: فأفطري) فأمرها أن تفطر لئلا تفرد يوم الجمعة.
          وكذلك نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يخصص يوم الجمعة بصيام أو ليلة الجمعة بقيام.
          لكن لو فرضنا أن الإنسان احتاج إلى صوم ذلك اليوم، أو صام يوم الجمعة لا لأنه يوم الجمعة ولكن لأنه وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء فلا حرج عليه؛ لأنه لم يصم الجمعة لأنها جمعة ولكن لأنها يوم عرفة أو لأنها يوم عاشوراء أو ما أشبه ذلك.

          (42/10)


          --------------------------------------------------------------------------------

          الرد على من يقول: إن صيام ست من شوال ليس بسنة


          السؤال
          فضيلة الشيخ هل صوم ست من شوال سنة مؤكدة أم لا؟ لأني سمعت من بعض الإخوة أنهم قالوا: ليس بسنة ولا هي مؤكدة، إنما المؤكد أيام البيض، والخميس والإثنين، أما الست من شوال فلم ترد إلا عند مسلم ولم يذكرها أحد، فما قولك وفقك الله؟

          الجواب
          قولنا إنها سنة حث عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ حيث قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر) وإذا كان مسلم قد انفرد به فرضاً -يعني: لو فرضنا أنه انفرد بها- فـ صحيح مسلم مقبول عند العلماء، وليس هذا الحديث فيه أي منافاة للأحاديث الأخرى، وكون بعض الناس لا يرى أنه مستحب لا يعني أنه غير متسحب عند الله.
          فالصواب: أنه من الأمور المطلوبة المسنونة التي حث عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورغب فيها، لكن كون الإنسان يعتقد أنها فرض بحيث إنه إذا صامها في عام رأى أنه لزاماً عليه أن يصومها كل سنة فليس كذلك، هي سنة، من صامها حصل الأجر ومن لم يصمها فليس عليه وزر.

          (42/11)


          --------------------------------------------------------------------------------

          حكم صيام الستة الأيام من شوال بنية القضاء عن رمضان


          السؤال
          امرأة قضت أياماً من رمضان في شهر شوال، ونوت صيام قضاء أيام من رمضان مع صيام ست من شوال فهل صيامها صحيح على هذا النحو؟

          الجواب
          يعني: كأنها نوت اليوم عن القضاء والتطوع، وهذا لا يصح، ويكون صومها قضاءً فقط؛ لأن صيام ست أيام من شوال إنما يكون بعد انقضاء أيام رمضان.

          (42/12)


          --------------------------------------------------------------------------------

          حكم السفر إلى المدينة بنية الزيارة ثم الإحرام من ذي الحليفة


          السؤال
          شيخنا الفاضل أحبك في الله وأسأل الله أن يظلك تحت عرشه العظيم -آمين ومن سمع- يقول: جاء والدي لأداء العمرة من مصر عن طريق البحر ماراً بـ جدة، ولم يحرم وذهب إلى المدينة للزيارة، ثم أحرم من الميقات وأدى العمرة، فهل عليه شيء؟ وهو الآن يمكث في مكة منتظراً الحج، فهل عليه فدية أم لا؟

          الجواب
          ليس عليه شيء، ما دام الرجل جاء قاصداً المدينة ثم تجاوز الميقات متجهاً إلى المدينة ثم عاد فأحرم من ميقات أهل المدينة من ذي الحليفة فليس عليه شيء، وما دام منتظراً للحج فإنه متمتع، وقد قال الله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196] فعليه الهدي إذا قدر على ذلك، وإن لم يقدر فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، أي: إذا انتهى من أعمال الحج، فله أن يصوم الأيام الثلاثة من الآن مادام يعلم أنه لن يستطيع الهدي فله أن يصومها من الآن، أقصد: يصوم الثلاثة أما السبعة فبعد الفراغ من الحج.

          (42/13)


          --------------------------------------------------------------------------------

          حكم زواج أولاد العم إذا لم يُشترط فيه أن يزوج أحدهما ابن الآخر


          السؤال
          فضيلة الشيخ أنا شاب متزوج من ابنة عمي بمهر معين، وعقد ابن عمي على أختي بمهر مختلف عني ولم يدخل بها وذلك بعدي بعدة أشهر، مع العلم أن كلا المرأتين قد وافقتا على الزواج ولم تكونا مكرهتين أبداً، ولقد سألت والدي: هل بينك وبين عمي اشتراط -أي: لا أزوج ابنك ابنتي حتى تزوج ابنتك من ابني- فقال: لا.
          وقال والدي: أنا لم أزوج أختك إلا برضاها ولو رفضت فلن أرغمها، سؤالي يا فضيلة الشيخ: هل هذا النكاح يعتبر شغاراً؟ وإذا كان شغاراً فما الحل مع العلم أن زوجتي حامل الآن؟

          الجواب
          هذا ليس بشغار؛ لأنه لم يشترط فيه أن يزوج أحدهما ابن الآخر، وما دام ليس فيه شرط وإنما وقع اتفاقاً -يعني: مصادفة- فإنه ليس بشغار، على أن من العلماء من يقول: حتى لو وجد الشرط ما دام المهر هو المهر المعتاد، وكل من الزوجين كفؤ للزوجة، وكل من الزوجين راض بذلك فإنه ليس شغاراً؛ لأن الشغار هو ما خلا من المهر وهذا لم يخل من المهر.
          أما المسألة التي ذكرها السائل فلا شك أنها ليست من الشغار، وأن النكاح صحيح، ولا ينبغي أن يقلق من ذلك.

          (42/14)


          --------------------------------------------------------------------------------

          كيفية إخراج زكاة المال إذا كان ديناً ومر عليه أكثر من عام


          السؤال
          شخص تجارته بالتقسيط -أي: تقسيط بالسيارات- والعملاء عنده على نوعين: نوع يسدد بانتظام، ونوع تمر السنوات ولا يسدد، السؤال: كيف يزكي على هذا المال؟ هل ينطبق على النوع الثاني مسألة المعسر والمليء أم أنها عروض تجارة؟ وكيف يزكي على النوع الأول؟ هل الحولان حول واحد أم بماذا؟

          الجواب
          أما الأول: الذي يسدد في وقت حلول الدين؛ فهذا موسر يجب على الإنسان أن يزكي ما في ذمته من الدين مع ماله، وإن شاء قيده فإذا قبض منه الدين زكاه لما مضى.
          وأما الثاني: الذي لا يستطيع الوفاء يحل عليه القسط وليس عنده شيء؛ فهذا معسر لا يجب في دينه زكاة، لكن إذا قبض دينه زكاه لسنة واحدة، ولو كان قد مضى عليه سنوات؛ لأن القاعدة في الديون: الديون على الموسرين تجب زكاتها كل سنة، لكن الدائن مخير بين أن يخرج الزكاة مع ماله أو ينتظر حتى يقبض فيزكي لما مضى.
          أما الثاني وهي الديون على المعسرين: فلا زكاة فيها، لكن إذا قبضها الإنسان زكاها مرة واحدة، فإذا قُدِّر أن شخص له على فقير عشرة آلاف ريال وبقت العشرة عند هذا الفقير عشر سنوات، ولكن الله منَّ عليه فأيسر وأوفى فإنه لا زكاة على صاحب الدين إلا مرة واحدة.

          (42/15)


          --------------------------------------------------------------------------------

          حكم من صام ونيته مترددة


          السؤال
          امرأة جاءتها الدورة الشهرية في رمضان، وفي آخر أيام الدورة نامت من الليل وهي ما زالت لم تطهر، ونوت إن طهرت فسوف تصوم، ولم تصح إلا بعد الفجر فنظرت فإذا هي قد طهرت، فهل تكمل الصيام ويكون صحيحاً أم تقضي يوماً مكانه؟

          الجواب
          عليها أن تقضي يوماً مكانه، وذلك لأنها نامت على نية مترددة، لا تدري هل يزول المانع من الصيام -وهو الحيض- أم لا يزول، فعليها الآن أن تقضي بدل ذلك اليوم، وهي إذا كانت ذلك اليوم قد صامت تؤجر على نيتها وأما إبراء الذمة فلا بد من أن تقضي ذلك اليوم.

          (42/16)


          --------------------------------------------------------------------------------

          جواز قراءة القرآن قبل صلاة العيد مع تقديم التكبير


          السؤال
          في يوم العيد وقبل دخول الإمام لصلاة العيد انشغل الناس بعضهم بالتكبير والبعض الآخر بقراءة القرآن، فأنكر بعض الحاضرين على الذين يقرءون القرآن وقالوا: إن الأولى أن تكبروا وتتركوا قراءة القرآن، فأيهما على الصواب؟

          الجواب
          الصواب التكبير، ولكن من قرأ القرآن لا ينكر عليه؛ لأن القرآن ذكر ومن أفضل الأذكار، لكن لما كان التكبير مخصوصاً بهذا الوقت والقرآن في كل وقت؛ صارت المحافظة على التكبير أولى ولكن لا ينكر على الآخر، ولهذا كان الصحابة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع منهم من يلبي ومنهم من يكبر ولا ينكر أحد على أحد.

          (42/17)


          --------------------------------------------------------------------------------

          الدَّين يقدم على الحج


          السؤال
          فضيلة الشيخ ما صحة ما ينسب إليكم بأنكم قلتم: بأن الرجل إذا كان عليه دين فاستأذن من صاحب الدين في الحج فلا حرج عليه؟

          الجواب
          لا، هذا غير صحيح، الذي عليه دين يقضي الدين أولاً؛ حتى لو أذن له الدائن أن يحج فإنه لا يجب عليه الحج؛ لأنه إذا أذن له أن يحج هل يسقط الدين؟ لا يسقط، لكن لو كان عليه دين يسير ويعلم أنه إذا جاء الراتب في آخر شهر ذي الحجة فسوف يوفيه فحينئذٍ لا بأس أن يحج؛ لأنه واثق من نفسه، أما الديون الكثيرة فإن الأولى أن يقضيها قبل أن يحج.

          (42/18)


          --------------------------------------------------------------------------------

          حكم تحسين الصوت للطالبة في قراءة القرآن أمام المدرس


          السؤال
          سائلة تقول: ما حكم تحسين الصوت في قراءة القرآن للطالبات عند المدرس في الكلية مع أنها غير مطالبة بذلك؟

          الجواب
          لا أرى أن تحسن صوتها؛ لأن الله تعالى يقول: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً} [الأحزاب:32] فكون الطالبة تأتي بالقرآن على وجه الغنة وتحسين الصوت يخشى منه الفتنة، ويكفي أن تقرأ القرآن قراءة مرسلة عادية.

          (42/19)


          --------------------------------------------------------------------------------

          حكم وضع المرأة للعباءة على الكتف في الصلاة


          السؤال
          سائلة أخرى تقول: فضيلة الشيخ ما حكم الصلاة للمرأة وهي واضعة العباءة على الكتف فقد وصلني عن سماحتكم بإبطال الصلاة في هذه الحالة لأنها تشبه لباس الرجل؟

          الجواب
          الله المستعان! هذه المرأة على عكس ما أشاعته النساء من أننا نقول: لا بأس بلبس العباءة على الكتف ولو كان ذلك في السوق والمتاجر، وكلا الأمرين خطأ، نحن نقول: وضع المرأة عباءتها على الكتفين في الصلاة لا بأس به؛ لأن هذا شيء معتاد عند النساء، وليس من خصائص الرجال حتى نقول: إن هذا من باب التشبه بالرجل.
          وأما لبسها العباءة على الكتفين في الأسواق وبين الناس فلا؛ لأن لبسها العباءة على الكتفين في الأسواق يؤدي إلى بيان حجم كتفيها ورقبتها، وهل هي طويلة أو قصيرة -أعني الرقبة- فيكون في ذلك فتنة، ثم من الذي يأمن إذا رخص للنساء في لبس العباءة على الكتف أن تتطور المسألة ثم تبدأ النساء تخرج إلى الأسواق بالمقطاب -أي: بالقميص بدون عباءة- لأن النساء في الغالب إذا فتح لهن الباب الصغير صار باباً كبيراً، وربما قلعن الباب كله ودخلن من غير أبواب.
          لذلك نقول: وضع العباءة على الكتفين في الصلاة لا بأس به ولا يبطل الصلاة، وأما المشي به في الأسواق فلا؛ لأنه يجر إلى فتنة، وهو ذريعة إلى توسع النساء في اللباس.

          (42/20)


          --------------------------------------------------------------------------------

          لا يجوز التوكيل في الحج لمن يرجى زوال عجزه


          السؤال
          فضيلة الشيخ أخي عزيز عندي في دولة إسلامية، يريد أن يوكلني بالحج وهو قادر على الحج، ولكن دولته لا تسمح له بالذهاب إلى الحج؛ لأنه لم يصل إلى سن الحاج الذي حددته تلك الدولة، فقلت له: سوف أسأل الشيخ عن حكم المسألة ثم أخبرك بذلك، فهل يصح بأن أحج عنه أم ماذا؟

          الجواب
          أخبره بأنه لا يصح أن تحج عنه؛ لأن هذا المانع يرجى زواله، وذلك إذا بلغ السن النظامي عندهم، والعجز إذا كان يرجى زواله فإنه لا يجوز لمن وجب عليه الحج أن ينيب بغيره، ولهذا نقول: إذا جاء وقت الحج والإنسان مريض مرضاً عادياً يرجى أن يشفى منه هل له أن يوكل؟ لا.
          لكن لو كان مرضاً مستمراً لا يرجى الشفاء منه فله أن يوكل، فليخبر صاحبه بأنه لا حج عليه؛ لأنه عاجز، وأنه لا يجوز أن يوكل؛ لأنه يرجى زوال عجزه.
          وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
          وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

          حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
          https://www.musacentral.com/

          تعليق


          • #80
            الفتور بعد رمضان لا يدل على عدم القبول


            السؤال
            فضيلة الشيخ هل الفتور في عمل الصالحات بعد رمضان دليل على عدم القبول، أنا أحس بفتور وأخشى ألا يكون الله قد تقبل مني؟

            الجواب
            لا.
            ليس دليلاً على أن الله لم يقبل منك، لكنه دليل على ضعف الهمة وعدم الرغبة، ولذلك ينبغي للإنسان أن يصبر نفسه وأن يحملها على العمل الصالح؛ لأن رمضان مدرسة في الواقع، ثلاثون يوماً أو تسعة وعشرون يوماً تمضي وأنت متلبس بالعبادات المتنوعة، لا بد أن يؤثر على قلبك وعلى مسيرك، فاغتنم هذه الفرصة.
            أما أن نقول: إن من عاد إلى المعاصي بعد رمضان، فإنه علامة على عدم القبول.
            فلا نستطيع أن نقول هكذا.

            (42/22)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم لقطة الإبل


            السؤال
            فضيلة الشيخ جاءتني ناقة من البر فدخلت مع إبلي وحاولت طردها عدة مرات ولكن لم أستطع، ولها الآن أربع سنوات قد تركتها مع إبلي تأكل معها وتشرب، وقد أخبرت بها في الأسواق وفي البوادي ولكن لم أعرف صاحبها، أرجو الإفادة عن الحكم عليه؟

            الجواب
            قدر قيمتها كم تكون، أو بعها وتصدق بالثمن أو بالقيمة التي تقدرها على الفقراء بالنية عن صاحبها؛ لأن هذا هو الذي تستطيع.

            (42/23)


            --------------------------------------------------------------------------------

            الواجب على من أفطر عمداً في رمضان ثم تاب


            السؤال
            أفطرت في رمضان متعمداً ثلاثة أيام وقد تزيد، ثم تبت إلى الله والحمد لله، فماذا يجب عليَّ؟

            الجواب
            يجب عليك أن تقضي هذه الأيام التي أفطرتها إذا كنت أفطرتها في أثناء النهار، أما إن كنت تركتها من الأصل ولم تشرع في الصوم فإنها لا تقبل منك ولو قضيتها، ولكن عليك أن تتوب إلى الله وتكثر من الأعمال الصالحة.

            (42/24)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم قضاء الدين من مال الزكاة


            السؤال
            فضيلة الشيخ أنا شاب مقترض من صندوق الراغبين في الزواج مبلغ ثلاثين ألف ريال، ومقترض من بنك التسليف بمبلغ عشرين ألف ريال، وأنا في منزل مستأجر، وراتبي الشهري ألفان وستمائة ريال، فهل يجوز أن آخذ الزكاة وأدفع بها ديني الذي علي؛ مع العلم أني أملك أرضاً تقدر قيمتها بمائة وعشرين ألف ريال، وأنا حالياً في حيرة هل أبيع الأرض التي أود أن أعمر عليها مسكناً لي، أم أسدد الدين الذي علي وآخذ من الزكاة؟

            الجواب
            لا يلزم هذا السائل أن يبيع الأرض التي أعدها ليبني عليها؛ لأن هذه من ضرورياته، وله أن يأخذ من الزكاة مقدار ما عليه من الدين ويقضي بذلك دينه، أما إذا كان عنده بيت ولكن يريد أن يتوسع وقد أعد هذه الأرض لبيت واسع فإنه لا يحل له أن يأخذ من الزكاة، بل الواجب أن يبيع هذه الأرض ويوفي بها دينه، أو يبيع بعضها إذا كان بعضها يفي بالدين.

            (42/25)


            --------------------------------------------------------------------------------

            المشاركة في بناء مسجد كبير أفضل من بناء مسجد صغير


            السؤال
            إذا كان بعض الناس يرغب في بناء مسجد بمبلغ من المال فأيهما أفضل: أن يشارك غيره في بناء مسجد كبير يضمن عدم الحاجة إلى هده وتوسيعه خصوصاً مع تزايد السكان، أم يبني مسجداً صغيراً بدون مشاركة مع أحد؟

            الجواب
            الأفضل الأول؛ لأن المبنى الصغير ربما يكون من حوله قليلين ثم يزيدون وحينئذ يهدم ويعاد مرة ثانية، لكن إذا كان أهل المسجد الصغير مضطرين إليه أكثر من ضرورة أهل المسجد الكبير فهم أولى لدفع ضرورتهم، لكن مع التساوي المشاركة في المسجد الكبير أحسن؛ لأنه أضمن، فصار في المسألة تفصيل: إذا كان أهل المسجد الصغير مضطرين إلى هدمه وبنائه فهو أفضل من المشاركة، وإذا كانوا غير مضطرين أو كانت الضرورة واحدة في هذا وهذا فالمشاركة في الكبير أفضل.

            (42/26)


            --------------------------------------------------------------------------------

            السقط الذي دون أربعة شهور لا يصلى عليه


            السؤال
            أفتى شيخ في منطقتنا بأن السِقط الذي له ثلاثة شهور يغسل ويكفن ويصلى عليه، فهل هو مصيب فيما قال؟

            الجواب
            غير مصيب فيما قال؛ لأن السقط الذي لم تنفخ فيه الروح ليس بإنسان ولا يبعث، وإنما يبعث من نفخت فيه الروح، وهذا لا يتم قبل أربعة أشهر؛ لذلك أرجو من السائل أن يبين لمن أفتاه بأن هذه الفتوى غير صحيحة، وأن السِقط الذي يصلى عليه هو الذي نفخ فيه الروح، وأما قبل ذلك فلا يصلى عليه.

            (42/27)


            --------------------------------------------------------------------------------

            أقوال العلماء في صداق المرأة التي دفعت زكاته ولم يدخل بها


            السؤال
            شخص عقد على امرأة بأربعين ألف ريال سعودي، وحال الحول والصداق عندها، ثم زكته فأخرجت ألف ريال زكاة عليه، ثم طلقها قبل الدخول بها، فهل يرجع الزوج بعشرين ألف ريال كاملة أم يخصم منه نصف الزكاة فتكون الزكاة على الزوج والزوجة، أما ماذا؟

            الجواب
            هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: إن الزكاة على الجميع؛ لأن نصفها ملك لها والنصف الآخر ملك له، ومنهم من قال: إنه على الزوجة فقط؛ لأنها هي التي استقرت عليها الزكاة قبل أن يتنصف المهر، فما دامت استقرت عليها الزكاة قبل أن يتنصف المهر فالزكاة عليها وحدها والزوج يعطى نصف المهر كاملاً.
            ومثل هذه الحال ينبغي للزوجين أن يصطلحا، والزكاة ليست مغرماً فلو خصمت من نصيب الزوج لم يضره شيئاً، يعني: لو خصم من نصيب الزوج مقدار زكاته فقط ومن نصيب الزوجة مقدار زكاتها لكان هذا حسناً.

            (42/28)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم تجسيد القصص النبوي أو القرآني بأفلام كرتونية


            السؤال
            فضيلة الشيخ ما حكم تجسيد القصص النبوي أو القرآني بأفلام كرتونية ربما زيد فيها وغير كقصة الغلام -أعني: غلام الأخدود- أو قصة أصحاب الفيل كما في سورة الفيل، أو قصة الراهب والملك والساحر؟

            الجواب
            أولاً: إن هذه القصص قد لا تكون صحيحة فكيف يبنى على غير صحيح.
            ثانياً: إني أخشى أن يقال لمن جسدها وصورها أين الدليل على أن صورة الغلام على هذا الوجه وصورة الساحر على هذا الوجه؟ أين الدليل على أن أصحاب الأخدود على هذا الوجه والذين فتنوهم على هذا الوجه؟ فليس عنده علم بذلك، والخلق لا يزال ينقص، فقد كان الإنسان كبيراً، خلق آدم طوله في السماء ستون ذراعاً، وورد في أحاديث أخرى أن عرضه سبعة أذرع، وما زال الخلق ينقص حتى وصل إلى ما نحن عليه الآن، ما الذي أدراه أن أصحاب الأخدود على هذا الوجه؟ لذلك أنا أقول: إن الورع عدم تجسيد هذه الأشياء ويكفي أن توصف بالكلام.

            (42/29)


            --------------------------------------------------------------------------------

            نصيحة لصاحب الدش وحكم طلب الزوجة الطلاق منه إذا رفض إزالة الدش


            السؤال
            سائلة تقول: أنا امرأة ملتزمة -ولله الحمد- أريد أن أربي أولادي التربية الإسلامية الصحيحة، وزوجي هداه الله يوجد لديه دش -أعني: القنوات الفضائية وما يعرض فيها مما يستحى من ذكره- وزوجي يسمح لأولادي بمشاهدة هذا الدش حتى إن أولادي تغيرت أخلاقهم، وعندما نصحت زوجي بإخراج الدش من البيت ضربني ضرباً شديداً، وأنا أريد الطلاق منه فما رأيك يا فضيلة الشيخ؟

            الجواب
            أما الزوج فإني أوجه إليه نصيحة وأقول له: اتق الله في نفسك، واتق الله في أهلك، واعلم أنك مسئول عن هذا فقد قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} [التحريم:6] هذا الخطاب الذي حملك الله تعالى أن تقي نفسك وأهلك النار سوف تسأل عنه يوم القيامة.
            ثانياً: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته) فقد جعلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم راعياً على أهلك وحملك المسئولية، فكيف تجلب إليهم هذا الدش الذي لا أحد يشك فيما يعرض فيه من المنكرات العظيمة التي أفسدت العقائد والأفكار والأخلاق والآداب؟ كيف ترضى لنفسك بهذا ولأهلك بهذا.
            ولا شك أن المرأة إذا كان ما ذكرته صحيحاً أنها على صواب، وأن الرجل ليس على صواب، بل إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (ما من عبد يسترعيه الله على رعية -أو قال: استرعاه الله على رعية- يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) نسأل الله العافية، ونحن نسأل وننظر هل ينطبق هذا الحديث على هؤلاء القوم.
            أولاً نسأل: هل هذا الرجل استرعاه الله على رعية؟ وهل كونه يجلب هذه الآلة الخبيثة المدمرة للعقيدة والفكر والخلق والعمل؛ هل هو ناصح أو غاش؟ غاش، فإذا مات فإنه يدخل في الحديث، إن النبي عليه الصلاة والسلام جزم وعمم: (ما من عبد استرعاه الله على رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) .
            ولكن يجب أن نعلم أننا نقول بهذا على سبيل العموم لا على سبيل الخصوص بمعنى: أننا لا نشهد لهذا الرجل المعين الذي أتى بالدش ومكن أهله مما فيه لا نقول: هو نفسه لا يدخل الجنة؛ لأننا لا ندري، ربما يتوب، ربما يكون له حسنات عظيمة تمحو هذه السيئات، ربما يعفو الله عنه، لكن على سبيل العموم لا إشكال في أننا نجزم بما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام، ويجب علينا أن نجزم بما قال الرسول، ولكن هناك فرق بين التعيين وبين التعميم، لذلك لو مات الإنسان وهو جالب لأهله هذه الآلة الخبيثة فلا يجوز أن نقول لأهله: إن صاحبكم قد حرم الله عليه الجنة لماذا؟ لأننا لا نعين على أحد لا عذاباً ولا نعيماً إلا ما عينه الرسول عليه الصلاة والسلام.
            كما أننا لو رأينا شخصاً جلداً شجاعاً مقداماً يقاتل الأعداء ثم قتل في الصف هل نقول: إنه شهيد؟ لا نقول: إنه شهيد، مع أن فعله ظاهره أنه شهيد، لكن لا نقول: إنه شهيد؛ لأننا لا ندري، والمدار على ما في القلب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما من مكلوم يكلم في سبيل الله (والله أعلم) بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك) فقال: والله أعلم، نحن لا ندري، ربما يكون عند آخر لحظة حصل له ما يبطل هذا العمل، وقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه على هذا فقال: باب لا يقال فلان شهيد.
            فالخير والشر -يعني: العقوبة والمثوبة- كلها لا نشهد للشخص المعين، لكن نشهد على سبيل العموم، فيجب أن تلاحظوا هذا، ولهذا صدر منا خطبة بينا فيها أن من خلف لأهله هذه الآلة الخبيثة فإنه يُحرَم من دخول الجنة، لكن لا نقول: فلان ابن فلان يحرم ولو خلف لأهله، ولما رأينا بعض الناس استغرق في هذا الشيء، وخفنا أن الناس يُعيّر بعضهم بعضاً، يصير كل واحد يأتي لشخص يكون خلف الدش يقول: أبوك حرام عليه الجنة.
            ويحصل في هذا شيء من الفتنة، قلنا: إن من فعل ذلك فإنه يخشى أن ينطبق عليه الوعيد.
            وهذا ليس تغييراً للفتوى، فمن حيث الحكم ما تغيرت، لكنها تغيرت من ناحية اللفظ خوفاً من أن يتوهم الناس فيها معنى فاسداً.
            وأرى: أن لها أن تطلب الطلاق، ولكن يجب أن تتأمل ماذا يحدث بعد الطلاق وهي لها أولاد، فربما يحصل تفرق الأولاد، وربما يحصل أن الزوج يتسلط على الأولاد ويأخذهم، وتحصل مطالبات ومنازعات، فأرى أن تصبر وتحتسب، وهي إذا حصلت المعصية بدون رضا منها فليس عليها إثم.

            (42/30)


            --------------------------------------------------------------------------------

            جواز فسخ العقد إذا انتقضت الشروط


            السؤال
            فضيلة الشيخ لقد قمت بالحجز والتعاقد مع إحدى الحملات للحج هذا العام، وبعد أن تعاقدنا على أن يكون المبيت داخل منى فإذا بهم يخبرون أن هناك احتمالاً بأن المبيت قد يكون في خارج منى، قد يكون بـ المزدلفة أو بـ العزيزية أو نحو ذلك، فهل هناك حرج أن أسافر مع هذه الحملة، أم يجب علي فسخ العقد والسفر مع حملة أخرى ليس فيها ذلك؟ أرجو الإفادة.


            الجواب
            إذا كان يمكن أن تحصل على حملة قد حجز لها مكان في منى فلا تقم مع هؤلاء، أما إذا كان الناس على حد سواء كل لا يدري قد يحصل له مكان وقد لا يحصل، فما دامت هذه الحملة قد رضيتها ورضيت الرفقاء فيها فكن معهم.

            (42/31)


            --------------------------------------------------------------------------------

            الترتيب يسقط بالنسيان


            السؤال
            لقد صمت رمضان -ولله الحمد- ولكن أفطرت يوماً لسفري، وبعد رمضان شرعت في صيام الست من شوال، وتذكرت بعد مضي ثلاثة أيام أن عليَّ قضاء يوم، فما الحكم وماذا أفعل؟ الشيخ: على كل حال: في مثل هذا الحال إذا شرع إنسان في صيام أيام الست ناسياً أن عليه قضاء؛ فإنه إذا تذكر القضاء يصوم القضاء الذي عليه ثم يكمل أيام الست؛ لأن الترتيب هنا سقط لنسيانه ما عليه، والترتيب يسقط بالنسيان، لكنه إذا كان قد نوى اليوم هذا من الست فلا يجعلها للقضاء؛ لأن القضاء لا بد أن ينويه من قبل الفجر.

            (42/32)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم دخول المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً


            السؤال
            أنا إمام مسجد دائم، وآكل الثوم ولا أستغني عنه أبداً، علماً أني إذا أكلت الثوم لا أجلس في المسجد أبداً لئلا أضايق الجماعة فإني من باب المسجد إلى المحراب ومن المحراب إلى خارج المسجد، وأؤدي السنة في المنزل، هل يجوز لي ذلك؟ وكيف السبيل إلى طريقة أحسن من هذه؟

            الجواب
            لا يجوز للإنسان إذا أكل بصلاً أو ثوماً وبقيت رائحته أن يدخل المسجد، لا المحراب ولا وسط المسجد، لا إماماً ولا مأموماً ولا منفرداً؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من أكل بصلاً أو ثوماً فلا يقربن مساجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان) لكن إذا كان لا بد أن يأكل فليستعمل أشياء ذات روائح قوية تضمحل معها رائحة الثوم والبصل، فإذا زالت الرائحة فلا بأس أن يحضر إلى المسجد ويكون إماماً أو مأموماً أو منفرداً، أما ما دامت الرائحة باقية فلا يجوز أن يدخل المسجد.

            (42/33)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم صوم من ترددت نيته فيما يفسد صومه


            السؤال
            شخص كان مريضاً في المستشفى في أيام رمضان وقد تسحر لأجل أن يصوم، ولكن بعدما أكل السحور أتاه القيء فتقيء فتحير هل يصوم أم لا، وتذبذب في نية الصيام وبعد ذلك صام، فما حكم صوم يومه هذا وقد تذبذب في النية في أول يومه أيصوم أم لا؟

            الجواب
            ما دام هذا قد نوى الصوم لكنه تردد هل هذا القيء يفسد الصوم أم لا ثم استمر في عزيمته على الصوم فصومه صحيح؛ لأن هذا تردد في كون هذا الذي وقع مفسداً أو غير مفسد، هو ما تردد في النية لكن شك هل يفسد صيامه بهذا القيء أو لا؟ فنقول: صيامه صحيح، ولا قضاء عليه، ولكن ليعلم أن القيء لا يفسد الصوم إلا إذا تعمده الإنسان، أما إذا لم يتعمد فإنه لا يفسد الصوم بذلك، حتى لو فرض أنه لم يحاول أن يهدئه بل تركه لا جلبه ولا هدأه فخرج فإن صومه صحيح، وعلى هذا فنقول للأخ السائل: إن صومك صحيح ولا قضاء عليك.

            (42/34)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم من مرض طيلة شهر رمضان ولم يقض شيئاً ولم يكفر عنه


            السؤال
            شخص مرض طوال شهر رمضان، ومات وهو في المستشفى ولم يقض شيئاً ولم يكفر عنه فماذا عليه الآن، هل يصام عنه أم يكفر؟ نرجو الإفادة.


            الجواب
            إذا كان هذا المرض الذي أصابه في رمضان مرض مما ييأس الناس من برئه فإن الواجب الإطعام عنه ولا يصام عنه، أما إذا كان مرضاً يرجى برؤه لكنه اشتد به حتى مات فإنه لا قضاء عليه ولا إطعام؛ لأن من أفطر لمرض يرجى برؤه ففرضه الصيام، فإذا استمر به المرض فإنه لا قضاء عليه؛ لأن فرضه أن يصوم إذا قدر، لكن في مثل هذه الحال إذا كان في أول رمضان مرضه يرجى برؤه، وبعد النصف انتقل المرض إلى مرض لا يرجى برؤه ثم مات فهنا نقول: يطعم عن الأيام الأخيرة التي وصل به المرض إلى حد لا يرجى برؤه، أما الأيام الأولى فالفرض فيها القضاء ولم يتمكن منه فتسقط عنه.

            (42/35)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم تأخير الحج مع القدرة


            السؤال
            أنا عمري ثلاثون سنة هل يجوز لي أن أؤخر الحج إلى السنة القادمة وأنا مستطيع الحج الآن؟

            الجواب
            لا يجوز، من وجب عليه الحج وجبت عليه المبادرة؛ لأن الإنسان لا يدري ماذا يعرض له، ربما يفقد هذا المال، ربما يمرض في المستقبل، ربما يموت، فمن وجب عليه الحج وجبت عليه المبادرة ولا يحل له أن يؤخره.

            (42/36)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم أداء النوافل وقت الدوام


            السؤال
            فضيلة الشيخ من المعلوم يا فضيلة الشيخ أن وقت صلاة الضحى يأتي وأنا في وقت عملي وأنا مدرس في الفسحة وفي وقت فراغي، فقال لي أحد الإخوة من المعلمين: لا يجوز لك التنفل في وقت الدوام، وآخر يقول: يجوز لك أن تتنفل أقل ما يمكن بركعتين.
            رغم أني في الفسحة -أي: في وقت فراغي- فما حكم فعلي؟

            الجواب
            لك أن تصلي ما دمت في فسحة، ركعتين أو أربع ركعات أو أكثر؛ لأنك لم تنشغل عن شيء واجب عليك، أما إنسان يريد أن يخرج من الفصل ويصلي الضحى هذا حرام، لكن إنسان ليس عنده درس إما أنه في الفسحة الطويلة أو أنه في حصة لا يدرس فيها فله أن يصلي، وله أن يقرأ القرآن، وله أن يقرأ كتاباً، وله أن يكتب.

            (42/37)


            --------------------------------------------------------------------------------

            صيام الست من شوال متتابعة أفضل من تأخيرها


            السؤال
            بعض الناس يا فضيلة الشيخ يؤخرون صيام ست أيام من شوال إلى أيام البيض أو الإثنين والخميس فأيهما أفضل: التتابع أم تأخيرها؟

            الجواب
            التتابع أفضل؛ لأن هذه تابعة لرمضان كالراتبة تماماً، فكونه يبدأ بها من حين أن يفطر في اليوم الثاني من شوال ويتابع أفضل؛ لا شك في هذا، ثم إنه إذا نوى بهذه الأيام الستة أنها عن أيام البيض كفاه؛ لأنه يصدق عليه أنه صام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم إن هذه الأيام سوف يمر عليه فيها يوم الإثنين ويوم الخميس، أو يوم الخميس أو يوم الإثنين لا بد من هذا فيحصل له الأجران جميعاً.

            (42/38)


            --------------------------------------------------------------------------------

            الواجب على من نسي أن يقصر أو يحلق في العمرة


            السؤال
            رجل قام بأداء العمرة ونسي أن يقصر أو يحلق ولبس ثيابه، وذكر وهو في مكة أنه لم يقصر أو لم يحلق وسافر إلى بلده، السؤال: ما حكم عمرته وماذا يفعل؟

            الجواب
            عمرته صحيحه؛ لأنه ما بقي عليه إلا الحلق والتقصير، ولكن من العلماء من يقول: يحلق أو يقصر.
            أي: يخلع ثيابه الآن؛ لأنه يحرم عليه أن يلبس الثياب قبل الحلق والتقصير، فيخلع الثياب ويلبس ثياب الإحرام، ثم يقصر أو يحلق.
            ومنهم من قال: إنه ثبت عليه الدم بمغادرته مكة، ويذبح في مكة فدية توزع على الفقراء.
            وأرى أن الأخير أحسن: أن يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء هذا إن كان غنياً أما إذا كان فقيراً فلا شيء عليه.

            (42/39)


            --------------------------------------------------------------------------------

            الواجب على من نسي أن يحرم من الميقات


            السؤال
            شخص لم يعقد نية الإحرام إلا بعد أن تجاوز الميقات بعشرة كيلو -تقريباً- جاهلاً، وكذلك لبس ثوبه قبل أن يحلق شعره ناسياً؟

            الجواب
            أما المسألة الأولى وهو الذي لم يحرم من الميقات جاهلاً فلا إثم عليه، لكن عليه عند العلماء أن يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء؛ لأنه ترك واجباً.
            وأما الثانية: وهو كونه لبس قبل أن يقصر ناسياً فلا شيء عليه.

            (42/40)


            --------------------------------------------------------------------------------

            فضائل العشر من ذي الحجة


            السؤال
            ما هي الفضائل في شهر ذي الحجة؟

            الجواب
            شهر ذي الحجة -الظاهر أن المراد العشر- أنه ينبغي للإنسان في هذه العشر أن يكثر من الأعمال الصالحة من الصلاة والصدقة والصيام -أيضاً- لأنه سوف يصوم الأيام التسعة، وكذلك كل عمل صالح، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) .

            (42/41)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم تغيير النية من النفل إلى الفرض


            السؤال
            أحد الإخوة كان عليه يوم من رمضان، فلما انتهى من رمضان نسي أن عليه يوماً واحداً فصام ثاني العيد والنية كانت صيام ست من شوال، فلما كان في وقت العصر تذكر أن عليه يوماً واحداً فرضاً فحول النية من النفل إلى الفرض، ثم أكمل الصوم، السؤال: هل صيامه هذا يحسب له فرضاً؟

            الجواب
            لا يحسب له فرضاً، وهذا تكلمنا عليه قبل قليل وقلنا: إنه لا بد أن يكون الفرض منوياً به قبل طلوع الفجر، فعلى هذا نقول للأخ السائل: يجب عليك الآن أن تقضي اليوم الذي عليك.

            (42/42)


            --------------------------------------------------------------------------------

            حكم الصلاة خلف الإمام الذي فيه لكنة


            السؤال
            ما حكم الصلاة خلف إمام فيه لكنة -أي: عقدة في لسانه- فيغير بعض حروف القرآن، فتخرج الكلمة غير صحيحة، مثلاً: "الصراط" تخرج ثاءً بدلاً من الصاد، و"المستقيم" تخرج ثاءً بدلاً من السين.
            وهكذا؟

            الجواب
            نرى أن هذا الإمام لا يحل له أن يكون إماماً للناس؛ لأن هذا التغيير يغير المعنى، فليتخل عن الإمامة ولتكن إلى شخص آخر سليم، لكن لو فرض أن الإنسان دخل معه وهو لا يدري ثم أتم الصلاة وهذا الذي معه يقرأ الفاتحة لنفسه قراءة صحيحة فلا إعادة عليه.

