حيَّاكِ الله ضيفتنا الفاضلة
شرفني مروركِ الطيب
وسررت لإعجابك بالموضوع
لاحظت ضيفتنا الفاضلة أنكِ كتبتي
في خانة الديانة : أخرى
فهل تعرفينا بنفسكِ وما هو الدين الذي تتبعيه
لنتعارف ونتواصل لما فيه الخير لنا جميعاً إن شاء الله
أي بهجة للحياة إن خلت من أصدقاء يشاركوننا إياها ، نأنس بهم ونؤنسهم ،
نعطيهم ونأخذ منهم ، نهب إليهم لنشكو قسوة الأيام وتقلبات الدهر .
وقد أفرد الفلاسفة والحكماء في سمات الخليل ، وعددوا له صفات يجب أن يتحلى بها ،
قبل أن نركن إليه ونسمه بالوفاء .
لكنني أحببت أن أحذرك يا صديقي من صنف من الأصدقاء ،
يهبط معهم الواحد منا ولا يرتفع ،
ينغصون عليه حياته ، ويصبغون أيامه بلون داكن قاتم كئيب .
نعم .. هناك صديق قادر في جلسة واحدة على تعكير صفو أيامك بآرائه المعوجة ،
وتضييق صدرك بشكوكه السوداء ،
وخلق مساحة من التشاؤم في نفسك بقدرة عجيبة خارقة ! .
وهذا الصديق تعرفه بأوصاف عدة فهو كاره للبشر بصفة عامة ،
قد يكون ناجح في عمله أو غير ذلك ،
لكنه يقيننا أفشل الخلق في علاقاته الاجتماعية ،
لا يستفيد منه من يعرفه شيئا سوي تسميم روحه بالعداء للبشر..
وسوء الظن فيهم...وتوقع الشر قبل الخير منهم، إلي جانب تشويه القيم وإنكار فضائل الآخرين..
إننا حينما نتحدث مع أشخاص متشائمون يحدث شيء عجيب ،
حيث تختفي دائما أي بوادر للأمل وتنتشر فوق الرؤوس سحب التشاؤم واليأس ،
و لا تجود القريحة بأي شيء من التفاؤل أو المرح أو الأفكار والخطط الجديدة المبدعة .
فاهرب من هذا الصنف يا صاحبي وابتعد عنه ،
وابحث عن ذلك الصديق الذي تحلق معه في آفاق الجمال ،
الذي يبث فيك كل حسن ، ويلهب مشاعرك دوما بكريم طباعه وأخلاقه .
ابحث عن الصديق الذي عناه الكاتب الأمريكي إيمرسون بقوله :
إنني أنشدُ صديقا يحرك حماستي وتفاؤلي تجاه الحياة ،
ويشجعني علي أن أصنع ما أستطيع صُنعه،
ولست أريد صديقا يثبط عزيمتي بخمود روحه ويأسه من كل شيء
فأنكص عن أداء ما أستطيع أداءه لو تحليت بصفة الحماس!.
ومما روي عن يوليوس قيصر أنه لم يكن يستقبل في بلاطه سوى أصحاب الوجوه الضاحكة المستبشرة ،
وكان حجته في ذلك أن الابتهاج عدوى كما أن الاكتئاب عدوى كذلك ! .
فانتقي أصدقائك يا صاحبي ، ولا تلقي بنفسك في فلك امرء متشائم ، سيء الطلعة والطالع .
فيضيق عليك حياتك الرحبة ، ويغطي عينيك عن رؤية جمال الكون وروعته .
إشراقه :
ابتعد عن صغار الناس الذين يقللون من شأن طموحاتك،
لأن عظماء الناس هم من سيجعلونك تشعر أنك قادر على تحقيق
ما هو أكثر من طموحاتك هذه. (مارك توين )
كريستوفر وليندا زوجان مُحبان ،
تزوجا وعاشا سنوات زواجهما الأولى في كفاح مع الحياة ومصاعبها .
وعندما قرر الزوجان القيام بمشروع خاص صغير نصحهما أحد الأصدقاء
بأن يشتريا بكل مدخراتهما أجهزه طبية خاصة بعمل الأشعة للمرضى ،
وأخبرهما أن كريستوفر يستطيع بمهارته الشخصية تسويق تلك الأجهزة والحصول على أرباح خيالية .
وبناءً على نصيحة الصديق اشترى الزوج الأجهزة ، وأصبح أمام عمله الجديد ! .
وللأسف لم يستطع كريستوفر بيع جهاز واحد طيلة الثلاث أشهر الأول ! ،
واكتشف كم كان غر ساذج عندما اشترى جهازا قد انتهى زمنه ،
وأن الشركة التي صنعته ، قد طرحت بديلا عنه أفضل منه في الإمكانات وأقل منه في الثمن !! .
