هل اقتبس النبي ﷺ قصص عيسى من الأناجيل المنحولة؟ شبهة الأبوكريفا
يأتي بعض المشككين فيقولون: إن القرآن ذكر قصصًا عن عيسى عليه السلام لا توجد في الأناجيل الأربعة القانونية، لكنها توجد في بعض الأناجيل المنحولة، مثل: كلام عيسى في المهد، وصنعه الطير من الطين. ثم يقفزون مباشرة إلى النتيجة: إذن محمد ﷺ اقتبس من هذه الكتب.
هذه قفزة غير علمية؛ لأن وجود التشابه لا يثبت الاقتباس، ولا يكفي أن تقول: “القصة موجودة هناك وموجودة هنا”، بل لا بد أن تثبت: من نقل؟ ومن أين؟ وبأي لغة؟ وبأي طريق؟ ولماذا تغيّر المضمون العقدي والأخلاقي للقصة جذريًا؟
بل إن المقارنة الدقيقة بين القرآن وهذه النصوص المنحولة لا تثبت الاقتباس، بل تكشف أن القرآن جاء مهيمنًا ومصححًا؛ يثبت أصل المعجزة، وينزع عنها الغلو والتحريف والخرافة.
أولًا: التشابه ليس دليل اقتباس
أول خطأ في هذه الشبهة هو افتراض أن التشابه يعني النقل.
لو وجدت قصة عن عيسى عليه السلام في مصدرين، فهذا لا يعني تلقائيًا أن أحدهما سرق من الآخر. قد يكون كلاهما راجعًا إلى أصل أقدم، أو إلى تقليد شفهي سابق، أو إلى بقايا ذاكرة دينية اختلط فيها الحق بالباطل.
الإسلام أصلًا لا ينكر وجود بقايا حق عند أهل الكتاب. بل القرآن يقرر أنه جاء:
﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ المائدة: 48
فهو مصدق لما بقي من الحق، ومهيمن أي حاكم ومصحح لما وقع فيه التحريف.
إذن لو وجدنا رواية منحولة فيها أثر من معجزة حقيقية لعيسى، ثم جاء القرآن فذكرها بصورة نقية موحدة، فهذا لا يحرج المسلم، بل يوافق منهج القرآن.
ثانيًا: مثال كلام عيسى في المهد
يستشهد المشككون بما يسمى إنجيل الطفولة العربي، وفيه أن المسيح تكلم وهو في المهد.
لكن تعال وانظر: ماذا يقول النص المنحول؟ وماذا يقول القرآن؟
النص المنحول
ورد في إنجيل الطفولة العربي:
“تكلّم يسوع وهو في المهد، وقال لمريم أمه: أنا يسوع ابن الله، الكلمة، الذي ولدته كما بشّرك الملاك جبرائيل.”
The Arabic Gospel of the Infancy of the Saviour, chapter 1.
ويُطبع ضمن: Ante-Nicene Fathers, Volume 8, تحت عنوان: The Arabic Gospel of the Infancy of the Saviour.
هذا النص يجعل كلام الطفل في المهد مؤيدًا لعقيدة بنوة المسيح وألوهيته.
أما القرآن فيقول:
﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ مريم: 30
لاحظ الفرق.
النص المنحول يقول على لسان عيسى: أنا ابن الله، الكلمة.
والقرآن يقول على لسان عيسى: إني عبد الله.
فلو كان النبي ﷺ يقتبس من هذا النص، فلماذا يأخذ المشهد نفسه ثم يقلب عقيدته رأسًا على عقب؟
لماذا يجعل المعجزة حجة على التوحيد بدل أن تكون حجة على ألوهية المسيح؟
هذا ليس اقتباسًا. هذا تصحيح.
القرآن يوافق في أصل المعجزة: أن عيسى تكلم في المهد.
لكنه يرفض المضمون العقدي المنحرف: ألوهية المسيح وبنوته لله.
ثالثًا: مثال خلق الطير من الطين
من أشهر ما يردده المشككون قولهم: إن قصة خلق الطير من الطين موجودة في إنجيل طفولة توما.
فلننظر إلى النص.
النص المنحول: جاء في إنجيل طفولة توما:
“وكان يسوع في الخامسة من عمره، يلعب عند مجرى ماء... وصنع من الطين اللين اثني عشر عصفورًا. وكان ذلك في يوم السبت... فجاء يوسف وانتهره قائلًا: لماذا تفعل في يوم السبت ما لا يحل فعله؟ فصفق يسوع بيديه، وصاح بالعصافير: اذهبن! فطارت العصافير وهي تصيح.”
The Infancy Gospel of Thomas, Greek Text A, chapter 2.
وانظر أيضًا:
J. K. Elliott, The Apocryphal New Testament, “The Infancy Gospel of Thomas,” chapter 2.
أما القرآن فيقول:
﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ آل عمران: 49
في موضع آخر:
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ المائدة: 110
الفرق هنا عظيم.
النص المنحول يحكي مشهدًا طفوليًا عجيبًا مرتبطًا باللعب والسبت واعتراض يوسف.
أما القرآن فيعرض المعجزة باعتبارها آية من الله، ويكرر القيد العقدي الحاسم:
بإذن الله
بإذني
أي أن عيسى لا يخلق استقلالًا، ولا يملك القدرة بذاته، وإنما يجري الله المعجزة على يديه.
فهل هذا اقتباس؟
أم تصحيح للتصور؟
لو كان القرآن ينقل من إنجيل الطفولة لتوما، فلماذا حذف الجو الشعبي والجدل حول السبت، وحوّل القصة إلى برهان توحيدي صريح؟





تعليق