            (42/43)


            --------------------------------------------------------------------------------

            الواجب على من جامع أهله في نهار رمضان


            السؤال
            جامعني زوجي في نهار رمضان في حالة ضعف مني ومنه -غفر الله لنا- فهل يجزئ الآن أن نذبح ذبيحة ونفرقها أو نطعم مائة وستين مسكيناً أم لا يجزئ؟

            الجواب
            الواجب عليه وعلى زوجته أن يعتق كل واحد منهما رقبة، فإن لم يجدا صام كل واحد شهرين متتابعين، فإن لم يستطيعا أطعم كل واحد ستين مسكيناً.

            (42/44)


            --------------------------------------------------------------------------------

            كلمة توجيهية عن مسائل الجماع في نهار رمضان


            السؤال
            هل من توجيه يا شيخ! في مسألة الجماع في نهار رمضان؟

            الجواب
            التوجيه بهذا أن نقول: إن الجماع في نهار رمضان هو أشد ما يكون من المفطرات وأعظمها، والواجب على الإنسان أن يتقي الله عز وجل، وألا يجعل نعم الله عليه معصية، فإن الله لما أنعم عليه بالزوجة فالواجب أن يتمتع بها حيث أباح الله له ذلك، وليصبر، والمسألة ما هي إلا ساعات ثم تغرب الشمس ويحل له أن يأتي أهله، لكن بعض الناس ضعيف الإيمان وضعيف النفس يعجز عن أن يملك نفسه، بل تجده -والعياذ بالله- يملي عليه الشيطان في النهار وتشتد شهوته أكثر من الليل نسأل الله لنا ولهم الهداية.

            (42/45)


            --------------------------------------------------------------------------------
            وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
            وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

            حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
            https://www.musacentral.com/

            تعليق


            • #81
              اللقاء الشهري

              اللقاء الشهري [43]
              إن أي عبادة يُتقَرب بها إلى الله عز وجل لا تقبل إلا إذا توفر فيها شرطان، وهما: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن العبادات الحج، وفي هذا اللقاء ذكر الشيخ صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكي نقتدي به في حجه عليه الصلاة والسلام، وكذلك شروط الأضحية، ثم أردف ذلك بالإجابة عن الأسئلة حول الحج والأضحية وغيرهما.

              (43/1)


              --------------------------------------------------------------------------------

              شرطا العبادة الصحيحة
              الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
              أما بعد: فإننا بمناسبة استقبال شهر ذي الحجة الذي يؤدي فيه الناس مناسكهم من حج وعمرة، والذي يتقربون إلى الله تبارك وتعالى فيه بذبح الأضاحي فإننا سنذكر الآن شيئاً من أحكام الحج وأحكام الأضحية.
              من المعلوم أن كل عبادة لا تصح إلا بشرطين أساسين -جميع العبادات لا تصح ولا تقبل إلا بشرطين أساسين-

              (43/2)


              --------------------------------------------------------------------------------

              من شروط العبادة: الإخلاص لله تعالى
              الشرط الأول: الإخلاص لله تعالى؛ بأن يقصد الإنسان بعبادته مرضاة الله سبحانه وتعالى، والوصول إلى دار كرامته، لا يقصد بذلك شيئاً من الدنيا؛ لأن من أراد بعمله شيئاً آخر من أمور الدنيا حبط عمله، قال الله تبارك وتعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود:15-16] وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى:20] بعض الناس يذهب إلى الحج للترفه والنزهة ورؤية الناس، وبعض الناس يأخذ الحج لغيره نيابة لأجل الدنيا -لأجل المال- وكل من أراد بعمله الذي يتقرب به إلى الله شيئاً من الدنيا فإنه لا يقبل منه.

              (43/3)


              --------------------------------------------------------------------------------

              من شروط العبادة: متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم
              والشرط الثاني: المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يمكن أن تقبل أي عبادة إلا على نحو ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقول الله تبارك وتعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13] وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى:21] قال ذلك منكراً عليهم، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) فلا بد من المتابعة والإخلاص، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .

              (43/4)


              --------------------------------------------------------------------------------

              صفة حجه عليه الصلاة والسلام
              إذا كان لا بد من متابعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا بد أن نعرف كيف حج الرسول عليه الصلاة والسلام.
              فلنذكر ذلك على سبيل الاختصار حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السنة العاشرة من الهجرة ولم يحج قبلها -بعد الهجرة لم يحج عليه الصلاة والسلام إلا هذه الحجة- لأنها -أي: مكة - كانت إلى السنة الثامنة تحت ولاية المشركين، وفي السنة التاسعة بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا بكر رضي الله عنه ليكون أمير الحجيج في السنة التاسعة، وتأخر في المدينة؛ لأن الناس صاروا يفدون إلى المدينة يتعلمون أحكام الإسلام، فبقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة وحج في السنة العاشرة وأعلم الناس بذلك، وحج معه نحو أربعين ألفاً من المسلمين؛ فخرج من المدينة ونزل بـ ذي الحليفة وأحرم منها، وسار إلى مكة، ولما وصل مكة طاف بالبيت سبعة أشواط: يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى ويمشي في الأربعة الباقية.
              وكان مضطبعاً بردائه، والاضطباع: أن يجعل الإنسان وسط الرداء تحت إبطه الأيمن، وطرفيه على كتفه الأيسر، ولما أتم سبعة أشواط تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البقرة:125] فصلى خلف المقام ركعتين قرأ في الأولى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون:1] بعد الفاتحة، وفي الثانية: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] بعد الفاتحة، وخفف هاتين الركعتين من أجل أن يخلي المكان لمن أراد أن يصلي فيه.
              ثم رجع إلى الركن -أي: إلى الحجر الأسود- فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158] أبدأ بما بدأ الله به -فبدأ بـ الصفا - فرقي عليه واستقبل القبلة ورفع يديه وجعل يذكر الله ويدعوه، وكان من ذكر الله الذي قاله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) ثم دعا، ثم أعاد الذكر مرة ثانية ثم دعا، ثم أعاده مرة ثالثة.
              ثم نزل يمشي حتى نزل بطن الوادي -أي: مجرى الشعيب- وكان نازلاً فلما نزل بطن الوادي أسرع إسراعاً بالغاً حتى أن إزاره لتدور به من شدة السعي، فلما ارتفع صار يمشي إلى المروة، أتم سبعة أشواط: من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر، فكان أول ابتداء سعيه من الصفا وآخره المروة.
              ثم أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، أما هو صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلم يتحلل؛ لأنه قد ساق الهدي، ومن ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله، وأشكل على الصحابة: كيف نتحول من الحج إلى العمرة، قالوا: (يا رسول الله! قد سمينا الحج.
              قال: افعلوا ما آمركم به) وقال: دخلت العمرة في الحج، يعني: أن انتقالكم من الحج إلى العمرة لا يعني إفساد الحج؛ لأن العمرة دخلت في الحج.
              ثم انتهى من السعي وخرج عليه الصلاة والسلام ونزل في الأبطح ولم ينزل في مكة من أجل أن يخليها لمن احتاج إليها، ومعه كما قلت لكم أربعون ألفاً، نزل هناك إلى أن كان يوم الثامن من ذي الحجة، فلما كان يوم الثامن من ذي الحجة ارتحل صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى منى، وأحرم المسلمون الذين حلوا من عمرتهم في ذلك اليوم، وبقي في منى صلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ولما طلعت الشمس سار إلى عرفة، ونزل في مكان يقال له: نمرة ليستريح فيه، حتى إذا زالت الشمس ارتحل عليه الصلاة والسلام متجهاً إلى عرفة، فنزل في بطن الوادي -أي: وادي عرنة - وخطب الناس خطبة بليغة عظيمة، ثم أذن بلال فصلى الظهر والعصر جمع تقديم.
              ثم سار إلى الموقف الذي اختار أن يقف فيه في عرفة عند الصخرات شرقي عرفة، وقف راكباً على بعيره عليه الصلاة والسلام يدعو الله تبارك وتعالى إلى أن غابت الشمس، ولما غابت الشمس دفع من عرفة متجهاً إلى مزدلفة حتى وصل مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فوقف عنده مستقبل القبلة يدعو الله تبارك وتعالى حتى أسفر جداً.
              ثم واصل السير إلى منى وسلك الطريق الوسطى؛ لأن منى في ذلك الوقت فيها ثلاث طرق، فسلك الطريق الوسطى؛ لأنه أيسر في وصوله إلى جمرة العقبة، وبدأ بجمرة العقبة حين وصل إلى منى فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، وقال لأصحابه -وقوله لأصحابه قول لأمته- قال: (بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلوَّ في الدين) .
              ثم بعد الرمي انصرف إلى المنحر وكان قد أهدى مائة بعير نحر منها ثلاثاً وستين بيده، وأعطى علي بن أبي طالب الباقي فنحرها، ثم أمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كل بدنة بقطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها تحقيقاً لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا} [البقرة:58] ثم حلق وحل ونزل إلى مكة وطاف طواف الإفاضة ومن معه قارنين طافوا معه طواف الإفاضة، ولم يسعوا بين الصفا والمروة؛ لأنهم كانوا قد سعوا بعد طواف القدوم، أما المتمتعون الذين حلوا من العمرة فطافوا بين الصفا والمروة بعد طواف الإفاضة.
              ثم رجع إلى منى وأقام فيها ثلاثة أيام بعد العيد، رمى في اليوم الأول الجمرة الأولى، ثم الوسطى ثم العقبة، يدعو بين الجمرتين الأولى والثانية، والثانية والثالثة، أما الثالثة فإنه لم يقف بعدها للدعاء.
              وفي اليوم الثالث عشر نزل صلى الله عليه وعلى آله وسلم من منى بعد أن رمى الجمرات الثلاث وقبل أن يصلي الظهر، فنزل بمكان يقال له المحصَّن وفي آخر الليل أمر بالرحيل، فارتحل صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأتى المسجد الحرام فطاف طواف الوداع، وصلى الفجر، ثم رجع إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه.
              هذه هي الخلاصة، وقد سبق شيء كثير من أحكام الحج في اللقاء السابق.

              (43/5)


              --------------------------------------------------------------------------------

              من أحكام الأضاحي
              أما الأضاحي فهي سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه كان يضحي كل عام، ويضحي بكبشين: أحدهما يقول: (هذا عن محمد وآل محمد) والثاني يقول: (هذا عن أمة محمد) عليه الصلاة والسلام وجزاه الله عنا خيراً، والأضحية سنة مؤكدة، وقال بعض العلماء: إنها واجبة على القادر، وممن ذهب إلى ذلك في ظاهر كلامه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، فالإنسان القادر يضحي إما وجوباً وإما استحباباً مؤكداً، ولكن الأضحية عمن؟ الأضحية عن الأحياء، والأموات إن أوصوا بأضحية ضحي لهم حسب وصيتهم، وإن لم يضحوا فإنه لا يضحى عنهم وإنما يكونون تبعاً، فإذا قال الإنسان: هذا عني وعن أهل بيتي.
              وفيهم أموات دخلوا في ذلك.
              وقولنا: إنه لا يضحى لهم إلا بوصية، لا تستغربوا هذا؛ لأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو لم يضح عن أحد من أمواته، لقد ماتت زوجته خديجة وهي من أحب زوجاته إليه ولم يضح عنها، ولقد مات له ثلاث بنات وثلاثة أبناء ولم يضح عنهم، ماتت له زينب ورقية وأم كلثوم، ومات له إبراهيم وأخواه ولم يضح عن أحد منهم، ومات له عمه حمزة وهو من أحب أعمامه إليه، استشهد في أحد رضي الله عنه ولم يضح عنه، وما علمنا أحداً من الصحابة ضحى عن أقاربه، ولا شك أنه لو كان خيراً لسبقونا إليه، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الإنسان إذا ضحى عن الميت لم تقبل لعدم ورود الشرع بها، لكن أكثر العلماء قالوا: إنها تقبل؛ لأنها بمنزلة الصدقة، والصدقة جاءت السنة بقبولها عن الميت.
              على كل حال: لا أريد أن أزهدكم في الأضاحي عن الأموات، لكن أريد أن أدفع تلك العادة التي اعتادها بعض الناس فصاروا لا يضحون إلا عن الأموات، لا يضحي الإنسان عن نفسه وأهله، وهذا لا شك أنه خطأ، وأن الأصل في الأضحية عن الرجل وأهل بيته.

              (43/6)


              --------------------------------------------------------------------------------

              شروط الأضحية
              الأضحية لا بد فيها من شروط: الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام.
              والشرط الثاني: أن تكون بالغة للسن المحدد شرعاً.
              والشرط الثالث: أن تكون سليمة من العيوب.
              والشرط الرابع: أن تكون في وقت الأضاحي.

              (43/7)


              --------------------------------------------------------------------------------

              من شروط الأضحية: أن تكون من بهيمة الأنعام
              أن تكون من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم لقول الله تعالى: {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج:34] فمن ضحى بفرس -والفرس غال وجسمه كبير- فإن أضحيته لا تقبل، لماذا؟ لأنه ليس من بهيمة الأنعام.

              (43/8)


              --------------------------------------------------------------------------------

              من شروط الأضحية: أن تبلغ السن المحدد شرعاً
              الشرط الثاني: أن تبلغ السن المحدد شرعاً: في الإبل خمس سنوات، وفي البقر سنتان، وفي المعز سنة، وفي الضأن نصف سنة، فلو ضحى ببعير له أربع سنوات فقط فأضحيته غير مقبولة، ومن ضحى ببقرة عمرها ثمانية عشر شهراً فأضحيته غير مقبولة، ومن ضحى بعنز عمرها ثلاثة شهور لم تقبل، ومن ضحى بخروف عمره خمسة شهور لا يقبل، الدليل: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن) .

              (43/9)


              --------------------------------------------------------------------------------

              من شروط الأضحية: أن تكون سليمة من العيوب
              الشرط الثالث: أن تكون سليمة من العيوب، والعيوب تنقسم إلى قسمين: عيوب لا تصح معها الأضحية، وعيوب تصح لكنها ناقصة، العيوب التي لا تصح معها الأضحية هي ما أشار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ فقال: (أربع -وأشار بأصابعه-: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والهزيلة -أو قال: العجفاء- الذي ليس فيها مخ) .
              إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل: العوراء بل قال: البين عورها، كيف بيان العور؟ بيان العور أنك إذا رأيتها أنها عوراء إما لكون عينها بارزة، وإما لكونها منخسفة غائرة، أما لو كانت قائمة ولا تبصر بها فإنها تجزئ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (العوراء البين عورها) ولم يقل: العوراء فقط.
              المريضة البين مرضها، المرض نوعان: نوع بين بحيث تكون الشاة -مثلاً- خاملة لا ترعى ولا تمشي، ودائماً رابضة، هذه مرضها بين، أما إذا كان فيها شيء من السخونة ولكنها تمشي، تأكل، وتصحب الغنم -مثلاً- فهذه مريضة لكن مرضها ليس ببين.
              العرجاء بين الرسول عليه الصلاة والسلام بأن العرجاء البين ضلعها، فإن كانت تهمز بيدها أو برجلها لكنها تمشي، ليس مرضها بيناً، فإنها تجزئ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قيد فقال: (البين عرجها) .
              الرابعة: العجفاء أو الهزيلة التي ليس فيها مخ؛ لأن هذه تكون ضعيفة جداً، ويكون لحمها غير طيب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنها لا تجزئ) أي: تتقى، ولا يضحى بها.
              أما إذا كان في الأذن نقص؛ كأن قطع نصف أذنها، أو انخرمت أذنها، أو انخرقت من الوسم فهل تجزئ؟ نعم تجزئ لكنها ناقصة، ولو أنها سقطت أسنانها أو شيء من أسنانها: الثنايا والرباعيات أتجزئ أو لا؟ تجزئ ولكنها ناقصة، كلما كانت أكمل فهو أفضل، ولو قطعت إليتها؟ فيقول العلماء: إن المقطوعة الإلية لا تجزئ؛ لأن الإلية تحمل شحماً كثيراً فهي بمنزلة العجفاء فلا تجزئ.
              ولو ضحى ببعير مقطوعة الذنب -ذيلها مقطوع-؟ تجزئ؛ لأن ذيل البعير ليس بمقصود بل يرمى به، وكذلك لو ضحى ببقرة مقطوعة الذنب -مقطوعة الذيل- فإنها تجزئ لكن الكاملة أفضل، ولو ضحى بعنز مقطوعة الذيل فإنها تجزئ لكنها ناقصة، ولو ضحى بشاة قطع أكثر من نصف أذنها ولكنها صحيحة تأكل وتشرب وتمشي فما تقولون؟ تجزئ لكنها ناقصة، فالمهم إذا ضحى بشيء خال من العيوب الأربعة التي نص عليها الرسول عليه الصلاة والسلام فإنها تجزئ، لكن كلما كانت أنقص فهي ناقصة.
              لو ضحى بعمياء؟ عمياء لا تنظر أبداً؟ لا تجزئ، لأنه إذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منع من الأضحية بالعوراء البين عورها فالعمياء من باب أولى، لكن ألا تعلمون أن بعض العلماء قال: إن العمياء تجزئ، قيل له: سبحان الله! العمياء تجزئ والعوراء لا تجزئ؟! قال: نعم.
              لأن العوراء يتركها أهلها ترعى وحدها وهي لعورها لا ترى كل شيء، العوراء لا ترى إلا من عند العين الصحيحة فقد يفوتها شيء كثير من المرعى، والعمياء أهلها يأتونها بالعلف، يعرفون أنهم لو أطلقوها ما رأت فلا يأتيها شيء، لكن لا شك أن هذا قياس ضعيف وقول باطل، يا سبحان الله!! الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (العوراء البين عورها) ونحن نقول: العمياء البين عماها تجزئ؟!! والمقطوعة اليد تجزئ أو لا تجزئ؟ لا تجزئ لسببين: أولاً: أنها أن أبلغ من العرجاء.
              والثاني: قد فات لحم مقصود، إذا قطعت من عند الكتف فقد فات لحم مقصود.
              على كل حال افهموا -بارك الله فيكم- العيوب المنصوص عليها واضحة ولا أحد يتكلم فيها أنها لا تجزئ، وما كان مثلها أو أكثر فله حكمها، وما كان دون ذلك فإنه لا يمنع من الإجزاء ولكن تكون ناقصة.

              (43/10)


              --------------------------------------------------------------------------------

              من شروط الأضحية: أن يكون ذبحها في الزمن المحدد شرعاً
              الرابع: أن تكون في وقت الأضحية، من صلاة العيد يوم العيد إلى غروب الشمس يوم الثالث عشر، فتكون أيام الذبح أربعة أيام يجزئ الذبح فيها ليلاً ونهاراً، والنهار أفضل من الليل، وأول يوم أفضل من الذي يليه، فإن ذبح قبل التسليمة الثانية من صلاة العيد فهي غير مقبولة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من ذبح قبل الصلاة فشاته شاة لحم) لا تقبل.
              من ذبح بعد غروب الشمس ليلة الثالث عشر فإنها لا تقبل؛ لأنها بعد الوقت، اللهم إلا في حال واحدة: لو أن الرجل اتكل على ابنه -مثلاً- قال: يا ابني ضح.
              فتهاون الابن أو نسي ولم يضح، وكان الأب عازماً على الأضحية لكن قد وكل ابنه فلم يفعل، والأب ظن أنه ضحى، وبعد غروب الشمس ليلة الثالث عشر جرى الدرس بينهما فقال الابن: أنا ما ضحيت نقول: لا بأس الآن أن يضحي وتكون قضاءً؛ لأن هذا من نيته أن يضحي في الوقت نفسه لكن نسي.
              والأفضل أن الإنسان بنفسه يتولى ذبح أضحيته، وأما سلخها وتقطيع لحمها فأمر هين، لكن المهم أن يذبح هو بنفسه، فيضجع الشاة أو العنز على الجانب الأيسر أولاً: لأنه أهون له لأنه سيذبح باليمنى، وثانياً: لعل الأيسر أقرب إلى القلب فيكون أسرع في خروج الدم، وكلما كان الدم أسرع صار الموت أريح، فإذا قال: أنا لا أعرف أن أذبح باليد اليمنى.
              هو لا يعرف أن يذبح إلا باليسرى فعلى أي الجنبين يضجعها؟ يضجعها على الأيمن؛ لأنه لو أضجعها على الأيسر لما تمكن إلا بصعوبة وأذى للبهيمة.
              البقرة تذبح أم تنحر؟ تذبح، وعلى هذا تضجع على الجانب الأيسر ويذبحها الإنسان.
              وإذا أراد الذبح فإنه مطالب بأمور: أولاً: أن يذبح بسكين حادة لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وليحد أحدكم شفرته) .
              الثاني: ألا يحدها وهي تنظر، إذا أراد أن يحدها -يعني: يسنها- فلا يفعل ذلك والبهيمة تنظر لماذا؟ لأنها ترتاع، هي تعرف أنه إذا سن السكين أمامها وقد أضجعها أنه يريد ذبحها فترتاع.
              وأيضاً: لا يذبحها والأخرى تنظر؛ لأنها ترتاع -أيضاً- إذا رأت أختها تضجع وتذبح ارتاعت، ولهذا نجد بعض الأحيان إذا ذبحت أمام أختها هربت الأخت، ولا يستطيعون إمساكها إلا بمشقة.
              وأيضاً: ينبغي عند الذبح أن يذبح بقوة وعزيمة؛ لأنه لو جعل يرمي بسهولة ويحرحر الذبح لتأذت البهيمة، بل يرمي بقوة وسرعة؛ لأن ذلك أسهل.
              وإذا ذبح فليقل: باسم الله.
              عند تحريك يده بالذبح، ويزيد على ذلك: الله أكبر، والواجب قول: باسم الله، أما (الله أكبر) فهو مستحب، ويقول -أيضاً-: اللهم هذا منك ولك، منك خلقاً ولك تعبداً؛ لأن الذي يسر لك هذه الشاة أو البقرة أو البعير هو الله عز وجل، وله تعبداً فتقول: اللهم هذا منك ولك، اللهم هذا عني وعن أهل بيتي.
              أو تقول: اللهم تقبل مني ومن أهل بيتي.
              ولا يجوز أن يكسر عنقها حتى تموت، وبعض الذين لا يخافون الله ولا يرحمون خلق الله يكسر عنقها قبل أن تموت؛ لأنه أسرع لموتها، لكن فيه أذية لها، اصبر وستموت ما دام الدم يخرج، فإنه إذا نزف الدم لا بد أن تموت، لكن بعض الناس -نسأل الله العافية- يكسر عنقها؛ لأجل أن تموت سريعاً، وهذا حرام.
              وكذلك -أيضاً- نقول: لا تشرع في سلخها حتى تموت؛ لأن سلخها يؤلمها، ما دامت الروح فيها فإن السلخ يؤلمها، أن تجرحها وتشق جلدها لا بد أن تتألم، فانتظر حتى تزهق روحها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن نعجل الأنفس حتى تزهق.
              الدم الذي يخرج منها نجس أم طاهر؟ ما كان قبل خروج الروح فإنه نجس، وما كان بعد موتها فهو طاهر.
              الدليل على أن الدم قبل أن تزهق روحها حرام قول الله تبارك وتعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145] أما بعد أن تخرج روحها فالدم طاهر، فإذا أصاب الإنسان منها دم بعد سلخها فهو طاهر، ولا يجب عليه أن يغسله لا من ثوبه ولا من بدنه.
              ما حكم الدم الذي يكون في القلب؟ طاهر، وكذلك دم الكبد والعروق.
              هل يجب أن نغسل ما على الرقبة مما حصل من الدم المسفوح أم لا يجب؟ قال بعض العلماء: إنه يجب لأنه نجس، وقال بعض العلماء: إنه معفو عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمر بغسله، ولا أمر بغسل الصيد الذي يصيده الكلب أو يصيده الصقر أو ما أشبه ذلك مع أنه متلوث بدم نجس، وهذا مما يعفى عنه، فلو أن الإنسان ترك غسله فلا حرج عليه، ولو غسله لكان هذا أحوط وأحسن.
              فإذا ذبح فكيف يكون توزيع اللحم؟ نقول: إن الله تعالى قال: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا} [الحج:28] ولم يحدد الله تبارك وتعالى، لكن قال أهل العلم: يجعلها أثلاثاً: ثلث للأكل، وثلث للهدية، وثلث للصدقة، ولكن هذا ليس شيئاً واجباً إنما شيء على وجه التقريب، فيتصدق ويهدي ويأكل، والأفضل أن يبادر بها، وأن يبادر بالأكل منها؛ لأن الله تعالى قال: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا} [الحج:28] .
              ثم إذا كان لا يستطيع الذبح بنفسه فالأفضل أن يحضر ذبحها، ونحن نعرف أن الشاة والعنز غالب الناس يستطيعون أن يذبحوها، لكن البقرة صعب ذبحها على الإنسان، وكذلك البعير صعب نحره على الإنسان، فنقول: إذا كنت لا تعرف فاحضرها، فإذا حضرها صاحبها هل يسمى هو أو يسمي الفاعل؟ الفاعل، لو سمى هو ولم يسم الفاعل حرمت الذبيحة، بل الفاعل هو الذي يسمي، يقول: باسم الله، اللهم هذا منك ولك، اللهم هذا عن محمد أو عن علي أو عن خالد أو عن بكر وأهله.
              ولعلنا نكتفي بهذا القدر مما أردنا أن نتكلم فيه، ونسأل الله تعالى أن ينفع به، وأن يرزقنا وإياكم علماً نافعاً وعملاً صالحاً، ورزقاً طيباً واسعاً.
              ونختم هذا بأن من أراد أن يضحي فإنه إذا ثبت دخول شهر ذي الحجة حرم عليه أن يأخذ شيئاً من شعره أو ظفره أو بشرته، حتى فيما يسن أخذه من الشعر فلا يأخذه، أو الظفر، أو البشر، ما هي البشرة هذه؟ الجلد، إلا إذا انكسر الظفر فله أن يقص ما انكسر، أو نزلت الشعرة في عينه وآذته فليأخذها، أو انكشط جلده وآذاه فله أن يقصه؛ لأن هذا لدفع أذاه وإلا فلا يأخذه.
              وهل هذا حرام على رب العائلة وهو القيم أو على الجميع؟ على رب العائلة فقط، أما أهل البيت فلا بأس أن يأخذوا من شعورهم وأظفارهم وأبشارهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (وأراد أحدكم أن يضحي) ولأنه كان يضحي عن أهله، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لهم: اجتنوا ذلك.
              إلى متى؟ قال العلماء: إلى أن يضحي، إذا ضحى حل له أن يأخذ من شعره وبشرته وأظفاره.
              وإذا لم يضح إلا ثاني العيد فإنه ينتظر حتى يضحي، وكذلك ثالث العيد ينتظر حتى يضحي، أو رابع العيد ينتظر حتى يضحي.

              (43/11)


              --------------------------------------------------------------------------------

              الأسئلة

              (43/12)


              --------------------------------------------------------------------------------

              حكم الذهاب إلى الحج في اليوم السابع أو الثامن للمتمتع


              السؤال
              فضيلة الشيخ أريد أن أحج متمتعاً إن شاء الله، وأريد الذهاب في اليوم السابع أو الثامن هل يمكنني ذلك؟

              الجواب
              المتمتع يأتي بالعمرة أولاً ويحل منها ثم يحرم بالحج، وقوله تبارك وتعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة:196] يدل على أن بينهما زمن، فإذا قدم مكة يوم السابع فبينهما زمن، يحل من العمرة، فإذا كان اليوم الثامن أحرم بالحج، لكن إذا قدم بعد أن خرج الناس إلى منى -يعني: في اليوم الثامن- فهنا لا مكان للتمتع؛ لأن الزمن زمن حج، كيف تصرف زمن الحج إلى العمرة؟! أنت لو كنت في مكة محلاً قلنا لك: احرم بالحج الآن واخرج مع الناس، فمثل هذا إذا وصل في هذا الزمن نقول له: إما أن تحرم مفرداً، وإما أن تحرم قارناً، أما التمتع فقد انتهى؛ لأنه دخل وقت الحج.

              (43/13)


              --------------------------------------------------------------------------------

              حكم الحج بمال الصدقة الذي فيه ربا


              السؤال
              سائلة تقول: فضيلة الشيخ أنا امرأة قد تزوجت قبل خمس عشرة سنة ولم أحج لظروف، ويسر الله لي عز وجل في هذه السنة أن جاءتني صدقة -مبلغ من المال- وأنا لا أملك أجرة الحج، وهذا المبلغ من رجل معروف بالربا والناس يعرفون ذلك عنه، فله بنوك ربوية، السؤال يا فضيلة الشيخ: هل أحج؟ علماً بأني لا أعلم عن هذا المال الذي أخذته هل هو من الربا أم من الحلال؟ وماذا أعمل علماً بأن أخي سوف يكون محرماً لي؟

              الجواب
              لا حرج على الإنسان إذا تصدق عليه أحد من المرابين أن يحج بما تصدق به عليه، ولا حرج عليه -أيضاً- أن يقبل ما أهدي إليه؛ لأن ذنب الربا على صاحبه، أما الذي أخذ فقد أخذ بطريق شرعي: بطريق الهبة، بطريق الصدقة، والدليل على هذا: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل الهدية من اليهود، وأكل طعام اليهود، واشترى من اليهود، مع أن اليهود معروفون بالربا وأكل السحت.
              نعم لو فرضنا أن شخصاً سرق شاة من غنم رجل وجاء وأهداها إليك، هنا نقول: تحرم عليك؛ لأنك تعرف أن هذه الشاة ليست ملكاً له، أما إذا كان يتعامل بالربا فإثمه على نفسه، ومن أخذه منه بطريق شرعي فهو مباح له.
              فنقول لهذه المرأة: لا حرج عليك أن تحجي بالمال الذي أعطاك إياه من كان معروفاً بالربا.

              (43/14)


              --------------------------------------------------------------------------------

              حكم مخالفة الترتيب بين الطواف والسعي


              السؤال
              فضيلة الشيخ رجل حج مفرداً وسعى يوم الحادي عشر سعي الحج، وطاف يوم الثالث عشر طواف الحج ثم سافر، فما حكم فعله، هذا حيث تحلل يوم العاشر بالرمي والحلق؟

              الجواب
              هو في اليوم العاشر تحلل برمي جمرة العقبة والحلق، لكن هذا التحلل هو التحلل الأول، الذي يبقى عليه النساء وما يتعلق بهن، في اليوم الحادي عشر سعى وأخر طواف الإفاضة إلى سفره فطافه عند الخروج نقول: هذا لا بأس به؛ لأن غاية ما صار عنده أنه خالف الترتيب بين الطواف والسعي، وقد سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: عمن سعى قبل أن يطوف؟ فقال: لا حرج، وهذا في الحج، أما في العمرة فلا بد أن يتقدم الطواف على السعي، حتى لو فرض أن الإنسان جاء بعمرة فقدم السعي على الطواف جاهلاً لا يعلم قلنا له: إن هذا السعي لا يصح، فعليك أن تسعى بعد الطواف.

              (43/15)


              --------------------------------------------------------------------------------

              آخر وقت لرمي الجمار الثلاث وجمرة العقبة


              السؤال
              فضيلة الشيخ ما هو نهاية الوقت لرمي الجمار الثلاث وكذلك رمي جمرة العقبة الكبرى؟

              الجواب
              أما رمي جمرة العقبة فينتهي بطلوع فجر يوم الحادي عشر، وقال بعض أهل العلم: ينتهي بغروب الشمس يوم العيد، وأما رمي يوم الحادي عشر فيبتدئ من الزوال وينتهي بطلوع الفجر من ليلة الثاني عشر، ويوم الثاني عشر يبتدئ من الزوال وينتهي بطلوع الفجر من اليوم الثالث عشر، ورمي الجمار يوم الثالث عشر يبتدأ من الزوال وينتهي بغروب الشمس ولا رمي بعد ذلك.

              (43/16)


              --------------------------------------------------------------------------------

              الحج عن الميت


              السؤال
              فضيلة الشيخ إن من أكثر المسائل التي يسأل عنها كثير من الناس مسألة الحج عن الميت، هل هناك فرق بين ما إذا أوصى أن يُحَج عنه أو لم يوصِ أرجو الجواب بالتفصيل؟

              الجواب
              إذا أوصى أن يُحَج عنه وكان المال متوفراً في الوصية فإنه يُحَج عنه؛ لأن الحج بر، وقد قال الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:182] بعد قوله: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:181] فيجب أن تنفذ وصيته؛ لأنه أوصى بها.
              أما إذا لم يوص بها فلا بأس أن يحج عنه بعد موته، ولكن الدعاء له أفضل من الحج عنه، ولهذا نقول لمن أراد أن يحج عن أبيه نافلة: اجعلها عن نفسك وادع لأبيك في الطواف، وفي السعي، وفي الوقوف بـ عرفة، وفي الوقوف بـ مزدلفة فذلك خير لك؛ لأن نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ما قال: يعمل له، ومعلوم أن سياق الحديث في العمل، فلما عدل صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن العمل إلى الدعاء، علم أن الدعاء له أفضل.

              (43/17)


              --------------------------------------------------------------------------------

              وفاء الدَّين أهم من الحج
              وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
              وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

              حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
              https://www.musacentral.com/

              تعليق


              • #82
                السؤال
                فضيلة الشيخ كنت مخصصاً مبلغاً من المال للحج وعليَّ دين، ولكن هذا الدين مفتوح التسديد من قبل المدين، وفي هذا الشهر صرفت النقود على اعتبار أني سأعوضها قبل موعد الحج، ولكن لم يتيسر لي المبلغ الآن مع العلم بأني لم أفرط، فهل ما فعلته من التفريط؟

                الجواب
                أقول للأخ: إن الحج ليس فرضاً عليك؛ لأن أي إنسان عليه دين فالحج ليس فرضاً عليه، فليطمئن وليسترح باله، وليعلم أنه لو واجه ربه فإنه لا يعاقب؛ لأن الدين وفاؤه أهم من الحج، فعلى الإنسان أن يحمد الله على الرخصة وعلى التوسعة، فمثلاً: إذا كان الإنسان عنده ألف ريال يمكن أن يحج بها لكن عليه ألف ريال ماذا نقول؟ هل نقول: حج بها وأوف بعد الحج، أو نقول: أوف بها ثم حج في عام آخر؟ الجواب: نقول: أوف ثم حج؛ لأن الحج الآن ليس فرضاً عليك لقول الله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:97] والإنسان يريد أن يبرئ ذمته من الناس، فاقبل رخصة الله، والله تعالى أكرم من الدائن، الدائن سيؤذيك ويقول: أعطني، وإذا رأيته أغمضت عينيك، لكن الرب عز وجل رخص لك وأذن لك ألا تحج، ولم يفرض عليك الحج، فلماذا تذهب تحج وتدع الدين الذي عليك؟!! إذا مات الإنسان والدين عليه من يوفيه؟ ليس عنده مال، ثم إنه لو كان عنده مال فإن بعض الورثة والعياذ بالله ظلمة لا يبالون ببقاء الدين في ذمة الميت، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) فالمسألة خطيرة.
                ولهذا نقول لإخواننا الذين عليهم دين: إن الحج ليس فرضاً عليكم أصلاً؛ لأنكم لا تستطيعون، والله تعالى إنما فرض الحج على من استطاع إليه سبيلاً، أرأيت الفقير هل عليه زكاة؟ ولو لقي ربه في هذا الحال أيعاقب؟ لا.
                فكذلك الإنسان الذي عليه دين فإنه ليس عليه حج حتى يؤدي الدين، نعم لو فرض أن الإنسان عليه دين لكن الدين مؤجل يحل مثلاً بعد شهرين، وهو موظف وواثق من أنه بعد الشهرين سيوفي، وبيده الآن مال، هل يحج أو لا يحج؟ يحج؛ لأن هذا ليس عليه ضرر.
                لو قال قائل: أنا عليَّ دين حال، وصاحب الدين أذن لي أن أخرج، هل يجب علي الحج؟ نقول: لا يجب؛ لأنه وإن أذن لك لن يُسقط شيئاً من دينه، فإذا قال المدين: أنا أريد أن أصحب رفقة مجاناً هل يلزمني الحج؟ لا يلزمه الحج؛ لأن هؤلاء الرفقة يمنون عليه في المستقبل، أدنى شيء يقول: نحن حججنا بك هذا جزاءنا -مثلاً-؟ هذه واحدة.
                الشيء الثاني: إذا قدرنا أن الرفقة هؤلاء من أهله ولا يمكن أن يمنوا عليه يوماً من الدهر قلنا: ننظر؛ إذا كان هذا المدين صاحب عمل ويحصل في أيام الحج أجرة تنفع الدائنين، لكن لو ذهب يحج ما حصل أجرة، نقول: لا تحج؛ لأنك إذا حججت أضررت بالدائن، فمثلاً: إذا قدرنا أن هذا الرجل يوميته ثلاثمائة ريال وهو سيحج في عشرة أيام كم يفقد؟ ثلاثة آلاف ريال وهي تنفع الدائن، فنقول: لا تحج.
                أما لو كان الرجل عاطلاً عن العمل ولو ذهب يحج ما ضر أهل الدين فحينئذ نقول: حج إذا يسر الله لك قوماً يحملونك مجاناً ولا يخشى من منتهم في المستقبل فتوكل على الله.
                سؤال: فإذا كان الدين لوالدي أو والدتي؟ الجواب: لا فرق بين الدين الذي للوالد أو الوالدة أو للأجنبي، فالذمة مشغولة.

                (43/18)


                --------------------------------------------------------------------------------

                صلاة الحاج في مزدلفة صلاة الوتر


                السؤال
                فضيلة الشيخ هل يصلي الحاج في مزدلفة صلاة الوتر أم لا؟

                الجواب
                في مزدلفة لم يُذكَر في حديث جابر، وهو أوفى الأحاديث في صفة حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يذكر أنه أوتر، ولم يذكر -أيضاً- أنه صلى راتبة الفجر، لكن لدينا عموم: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) ولم يخصص، وأيضاً كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يدع الوتر حضراً ولا سفراً ولم يستثن من هذا شيئاً، وكذلك نقول في سنة الفجر حث عليها النبي عليه الصلاة والسلام حتى قال: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يدعهما حضراً ولا سفراً فنقول: ليلة مزدلفة أوتر وصل سنة الفجر.