وتعرضت الأسرة لكارثة اقتصادية حقيقية ، وتراكمت عليها الديون ،
مما دعا بالزوجة أن تعمل في عملين متتاليين يقضيان على ساعات يومها بالكامل .
وحاول الزوج التخلص من الأجهزة بأي ثمن كي يستطيع إعالة زوجته وطفله ذو الخمسة أعوام فلم يستطع ،
وشيئاُ فشيئاً ومع تدهور الأحوال وازدياد الديون ،أصاب الزوجة اليأس فقررت أن تهجر زوجها ،
و لم يستطع الزوج المحطم عمل شيء ليحافظ على أسرته الممزقة سوى الاحتفاظ بالطفل معه
بالرغم من ظروفه السيئة ، وتتركه زوجته وتزداد الأمور سوء ..
لم يستطع كريستوفر دفع إيجار المنزل ، فطردهما صاحب البيت ،
ليجد نفسه وطفله في الشارع مشردين ضائعين ،
ينامان في الحمامات العامة ودور الإيواء ، بل وفي أوقات كثيرة في أقسام الشرطة .
وفي وسط هذا الجو المشحون القاتم ، قرر كريستوفر أن يقبل تحدي الحياة ! ،
فبدأ في بث الأمل والتفاؤل في نفسه و صغيره ( كريس) ، ثم أخذ في تحديد مصيره !!! .
فتش كريستوفر في حقيبة أحلامه ، فوجد حلما طالما راوده في صحوه ومنامه ،
وهو العمل في سوق الأوراق المالية ! .
وبالفعل تقدم لدورة تدريبية في إحدى شركات البورصة ،
التي أعلنت أن الأول في الدورة سيتم توظيفه فيها ،
لكن المشكلة الكبرى أن فترة التدريب ثمانية أشهر بدون أجر .
قرر كريستوفر حينها أن يفعل المستحيل ،
أن يستنفر كل نقطة عزم وإرادة وقوة في وجدانه ، يعمل نهارا ويذاكر ليلا ! .
الرجل الذي فشل في العمل يريد أن يعمل ويدرس !!!!! .
ثمانية أشهر من التحدي ، يخرج كريستوفر راكضا في الصباح ليلحق بالعمل ،
ويركض في الظهيرة ليلحق بالدورة التدريبية ، ويركض في المغيب لإحضار طفله من المدرسة ،
ويركض مساء كي يهنأ ببعض الضوء في الملجأ ليذاكر عليها قبل أن يطفئوا الأنوار ...
ترى هل أنهى كريستوفر دورته ، وفاز بالوظيفة ؟
هل انتهت آلامه وأحزانه ومشاكله ، وصار لديه بيتا يأويه هو وطفله ؟
أي شخص اليوم يتسنى له زيارة نيويورك يستطيع زيارة شركة
(CEO of Christopher Gardner International ) ،
والتي يملكها كريستوفر الابن ، ويستطيع أن يرى بنفسه حجم الأعمال والأرباح التي تدرها الشركة .
لقد نجح كريستوفر في الاختبار وفاز بالمركز الأول ، ولم يتوقف طموحه ،
فتدرج في عمله ، وخطا خطوات واسعة ، حتى كون ثروة تقدر بالملايين ! .
إنها العزيمة التي لا تعترف بيأس ، والطموح الذي لا تهزه رياح التعب ، والإيمان بقوة الهدف ، والسعي إليه .
لن تكون في بؤس كريستوفر ، وبالتأكيد لم تعاندك الأيام كما عاندته .
هل نمت في حمامات عامة ، أو ملجأ للمشردين ؟
هل هجرتك زوجتك يأسا من حالتك ؟
هل تخبطت وطفلك في الشوارع تبحثون عن ركن دافئ يقيكم برد الشتاء وأعين الشرطة ؟
في أقسى درجات الشدة والمعاناة واليأس ، قرر بطلنا أن يكون مليونيرا .. ونجح .
في أحلك فترات عمره وأشدها قسوة قرر أن يكون شيئا ذو قيمة .. وأصبح .
هدفك الواضح .. تصميمك الراسخ .. صبرك الجميل .. إيمانك بالله .. ثقتك في قدراتك .
هي أدواتك كي تصبح مليونيرا إن أحببت .
ومهما كان موضعك أو موقفك من الحياة .. تستطيع أن تفعلها كما فعلها كريستوفر .
إشراقه :
شر المال ما لزمك الإثم في كسبه وحرمت الأجر في إنفاقه... (جعفر بن يحيى)
حالة استنفار قصوى تتملك المرء منا حينما يتم توجيه نقد إلى ذاته .
