ونتحول الآن إلى لغة الرواية، التى يقول عنها الناقد المنتهك: "وبقدر ما يجترح القعيد شيئا من الانتهاكات اللغوية المحببة يقترب من روح العامية المصرية في أطرف تجلياتها"، وهو ما يعطينا فرصة للكلام عن لغة الرواية لا يصح أن نضيعها. والحق أنى لا أدرى عَمَّ يتحدث ناقدنا الانتهاكى حينما يشير إلى الانتهاكات اللغوية المحببة التى يجترحها القعيد بما يدل على أن القعيد يتقن لغة الكتابة إلى الدرجة التى يقصد قصدا إلى الانتهاكات اللغوية، فضلا عن أن تكون انتهاكات لغوية محببة. أذكر أننى قرأت له منذ زمن غير قريب رواية "أخبار عزبة المنيسى"، وكانت مفعمة بالأخطاء النحوية، وهو ما يشهد على تدنى مقدرته اللغوية، هذا التدنى الذى لا يزال ساطع الحضور فى أى شىء يكتبه القعيد ولا يخضع للتصحيح اللغوى. بل إنه لا يحسن استعمال علامات الترقيم حتى الأساسى منها.
ورغم أن الرواية الحالية قد خضعت للتدقيق اللغوى من جانب المراجعين المختصين بدلائل لا تخطئها العين فإنها لا تزال تعجّ بعديد من الأخطاء المخزية. مثال ذلك كلمة "سوى"، التى يستخدمها كما لو كانت حرفا، فنراه يدخلها كثيرا على أشباه الجمل كما فى قوله مثلا: "لم يشعر سوى بالبراح" بدلا من أن يقول: "لم يشعر إلا بالبراح"، إذ إن "سوى" اسم لا حرف، وتضاف إلى ما بعدها، ومعروف أن المضاف يكون اسما لا شبه جملة. أما إذا أراد الكاتب أن يبقى على شبه الجملة فى تلك الحالة فليس أمامه سوى استعمال "إلا" عوضا عنها. لكن هذا، فيما هو واضح، مما يعلو على أفهام القعيد ومدققه اللغوى فوق البيعة، ومن ثم نرى ذلك الخطأ قد تكرر كثيرا جدا فى الرواية رغم أن المسألة من أوليات النحو العربى.
ومن الأخطاء التى لم تنجح تدقيقات المصحح اللغوى فى إخفائها كلمة "غذاء" لوجبة الظهيرة (ص36)، وصوابها "غَدَاء" بالدال وفتح الغين. ومنها "لم نعد نره" (ص128)، وصحتها: "لم نعد نراه" (أو إن أردنا الانصياع إلى ما يقوله المتشددون اللغويون: "عدنا لا نراه")، إذ لم يسبق الفعلَ: "نرى" ما يستدعى حذف حرف العلة فى آخره لأنه غير مجزوم. وهناك كلمة "مَصْيدة" بفتح الميم كما هى مشكَّلة فى النص، وصوابها كما يعرفها كل تلميذ درس أسماء الآلة: "مِصْيَدة" بكسرها. وخطأ آخر هو قول القعيد: "مَعْفِىّ"، ولست أعرف من أى واد من أودوية الجهل أتى بهذه المصيبة. ذلك أن الفعل هو "أعفى (فلانٌ فلانًا من العقوبة") لا "عفاه"، فاسم المفعول منه إذن هو "مُعْفًى". بل إن اسم المفعول من الفعل: "عفا عنه" هو "مَعْفُوّ عنه" لا "مَعْفِىّ". وإنى لأتساءل: إذا كانت هذه هى نوعية الأخطاء التى تعانى منها الرواية رغم خضوعها للتصحيح اللغوى، فماذا كانت حالها تكون لو لم يصححها المصححون؟ أليست هذه كارثة؟ كذلك تنتشر فى الرواية انتشار الجرب فى الجلد تركيب "مع بعضنا، فى مواجهة بعضنا، نتصل ببعضنا، نرى بعضنا، أفرك يدىّ ببعضهما..." بدلا من أن يقول: "بعضنا مع بعض، بعضنا فى مواجهة بعض، يتصل بعضنا ببعض، يرى بعضنا بعضا، أفرك كلتا يدىّ بالأخرى..." كما ينبغى أن يكون تركيب الكلام بدلا من هذا الاستعمال العامى الذى يدل على جهل باللغة لا يليق بمن يريد من الناس التصديق بأنه كاتب يحسن استمعال لغة ثقافته. وقريب من ذلك قوله: "يجعلنا فى أبعد مسافة عن الآخر" (ص47) عوضا عن "يجعل كلينا فى أبعد مسافة عن الآخر" مثلا.
وفى ص124 نجد الفعل "عَمَّرَ" مضبوطا على هذا النحو بمعنى "طال عمره" فى العبارة التالية: "عَمَّرْنا ألف سنة". وهو خطأ صوابه: "عُمِّرْنا" لأن الله هو الذى يُعَمِّرنا، أى يطيل عمرنا. ومن أخطائه، أو قل: "انتهاكاته"، المضحكة قوله: "درْس العقل" (ص147) بالدال كأى عامى مسكين لا يعرف الألف من كوز الذرة. ومن هذه الانتهاكات أيضا قوله: "اختارى مشروعا يناسب هواياتك تكونى قادرة على إدارته" بدلا من "تكونين" بثبوت النون فى آخر الفعل المضارع لكونه مرفوعا لا منصوبا ولا مجزوما. ولأن القعيد منتهك قرارىّ نراه، رغم التدقيق اللغوى، يقول على لسان مهرة فى حديثها عن زوجها السابق وعشيقها اللاحق مصطفى نور الدين: "ألم أجرى أمامه...؟" بإثبات الياء فى آخر الفعل المضارع رغم انجزامه.