                (43/19)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم الأضحية التي نسي أن يذكر اسم الله عليها


                السؤال
                فضيلة الشيخ رجل ذبح أضحيته ونسي التسمية، فماذا يترتب على هذا؟ وهل يفرق بين ما إذا كان الشخص متبرعاً بالذبح أم صاحبها؟

                الجواب
                إذا نسي التسمية فليس عليه إثم لقول الله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] ولكن هل يحل لنا أن نأكل من هذه الذبيحة؟ ننظر، قال الله عز وجل: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:121] فأمامنا الآن فعلان: فعل الذابح وفعل الآكل، أما الذابح فمعفو عنه لماذا؟ لأنه ناسٍ، وقد قال الله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] وأما الآكل فنقول: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، ولأن التسمية على الذبيحة شرط والشرط لا يسقط بالسهو والجهل، نظير ذلك: لو أن الإنسان صلى بغير وضوء ناسياً هل يأثم؟ لا يأثم لقوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] لكن هل تبرأ ذمته؟ لا.
                لا بد أن يتوضأ ويصلي.
                ونحن إذا قلنا بهذا القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو ظاهر النصوص -إذا قلنا به- فإن الناس لن ينسوا التسمية على الذبيحة أبداً، الإنسان يكون متذكراً، ولهذا لما أورد بعض الناس قال: إذا قلتم بأن من ذبح ناسياً التسمية فالذبيحة حرام ويجب جرها للكلاب، أتلفتم أموال الناس؛ لأن النسيان كثير ماذا نقول؟ نقول: بالعكس نحن حفظنا أموال الناس؛ لأننا إذا قلنا لهذا الرجل الذي نسي التسمية: الذبيحة حرام ولا يجوز أن نأكل منها فإنه لا يمكن أن ينسى في المستقبل، بل يجعل على باله التسمية ولا يمكن أن ينسى.
                ولا فرق بين المتبرع وغير المتبرع، الذبيحة الآن لا تحل، لكن يبقى: هل يضمن الذابح لصاحب البهيمة؛ لأنه هو الذي كان سبباً في تحريمها أو لا يضمن؟ قد يقال: إنه إذا كان محسناً فلا ضمان عليه لقول الله تبارك وتعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة:91] ولأن النسيان يقع كثيراً، وقد نقول بالضمان ولو كان محسناً؛ لأنه أتلف المال على صاحبه، وإتلاف المال على صاحبه مضمون.
                على كل حال: حتى لو كان الإنسان ناسياً فإنه يضمن، لو أن إنساناً نسي وأكل طعام أخيه يضمنه أو لا يضمنه؟ يضمنه، لكن الأول أصح، والأرجح أن المتبرع المحسن إذا نسي التسمية فلا ضمان عليه لكن الذبيحة لا تحل.

                (43/20)


                --------------------------------------------------------------------------------

                دعاء النائب للمستنيب في الحج


                السؤال
                إذا توكل إنسان عن آخر فهل يجعل الدعاء له ويدعو له بضمير الغائب أو باسمه في الحج، أو يجعل الدعاء لاسمه وتكفي النية ويدعو كأنه يدعو لنفسه؟

                الجواب
                الذي أخذ نيابة في الحج فجميع ما يتعلق بالنسك ثوابه وأجره للمستنيب، والنائب ليس له أجر فيه، وأما الدعاء فللنائب أن يدعو لنفسه ولكن الأفضل أن يشرك صاحبه الذي استنابه فيقول مثلاً: رب اغفر لي ولأخي الذي أعطاني هذه النيابة -مثلاً- أو ما أشبه ذلك، لكن لو دعا لنفسه فقط فلا حرج عليه.

                (43/21)


                --------------------------------------------------------------------------------

                التوبة تمحو ما قبلها


                السؤال
                إذا كان الإنسان عليه ذنوب من كبائر الذنوب وحج، هل يمحو الله عنه هذه الذنوب بعد التوبة؟ أرشدني جزاك الله خيراً.


                الجواب
                إذا تاب الإنسان من الذنوب وإن لم يحج وكانت التوبة نصوحاً فإن الله يمحو ذنوبه عن آخرها، قال الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} [الفرقان:68] أي: يشرك بالله أو يقتل النفس أو يزني {يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان:68-70] فأنت إذا تبت إلى الله توبة نصوحاً وإن لم تحج فإن الله تبارك وتعالى يمحو سيئاتك.

                (43/22)


                --------------------------------------------------------------------------------

                المتلبس بشيء من أحكام الحج والعمرة يجوز له الخروج خارج مكة


                السؤال
                من كان متلبساً بشيء من أحكام الحج أو العمرة فهل يجوز له أن يخرج من مكة إلى جدة أو الطائف؟

                الجواب
                لا بأس فإن كان محرماً بقي على إحرامه، وإن كان قد تحلل بالعمرة وخرج إلى جدة أو إلى الطائف فلا بأس، ويرجع إذا رجع ويحرم مع الناس في اليوم الثامن، فلو أنك -مثلاً- قدمت في اليوم الثالث من شهر ذي الحجة وأتيت بعمرة، ثم خرجت إلى جدة وبقيت فيها، فمتى تحرم؟ تحرم في اليوم الثامن مع الناس، لكن تحرم من جدة أي: فلا تطلع من جدة إلا وأنت محرم.
                ولكن لو أنك في هذه المدة ترددت على مكة إما لزيارة إخوانك أو لغرض من الأغراض هل يلزمك أن تحرم؟ لا.
                لا يلزمك أن تحرم إلا في اليوم الثامن.

                (43/23)


                --------------------------------------------------------------------------------

                الكفر قد يطلق على ما دون الشرك


                السؤال
                فضيلة الشيخ قلت وفقك الله في حديث اليوم: الصحيح أن من ترك الحج عمداً لا يكفر ولكنه هدم ركناً.
                فما معنى قول الله عز وجل: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97] بعد آية وجوب الحج على المستطيع؟

                الجواب
                عبر الله تعالى بأن من كفر فإن الله غني عن العالمين؛ لأنه لم يلتزم بأركان الإسلام، والكفر يطلق على ما دون الشرك حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) وبالاتفاق أن هذا لا يخرج من الدين، والذي جعلنا نرجح هذا أن عبد الله بن شقيق رحمه الله وهو من كبار التابعين المعروفين قال: [كان أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة] .

                (43/24)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم التوكيل في رمي الجمرات


                السؤال
                فضيلة الشيخ في هذه الأزمان يحصل زحام شديد حول الجمرات، فهل يصح أن يتوكل الرجل عن أمه أو عن زوجته في رمي الجمار؛ لأن الرمي يسبب مشقة للمرأة فما حكم التوكيل بذلك؟

                الجواب
                لا شك أنه يسبب مشقة عظيمة على النساء، لكن إذا كانت المشقة في الزحام فدواؤها أن يرمي في الليل، وفي الليل سعة والحمد لله، أما إذا كانت المشقة على البدن لأنها لا تستطيع أن تمشي -مثلاً- إلا بمشقة شديدة أو كانت امرأة حاملاً فهنا نقول: لا بأس أن توكل، وإذا وكلت جاز للوكيل أن يرمي الجمرة عنه وعنها في موقف واحد، فمثلاً: يرمي الجمرة الأولى في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر بسبع حصيات عن نفسه، ثم يرميها عمن وكله، ثم الثانية عن نفسه ثم عمن وكله، ثم الثالثة عن نفسه ثم عمن وكله.

                (43/25)


                --------------------------------------------------------------------------------

                الاقتصار على ذبيحة واحدة لأهل البيت الواحد


                السؤال
                فضيلة الشيخ يضحي أبي في كل سنة عن والديه وكذلك تفعل أمي، ولقد قمت بنصحهما بأن واحدة تكفي ولكن لا جدوى، هلا نصحتهما لعلهما يستمعان لذلك وفقك الله.


                الجواب
                أنا أوجه النصيحة لهما ولغيرهما فأقول: إن أكرم الخلق محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومع ذلك ما ضحى بأكثر من واحدة عنه وعن أهل بيته، ضحى بواحدة عنه وعن أهل بيته، وضحى بأخرى عن أمته، وهو أكرم الخلق، ولأن الإنسان إذا ضحى أضحيتين في بيت واحد أدى ذلك إلى المباهاة والمفاخرة، وصارت كل شخص يقول: أنا ضحيت بثلاث، وهذا يقول: ضحيت بأربع، والثاني يقول: ما عندكم؟ أنا ضحيت بعشر وهكذا يبدأ الناس يتباهون فتنقلب العبادة التي هي ذل وخضوع لله؛ تنقلب إلى مفاخرة ومباهاة.
                فالذي ننصح به إخواننا أن نقول: اقتصروا أهل البيت على واحدة، وإذا قبلها الله فما أعظمها، الرجل يتصدق بما يعادل التمرة من مال طيب فيربيها الله عز وجل حتى تكون مثل الجبل.

                (43/26)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم من عزم على التعجل في الحج ثم لم يتعجل


                السؤال
                فضيلة الشيخ يعلم الله أني أحبك فيه، أريد أن أستفسر عما جرى لي في إحدى السنين، قمت بالحجز على الطائرة في اليوم الثاني عشر، فلما ذهبت لطواف الوداع في ذلك اليوم منعني الزحام حتى تخلفت عن الطائرة، فاضطررت للبقاء لليوم الثالث عشر، وقد عزمت التعجل، هل علي رمي جمرة اليوم الثالث عشر مع أني بقيت مع رفقتي في منى خلال ذلك اليوم؟ أفتني جزاك الله خيراً.


                الجواب
                لا شك أن الاحتياط للأخ السائل -أحبه الله كما أحبنا فيه- أن يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء لقاء ما ترك من رمي الجمرات، أما لو كان قد عزم على ترك المبيت وعلى ترك الرمي لكنه أجبره زملاؤه على أن يبقى فبقي على غير نسك فهذا لا شيء عليه؛ لأن الرجل تعجل، لكنه حرم الأجر، ما هو الأجر الذي حرم؟ حرم البقاء؛ لأن الذي يتأخر يكون له أجر المبيت وأجر الرمي وأجر الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تأخر.

                (43/27)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم الحج على من ليس له مال سوى مال الحج


                السؤال
                سائلة تقول: فضيلة الشيخ أنا امرأة لم آت بفريضة الحج حتى الآن وزوجي لديه في هذه السنة مال يمكن أن نحج به، ولكن هذا المال هو رصيدنا كله، فإذا ما حججنا به فإننا سوف نضطر إلى قصور مالي، وزوجي موظف، أفدني حفظك الله.


                الجواب
                أقول لها: انتظري إلى العام القادم لعل الله أن يفتح لكم برزق يمكنكم الحج فيه، أما الآن ما دام هذا المال الذي عندكم لو أنكم حججتم به لصار عليكم قصور في النفقة والحاجات فإن الحج لا يلزمكم.

                (43/28)


                --------------------------------------------------------------------------------

                جواز الأضحية بالمخصي


                السؤال
                هل تجوز الأضحية بالمخصي؟

                الجواب
                الصحيح أنه يجوز، الأضحية بالخصي؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه ضحى بكبشين موجوءين -يعني: مقطوعي الخصيتين- ووجه ذلك أن الخصي يكون لحمه أطيب، فالخصاء لن يضره شيئاً.

                (43/29)


                --------------------------------------------------------------------------------

                أجر الحج يكون للمستنيب لا للنائب


                السؤال
                فضيلة الشيخ هل المتوكل بالحج عن شخص آخر يناله ما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) ؟

                الجواب
                يتوقف الجواب على هذا السؤال بأن نقول: هل هذا الرجل حج؟ ما حج، إنما حج عن غيره لم يحج لنفسه، فلا يدرك الأجر الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه حقيقة ما حج وإنما قام بالحج عن غيره، لكنه إن شاء الله إذا قصد نفع أخيه وقضاء حاجته فإن الله تعالى يثيبه.

                (43/30)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم حج الراشي


                السؤال
                فضيلة الشيخ بعض الناس يدفع مائة ريال لبعض الناس الذين لهم علاقة بإخراج الجوازات لكي يختم له الإقامة، فهل يسمح له بالحج؟ فما حكم حجه هذا؟

                الجواب
                حجه صحيح إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع، ولكن يبقى النظر: هل يجوز للإنسان أن يرشي المسئول ويخالف النظام من أجل أن يحج؟

                (43/31)


                --------------------------------------------------------------------------------

                يجوز للسائل إذا لم يطمئن لجواب المسئول أن يسأل غيره


                السؤال
                فضيلة الشيخ سألت بعض أهل العلم عن مسألة فأجابني بعدم الجواز، وكان في نفسي شيء من الإجابة، ثم ذهبت إلى شخص أعلم أنه أعلم منه وأمكن علماً، ومشهود له بالعلم فسألته نفس السؤال وأجاب بجواز هذا الشيء، هل يكون فعلي من تتبع الرخص؟

                الجواب
                إذا كان هذا السائل لم يطمئن إلى جواب المسئول لأنه لم يصادف هواه وسأل غيره فهذا تتبع رخص، أما إذا كان لم يطمئن لظنه أن هذا خلاف الشرع فلا بأس أن يسأل ويحتاط لدينه، فالمسألة تحتاج إلى تفصيل، أحياناً لا تطمئن لفتواه لأنها ما وافقت الهوى، هذا لا يحل لك أن تسأل آخر، وأحياناً تظن أن الرجل أخطأ وأن الصواب في خلاف قوله فلا بأس أن تسأل غيره ممن ترى أنه أعلم.

                (43/32)


                --------------------------------------------------------------------------------

                جواز الادخار من لحم الأضحية


                السؤال
                ورد في مسند أحمد رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (لا أكل أحدكم من أضحيته فوق ثلاثة أيام) ما معنى هذا الحديث هل الأكل بعد الثلاثة أيام محرم أم لا؟

                الجواب
                هذا الحديث له سبب: وهو أن الناس أصابهم مجاعة فنهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدخروا لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وفي العام التالي اتسع الناس وزالت المجاعة فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (كنت نهيتكم عن الادخار فوق ثلاث من أجل الدافة -يعني: التي دفت وهي الجوع- فادخروا ما شئتم وكلوا ما شئتم) .

                (43/33)


                --------------------------------------------------------------------------------

                التفصيل في تعيين الأضحية


                السؤال
                أريد أن أضحي ولكن أريد أن أشتري الضأن من الآن وأربيها، فإذا مرضت أو كسرت أو حصل لها شيء مما يمنع الأضحية فهل أضحي بها أم لا؟ مع العلم أني مشتريها الآن.


                الجواب
                يقول العلماء رحمهم الله: إن عينتها وقلت: هذه أضحية صارت أضحية، فإذا أصابها مرض أو كسر فإن كنت أنت السبب فإنها لا تجزئ ويجب عليك أن تشتري بدلها مثلها أو أحسن منها، وإن لم تكن أنت السبب فإنها تجزئ؛ ولهذا نقول: الأولى أن الإنسان يصبر في تعيينها، يشتريها -مثلاً- مبكراً من أجل أن يغذيها بغذاء أطيب ولكن لا يعينها، فإذا كان عند الذبح عينها وقال: اللهم هذا منك ولك عني وعن أهل بيتي، وهو إذا لم يعين يستفيد فائدة مهمة وهي: لو طرأ له أن يدعها ويشتري غيرها فله ذلك؛ لأنه لم يعينها.

                (43/34)


                --------------------------------------------------------------------------------

                جواز ترك الحج في حالات معينة


                السؤال
                فضيلة الشيخ حفظك الله أنا شاب أريد الحج ووالدتي ترفض ذلك بحجة الخوف علي.


                الجواب
                إذا كنت قادراً بمالك فحج ولو أنها منعتك، إلا أن تعرف أن أمك من النساء الرقيقات اللاتي لو ذهبت لما نامت الليل ولما هنئت عيشاً، فهنا اجلس ولا تحج، وانو أنك جالس من أجلها وأنك في العام القادم سوف تحج، أما إذا كانت تقول لك: لا تحج.
                وأنت تعرف أنك لو عزمت وحججت فإنها لن تبالي، فحج.

                (43/35)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم استقبال القبلة عند الذبح


                السؤال
                فضيلة الشيخ ذكرت شروط الذبح وسننه، ولم تذكر استقبال القبلة في الذبح، فما حكمه؟

                الجواب
                استقبال القبلة للذبح ليس بواجب، والذبيحة تذبح وإن لم يكن الإنسان مستقبل القبلة، لكن العلماء رحمهم الله قالوا: الأفضل أن يستقبل بها القبلة؛ لأنها عبادة، ولكنهم لم يقولوا أنها شرط، فلو أن الإنسان ذبحها على اتجاه غير القبلة فهي حلال وليست مكروهة، وليس بها بأس خلافاً للعامة، بعض العامة يقولون: لا بد أن تستقبل القبلة، وهذا غير صحيح.

                (43/36)


                --------------------------------------------------------------------------------

                مواصلة صوم الكفارة بصوم النفل وأجر الكفارة


                السؤال
                فضيلة الشيخ علي كفارة بسبب حادث مروري مات شخص عند وقوع الحادث، وقد سلمت الدية إلى أهل المتوفي، وبدأت بالصيام من تاريخ الثاني من شهر شوال، والاستفسار: هل أصوم إلى أول شهر ذي الحجة أو إلى ثاني شهر ذي الحجة، وحتى لو كان الشهر ناقصاً؟ وهل يجوز أن أستمر في الصوم بعد الكفارة بصيام عشر ذي الحجة أو أفصل بينهما بأن أفطر يوماً ثم أصوم العشر لجهلي بذلك؟ فأرجو الإفادة ولكم من الله جزيل الخير.


                الجواب
                أقول: بارك الله فيه، وأسأل الله تعالى أن يتقبل منه وأن يتوب علينا وعليه، إذا صام أول يوم من ذي الحجة فقد انتهت الشهران، ثاني يوم من ذي الحجة يكون يوم فطره، وإذا واصل ونوى صيام عشر ذي الحجة فحسن، ولا يحتاج أن يفصل بينهما -أي: بين الكفارة وصيام ذي الحجة- بفطر يوم، بل له أن يواصل ويستمر أعاننا الله وإياه.
                المقدم: يقول: هل لي أجر على هذا الصوم -أعني صوم الكفارة- ويكفر ذنبي؟ الجواب: ما في شك أن له أجراً عظيماً؛ لأن الله تعالى أمره بذلك، وهي كفارة؛ ولذلك قال الله عز وجل: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء:92] .

                (43/37)


                --------------------------------------------------------------------------------

                نصيحة لمن يتساهلون بصلاة عيد الأضحى


                السؤال
                فضيلة الشيخ يتساهل بعض الناس في صلاة عيد الأضحى مع حرصهم على صلاة عيد الفطر، نأمل التوجيه.


                الجواب
                أقول: إنه لا ينبغي التساهل في صلاة العيد لا الفطر ولا الأضحى؛ لأن القول الراجح أن صلاة العيد فرض عين على الرجال، وأن من لم يصل فهو آثم، فيجب على كل رجل أن يصلي صلاة العيد: عيد الفطر وعيد الأضحى، وكلاهما سواء، وعجباً من هذا الذي يتأخر عن صلاة العيد يوم النحر وقد قال الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2] فبدأ بالصلاة أولاً ثم بالنحر ثانياً، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162] وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من صلى صلاتنا هذه ونسك نسكنا فقد أصاب سنة المسلمين) فلا ينبغي للإنسان أن يدعها، بل لا يجوز للرجل القادر أن يدع صلاة العيد لا في الفطر ولا في الأضحى.
                بل لو قال قائل: إنها في الأضحى أوكد لم يكن ذلك بعيداً؛ لأن الله قال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2] وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من صلى صلاتنا هذه ونسك نسكنا فقد أصاب سنة المسلمين) .

                (43/38)


                --------------------------------------------------------------------------------

                حكم حج المرأة إذا حجت مجاناً مع حملة لأحد المحسنين مع أن معها ذهباً ولم تبعه لتشارك في الحملة


                السؤال
                سائلة تقول: إني حائرة جداً، أديت فريضة الحج والحمد لله، ولكن الذي يحيرني ويوسوس لي بنقصان حجي أنني لم أدفع للحملة أي تكاليف مالية؛ حيث قام بدفع ذلك أحد المحسنين؛ لأن راتب زوجي كان قليلاً، وكنت أملك قليلاً من الذهب فأخشى أن تكون حجتي ناقصة؛ لأني لم أقم ببيع هذا الذهب ودفعه لتلك الحملة.


                الجواب
                أقول: الحج إن شاء الله ليس بناقص، وأرجو الله أن يكون مقبولاً، ولا يلزمها أن تبيع ذهبها لتحج؛ لأن الذهب من الحاجات الأصلية التي لا بد للمرأة منها، فلا يلزمها أن تبيعه لتحج، فأقول لهذه المرأة: اطمئني، حجك صحيح مبرئ للذمة وقد سقط عنك الفرض.

                (43/39)


                --------------------------------------------------------------------------------

                كيفية التخلص من الدش


                السؤال
                فضيلة الشيخ من لديه دش كيف يتخلص منه لتبرأ ذمته؟

                الجواب
                يجب أن نحذر من هذه الدشوش، ونرى أن من عنده شيء منها فإنه لا تبرأ ذمته إلا بتكسيره نهائياً؛ لأنه إن أبقاه فمشكل، وإن باعه فقط سلط المشتري على استعماله، ولا طريق للسلامة منه إلا بتكسيره، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يخلف على من كسره؛ لأنه ترك شيئاً لله عز وجل.

                (43/40)


                --------------------------------------------------------------------------------

                جواز تأخير الإحرام لمن أراد زيارة المدينة


                السؤال
                فضيلة الشيخ لي أخ مقيم هنا بـ القصيم وله زوجة سوف تحضر لأداء فريضة الحج في هذا العام إن شاء الله من خارج المملكة، وسوف يذهب إليها ويجلس معها بـ المدينة لمدة ثلاثة أيام أو أربعة، هل يكون عليها شيء إذا جامعها خلال هذه المدة؟ مع العلم أنها سوف تكون محرمة وهو سوف يحرم من أبيار علي في اليوم السابع من ذي الحجة؟

                الجواب
                كيف تكون محرمة وتمكنه من نفسها؟ هذا لا يجوز، لكن إذا جاءت -مثلاً- عن طريق المدينة وهي قاصدة المدينة لا تحرم؛ لأنه يجوز للإنسان الذي يقدم -مثلاً- من مصر أو من سوريا أو من غيرها وهو يريد الحج، ولكنه يريد أن يبدأ أولاً بـ المدينة، أن يؤجل الإحرام إلى أن يمر بـ ذي الحليفة بعد انتهاء زيارته المدينة.
                فنقول لهذا الأخ: اتصل بها الآن وقل لها لا تأتي محرمة، تقصد المدينة رأساً، وإذا قابلها هناك فله أن يستمتع بها ثم يرجعان جميعاً إلى مكة، ويحرمان من ذي الحليفة.
                سؤال: هل يجوز الحج بغير محرم؟ الجواب: لا.
                لا بد من محرم، يمكن أن يأتي بها أخوها، أما إذا كانت بغير محرم فلا يجوز.

                (43/41)


                --------------------------------------------------------------------------------

                جواز إخراج فدية الصيام على مراحل متفرقة في الشهر


                السؤال
                والدتي أخرجت فدية الصيام على مراحل متفرقة في أول الشهر وفي وسطه وفي آخره، وأتمت به ثلاثين يوماً فهل فعلها صحيح؟

                الجواب
                نعم فعلها صحيح، لكن زيادة اليوم في عامنا هذا هل شهرنا هذا تم في هذه السنة أم لا؟ زيادة الإطعام الذي زادته يعتبر صدقة ولا يعتبر كفارة عن الصيام؛ لأن الشهر كان تسعة وعشرين، هذا العام كان الشهر تسعة وعشرين.
                التفريق لا بأس به، يعني: إذا مضى عشرة أيام أخرجت، وفي آخر الشهر تخرج ما بقي، ما في مانع.

                (43/42)


                --------------------------------------------------------------------------------

                الرد على من يقول: لا يوجد دليل على تحريم حلق اللحية


                السؤال
                فضيلة الشيخ نحن نجتمع يومياً في استراحة، ومعنا شاب كبير في السن يحلق لحيته باستمرار، وإذا قلنا له: حلق اللحية حرام.
                قال: لا يوجد دليل صريح لتحريم هذا.
                ويحاجنا بهذا الكلام ولم نقدر الرد عليه نظراً لاحترامنا الشديد له؛ لأنه أكبر منا، علماً بأن هذا الشريط سوف يسمعه بإذن الله وهو الآن جالس معنا في هذا اللقاء ونحن نحبه ونشفق عليه، أفدنا جزاك الله خيراً.


                الجواب
                جزى الله الجميع خيراً والرجوع للحق فضيلة، لا شك أننا لو خيرنا الإنسان بين طريقين: طريق المجوس وطريق النبيين، ماذا يختار؟ كل مؤمن سيختار طريق النبيين، النبيون وعلى رأسهم خاتمهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلهم يتخذون اللحى، والمجوس يحلقون اللحى فاختر لنفسك أي الطريقين شئت، ولهذا لا نرى لأحد عذراً بعد أن يتبين له الحق في العدول عن الحق، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (خالفوا المجوس، خالفوا المشركين، وفروا اللحى وحفوا الشوارب) وهذه عادة الناس من قبل، ولم نكن نعرف أن أحداً يحلق لحيته بل قالوا لنا: إن بعض الولاة الظلمة يعزر الإنسان بحلق لحيته.
                يجعل ذلك تعزيراً، ونص العلماء رحمهم الله في كتاب التعزير: أنه لا يجوز التعزير بحلق اللحية.
                مما يدل على أنه كان ديدناً لبعض الولاة الظلمة، فكيف الآن الإنسان يخسر مالاً في حلقها، ويخسر أهم شيء وهو اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام وامتثال أمره؟! فنرجو لأخينا هذا الذي تحترمونه نسأل الله تعالى أن يمن عليه بالهداية، وأن يعفي لحيته امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واتباعاً لسنته.

                (43/43)


                --------------------------------------------------------------------------------

                قصة الفتاة التي شفتها السيدة زينب رضي الله عنها وتوزيع الأوراق


                السؤال
                يقول: فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عاماً مريضةً جداً، الأطباء عجزوا عن علاجها، وفي ليلة القدر بكت الفتاة بشدة ونامت، وفي منامها جاءتها السيدة زينب رضي الله عنها وأرضاها وأعطتها شربة ماء، ولما استيقظت من نومها وجدت نفسها شفيت تماماً بإذن الله، ووجدت قطعة قماش مكتوباً عليها: أن تنشر هذه الرسالة وتوزعها على ثلاثة عشر فرداً، وصلت هذه الرسالة إلى عميد بحري فوزعها فحصل على ترقية، وثلاثة عشر يوماً وصلت إلى تاجر فأهملها فخسر كل ثروته خلال ثلاثة عشر يوماً، ووصلت إلى عامل فوزعها فحصل على ترقية وحلت جميع مشاكله خلال ثلاثة عشر يوماً أرجو يا أخي المسلم أن تقوم بنشرها وتوزيعها على ثلاثة عشر فرداً، الرجاء عدم الإهمال.


                الجواب
                على كل حال هذه قصة مكذوبة لا شك، ولا علاقة لها بالحظ وعدم الحظ، وقد كتبنا عليها؛ بحيث أعطاني إياها شخص قبل عدة أيام، كتبنا عليها بأن هذه كذب؛ فهي موضوعة مكذوبة، ولا يحل لأحد أن ينشرها أو يوزعها لا على ثلاثة عشر فرداً ولا على فرد واحد، فأنتم جزاكم الله خيراً إذا مرت بكم هذه فقولوا: إنها كذب ولا يحل توزيعها.

                (43/44)


                --------------------------------------------------------------------------------

                التحذير من النشرة المكتوب عليها البطاقة الشخصية وشروط الرحلة والأمر بتمزيقها


                السؤال
                يقول السائل: ما رأي فضيلتكم في الورقة التي توزع مكتوب فيها: البطاقة الشخصية الاسم: الإنسان ابن آدم.
                الجنسية: من تراب.
                العنوان: كوكب الأرض.
                بيانات الرحلة محطة المغادرة: الحياة الدنيا.
                محطة الوصول: الدار الآخرة.
                شروط الرحلة السعيدة: على حضرات المسافرين الكرام اتباع التعليمات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله مثل طاعة الله ومحبته وخشيته، التذكر الدائم للموت، الانتباه إلى أنه ليس في الآخرة إلا جنة أو نار، بر الوالدين، أن يكون مأكلك ومشربك وملبسك من حلال.
                لمزيد من المعلومات يرجى الاتصال بكتاب الله وسنة رسوله الكريم.
                ملاحظة: الاتصال مباشر ومجاناً، لا داعي لتأكيد الحجز، الوزن الزائد من أعمال صالحة مسموح به.


                الجواب
                أرى أن هذه الطريقة محرمة، لأنه يجعل الحقائق العلمية الدينية كأنها أمور حسية، يكون فيها نوع من السخرية في الواقع.
                هذه -أيضاً- نفس الشيء أرى أن من رآها مع أحد فليمزقها جزاه الله خيراً ويقول: إن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوق رحلات الطائرات، وفوق الاتصالات وما أشبه ذلك، نسأل الله أن يعيذنا من الفتن.

                (43/45)


                --------------------------------------------------------------------------------
                وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                https://www.musacentral.com/

                تعليق


                • #83
                  اللقاء الشهري

                  اللقاء الشهري [44]
                  تتابع انقضاء الأيام والأعوام يشير إلى انقضاء عمر الإنسان، لذا كان مرور الزمن مدعاة لمراجعة النفس ومحاسبتها على عباداتها وعلى معاملاتها مع الآخرين.
                  وفي هذه المادة -إضافة إلى الكلام عن المحاسبة فيما مضى- نصائح تتعلق باستغلال القادم من الزمان، وكل ذلك توطئة لأصل موضوع اللقاء، وهو النقاش والإجابة عن الأسئلة التي تضمنت مواضيع كثيرة يتعلق معظمها بالحج وأحكامه، وتفصيل وبيان لما أشكل منها، وبعض الأحكام المتعلقة بغيره من العبادات.

                  (44/1)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  نهاية العام فرصة للمحاسبة
                  إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
                  أما بعد: فإن كل تاجر ينظر في سجلات تجارته عند انتهاء السنة المالية لينظر ماذا ربح، ماذا خسر، ماذا فاته من الربح، هل يمكن تعويضه أم لا؟ وإننا في آخر هذا العام (عام 1417هـ) نسأل الله تعالى أن يختمه لنا بخير، وأن يعفو عنا ما قصرناه في واجب، ويغفر لنا ما انتهكناه من محرم.
                  أيها الإخوة! إن الواجب أن ينظر الإنسان في عامه الماضي ماذا صنع، هل أدى الواجب كما ينبغي أم قصر فيه؟ هل اجتنب المحرم وابتعد عنه أم وقع فيه؟ فإن كان مفرطاً في الواجب فإن عليه أن يتداركه ما دام في زمن الإمهال، ليفكر هل كان قد أتم طهارته قد أتم صلاته قد أتم صيامه قد أتم زكاته قد أتم حجه، لينظر في ذلك، ربما يكون على الإنسان شيء من صيام رمضان فيقول: الأمد أمامي، ولي أن أؤخره إلى أن يبقى من شهر شعبان مقدار ما علي من الأيام، وهذا لا بأس به ولكن الحزم كل الحزم أن يبادر بقضاء الصيام الذي عليه لأنه لا يدري ماذا يعرض له، فربما يصاب بمرض لا يستطيع معه أن يصوم، وربما يموت فلا يقضى عنه، فلينظر.

                  (44/2)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  محاسبة النفس على أداء الزكاة
                  كذلك لينظر في ماله، هل أحصاه إحصاءً تاماً دقيقاً؟ هل حاسب نفسه وكأن الفقراء شركاء له؟ بل هل حاسب نفسه وكأن أهل الديون شركاء له في ماله؟ لينظر هذا لأنه إذا أخل بالواجب في الزكاة فإنه يخشى عليه أن يدخل في قول الله تبارك وتعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران:180] ولقد قال ابن القيم رحمه الله -وناهيك به علماً وفقهاً- قال: إن الإنسان إذا تهاون في إخراج زكاته حتى مات فإنها لا تبرأ ذمته ولو أخرجها الورثة من ماله بعده.
                  لأنه صمم على أنه لن يخرج الزكاة في حال حياته، وماذا يغني عنه أن يخرج عنه ورثته بعد موته؟ فلذلك طهر مالك! طهر نفسك بإخراج الزكاة الواجبة ولا تتهاون بها! لا تفرط فيها! فإنها هي قرينة الصلاة في كتاب الله عز وجل.

                  (44/3)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  محاسبة النفس على الحج
                  فكر كذلك في الحج! هل أنت أتيت بالحج على حسب ما أوصاك به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: (خذوا عني منساككم) هل أخذت المناسك كما فعلها الرسول عليه الصلاة والسلام، أم أنك تهاونت فيها، ورأيت كأنها طقوس تفعلها أو تخرج بدلاً منها من فدية أو هدي؟ إن كثيراً من الناس يخلون بالحج إخلالاً عظيماً حتى يجعلونه كأنه طقوس لا فائدة منها ولا طهارة للقلب بها، ولا يشعر الإنسان فيها بالراحة الروحية بل كأنها أشياء يفعلها فعلاً مادياً فقط.

                  (44/4)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  محاسبة النفس على أداء الديون ومعاملة الأهل
                  عليك أن تحاسب نفسك: هل أديت ما يجب عليك لمن يعاملك؟ هل أديت الدين الذي في ذمتك غير مؤجل وأنت قادر عليه؟ إنك إن أخرت الوفاء فأنت في ظلم إلى أن تتوفى، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مطل الغني ظلم) فكل لحظة تمر على شخص عليه دين حال ولم يخرجه فإنه يكون به ظالماً، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) .
                  فكر يا أخي في معاملتك أهلك: هل أنت قمت بواجب الزوجة؟ هل أنت عاشرتها بالمعروف أم جعلتها كأمة مستامة لا تبالي بها ولا يهمك القيام بحقها بل ضيعتها وأضعتها؟ فكر في أولادك: هل قمت بحقهم في وجوب الرعاية في منعهم عن المحرمات في حملهم على الواجبات؟ كل هذا يجب أن نحاسب أنفسنا عليه.
                  فكر: هل قمت بحق إخوانك المسلمين؟ هل تفشي السلام أو تهجر؟ فكر في نفسك: هل كذبت يوماً من الدهر في عامنا الماضي؟ هل نصحت في المعاملة؟ أشياء وأشياء كثيرة نفرط فيها ونهمل ولا نحاسب أنفسنا عليها، مع أن التجار وهم أصحاب الأموال الفانية تجدهم يدققون جداً في نهاية العام.

                  (44/5)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  الأيام ثلاثة
                  أما في المستقبل، فالعام المستقبل لا ندري ما الله صانع فيه، أيامنا ثلاثة: يوم مضى بما فيه ولا يمكن تداركه، ويوم مستقبل لا ندري ما الله صانع فيه، كما قال الله عز وجل: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً} [لقمان:34] ويومنا الحاضر أوله مضى وآخره لم يأت بعد ولا ندري ماذا يكون فيه.
                  إذاً علينا أن نعد أنفسنا للمستقبل بعزيمة صادقة، ورغبة في الخير كاملة حتى نتلقى ونستقبل عامنا الجديد بجد وإخلاص وطاعة لله عز وجل.
                  وليعلم -أيها الإخوة- أن هذه الدنيا ليست دار مقام حتى يحرص الإنسان على إكمال ترفه فيها، إنها دار ممر، إنها دار عمل صالح، لكنها والله أطيب دار لمن عمل صالحاً، أطيب دار بالنسبة للآخرين وإلا فالآخرة خير وأبقى لا شك، لكن لو سألنا سائل: من أطيب الناس عيشاً في هذه الدنيا؟ لقلنا: هو الذي آمن وعمل صالحاً، كما قال ربنا عز وجل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:97] .

                  (44/6)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  نصائح للعام المقبل
                  استقبل أخي المسلم، استقبل هذا العام بجد ونشاط وتغيير لما فسد من حالك إلى إصلاح فإن الإنسان الحي يمكنه أن يستقيم بمشيئة الله، وإذا مات مات على ما كان عليه.
                  استقبل هذا العام الجديد بالنشاط في العمل الصالح، بالنشاط في الأخلاق الفاضلة، بالنشاط في تربية الأولاد، بالنشاط في تربية الأهل، بالنشاط في الإحسان إلى الخلق، بالنشاط في جميع أعمالك، لا تتهاون، من تعود على التهاون صار التهاون خلقاً له وبقي هكذا دائماً، ومن عود نفسه على الجد والحزم ومحاسبتها فإنه ينجح بإذن الله عز وجل.
                  أمامنا مستقبل، أمامنا أيام هي مراحل للعمل الصالح، كل يوم تطلع فيه الشمس فإن على كل مفصل منك صدقة، هكذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يصبح على كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس) والإنسان فيه ثلاثمائة وستون مفصلاً فلا بد أن تتصدق ثلاثمائة وستين صدقةً كل يوم، لكن ليست صدقة المال فحسب بل هي صدقات متنوعة: كل تكبيرة صدقة، كل تهليلة صدقة، أمر بالمعروف صدقة، تكبيرة صدقة، نهي عن منكر صدقة، كل شيء يتقرب به الإنسان إلى الله فهو صدقة تجزي عن مفصل من المفاصل، بل قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يجزئ من ذلك -أي: يجزئ بدل ذلك- ركعتان يركعهما من الضحى) .