فكلنا ننظر إلى النقد على أنه اعتداء على شخصيتنا ، ومحاولة شريرة لإبراز عيوبها .
لذا نشمر الساعد ، ونتأهب في شراسة لسحق أي معتدٍ على ذواتنا .
والحقيقة أننا جميعا ـ وبلا استثناء ـ بشر غير معصومين ،
وأن النقد هو الذي يرفعنا ويقربنا من إنسانيتنا ،
هو وحده القادر على شحذنا كي نطور من أنفسنا ونستدرك أخطائنا ،
هو الذي ينقينا ويدفعنا إلى الكمال والمثالية .
لكن معظمنا يخشى النقد لتوهمنا أن النقد يخبرنا والآخرين أننا أقل مما نحن في الحقيقة ،
أو لأننا نرى النقد جرح لكرامتنا،
أو لأن النقد سيدفعنا إلى تغيير وضع ما لا نريد تغييره ،
أو لأن الناقد غير مقبول لدينا ،
أو لأننا ـ في حقيقة الأمر ـ نمتلك من الغرور ما يجعلنا لا نقبل توجيه من أحد ! .
انظر معي لأكرم وأكمل خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم ، في غزوة بدر ،
حينما أتاه الخباب بن المنذر ليخبره في أدب أن المكان الذي خيموا فيه ليس استراتيجيا ،
وأن لديه خطة وتصور أفضل من الخطة الحالية !! .
إنه استدراك على القائد ، وأي قائد .. أعظم خلق الله ، فما الذي فعله الحبيب .
استمع إلى صاحبه حتى إذا ما انتهى ، أمر جنوده بتنفيذ أوامر الخباب بن المنذر .
القلوب العظيمة يا صديقي تقبل النقد بهدوء نفس وبساطة ، فتنظر فيه بروية وتدبر ،
فإن كان إيجابيا حقيقيا شكر صاحبه وأجزل له الثناء ،
وإن كان نقدا جائرا ظالما أفحم الناقد بهدوئه وصبره وحلمه .
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه :
(رحم الله امرَأً أهدى إليّ َعيوبي) ،
إنه ينظر إلى النقد على أنه هدية ، وهذا عُمق وحكمة ودراية ،
وحينما نستعرض كتب التاريخ وأحوال العظماء
فإننا لن نجد عظيما أو نابغة معتدا برأيه صاماً أذنه عن قبول النقد والتقويم.
إن الأشجار الضخمة اليانعة عندما ترفض التكيف مع مستجدات المناخ ،
وترفع أغصانها عاليا في كبر واعتزاز غير عابئة بنداءات الطبيعة ، تموت وتلفظها الحياة .
يراها الناس فيُخدعون بشموخها وعلوها . وهي في حقيقة الأمر ليست سوى جماد لا حياة فيها ،
يجب أن تُقطع لتكون منضدة أو كرسي أو خشب للمدفأة !! .
فليكن صدرك واسعا ، وروحك سمحة ، واقبل النقد باسم الثغر سعيد ،
اسكب على أعصابك ماءً باردا ضد النقد الجائر الظالم ..
وستجد أن حياتك أصبحت أكثر هدوءا وسكينة ونضج .
إشراقه :
لكي تتجنب النقد لا تعمل شيئا، ولا تقل شيئا، ولا تكن شيئا (ألبرت هابارد)
دخل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ذات يوم على أبيه وهو في نوم ضحى
فقال: «يا أبت إنك لنائم وإن أصحاب الحوائج لقائمون ببابك؟!»
فقال: يا بني إن نفسي مطيتي.. فإن جهدتها قطعتها.. ومن قطع المطية لم يبلغ الغاية.
واليوم وفي زحمة الحياة وضغوطها، ظن كثير ممن أسرتهم مشاغل الدنيا
أن إهمال الراحة والاسترخاء والاستجمام دليل على جديتهم في امتلاك زمام الأمور،
وأنتج هذا نوعاً من الأمراض التي لم تكن موجودة قبل ذلك مثل
(الاضطراب، والتوتر، والانفعال الزائد، وغيرها من الأمراض النفسية
التي تتولد من الضغوطات المختلفة)،
مما دعا علماء النفس إلى التأكيد على أهمية أن يأخذ المرء مساحة من الاسترخاء والراحة
تتناسب طرديا مع المجهود الذي يبذله.
وشدد المختصون على خطورة الاندماج اللاواعي في طاحونة الأعمال التي لا تنتهي،
ودعوا إلى أهمية أن ينظر المرء إلى وقت الراحة والاسترخاء
بنفس ذات النظرة ـ الهامة ـ التي يرى بها أعماله ومشاغله.