ومن انتهاكات الكاتب كذلك، ربنا يحرسه ويحميه من العين، استخدامة كلمة "بَلْوَة" بدلا من "بلوى" مرتين فى جملة واحدة (ص188). فهكذا يكون "الانتهاك"، وإلا فلا. وإياك أن تقول إن هذا جهل، والعياذ بالله، فمثل القعيد، ببركة النقاد الانتهاكيين، ينتهكون ولا يخطئون. شىء لله يا سيدى يا منتهك! ومن انتهاكاته أيضا قوله على لسان "مهرة": "نظرت من العين السحرية، وبرغم كثافة الظلام أمام باب الشقة وتداخله مع بقايا الأضواء الخافتة القادمة من أبواب شقق الآخرين فما رأيته لم يخرج عن كتلة كثيفة من الملابس لا تفصح عن ملامح القادم أو القادمة" (ص199). فانظر، يا قارئى الكريم، كيف يكسر هذا المنتهك قوانين اللغة فيستخدم كلمة "رغم"، التى تدل على التناقض، محلّ كلمة "بسبب"، التى تدل على العِلِّية! لقد كان ينبغى أن يقول منتهكنا العبقرى: "وبسبب كثافة الظلام... إلخ". ذلك أن كثافة الظلام هى السبب فى أن مهرة لم تميز ملامح الطارق لا أنها لم تميز تلك الملامح رغم كثافة الظلام. ومع وضوح هذا للعيان فإن منتهكنا لعجزه لا يستطيع أن يراه. ومتى كان العاجزون هواة الانتهاك يَرَوْن الصواب؟
ونستمر مع الانتهاكات فنقرأ: "قالت إنها كانت تردد أبيات من شعر صلاح عبد الصبور أمير الشعراء المصريين والعرب فى النصف الثانى من القرن العشرين" (ص220) رافعة (أو خافضة) كلمة "أبيات" بدلا من نصبها بالفتحة مع التنوين الذى تُكْتَب بعده ألف: فأما سيدنا المنهتك، حماه الله وأبقاه منتهكا لا يعرف شيئا من النحو والصرف العربى أبدا، فقد كتبها هكذا والسلام لأن معرفته بقواعد العربية هى كمعرفتى بقواعد لغة الإسبرانتو بالضبط، التى عندى كتاب خاص بها وفكرت فى تعلمها حين كنت شابا إخال أننى قادر على كل شىء، فشرعت أتعلم الألمانية ومضيت فيها شوطا جيدا حتى لقد كنت أقرأ ترجمات القرآن بها وأفهمها، وكنت قبلئذ قد بدأت تعلُّم الفارسية على يد نفسى وبلغت المرحلة التى استطعت عندها أن أتحدث بها، ولكن ببطء، ثم أنسانى الشيطان الرجيم هذا كله عند سفرى معارا إلى السعودية فى بداية تسعينات القرن البائد، إذ اشتغلت بجمع المال وتكديسه فى قفف وزكائب عن مواصلة الطريق، وكذلك عن التفكير فى تعلم الإسبرانتو. يا خسارة! هذا عن سيدنا المنتهك، وأما المدقق اللغوى الذى صحح له أخطاءه الكثيرة المتلتلة فى الرواية فأغلب الظن أنه حسبها جمع مؤنث سالما فنصبها بالكسر. وهناك انتهاك آخر فى قول "مهرة" عن صلاح عبد الصبور إنه أمير الشعراء فى النصف الثانى من القرن العشرين. ومهرة، فى الحقيقة، لا علاقة لها بالأمر من قريب أو من بعيد، فممثلةٌ مغناجٌ وفلاتيةٌ مثلها لا يمكن أن تكون لها أية صلة بشعر أو بنثر، بل الكاتب هو الذى سرَّب ذلك على لسانها، يريد أن يشير من طَرْفٍ خفىٍّ أنه يتذوق الشعر رغم أنه لا يتذوق منه شيئا. لقد استشهد ذات مرة ببيت شعرى لأمير الشعراء الحقيقى ففضح نفسه، إذ رواه على النحو التالى الذى لو كان أحمد شوقى حيا للطم وصرخ بسببه من عبقرية روائينا الانتهاكى الذى يعجز عن النطق السليم لبيت من الشعر لا يخطئ فيه العامى الذى لا يكتب ولا يقرأ وليس منتهكا. قال لا فُضَّ فوه:
قم للمعلم وأوفه التبجيـــــلا * كاد المعلم أن يكون رســــــولا
والحمد لله أن اكتفى بتدشين عبد الصبور أميرا للشعراء العرب فى النصف الثانى من القرن العشرين عن تأميره على الشعر كله فى بلاد العالم أجمع، وعلى مدى العصور كافة، وقليلٌ ما ذلك عليه! وعندئذ يكون عندنا أميران: أمير الشعر الحلمنتيشى، وأمير الانتهاك البطيخى!
