
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المحجلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يصل إلينا بين الحين والآخر فيديو يموج بالافتراءات والمرجفات، يتخذ من روايات باطلة ومكذوبة مطية للطعن في جناب النبي ﷺ، فيبثّ السموم في قلوب ضعاف العلم، ويزعزع يقين من لم يحصّل من العلم الشرعي ما يدفع به هذه الشبهات. ومن ذلك هذا الفيديو الذي يدّعي بأسلوب التلميح لا التصريح: أن النبي ﷺ شكّ في نسب ابنه إبراهيم، وأنه أمر بقتل رجل بغير بينة، وأن زوجة له قالت له مقولة تطعن في نبوته: «لو كنت نبياً ما مات ابنك»، وأن موت إبراهيم — على صغر سنه — قد يكون فيه ريبة!
وسأقوم بالرد على الشبهات ، وتفنيدها تفنيداً علمياً رصيناً، يعتمد على أمهات كتب السنة، وشروح كبار الأئمة، وأقوال جهابذة الجرح والتعديل، بأسلوب واضح بين. والله أسأل أن ينفع بهذا الردّ، وأن يجعله حجة لنا يوم نلقاه، لا حجة علينا.
المحور الأول: مارية القبطية وابنها إبراهيم — تفنيد أكاذيب التشكيك
أولاً: من هي مارية القبطية؟
مارية بنت شمعون القبطية، أهداها المقوقس عظيم القبط في مصر إلى النبي ﷺ في السنة السابعة من الهجرة، وذلك بعد صلح الحديبية، حين أرسل النبي ﷺ رسله إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام. وقد أهدى المقوقس معها أختها سيرين، وغلاماً خصياً يسمى مأبوراً، وبغلة، وأشياء أخرى. فاصطفى النبي ﷺ مارية لنفسه، فهي أم ولد له، وهي من أمهات المؤمنين في حرمة النكاح من بعده، بشهادة أهل العلم قاطبة. وقد ولدت له إبراهيم في السنة الثامنة من الهجرة، وهو الابن الوحيد الذي رزقه الله إياه في المدينة.
هذه المرأة الطاهرة الشريفة التي أكرمها الله بأن جعلها أمّاً لابن رسول الله ﷺ، والتي قال فيها رسول الله ﷺ: «استوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً» (رواه مسلم) — يريد بذلك رحم إبراهيم من مارية — هي التي حاول هذا الفيديو وأمثاله أن يلطخوا عرضها، ويدنسوا طهرها. وحاشاها ثم حاشاها!
ثانياً: حديث أنس بن مالك في قصة المجبوب — التفصيل الكامل
نص الحديث
أخرج الإمام مسلم في صحيحه — كتاب التوبة — بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
«أن رجلاً كان يُتَّهم بأم ولد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لعليّ: اذهب فاضرب عنقه. فأتاه عليّ فإذا هو في رَكِيّ يتبرد فيها، فقال له علي: اخرج. فناوله يده فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر. فكفّ عنه علي ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر».
الشبهة التي يثيرها الطاعنون
زعم صاحب الفيديو أن هذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ شكّ في مارية، فأمر بقتل الرجل الذي اتهم بها، دون بينة ولا إقرار! قال: وكيف يقتل رجل دون تحقيق؟ وكيف يأمر بذلك نبي؟
الجواب المسهب
أقول — وبالله التوفيق — إن هذا الإشكال قد تصدّى له أئمة الإسلام منذ ألف عام، وأجابوا عنه بأجوبة محكمة رصينة، لا تدع للشاكّ فيها مقنعاً، ولا للمبطل فيها متعلقاً. وإليك الأجوبة على التفصيل:
الجواب الأول — وهو أحسن الأجوبة وأقواها وأسدّها — جواب الإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله (ت 456هـ):
قال ابن حزم في كتابه «الإيصال إلى فهم كتاب الخصال» كما نقل عنه الحضيري في «سبل الهدى والرشاد» (10/432):
«من ظن أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتله حقيقة بغير بينة ولا إقرار فقد جهِل. وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه بريء مما نسب إليه ورمي به، وأن الذي ينسب إليه كذب. فأراد صلى الله عليه وسلم إظهار الناس على براءته ليوقفهم على ذلك مشاهدة، فبعث علياً ومن معه فشاهدوه مجبوباً — أي مقطوع الذكر — فلم يمكنه قتله لبراءته مما نسب إليه».