                  (44/7)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  المحافظة على نوافل الصلاة
                  عليك يا أخي أن تنظر ما هي وظائف اليوم والليلة؟ وظائف اليوم والليلة أعظمها بعد الشهادتين الصلاة، الصلاة منها فرض ومنها نفل، الفرائض خمس معروفة لا تخفى على مسلم، النوافل: منها ما هو تابع للمفروضات، ومنها ما هو مستقل، ومنها ما هو مقيد بوقت، ومنها ما هو مطلق.
                  النوافل التابعة للمكتوبات هي: ركعتان قبل الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر بسلامين، وركعتان بعد صلاة الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وأما العصر فليس لها سنة راتبة؛ لكن جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً) .
                  هناك نوافل غير تابعة للمفروضات كالوتر، الوتر نافلة مستقلة تختم به صلاة الليل لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) ، فمن كان يقوم الليل فليؤخر الوتر إلى آخر الليل، ومن كان لا يقوم فليوتر أول الليل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم من آخره فليوتر آخره فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل) .
                  والوتر أقله ركعة، يعني لو أن الإنسان صلى راتبة العشاء ركعتين ثم أوتر بركعة كفى لأنه جعل آخر صلاته بالليل وتراً، وإن أوتر بثلاث فهو أفضل، وبخمس فهو أفضل، وبسبع فهو أفضل، وبتسع فهو أفضل، وبإحدى عشرة ركعة هو أفضل، فإذا نام الإنسان عن وتره فإنه يصليه من النهار ولكنه يجعله شفعاً -يعني: لا وتراً- لأن الليل انتهى، ولكنه يجعله شفعاً حتى يكون قد قضى ورده، ولكن بدون وتر.
                  هناك -أيضاً- صلوات أخرى لأمور عارضة؛ كالصلاة لدخول المسجد فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) .
                  سنة الوضوء: إذا توضأ الإنسان فإنه ينبغي له أن يصلي ركعتين، وليحرص على ألا يحدث بهما نفسه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ وقال: (من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيها نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه) .
                  هناك صلاة الضحى، التهجد في الليل، النفل مطلقاً في كل وقت شئت إلا أوقات النهي وهي: من صلاة الفجر إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح، وعند الزوال حتى تزول -يعني: إذا قامت الشمس حتى تزول- ومن صلاة العصر إلى الغروب، هذه الأوقات الثلاثة لا يصلى فيها النفل المطلق، ولكن يصلى فيها النفل ذو السبب، فإذا كان النفل له سبب فصل ولو في أوقات النهي.

                  (44/8)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  أداء الزكاة والواجبات المالية
                  هناك -أيضاً- زكاة المال واجبة، وهناك واجبات أخرى في المال غير زكاة المال كالنفقات، فإن الإنسان يجب عليه أن ينفق على زوجته وعلى أقاربه.
                  هناك زكاة مال واجبة وهناك واجبات أخرى في المال غير زكاة المال منها: واجبات الإنفاق على الأهل والأولاد والأقارب الفقراء الذين يرثهم المنفق، ومنها حق الضيافة: إذا نزل بك إنسان ضيفاً وجب عليك أن تكرمه بالضيافة، ومنها معونة المضطر، وإغاثة الملهوف.
                  ومنها الصدقات المستحبة، أخرج من مالك ما يجب وما لا يجب فإن مالك الذي أخرجته لله، لا يبقى لك من مالك إلا ما أخرجته لله، أما ما بقي فإما أن تأكله وتلقيه فيما بعد في المرحاض، وإما أن تخلفه بعدك فيكون ثمرته لورثتك ليس لك منه شيء، فما قدمته لله من مالك فهذا هو مالك الحقيقي وليس مالك الذي تخزنه.

                  (44/9)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  المحافظة على صيام النوافل
                  كذلك بالنسبة للصيام، احرص على أن تصوم يوم الإثنين ويوم الخميس، والأيام البيض، فإن لم يتيسر ذلك فلا أقل من أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام سواء في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره، وسواء كانت متتابعة أم متفرقة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يدع صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ولا يبالي أصامها من أول الشهر أو وسطه أو آخره؛ صلوات الله وسلامه عليه.

                  (44/10)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  حادث الحريق لحج سنة (1417هـ) والعبر منه
                  إخواني! في حج هذا العام (عام 1417هـ) حدث حريق هائل في يوم التروية، وكثير من الناس في منى، وكثير من الناس في مكة، وكثير من الناس في عرفة، وكثير من الناس الذين في منى قد أحرموا، وكثير منهم لم يحرم، وكانت الكارثة عظيمة لولا أن الله تعالى منَّ بتقليلها حتى انحصرت فيما انحصرت فيه، وقد قدرت الخيام التي التهمتها النار بسبعين ألف خيمة، والموتى بأكثر من ثلاثمائة ميت، والجرحى بنحو ألفين أو يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، والضائعون -أيضاً- كثيرون، ولا شك أن هذه كارثة، ولكن بسبب الذنوب والمعاصي لقول الله تبارك وتعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30] فيجب علينا أن نتخذ من ذلك عبرة وعظة.
                  ومن أكبر ما ينبغي أن نتعظ فيه ألا نتخذ الحج نزهة لا نريد منه إلا أن نطرب أنفسنا ويجلس بعضنا إلى بعض للمرح والضحك وإضاعة الوقت؛ لأن الحج عبادة حتى أن الله تعالى سماه نذراً وسماه فرضاً فقال تبارك تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ} [البقرة:197] وقال: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج:29] فهو عبادة جليلة، ليس طرفة ولا نزهة، فمن الناس من يتخذه نزهة ومن الناس من يتخذه موسماً للتسول، ومن الناس من يتخذه موسماً للسرقة والعدوان والعياذ بالله، فالناس يختلفون، فهذه المصائب لا شك أنها بذنوبنا، ولا شك -أيضاً- أنها قد كتبت علينا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ ولهذا يجب علينا أن نتخذ من هذه المصيبة موعظةً تتعظ بها القلوب، وأن نتخذ منها رضاً بقضاء الله وقدره، وأن نقول: الحمد لله على كل حال.
                  والذين أصيبوا بها وماتوا إن كانوا محرمين فإنه يرجى أن يكونوا شهداء ويخرجون من قبورهم يقولون: لبيك اللهم لبيك؛ فيجتمع لهم الشهادة، والموت على الإحرام، والخروج من القبور يلبون، ومن لم يكن أحرم فإننا نرجو أن يكون من الشهداء -أيضاً- لأن الحريق شهيد كما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولقد كان في هذه الحادثة عجائب منها: الريح الشديدة التي كانت تنقل اللهب من مكان إلى مكان فتنقل قطع الخيام من جهة إلى جهة، ثم إذا وقعت في جهة احترقت الجهة التي انتقلت إليها هذه القطعة، وأخبرني شخص أثق به عن إنسان شاهد بعينه أن حمامة مرت فأصابها اللهب، ففرت من اللهب وذيلها يلتهب فسقطت ميتة، أدركها الاحتراق فسقطت على خيمة فاشتعلت الخيمة سبحان الله! هذا مما يدل على أن الله عز وجل ابتلى العباد بهذا الحريق.
                  ثم الرياح الشديدة العاصفة في ذلك اليوم التي نراها تسوق النيران سوقاً حثيثاً مما يدل على أن الله تعالى أراد من عباده -وله حكمة- أن يتعظوا بمثل هذه الأمور، وحصل فيها من الحريق ما حصل، وحصل فيها أن من الناس من فقد أمه ومن فقد زوجته ومن فقد أبناءه، ومنهم من رئي محترقاً وهو ساجد -سبحان الله- ساجد لله عز وجل فإما أن يقوم يصلي الظهر أو العصر، وإما أن يكون لما أحس بأن النار أدركته قام يصلي وأحب أن يموت على صلاته.
                  فعلى كل حال نسأل الله تعالى لإخواننا الذين ماتوا أن يغفر لهم ويكتبهم من الشهداء، وأن يشفي إخواننا الذين ما زالوا على قيد الحياة، ويجعل ما أصابهم في تكفير سيئاتهم ورفع درجاتهم، ونسأل الله تعالى أن يأجر كل من أصيب بهذه المصيبة لأن كل مؤمن مصاب بلا شك بهذه المصيبة، فنسأل الله تعالى أن يجبر كسر الجميع، وأن يعفو عنا ويغفر لنا إنه على كل شيء قدير.

                  (44/11)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  الأسئلة

                  (44/12)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  حكم عدم الذهاب إلى منى يوم التروية وعدم المبيت بمزدلفة


                  السؤال
                  سائلة تقول: فضيلة الشيخ! لقد أكرمني الله بالحج في هذا العام والحمد لله، ولكن حدثت مني بعض الأخطاء ويعلم الله أنه كان ليس بيدي بحكم أني امرأة، سؤالي يا فضيلة الشيخ: لم نذهب إلى منى يوم التروية، وهذا بحكم الحريق، ولكننا ذهبنا إلى عرفة مباشرة.
                  ثانياً: لم نبت في مزدلفة ولكن وقفت بنا السيارة لمدة ربع ساعة للصلاة ولقط الجمار، ثم سرنا ولكننا لم نسر إلى منى، ولكن جلسنا في السيارة إلى حدود الساعة الثالثة صباحاً ونحن داخل مزدلفة فهل يعتبر هذا مبيتاً؟

                  الجواب
                  بسم الله الرحمن الرحيم، كونها لم تبت في منى ليلة التاسع ولم تُقِم فيها يوم الثامن لا حرج عليها في ذلك؛ لأن البقاء في منى آخر اليوم الثامن وليلة التاسع سنة وليس بواجب، فمن أتى به فعلى خير ومن لم يفعله فإنه لا لوم عليه ولا إثم عليه.
                  وأما كونهم لم ينزلوا في مزدلفة إلا قليلاً للصلاة ولقط الجمرات، ثم ركبوا السيارة وبقوا عليها إلى الساعة الثانية فهذا -أيضاً- لا بأس به لأن المهم أن يبقى الإنسان في مزدلفة سواء على السيارة أو على الأرض.
                  وقد أشارت إلى لقط الجمرات، وقد اشتهر عند كثير من العوام أنه يجب أن تلقط الحصى من مزدلفة، وهذا خطأ، الحصى تلقط من منى لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم التقطها من منى حين وقف على جمرة العقبة وأمر ابن عباس أن يلقط له الحصى فلقطها من منى، وجعل يقول: (بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين) .
                  لكن استحب كثير من السلف أن تلقط الحصى من مزدلفة من أجل أن يبادر برمي جمرة العقبة حتى لا ينزل من بعيره فيلقط الحصى من منى، قالوا: يأخذها قبل أن يرتحل لتكون جاهزة لأن الأفضل أن يرمي الإنسان جمرة العقبة يوم العيد وهو على بعيره قبل أن يحط رحله، لكن هذا أمر في الوقت الحاضر لا يوجد، بل مستحيل، لو قلنا للناس: اركبوا سياراتكم وقفوا عند الجمرة فلا يمكن، لذلك نقول: إن لقط الجمرات من منى أقرب إلى السنة من لقطها من مزدلفة.

                  (44/13)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  حكم توكيل من يرمي الجمار عن الحاج


                  السؤال
                  كنت من المعجلين فكان ميعاد طائرتي في اليوم الثاني عشر الساعة السادسة مساءً، فخفت من ضيق الوقت خصوصاً مع الزحام -تقول- فوكلت خالي بالرجم يوم الثاني عشر من ذي الحجة، وخرجت أنا في الساعة الثالثة صباحاً يوم إحدى عشر ذي الحجة، فوكلته على أن يرمي لي هو في الساعة الثانية عشر ظهراً وأطوف أنا طواف الإفاضة بعدها، وخرجت من مكة حوالي الساعة الواحدة ظهر اليوم الثاني عشر، فهل علي شيء في هذا؟ أرجو الإفادة.


                  الجواب
                  لم يفتها إلا ليلة واحدة من ليالي منى، وهذه ليس فيها دم، الليلة الواحدة من ليالي منى ليس فيها دم، لكن قال الإمام أحمد رحمه الله: يتصدق بشيء.
                  يعني: يتصدق بخمسة دراهم، عشرة ريالات وما أشبه ذلك وكفى، لكن المشكل أنها وكلت من يرمي عنها يوم إحدى عشر، مع أن الظاهر أنها قادرة على الرمي بنفسها، فإذا كان كذلك -أي: أنها قادرة على الرمي بنفسها ووكلت من يرمي عنها- فقد أخطأت ووجب عليها عند العلماء فدية تذبح في مكة عن تركها الواجب في الرمي، وتوزع على الفقراء في مكة سواء ذهبت هي بنفسها أو وكلت من يقوم بها في مكة، فإن كانت عاجزة لا تقدر، فليس عليها شيء.
                  أما بالنسبة ليوم اثنى عشر فالتوكيل فيه قد يكون ضرورة لأن المتعجلين يوم اثنى عشر سيجدون مشقة عظيمة وزحاماً شديداً؛ فلا يمكن للمرأة أن ترمي في يوم اثني عشر، فإذا وكلت فلا بأس.

                  (44/14)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  حكم إكمال الحج عمن مات في أثنائه


                  السؤال
                  فضيلة الشيخ! من مات في حريق منى هذه السنة وهذه هي حجة الإسلام له، هل يحج عنه؟

                  الجواب
                  من مات في الحريق بعد إحرامه فإنه لا يحج عنه× لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في الرجل الذي مات يوم عرفة قال: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) وقال الله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّه} [النساء:100] وعلى هذا فإذا كان قد أحرم فلا يحج عنه وتكون ذمته قد برئت، ولا ينبغي أن يكمل عنه النسك؛ أولاً: لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمر أن يكمل عن الرجل الذي مات في عرفة نسكه، فما قال: أتموا النسك عنه.
                  ولأنه إذا أتمه فمقتضى هذا الإتمام أن يتحلل الميت من النسك، وحينئذ يحرم من أن يبعث يوم القيامة ملبياً، وهذا جناية عليه، ولو قيل بأن إتمام النسك عن الميت لو قيل بذلك لكان قولاً متوجهاً لأن ذلك جناية على الميت في الواقع.
                  أما إذا احترق قبل أن يحرم، فينظر: فإذا كان فيما مضى من السنوات قادراً على الحج ولكنه أخره إلى هذا العام فإنه يقضى عنه من تركته، وأما إذا كان لم يقدر على الحج إلا سنته هذه فإنه لا يقضى عنه لأنه لم يتمكن منه.

                  (44/15)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  حكم من لم يكمل الحج بسبب الفزع والذعر


                  السؤال
                  فضيلة الشيخ! لما كان الحريق في هذا العام ترك بعض الناس الحج وعاد إلى أهله قبل أن يكمل الحج وظن أنه يكفيه أن يذبح دماً ويكفي عن الحج، فما حكم هذا العمل؟ وهل يعذرون لأجل ما أصابهم من الروع والذعر وعدم الاستقرار النفسي بسبب هذا الحريق؟

                  الجواب
                  أما أكثر العلماء فيرى أنه لا عذر له وأنهم يبقون على إحرامهم ولا يتحللون منه، فلا يحل لهم جميع محظورات الإحرام، ثم إن تمكنوا من الرجوع قبل فوات الوقوف بـ عرفة وجب عليهم الحضور، وإن لم يتمكنوا وفاتهم الوقوف وجب عليهم أن يحجوا إلى مكة ويحلوا من إحرامهم بعمرة، أي: يأتون إلى مكة ويطوفون ويسعون ويقصرون ثم يحلون، وعليهم الهدي من العام القادم لأنهم فرطوا، هذا الذي عليه أكثر أهل العلم.
                  ومن العلماء من قال: يجوز التحلل بالإحصار: لخوف أو مرض أو كسر أو عرج أو ما أشبه ذلك، وبناءً على هذا القول نقول: إن هؤلاء إذا اضطروا إلى التحلل من أجل الذعر والخوف فليذبحوا هدياً في مكة ويتحللوا من الإحرام نهائياً، ولا يلزمهم القضاء في المستقبل إلا أن تكون هذه الحجة هي حجة الإسلام.

                  (44/16)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  احتراق المخيم لا يعتبر حابساً


                  السؤال
                  فضيلة الشيخ! من وجد مخيمه قد احترق في اليوم الثامن وقد اشترط، فهل يجزئه الاشتراط لأن يحل من إحرامه؟

                  الجواب
                  أسأل: إذا احترقت الخيمة فهل ذلك حابس يمنع من إتمام النسك؟ الجواب: لا يمنع، إذا احترقت الخيمة فتبدل بخيمة، أو إذا لم أتمكن من البقاء في هذا المكان فأنتقل مكان آخر، فهذا لا يعتبر من الإحصار، نعم لو هو أصيب وعجز أن يكمل فهو محصر، فالذين احترقت خيامهم ولم يمنعهم من إتمام النسك إلا الاحتراق ليس لهم عذر في الواقع، فهم كالذين تكلمنا عنهم قبل قليل.

                  (44/17)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  حكم فسخ نية الحج أو العمرة


                  السؤال
                  فضيلة الشيخ! رجل خرج من عنيزة إلى جدة، وكان عند خروجه يريد العمرة، ولكن بعض النساء اللاتي معه كانت غير طاهرة، فذهب إلى جدة جاهلاً ولم يحرم، وجلس في جدة حتى طهرت تلك المرأة، ولكن انتهت تلك الدراهم التي معه فلم يستطع الذهاب إلى مكة وأخذ العمرة، فماذا عليه؟

                  الجواب
                  لا حرج على الإنسان إذا نوى العمرة أو الحج أن يفسخ النية ما دام لم يتلبس بالإحرام؛ حتى لو عزم وسافر فإنه لا شيء عليه، لأن العمل لا يلزم إلا بالشروع فيه لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196] والإتمام إنما يؤمر به من تلبس بالشيء فيؤمر بإتمامه، وأما قبل ذلك فلا يؤمر به، لكن إذا كان الحج فريضة فكان الواجب عليهم أن يكملوها لأن الفريضة فرض على الإنسان قبل أن يوجبها على نفسه بالسعي فيها.

                  (44/18)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  حكم تأخير طواف الإفاضة إلى طواف الوداع


                  السؤال
                  رجل سعى سعي الحج في يوم النحر وهو متمتع، وأخر طواف الإفاضة مع طواف الوداع، فهل عليه شيء من دم أو غيره، وذلك لأنه قد سمع حديثاً يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه سأله رجل قد سعى قبل أن يطوف فقال: (افعل ولا حرج) ؟

                  الجواب
                  هذا لا شيء عليه، فتقديم سعي الحج على طواف الإفاضة لا بأس به بشرط: أن يكون السعي بعد الوقوف بـ عرفة ومزدلفة، وإنما ذكرنا هذا الشرط لأن بعض الناس يتوهم أنه يجوز للإنسان أن يحرم بالحج في مكة ثم يسعى للحج ويخرج، وإذا رجع بعد الوقوف طاف، هذا غلط؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن تقديم السعي على الطواف بعد الوقوف بـ عرفة وبعد الوقوف بـ مزدلفة، وعلى هذا نقول: إذا كان فعله للسعي بعد أن وقف بـ عرفة وبات بـ مزدلفة فلا بأس أن يقدم السعي على الطواف ويؤخر الطواف إلى السفر، وهذا في الحج.
                  أما في العمرة فلا يجوز تقديم سعيها على طوافها؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جواز ذلك، والأصل وجوب الترتيب؛ ولهذا لم يرخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ عائشة حين حاضت أن تقدم السعي على الطواف؛ لأنه لا بد أن يكون الطواف في العمرة قبل السعي، ومن قاسها على الحج فقد قاس مع الفارق، والقياس مع الفارق لا يصح.

                  (44/19)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  حكم التهنئة ببداية السنة الهجرية


                  السؤال
                  فضيلة الشيخ! تكلمتم عن العام الجديد، فما حكم التهنئة بالسنة الهجرية؟ وماذا يجب علينا نحو المهنئين؟

                  الجواب
                  إن هنأك أحد فرد عليه، ولا تبتدئ أحداً بذلك، هذا هو الصواب في هذه المسألة، لو قال لك إنسان مثلاً: نهنئك بهذا العام الجديد قال: هنأك الله بخير وجعله عام خير وبركة.
                  لكن لا تبتدئ الناس أنت؛ لأنني لا أعلم أنه جاء عن السلف أنهم كانوا يهنئون بالعام الجديد، بل اعلموا أن السلف لم يتخذوا المحرم أول العام الجديد إلا في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

                  (44/20)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  حكم التعجل ورمي الجمرات بعد الغروب


                  السؤال
                  فضيلة الشيخ! جماعة حجوا في هذا العام، وفي اليوم الثاني عشر بعد صلاة العصر عزموا على التعجل وحملوا متاعهم وخرجوا من منى، ولكنهم لم يرموا الجمرات إلا بعد صلاة المغرب حيث دخلوا منى بعد صلاة المغرب ورموا الجمرات ثم ودعوا، فهل عليهم شيء أم أن حجهم صحيح؟

                  الجواب
                  حجهم صحيح إن شاء الله ولا شيء عليهم؛ لأن هؤلاء تعجلوا وخرجوا، والأفضل لو أنهم ما خرجوا من منى حتى رموا، وهم إذا رموا ولو بعد الغروب -ما داموا قد جهزوا أنفسهم وسافروا وعزموا على التعجل- فلا شيء عليهم ولو رموا بعد الغروب.

                  (44/21)


                  --------------------------------------------------------------------------------

                  حكم التحلل الأول لمن رمى وطاف


                  السؤال
                  المتمتع إذا طاف ثم رمى فهل يتحلل الحل الأول؟

                  الجواب
                  عند الفقهاء -رحمهم الله- يحل التحلل الأول إذا رمى وطاف؛ لأنهم يقولون: التحلل الأول يكون بفعل اثنين من ثلاثة وهما: الرمي والحلق والطواف.
                  لكن السنة تدل على أنه لا حل إلا بالرمي والحلق، وعلى هذا فنقول: التحلل الأول يكون بالرمي والحلق فقط، وأنه لو رمى وطاف لم يحل التحلل الأول إلا على رأي من يرى أن الرمي وحده يحصل به التحلل الأول.
                  وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                  وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                  حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                  https://www.musacentral.com/

                  تعليق


                  • #84
                    المكان الذي تؤخذ منه الحصى


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! تعلمون وفقكم الله أن أغلب الأماكن في منى مسفلتة ويصعب لقط الحصى منها، أفلا ترون أن لقطها من مزدلفة أسهل للناس خصوصاً مع السيارات؟

                    الجواب
                    أنا أظن أن مزدلفة هي التي فيها السفلتة الكثيرة، أما منى فليس فيها سفلتة كثيرة، ثم عند الجمرات تحت الجسر هناك حصى كثيرة، فيمكن أن تلقط سبع حصيات قبل أن تصل إلى العقبة في اليوم الأول، وتلقط قبل أن تصل للجمرة الأولى في اليوم الثاني سبعاً حصيات، ثم إذا تعديتها لقطت سبع للجمرة الوسطى، ثم إذا تعديتها لقطت سبعاً للجمرة الأخيرة، فالتقاط الحصى سهل جداً.

                    (44/23)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    من دفع نفقة حاج كان له مثل أجره


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! من دفع نفقة شخص لم يؤد الحج وهي فريضته فهل له مثل أجره؟ وهل هو أفضل من أن ينيب من يحج عنه؟

                    الجواب
                    نعم، إن شاء الله أن له مثل أجره، يعني: أجر حج فريضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من جهز غازياً فقد غزا) والحج نوع من الجهاد، وإعطاء هذا الفقير ليحج حج الفريضة أفضل من كونه يعطي هذه الدراهم لشخص يحج عنه حج نافلة، لأنه سيأتيه أجر فريضة، ويحسن -أيضاً- إلى أخيه أداء ركن من أركان الإسلام عنه.

                    (44/24)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    شرط إجزاء طواف الإفاضة عن طواف الوداع


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! ما الحكم أن أجمع بين طواف الإفاضة في ليلة الثالث عشر من شهر ذي الحجة وأكتفي به عن طواف الوداع؟

                    الجواب
                    إذا أخر الإنسان طواف الإفاضة إلى السفر وطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد، فلو دخلت المسجد والناس يصلون صلاة الفجر أجزأك ذلك عن تحية المسجد، كذلك طواف الإفاضة يجزئك عن طواف الوداع، ولو نويتهما جميعاً حصلا لك لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) لكن الحذر من أن تنوي بهذا الطواف طواف الوداع دون طواف الإفاضة؛ لأن بعض الناس يقع في هذا نساناً، تجده أخر طواف الإفاضة إلى السفر لكن عند السفر ما نوى إلا طواف الوداع، وهذا خطأ؛ لأنه إذا لم ينو إلا طواف الوداع ما بقي عليه؟ بقي طواف الإفاضة، فلابد من أن يرجع ليطوف طواف الإفاضة، فلينتبه الإنسان لهذا.

                    (44/25)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم الوضوء بما فيه ميتة


                    السؤال
                    سؤال ليس في الحج، يقول سائله: فضيلة الشيخ! رجل صلى أكثر من يومين بوضوء من خزان، ثم علم بعد ذلك أن في خزان الماء وزغ ميت، فما حكم صلاته التي صلاها، فقد أقلقني هذا الحكم؟

                    الجواب
                    إذا كان الماء لم يتغير لا طعمه ولا ريحه ولا لونه بموت الوزغ فيه فهو طهور، وأما إذا كان قد تغير فهو نجس، وعلى هذا الذي توضأ منه أن يعيد صلاته، وأن يطهر ثيابه، وأن يطهر بدنه من هذا الماء النجس، يعيد صلاته بوضوء صحيح، لكن إذا لم يتغير فلا شيء عليه.

                    (44/26)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم بيع الموقوف إذا تلف أو نقصت منفعته


                    السؤال
                    ما حكم من وضع مكيفاً في مسجد أو ثلاجة أو خلاف ذلك، ثم تلف أو صارت منفعته بسيطة، هل يجوز بيعه ثم تجعل قيمته في شيء آخر؟

                    الجواب
                    نعم، إذا تلف المكيف أو الثلاجة أو نقصت منفعته جاز بيعه ليشترى ما هو خير منه، أما أن يباع ولا يؤتى ببدله فهذا لا يجوز ما دام يمكن الانتفاع به، ولكن إذا غير إلى جديد مع أن الأول صالح للاستعمال لكنه استعمال ناقص فهل يكون للأول أجر من هذا الجديد أم لا؟ الجواب: نعم.
                    له أجر، له أجر من هذا الجديد بمقدار ما يمكن الانتفاع به من الأول، يعني: فإذا قدرنا أن هذه الثلاجة -يعني: برادة- سوف تبقى لمدة سنتين، لكن الانتفاع بها قليل وأتينا ببرادة جديدة أحسن منها فإن هذه المدة -السنتين- التي يمكن الانتفاع بها يكون أجرها للأول، والثاني له أجر بلا شك.

                    (44/27)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم الحاج الذي لم يهد بسبب تلف ماله أثناء الحج


                    السؤال
                    كنت في الحج وكانت النية حج تمتع، وحصل الحريق، فكانت أغراضي ونقودي في الخيمة فلم أفدِ، فهل علي شيء؟

                    الجواب
                    وماذا صنع الأخ: هل صام؟ لأن الحريق وقع في اليوم الثامن، ومعناه: أنه إذا جاء يوم النحر فليس معه شيء فيصوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وإذا رجع إلى أهله صام السبع الباقية لقول الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة:196] وإذا لم يفعل هذا فعليه الآن أن يتوب إلى الله، وأن يصوم عشرة أيام: ثلاثة قضاءً، وسبعة أداءً.
                    ولا يمكن أن يحول الإنسان تمتعه إلى إفراد أبداً، ولا يمكن -أيضاً- أن يحول قرانه إلى إفراد، لكن لو أحرم بعمرة ثم أدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها جاز ذلك وصار قارناً.

                    (44/28)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم الصلاة بنية الاستخارة وأداء الراتبة


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! هل يجوز أن أجمع بين صلاة الاستخارة والسنة الراتبة بنية واحدة؟

                    الجواب
                    الأحسن أن تجعل للاستخارة صلاةً مستقلة، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بها فقال: (إذا همَّ بأحدكم أمر -يعني: وتردد فيه- فليصل ركعتين) فجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة الاستخارة صلاةً مستقلة.

                    (44/29)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم عقيقة الابن عن نفسه


                    السؤال
                    شخص له ستة أبناء ولم يعق إلا عن واحد منهم فما الحكم؟ وماذا يجب عليه؟ وهل يجب على الأبناء أن يتمموا لأنفسهم علماً بأن ثلاثةً منهم قادرون على ذلك؟

                    الجواب
                    إذا كان هذا الأب الذي لم يعق عن جميع أولاده فقيراً، فلا شيء عليه؛ لأن العقيقة مثل الزكاة، فكما أن الفقير لا زكاة عليه فالفقير لا عقيقة عليه، وأما إذا كان غنياً لكنه يقول: اليوم غداً بعد غد، فهنا نقول: عق عن أولادك الذين لم تعق عنهم، وإذا أراد أحد أن يعق عن نفسه فليستأذن من أبيه ويقل: إني أريد أن أعق عن نفسي؛ لأن المخاطب بالعقيقة هو الأب.

                    (44/30)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حدود لطاعة الأم


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! لدي سؤال يحيرني ويقلقني: وهو أن والدتي حفظها الله تطلبني كثيراً أن أخرج بها للرحلات هنا وهناك، ونجتمع جميعاً في منزلها يومياً، وهذا العمل يا فضيلة الشيخ لا يخفى عليك أن فيه تضييعاً للوقت والعمر بلا فائدة، وأنا في حرج من أمري إن أطعتها، وهذا ما أفعله الآن، فضاع وقتي، وإن قللت من زيارتها والخروج معها أكون عاقاً لها، فأنا في حرج من أمري فأرشدني وفقك الله.


                    الجواب
                    إذا لم يكن عليك ضرر في إجابة طلبها فأجبها، وإن كان عليك ضرر أو تفويت مصلحة فلا تجبها إلا للضرورة، والرحلات وزيارة الأقارب والأصحاب ليست ضرورة، لكن المدار هو هكذا: إذا كان إجابة طلبها يفوت عليك مصالح أو يوقعك في ضرر لم يجب عليك إجابتها، لكن عليك أن تداريها وتقنعها وتأخذ بخاطرها، وأما إذا لم يكن عليك ضرر أو كان هي عليها ضرر أكثر من ضررك لو أجبت فأجبها، وهذا يستنثى منه ما لو صدتك إجابتك إياها عن واجب فإنه لا يجوز؛ كما لو كانت إجابتك إياها تشغلك عن إقامة الجماعة -يعني: إقامة الصلاة في جماعة- فهنا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

                    (44/31)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حد بقاء الحاج بعد طواف الوداع


                    السؤال
                    رجل حج في هذا العام، وبعد طواف الوداع نزل إلى السوق واشترى بعض الحاجيات وهو جاهل في ذلك، فماذا عليه؟

                    الجواب
                    قال أهل العلم: لا يضر أن يشتري الإنسان بعد طواف الوداع حاجة في طريقه إما من أغراض السفر، أو هدية إلى أهله، أو كتاباً يحتاجه، وأما إذا اشتغل بتجارة فإنه لا بد أن يعيد الطواف.
                    وكذلك لا حرج عليه إذا كان قد دخل وقت الصلاة كما لو انتهى من الطواف مع الأذان وبقي حتى صلى فإن ذلك لا بأس به؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم طاف للوداع وصلى بعد ذلك صلاة الفجر.
                    وكذلك لو طاف للوداع ثم أتى إلى الحافلة ووجد الرفقة لم يجتمعوا بعد، وبقي ينتظرهم ولو ساعة أو ساعتين أو أكثر فلا بأس في ذلك.

                    (44/32)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم من أدرك الإمام قائماً من الركوع


                    السؤال
                    سائلة تقول: فضيلة الشيخ! دخلت إلى المسجد والإمام قائم من الركوع فكبرت ثم ركعت وأكملت مع الإمام وسلمت، فماذا علي؟

                    الجواب
                    عليها الآن أن تعيد الصلاة من جديد؛ لأنها لم تدرك الركوع، ومن فاته الركوع فاتته الركعة، وهذه المرأة حسب سؤالها لم تصل الصلاة كاملة لأن الركعة التي لم تدرك ركوعها لم تدركها، وعليها الآن أن تعيد صلاتها.

                    (44/33)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    ضوابط تخفيض الأسعار


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! تقوم بعض محطات البنزين عند الشراء منها بتخفيض سعر البنزين، مثلاً: تعطيك دفتر قيمته مائتي ريال بمائة وتسعين ريالاً، فهل ذلك جائز؟

                    الجواب
                    يعني يقول: بعض الناس من أصحاب المحطات ينزل السعر من أجل أن يجتمع الناس إليه، هذا في الأصل لا بأس به، لكن الإمام مالكاً رحمه الله قال: إذا كان هذا يضر بأهل السوق فإنه يجب على ولي الأمر والمحتسب أن يمنعه وأن يقول: بع كما يبيع الناس.
                    فإذا قال: أنا رخصت للمستهلكين.
                    قلنا: نعم، ولكنك أضررت بالآخرين، إلا إذا كان الآخرون قد رفعوا السعر وهو يقتنع بالربح القليل فله ذلك ولا حرج عليه فيه، ويقال للآخرين: نزلوا السعر.

                    (44/34)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم تصوير الأنشطة المدرسية


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! يقام في المدارس نشاطات مختلفة من ندوات ومحاضرات وأنشطة طلابية تفيد الطلاب، السؤال يا فضيلة الشيخ: هل يجوز تصوير هذه الأنشطة بالكاميرا أو بالفيديو لحفظها للمدرسة أو حتى يستفيد منها الطلبة؟

                    الجواب
                    إذا كان في هذا مصلحة فلا بأس أن تلتقط هذه الصورة بالكاميرا حتى تبقى ينتفع بها الناس فيما بعد، وأما إذا كان ليس فيها مصلحة فهي إضاعة مال وإضاعة وقت، وإذا كان فيها مصلحة لكن مفسدتها تربو على مصلحتها، كما لو صور فيها أحداثاً تحصل في النظر إليهم فتنة، فهنا يجب أن تمنع، والحاصل أنه إذا كان مصلحة فلا بأس وإن لم يكن مصلحة فإنها إضاعة مال وإضاعة وقت.

                    (44/35)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم تأجيل طواف الوداع والذهاب إلى جدة ثم العودة لأدائه


                    السؤال
                    ما حكم من أجل طواف الوداع بحكم أنه من أهل جدة وقريب من مكة ويأتي به بعد خفة الزحام؟

                    الجواب
                    إذا خرج من مكة يريد جدة ووصل إلى جدة فإنه لو أتى به لا ينفعه؛ لأنه خرج وودع فكيف ينفعه بعد أن ودع وذهب؟ ولهذا نقول: من كان من أهل جدة فإنه يجب عليه ألا يخرج من مكة حتى يودع إلا امرأة يأتيها الحيض أو النفاس ولا يتسنى لها أن تبقى في مكة حتى تطوف للإفاضة فلا بأس أن تخرج إلى منزلها في جدة، فإذا طهرت عادت وطافت طواف الإفاضة، وإنما استثنينا هذه المسألة لأن الحائض والنفساء ليس عليهما وداع ليس عليهما إلا طواف إفاضة، وطواف الإفاضة الآن متعذر لوجود حيض أو نفاس، فتذهب إلى جدة وإذا طهرت عادت وطافت طواف الإفاضة، لكنها في هذا الحال يحرم عليها إن كانت متزوجة أن يقربها زوجها لأنها لم تحل التحلل الثاني.

                    (44/36)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم وضع الملح في مكان الصرف الصحي لإصلاحه


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! ما حكم وضع الملح في مكان الصرف الصحي لفتح مسام ذلك الصرف؟

                    الجواب
                    أولاً نسأل: ما أصل الملح؟ ماء أم نبات ينبت في شجر ويشتريه الناس كما يشترون تمر النخل؟ الجواب: أصل الملح ماء، وعلى هذا فإذا جعل في البلاعات من أجل أن يفتح الأرض فلا بأس به.

                    (44/37)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    قتل البعوضة جائز للمحرم


                    السؤال
                    سائلة تقول: كنت محرمة فجاءت على يدي بعوضة فمن شدة ألمها ضربتها فماتت، فهل علي شيء؟

                    الجواب
                    هذا جزاؤها، البعوضة وإن لم تقرص الإنسان يستحب له أن يقتلها سواء كان محرماً أو محلاً؛ لأنها من الحشرات المؤذية، وقد قال العلماء: يُسن قتل كل مؤذ للمحرم وغير المحرم، ولمن كان في مكة ولمن كان خارج مكة.
                    فنقول: أعظم الله أجر هذه السائلة حيث تركتها حتى آلمتها بالقرص، ولو أنها قتلتها من أول ما رأتها لكان في ذلك كف لأذاها.
                    الآن عليها شيء أو ما عليها شيء؟ ما عليها شيء الحمد لله.

                    (44/38)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم من أفطرت رمضان لمدة عشر سنوات


                    السؤال
                    سائلة تقول: فضيلة الشيخ! امرأة أفطرت في رمضان حوالي عشر سنوات؛ منها ست سنوات بسبب الحمل والرضاع بسبب خوفها على صحتها وعلى جنينها، ثم تابت بعد ذلك فهل التوبة تكفي أم عليها شيء؟ أرجو الإفادة جزاك الله خيراً.


                    الجواب
                    نعم، التوبة تكفي بشرط أن تقضي الأيام التي عليها، فإذا صامت الأيام التي عليها كفى وليس عليها إطعام على القول الراجح من أقوال العلماء، وإن كان بعض العلماء يقول: إذا أخر الإنسان قضاء رمضان إلى رمضان الثاني بدون عذر فعليه صيام وإطعام، لكن الصحيح أنه لا إطعام وأن الصيام يكفي.

                    (44/39)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم دخول صاحب المبنى إليه في حال سكن غيره فيه


                    السؤال
                    إذا تفضل عليك أحد إخوانك وأسكنك في بيته، فهل يجوز له أن يدخل إلى غرفتك التي هي ملك له في غيبتك؟ وهل له أن يتصرف في بعض حوائجك كأن يقرأ في كتابك أو يسمع أشرطتك، ما حكم ذلك فلعله يكون هناك أسرار لا تريد أن يطلع عليها؟

                    الجواب
                    أما إذا كانت الغرفة مقفلة بمعنى: أن الضيف لما خرج من الحجرة أقفلها فإنه لا يجوز لصاحب البيت أن يفتحها وينظر ما فيها؛ لأن قفله إياها يعني عدم الإذن بالدخول، وإما إذا بقيت مفتوحة فلا شك أن الأولى والأجدر بالإنسان وبمروءته ألا يدخل هذه الحجرة، لأنه قد يكون فيها أشياء لا يحب الضيف أن يطلع عليها أحد؛ إما ثياب وإما متاع وإما غير ذلك، فكون الإنسان يتركها لله لأنه أنزل فيها الضيف ولا يقربها فهذا هو الأولى بلا شك، فصار الحاصل في الجواب: إن كان الضيف إذا خرج أغلقها فإنه لا يجوز لصاحب البيت أن يفتحها ويدخلها، وإما إذا تركها مفتوحة فإن تركه إياها مفتوحة يدل على أنه لا يهمه أن يدخلها أحد أو لا يدخل، لكن المروءة تقتضي ألا تدخلها.