أما قوله على لسان ماجد: "استحضار صور الزيارات السابقة وإلصاقها بجوار صور اليوم أرهقاننى" بنونين اثنين لا نون مفردة (ص229) فحكايةٌ وحدها يستحق السيد قعيد أن يدخل موسوعة جينيس بسببها فلا يخرج منها أبدا. وكيف يمكن أن يخرج وهو ذو بدوات وانتهاكات لم يقم بها أحد من قبل ولن يقوم بها أحد من بعد ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك؟ وسبحان المعطى! والحق أنه لو لم يكن له سوى هذا الاستعمال لكفاه للخلود فى دنيا الكتابة واللغات. ومن يعترض على كلامى هذا فليدلنى على كاتب واحد فى أى عصر من عصور الأدب العربى المحترمة أو غير المحترمة قال مثله: "يرهقاننى"! شىء لله يا سِى "نِنِى"!
وخذ عندك أيها القارئ هذه الانتهاكة أيضا، إذ إن مصدر الفعل "لَوَى" عند السيد قعيد هو: "لَوْى" (262) لا "لَىّ". ومع ذلك فحين راجعت نفسى وجدت أن القعيد لا ينبغى أن يلام، فهذا هو مستوى ثقافته وإمكاناته اللغوية. لكن المصيبة كل المصيبة أن هناك نقادا انتهاكيين يثخّنون آذان أمثاله ويفهمونهم أنهم عباقرة. لكن بالله كيف يكون عبقريا من لا يعرف أن "إنّ" تنصب الاسم فيقول: "إن المهندسون يرسمون" (ص263)؟ والحمد لله أنه لم يقل: "إن المهندسون يرسمونون" مثلما قال: "أرهقاننى"! بل قد يكون قالها، لكن المصحح غيرها، وإن كان قد فاته أن يصحح أيضا "المهندسون"، التى لو وُزِّعَتْ جريرتها على أمم الأرض جميعا لعَرَّتها: عَرَّتْها من "العُرْى" ومن "الـمَعَرَّة" معا.
وهناك أيضا العَتَه التعبيرى فى قوله على لسان ماجد إنه نطق كلمة "سِكْس" بالإنجليزية (ص238)! ما كل هذه العبقرية؟ ذلك أننا لم نكن نعرف قبلا أن تلك الكلمة تتغير نطقا من لغة إلى لغة حتى أتانا مؤلفنا الهمام فأفهمنا ما لم نكن نفهمه! ترى هل تنطق الكلمة بالعربية على نحو آخر؟ فكيف ذلك يا ترى؟ إنها فى العربية والعبرية والإيطالية والفارسية والتركية والأوزبكية والأوردية والبنغالية والسواحيلية وسائر لغات العالم هى، والله وتالله وبالله وتَرَبِّ الكعبة وتالرحمن، "سِكْس"! ومثل هذا العته قوله على لسان مهرة، ويبدو أن شخصيات الرواية كلهم يتمتعون بمقدار من العته ضخم والحمد لله: "ارتداء الملابس القديمة يعطى الانطباع بالقِدَم كما لو كانت ملابس مستعملة أو لُبِسَت من قبل" (ص73). أرأيت كيف أن الملابس القديمة تبدو وكأنها لُبِسَتْ من قبل مع أنها لم يسبق أن لُبِسَت من قبل؟ ثم أرأيت كيف يستخدم كاتبنا اللوذعى الحرف: "أو" بين جملة "كأنها ملابس مستعملة" وجملة "لُبِسَتْ من قبل"، وكأن الملابس المستعملة شىء، والملابس التى لُبِسَتْ من قبل شىء آخر؟
فهذه، يا قارئى، هى الانتهاكات التى يشيد بها الناقد الانتهاكى، وهى إشادة مضحكة، إذ متى كان الجهل ميزة خليقة بمدح النقاد؟ لقد كان ينبغى أن ينصح الناقد الانتهاكى الروائى المسكين يوسف القعيد أن يذهب فيحسن لغته أولا قبل أن يتصدى للكتابة، ودعنا الآن من أن الكتابة التى تصدى لها هى رواية تافهة متهافتة كالتى بين أيدينا. عيب أن نَغُرّ الممسكين بالأقلام عن أنفسهم فنلقى فى رُوعهم أن أخطاءهم الفادحة الفاضحة هى علامة على براعة تصرفهم فى اللغة وحسن انتهاكهم لها. إن من ينتهك اللغة هو كمن ينتهك عرض فتاة، لا يصح أبدا الثناء عليه، بل تجب مؤاخذته. والقعيد ليس من الكتاب الذين وصلوا فى إحسان لغتهم إلى المدى الذى يمكنهم أن يتصرفوا فيها، بل هو من أولئك الذين يجب عليهم أن يبدأوا بتعلمها على أصولها، ويعرفوا أن هذا الأمر لا يؤخذ بالنبوت كما يقول الدكاترة زكى مبارك ولا بانتهاج سياسة الغُشْم كما يقول الدكتور الواحد فقط الذى هو العبد لله. وإذا كانت هناك أشياء يمكن أن تُؤْخَذ بالغُشْم كما فى عالم "الفَتْوَنة" مثلا فإن الغُشْم لا يصلح أبدا فى مجال العلم والأدب.