ثم أتبع ابن حزم هذا بكلام بديع يقطع دابر كل شبهة فقال:
«وجعل هذا نظير قصة سليمان عليه السلام في حكمه بين المرأتين المختلفتين في الولد، فطلب السكين ليشقه نصفين إلهاماً، ولظهور الحق. وهذا حسن».
قلت: وهذا من بديع الاستنباط ودقيق الفهم! فالنبي ﷺ لم يشك في مارية قط، وحاشاه أن يشك! إنما أراد أن تظهر الحقيقة للناس ظهوراً قاطعاً بالعيان، حتى لا يبقى في القلوب شيء، ولا يتحدث المرجفون في غيابه ﷺ. إنها حيلة شرعية محكمة، وسياسة نبوية حكيمة، يُراد بها قطع الطريق على أهل الإفك والإرجاف إلى يوم القيامة. وهل بعد أن رأى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من الصحابة أن الرجل خصي لا ذكر له = يبقى مجال لشك أو ظن؟!
وتأمل كم في هذا من إكرام لمارية رضي الله عنها! فالنبي ﷺ لم يكتف بعلمه ببراءتها، بل أراد أن يعلم الناس كلهم ببراءتها، وأن يشهدوا هم بأنفسهم على ذلك. فهل هذا فعل من شكّ في عرض أهله؟! حاشا وكلا، بل هذا فعل الواثق غاية الوثوق، المطمئن غاية الاطمئنان، الذي يريد أن يفضح المفتري على رؤوس الأشهاد.
الجواب الثاني — جواب الإمام النووي رحمه الله (ت 676هـ):
قال في شرحه على صحيح مسلم (17/118):
«قيل: لعله كان منافقاً ومستحقاً للقتل بطريق آخر، وجُعل هذا محركاً لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنى. وكفّ عنه علي رضي الله عنه اعتماداً على أن القتل بالزنى وقد علم انتفاء الزنى».
فيكون الأمر بالقتل منوطاً بنفاق الرجل وكفره، لا بتهمة الزنى. فلما تبيّن لعلي أن لا زنى، ترك قتله — إذ القتل الذي أمر به النبي ﷺ كان مبنياً على تقدير ثبوت الزنى، وقد تبيّن انتفاؤه — وبقي الأمر الآخر (النفاق) مما فوّض فيه علي إلى اجتهاده.
الجواب الثالث — جواب الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله (ت 310هـ):
قال ابن جرير: «يجوز أن يكون المذكور من أهل العهد، وفي عهده ألا يدخل على مارية، فدخل عليها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله لنقضه العهد». فالقتل هنا ليس للزنى، بل لنقض العهد والغدر، وهو حكم جارٍ على مقتضى ما كان عليه حال المعاهدين.
الجواب الرابع — جواب الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله (ت 751هـ):
قال في «زاد المعاد»:
«وأحسن من هذا أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر علياً رضي الله عنه بقتله تعزيراً لإقدامه على خلوته بأم ولده. فلما تبين لعلي حقيقة الحال وأنه بريء من الريبة كف عنه، واستغنى عن القتل بتبيين الحال. والتعزير بالقتل ليس بلازم كالحد، بل هو تابع دائر مع المصلحة وجوداً وعدماً».
فانظر — رحمك الله — إلى جلالة قدر هؤلاء الأئمة، وسعة فقههم، ودقة استنباطهم! أربعة أجوبة محكمة، كلها تدور حول معنى واحد: إن النبي ﷺ لم يشك في مارية، وإن الحديث لإظهار الحق لا للشك فيه!
ثالثاً: افتراء أن عائشة رضي الله عنها شككت في نسب إبراهيم
يدّعي الفيديو أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول للنبي ﷺ: «إن الطفل لا يشبهك»! وأقول في الردّ على هذه الفرية:
أولاً: ليس هذا في صحيح البخاري ولا في صحيح مسلم ولا في السنن الأربعة! وغاية ما هنالك روايات ساقطة ضعيفة في كتب متأخرة لا يحتج بها، ولا تقوم بها حجة.
ثانياً: لو فُرِض جدلاً أن شيئاً من هذا رُوي، فإنه من باب الغيرة التي لا تسلم منها امرأة — وقد غفر الله لأمهات المؤمنين وأكرمهن — وليس فيه قدح في مارية ولا في نسب إبراهيم. ثم ألا تعلم أن عائشة نفسها قد بُرِّئت من فوق سبع سماوات في حادثة الإفك؟ أفيليق بمن برّأها الله أن تقذف غيرها؟! حاشاها!
ثالثاً: الثابت خلاف هذا تماماً! فإن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان إبراهيم أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم». أفلا يسقط هذا كل افتراء؟!

تعليق