                    (44/40)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم التبرع لأحد الوالدين دون الآخر


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! هل يجوز التبرع لأحد الوالدين دون الآخر وهما على قيد الحياة، مثلاً: كأن يبني مسجداً لأحدهما؟

                    الجواب
                    قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سئل: (من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) فلا حرج أن يفضل الأم بحسن الصحبة على الأب، لكن إذا علم أن الأب إذا رآه مفضَّلاً لأمه عليه حصل في نفسه شيء فهنا ينبغي ألا يظهر لأبيه أنه آثر أمه بشيء درءً للمفسدة، لأن بعض الآباء لا يتحمل أن يقدم الولد أمه عليه، ويرى أن ذلك عقوق، فإذا كان ذلك فادرأ الأمر ولا تخبره بأنك آثرت أمك عليه بشيء، ويزول المحذور بإذن الله.

                    (44/41)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    دفع الزكاة للأخ الفقير


                    السؤال
                    هل يجوز دفع الزكاة للأخ الفقير الذي راتبه أقل من راتبي؟

                    الجواب
                    إذا كان هذا الأخ الفقير لا يكفي راتبه لمئونة أهله فلا بأس أن تدفع إليه زكاتك، بل إن دفع الزكاة إلى الأقارب المستحقين الذين لا يجب على المزكي نفقتهم أفضل من دفعها إلى الأباعد، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (صدقتك على القريب صدقة وصلة) .

                    (44/42)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    ضابط للجمع في السفر


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! أنا مدرس في مدرسة تبعد عن عنيزة (115) كم فهل يجوز لي أن أجمع بين الظهر والعصر؟

                    الجواب
                    يرى بعض العلماء أن السفر حده المسافة، فمتى كانت (83كم) فهو سفر وإن رجع الإنسان في ساعته، ويرى آخرون أن السفر ما سماه الناس سفراً، ومثل هذا الذي يدرس ويرجع في يومه لا يسمى عند الناس مسافراً، فالاحتياط لهذا السائل: ألا يجمع ولا يقصر، وذلك أبرأ للذمة وأدفع للشبهة.

                    (44/43)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    معنى حديث: اليد العليا خير من اليد السفلى


                    السؤال
                    ما معنى ما يروى: (اليد العليا خير من اليد السفلى) ؟

                    الجواب
                    هذا حديث صحيح، اليد العليا: هي المعطية، والسفلى: هي الآخذة، يعني: أن المعطي أعلى من الآخذ؛ لأن الآخذ يرى نفسه دون المعطي، والمعطي يرى نفسه فوق الآخذ، ولهذا تجد الآخذ يخضع للمعطي أكثر من خضوع المعطي للآخذ، فاليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي الآخذة، وهذا حث من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أن يكون الإنسان زاهداً فيما عند الناس، ولا يتطلع إليه ولا ينظر إليه، ومتى ما كان مستغنياً عنه فلا يأخذه.
                    لكن إذا كان هدية فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها، بل لما أعطى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عوضاً عن العمالة -أي: عن جلب الزكاة وأخذها من أهلها- وقال: يا رسول الله! تصدق بها على أحوج مني؟ قال: (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالها فلا تتبعه نفسك) .

                    (44/44)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    وصية لمن تاب ثم وقع في المعصية


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! أنا شاب تبت توبة صادقة -ولله الحمد- ولكن بعد مدة إذ بي أقع في معصية ثم أتوب، ثم أشتاق للمعصية ثم أندم وأتوب وهكذا، أفدني جزاك الله خيراً ماذا أفعل مع بداية هذا العام؟

                    الجواب
                    أسأل الله أن يتوب علينا جميعاً، ونهنئ أخانا بالتوبة، ونسأله تعالى أن يثبت عليها.
                    عليه أن يحمي نفسه من هذه المعصية بقدر المستطاع، لكن إذا غلبته نفسه ثم ندم وتاب توبة نصوحاً عازماً على ألا يفعل في المستقبل فإن الله يتوب عليه؛ لأن هذا مسرف على نفسه بلا شك في إصراره على هذه المعصية، وقد قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53] فنحن نهنئ أخانا بما منَّ الله عليه من التوبة، ونوصيه بأن يصمد أمام نزعات الشيطان وهوى النفس، وأن يتصبر، وهو إذا عسف نفسه وتصبر هان عليه ترك المعصية التي كان يألفها من قبل.

                    (44/45)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    تكفين من مات محرماً


                    السؤال
                    شخص مات وهو محرم، ولم يعرف به إلا متأخراً، فهل يكفن أم لا؟

                    الجواب
                    نعم يكفن، فإن كان إحرامه باقياً كفن في إحرامه، وإن كان تالفاً كفن في أي ثوب آخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (كفنوه في ثوبيه) قاله في المحرم الذي مات في عرفة، وَقَصَتْهُ ناقته، فدل هذا على أن الأفضل فيمن مات محرماً ألا يؤتى له بكفن جديد، بل يكفن في إزاره وردائه.

                    (44/46)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    ترك الاشتراط هو الأفضل للحاج


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! مع هذه الحوادث والكوارث هل يستحسن أن نشترط عند الإحرام؟

                    الجواب
                    أرى ألا يشترط الإنسان عند الإحرام؛ لأن هذه الحوادث -والحمد لله- قليلة بالنسبة للحجاج، وقليلة بالنسبة للسنوات -أيضاً- متى تحدث وفي أي سنة؟ وكذلك -أيضاً- بالنسبة للحجاج، عدد الحجاج حوالي مليونان: ما أصيب منهم ولا مائة ألف، هذه المصائب قليلة -والحمد لله- وكون الإنسان لا يشترط اتباعاً للسنة، وتوكلاً على الله عز وجل، واحتساباً للأجر فيما لو حدث حادث أفضل من كونه يشترط، لكننا لا نمنعه من الاشتراط بل نقول: الأفضل ألا تشترط وإن اشترطت فلا بأس.

                    (44/47)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم تقديم طواف الإفاضة قبل صلاة الفجر


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! حججت في حملة وكانت معي امرأة، وقد سارت الحملة من مزدلفة بعد منتصف الليل، وذهبنا إلى الحرم، وبدأنا الطواف قبل صلاة الفجر فهل هذا صحيح؟

                    الجواب
                    نعم هذا صحيح، لكن الأفضل للرجال القادرين أن يتأخروا حتى يصلوا الفجر ويقفوا قليلاً حتى يسفروا جداً، ثم يدفعوا إلى منى، هذا هو الأفضل، لكن لو دفع الإنسان في آخر الليل وطاف وسعى قبل الفجر فلا بأس، أو دفع في آخر الليل ورمى وحلق ثم نزل وطاف وسعى قبل الفجر فلا بأس، وإذا كان معه امرأة كان أشد عذراً مما لو كان وحده.

                    (44/48)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم الخروج من منى في اليوم الحادي عشر ثم العودة في المساء


                    السؤال
                    حاج خرج من منى في اليوم الحادي عشر إلى بيته في جدة ليذبح أضحيته، وبقي في بيته إلى آخر النهار ولم يعد إلى منى إلا في المساء، فهل عمله هذا جائز أم لا؟ وهل عليه شيء؟

                    الجواب
                    هذا جائز بلا شك؛ لأنه لم يفوت المبيت في منى، لكن الأفضل أن يبقى الإنسان في منى ليلاً ونهاراً كما بقي محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: (خذوا عني مناسككم) .
                    وأما الأضحية فيمكن أن يوكل أحداً ليذبحها ويعطيها أهله، وإذا كان في أهله من يجيد الذبح وكلَّه في ذلك.

                    (44/49)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم الاستهزاء بشيء من الدين


                    السؤال
                    إذا استهزأ أحد بشيء من الدين ناسياً، فلما تذكر استغفر وتاب، فماذا عليه الآن؟

                    الجواب
                    عليه أن يحمد الله عز وجل على التوبة، وتوبته صحيحة، أما إذا استهزأ بشيء من الدين ساخطاً وقال: أنا ما أردت العيب والقذف ولكني أضحك، أو أقول هزلاً؛ فهذا كافر مرتد والعياذ بالله، إذا تاب فعليه أن يعتبر نفسه قد جدد إسلامه، وعليه عند أكثر العلماء أن يغتسل غسل الكافر إذا أسلم، لأن الاستهزاء بالدين، أو الاستهزاء بالله، أو بالقرآن، أو بالرسول كفر مخرج عن الملة سواء قاله الإنسان جاداً أم مازحاً، فالأمر خطير، ولما كان قوم من المنافقين في سفر وكانوا يتحدثون فيقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه- أرغب بطوناً -أي: أكثر أكلاً- ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء من محمد وقرائه.
                    أنزل الله تعالى في سورة التوبة {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة:65-66] .

                    (44/50)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    حكم انتقاد أعمال أهل الخير


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! أنا شاب أميل إلى الالتزام أكثر من الانحراف، وكثيراً ما أدعو ربي بأن يلهمني الهداية وأحرص على ملازمة الصالحين، ولكن كثيراً ما أنتقد بعض أعمال أهل الخير، وأقوم من المجلس وبالي مشغول بذلك، فهل أنا آثم بذلك الانتقاد؟ وهل هذا من العجب بالنفس؟ وما خطر العجب بالنفس؟

                    الجواب
                    أما إذا كانت أعمال أهل الخير التي تكرهها من الطاعات فهذا غلط منك، غلط أن الإنسان يكره من أعمال أهل الخير طاعة الله عز وجل، وربما يكون ذلك خطيراً جداً لأن الله تعالى يقول: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:9] وأما إذا كان يكره من أعمال الخير ما يفعله بعض أهل الخير من الغيبة والكذب والسخرية فهذا خير، كونه يكره هذا الشر خير، وجزاه الله خيراً، لكن عليه أن ينصحهم ويخوفهم بالله عز وجل، فإن استقاموا فله ولهم، وإن لم يستقيموا وبقوا على ما هم عليه قام وتركهم.

                    (44/51)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    معنى تحول العبادات إلى طقوس


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ حفظك الله قلت في ثنايا حديثك: وكأنها طقوس، أقول: وإن هذه الكلمة يقولها أهل الكنيسة وقد التصقت هذه اللفظة بالمسيحيين، أرجو التنبيه على ذلك.


                    الجواب
                    الطقوس معناها: الأعمال المجردة عن المعاني، فإذا كان الإنسان يتخذ عبادة وكأنها عادة، أو كأنه آلة حركية فهذا من الطقوس، وليس معنى ذلك أنه ابتدع في الدين، لا، هم لم يبتدعوا، أتوا بالحج على ما هو عليه؛ لكنهم صاروا كأنهم في نزهة من الضحك والهزل وعدم الجدية في الأمر، فصارت كأنها طقوس، يعني: أعمال تفعل أو تقال بلا معنى وبلا روح.

                    (44/52)


                    --------------------------------------------------------------------------------

                    صفة صلاة الوتر


                    السؤال
                    فضيلة الشيخ! ذكرت الوتر وفقك الله، أرجو أن تبين لنا صفة صلاة الوتر بخمس وتسع وإحدى عشرة فإني لا أعرف صفتها؟

                    الجواب
                    الإيتار بواحدة واضح.
                    بثلاث لك فيه صفتان: إما أن تسلم من ركعتين وتأتي بالثالثة، وإما أن تقرن الثلاث جميعاً بتشهد واحد، ولا تجعلها كالمغرب.
                    بالخمس: تسردها ولا تجلس إلا في آخرها.
                    بالسبع: تسردها ولا تجلس إلا في آخرها.
                    بالتسع: تجلس بعد الثامنة وتقرأ التشهد ولا تسلم، ثم تأتي بالتاسعة وتسلم.
                    بالإحدى عشرة: تأتي بها مثنى مثنى وتوتر بواحدة.

                    (44/53)


                    --------------------------------------------------------------------------------
                    وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                    وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                    حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                    https://www.musacentral.com/

                    تعليق


                    • #85
                      اللقاء الشهري

                      اللقاء الشهري [45]
                      سورة الطارق سورة عظيمة، تتضمن قَسَم الله على حقائق مهمة، لكي يتفكر فيها الإنسان، فيحقق الغاية التي أرادها الله منه، وفي هذا اللقاء تفسير آيات بينات من هذه السورة بأسلوب اجتمع فيه اليسر والسهولة مع كثرة الفوائد، كما تضمنت إجابات الأسئلة أحكاماً كثيرة تمس الحياة اليومية.

                      (45/1)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      وقفات مع سورة الطارق
                      الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
                      أما بعد: فهذا هو اللقاء الأول من اللقاءات الشهرية التي تتم في الجامع الكبير بـ عنيزة ليلة الأحد الثالث من كل شهر، وهذا هو الشهر الأول من عام (1418هـ) .
                      أيها الإخوة! إننا حين نتأمل ونتفكر في الليالي والأيام والساعات واللحظات نجد أنها تمر مراً سريعاً كأنما تخطف من بين أيدينا، ولكننا مع ذلك لا نحاسب أنفسنا ماذا عملنا في هذه الأيام التي تمضي بهذه السرعة، هل منا من يحاسب نفسه كل يوم: ماذا عمل؟ ماذا فعل من طاعة الله؟ ماذا تجنب من محارم الله حتى يصلح ما فسد، ويزيد على ما بنى؟ وذلك لأن الإنسان يقطع هذه الدنيا مرحلة مرحلة، ساعة بعد ساعة، بل لحظة بعد لحظة وإذا به قد انتهى مساره، وانقطعت أخباره، وكما قال الشاعر:
                      بينا يُرى الإنسان فيها مخبراً حتى يُرى خبراً من الأخبار
                      ولكن المؤمن إذا فكر في نفسه وفي خلوته ازداد حماساً وقوة في طاعة الله تبارك وتعالى، أسأل الله أن يرزقني وإياكم اغتنام الأوقات بالأعمال الصالحات.

                      (45/2)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      معنى: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) ودلائل القسم بهما
                      موضوعنا الليلة أن نتكلم عما سمعنا بل على ما تلوته وسمعتموه من قول الله تبارك وتعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} [الطارق:1-2] إلى آخره.
                      فقوله جل وعلا: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطارق:1] الواو: للقسم، أقسم الله تعالى بالسماء وذلك لعظمها وارتفاعها وسعتها وقوتها، قال الله تعالى: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} [النبأ:12] أي: قوية، وقال تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات:47] أي: بقوة {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات:47] فأقسم الله بالسماء لعظمها.
                      (والطارق) هل هو الذي يطرق أهله ليلاً أم الضيف الذي يطرق مضيفه ليلاً؟ الطارق قال الله تعالى فيه مفخماً إياه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} [الطارق:2] أي: أيُّ شيء أعلمك عن هذا الطارق؟ وما هو؟ وماذا يطرق؟ فبينه عز وجل، فبين الله عز وجل أنه: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق:3] وهل هو نجم واحد أم المراد جنس النجم؟ الظاهر الثاني، أي: أن المراد جنس النجم، وليس نجماً واحداً معيناً؛ لأن كل نجم وإن دق فهو ثاقب، أي: يثقب الظلام بنوره، أحياناً يصل نور الكواكب إلى الأرض، ونحن شاهدنا ذلك، ويشاهده أهل البر الذين ليس عندهم إضاءة بالكهرباء فتجدهم يجدون نور الكواكب ساطعاً في الأرض لا سيما الكواكب المضيئة الكبيرة.
                      إذاً {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق:3] المراد به ماذا؟ هل هو نجم واحد معين أم كل النجوم؟

                      الجواب
                      المراد كل النجوم فهي ثاقبة تثقب الظلام بضيائها، وهي -أيضاً- ثاقبة تثقب الشياطين الذين يستمعون أخبار السماء ويلقونها إلى الكهان، كما قال الله تبارك وتعالى: {إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر:18] يثقب الشيطان -يخرقه- حتى يحرقه.
                      هذه الشياطين التي تسترق السمع تنزل بما تسمع من السماء على الكهان، والكهان هم الذين يحدثون الناس بما يكون في المستقبل سواء كان عاماً أو خاصاً، فالكاهن يقول: سيحدث مثلاً في هذا العام المقبل كذا وكذا من البلاء والمصائب، أو يقول لشخص معين: يا فلان سينالك في هذا العام المقبل كذا وكذا.
                      فالكاهن إذاً: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل سواء كانت هذه المغيبات عامة أو خاصة.
                      تنزل الشياطين بما سمعت من السماء على الكهان فيأخذ الكاهن ما سمع ثم يضيف إليه كلمات أخرى، كما قال بعض السلف: يكذب معها مائة كذبة، فيتحدث الناس بهذا الخبر، ثم إذا وقع شيء مما أخبر به ادعى أنه يعلم الغيب، وقال: إنه يعلم ما سيكون، وسلب عقول الناس، ولقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أن من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) أي إنسان يأتي إلى كاهن ويقول: يا فلان أخبرني كيف سيكون مستقبلي؟ قال: مستقبلك طيب، أو قال: مستقبلك رديء، فإذا صدق فقد كفر بما أنزل على محمد، لماذا؟ لأن الله تعالى قال: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل:65] فمن صدق أحداً بعلم الغيب فقد كذب هذه الآية، وتكذيب جزء من القرآن أو آية من القرآن أو حرف من القرآن كفر وردة عن الإسلام.
                      وإننا في هذا الزمن ابتلينا بمثل هؤلاء أو قريب منهم، وابتلي الناس -أيضاً- في الأوهام والتخيلات التي لا أصل لها، فتجد الواحد إذا أصيب بأدنى شيء ولو بضيق صدر طارئ يضيق صدره بحادث طارئ ثم يقول: إنه قد أصيب بجن أو سحر أو عين، ثم لا تزال هذه التخيلات في ذهنه حتى تنعقد، وتكون حقيقة أو قريبة من الحقيقة، ولهذا يجب علينا ألا نصدق هذه الأوهام وأن نعرض عنها، ومتى أعرضنا عنها فإنها ستزول بإذن الله، لأن جميع الوساوس الرديئة التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان، إذا امتثل الإنسان أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيها، نجا منها.
                      ألم تعلموا أن الشيطان يأتي إلى الإنسان ويقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق الله؟! نسأل الله العافية! وحينئذ يجب أن يستعيذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم، وينتهي ويعرض ولا يلتفت.

                      (45/3)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      أسباب التخيلات الشيطانية التي يقع فيها الناس
                      هذه التخيلات التي تقع لكثير من الناس سببها والله أعلم: أن كثيراً من الناس أعرض عن الأوراد الشرعية التي تحمي الإنسان من الشياطين مثل: آية الكرسي، فآية الكرسي إذا قرأها الإنسان في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح، ولهذا ينبغي لنا أن نعلمها أطفالنا البنين والبنات، نحفظهم إياها ونقرؤهم إياها كلما حل الليل بظلامه ليكون ذلك حارساً لهم.
                      أنت لو استأجرت شخصاً يحرس أولادك في ليلة واحدة وأعطيته ألف ريال لسهل عليك، لكن حراسة الرب عز وجل لأولادك إذا قرءوا هذه الآية أعظم وأعظم: (من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح) .
                      السبب الثاني: الفراغ، والفراغ قتال، وما أكثر الفراغ عندنا! الفراغ في شبابنا وفي فتياتنا وفي كبارنا، فراغ قاتل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) والإنسان إذا فرغ ولم يكن عنده عمل يحرك به جسمه، ويحرك به عقله، ويحرك به فكره توالت عليه الهموم، وجرب تجد، اشتغل في علم، في مال، في صنعة، فلن ترى هذه الوساوس، اترك الشغل تتوال عليك وتتوارد عليك الوساوس.
                      ومن الأسباب: ضعف التوكل على الله عز وجل، التوكل على الله عند كثير من الناس ضعيف، لا يعتمدون إلا على الأسباب المادية وينسون الرب عز وجل، ينسون الذي يقول للشيء كن فيكون، ويعتمدون على الأمور المادية.
                      الإنسان لو أصابه زكام -والزكام من أخف ما يكون من الأمراض- هل يوطن نفسه ويصبر ويعلق قلبه بالله وينتظر الفرج من الله والعافية من الله، ويقول: هذه الأذية التي حصلت لي هي أجر وتكفير سيئات، أم من حين أن يصاب يذهب إلى المستشفى؟ غالب الناس يفعلون الثاني، ولذلك لما ضعف التوكل عندهم صاروا يعتمدون على الأسباب المادية البحتة، لكن لو اعتمدوا على الله وقالوا: الجن أذل من أن يكونوا مسلطين على الإنس إلا أن الإنس إذا فرطوا في التحصن غلبتهم الجن، لكن إذا قاموا بالتحصن على الوجه المطلوب حماهم الله عز وجل.
                      ومن الأسباب أيضاً: أن الله عز وجل يري عباده أن هذه الدنيا ليست دار ترف ونعيم لا يمس الإنسان فيها نصب، بل لا بد من كدر لا بد من تنغيص، لا يمكن للدنيا أن تكون صفواً للإنسان من كل وجه؛ حتى أغنى الناس وأقواهم سلطة وأكثرهم جنوداً لا بد أن تنغص عليهم الحياة، حتى أعبد الناس لا بد أن تصيبه المصائب، لكن المؤمن وإن أصابته المصائب فهي خير له: (المؤمن إن أصابته الضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته السراء شكر فكان خيراً له) لكن غير المؤمن إذا أصابته الضراء تضجر وجزع، وربما يفعل الأفعال المحرمة أو يقول الأقوال المحرمة مع ما انطوى عليه قلبه من التسخط من قضاء الله، هذا غير المؤمن؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية) فتبرأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من هؤلاء.
                      شق الجيب من الحزن والتسخط وعدم الصبر.
                      ضرب الخد: لأنهم كانوا في الجاهلية إذا حزنوا من الشيء قام الواحد يضرب خده.
                      ودعا بدعوى الجاهلية: ما هي دعوى الجاهلية؟ الويل والثبور يقول: يا ويلاه يا ثبوراه كيف أصاب بهذه المصيبة؟ وما أشبه ذلك.
                      نعود إلى الآية الكريمة {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق:3] ما معنى الثاقب؟

                      الجواب
                      الثاقب الذي يثقب الظلام بضيائه وينفذ من أعلى ما يكون إلى الأرض، الثاقب: الذي يثقب الشياطين التي تستمع ما يكون في السماء.

                      (45/4)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      المراد بالحافظ على كل نفس
                      قال تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق:4] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، فكل نفس عليها حافظ من الله، قال الله عز وجل: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد:11] وقال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام:61] قال العلماء: انظر إلى فضل الله، انظر إلى نعم الله يحفظ الإنسان حياً وميتاً {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} [الأنعام:61] في الحياة، وبعد الممات تقبضه الرسل (الملائكة الكرام) وهم لا يفرطون في هذه النفس التي توفوها، بل يحفظونها أتم حفظ، فالإنسان محفوظ حياً وميتاً: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق:4] .
                      ومن الحفظة: الكرام الكاتبون، كما في سورة الانفطار: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ} [الانفطار:10-11] هؤلاء الحفظة الكاتبون يحفظون كل ما يصدر من الإنسان من قول أو فعل، قال الله تعالى: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق:17] يعني: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] كل قول ما تلفظه إلا عندك رقيب عتيد، مراقب حاضر، الرقيب: هو المراقب، والعتيد: هو الحاضر الملازم.
                      كم تكلمت من كلمات؟ لا تحصى، الإنسان لا يحصي ما تكلم به، كل كلمة فإنها مكتوبة، ومتى نطلع على ما كتب؟ قال الله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء:13-14] يطلع عليه الإنسان يوم القيامة تاماً، أي قول كان.

                      (45/5)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      دعوة إلى النظر في أصل الخلق
                      قال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} [الطارق:5] اللام في قوله: {فَلْيَنْظُرِ} [الطارق:5] لام الأمر، أمر الله أن ننظر مما خلقنا، وأجاب: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق:6-7] وهو ماء الرجل، فالإنسان مخلوق من ماء الرجل الذي يخرج من بين الصلب والترائب، أما كيف يخرج؟ فهذا إلى الله عز وجل، لكن نعلم ونؤمن بأن هذا الماء يخرج من بين الصلب والترائب.
                      ولقد توهم بعض العلماء وقالوا: المراد من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهذا خطأ؛ لأن الذي يخرج من الرجل غير الذي يخرج من المرأة، الذي يخرج من الرجل ماء دافق، وأما من المرأة فلا، والله تعالى إنما ذكر ماءً واحداً وهو ماء الرجل لأنه هو الماء الدافق، فتكوين الإنسان من ماء الرجل، لكن الله تعالى جعل لهذا الماء محلاً: {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المرسلات:21] هذا المحل هو رحم المرأة الذي فيه البويضات التي تحتضن ماء الرجل حتى يصبح جنيناً بإذن الله.
                      {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} [الطارق:8] (إنه) أي: الرب عز وجل ((عَلَى رَجْعِهِ)) [الطارق:8] أي: على رجع الإنسان وذلك يوم القيامة ((لَقَادِرٌ)) [الطارق:8] لأن القادر على أول الخلق قادر على إعادته، كما قال الله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:104] وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم:27] .
                      إذاً ((إِنَّهُ)) [الطارق:8] الضمير يعود على الله {عَلَى رَجْعِهِ} [الطارق:8] الضمير في رجعه يعود على الإنسان، أي: إن الله على رجع الإنسان لقادر، وتأمل قول الله تبارك وتعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس:51-52] فيقال لهم: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس:52-53] سبحان الله! صيحة واحدة يأمرهم الله بها أن يخرجوا من القبور أحياءً فيخرجون أحياء {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس:53] .

                      (45/6)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      معنى: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)
                      ثم قال عز وجل: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق:9] يعني: إن الله قادر على رجعه يوم تبلى السرائر وذلك يوم القيامة، والسرائر: جمع سريرة وهو ما يكنه الإنسان في نفسه، والإنسان يوم القيامة يختبر عن هذا، لا يختبر على الظاهر يختبر على الباطن، انتبهوا -بارك الله فيكم- فيوم القيامة الأساس والعمدة: الباطن السريرة، وفي الدنيا: الظاهر، فنحن نحكم على الناس في الدنيا بالظاهر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما أقضي بنحو ما أسمع) رأينا هذا الرجل يأتي المسجد ويتصدق ويصوم ويصلي، فنحكم عليه بأنه مسلم، وقد يكون في باطن أمره والعياذ بالله منافقاً، لأن الله تعالى قال في المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون:4] وهو منافق، أعاذني الله وإياكم من النفاق.
                      المدار يوم القيامة ليس على الأعمال الظاهرة، المدار على ما في القلوب: {يَوْمَ تُبْلَى} [الطارق:9] أي: تختبر {السَّرَائِرُ} [الطارق:9] جمع سريرة، وهو ما يسره الإنسان في نفسه، ومثل هذا قوله تعالى: {أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} [العاديات:10] .
                      ثم قال عز وجل: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ} [الطارق:10] فيوم القيامة لا ينتصر الإنسان لنفسه لأنه ليس عنده قوة، ولا بغيره لأنه ليس له ناصر، ويوم القيامة لا ينفع إلا العمل الصالح، لا أب ولا أم ولا أخ ولا ابن ولا حارس في الدنيا ولا جندي، ولا أي أحد، لا أحد ينصره، ليس له قوة بنفسه ولا قوة بغيره، لأنه ما له قوة ولا ناصر.

                      (45/7)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      القسم بالسماء والأرض على أن القرآن قول فصل
                      ثم قال عز وجل: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} [الطارق:11-12] الواو هنا للقسم مثل ما قال في أول السورة: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطارق:1] أقسم الله بالسماء مرة ثانية ووصفها بأنها ذات رجع أي: ذات مطر، لأن المطر ترجع به الأرض حية بعد موتها، فالسماء تنزل منها الأمطار وترجع به الأرض حية بعد أن كانت ميتة.
                      {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} [الطارق:12] الأرض ذات الصدع: أي صاحبة الصدع، والصدع هو التشقق؛ لأن الأرض إذا نزل عليها المطر تشققت بالنبات، مطر ينزل وأرض تخرج (تتشقق) .
                      {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} [الطارق:12-13] إنه: أي القرآن ((لَقَوْلٌ فَصْلٌ)) [الطارق:13] أي: يفصل بين الحق والباطل، وبين المؤمن والكافر، وبين المقاتلين المسلمين وأعدائهم، فإنه فصل يفصل وليس فيه هزل ولا فيه تهكم، هو ليس بالهزل بل إنه قول فصل، ولهذا قال: {وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق:14] خلافاً للكفار الذين قالوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال:31] .

                      (45/8)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      كيد الكافرين وكيد الله
                      ثم قال تعالى: {إِنَّهُمْ} [الطارق:15] أي: الكفار {يَكِيدُونَ كَيْداً} [الطارق:15] أي: يكيدون كيداً عظيماً، والكيد: هو أن يتوصل الإنسان إلى الإضرار بخصمه على وجه خفي، ومثله المكر والخداع، فكفار قريش كادوا كيداً عظيماً للرسول عليه الصلاة والسلام، ومن أعظم كيدهم له ما ذكره الله عز وجل: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال:30] ثلاثة آراء: {لِيُثْبِتُوكَ} [الأنفال:30] يعني: ليحبسوك حتى تبقى ثابتاً في الحبس لا تستطيع أن تخرج {أَوْ يَقْتُلُوكَ} [الأنفال:30] أي: الإعدام {أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال:30] فقال الله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30] .
                      وهنا قال: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً} [الطارق:15-16] يعني: أنا أكيد كيداً، وتأمل لما ذكر كيدهم ذكره بالجمع {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ} [الطارق:15] ولما ذكر كيده هو عز وجل ذكره بالإفراد ولم يقل: ونكيد كيداً، فكيد الله تعالى وهو واحد عز وجل يغلب كيد جميع من كادوا.
                      وفي قوله: {يَكِيدُونَ كَيْداً} [الطارق:15] تعظيم لكيدهم لأنه جاء بصفة النكرة أي: يكيدون كيداً عظيماً {وَأَكِيدُ كَيْداً} [الطارق:16] كذلك تعظيم كيده سبحانه، يعني: وأكيد كيداً أعظم من كيدهم، وهذا هو الذي حصل، كاد الله لنبيه عليه الصلاة والسلام حتى خرج من مكة سالماً وعاد إليها فاتحاً بعد سُنّّيات قليلة.

                      (45/9)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      معنى إمهال الكافرين
                      ثم قال: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} [الطارق:17] مهلهم يعني: أخرهم، انتظر فالعذاب واقع بهم لا محالة.
                      وقوله: {أَمْهِلْهُمْ} [الطارق:17] ليس معناه: أمهلهم أنا بل مهلهم أمهل، قال العلماء: الجملة الثانية توكيد للأولى لكن اختلف التعبير، فالمعنى: مهل الكافرين {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} [الطارق:17] أي: قليلاً فسوف يجدون مكرهم وكيدهم، وهذا هو الذي وقع، ألم تعلموا أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج من مكة مهاجراً خائفاً مختفياً، وبعد ثمان سنوات رجع ظافراً منصوراً غالباً حتى إنه وقف على باب الكعبة بعد أن تم الفتح وقريش تحته تنتظر ماذا يفعل فقال: (يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم.
                      قال: أقول كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء) فكانت العاقبة -ولله الحمد- للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا كل إنسان يقوم بأمر الله فإن العاقبة ستكون له، ولكن لينتظر حتى يلحق بدرجة الصابرين والعاقبة للمتقين.
                      أسأل الله أن يرزقني وإياكم فهماً في كتابه وعملاً به إنه على كل شيء قدير، والآن إلى دور الأسئلة نسأل الله أن يوفقنا للصواب.

                      (45/10)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      الأسئلة

                      (45/11)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      مقاومة التخيلات بالذكر


                      السؤال
                      سائل يقول: فضيلة الشيخ! أنا شاب كلما دخلت في صلاتي وسوس لي الشيطان أتخيل أني مريض بالمس، وأريد دائماً أن أذهب إلى من يقرأ عليَّ، وكذلك أتخيل أشياء من المستحيل أن تقع، فهل من ذكر يطرد ذلك عني؟

                      الجواب
                      الذكر -والحمد لله- موجود، وكل داء له دواء، والشياطين والجن ليسوا عالماً مشهوداً يستطيع الإنسان أن يتخلص منهم بالسلاح أو بالجنود لكنهم عالم غيبي، يسلطون على من لم يتحصن بالأوراد، ولذلك أحثكم على كثرة الأوراد، وكثرة الذكر حتى تسلموا من عاقبة هؤلاء.
                      أنصح لهذا الأخ: أن يكثر ذكر الله عز وجل، وقراءة القرآن، والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا أحس بشيء وظن أنه من مس الجن فليقل في نفسه: كيف يمسني الجن؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وليتصبر وليتحمل مع الذكر والقرآن فإنه يزول عنه بحول الله.

                      (45/12)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      نصيحة للموسوسين


                      السؤال
                      سائل يقول: فضيلة الشيخ! شخص حائر! حيث أني عندما أتبول وأتوضأ ثم أصلي أحس بخروج شيء من ذكري، ولو فتشت عن ذلك لوجدت أنه قد خرج بعض البول، فما الحل؟

                      الجواب
                      لا شك أن الله عز وجل من حكمته أنه جعل للبول والغائط ما يمسكه من الأعصاب القوية التي تشد عليه حتى لا يخرج منه شيء، لكن قد تصاب هذه الأعصاب بمرض فتسترخي فيخرج البول، إما باستمرار، وإما في وقت دون آخر، وقد يكون الإنسان نفسه هو السبب في ذلك، فإن من الناس من إذا انتهى من البول أمسك مجاري البول من عند الدبر إلى رأس الذكر يسلتها سلتاً، ومن الناس من يبقى يتعصر حتى يخرج آخر قطرة من البول، وهذا غلط، حتى وإن كان بعض الفقهاء يقولون: إنه يسن السلت والنتر فإنه قول ضعيف، بل هو بدعة كما نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكما هو ظاهر من السنة، فالرسول عليه الصلاة والسلام ما حفظ عنه أبداً أنه يسلت مجاري البول من عند الدبر إلى رأس الذكر أبداً، ولا أنه يتعصر وينتر الذكر أبداً، لكن بعض الناس يفعل هذا؛ إما تقليداً لقول من قاله من الفقهاء وإما لأنه يتوهم أنه إذا لم يفعل هذا يبقى البول في ذكره، وهذا غلط.
                      إذا بال الإنسان فليغسل رأس الذكر فقط وكفى، ولا حاجة لأن يعصر القصبة أبداً ولا يحركها، بل يغسل رأس الذكر الذي أصابه البول، وينتهي كل شيء، لو اعتاد الإنسان هذا لما حصل له هذا المرض الذي تسبب له هو.
                      فنصيحتي لهذا الأخ: أن يعرض عن هذا، ولا يلتفت إليه، ولا ينتر الذكر ولا يسلته، بل يدعه على طبيعته، فإذا خرجت آخر نقطة غسل رأس الذكر، ربما يحس الإنسان بحركة في ذكره، فليس عليه أن ينظر؛ لأن بعض الناس إذا أحس بحركة أرخى سراويله وجعل يعصر ذكره من فوق، إذا عصره فلابد أن يخرج شيء، لكن دعه ولا تلتفت له، حتى إن بعض العلماء رحمهم الله قال: إنه في هذا الحال إذا ابتلي بهذا الوسواس يرش على سراويله الماء من أجل إذا فكر أو شك يحمل ذلك على هذا الماء، لكن نحن نقول: لا حاجة لهذا، هذا تكلف، أعرض عن هذا ولا تشتغل به ويزول عنك بإذن الله، ولا تذهب إذا أحسست ببرود في رأس الذكر أو أحسست بحركة في داخل الذكر لا تذهب لتنظر، دع هذا.

                      (45/13)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      الفرق بين الساحر والكاهن


                      السؤال
                      فضيلة الشيخ! ما الفرق بين الكاهن والساحر؟ وهل إذا ذهب إلى أحدهما وأمره بفعل شيء ففعله لكنه لم يصدقه؛ فهل يدخل في الحديث الذي فيه: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم) وهل يأثم بفعله هذا؟

                      الجواب
                      الساحر قد يكون كاهناً، والكاهن قد يكون ساحراً، بمعنى أنه قد تجتمع في الإنسان هاتان الخصلتان الذميمتان: أن يكون ساحراً وأن يكون كاهناً، لكن الفرق بينهما إذا جعلنا الساحر وحده والكاهن وحده: الكاهن له شياطين تخبره بخبر السماء عن المستقبل، فالكاهن لا يتحدث إلا عن المستقبل.
                      الساحر والعراف ربما يتحدث عن الشيء الذي جرى، فمثلاً: يخبرك أين موضع الضالة، إذا ضاع عليك شيء يقول: موجود في المكان الفلاني، هذا العراف والساحر، لكنهم لا يخبرون عن المستقبل لأنه ليس لهم شياطين تخبرهم عما وقع في السماء، ولهذا نقول: هؤلاء الثلاثة -الساحر والعراف والكاهن- قد تجتمع هذه الصفات كلها في واحد، وقد تختلف، لكن الكاهن هو الذي يخبر عن المستقبل، ولا هو يخبر عن شيء واقع.

                      (45/14)


                      --------------------------------------------------------------------------------

                      كيفية الدعاء على الظالم


                      السؤال
                      فضيلة الشيخ! هل الأفضل للمظلوم أن يدعو على من ظلمه، أم أن يفعل الأسباب التي يكون فيها رد عليه خصوصاً وقد جاء في الحديث: (إن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب) فهل في هذا إشارة إلى أن يلجأ الإنسان إلى الله بالدعاء على من ظلمه؟ أرشدني بارك الله فيك.


                      الجواب
                      المظلوم له أن يدعو الله عز وجل على ظالمه بقدر ظلمه، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) أحياناً لا يتمكن المظلوم من الرد على ظالمه ومصارحته إما لأنه قريب له أو صديق أو زعيم لا يمكن أن يتكلم معه في هذا، فحينئذ لا ملجأ له إلا الدعاء، لكن أحياناً يتهم الإنسان شخصاً بأنه أساء إليه، فهل له أن يدعو الله عز وجل على هذا المتهم أم يقيد الدعاء فيقول: اللهم إن كان فلان ظلمني أو أساء إلي في كذا ويذكر دعوته؟ الجواب: الثاني، يعني: أحياناً يتهم القريب مثلاً بأنه أصاب شخص بعين أو أصاب شخصاً بسحر؛ لكن لا يستطيع الإنسان أن يتكلم؛ لأنه لا يملك بينة ولا عنده دليل، إلا أن القرائن القوية تدل على أن هذا أساء، فهنا رب العالمين يعلم سبحانه وتعالى، فقل: اللهم إن كان فلان هو الذي أصابني وتدعو بما ترى أنك تكافئه.
                      ولكن لو صبر الإنسان واحتسب ووكل الأمر إلى الله لكان خيراً.