ولعل هذه أن تكون المناسبة الملائمة لتذكُّر ما دار يوما بينى وبين مدرّستى الأمريكية (مسز أَدَامِك) التى كانت تعلمنى الإنجليزية فى أوكسفورد أول وصولى إليها، إذ أحيانا ما كنت ألجأ إلى بعض الاستعمالات اللغوية الغريبة التى تعلن عدم رضاها عنها، فأسألها ضاحكا: ولم لا يكون هذا استعمالا جديدا فى لغتكم؟ فتجيبنى بأن هذا إنما يصلح لو كنت د. هـ. لورانس مثلا. فأعقب أنا على ذلك ضاحكا مرة أخرى: هَبِينى د. هـ. لورانس إذن، واقبلى منى هذا التعبير. فتضحك أخيرا من دعابتى بعدما كانت فى البداية تقابل ما أقوله بالدهشة والإنكار، ولها كل الحق طبعا فى ذلك. لكن لا بد أن أقول للقارئ إننى لم أصل أوانئذ فى تهورى وسخفى فى الكتابة بالإنجليزية، التى كنت وقتها مبتدئا فيها لأن لغتى الأجنبية الأولى كانت الفرنسية، أقول: لم أصل إلى الحد الذى وصل إليه يوسف القعيد فى العربية، ذلك الذى بلغ فى انتهاكاته العبقرية أن يقول: "كلما اشتدت المحنة كلما كان ذلك إيذانا بانفراج الأزمة" بتكرير "كلما" الشرطية غير دار أن هذا لا يجوز، إذ متى صح أن نقول مثلا: "مهما تفعل مهما لا أصدقك" أو "متى تجلس متى أجلس" أو "إنْ تبتسم إنْ أَرْضَ عنك" حتى يصح أن نقول أيضا: "كلما كان كَيْت كلما كان ذَيْت"؟
ومن الفقر اللغوى المخجل أيضا قول الكاتب عن رائحة فواحة لا يمكن إلا أن يشمها كل أحد: "يشمّها الأبكم" (ص15)، وكأن الأبكم يشم بفمه، فالبَكَم عيب فى الفم لا فى الأنف كما يعرف ذلك كل الناس إلا سيدنا المنتهك. أم ترى أحدا منكم، أيها القراء الكرام، رأى شخصا يستعمل فمه يوما من الأيام فى شم الروائح؟ فلماذا خلق الله له أنفا إذن؟ إياكم أن تقولوا إنه خلقه ليسمع به، وأذنيه ليأكل بهما... وهلم جرا! وبسبب من هذا الفقر اللغوى كذلك يقول انتهاكينا عن قطعة البلاستيك الخاصة بزر جرس الشقة: "لاحظتُ مساحة من البلاستيك..." (ص20). وبسبب من هذا الفقر اللغوى نفسه ترى القعيد يصف شارع عباس العقاد فيقول إنه كان تحت البيت بصورة عمودية (ص34). أرأيتم إلى هذه البلاهة اللغوية؟ هل هناك شارع فى القاهرة أو فى مصر كلها أو فى أى مكان آخر فى العالم يكون فوق البيت لا تحته، أو يكون تحته ولكن بصورة غير عمودية؟ أرجو تحويل هذه القضية الملحة للمفتى بسرعة ليقول لنا رأيه فيها لأن "ما لا أريد ذكرها صراحةً" سوف تنفقع. كذلك تكرر استعمال كلمة "شُرُط" فى الرواية جمعا لـ"شريط" كما فى "شُرُط الفيديو" مثلا. ولا أظن أبدا أن ذلك المنتهك يمكنه أن يفكر فى هذه الصيغة الجمعية، فهى أكبر من مستواه الثقافى اللغوى، وقد تكون من بُنَيّات المدقق، الذى لا أدرى لم ترك صيغة "أشرطة" الأكثر شيوعا، والتى نستخدمها جميعا، فى الوقت الذى لا نستخدم فيه كلمة "شُرُط"، وإن كنت لا أستطيع أبدا القول مع هذا بأنها استعمال خاطئ، بل كل ما أقول هو أنها صيغة لا أذكر أننى قابلتها فى قراءاتى أو أستعملها فى كتاباتى رغم صحتها. أما إذا فاته لأمر أو لآخر أن يستخدم صيغة "أشرطة" لقد كان يمكنه الاستعاضة عنها بكلمة "شرائط"، وهى مشهورة أيضا.
وأنا، برغم ذلك كله، أتوقع أن يقيم النقاد الانتهاكيون للسيد القعيد، عقب وفاته بعد عمر مديد يُكَاد به العُذّال من أمثالى، ضريحا يسمونه: "مقام سيدى المنتهك" يقصده الناس المغرمون بالانتهاك من كل حَدَبِ وصوب، وفى أيديهم الشموع يشعلونها كرامة له ونكاية فى اللغة وفى الأدب وفى الفن على السواء. وأَعِدُ من الآن أن أشعل أنا أيضا شمعة لا من باب الكرامة له بل لإحراق المقام كله جَرّاء كراهيتى للأولياء المنتهكين، الذين أرى أن يعاقَبوا على هذا الانتهاك لا أن يُكَرَّموا. ولَخَيْرٌ للثقافة أن نشعل النار فى أضرحتهم فنريح ونستريح من هذا الهلس والخبص من أن نشعل لهم شموعا، وهم قد عاشوا طوال حياتهم خارجين على قوانين اللغة والأدب. إلا أن هناك خطرا سوف ينشأ من إشعال النار فى مقام سيدنا المنتهك، ألا وهى اتهامنا بالإرهاب الدينى، وولولة الشيخ فلان والشيخ علان على إحراق الأضرحة رغم أنه "حتة" ضريح واحد لا راح ولا جاء. نعم سوف يولولان ويلطمان ويشقان الجبب ويرميان بالعمائم على الأرض، فى الوقت الذى يتم حرق الدين كله على مرأى ومسمع منهما دون أن يفتح الله عليهما بكلمة استنكار. ولا تَنْسَوْا أن الشيخين "المفضولين" ظلا إلى آخر نفس فى عمر نظام المخلوع يؤيدانه ويهيجان الجماهير على الثورة والثوار، لينقلبا عقب الإطاحة به ثوارا "آخر ألاجة" دون أن يطرف لهما جفن ودون أن يظهر على خدودهما شىء من حمرة الخجل. أدال الله منهما، وأرانا فيهما يوما قريبا تتخلص فيه مصر منهما ومن أشباههما.
ورغم أن الرواية الحالية قد خضعت للتدقيق اللغوى من جانب المراجعين المختصين بدلائل لا تخطئها العين فإنها لا تزال تعجّ بعديد من الأخطاء المخزية. مثال ذلك كلمة "سوى"، التى يستخدمها كما لو كانت حرفا، فنراه يدخلها كثيرا على أشباه الجمل كما فى قوله مثلا: "لم يشعر سوى بالبراح" بدلا من أن يقول: "لم يشعر إلا بالبراح"، إذ إن "سوى" اسم لا حرف، وتضاف إلى ما بعدها، ومعروف أن المضاف يكون اسما لا شبه جملة. أما إذا أراد الكاتب أن يبقى على شبه الجملة فى تلك الحالة فليس أمامه سوى استعمال "إلا" عوضا عنها. لكن هذا، فيما هو واضح، مما يعلو على أفهام القعيد ومدققه اللغوى فوق البيعة، ومن ثم نرى ذلك الخطأ قد تكرر كثيرا جدا فى الرواية رغم أن المسألة من أوليات النحو العربى.
ومن الأخطاء التى لم تنجح تدقيقات المصحح اللغوى فى إخفائها كلمة "غذاء" لوجبة الظهيرة (ص36)، وصوابها "غَدَاء" بالدال وفتح الغين. ومنها "لم نعد نره" (ص128)، وصحتها: "لم نعد نراه" (أو إن أردنا الانصياع إلى ما يقوله المتشددون اللغويون: "عدنا لا نراه")، إذ لم يسبق الفعلَ: "نرى" ما يستدعى حذف حرف العلة فى آخره لأنه غير مجزوم. وهناك كلمة "مَصْيدة" بفتح الميم كما هى مشكَّلة فى النص، وصوابها كما يعرفها كل تلميذ درس أسماء الآلة: "مِصْيَدة" بكسرها. وخطأ آخر هو قول القعيد: "مَعْفِىّ"، ولست أعرف من أى واد من أودوية الجهل أتى بهذه المصيبة. ذلك أن الفعل هو "أعفى (فلانٌ فلانًا من العقوبة") لا "عفاه"، فاسم المفعول منه إذن هو "مُعْفًى". بل إن اسم المفعول من الفعل: "عفا عنه" هو "مَعْفُوّ عنه" لا "مَعْفِىّ". وإنى لأتساءل: إذا كانت هذه هى نوعية الأخطاء التى تعانى منها الرواية رغم خضوعها للتصحيح اللغوى، فماذا كانت حالها تكون لو لم يصححها المصححون؟ أليست هذه كارثة؟ كذلك تنتشر فى الرواية انتشار الجرب فى الجلد تركيب "مع بعضنا، فى مواجهة بعضنا، نتصل ببعضنا، نرى بعضنا، أفرك يدىّ ببعضهما..." بدلا من أن يقول: "بعضنا مع بعض، بعضنا فى مواجهة بعض، يتصل بعضنا ببعض، يرى بعضنا بعضا، أفرك كلتا يدىّ بالأخرى..." كما ينبغى أن يكون تركيب الكلام بدلا من هذا الاستعمال العامى الذى يدل على جهل باللغة لا يليق بمن يريد من الناس التصديق بأنه كاتب يحسن استمعال لغة ثقافته. وقريب من ذلك قوله: "يجعلنا فى أبعد مسافة عن الآخر" (ص47) عوضا عن "يجعل كلينا فى أبعد مسافة عن الآخر" مثلا.
وفى ص124 نجد الفعل "عَمَّرَ" مضبوطا على هذا النحو بمعنى "طال عمره" فى العبارة التالية: "عَمَّرْنا ألف سنة". وهو خطأ صوابه: "عُمِّرْنا" لأن الله هو الذى يُعَمِّرنا، أى يطيل عمرنا. ومن أخطائه، أو قل: "انتهاكاته"، المضحكة قوله: "درْس العقل" (ص147) بالدال كأى عامى مسكين لا يعرف الألف من كوز الذرة. ومن هذه الانتهاكات أيضا قوله: "اختارى مشروعا يناسب هواياتك تكونى قادرة على إدارته" بدلا من "تكونين" بثبوت النون فى آخر الفعل المضارع لكونه مرفوعا لا منصوبا ولا مجزوما. ولأن القعيد منتهك قرارىّ نراه، رغم التدقيق اللغوى، يقول على لسان مهرة فى حديثها عن زوجها السابق وعشيقها اللاحق مصطفى نور الدين: "ألم أجرى أمامه...؟" بإثبات الياء فى آخر الفعل المضارع رغم انجزامه.