                      (
                      وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                      وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                      حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                      https://www.musacentral.com/

                      تعليق


                      • #86
                        السؤال
                        فضيلة الشيخ! حدث قبل ما يقارب ثلاثين سنة أن قامت والدتي بإرضاع طفلة مع شقيقي الأكبر ما يقارب ثلاثة أيام، علماً أن الطفلة لم ترضع من والدتها لأن والدتها كانت مريضة ولا يوجد لبن في ثديها، فكانت والدتي ترضعها في اليوم الواحد حوالي ثلاث رضعات وهي تقول: إني لا أعلم هل الطفلة تشبع أم لا، لأن أخي كان يقاسمها الرضاعة، مع العلم بأن والدي ليس لديه خبر بهذه الرضاعة لأنه في ذلك الوقت كان مسافراً ولم يأت إلا بعد أربعة أشهر، ولما رجع أخبرته والدتي بما حدث فلم ينزعج من ذلك الأمر، فهل -يا فضيلة الشيخ- هذه الطفلة أخت لنا وبنت لوالدتي؟ أرجو الإفادة جزاك الله عني ألف خير.


                        الجواب
                        إذا رضع الطفل أو الطفلة من امرأة خمس رضعات متفرقات صار ولداً لها، سواء شبع من كل رضعة أم لم يشبع، وسواء أذن الزوج بذلك أو لم يأذن، فإذا رضع الطفل من امرأة في الصباح، وبعد مضي ساعتين رضع، وبعد مضي ساعتين رضع، وبعد مضي ساعتين رضع، وبعد مضي ساعتين رضع، كم رضع الآن؟ خمساً، فصار ولداً لها، وصار أخاً لجميع أولادها الذين سبقوه في الرضاع والذين لحقوه، وأما قول العوام: أنه لا يكون أخاً لمن دونه فهذا غلط، هو أخ لجميع أولاد المرضعة وأخ لجميع أولاد زوجها.
                        فإذا قدرنا أن المرضعة لها أولاد من زوج سابق أيكونون إخوة له؟ نعم، لكنهم إخوة له من الأم.
                        وإذا كان لزوج المرضعة أولاد من غيرها أيكونون إخوة له؟ نعم، يكونون إخوة له لكن إخوة من الأب.
                        للمرضعة أولاد من زوجها الذي أرضعت الطفل وهي في عصمته يكونون أخوة له؟ أي: هذا طفل رضع من امرأة ولها أولاد من زوجها الذي رضع وهي في عصمته هو أخ لهم من أين؟ من الأم والأب، إذاً صار الرضاع يمكن أن يكون للإنسان به أخ شقيق وأخ من أب وأخ من أم.

                        (45/16)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        خطورة استرسال المرأة في الكلام مع الأجانب


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ! بعض النساء تسترسل في الكلام مع البائع بكلام لا داعي له، فما حكم ذلك؟

                        الجواب
                        لا يحل للمرأة أن تسترسل في الكلام مع رجل ليس محرماً لها؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفتنة، وقد قال الله تبارك وتعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً} [الأحزاب:32] تخاطب البائع بقدر الحاجة، ولا تزيد على هذا؛ لأن (الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) وكم من امرأة تقول إنها بعيدة عن الفتنة ولكن لا يزال بها الشيطان حتى يفتنها، ربما إذا انصرفت من الرجل الذي تحدثت معه حديثاً أكثر مما تحتاج إليه ربما إذا انصرفت أدخل الشيطان عليها الهواجس حتى ترجع إلى الرجل الأول، ويكون أول الكلام شرارة وآخره سعيراً والعياذ بالله.
                        فعلى النساء أن يتقين الله، وألا يخضعن بالقول، وألا يكثرن الكلام إلا لحاجة، ومن ذلك -وهو بلاء مبين، بل بلاء عظيم- ما يحدث عن طريق الهاتف، فإن كثيراً من السفهاء يتصلون على أي رقم، فتخاطبه امرأة فيلقي إليها القول المعسول، ويستجرها مرة بعد أخرى، ثم إنه يسجل ما يجري بينه وبينها من الكلام، هذه المشكلة، يعني: لن يدعها، سوف يضع عليها شبكة ما تتحرك معها، يسجل ما يدور بينه وبينها من الكلام، ثم إذا أراد الأمر الفظيع قال لها: إما أن تفعلي وإما فاسمعي إلى صوتك.
                        أعطيه والدك أو أخاك أو غيره لهذا لتحذر النساء من الاستمرار في مكالمة الرجال فإنه خطر، خطر عظيم، نسأل الله السلامة من الفتن.

                        (45/17)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        زيادة الثقوب في آذان النساء


                        السؤال
                        سائلة تقول: فضيلة الشيخ! ما حكم خرق الأذن من أجل وضع الذهب أكثر من خرق، لكي تجعل فيها أكثر من قرط في أذن واحدة؟

                        الجواب
                        أخشى أن يكون هذا من الإسراف، بأن تضع المرأة على آذانها أكثر مما جرت به العادة، وقد قال الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31] فإذا كانت العادة جارية بأن المرأة تثقب ثقبين في الأذن الواحدة فلا بأس، لكن إذا لم تكن العادة جارية فهو من الإسراف المذموم، ويخشى أن النساء تتجارى في ذلك وتتباهى، ففي هذا العام تثقب ثقبين، وفي العام الثاني ثلاثة وأربعة حتى تخرق الأذن كلها وهذا ليس ببعيد، النساء يقتدي بعضهن ببعض.

                        (45/18)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        زكاة العين وزكاة الدَّين


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ! قمت بإقراض شخص لعمل محل تجاري، فلما حال عليه الحول سألته: هل قمت بالزكاة عنه؟ فقال: إن الحكومة ممثلة بمصلحة الزكاة والدفع تأخذ الزكاة من أصحاب المحلات في كل ثلاث سنوات، السؤال يا فضيلة الشيخ: هل أخرج زكاة هذا المال أم أن ما يدفعه لمصلحة الزكاة والدفع يعتبر كافياً؟

                        الجواب
                        الرجل أقرض شخصاً دراهم لفتح محل، زكاة المحل ليست على المقرض، المقرض ما له دخل فيها، المطالبَ بزكاة المحل هو الذي فتح المحل، فعليه زكاته، أما بالنسبة للمقرض فعليه زكاة الدين، ولهذا نقول: صاحب الدكان يزكي ما عنده زكاة عين، والمقرض يزكي ما في ذمة صاحب الدكان زكاة دين، ولا يقال: إن هذا مال وجبت فيه الزكاة مرتين أبداً، زكاة المقرض من أجل الدين، ولهذا لو قدر الله على هذا المتجر وتلف كله هل يسقط الدين عن ذمة صاحب الدكان؟ لا يسقط، وقول بعض الناس: إن هذا القول يستلزم أن يكون في المال الواحد زكاتان غلط، يقال: زكاة التاجر في عين ماله، وزكاة المقرض في الدين، فافترقت الجهة، ولما افترقت الجهة لم تكن الزكاة واردة على شيء معين واحد.
                        فنقول للمقرض: أنت زك ما في ذمة الرجل كل سنة، والحكومة سوف تأخذ من هذا المال -مال الرجل- كل سنة.

                        (45/19)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        جواز زواج المرأة السليمة برجل أخرس


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ! لي قريب قد زوج أخته من رجل أخرس وهي سليمة من الخرس وعائلتها كذلك، وهذا الزوج يصلي ولا نتهمه بشيء في دينه، ولكني قد غضبت لذلك وقلت: إن هذا ليس من الكفاءة والعائلة سليمة من ذلك، فيأتي الشيطان إلي فيقول: أنت على حق فيزيد من غضبي.
                        فهل هذا يؤثر على ديني؟ علماً أن الزوجة الآن حامل، ولكني أنا كل يوم يزداد غضبي وربما شتمت ولعنت بسبب هذا الزواج، أرجو من فضيلة الشيخ توجيهي وإزالة ما في قلبي من احتراق وغضب.


                        الجواب
                        أقول لهذا الأخ: عليك أن تتوب إلى الله، وتستغفر الله عز وجل، ولا تكون بين الرجل وزوجته، الرجل لم يتزوج من المرأة إلا بعد أن أخذ أذنها ورضيت به و {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [الحديد:21] والذي جعل هذا أخرس والزوجة ناطقة هو الله عز وجل، ولا تتشاءم فإنه ربما يكون أولاد هذه المرأة من أفصح الناس وأشد الناس انطلاقاً في الكلام، فعليك أن تتوب إلى الله عز وجل مما يقع منك من شتم وغضب ولوم على ما جرى، وأن تسأل الله السلامة لأولاد هذه المرأة، ومن أحسن الظن بالله فإنه على خير.

                        (45/20)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        العمل إذا اختلط مال الرجل بوديعة عنده


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ! ما قولكم وفقكم الله فيمن اختلط ماله بمال قد أودعه شخص عنده بغير قصد منه، فما الذي تبرأ به ذمته؟

                        الجواب
                        إذا كان المال دراهم فلا إشكال في ذلك، فيعطي صاحب المال قدر الدراهم التي خلطها، والدراهم لا تختلف، لكن إذا كان غير دراهم مثل أن يخلط كيس أرز لشخص مع كيس رز عنده فهذا هو المشكل، في هذه الحال إذا كانت أصواع الكيس الذي لغيره معلومة وأصواع كيسه معلومة -أيضاً- لا إشكال إذا كان الأرز من جنس واحد، ومن نوع واحد، ومن وصف واحد، أي: كلا الكيسين في النوعية واحد، وفي الجودة والرداءة واحد فهذا -أيضاً- سهل، يقسم هذا، ويعطى هذا حقه وهذا حقه.
                        وإذا أشكلت الأمور فالخطب سهل: يجتمعان ويتصالحان، ويحلل أحدهما الآخر: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى:40] .

                        (45/21)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        طريقة تطهير السجاد من بول الأطفال


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ! إذا بال الطفل على السجاد فما الطريقة لتطهيره، وما مقدار الماء الذي يكفي لغسله؟

                        الجواب
                        الطفل إما أن يكون ذكراً وإما أن يكون أنثى، فإن كان ذكراً صغيراً يتغذى باللبن فأمره سهل؛ لأن طهارة الغلام الذي لا يأكل الطعام وإنما يتغذى باللبن أن يصب عليه ماء فقط بدون عصر وبدون فرك، ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتي بصبي صغير لم يأكل الطعام فوضعه في حجره فبال عليه -أي: الصبي- فدعا بماء فأتبعه إياه.
                        أما إذا كان الصبي كبيراً يتغذى بالطعام، أو كان بول امرأة ولو صغيرة فإنه أولاً ينزع البول بالسفنج أو شبهه، ثم يصب عليه ماء ويدلك، ثم ينزع الماء، ثم يصب ماء ويدلك وينزع، ثم يصب الثالثة ويكفي.

                        (45/22)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        نصيحة حول موضوع الانتكاس


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ! ظاهرة نسأل الله تعالى ألا تكون كثيرة لكن نود علاجها من قبلكم قبل انتشارها وهي: ظاهرة الانتكاس بعد الالتزام، كان شاب مع الشباب وربما حفظ شيئاً من القرآن وحضر شيئاً من دروس العلم، ولكنه -والعياذ بالله- تغيرت حاله سواءً مع زملائه السابقين أو مع أهله أو في مسجد حيه، فما نصيحتك له ولأمثاله؟ وما واجب من يعلم بحاله؟

                        الجواب
                        أولاً: أرى أن هذا من التشاؤم، أعني القول: بأن الانتكاس كثير أو كثر أو ما أشبه ذلك، وأرى أن شباباً كثيراً -والحمد لله- بدءوا يلتزمون، والذين انتكسوا كان في نفوسهم شيء قبل الانتكاس ولكن لم يتحقق فلذلك انتكسوا، ولكنهم قلة -ولله الحمد- وأكثر الشباب على الاستقامة.
                        ولا شك أن الانتكاسة لها أسباب، ومن أكبر أسبابها ما يوجد في القنوات الفضائية التي نسأل الله تبارك وتعالى في هذا المكان أن يسلط الحكومة على القضاء عليها حتى تأمن، وحتى تستقر، لأننا لا نرى شيئاً أعظم في الاستقرار من تعظيم الله عز وجل، والبعد عن محارمه، وأن الناس إذا ضبطوا على الشرع فهذا هو الأمن، والذي لا يعطي الأمان إلا الخوف من السلطان أمنه ضعيف، وسينتهز الفرصة، لكن إذا كان أمنه عن إيمان فهذا هو الذي يبقى، وهذه القنوات الفضائية لا شك أنها تسلب الإيمان، وتسلب الأخلاق، وفيها من البلاء ما تتقطع منه الأكباد، وتتوجع منه القلوب، فيه أشياء نسمع عنها، ولا البهائم تفعلها والعياذ بالله، مسابقات على الخنا، وعلى الدعارة، وعلى السفالة، أشياء يشيب منها الرأس، تجعل الولدان شيباً، إذا شاهد الشباب مثل هذا فإنه قد لا يلحقهم لوم إذا انتكسوا والعياذ بالله، ولكن لا عذر لهم -الشباب- لأن الواجب على الشباب أن يقاطعوها، وألا يجلسوا أليها، وألا يتحدثوا بها، هذا الواجب، لكن مع ذلك نحن نسأل الله عز وجل أن يسلط الحكومة على هذه الدشوش وتمنعها منعاً باتاً، وما ذلك على الله بعزيز، وهم -إن شاء الله تعالى- قادرون على ذلك، ونرجو أن يكونوا فاعلين.

                        (45/23)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حكم لبس ما عليه إشارة إلى حرام


                        السؤال
                        سائلة تقول: فضيلة الشيخ! ما حكم لبس الأقمشة التي عليها رسومات تدل على الأنغام والموسيقى؛ هل يجوز لبسها والصلاة فيها؟

                        الجواب
                        كل لباس عليه إشارة لما هو حرام فلبسه حرام، اللباس الذي فيه الصور حرام، الذي فيه صورة المعازف وآلات اللهو حرام، الذي فيه الدعوة للدعارة حرام؛ لأنه يوجد -كما نسمع- فنايل مكتوب عليها عبارات سيئة للغاية هذه -أيضاً- حرام لا يجوز لبسها، التي عليها صور آدميين حرام لا سيما إن كانت صور كفار أو أصحاب مجون فإنه يزداد تحريمها، لو أننا نحن الشعب تواصينا بمقاطعة هذه ما بقي لها رواج بيننا، لكن -مع الأسف- أن بعضنا يدفع بعضاً دون أن يتأمل ودون أن يتفكر.

                        (45/24)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حكم من صلى الظهر يوم الجمعة ركعتين لسنوات طويلة


                        السؤال
                        رجل يقول: إن أمي تصلي يوم الجمعة صلاة الظهر ركعتين في المنزل، ولم تعلم أنه يجب عليها الصلاة أربع ركعات إلا الأسبوع الماضي، فماذا يلزمها في الماضي والمستقبل؟

                        الجواب
                        هذه مشكلة، هي على كل حال الجواب: إذا كانت امرأة جاهلة جهلاً مطبقاً لا تدري بشيء فأرجو ألا تلزمها الإعادة، وأما إذا كانت مقصرة مفرطة في السؤال فإنه يلزمها أن تعيد جميع الصلوات التي اقتصرت فيها على ركعتين، فيلزمها في السنة خمسة وخمسون صلاة أو قريباً من هذا في كل سنة، وهذا يسير إن شاء الله وليس بصعب، يعني: ممكن أن تصلي في الشهر عشراً، خمس عشرة وهلم جرا حتى ينتهي.
                        أما إذا كانت جاهلة جهلاً مطبقاً ما تدري بشيء فهذه لا شيء عليها؛ لأن الجهل عذر عفا الله عنه في قوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] .

                        (45/25)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حكم الأخذ من مال الأب إذا اكتسبه من حرام


                        السؤال
                        سؤالي يا فضيلة الشيخ: أن أبي -غفر الله له- يعمل في بنك ربوي، فما حكم أخذنا من ماله وأكلنا وشربنا من ماله؟ غير أن لنا دخلاً آخر وهو من طريق أختي الكبيرة فهي تعمل، فهل نترك نفقة أبي ونأخذ نفقتنا من أختي الكبيرة مع أننا عائلة كبيرة، أم أنه ليس على أختي النفقة علينا فنأخذ النفقة من أبي؟ أفتنا جزاك الله خيراً وحفظك.


                        الجواب
                        أقول: خذوا النفقة من أبيكم، لكم الهناء وعليه العناء لأنكم تأخذون المال من أبيكم بحق؛ إذ هو عنده مال وليس عندكم مال، فأنتم تأخذونه بحق، وإن كان عناؤه وغرمه وإثمه على أبيكم فلا يهمكم، فها هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل الهدية من اليهود، وأكل طعام اليهود، واشترى من اليهود، مع أن اليهود معروفون بالربا وأكل السحت، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام يأكل بطريق مباح، فإذا ملك بطريق مباح فلا بأس.
                        أنظر مثلاً بريرة مولاة عائشة رضي الله عنهما، تصدق بلحم عليها، فدخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوماً إلى بيته ووجد البُرمة -القدر- على النار، فدعا بطعام ولم يؤت بلحم، أتي بطعام ولكن ما فيه لحم، فقال: ألم أر البرمة على النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ولكنه لحم تصدق به على بريرة.
                        والرسول عليه الصلاة والسلام لا يأكل الصدقة، فقال: (هو لها صدقة ولنا هدية) فأكله الرسول عليه الصلاة والسلام مع أنه يحرم عليه هو أن يأكل الصدقة؛ لأنه لم يقبضه على أنه صدقة بل قبضه على أنه هدية.
                        فهؤلاء الإخوة نقول: كلوا من مال أبيكم هنيئاً مريئاً، وهو على أبيكم إثم ووبال، إلا أن يهديه الله عز وجل ويتوب، فمن تاب تاب الله عليه.

                        (45/26)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حكم تغيير النية أثناء الصلاة


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ! ما حكم تحويل النية في أثناء الصلاة، مثلاً: نسيت صلاة الظهر فحضرت صلاة العصر فدخلت في صلاة العصر على أنها العصر، ثم في الركعة الثالثة تذكرت أنني لم أصل الظهر فغيرت النية، فما الذي علي؟

                        الجواب
                        الآن أسألكم: لما غير النية -نية العصر إلى ظهر- أبطل العصر أم لا؟ أبطلها.
                        إذاً بطلت العصر، ولما نواها ظهراً هل صحت نيته وهو لم ينوها من أولها؟ إذاً بطلت الصلاتان، فعليه أن يعيد الظهر وأن يعيد العصر، ومثل هذه الحال أي: لو كان على إنسان صلاة ظهر ودخل في العصر ناسياً، وفي أثناء الصلاة ذكر نقول: استمر في صلاتك على أنها العصر، وإذا انتهيت فصل الظهر، وتعذر في الترتيب هنا لأنك ناس، وقد قال الله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] .
                        أما لو شرعت في نافلة ثم ذكرت أن عليك فريضة فاقطع النافلة وادخل في الفريضة من أولها.

                        (45/27)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        الخادمة ليست ملكاً لصاحب البيت


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ! أرجو من فضيلتكم الإجابة، سؤالي يقول: بعض الناس يرى أن المستخدمات اللاتي في البيوت تكون مملوكة لصاحب البيت والله يقول: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:36] فأرجو الإجابة والسماح لي إذا كان في سؤالي خطأ.


                        الجواب
                        هذا الاعتقاد غير صحيح، يعني: اعتقاد أن الخادم مملوكة خطأ عظيم، الخادم ليست مملوكة بل حرة، ولا يحل للإنسان أن ينظر إلى وجهها أو يحادثها بغير حاجة، لأنها أجنبية منه، لكن هنا طريق سهل: إذا كانت الخادم شابة وليس لها زوج فليتزوجها صاحب البيت حتى يكون عند زوجته الأولى زوجة أخرى تساعدها في حقوق الزوج، وتساعدها -أيضاً- في شئون المنزل، هذا أحسن، وحينئذ تكون هذه الخادمة حلالاً له عن طريق النكاح.

                        (45/28)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        شبهة في صيام عاشوراء


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ! أمر أشكل عليَّ وهو أن من الناس من يقول: إن يوم عاشوراء غير ثابت، فاليهود والنصارى يؤرخون بالتاريخ الميلادي، وتعلمون يا فضيلة الشيخ أن هناك فرقاً بين التاريخين عشرة أيام، فعلى تفكيرهم وقولهم هذا لا بد من تأخير عاشوراء في كل سنة عشرة أيام نرجو التفصيل في كلا الحالين.


                        الجواب
                        إن كان جنون فهذا جنون، هل نحن مطالبون إلا بعاشر من محرم؟ مطالبون بعاشر محرم، كيف الاختلاف؟ يعني: هذه السنة نصوم عشرة، والسنة الثانية عشرين، والثالثة ثلاثين، والرابعة عاشر من صفر وهلم جرا هل هناك أحد يقول هذا؟! أقول: إن عاشوراء معلوم، ما فيه إشاكلٌ، لكن الإشكال: هل هلَّ هلال محرم في ثلاثين من ذي الحجة أو في ليلة واحد وثلاثين؟ هذا الذي يقع الإشكال فيه، فماذا نعمل إذا شككنا أن هلال محرم ليلة الثلاثين من ذي الحجة فيكون شهر ذي الحجة ناقصاً، أو نقول: هلَّ في الحادي والثلاثين فيكون تاماً؟ الطريق بين -والحمد لله-: إن رأيناه ليلة الثلاثين اعتبرنا ذا الحجة ناقصاً، وإن لم نره فالواجب إكمال ذي الحجة ثلاثين، ولذلك الآن هذه السنة التقويم جعل ذا الحجة تسعاً وعشرين، وأدخل المحرم في الأربعاء، فعلى هذا التقدير يكون الخميس هو التاسع والجمعة هي العاشر، لكن حسب الرؤية وحسب الشرع لم يدخل شهر محرم إلا في الخميس، فيكون التاسع يوم الجمعة والعاشر يوم السبت.

                        (45/29)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        صيام ثلاثة أيام بدل أيام البيض


                        السؤال
                        شخص لم يصم الثلاث البيض، فهل يكفيه عنها أن يصوم ثلاثاً أخرى فيما تبقى من الشهر؟

                        الجواب
                        إذا كان ممن يعتادون صيام ثلاثة أيام من كل شهر كفته هذه الثلاثة عن الأيام التي كان يعتاد صيامها.

                        (45/30)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        حالة لا يقع فيها الطلاق


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ! حصل بين أبي وأمي طلاق بسبب من الأسباب قال أبي لوالدتي: أنت طالق إذا خرجت من البيت.
                        وهي لم تسمعه فخرجت، فحصل الطلاق، وكانت هذه هي الثالثة، فما رأي فضيلتكم وفقك الله وسددك؟

                        الجواب
                        رأيي أنه لا طلاق، أولاً: إن المرأة لم تسمع فلم يحصل منها عصيان.
                        ثانياً: إن الغالب لمن يقول مثل هذا القول: أنه لم يرد طلاق امرأته وإنما أراد تحذيرها من الخروج، فإذا قدر أنها خرجت عمداً فعليه كفارة يمين.

                        (45/31)


                        --------------------------------------------------------------------------------

                        الطريقة الصحيحة للدعوة


                        السؤال
                        فضيلة الشيخ! ما هي الطريقة الصحيحة في الدعوة إلى الله تعالى؟ وكيف نرقق قلوب الناس؟

                        الجواب
                        الدعوة الصحيحة ما ذكرها الله عز وجل لرسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] وعليك بالرفق فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، وقد أوصى الله تبارك وتعالى موسى وهارون أن يقولا لأعتى عباد الله قولاً ليناً، فعليك باللين واترك العنف، واصبر على ما يصيبك من أخيك إذا لم تجد منه قبولاً سريعاً، ولا تيأس، وكرر، فربما تحصل الهداية في عاشر مرة أو أكثر.
                        وفق الله الجميع لما فيه الخير.

                        (45/32)


                        --------------------------------------------------------------------------------
                        وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                        وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                        حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                        https://www.musacentral.com/

                        تعليق


                        • #87
                          اللقاء الشهري

                          اللقاء الشهري [46]
                          النكاح مطلب فطري وشرعي، وهو من سنن المرسلين، وله في الشريعة أحكام مفصلة.
                          ولذلك ورد الكلام عنه، وعن عوائقه المعاصرة، وعن الأحكام المترتبة عليه، كعلاقة هامة وارتباط له منظوره الخاص في الإسلام.
                          وإضافة إلى ذلك تضمنت فقرة الأسئلة حلولاً لبعض الإشكالات فيما يتعلق بهذا الموضوع، وبعض أحكام المرأة، وضوابط التعامل بين الرجال والنساء.

                          (46/1)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          مشروعية النكاح وموانعه
                          الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
                          أما بعد: فإنه بمناسبة حلول الإجازة الصيفية وكثرة عقود النكاح فيها أحببت أن يكون موضوع هذا اللقاء الحديث عن النكاح وما يتعلق به.
                          فأقول أولاً: النكاح مرغوب إلى الإنسان بمقتضى الفطرة والطبيعة، وجعله الله تعالى مرغوباً للإنسان بمقتضى فطرته وطبيعته من أجل أن يبقى النسل الإنساني، لأنه لولا هذه الفطرة والطبيعة التي تحدو الإنسان إلى النكاح ما كان ليبدي الإنسان عورته أمام امرأة كانت أجنبيةً منه، وما كان ليمارس هذا الفعل، لكن الله تعالى ركب في الإنسان طبيعة فطرية تحدوه إلى هذا النكاح.
                          وهو مع ذلك -أيضاً- هو من سنن المرسلين، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تزوج وقال: (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) ولما أراد بعض الصحابة أن يدع النكاح تعبداً لله عز وجل بتركه، خطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنكر ذلك، قال: (أما أنا فأتزوج النساء، وأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، ومن رغب عن سنتي فليس مني) فتبرأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ممن ترك النكاح تعففاً ورهبانية، وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني) .
                          ولهذا أجمع العلماء على أن النكاح مشروع، وأنه عبادة، ولكن اختلفوا: هل يجب على الإنسان القادر للشهوة؟ على قولين، والصحيح: أنه يجب على الشاب - ذي الشهوة إذا كان قادراً - أن يتزوج، ويحرم عليه أن يؤخره من أجل الدراسة أو التجارة أو غير ذلك، ما دام عنده شهوة وقادر يجب أن يتزوج، دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة -يعني النكاح- فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الشباب القادرين على النكاح أن يتزوجوا، وبين الفائدة العظيمة منه وهو أنه أغض للبصر وأحصن للفرج، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هاتين الفائدتين مع أن فيه فوائد كثيرة لأن هاتين الفائدتين أسرع ما يكون إلى الإنسان، بمجرد ما يتزوج الإنسان يكف بصره عن النساء، ويحصن فرجه، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، يصوم؛ لأن الصوم عبادة وهو في نهاره صائم، كاف، غافل عما يتعلق بالنساء، وفي ليله نائم.
                          ثم إن الصيام يضعف مجاري الدم، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا ضعفت المجاري ضعفت مسالك الشيطان وصار ذلك أقرب إلى السلامة، ولكن إذا لم يستطع الصوم، كشاب لا يستطيع النكاح ولا يستطيع الصوم ماذا يفعل؟ يفعل ما أمر الله به بقوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33] يستعف، يتصبر فإن من يتصبر يصبره الله عز وجل، وإذا كان الإنسان متعففاً كافاً عما حرم الله فإنه يدخل في قول الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} [الطلاق:4] .

                          (46/2)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          غلاء المهور من موانع النكاح
                          لكن لإدراك هذه المسألة -أعني: النكاح- في وقتنا الحاضر موانع منها: صعوبة المهور فإن المهر كثير وكثير، ربما يبقى الشاب زمناً طويلاً لا يحصل المهر فضلاً عن النفقات التي تأتي بعد النكاح، وهذا خلاف السنة، السنة في المهر أن يخفف ويقلل، حتى جاء في الحديث: (أعظم النساء بركة أيسره مئونة) ولقد زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلاً على نعلين، وقال لرجل آخر: (التمس ولو خاتماً من حديد) فما بالنا الآن نتحكم في النساء فلا نزوجهن إلا من كان أكثر صداقاً؟ هذا غلط، الذي ينبغي أن ييسر الإنسان المهر ويسهله فإن هذا هو السنة، وهو -أيضاً- أقرب أن يؤدم بين الرجل وبين المرأة -يعني: يجمع بينهما- كيف ذلك؟ الرجل إذا كان المهر كثيراً وربما استدان أكثره أو كله، ثم تزوج المرأة، فمن المعلوم أنه سيبقى هذا الدين في خياله، يقض مضجعه، ويكسوه الهم، فربما لا يسعد سعادة تامة مع زوجته لماذا؟ لأنه خسر عليها كثيراً.
                          ثم إذا لم يقدر الله التلاؤم بينهما وساءت العشرة، إذا كان المهر قليلاً هل يسهل عليه أن يطلقها؟ نعم يسهل عليه ويستريح وتستريح هي - أيضاً - لكن إذا كان كثيراً لا يمكن أن يطلقها حتى يتعبها تعباً كثيراً.
                          ثم إذا قال: أنا أطلقها لكن أعطوني ما أنفقت عليها.
                          من أين يحصلون ذلك؟ قد لا يدركون هذا فيحصل بهذا شر كثير، حياة زوجية لكنها حياة شقاء، وكله بسبب تكثير المهر.

                          (46/3)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          حكم الامتناع عن تزويج البنات طمعاً في رواتبهن
                          كذلك -أيضاً- من الموانع: أن بعض الناس الذين لا يخشون الله ولا يرحمون عباد الله، ولا يؤدون الأمانة إذا كان لهم بنات، وكانت هذه البنات لها راتب من الحكومة بتدريس أو عمل فإنك تجده يحتكر المرأة ولا يزوجها لأنه يريد أن يسيطر على ما عندها من المال، وهذا لا شك خيانة ومعصية للرسول عليه الصلاة والسلام، أما كونه خيانة فلأن الرجل احتكرها لمصلحة نفسه وهو ولي عليها يجب أن يختار لها ما هو أصلح، وكم من فتيات تأن أنين المريض من أجل أن أباها لم يزوجها، يريد أن يأخذ لعاعة من العيش ولا شك أن هذا خطأ عظيم، وأن الرجل سوف يحاسب على بنته يوم القيامة حيث أضاع الأمانة ومنع حقها.
                          ونحن نقول لهذا الرجل: أرأيت لو كنت تشتهي أن تتزوج ومنعك مانع من ذلك، أما ترى أنه قد اعتدى عليك وظلمك؟

                          الجواب
                          بلى، يرى أنه اعتدى عليه وظلمه، فإذا كان يرى أن من منعه من النكاح مع شدة رغبته فيه قد اعتدى عليه وظلمه؛ فكيف يمنع هذه المسكينة من أجل مصلحة نفسه؟! والعجب أن هذا مبني على ظلم وعلى جهل، أما الظلم فواضح: يمنعها حقها من الزواج، وأما الجهل: فلأن الإنسان إذا زوج بنته ولها مال هل يمنع من الأخذ من مالها لأنه زوجها أم يجوز أن يتملك من مالها ما لا يضرها؟ الجواب: الثاني، لأنه حتى لو تزوجت المرأة -بنتك مثلاً- وعندها مال فلك أن تأخذ من مالها ما شئت ما لم يضرها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (أنت ومالك لأبيك) فتزويجها لا يمنع أن تأخذ من راتبها شيئاً؛ لأنه أبوها، وإذا كان أباها فله أن يأخذ من مالها ما لا يضرها، لكن هذا من الجهل.

                          (46/4)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          احتكار البنات لتزويجهن من الأقارب
                          كذلك يمنع من النكاح ما يفعله بعض الجهال من احتكار بناته لأبناء أخيه، فيحتكر بناته ليزوجها أبناء أخيه، ويصرح بذلك، تقول الفتاة خطبها فلان صاحب دين وخلق ومال ونسب، قد توفرت فيه الشروط فيقول: لا، أنت لابن عمك سبحان الله! من ملك الأحرار بعد أن كانوا أحراراً؟! وهو إذا منعها أن تتزوج الكفء وأجبرها على أن تتزوج ابن عمها فهذا النكاح نكاح فاسد، المرأة لا تحل لزوجها به، وزوجها يطؤها على أنها فرج حرام والعياذ بالله، فيكون هذا الرجل قد مكن ابنته أن يجامعها رجل ليس زوجاً لها والعياذ بالله؛ وذلك لأن من شرط النكاح رضا المرأة كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (البكر تستأذن، والثيب تستأمر) وقال - أيضاً -: (البكر يستأمرها أبوها) فنص على البكر ونص على الأب فكيف تزوجها من لا تريد وهي غير راضية؟! وسبحان الله! لو أن الإنسان باع من مال ابنته ما يساوي درهماً واحداً بدون رضاها هل بيعه صحيح أم غير صحيح؟ البيع غير صحيح، لو أن الرجل باع من مال ابنته ما يساوي درهماً واحداً دون أن يتملكه فإن البيع غير صحيح، فكيف يبيع حياة هذه المرأة بدون رضاها؟ هذا لا تأتي بمثل الشريعة، ولذلك أرى أن هؤلاء الذين يمنعون بناتهم من النكاح إلا ببني أعمامهن أرى أنه ظالم، وأنه معتد، وللبنت أن ترفع الأمر إلى المحكمة ونقول لهذا الرجل: ليس لك ولاية.
                          أهل العلم يقولون: الرجل إذا منع المرأة أن يزوجها كفئاً رضيته فإن الولاية تنتقل إلى من بعده وتسقط ولايته، قالوا: وإذا تكرر ذلك منه صار فاسقاً، والفاسق ضد العدل، يعني: لو أن هذا الرجل خطبت منه ابنته؛ خطبها رجال أكفاء في الدين والخلق، وهي ترضاهم وقال: لا.
                          وخطبها آخر وقال: لا.
                          وخطبها آخر وقال: لا.
                          صار هذا الرجل فاسقاً لا يتولى شيئاً من أمور المسلمين، إن أذن لم يصح أذانه، وإن صلى إماماً بالناس لم تصح إمامته، وإن شهد فشهادته مردودة، وإن أراد أن يتولى على أحد لم يمكن من ذلك لماذا؟ لأنه فاسق، حتى شهادته لا تقبل لأن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6] أي: لا تقبلوه، وتثبتوا المسألة خطيرة.
                          وهذا الذي قررته الآن -أن الفاسق لا ولاية له ولا إمامة له ولا أذان له ولا شهادة له- هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، والمسألة فيها خلاف لكني أقول: المسألة عظيمة جداً، وهؤلاء الظلمة الذين يمنعون بناتهم أن يزوجوهن من أكفاء رضيته المرأة هؤلاء سوف يلقون جزاءهم عند الله يوم القيامة.
                          ولقد حكى لي بعض الناس عن امرأة كان أبوها يمنعها، وكل من يأتيه يخطبها يقول: صغيرة، فايتة، مخطوبة وما أشبه ذلك.
                          المرأة أصيبت بمرض، الله أعلم هل هو من أسباب منعها من النكاح أم لغير ذلك، المهم أنها أصيبت، لما حضرتها الوفاة كان عندها أمها ونساء أخريات قالت: بلغوا أبي أنني لم أحلله، وهو مني في حرج، وبيني وبينه يوم القيامة.
                          أمر خطير! لكن بعض الناس - نسأل الله العافية - قلبه حجر أو أشد من الحجارة، أناني، لا يراعي شعور غيره، ولا يبالي بغيره، وهو إذا زوج ابنته خرج من الظلم، وأدى الأمانة، وربما يحصل منها أولاد يدعون له حياً وميتاً، وكم من أولاد من البنات كانوا خيراً من أولاد البنين فلماذا يمنعها؟!!

                          (46/5)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          الإسراف في الولائم من موانع النكاح
                          ومن الموانع أيضاً: الإسراف في الولائم.
                          الوليمة: هي ما يصنعه الزوج عند الدخول أو بعد الدخول إظهاراً للفرح والسرور، ولكن ليست بهذا الوضع الذي نشاهده الآن، حيث تجد الإنسان يخسر على الوليمة عشرة آلاف، ثمانية آلاف، أربعة آلاف لماذا؟ وربما يخسرون أكثر من هذا، ربما عشرين ألفاً، ثلاثين ألفاً، أربعين ألفاً، وهذا لا شك أنه من الإسراف، ومن الخطأ العظيم، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ عبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة) شاة واحدة، وهو من أغنياء الصحابة رضي الله عنه، ولهذا قال الفقهاء: تسن الوليمة بشاة فأقل.
                          الآن كم يذبحون من الشياة؟ عشراً أو أكثر مع أن الناس الآن ليسوا في حاجة - والحمد لله - فكلهم أغنياء، ولولا أن الإنسان يتقي الله في حضور الولائم إذا دعي إليها، ولولا أنه يخجل من رد الداعي ما ذهب الإنسان إلى الدعوة، يجد في بيته من الطعام ما هو أشهى له وأنفع له من هذه الولائم.
                          فهم في الحقيقة يسرفون، تجده يطبع كروتاً للدعوة، الكرت يكلف ريالاً ونصف أو خمسة ريالات أو عشرة ريالات، مع أن الكرت إذا أعطي شخصاً يرمي به في الأرض ولا ينتفع به، والعجب أنهم لا يكتفون ببطاقة دعوة بأن يكتب مثلاً الدعوة في ورقة ويصور منها ما شاء، ولا تحتمل إلا عشرين ريال أو ما أشبه ذلك.
                          المهم يا إخواني أن النكاح الآن له عقبات كثيرة مع أنه سنة، ويترتب عليه أحكام شرعية عظيمة، حتى إن الله تبارك وتعالى جعله قسيماً للنسب - يعني: للقرابة - بنو آدم الرابطة بينهم القرابة والمصاهرة، قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} [الفرقان:54] نسباً أي: قرابة، وصهراً أي: قرابة بالنكاح، تجد هؤلاء القوم ليس بينهم وبين الآخرين صلة، فإذا تزوج منهم صاروا كأنهم أقارب {خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} [الفرقان:54] .
                          ومن ثم أكثر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من النساء حتى مات عن تسع من أجل أن يكون له في كل قبيلة صلة، ولهذا لم يتزوج الرسول عليه الصلاة والسلام إشباعاً لشهوته وغريزته، ولكن لأجل أن يكون له في كل قبيلة من قبائل العرب صلة، ولو كان رجلاً شهوانياً لكان يتزوج الأبكار، مع أنه لم يتزوج بكراً إلا واحدة فقط، وهي أم المؤمنين عائشة والباقي كلهن قد تزوجن من قبل، وبعضهن لهن أولاد وبنات.
                          فالحاصل يا إخواني: أن النكاح وشيجة وتقريب للناس بعضهم من بعض، وهذا من فوائد النكاح.