ومن انتهاكات الكاتب كذلك، ربنا يحرسه ويحميه من العين، استخدامة كلمة "بَلْوَة" بدلا من "بلوى" مرتين فى جملة واحدة (ص188). فهكذا يكون "الانتهاك"، وإلا فلا. وإياك أن تقول إن هذا جهل، والعياذ بالله، فمثل القعيد، ببركة النقاد الانتهاكيين، ينتهكون ولا يخطئون. شىء لله يا سيدى يا منتهك! ومن انتهاكاته أيضا قوله على لسان "مهرة": "نظرت من العين السحرية، وبرغم كثافة الظلام أمام باب الشقة وتداخله مع بقايا الأضواء الخافتة القادمة من أبواب شقق الآخرين فما رأيته لم يخرج عن كتلة كثيفة من الملابس لا تفصح عن ملامح القادم أو القادمة" (ص199). فانظر، يا قارئى الكريم، كيف يكسر هذا المنتهك قوانين اللغة فيستخدم كلمة "رغم"، التى تدل على التناقض، محلّ كلمة "بسبب"، التى تدل على العِلِّية! لقد كان ينبغى أن يقول منتهكنا العبقرى: "وبسبب كثافة الظلام... إلخ". ذلك أن كثافة الظلام هى السبب فى أن مهرة لم تميز ملامح الطارق لا أنها لم تميز تلك الملامح رغم كثافة الظلام. ومع وضوح هذا للعيان فإن منتهكنا لعجزه لا يستطيع أن يراه. ومتى كان العاجزون هواة الانتهاك يَرَوْن الصواب؟
ونستمر مع الانتهاكات فنقرأ: "قالت إنها كانت تردد أبيات من شعر صلاح عبد الصبور أمير الشعراء المصريين والعرب فى النصف الثانى من القرن العشرين" (ص220) رافعة (أو خافضة) كلمة "أبيات" بدلا من نصبها بالفتحة مع التنوين الذى تُكْتَب بعده ألف: فأما سيدنا المنهتك، حماه الله وأبقاه منتهكا لا يعرف شيئا من النحو والصرف العربى أبدا، فقد كتبها هكذا والسلام لأن معرفته بقواعد العربية هى كمعرفتى بقواعد لغة الإسبرانتو بالضبط، التى عندى كتاب خاص بها وفكرت فى تعلمها حين كنت شابا إخال أننى قادر على كل شىء، فشرعت أتعلم الألمانية ومضيت فيها شوطا جيدا حتى لقد كنت أقرأ ترجمات القرآن بها وأفهمها، وكنت قبلئذ قد بدأت تعلُّم الفارسية على يد نفسى وبلغت المرحلة التى استطعت عندها أن أتحدث بها، ولكن ببطء، ثم أنسانى الشيطان الرجيم هذا كله عند سفرى معارا إلى السعودية فى بداية تسعينات القرن البائد، إذ اشتغلت بجمع المال وتكديسه فى قفف وزكائب عن مواصلة الطريق، وكذلك عن التفكير فى تعلم الإسبرانتو. يا خسارة! هذا عن سيدنا المنتهك، وأما المدقق اللغوى الذى صحح له أخطاءه الكثيرة المتلتلة فى الرواية فأغلب الظن أنه حسبها جمع مؤنث سالما فنصبها بالكسر. وهناك انتهاك آخر فى قول "مهرة" عن صلاح عبد الصبور إنه أمير الشعراء فى النصف الثانى من القرن العشرين. ومهرة، فى الحقيقة، لا علاقة لها بالأمر من قريب أو من بعيد، فممثلةٌ مغناجٌ وفلاتيةٌ مثلها لا يمكن أن تكون لها أية صلة بشعر أو بنثر، بل الكاتب هو الذى سرَّب ذلك على لسانها، يريد أن يشير من طَرْفٍ خفىٍّ أنه يتذوق الشعر رغم أنه لا يتذوق منه شيئا. لقد استشهد ذات مرة ببيت شعرى لأمير الشعراء الحقيقى ففضح نفسه، إذ رواه على النحو التالى الذى لو كان أحمد شوقى حيا للطم وصرخ بسببه من عبقرية روائينا الانتهاكى الذى يعجز عن النطق السليم لبيت من الشعر لا يخطئ فيه العامى الذى لا يكتب ولا يقرأ وليس منتهكا. قال لا فُضَّ فوه:
قم للمعلم وأوفه التبجيـــــلا * كاد المعلم أن يكون رســــــولا
والحمد لله أن اكتفى بتدشين عبد الصبور أميرا للشعراء العرب فى النصف الثانى من القرن العشرين عن تأميره على الشعر كله فى بلاد العالم أجمع، وعلى مدى العصور كافة، وقليلٌ ما ذلك عليه! وعندئذ يكون عندنا أميران: أمير الشعر الحلمنتيشى، وأمير الانتهاك البطيخى!
أما قوله على لسان ماجد: "استحضار صور الزيارات السابقة وإلصاقها بجوار صور اليوم أرهقاننى" بنونين اثنين لا نون مفردة (ص229) فحكايةٌ وحدها يستحق السيد قعيد أن يدخل موسوعة جينيس بسببها فلا يخرج منها أبدا. وكيف يمكن أن يخرج وهو ذو بدوات وانتهاكات لم يقم بها أحد من قبل ولن يقوم بها أحد من بعد ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك؟ وسبحان المعطى! والحق أنه لو لم يكن له سوى هذا الاستعمال لكفاه للخلود فى دنيا الكتابة واللغات. ومن يعترض على كلامى هذا فليدلنى على كاتب واحد فى أى عصر من عصور الأدب العربى المحترمة أو غير المحترمة قال مثله: "يرهقاننى"! شىء لله يا سِى "نِنِى"!
وخذ عندك أيها القارئ هذه الانتهاكة أيضا، إذ إن مصدر الفعل "لَوَى" عند السيد قعيد هو: "لَوْى" (262) لا "لَىّ". ومع ذلك فحين راجعت نفسى وجدت أن القعيد لا ينبغى أن يلام، فهذا هو مستوى ثقافته وإمكاناته اللغوية. لكن المصيبة كل المصيبة أن هناك نقادا انتهاكيين يثخّنون آذان أمثاله ويفهمونهم أنهم عباقرة. لكن بالله كيف يكون عبقريا من لا يعرف أن "إنّ" تنصب الاسم فيقول: "إن المهندسون يرسمون" (ص263)؟ والحمد لله أنه لم يقل: "إن المهندسون يرسمونون" مثلما قال: "أرهقاننى"! بل قد يكون قالها، لكن المصحح غيرها، وإن كان قد فاته أن يصحح أيضا "المهندسون"، التى لو وُزِّعَتْ جريرتها على أمم الأرض جميعا لعَرَّتها: عَرَّتْها من "العُرْى" ومن "الـمَعَرَّة" معا.
وهناك أيضا العَتَه التعبيرى فى قوله على لسان ماجد إنه نطق كلمة "سِكْس" بالإنجليزية (ص238)! ما كل هذه العبقرية؟ ذلك أننا لم نكن نعرف قبلا أن تلك الكلمة تتغير نطقا من لغة إلى لغة حتى أتانا مؤلفنا الهمام فأفهمنا ما لم نكن نفهمه! ترى هل تنطق الكلمة بالعربية على نحو آخر؟ فكيف ذلك يا ترى؟ إنها فى العربية والعبرية والإيطالية والفارسية والتركية والأوزبكية والأوردية والبنغالية والسواحيلية وسائر لغات العالم هى، والله وتالله وبالله وتَرَبِّ الكعبة وتالرحمن، "سِكْس"! ومثل هذا العته قوله على لسان مهرة، ويبدو أن شخصيات الرواية كلهم يتمتعون بمقدار من العته ضخم والحمد لله: "ارتداء الملابس القديمة يعطى الانطباع بالقِدَم كما لو كانت ملابس مستعملة أو لُبِسَت من قبل" (ص73). أرأيت كيف أن الملابس القديمة تبدو وكأنها لُبِسَتْ من قبل مع أنها لم يسبق أن لُبِسَت من قبل؟ ثم أرأيت كيف يستخدم كاتبنا اللوذعى الحرف: "أو" بين جملة "كأنها ملابس مستعملة" وجملة "لُبِسَتْ من قبل"، وكأن الملابس المستعملة شىء، والملابس التى لُبِسَتْ من قبل شىء آخر؟
فهذه، يا قارئى، هى الانتهاكات التى يشيد بها الناقد الانتهاكى، وهى إشادة مضحكة، إذ متى كان الجهل ميزة خليقة بمدح النقاد؟ لقد كان ينبغى أن ينصح الناقد الانتهاكى الروائى المسكين يوسف القعيد أن يذهب فيحسن لغته أولا قبل أن يتصدى للكتابة، ودعنا الآن من أن الكتابة التى تصدى لها هى رواية تافهة متهافتة كالتى بين أيدينا. عيب أن نَغُرّ الممسكين بالأقلام عن أنفسهم فنلقى فى رُوعهم أن أخطاءهم الفادحة الفاضحة هى علامة على براعة تصرفهم فى اللغة وحسن انتهاكهم لها. إن من ينتهك اللغة هو كمن ينتهك عرض فتاة، لا يصح أبدا الثناء عليه، بل تجب مؤاخذته. والقعيد ليس من الكتاب الذين وصلوا فى إحسان لغتهم إلى المدى الذى يمكنهم أن يتصرفوا فيها، بل هو من أولئك الذين يجب عليهم أن يبدأوا بتعلمها على أصولها، ويعرفوا أن هذا الأمر لا يؤخذ بالنبوت كما يقول الدكاترة زكى مبارك ولا بانتهاج سياسة الغُشْم كما يقول الدكتور الواحد فقط الذى هو العبد لله. وإذا كانت هناك أشياء يمكن أن تُؤْخَذ بالغُشْم كما فى عالم "الفَتْوَنة" مثلا فإن الغُشْم لا يصلح أبدا فى مجال العلم والأدب.