                          (46/6)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          بعض الأحكام المترتبة على النكاح

                          (46/7)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          المحرمات بسبب النكاح
                          مما يترتب على النكاح: أن الإنسان إذا تزوج امرأة حرمت عليه أمها وجداتها من قبل الأب أو من قبل الأم، فأم الزوجة كانت بالأمس يجب أن تحتجب عن الزوج، وبعد العقد لا تحتجب، فيسلم عليها، ويخلو بها، ويسافر بها، وتكون من محارمه.
                          أبو الزوج -إذا تزوج إنسان امرأة- صار أبو الزوج محرماً للزوجة، يخلو بها ويواجهها، ويسافر بها.
                          ابن الزوج -إذا تزوج رجل امرأة- صار ابنه محرماً لها، انظر كان من قبل رجلاً أجنبياً في السوق الآن صار محرماً لها، يأتي إليها في البيت، يخلو بها، يسافر بها، تكشف وجهها له.
                          بنت الزوجة -لو تزوج إنسان امرأة معها بنت- صارت بنتها إذا جامع أمها صار محرماً له هذا مما يترتب على عقد النكاح.

                          (46/8)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          توارث الزوجين
                          يترتب على عقد النكاح الميراث، مثل امرأة من تميم تزوجها رجل من قريش، وليس بينهما قرابة فإذا مات هذا الرجل وليس له أولاد فإنها تستحق من ماله الربع، وهي لو ماتت عنه وليس لها أولاد فإنه يأخذ النصف، انظر كيف الرابطة بين الزوجين.

                          (46/9)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          أحكام المهر
                          كذلك يترتب على النكاح أن الإنسان إذا طلق زوجته قبل الدخول وقد أصدقها عشرة آلاف كم تستحق من العشرة؟

                          الجواب
                          تستحق خمسة لقوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة:237] تستحق نصف المهر مع أنه ما دخل عليها، وإن دخل عليها وبقي عندها ساعة ثم خرج وطلقها كم تستحق من المهر؟ تستحق المهر كاملاً.
                          فإذا طلقها قبل الدخول، كرجل تزوج امرأة ثم قبل أن يدخل عليها ثم بدا له أن يطلقها، هل عليها عدة؟ ما عليها عدة، لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب:49] .
                          لو طلقها في الصباح قبل أن يدخل بها وقبل أن يخلو بها ثم جاء رجل في المساء وتزوجها يجوز أم لا يجوز؟ يجوز؛ لأنها لا عدة لها.
                          فإن مات عنها، كرجل عقد على امرأة ومات قبل أن يدخل بها، مثلاً: كان الدخول في شهر ربيع، وقد عقد له في شهر صفر ثم مات، هل عليها عدة؟ نعم.
                          عليها عدة، انظر الفرق بين الطلاق وبين الموت، إذا مات عنها قبل أن يدخل بها ويخلو بها وجبت عليها العدة، ولها الميراث، ولها المهر كله، فلو أصدقها عشرة آلاف ثم مات قبل أن يدخل بها فلها المهر كاملاً، وعليها العدة، ولها الميراث.

                          (46/10)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          أحكام في معاشرة الرجل لزوجته
                          النكاح يترتب عليه -أيضاً- أحكام في معاشرة الرجل لزوجته، إذا جامع الرجل زوجته بدون إنزال، هل عليهما غسل أم لا؟ يجب عليهما الغسل، وكثير من الناس -ولا سيما الشباب- يظنون أنه لا غسل بالجماع إلا إن أنزل، فيمضي على دخوله على امرأته عدة أشهر وربما عدة سنوات وهو لا يغتسل من الجماع إذا لم ينزل، وهذا غلط عظيم، إذا جامع الرجل امرأته وجب عليه الغسل سواء أنزل أم لم ينزل.
                          وإن أنزل بدون جماع فعليه الغسل، يعني: لو أن الرجل قبل زوجته فأنزل وجب عليه أن يغتسل، فإن جامع وأنزل فمن باب أولى يجب عليه الغسل؛ لذلك أرجو منكم أن تبثوا هذا في الناس: أن الرجل إذا جامع امرأته ولم ينزل فعليه وعليها الغسل، وإن أنزل من مباشرة فعليه الغسل، وهي إن أنزلت مثله وجب عليها الغسل وإلا فلا.

                          (46/11)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          شروط الطلاق
                          يترتب - أيضاً - على النكاح: أن الإنسان لا يخرج من النكاح إلا بشروط، ما هي الشروط؟ الشروط: إن كان قد دخل بالمرأة أو خلا بها فإنه لا يمكن أن يطلقها إلا وهي طاهر أو حامل، وأيضاً هي طاهر طهراً لم يجامعها فيه، أو حاملاً.
                          انتبه إلى هذه المسألة، يعني: رجل أراد أن يطلق امرأته وهي في حيض هل يجوز أن يطلقها وهي في حيض؟

                          الجواب
                          حرام، لا يجوز.
                          هل يجوز أن يطلقها وقد جامعها في هذا الطهر؟ لا، لا يجوز، بل ينتظر حتى تطهر من الحيض فيطلقها، أو إذا كان جامعها في الطهر ينتظر حتى تحيض وتطهر أو يتبين حملها، إلا إذا كانت المرأة ممن تعتد بالشهور فهذه يطلقها متى شاء، فمن التي تعتد بالشهور؟ الجواب: هي الصغيرة التي لم يأتها الحيض بعد، والكبيرة الآيسة التي انقطع عنها الحيض، هاتان المرأتان عدتهن ثلاثة أشهر؛ لأنه ليس عندهن حيض فيطلقهن متى شاء، حتى لو فرض أنه جامع امرأته وهي لا تحيض، ثم طلقها قبل أن يغتسل، فلا شيء عليه، بمعنى: أن الطلاق حلال وواقع لأن هذه المرأة عدتها بالشهور.
                          كذلك الحامل، الحامل يقع عليها الطلاق خلافاً لما يعرفه بعض الناس يقول: الحامل ما عليها طلاق هذا غير صحيح، بل الحامل يقع عليها الطلاق لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1] إلى قوله: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4] فالحامل يقع عليها الطلاق لكن عدتها وضع الحمل، لو فرض أنه طلقها الآن، ووضعت بعد نصف ساعة، انتهت العدة.
                          كما أن المرأة لو مات عنها زوجها وهي حامل ثم وضعت الحمل قبل أن يغسل الرجل انتهت عدتها أم لا؟ انتهت عدتها، وهذه مسألة غريبة، يمكن أن تكون لغزاً فيقال: امرأة جاز لها أن تتزوج بعد موت زوجها قبل أن يدفن أيمكن هذا أم لا يمكن؟ يمكن، يكون الزوج حينما مات وهي تطلق، وبعد موته بخمس دقائق وضعت، فتزوجها رجل آخر قبل أن يدفن زوجها الأول يجوز أم لا يجوز؟ يجوز؛ لأن العدة انتهت، قال الله تعالى: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4] .
                          امرأة مات عنها زوجها وبقي الحمل في بطنها سنتين متى تنتهي عدتها؟ تبقى حتى تضع، لو زادت على سنة أو سنتين، تبقى حتى تضع، وتبقى -أيضاً- محادة، يجب عليها أن تتجنب ما تتجنبه المحادة.

                          (46/12)


                          --------------------------------------------------------------------------------

                          نصائح عامة في التعامل مع النساء
                          والحاصل أن الأحكام كثيرة ويطول بنا الشرح، لكن أهم شيء أحب أن أنبه عليه: هو أنه يجب على الإنسان أن يتقي الله في زوجته، وأن يعاشرها معاشرة بالمعروف، وأن يعلم أنها ستكون خصمه يوم القيامة إذا فرط فيما يجب عليه لها، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في حجة الوداع وهو يخطب في الناس في أعظم مجمع قال: (اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) .
                          فيجب على الإنسان أن يكون خير الناس لأهله بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) .
                          وعليه أن يأخذ ما تسهل من أخلاقها ويتسامح في الباقي كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قال: (لا يفرك مؤمن مؤمنة -أي: لا يبغضها- إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر) فأشار إلى المعادلة، لا تكن كالمرأة إذا رأيت إساءة واحدة قلت: ما رأيت خيراً قط.
                          كن رجلاً، حازماً، صبوراً، خذ ما عفا من أخلاقها وتجاوز عما لا ينبغي، ولقد أشار الله تبارك وتعالى إلى هذه المسألة فقال: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء:19] لا تتعجل، اصبر، ربما تكرهها اليوم وتحبها غداً، ربما تسيء إليك اليوم وتحسن إليك غداً، اصبر.
                          ثم إننا في وقتنا الحاضر هل النساء يتيسرن بكل طريق؟ لا، فاضبط نفسك، وشدد عليها، وتحمل، ولا تتسرع في الطلاق، إنه من المؤسف أنه إذا دخل بعض الناس الجهال على أهله وقال: أين الشاي؟ فقالت: انتهى الغاز، ولم أتمكن من صنعه.
                          ألم تعلموا أن بعض الناس يغضب ويقول: أنت طالق؟! مع أن الخطأ قد يكون منه هو أو ليس منه، لكن ليس منها.
                          وبعض الناس -أيضاً- إذا دخل عليه رجل عزيز عليه فأخذ السكين ليذبح الشاة، فقال له صاحبه الضيف: لا نحتاج إلى ذبح فأنا وأنت سواء، البيت واحد، وكلنا إخوان.
                          قال: عليه الطلاق أن يذبح الشاة.
                          هل هو محدود على هذا الشيء؟ لا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) .
                          ثم حتى الحلف لا ينبغي إطلاقاً لأنك تحرج صاحبك أو يحرجك، صحيح اعرض عليه الضيافة، وصمم عليه خصوصاً إذا عرفت أنه مستحي، أما أن تحلف أو تأتي بالطلاق فهذا سفه، يا أخي عامل الناس بالسهولة، ما أحسن أن يقول الإنسان: يا فلان أريدك أن تتغدى عندي! قال: لا والله عندي شغل.
                          فتقول: الله يساعدك، اذهب.
                          نزل ضيف عليك أردت أن تكرمه بشيء زائد قال: ما يحتاج.
                          تقول: أجل أنا آتيك كما تريد.
                          فهذه هي الأخلاق، وهذه هي السهولة، أما التصعب فهذا لا ينبغي إطلاقاً.
                          والخلاصة الآن: الطلاق لا ينبغي للإنسان أن يقدم عليه، لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلينظر هل المرأة حامل أم لا، إن كانت حاملاً فإنه يقع الطلاق، وإن كانت حائضاً فلا يطلق، بل ينتظر حتى تطهر ثم إذا طهرت إن شاء طلق قبل أن يجامع وإن شاء أبقاها.
                          إذا كانت في طهر لم يجامعها فيه، فله أن يطلق؛ لأنه من حين أن يطلق تبدأ بالعدة.
                          إذا كان في طهر جامعها فيه فإنه لا يطلق لماذا؟ لأنه يحتمل أنها نشأت بحمل من هذا الوطء فتكون عدتها بوضع الحمل، ويحتمل أنها لم تنشأ فتكون عدتها بالحيض، فهي الآن مترددة فلا يجوز أن يطلقها على هذه الحال، لكننا استثنينا مسألة: وهي إذا كانت المرأة ممن لا يحيض فهذه يطلقها متى شاء، أو كانت المرأة لم يدخل بها فليطلقها ولو كانت في حيض لأنه ليس عليها عدة.
                          نكتفي بهذا القدر لنتفرغ للأسئلة، نسأل الله أن يوفقنا للصواب، وأن يثيبنا وإياكم على هذا اللقاء، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً ورزقاً طيباً واسعاً.
                          وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                          وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                          حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                          https://www.musacentral.com/

                          تعليق


                          • #88
                            حكم الدبلة والشبكة والفتاشة


                            السؤال
                            سائل يقول: فضيلة الشيخ! اعتاد بعض الناس بعض العادات قبل الزواج وبعده، منها ما يسمى بالدبلة يلبسها الرجل والمرأة، ومنها الشبكة: وهي ذهب يقدم للمرأة بعد الخطبة، وذهب يقدم صبيحة الزواج، ورابعاً: أم الزوجة تعطى مبلغاً من المال مقابل كشف وجهها لزوج بنتها تسمى عند العامة "الفتاشة" فما الجائز منها وما الذي لا يجوز؟

                            الجواب
                            هذه أربعة أشياء: أولاً: الدبلة، الدبلة: هي عبارة عن خاتم يهديه الرجل إلى الزوجة، ومن الناس من يلبس الزوجة إذا أراد أن يتزوج أو إذا تزوج، هذه العادة غير معروفة عندنا من قبل، وذكر الشيخ الألباني وفقه الله: أنها مأخوذة من النصارى، وأن القسيس يحضر إليه الزوجان في الكنيسة ويلبس المرأة خاتم في الخنصر وفي البنصر وفي الوسطى، لا أعرف الكيفية لكن يقول: إنها مأخوذة من النصارى فتركها لا شك أولى؛ لئلا نتشبه بغيرنا.
                            أضف إلى ذلك: أن بعض الناس يعتقد فيها اعتقاداً، يكتب اسمه على الخاتم الذي يريد أن يعطيها، وهي تكتب اسمها على الخاتم الذي يلبسه الزوج، ويعتقدون أنه ما دامت الدبلة في يد الزوج وعليها اسم زوجته، وفي يد الزوجة وعليها اسم زوجها أنه لا فراق بينهما، وهذه العقيدة نوع من الشرك، وهي من التولة التي كانوا يزعمون أنها تحبب المرأة إلى زوجها والزوج إلى امرأته، فهي بهذه العقيدة حرام، فصارت الدبلة الآن يكتنفها شيئان: الشيء الأول: أنها مأخوذة عن النصارى.
                            والشيء الثاني: أنه إذا اعتقد الزوج أنها هي السبب الرابط بينه وبين زوجته صارت نوعاً من الشرك لهذا نرى أن تركها أحسن.
                            أما الشبكة: فالشبكة والله ما أعرف هل معنى الشبكة يعتقدون أنها تشبك بين الزوجين، أو هي عبارة عن رضى الزوجة بالزوج والزوج بالزوجة؟ الظاهر هي هذه، وكانوا يسمونها عندنا في الزمن السابق يسمونها "قضب الرقبة" أو "قضابة الرقبة" وقضب بمعنى: إمساك، فالرجل إذا خطب امرأة أرسل إليها حلياً يسمى "قضاب القبول" والمتأخرون يسمونها "شبكة" هذه لا أظن أن فيها بأساً وأنه لا حرج فيها.
                            لكن المحظور أني سمعت في بعض البلاد: أن الرجل يأتي بالشبكة وفيها القلادة، ويلبسها المرأة المخطوبة، وهذا حرام، المرأة المخطوبة مع خطيبها كالمرأة في السوق، لا يحل له أن يستمتع منها بأي شيء، وهذه تجرنا إلى مسألة: وهي أن بعض الخطاب إذا خطب امرأة صار يكلمها في الهاتف كلاماً كثيراً، حتى بلغني أن بعضهم يمضي عليه الليل كله -ليالي الشتاء من الليالي البيض- وهو يحدثها سمعنا هذا، وهذا حرام، المرأة هل هي زوجته أو غير زوجته؟ غير زوجته، فكيف يتحدث إليها؟! وهل يعقل أنه يتحدث إليها هذه المحادثة الطويلة بدون أن تتحرك شهوته؟ هذا بعيد، بعض الناس يقول لك: أنا والله أتحدث معها أرى ماذا عندها من الثقافة، إذا دخلت عليها فاختبرها، أما الآن فهي أجنبية منك لا تحل لك ولا تحل لها.
                            والثالث: الصباحة التي تعطى الزوجة صباح العرس -صباح الزواج- هذه أيضاً من العادات التي لا نرى فيها بأساً، هي عادة عند الناس منتشرة، وفيها تأليف للزوجة وتطييب لخاطرها، ما فيها شيء.
                            الرابعة: الفتاشة، كلمات غريبة! الفتاشة تعني ماذا؟ يعني: المرأة أم الزوجة لا يحل لها أن تكشف وجهها عند الزوج، لكن عند فتشه للزوج تحتاج إلى شيء، هذه ما سمعتها إلا الآن، فهل سمعتموهما أنتم من قبل؟ الجواب: موجودة، والله هذه أتوقف فيها حتى أتأملها.

                            (46/15)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            منكرات في ملابس النساء


                            السؤال
                            حول موضوع النكاح يقول: فضيلة الشيخ! مع قدوم الإجازة تكثر الاحتفالات وتكثر معها المنكرات بين النساء من لبس القصير والشفاف وغير ذلك مما يظهر كثيراً من البدن، ومع هذا فإننا نجد من بعض الأخوات من تجيز هذه الألبسة بين النساء، وتقول: إن العلماء إنما نهوا من أجل سد الذرائع فقط، وأن الأصل في اللباس الحل، وأن عورة المرأة بين النساء ما بين السرة والركبة، وعليه فلا تستر أمام النساء إلا ذلك فقط، نرجو توضيح هذا الأمر مع الأدلة، نسأل الله ألا يحرمكم الأجر وأن يجزيكم خير الجزاء في الدنيا والآخرة.
                            وهل صحيح أن عورة النساء ما بين السرة والركبة؟

                            الجواب
                            الواقع أن ما ذكر في السؤال قد يحدث، بمعنى: أن النساء يأتين إلى الحفلات وهن في ثياب رقاق أو قصيرة، أو متطيبات طيباً فاتناً، أو غير ذلك من أسباب الفتنة، وهذا حرام ولا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها) فسر العلماء ذلك -أي: قوله (كاسيات عاريات) بأنهن عليهن كسوة لكنها قصيرة أو شفافة أو ضيقة، كل هذا فسره العلماء.
                            وليست عورة المرأة كعورة الرجل بل هي أشد، ولهذا نقول: عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل، لكن ليس معنى ذلك أن المرأة تلبس ما يستر ما بين السرة والركبة فقط، ولا أحد من العلماء قال هذا أبداً، حتى نساء الفرنج والكفار لا يفعلن هذا، لا بد أن يكون عليها شيء يستر صدرها أو يستر ثدييها على الأقل.
                            وهل يعقل أن الشريعة الإسلامية الطاهرة المطهرة تبيح للمرأة ألا تستر إلا ما بين السرة والركبة؟ هذا غير معقول، المرأة لباسها لباس حشمة، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: نساء الصحابة في البيوت تلبس القمص الذي يستر من الكف إلى الكعب، من الكف -كف اليد- إلى الكعب -كعب الرجل- هذا في البيت، أما إذا خرجت فمعلوم الحديث المشهور أن الرسول رخص لهن أن يجررن ثيابهن إلى ذراع من أجل أن تستر القدم، فلباس المرأة غير لباس الرجل، ولهذا لم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: رجال كاسون عارون.
                            مع أنه قال: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة) لكن فرق في اللباس بين الرجال وبين النساء، فالنساء قال: (كاسيات عاريات) ولم يقل في الرجال: إنهم كاسون عارون؛ لأن الرجل لا بأس أن يبدي صدره للرجل أو يبدي ساقه، لا بأس بهذا، لكن المرأة ممنوعة من ذلك.
                            وأما قول السائل: إن هذا من باب سد الذرائع.
                            فنقول: سلمنا أنه من باب سد الذرائع، فهل تبقى الأمور مفتوحة من شاء فعل ما شاء؟ لا الشريعة لها ضوابط تضبط الأعمال، ليس كل إنسان يفعل ما يشاء ويقول: هذا ذريعة، والذريعة إن أوصلت إلى المحرم صارت حراماً.
                            كل ذريعة إن لم توصل إلى المحرم اليوم توصل إليه غداً، لهذا نرى أن هذه الألبسة التي أشار إليها في السؤال ألبسة محرمة حتى بين النساء.

                            (46/16)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            رفع ولاية الأب المتعنت في تزويج بناته


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ! هل للإخوة أن يدخلوا برفع ولاية الأب عند القاضي إذا كان الأب متعنتاً ومانعاً من زواج بناته بحجج غير شرعية، مع أنه قد يحصل تقاطع ومشاكل؛ فنحن بين نارين: نار حب الزواج لأخواتنا، ونار تسلط هذا الأب وما يحصل بعد ذلك من تقاطع، أرشدنا وقد يكون عندنا ظروف أخرى لا نستطيع رفع هذه المشكلة إلى المحكمة.


                            الجواب
                            لا شك أنه إذا تعنت الأب ومنع تزويج بناته من الأكفاء أن من الخير الذي يترتب عليه الثواب أن يتدخل الإخوة أو الأعمام الذين هم إخوة الأب في المسألة، ويقولون: إما أن تزوج هذا الخاطب وإلا زوجنه، ولهم ذلك، وهذا لا شك أنه من برهم بوالدهم ومن صلة الرحم لأخواتهم، أما كونه براً بالوالد فلأنهم يمنعونه من الظلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم فكيف ننصر الظالم؟ قال: تمنعه من الظلم) .
                            إذاً في تزويجهن منع للأب من الظلم، ومنعه نصر له، ونصر الأب بر به؟ لذلك أقول: هؤلاء الأخوة لهم أجر وثواب وإحسان على أخواتهم وعلى أبيهم -أيضاً- فإن حصل ما أشار إليه في السؤال من التقاطع فمن الآثم بهذا التقاطع؟ الآثم الأب، الأولاد ليس عليهم إثم، بل الإثم على الأب، هو الظالم، هو قاطع الرحم.
                            فأقول لهؤلاء الإخوة: استعينوا بالله وقولوا لأبيكم: إما أن تزوج أخواتنا لهؤلاء الخطاب الأكفاء وإلا زوجناهن، وهم إذا وصلوا إلى القاضي فالقاضي يتصرف: إما أن يأتي بالأب ويشير عليه ويناصحه وتنتهي المسألة من عنده، وإما أن يقول: ارفع يدك، يزوج هؤلاء النساء إخوانهن.

                            (46/17)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            مشكلة عزوف الشباب عن الزواج بسبب غلاء المهور


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ! رفع الله درجتك في الجنة، ما هو حل هذه المشكلة: وهي أن هناك فتيات كثيرات يردن الزواج، ولكن لم يتقدم لهن أحد من الشباب بسبب غلاء المهور، وبعض خطباء المساجد شكا إليه الرجال بقاء بناتهم بدون زواج بسبب غلاء المهور؟

                            الجواب
                            أعتقد أن حلها سهل، أن يتقدم الشاب، وإذا كان الأب يحب أن تتزوج بنته يقول: أعطني ما شئت، ولقد بلغنا أن من الناس الموفقين من يعطون الخاطب المهر يقدمه، وهذا لا شك أنه خير عظيم، بر ببناته وإحسان إلى الخطاب.
                            حل المشكلة هذه: أن يوفق الله تبارك وتعالى قوماً في قبيلتهم أو في غير قبيلتهم ويعلنون بأنهم يزوجون بمهور رخيصة، وأنا واثق أنهم إذا فعلوا ذلك فسوف يأتيهم الخطاب الكثيرون.

                            (46/18)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            السنة عند دخول الزوج على زوجته


                            السؤال
                            ما هي السنة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند دخول الزوج على زوجته؟

                            الجواب
                            من السنة أن يأخذ الإنسان بناصيتها -أي: ناصية المرأة- ويقول: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه.
                            ولكن لا يقول هذا الكلام بصوت رفيع، لأنه لو قاله بصوت رفيع ربما تنفر المرأة منه، لكن يمسك برأسها كأنه يريد أن يقبلها مثلاً ويتكلم بهذا الكلام هذا ما أعلمه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا.
                            كذلك -أيضاً- عندما يريد أن يأتيها لا بد أن يداعبها ويباشرها حتى تصل إلى ما وصل إليه هو من الشهوة.
                            ثالثاً: عند الجماع يقول: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا.
                            فإنه إذا قال ذلك وقدر الله بينهما ولداً لم يضره الشيطان أبداً.

                            (46/19)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            الكفاءة الشرعية في الزواج


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ! أرجو توضيح الكفاءة، فإن الكفء عند الناس يختلف في أفهامهم، حيث أنه قد يمنع الرجل رجلاً لأنه ليس من بلده، أو أنه ليس ذا مكانة، أو أقل مالاً، نرجو توضيح ذلك وفقك الله.


                            الجواب
                            إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين الكفء بياناً واضحاً فقال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) وامرأة ثابت بن قيس بن الشماس رضي الله عنه أتت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس لا أعيب عليه في خلق ولا دين.
                            فدل هذا على أن المعتبر كله هو الخلق والدين.
                            أما ما اشتهر عند الناس الآن من كونه لا يزوج أحداً من غير قبيلته، أو لا يزوج أحداً إلا من أبناء أخيه الأقربين، أو يقول مثلاً: أنا قبيلي وأنت غير قبيلي فلا أزوجك! أو يقول غير القبيلي للقبيلي: لا أزوجك فهذا كله غلط ولا أصل له، بل يزوج القبيلي من ليس بقبيلي، ويزوج غير القبيلي من كان قبيلياً، وأكرم الخلق عند الله أتقاهم، وهذه كلها من الرواسب التي لا ينبغي للإنسان أن يعتبرها أبداً، والعبرة بالخلق والدين، ألم تعلموا أن كثيراً من الأحاديث التي نقلت إلينا إنما نقلها من ليسوا من العرب، وأثروا بها الدين الإسلامي، وما أكثر العلماء الذين ليسوا من العرب، فلهذا أرجو ألا يلتفت الناس إلا إلى شيئين فقط وهما: الخلق والدين.

                            (46/20)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            نصائح للاستفادة من الإجازة


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ! بمناسبة الإجازة ما نصيحتك في هذه الأمور: مفهوم الإجازة وأنها نوم وعبث، الأبناء والبنات ما دور الآباء في حفظهم وإلحاقهم بحلق الجماعة والمراكز الصيفية، الناس والسهر، طلبة العلم وحفظ المتون والتحصيل؟

                            الجواب
                            مفهوم الإجازة وأنها نوم وعبث هذا لا شك أنه مفهوم خاطئ، من يمضي عمره الثمين بمثل ذلك، العمر أثمن من المال وأغلى من المال، إننا نتعجب: يخسر الإنسان من دهره وزمنه الشيء الكثير، لكن لو طلب منه أن يخسر درهماً واحداً ما أخرجه إلا بشح، والعمر أثمن من المال، اسمعوا قول الله عز وجل: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون:99-100] وما من ميت يموت إلا ندم، إن كان محسناً ندم ألا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون استعتب هؤلاء في الحقيقة خسروا الدين والدنيا.
                            الثاني: الأبناء والبنات ما دور الآباء في حفظهم وإلحاقهم بحلق الجماعة والمراكز الصيفية؟ الآباء مأمورون بأن يرعوا أبناءهم وبناتهم رعاية حسنة، وإلحاقهم بحلق القرآن لا شك أنه خير عظيم لهم ولأبنائهم وبناتهم، وكذلك -أيضاً- في المراكز الصيفية إذا كان القائمون على المراكز ممن يوثق بدينهم وأمانتهم وأخلاقهم.
                            ثالثاً: الناس والسهر؛ هذا أيضاً ضياع وقت، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكره الحديث بعد العشاء؛ لأن الإنسان إذا تحدث بعد العشاء طال به السهر، وصعب عليه التهجد في الليل، وربما تصعب عليه صلاة الفجر، فالذي ينبغي للإنسان أن ينام مبكراً، مع أنه أصح للجسم وأنفع للقلب.
                            نصيحتك لطلبة العلم في حفظ المتون والتحصيل نصيحتي لطلبة العلم: أن يتخذوا من هذه الإجازة وقتاً يتمكنون به من حفظ كتاب الله عز وجل، وحفظ ما تيسر من صحيح السنة، أما القرآن فظاهر، أما صحيح السنة فمن أحسن ما يكون عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله؛ لأن أحاديثها كلها صحيحة، يحفظها الإنسان وينتفع بها، يحفظ مثلاً العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، يحفظ كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، يحفظ زاد المستقنع في الفقه، يحفظ ألفية ابن مالك في النحو، حسب ما تيسر.

                            (46/21)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            كيفية إكمال الصلاة إذا انقطع صوت الإمام في أثنائها


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ! أحسن الله إليك، في يوم الجمعة صلى أناس في خلوة المسجد، فلما صلى بهم الإمام الركعة الأولى انقطعت الكهرباء فلم يسمعوا الإمام، فتقدم أحد المصلين فأكمل الصلاة بهم فما الحكم في ذلك؟

                            الجواب
                            هذا صحيح، ما داموا أدركوا ركعة مع الإمام فإنهم يكملونها بركعة، وإذا تقدم بهم أحدهم فلا حرج، وهذا طيب، لكن لو لم يدركوا ركعةً مع الإمام حينئذ نقول: لا بد أن تخرجوا وتصلوا مع الإمام ولو على الأرصفة والطرق، أو تجعلوا إنساناً يسمع تكبير الإمام ويسمعكم -يعني: يبلغ- لأنه في هذا الحال لا يمكن أن يتموها جمعة حيث لم يدركوا ركعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) إذا لم يمكن أن يتموها جمعة فلا بد أن يسعوا إلى الجمعة مع الإمام.

                            (46/22)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            الموالاة بين أشواط الطواف من شروط صحته


                            السؤال
                            نحن شباب ذهبنا إلى مكة، فلما طفنا طواف القدوم وجدنا في أثناء الطواف بعض إخواننا الشباب فخرج منا ثلاثة خارج الحرم في أثناء الطواف لأخذ أغراض منهم قبل إكمال الطواف، ثم رجعوا وأكملوا طوافهم، فما حكم عملهم؟ وماذا عليهم الآن؟

                            الجواب
                            هذه مشكلة؛ عليهم الآن أن يخلعوا ثيابهم ويلبسوا ثياب الإحرام، ويذهبوا إلى مكة لإتمام النسك، لأن نسكهم ما تم حيث فرقوا في الطواف بين أوله وآخره، ومن شروط صحة الطواف: الموالاة بين أشواطه، وهؤلاء لم يوالوا بين أشواطه، وخرجوا -أيضاً- من المسجد الحرام، وربما تكون السيارة بعيدة؛ لذلك نقول لهؤلاء الذين خرجوا ثم رجعوا وأتموا: يجب عليكم الآن أن تخلعوا الثياب وتسافروا إلى مكة وتطوفوا الطواف من أوله، وتسعوا وتقصروا أو تحلقوا وترجعوا، وهذا في العمرة؛ أما إذا كان ذلك في طواف القدوم للحج فليس عليهم مشكلة.

                            (46/23)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            ضوابط فهم أن الجمعة إلى الجمعة كفارة


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ أرجو توجيه النصيحة لمن فهم من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الجمعة إلى الجمعة كفارة) فصار يترك الجماعة، ولربما يترك بعض الصلوات أو يتهاون بها طمعاً بأن صلاته للجمعة الثانية تكفر ذلك، وخصوصاً بعض إخواننا الوافدين، نرجو إفادتكم نفع الله بكم.


                            الجواب
                            الإفادة هو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) وترك الصلاة كبيرة، بل كفر عند بعض العلماء، بعض العلماء يقول: الإنسان إذا ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها بلا عذر فإنه يكفر، قال بذلك علماء قديمون وقال بذلك علماء معاصرون: إن ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها بدون عذر كفر.
                            فنقول لهذا الرجل: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر) وإن كنت تريد أن تفهم هذا الفهم فإني أزيدك، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) إذاً لا تصم ولا تصل واعتمر عمرة بعد عمرة وحينئذ تكون كفارة، هذا لا شك أنه إن كان جاهلاً فهو جاهل ويجب أن يعرف، وإن كان عالماً فهو معاند بلا شك، ولا أحد من العلماء يفهم أن معنى الحديث: أن الجمعة كفارة وأنها تسقط عن الإنسان وجوب الجماعة أو وجوب الصلاة أيضاً.

                            (46/24)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            حكم تخصيص بعض الأبناء بالهبات


                            السؤال
                            رجل عنده أبناء وبنات، وقد بلغ أكبر أبنائه ثماني عشرة سنة، ويريد أن يهب ابنه هذا قطعة أرض ليتمكن من أن يقدمها للبنك العقاري وذلك كسب الوقت نظراً لأن استحقاق القسط يحتاج لوقت، وفي نية هذا الرجل أن يهب لكل ابن يبلغ هذا السن قطعة، وسيعوض الإناث عن ذلك، فما توجيهكم له -بارك الله فيكم-؟

                            الجواب
                            هذا عمل محرم، فكونه يخص بعض أبنائه بقطعة أرض دون الآخرين محرم عليه ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) ولما أراد بشير بن سعد أن يشهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على إعطائه ابنه النعمان قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور) وما المانع أن يعطي الصغار والكبار من هذه الأراضي؟ ويعطي المرأة نصف ما يعطي الرجل، هذا الواجب، حتى لو قال: أنا سأستأذن منهم.
                            نقول: ربما يستأذن ويأذنون خجلاً وحياءً من أبيهم لا عن طيب نفس، فالواجب عليه الآن أن يعطي بقية الأولاد الذكور مثلما أعطى هذا الولد، ويعطي الإناث نصف ما يعطي الذكر.

                            (46/25)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            حكم التشبه بالأجانب في قص الشعر


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ! كثر في الآونة الأخيرة لجوء بعض أولياء الأمور إلى قص شعر أولادهم الصغار قصات دخيلة أو أجنبية كالفرنسية وغيرها، فما حكم ذلك؟

                            الجواب
                            حكم ذلك بينه النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (من تشبه بقوم فهو منهم) فإذا قص الإنسان شعر أولاده الذكور أو الإناث على صفة رءوس الكفار فإنه آثم، قال شيخ الإسلام رحمه الله معلقاً على هذا الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) قال: هذا الحديث أقل أحواله التحريم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم لأنه قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) فعلى الإنسان أن يتقي الله ربه وأن يعلم أنه مسئول عن تربية أولاده.

                            (46/26)


                            --------------------------------------------------------------------------------

                            دروس الشيخ أثناء الإجازة


                            السؤال
                            فضيلة الشيخ! هلا حدثتمونا عن دروسكم الصباحية والمسائية في هذه الإجازة، ومتى ستبدأ؟ وماذا سيدرس فيها؟

                            الجواب
                            ستبدأ إن شاء الله تعالى بعد الأسبوع الثاني؛ لأن هذا الأسبوع فيه اختبارات عند بعض المدارس، والأسبوع الثاني نجعله إجازة، الأسبوع الثالث إن شاء الله يوم السبت تبدأ الدراسة، والدراسة بعد المغرب ستكون -إن شاء الله- في كتابين مختصرين: أولهما: البرهانية في الفرائض، نقرأ منها فقه الفرائض فقط؛ حتى نتمكن إن شاء الله من إنهائه في هذه الإجازة، والثاني: في شرح نخبة الفكر في مصطلح الحديث.
                            أما الدروس الصباحية فهي معلومة من قبل لكن ربما نحذف بعضها لنأخذ بعض الدروس الجديدة، وإلى الآن لم يتقرر فيها شيء.

                            (46/27)


                            --------------------------------------------------------------------------------
                            وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                            وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                            حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                            https://www.musacentral.com/

                            تعليق


                            • #89
                              اللقاء الشهري

                              اللقاء الشهري [47]
                              السلام من حق المسلم على أخيه له أحكام وآداب وما يتعلق به من المصافحة والمعانقة، وما يؤدي إليه السلام من عواقب محمودة في الدنيا والآخرة.
                              ثم أجاب عن الأسئلة والتي كان معظمها يدور حول مسائل في السلام والمصافحة، وكذا عن أحكام التصوير وغيرها من المسائل والأحكام.