ولعل هذه أن تكون المناسبة الملائمة لتذكُّر ما دار يوما بينى وبين مدرّستى الأمريكية (مسز أَدَامِك) التى كانت تعلمنى الإنجليزية فى أوكسفورد أول وصولى إليها، إذ أحيانا ما كنت ألجأ إلى بعض الاستعمالات اللغوية الغريبة التى تعلن عدم رضاها عنها، فأسألها ضاحكا: ولم لا يكون هذا استعمالا جديدا فى لغتكم؟ فتجيبنى بأن هذا إنما يصلح لو كنت د. هـ. لورانس مثلا. فأعقب أنا على ذلك ضاحكا مرة أخرى: هَبِينى د. هـ. لورانس إذن، واقبلى منى هذا التعبير. فتضحك أخيرا من دعابتى بعدما كانت فى البداية تقابل ما أقوله بالدهشة والإنكار، ولها كل الحق طبعا فى ذلك. لكن لا بد أن أقول للقارئ إننى لم أصل أوانئذ فى تهورى وسخفى فى الكتابة بالإنجليزية، التى كنت وقتها مبتدئا فيها لأن لغتى الأجنبية الأولى كانت الفرنسية، أقول: لم أصل إلى الحد الذى وصل إليه يوسف القعيد فى العربية، ذلك الذى بلغ فى انتهاكاته العبقرية أن يقول: "كلما اشتدت المحنة كلما كان ذلك إيذانا بانفراج الأزمة" بتكرير "كلما" الشرطية غير دار أن هذا لا يجوز، إذ متى صح أن نقول مثلا: "مهما تفعل مهما لا أصدقك" أو "متى تجلس متى أجلس" أو "إنْ تبتسم إنْ أَرْضَ عنك" حتى يصح أن نقول أيضا: "كلما كان كَيْت كلما كان ذَيْت"؟
ومن الفقر اللغوى المخجل أيضا قول الكاتب عن رائحة فواحة لا يمكن إلا أن يشمها كل أحد: "يشمّها الأبكم" (ص15)، وكأن الأبكم يشم بفمه، فالبَكَم عيب فى الفم لا فى الأنف كما يعرف ذلك كل الناس إلا سيدنا المنتهك. أم ترى أحدا منكم، أيها القراء الكرام، رأى شخصا يستعمل فمه يوما من الأيام فى شم الروائح؟ فلماذا خلق الله له أنفا إذن؟ إياكم أن تقولوا إنه خلقه ليسمع به، وأذنيه ليأكل بهما... وهلم جرا! وبسبب من هذا الفقر اللغوى كذلك يقول انتهاكينا عن قطعة البلاستيك الخاصة بزر جرس الشقة: "لاحظتُ مساحة من البلاستيك..." (ص20). وبسبب من هذا الفقر اللغوى نفسه ترى القعيد يصف شارع عباس العقاد فيقول إنه كان تحت البيت بصورة عمودية (ص34). أرأيتم إلى هذه البلاهة اللغوية؟ هل هناك شارع فى القاهرة أو فى مصر كلها أو فى أى مكان آخر فى العالم يكون فوق البيت لا تحته، أو يكون تحته ولكن بصورة غير عمودية؟ أرجو تحويل هذه القضية الملحة للمفتى بسرعة ليقول لنا رأيه فيها لأن "ما لا أريد ذكرها صراحةً" سوف تنفقع. كذلك تكرر استعمال كلمة "شُرُط" فى الرواية جمعا لـ"شريط" كما فى "شُرُط الفيديو" مثلا. ولا أظن أبدا أن ذلك المنتهك يمكنه أن يفكر فى هذه الصيغة الجمعية، فهى أكبر من مستواه الثقافى اللغوى، وقد تكون من بُنَيّات المدقق، الذى لا أدرى لم ترك صيغة "أشرطة" الأكثر شيوعا، والتى نستخدمها جميعا، فى الوقت الذى لا نستخدم فيه كلمة "شُرُط"، وإن كنت لا أستطيع أبدا القول مع هذا بأنها استعمال خاطئ، بل كل ما أقول هو أنها صيغة لا أذكر أننى قابلتها فى قراءاتى أو أستعملها فى كتاباتى رغم صحتها. أما إذا فاته لأمر أو لآخر أن يستخدم صيغة "أشرطة" لقد كان يمكنه الاستعاضة عنها بكلمة "شرائط"، وهى مشهورة أيضا.
وأنا، برغم ذلك كله، أتوقع أن يقيم النقاد الانتهاكيون للسيد القعيد، عقب وفاته بعد عمر مديد يُكَاد به العُذّال من أمثالى، ضريحا يسمونه: "مقام سيدى المنتهك" يقصده الناس المغرمون بالانتهاك من كل حَدَبِ وصوب، وفى أيديهم الشموع يشعلونها كرامة له ونكاية فى اللغة وفى الأدب وفى الفن على السواء. وأَعِدُ من الآن أن أشعل أنا أيضا شمعة لا من باب الكرامة له بل لإحراق المقام كله جَرّاء كراهيتى للأولياء المنتهكين، الذين أرى أن يعاقَبوا على هذا الانتهاك لا أن يُكَرَّموا. ولَخَيْرٌ للثقافة أن نشعل النار فى أضرحتهم فنريح ونستريح من هذا الهلس والخبص من أن نشعل لهم شموعا، وهم قد عاشوا طوال حياتهم خارجين على قوانين اللغة والأدب. إلا أن هناك خطرا سوف ينشأ من إشعال النار فى مقام سيدنا المنتهك، ألا وهى اتهامنا بالإرهاب الدينى، وولولة الشيخ فلان والشيخ علان على إحراق الأضرحة رغم أنه "حتة" ضريح واحد لا راح ولا جاء. نعم سوف يولولان ويلطمان ويشقان الجبب ويرميان بالعمائم على الأرض، فى الوقت الذى يتم حرق الدين كله على مرأى ومسمع منهما دون أن يفتح الله عليهما بكلمة استنكار. ولا تَنْسَوْا أن الشيخين "المفضولين" ظلا إلى آخر نفس فى عمر نظام المخلوع يؤيدانه ويهيجان الجماهير على الثورة والثوار، لينقلبا عقب الإطاحة به ثوارا "آخر ألاجة" دون أن يطرف لهما جفن ودون أن يظهر على خدودهما شىء من حمرة الخجل. أدال الله منهما، وأرانا فيهما يوما قريبا تتخلص فيه مصر منهما ومن أشباههما.
* * *
يتبع
يتبع





تعليق