                              (47/1)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              مباحث في السلام
                              الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
                              أما بعد: فهذا هو لقاؤنا الشهري الذي يتم ليلة كل أحد ثالث من الشهر، وهذه الليلة هي ليلة الأحد السادس عشر من شهر ربيع الأول عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف.
                              موضوع هذا اللقاء: بيان أن المؤمنين إخوة كما قال الله تبارك وتعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [آل عمران:103] وقوله تبارك وتعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:9-10] وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وكونوا عباد الله إخواناً) .
                              هذه الإخوة الإيمانية التي رتبها الله تعالى في القرآن ونبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السنة يجب أن يكون لها مقتضاها: وهو النصيحة التامة لإخوانك المؤمنين، والقيام بحقوقهم، وأن يكون الأخ المؤمن لك كأنه أخوك من النسب.
                              ولقد بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حقوق المسلم على أخيه، فمنها أن يسلم عليه إذا لقيه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه) والسلام سنة مؤكدة على كل من لاقى أخاه، وليكن السلام باللغة الفصحى البينة الواضحة (السلام عليك، أو سلام عليك) إما بأل أو بحذف أل؛ كلاهما جائز، لكن بعض العلماء يفضل أل أي يفضل أن تقول: السلام عليك، وبعضهم يقول: حذفها أولى، وبعضهم يفرق بين الكتابة وبين المشافهة، ففي الكتابة يقول: السلام عليك، وفي المشافهة يقول: سلام عليك، والأمر في هذا واسع: إن شئت قل سلام عليك وإن شئت قل: السلام عليك، وإن شئت قل: السلام عليكم، وإن شئت قل بالإفراد: السلام عليك، المهم ألا تدع السلام.
                              ولا يجزئ عن السلام الإشارة، بل الإشارة بدون سلام منهي عنها، ولا يجزئ عن السلام أن تقول: أهلاً ومرحباً، أو كيف أصبحت أو كيف أمسيت، بل لا بد أن تقول: السلام عليك أو سلام عليك.
                              وبماذا يرد المسلَّم عليه؟ يرد بقوله: عليك السلام.
                              وهو إذا سلم فله عشر حسنات، وإذا رد فله عشر حسنات، وإذا زاد: أهلاً مرحباً حياك الله، وما أشبه ذلك فإنه من الأشياء المحبوبة لأن هذا يزيد القلوب محبة.
                              ولا يحل للإنسان أن يهجر المسلم فوق ثلاثة أيام مهما كانت الأسباب، ما دام مسلماً فإنك لا تهجره فوق ثلاثة أيام تلاقيه ولا تسلم عليه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) .
                              أيجوز أن يهجره إذا كان مجاهراً بالمعصية، كرجل حالق اللحية، مسبل الثوب، شارب الدخان، قليل حضور المسجد، هل يحل له أن يهجره لهذه المعاصي؟

                              الجواب
                              ننظر هل هذا خرج من الإسلام بهذه الأفعال؟ لا، هو ما زال مسلماً، وإن كان لا يصلي مع الجماعة، وإن كان يشرب الدخان، وإن كان يحلق اللحية، وإن كان يسبل الثوب، فهو مسلم، فيدخل في قوله: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) .
                              نعم لو فرض أنك لو هجرته ولم تسلم عليه خجل واستحيا وترك المعصية فهنا يكون الهجر حسناً؛ لأنه دواء، لكن إذا علمت أنك لو هجرته لم يزدد إلا نفوراً منك وكراهيةً لنصحك وهو مستمر في معصيته فهنا نقول: الأفضل ألا تهجره، ولا فرق بين القريب منك والبعيد، المؤمنون كلهم إخوة.
                              ثم إن السلام فيه مباحث:

                              (47/2)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              الابتداء بالسلام والسلام على النساء
                              المبحث الأول: من الذي يبتدئ بالسلام: الصغير أم الكبير؟ الذي يبتدئ هو الصغير لأن الكبير له حق عليه، فيبتدئ الصغير بالسلام، فإن لم يفعل فهل يسلم الكبير؟

                              الجواب
                              نعم يسلم، ولا تترك السنة عناداً، فإذا قدرنا أن رجلين تلاقيا أحدهما له أربعون سنة والثاني له ستون سنة، من الذي يؤمر بالسلام؟ من له أربعون، فإذا قدر أن الذي له أربعون لم يسلم، فليسلم من له ستون حتى لا تضيع السنة بينهما من أجل عنادهما.
                              يسلم القليل على الكثير، فإذا تلاقى خمسة بستة من الذي عليهم الحق؟ الخمسة لأنهم أقل، فإن لم يفعلوا فليسلم الستة الكثيرين، ولا تترك السنة ضائعة بعنادهم.
                              هل يسلم الرجل على المرأة والمرأة على الرجل؟ في هذا تفصيل: إذا كانت من محارمه أو من جيرانه وهي في البيت فلا حرج أن يسلم بشرط أن يأمن الفتنة، وأما إذا كان لا يعرفها، كأن لاقاها في السوق وأراد أن يسلم فلا يسلم؛ لأن هذا يؤدي إلى الفتنة، ويؤدي إلى سوء الظن به، وأنه رجل يسلم على النساء.
                              وما أشبه ذلك، فلا يسلم، حتى لو مر بها وهي جالسة فلا يسلم، لما في ذلك من الفتنة وإساءة الظن، ولهذا لو سلم رجل على امرأة وهي قاعدة وليس من معارفها لوجدتها ترتعد خوفاً وتتصبب عرقاً، لا تريد هذا.

                              (47/3)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              السلام باللسان أو الإشارة
                              المبحث الثاني: هل يسلم بالإشارة أو بالقول باللسان؟

                              الجواب
                              الثاني -القول باللسان- والسلام بالإشارة منهي عنه إلا في حالين: إذا كان الإنسان بعيداً ويخشى ألا يسمع المسلم عليه فإنه يشير بيده مع لفظ " السلام عليكم".
                              الحالة الثانية: إذا كان يصلي فإنه إذا سلم عليه مسلِّم لا يرد عليه باللسان وإنما يرد عليه بالإشارة، يرفع يده هكذا سواء كان واقفاً يقول: هكذا، أو جالساً يقول: هكذا، إشارة إلى أنه يصلي وأنه لا يمكن أن يرد.
                              نزيد حالاً ثالثة: إذا كان الإنسان يستمع إلى خطبة الجمعة وسلم عليه مسلِّم فإنه لا يرد السلام؛ لأن الكلام حال خطبة الجمعة حرام إلا للخطيب ومن يكلمه الخطيب لحاجة أو مصلحة، فإذا دخل المسجد إنسان والإمام يخطب وصلى تحية المسجد وسلم عليك فلا ترد عليه السلام، لكن من المستحسن أن تشير إليه ألا رد، وإذا انتهت الخطبة فرد عليه السلام، وبين له أن الخطبة ليست محل سلام.
                              كذلك نزيد حالة رابعة: إذا كان الإنسان على قضاء الحاجة -في الحمام- سلم عليه مسلِّم فلا يرد السلام عليه؛ لأنه قد كشف عورته وهو في محل لا يمكن فيه الرد، بل إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سلَّم عليه رجل ذات يوم وليس على وضوء فتيمم بالجدار ثم رد عليه السلام، ثم قال: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر) .
                              وينبغي لمن سلم على قوم فيهم مسلمون وكافرون أن ينوي بالسلام على المسلمين فقط، سلم على قوم في مجلس بعضهم نيام وبعضهم أيقاظ، يسلم على الأيقاظ ويخفض صوته لئلا يوقظ النائمين فإن هذا من السنة: ألا تجهر بالصوت عند النائمين لأنك ربما توقظهم، وبعض الناس إذا استيقظ بعد نومه لا ينام، فيبقى قلقاً يتقلب على فراشه، وتطول عليه الليلة، فكلما أمكن أن تخفض صوتك فهذا هو المطلوب حتى لا توقظ النيام.

                              (47/4)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              السلام على الكافر
                              المبحث الثالث: هل تسلم على الكافر أو لا تسلم؟

                              الجواب
                              لا تسلم، أي كافر لا تسلم عليه: يهودي أو نصراني أو بوذي أو شيوعي أو غيرهم ممن ليس على الإسلام لا تسلم عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام) ولأن في التسليم عليهم إكراماً لهم واحتراماً، وليسوا أهلاً لذلك.
                              فماذا يصنع؟ لا يسلم ويسكت، فإن سلم الكافر فهل يجب أن ترد عليه؟ الجواب: نعم، إذا سلم الكافر يجب أن ترد عليه لقول الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء:86] ما قال: إذا حياكم مسلم قال: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ) فأي تحية تحيونها فحيوا بأحسن منها أو ردوها، ولكن كيف تقول؟ قل مثل ما قال لك تماماً، إن قال: حياك الله يا أبا فلان فقل: حياك الله.
                              إن قال: السلام عليك، قل: عليكم السلام.
                              إن قال: السام عليك.
                              قل: وعليكم، وإن شئت فقل: عليكم السام.
                              لكن إذا كان في المسألة اشتباه لا تقل: عليكم السلام ولا عليكم السام، ولكن قل: عليكم.
                              وكفى.
                              لكن بعض الناس قد يبتلى، قد يكون في دائرة رئيسها كافر، كما يوجد في بعض الشركات، يكون الرئيس المدير كافراً، فماذا يصنع أيدخل عليه بدون سلام؟ الأصل أن يدخل بدون سلام، لكن هو يعلم أنه لو لم يسلم لحفر له هذا المدير حفرة وغمسه فيها، ما هي حفرة حقيقية يعني: أبعده وأنزله إلى عمل شاق وما أشبه ذلك، فماذا يصنع؟ نقول: لا بأس أن يقول: مرحباً، مرحباً بفلان.
                              أو يقول: السلام.
                              -فقط- وينوي: علي وعلى عباد الله الصالحين، وإلا فلا يسلم، لا يسلم عليه السلام الشرعي ابتداءً، أما لو سلم الكافر فرد عليه، هذا هو العدل.

                              (47/5)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              رد السلام عن طريق المكاتبة
                              المبحث الرابع: لو ورد السلام عليك بكتاب، دائماً تأتينا الكتب فيها "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" ماذا نصنع؟ نرد عليه وهو لا يسمع؟ نقول: إن كنت تريد أن ترد عليه كتابياً فقل: بسم الله الرحمن الرحيم، من فلان إلى فلان، ج: وعليكم السلام.
                              في الرد لا تقل: وعليكم السلام ورحمة الله.
                              السلام عليكم ورحمة الله لمن ابتدأ، أما من رد فيكتب: ج -يعني: جواب- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
                              لأن الإنسان إذا سلم لا بد أن يرد، والرد بهذا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
                              فإن كان كتابه لا يحتاج إلى رد فأرجو أن يكون الرد باللسان فتقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وإن كان لا يسمع لكنك تدعو له بالسلامة من كل آفة.

                              (47/6)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              السلام بأحسن منه أو مثله
                              المبحث الخامس: أنه إذا سلم عليك بصوت بينٍ واضح فرد عليه بصوت بينٍ واضح، ومع الأسف أنك أحياناً تسلم: (السلام عليكم) سلام بين واضح، والثاني يرد رداً خفياً، قد تسمعه وقد لا تسمعه، أو تسلم عليه ببشاشة وجه ويرد عليك بعبوس هذا لا يجوز؛ لأن الله تعالى يقول: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا} [النساء:86] بماذا؟ {بِأَحْسَنَ مِنْهَا} [النساء:86] فبدأ بالأحسن منها {أَوْ رُدُّوهَا} [النساء:86] على الأقل، ولا شك أنك إذا سلمت على إنسان بصوت مرتفع بين ووجه منطلق منشرح ثم رد عليك بأنفة وبعبوس لا شك أنه رد بغير المثل.
                              فعلينا -أيها الإخوة- أن ننتبه إلى هذه الأمور، وأن نجعلها على بال، وأن نحتسب أجرنا على الله أن السلام الواحد بعشر حسنات، وهذه نعمة كبيرة، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاستقامة على دينه إنه على كل شيء قدير.
                              كما نرجو منكم أنكم إذا رأيتم موضوعاً مهماً يكون في هذا اللقاء المبارك أن تكتبوا به إلينا، أو إلى محل الدعوة والإرشاد ليبلغونا به، لأنكم قد تطلعون على أشياء لا نطلع عليها تكون مهمة، أي: يهم الكلام فيها، فلذلك أنا أكرر رجائي: إذا رأيتم شيئاً يحتاج إلى تنبيه أو إلى بحث أن تسعفونا به؛ لأن (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) (والمؤمن مرآة أخيه) وإلى الأسئلة، نسأل الله أن يوفقنا فيها لصواب الجواب.

                              (47/7)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              الأسئلة

                              (47/8)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              إفشاء السلام بين عامة المسلمين


                              السؤال
                              فضيلة الشيخ: نلحظ في الآونة الأخيرة أن الجفاء يقع من بعض الصالحين من طلاب علم وشباب، يحاذيك ولا يسلم عليك، أو يقتصر على السلام على من يعرف فقط، فهل من نصيحة، وخاصة لمن أمامك من الشباب حتى يكونوا قدوة للناس فلا يمروا على أحد إلا ويسلموا عليه كائناً من كان؟

                              الجواب
                              لا شك أن من تمام الصلاح أن يقوم الإنسان بما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) فإفشاء السلام من كمال الإيمان، وكمال الإيمان به يدخل الإنسان رياض الجنان، ولا يليق بطالب العلم ولا بالشاب الملتزم أن يكون كلاً لا يسلم، وإذا سلم فبأنفه يسمع أو لا يسمع، وإذا سُلِّم عليه يرد أو لا يرد هذا غلط، كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دائم البشر كثير التبسم صلوات الله وسلامه عليه، إذا وجد ما يوجب التبسم تبسم، أما البشر فهو دائم البشر، دائماً مسرور، ولا شك أن أخاك إذا لقيك وهو مسرور واسع الوجه، تبرق أسارير وجهه، لا شك أنه يضفي عليك من هذا السرور، وبالعكس إذا لاقيته بوجه عبوس، فأكرر النصيحة لإخواني طلبة العلم أولاً، ولإخواني الملتزمين ثانياً، ولعموم المسلمين ثالثاً: أن يفشوا السلام بينهم إن كانوا يريدون كمال إيمانهم، ويريدون الوصول إلى جنات النعيم، وكلنا يريد الوصول إلى ذلك، لكن لا بد أن نسلك الأسباب، فنصيحتي: أن يفشوا السلام بينهم، الشباب الملتزم وغير الملتزم، إنه إذا لاقاك إنسان وسلم عليك وإن كنت ترى فيه بعض النقص في دينه فإنك تسر به وتقول: هذا قريب.
                              وتسعى أن تنصحه وتقرب منه، والعكس بالعكس.

                              (47/9)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              السلام قبل القيام من الصف


                              السؤال
                              فضيلة الشيخ: هل ورد السلام قبل الخروج من المسجد بعد الصلاة فإننا نرى كثيراً من إخواننا -جزاهم الله خيراً- يسلمون فيقولون: السلام عليكم إذا قاموا من الصف ليخرجوا من المسجد، وذلك من حرصهم على الخير، فهل لهذا أصل؟ وهل يدخل في الحديث العام الذي ورد عند القيام من المجلس؟

                              الجواب
                              هذا داخل في العموم أن الإنسان يسلم إذا دخل ويسلم إذا خرج، أما أن يكون نص خاص بهذا فلا أعلم في هذا نصاً خاصاً، لكن العموم كاف، فإذا أراد الإنسان أن يقوم وقام فليسلم لأنه مغادر، إلا إذا كان ذلك يستلزم التشويش على الذين يسبحون أو يقرءون فلا تفعل.

                              (47/10)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              حكم السلام والمصافحة بعد الانتهاء من الصلاة


                              السؤال
                              فضيلة الشيخ: هل من إفشاء السلام؛ السلام والمصافحة بعد الانتهاء من الصلاة سواء كانت فريضة أو نافلة؟

                              الجواب
                              السلام بعد انتهاء الصلاة يكفي عنه سلام الصلاة، لأن الإنسان إذا سلم على يمينه وعلى يساره فهو مسلم عليه، يكفي.
                              لكن جرت العادة والمروءة أن الإنسان إذا انتهى من الصلاة -النافلة خاصة- يسلم على من على يمينه أو يساره، ويرون هذا من كمال المروءة وكمال التودد والمحبة، وأنا لا أرى في ذلك بأساً بشرط ألا يعتقد الإنسان أن ذلك مشروع بعد الصلاة، وإنما يشعر بأنه يسلم لأنه تفرغ الآن للمصافحة والسؤال عن حاله، أما قبله فإنه مشتغل بتحية المسجد أو بالسنة الراتبة.

                              (47/11)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              مجالس اللغو وحكم الجلوس فيها


                              السؤال
                              فضيلة الشيخ: كثر في المجالس التعرض للغير من غير الحاضرين، حتى لتكاد تجزم أنه لا يوجد رجل صالح بيننا سواء ممن عرفوا بالخير والعلم أو ممن عرفوا بالفسق، حتى كدت أكره المجالس والخلطة حتى ولو كانت في صلة الرحم، فبماذا تنصحني حفظك الله؟

                              الجواب
                              الذي فهمته من كلامه أنه يقول: كثر في المجالس القدح في الناس، وأن الناس ما فيهم خير، وأن الناس انصرفوا عن دين الله، وما أشبه ذلك من الكلام، وأقول: إن هذا دأب المتشائمين الذين لا يرجون لهذه الأمة صلاحاً، وإنما منظارهم أسود والعياذ بالله.
                              ولا شك أن الشعوب الإسلامية من أولها إلى آخرها فيها الرجل الصالح وغير الصالح، فيها من يحافظ على الصلاة ومن لا يحافظ، وفيها من يحافظ على العفة والمروءة ومن لا يحافظ، ولكن كوننا نتشاءم ونقول: فسد الناس وضل الناس وضاع الناس، ونجمل القول هذا خطأ؛ ولهذا قال بعض السلف: إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم.
                              لأن هذا الكلام لا ينبغي، بل يقابل بما يوجد -والحمد لله- في الساحة من صلاح كثير من الشباب وغير الشباب، نراهم -والحمد لله- الآن بحسب ما يصل إلينا من الاستفتاءات أنهم يرجعون إلى الله عز وجل، ويستقيمون على دين الله.
                              هذا إن كان السؤال كما فهمته، أما إذا كان السؤال يسأل عن مجالس يكثر فيها الغيبة والسب والقدح في الناس فنعم، هذه مجالس سوء لا يجوز للإنسان أن يحضر إليها إلا من أراد أن ينكر ويؤثر فهذا يجب عليه الحضور من أجل أن ينهى عن المنكر، أما إذا كان لا طاقة له بذلك ولا يمكن أن يقبلوا كلامه، فإنه لا يحل له أن يجلس أولاً؛ فإن جلس فعليه أن يقوم ويغادر، سواء كانوا من أقاربه أو من غير أقاربه؛ لأن تقوى الله مقدمة على تقوى كل إنسان.

                              (47/12)


                              --------------------------------------------------------------------------------

                              حكم السلام على من لا يُعلم إسلامه من كفره


                              السؤال
                              فضيلة الشيخ: ما حكم السلام على من لا تعلم هل هو مسلم أم كافر؛ حيث أني لو تركت السلام عليه قد يؤدي ذلك للبغضاء والبعد عن الإسلام؟

                              الجواب
                              هذا يرجع فيه إلى المجتمع: إذا كان المجتمع أكثره غير مسلمين فهنا لا يسلم بناءً على الأكثر؛ لأن الأكثر يعطى حكم الكل إذا تعذر العلم، وأما إذا كان أكثر المجتمع مسلمين فليسلم، وإذا قدر أنه سلم على غير مسلم فلا حرج عليه لأنه لم يعلم، ثم ربما يكون سلامه على غير المسلم سبباً لإسلامه وإقباله على الإسلام.
                              والحاصل أنه إذا كان أكثر المجتمع مسلمين فليسلم، وإذا كان أكثره غير مسلمين فلا يسلم، وإذا شك وتردد فليسلم لأن الأصل مشروعية السلام، ومرادي بالمجتمع: يعني مثلاً: إذا كانوا عمالاً، فإذا كان أكثر العمال مسلمين فسلم على العمال، أو أكثرهم غير مسلمين لا نسلم، لكن بقية المجتمع إذا لم يكونوا من هذا النوع نسلم عليهم.
                              وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                              وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                              حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                              https://www.musacentral.com/

                              تعليق


                              • #90
                                توبة من كان يعمل في بنك ربوي


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: اشتغلت في أحد البنوك الربوية وتقاضيت على ذلك مالاً، فكيف أتوب توبة نصوحاً علماً أني الآن أعمل في عمل حلال وقد تركت ذلك العمل المحرم؟

                                الجواب
                                أرجو أن تكون توبته هدمت ما سبقها؛ لأن الله تعالى قال: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} [البقرة:275] فأباح الله له ما سلف وقال: {وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} [البقرة:275] إلا إذا كان الربا لم يؤخذ فإن الإنسان إذا تاب لا يأخذه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ربا الجاهلية موضوع وأول رباً أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب) لكن إن أخذه فلا يصرفه لنفسه وإنما يتصدق به تخلصاً منه.

                                (47/14)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                صلاة المسافر خلف إمام مقيم


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: إذا دخل جماعة مع إمام يصلي المغرب وهم مسافرون وقد صلوا المغرب، فهل يجوز لهم أن يصلوا ركعتين ويجلسوا ويسلموا، أم ماذا يفعلون؟

                                الجواب
                                هذه تحتاج إلى قاعدة: إذا دخل المسافر مع إمام مقيم فالواجب عليه أن يتم الصلاة حتى لو لم يدرك إلا التشهد الأخير، الدليل: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) ولم يفصل، وسئل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: [عن الرجل المسافر يصلي ركعتين ومع الإمام أربعاً؟ قال: تلك هي السنة] فالواجب على المسافر إذا دخل مع إمام يتم أن يتم الصلاة، لكن أحياناً يأتي في المطار فيجد من يصلون، لا يدري أهم مقيمون أم مسافرون، فماذا يصنع؟ هل يتم أو يقصر؟ هو لم يدخل معهم في أول الصلاة، ولو كان معهم من أول الصلاة لعرف الموضوع، يقال: ينظر إذا كان على الإمام علامة السفر بأن كانت الشنطة إلى جنبه، وكان عليه ثياب السفر فليأخذ بالظاهر على أن الإمام يقصر، وإذا كان عليه علامة الإقامة كما لو كان الإمام من موظفي المطار - وموظفو المطار لهم لباس خاص - فهنا ينوي الإتمام لأن الظاهر أنه يتم، فيعمل بالظاهر، فإن تردد ولم يتبين له فهنا نقول: إذا احتاط وأتم فهو أفضل، وإن قصر فلا حرج.
                                وإذا دخل جماعة مع إمام يصلي المغرب وهم مسافرون وقد صلوا المغرب، فإن دخلوا مع الذي يصلي المغرب وهم لم يصلوا العشاء فالواجب عليهم أن يتابعوا الإمام، وإذا سلم أتوا بالرابعة، ويحتمل أن يقال: إنه لا تلزمهم المتابعة في الرابعة لأن الإمام يصلي صلاةً ليست رباعية، وإنما يصلي ثلاثية، فلهم أن يجلسوا في التشهد الأول وينتظروا الإمام ويسلموا معه، لأن صلاتهم هم العشاء وصلاته هو المغرب، لكن الأفضل أن يتابعوه وإذا سلم أتوا بالرابعة.

                                (47/15)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                ما يفعله من وجد ضالة الغنم


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: السؤال حول ضالة الغنم: وجد والدي في أحد الأيام مع قطيع الغنم التابع له في المرعى عدد أربعة رءوس من الضأن فعرفها مدة سنة، ثم باعها بمبلغ ألف وأربعمائة ريال، فماذا يعمل الآن بهذا المبلغ هل له حق فيه؟ أرجو الإجابة بارك الله فيك.


                                الجواب
                                نعم، إذا كان قد عرفها سنة ولم يجد أصحابها فهي له، أي: لو أبقاها مع غنمه ونمت فهي له، وإذا كان قد باعها الآن فالثمن له؛ لأنه إذا تمت سنة على اللقطة ولم يوجد صاحبها بعد التعريف فإنها لمن وجدها، إلا لقطة واحدة وهي الإبل وما أشبهها من الضوال؛ فإنها لا تملك بالتعريف لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما سئل عن ضالة الإبل قال: (ما لك ولها؟ دعها فإن معها سقاءها وحذاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها) فالإبل لا يجوز للإنسان أن يبقيها عنده، إذا جاءت في إبله فليطردها، ولا يحل له أن يقول: آخذها وأعرفها سنة ثم أملكها لا يمكن أن تملك، بل تطرد ويجدها صاحبها، البعير كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام معها سقاؤها وحذاؤها، ما هو سقاؤها؟ البطن، تشرب ثم تظل أربعة أو خمسة أيام أو أكثر في عز الصيف، وحذاؤها هو الخف.

                                (47/16)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حكم السلام على من هي من غير المحارم وتقبيل رأسها


                                السؤال
                                بعض الناس يسلم على أم جيرانه الكبيرة في السن التي قد بلغت سن السبعين أو أقل، وربما قبل رأسها وهي متحجبة ويقول: هذا لا بأس به لأنه من الاحترام لهذه المرأة التي لا تشتهى، فهل عمله هذا جائز؟

                                الجواب
                                أما السلام عليها فهو جائز، يجوز أن يسلم على عجوز جيرانه لما بينهم من التقارب، ولأن الله تعالى يقول: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60] أما تقبيل الرأس والمصافحة فلا يجوز، لأنه كما يقولون: لكل ساقطة لاقطة.
                                هي وإن كانت لا تشتهى لكن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويكفي أن نقول: سلم عليها وأسألها عن حالها وحال أولادها بلا خلوة، ولا حرج عليه.

                                (47/17)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                الشروط الصحيحة والفاسدة في عقد النكاح


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: أنا شاب قد خطبت امرأة واتفقنا على كل شيء، وعند عقد النكاح فوجئت بمفاجئة وهو أن أهل الزوجة قد شرطوا علي شروطاً كثيرة لم يكن عندي خبر منها، فماذا أفعل؟ أرجو توجيه نصيحة في هذا الشأن.


                                الجواب
                                هو الآن يقول ما هي النصيحة؟ إذا كان قد عقد النكاح على هذه الشروط التي اشترطها أهل المرأة نظرنا: إن كانت شروطاً صحيحة فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) وإن كانت شروطاً غير صحيحة مثل أن يقولوا: نزوجك بشرط أن تطلق زوجتك التي معك، هذا شرط باطل، ولا يجوز الوفاء به، ولا يلزمه أن يوفي به، وليس للزوجة الجديدة ولا لوليها أن يفسخوا النكاح إذا لم يطلق المرأة، وذلك لأنه شرط باطل، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها -أو قال: ما في صحفتها-) هذا شرط باطل.
                                من الشروط -أيضاً-: أن يشترطوا على الزوج أن يدخل الدش وألا يمنعها من مشاهدة ما تريد، هذا -أيضاً- شرط فاسد، ولا يحل للزوج أن يوفي به لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن شُرط مائة مرة) .
                                أما الشروط الصحيحة مثل أن يشترطوا عليه أن تبقى في التدريس أو الدراسة، أو يشترطوا عليه مسكناً غير مسكن أهله وإخوانه، أو يشترطوا عليه ألا يخرجها من دارها، أو يشترطوا عليه ألا يسافر بها، أو أن يشترطوا عليه ألا يتزوج عليها، فهذه الشروط وأمثالها شروط صحيحة، إذا رضي لزمته، لكن لو شرط عليه ألا يسافر بها، وبعد أن تزوجها وصلحت الحال بينهما وأراد أن يسافر بها وقال أهلها: لا تسافر بها.
                                وقالت هي: أنا أريد السفر معه.
                                فهل الحق لها أو لأهلها؟ لها، إلا في حال معينة: لو كان أبواها عاجزين -أمها وأبوها- واشترطا أن تبقى في البيت لخدمتهما، ورضي الزوج بذلك، فهنا الشرط صحيح؛ لأنهما اشترطا منفعة لهما بل ضرورة فيكون الشرط صحيحاً.
                                وأقول لهذا الأخ السائل: إن كان قد عقد فقد مضى الشيء فلينظر في هذه الشروط، الفاسد منها يلغى والصحيح يبقى، ولو كانت شروطاً ثقيلة فلعل الله تعالى أن يجعل له من أمره يسراً، أما إذا كان لم يعقد حتى الآن فالأمر في يده إن شاء وافق وإن شاء خالف.
                                وكأن الأخ السائل كره أنهم فاجئوه بالشروط عند العقد، وحق له أن يكره، لأنه الآن عند العقد في موضع حرج، قد دعا الناس إلى العقد وأعلمهم بأنه في الليلة الفلانية أو اليوم الفلاني، فإذا جاءت الشروط صار في موضع حرج، ولذلك نقول: إذا كان عند المرأة أو أولياؤها شيء من الشروط فليكن عند الخطبة والإجابة، فيقولون عندما يجيبونه: نعم، مرحباً بك، نزوجك، لكن هذه قائمة بالشروط التي لنا.
                                إما أن يوافق وإما أن يدع، وأما إذا كان عند العقد فهذا لا شك أنه إحراج، وأنه خديعة من الزوجة وأهلها.
                                نعم ربما يقول أهل الزوجة أو الزوجة: نحن لم نعلم عن الرجل تمام العلم إلا عند العقد، وأردنا أن نشترط عليه شروطاً تمنعه مما سمعنا عنه مثل: أن يكون الرجل كثير السفر إلى بلاد فيها الدعارة والخنا فيشترطون عليه ألا يسافر إلى هذه البلاد، ويقولون: نحن ما علمنا في الأول، علمنا فيما بعد وأردنا الاستدراك، فهذا قد يكونوا معذورين فيه.

                                (47/18)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حكم تصوير العروس في الأعراس


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: ما حكم تصوير العروس في الزواج من أجل أن تكون للذكرى لكي يراها من لم يحضر الزواج من القريبات والصديقات؟ علماً بأن الصورة فقط للعروس دون العريس؟

                                الجواب
                                أرى ألا حاجة إلى ذلك، النساء كلهن يشتهين الزواج كما أن الرجال كذلك، لكن البلاء إما من أوليائهن وإما من كثرة المهور ومشقتها، وإما من كونها -أي: المرأة- تريد أن تبقى في عملها الدراسي مدرسة أو دارسة، أو لغير ذلك من الأسباب، وكون المرأة ما تشتهي الزواج إلا إذا رأت صورة أختها فهذه لا يقومها شيء ولا تنتفع، لذلك أرى أن هذه الصورة محرمة ولا يجوز، وأقبح من ذلك أن تصور المرأة وزوجها عند أول لقاء بينهما ولا سيما إذا كان في الفيديو، لأن الفيديو يحكي صورة حية.
                                فالواجب علينا أن نتقي الله عز وجل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ * وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} [الطلاق:2-4] وألا تستدرجنا الأهواء والمماراة إلى أن نقع في الشر والفساد.

                                (47/19)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حكم شراء أشرطة الفيديو المحتوية على الرسوم المتحركة للأطفال


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: إني أحبك في الله، وأرجو أن تبين لي حكم شراء أفلام الفيديو إذا كان يوجد فيها رسوم متحركة، مع أن هذه الرسوم هادفة ونافعة للأطفال، فهل يختلف الحكم بين الصور الحقيقة والمتحركة أم لا؟

                                الجواب
                                أقول: أحبه الله الذي أحبنا فيه، وهذه الأفلام التي فيها أشياء نافعة تنفع الصغار وتصدهم عن شر منها؛ إذا كان لا بد فلا شك أنها أهون من الأفلام الخليعة، والصغير يرخص له في اللهو واللعب ما لا يرخص للكبير، ولهذا رخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ عائشة رضي الله عنها أن تلعب بالبنات؛ لأنه تزوجها وهي صغيرة، كان عمرها حين تزوجها ست سنوات، وبنى بها ولها تسع سنوات، وكان عليه الصلاة والسلام خير الناس لأهله، كان يمكنها من أن تلعب بهذه اللعب، فيرخص للصغار ما لا يرخص للكبار، فإذا اشترى الإنسان أفلاماً تكون فيها تسلية للصغار وليس فيها شيء محرم فهذا لا بأس به.

                                (47/20)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حكم إدخال الفيديو للبيت بدون رضا الزوج


                                السؤال
                                سائلة تقول: فضيلة الشيخ: انتشر بين النساء ما يسمى بالفيديو الإسلامي، وهو يعرض صوراً متحركة ومسرحيات إسلامية، وأدخله كثير من الناس، وأنا أريده لأولادي وزوجي يرفض دخول الجهاز إلى البيت، فما حكم ذلك؟

                                الجواب
                                الأمر في البيت للزوج؛ لأن البيت بيته، والأهل أهله، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته) فإذا منعها زوجها أن تدخل هذا الفيلم وجب عليها السمع والطاعة، ولا يحل لها أن تدخله إلا برضاه، لكن ينبغي أن تقنعه بأن هذه الأفلام إذا كانت مباحة لا بأس بها حتى يقتنع ويرضى، أما أن تجبره على هذا أو تسيء عشرته حتى يرضخ لها فهذا حرام عليها.

                                (47/21)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                الفرق بين دعاء المسألة ودعاء العبادة


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: أرجو أن تبين لي الفرق بين دعاء المسألة ودعاء العبادة؟

                                الجواب
                                جميع العبادات التي يتعبد بها الإنسان دعاء عبادة، الصلاة دعاء عبادة، الصدقة دعاء عبادة، الصوم دعاء عبادة، الحج دعاء عبادة، بر الوالدين دعاء عبادة، طلب العلم دعاء العبادة، لأنك لو تسأل هذا العابد: ماذا تريد بالعبادة؟ قال: أريد التقرب إلى الله وأن أحل دار كرامته.
                                إذاً هو داع بلسان الحال.
                                أما دعاء المسألة: فأن يسأل الإنسان ربه ما يريد فيقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم اهدني، وما أشبه ذلك، فهذا هو الفرق، فكل عابد لله فهو داع بلسان الحال، وكل سائل فهو داع، ولهذا كان القرب -قرب الله عز وجل- خاصاً بمن يدعوه أو يعبده، قال الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:186] وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وليس قرب الله عز وجل قرباً عاماً لكل أحد، بل هو قريب من الداعي والعابد فقط، لكنه سبحانه وتعالى عليم بكل شيء، كل أحوال الإنسان يعلمها عز وجل، بل قد قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:16-18] .

                                (47/22)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                نصيحة حول السفر إلى الخارج للسياحة


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: أنا شاب أريد أن أذهب إلى دولة إسلامية لغرض السياحة، وأريد أن آخذ زوجتي معي، ومن المعلوم أن الجوازات يطلبون صورة للزوجة، فهل يجوز لي ذلك؟ أرجو نصيحتك بارك الله فيك.


                                الجواب
                                جزاه الله خيراً، ويجب علي أن أبدي له النصيحة وأبدي له المشورة التي أدين الله بها، أقول: لا يذهب إلى بلاد أخرى، لا إلى بلاد إسلامية ولا إلى بلاد غربية ولا شرقية، يبقى في بلده أسلم لدينه، وأحفظ لأهله.
                                ومسألة النفقة زادت أو نقصت لا تهم، المهم أن يبقى في بلاد كبلادنا -والحمد لله- محافظة، يحفظ دينه ويحفظ أهله، هو إذا ذهب إلى البلاد يجد أشياء منكرة ظاهرة علناً في السوق: نساء متبرجات، أشياء كثيرة ما أحب أن أذكرها الآن، فنصيحتي لهذا السائل وأقول: جزاه الله خيراً، أنا قلت له ما يجب عليه، فأرجو أن يقبل مني المشورة: ألا يذهب إلى بلد غير بلادنا، نفقات، وضياع وقت، واتجاهات الله أعلم بها.
                                وأقول لكم الآن وأنتم تدركونه: ما كنتم رأيتموه حين الصغر ألستم كأنكم الآن تشاهدونه؟ بلى، هؤلاء الصغار سوف تنطبع مشاهداتهم التي يشاهدونها إلى أن يلقوا الله عز وجل.
                                فالواجب أن يرعى الإنسان أهله رعاية حسنة، وفي بلادنا -والحمد لله- حسب ما سمعنا فيها من المشاهدات الطيبة، وفيها -أيضاً- من المناظر الطبيعية ما يغني عن الخارج.

                                (47/23)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                شروط المحرم


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: هل يشترط في المحرم أن يكون بالغاً، فهناك رجل يعمل في الخارج ومعه زوجته وابنه الذي يبلغ التاسعة من العمر، فأرادت الزوجة أن تحضر زواجاً لأخيها، فأرسلها زوجها عن طريق الطائرة مع هذا الابن، واتصل على أهلها لاستقبالها في مطار المملكة، فهل له ذلك؟ وهل يكفي هذا الصبي في المحرمية؟ جزاك الله خيراً.


                                الجواب
                                المحرم ذكر العلماء أنه لا بد فيه من شرطين: البلوغ والعقل، وأن من دون البلوغ لا يصح أن يكون محرماً، ومن ليس بعاقل لا يصح أن يكون محرماً؛ لأن المقصود بالمحرم هو حماية الزوجة وصيانتها ومنع الاعتداء عليها، والصغار لا يقومون بهذا.
                                فأقول: الآن المرأة -حسب السؤال- وصلت البلد، لا ترجع إلى زوجها حتى يأتي زوجها ويأخذها معه، أو تذهب مع أحد محارمها الذين بلغوا وعقلوا، أما الصغير الذي في التاسعة من عمره فإنه لا يكفي أن يكون محرماً.

                                (47/24)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حكم خروج المرأة من بيتها في أيام حدادها


                                السؤال
                                فضيلة الشيخ: إذا خرجت المرأة في وقت الحداد لزيارة ابنها الصغير الذي في المستشفى بسبب حادث قد أصابه أو ذهبت إلى المحكمة لقضاء حاجة لها أو لأولادها، فهل تحسب هذه الأيام من الحداد؟

                                الجواب
                                أولاً: أقول زيارتها لولدها وهي في الحداد لا تجوز لا ليلاً ولا نهاراً؛ لأن هذه مصلحة تتعلق بالولد، إلا إذا تعبت نفسياً ولم تستقر حتى ترى ولدها فحينئذٍ تخرج إلى ولدها في النهار وتزوره، وترجع إلى مقرها، وأما الذهاب إلى المحكمة فإذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس أن تذهب إلى المحكمة لحصر الإرث أو للولاية على أولادها أو ما أشبه ذلك.
                                المهم أن خروجها لحاجة تتعلق بها جائز، وتتعلق بغيرها لا يجوز ما لم تصل الحال إلى قلقها وعدم راحتها فلا بأس أن تخرج من أجل أن تستقر نفسها في مقرها.

                                (47/25)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                جواز صلاة المفترض خلف المتنفل


                                السؤال
                                إذا دخل رجل قد فاتته صلاة المغرب فقام رجل يريد أن يتصدق عليه، فأيهما الأحق بأن يصلي بالآخر؟ وهل من حرج في إعادة صلاة المغرب وهي وتر النهار؟

                                الجواب
                                إذا دخل رجل وأراد إنسان أن يتصدق عليه؛ فمن قال إنه لا يصح أن يكون المتنفل إماماً للمفترض تعين أن يكون الداخل هو الإمام؛ لأنه مفترض والثاني متنفل، ومن قال: إنه يجوز أن يكون المتنفل إماماً للمفترض -وهو الصحيح- قال: يؤمهما أقرؤهما لكتاب الله سواء الداخل أو الذي في المسجد.
                                أما كونه يسأل عن صلاة المغرب هل تعاد أو لا فنقول: نعم تعاد، وتكون وتراً كصلاة الإمام تماماً، ولا ينافي أن تكون الصلاة الأولى التي صلاها مع الإمام الأول هي وتر النهار، وهذه الثانية تكون معادة، ولا حرج عليه في أن يعيدها ثلاثاً لأنه إنما أعادها تبعاً لإمامه.

                                (47/26)


                                --------------------------------------------------------------------------------

                                حكم مصافحة النساء


                                السؤال
                                هذا يسأل يقول: يوجد في بعض البلاد مصافحة النساء.


                                الجواب
                                نقول: هذا ما يجوز، حتى لو وجد وكان هذا من عادتهم أن الإنسان يصافح المرأة فالواجب ترك هذه العادة.
                                جزى الله عنا والدنا وشيخنا خير الجزاء، ونفعنا بعلمه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.

                                (47/27)


                                --------------------------------------------------------------------------------
                                وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم
                                وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

                                حياكم الله بموقع بداية الهداية الخطوة إلى طريق العلم الشرعي الصحيح
                                https://www.musacentral.com/

                                تعليق

                                يعمل...
                                X