إن الراحة والاسترخاء ليسا ترفا، ولا يجب أن ننظر إليه على أنه وقت آخر ضائع،
بل يجب أن نضع له مكانا في قائمة أعمالنا، ونكافح من أجل أن نقتنصه في زحمة الحياة.
إن ضحايا التوتر والشد العصبي لكثر.. وجل أمراض السكر وضغط الدم تتأتى
من انهماك المرء المبالغ فيه في العمل، والتركيز التام في مشكلاته وتفاصيله.
ولقد توقفت متأملاً أمام رسالة بعث بها نابغة العرب الأديب مصطفى صادق الرافعي
إلى أحد أصدقائه يشكو فيه انغماسه التام في العمل مهملا لدقائق الراحة والاسترخاء
قائلا :
(أنا لا أزال بين مريض وصحيح، وقد كان مرضي إنذارا لي من طبيعتي
فلو تماديت في العمل لهدمت نفسي هدما لا يرمم، ولا بد لي من ترك دماغي وشأنه سنة كاملة،
لا يكون همي فيها إلا الرياضة والهواء،
حتى يتجدد ما اندثر ويشتد ما ضعف، ولعل الله يعقب بعد عسر يسرا).
ما أجمل هذا الوصف، وما أعمق تفسير الرافعي لتلك المشكلة التي ألمت به.
وعلى الجانب الآخر فإن الاسترخاء يعطي نتائج إيجابية عالية،
نرى ذلك جليا في رد رئيس وزراء بريطانيا القوي (وينستون تشرشل)
والذي قاد بلاده للنصر في الحرب العالمية الثانية على سؤال
عن كيفية الصمود أمام الاكتساح الألماني والذي أطاح بمعظم دول أوربا في بداية الحرب،
فأجاب : بالنوم ساعة واحدة بعد الظهر!.
وعلل ذلك بأنه رجل يعرف جيدا كيف ينظم وقته، ويقتنص ساعة يوميا يسترخي فيها،
ويصفي فيها ذهنه من المشاغل والمشاكل،
فلا يضطر ـ تحت الضغط ـ إلى اتخاذ قرارات مشوشة غير منضبطة تضر بلاده
فتعلم يا صاحبي كيف تنظم وقتك جيدا،
وتحتفظ لنفسك بساعة أو أكثر تريح فيها ذهنك، وتعيد إليه صفاءه ونقاؤه.
حاول أن تكون للرحلات الترفيهية أهمية في جدول أعمالك.
نمي هوايتك التي تستمتع بممارستها، والجأ إليها حين تشعر بالإنهاك والإجهاد.
استنشق من هواء هذا الكون بعمق، فاتحا ذراعيك،
معانقا الكون بأسره قبل أن تسقط أسيراً لأمراض لا يداويها إلا الله.
إشراقه :
لا بأس على المسلم أن يلهو ويمرح ويتفكه، على أن لا يجعل ذلك عادته وخلقه،
فيهزِل في موضع الجد، ويعبث ويلهو في وقت العمل. (عمر بن عبد العزيز)
زار أحد الشباب وكان اسمه ( جبر) إحدى المدن ،
وقرر مضيفوه أن يطوفوا به البلدة ترحيبا بمقدمه ، وفي نهاية الجولة مروا قريبا من المقابر ،
فدنا (جبر) من شاهد إحدى القبور فوجد مكتوبا عليه :
هذا قبر فلان بن فلان ولد سنة 1910 وتوفي سنة 1975 ، وعاش 7 سنوات ،
ومر على شاهد آخر فوجد مكتوبا عليه :
هذا قبر فلان بن فلان ولد سنة 1922 وتوفي عام 2000 وعاش 4 سنوات !! .
ومر على ثالث ورابع ، وكل شاهد مكتوب عليه تاريخ ميلاد وتاريخ وفاة ،
وحساب للسنوات التي عاشها صاحب القبر لكنها غير دقيقة ،
فتساءل عن السر ، فأخبروه أنهم يحسبون لمن مات عدد السنوات التي عاشها
بعدد الأيام السعيدة التي قضاها في الحياة ويُسقطون تلك الأيام التعيسة والحزينة
فلا تستحق أن تُحسب من عمره ، لأنه لم يعشها أو يستمتع بها !!.
فهذا مثلا عاش 65 عام ، لكنه لم يسعد طوال هذه الأعوام سوى سبع سنوات فقط ،
لذا يكتبوا هذه السنوات السبع على أنها كل ما عاشه هذا الرجل ! .
هنا التفت إليهم ( جبر) مبتسماً في مرارة وقال :
إذن يا أصدقائي رجاءً إذا واتتني المنية في أرضكم هذه أن تكتبوا على قبري :
( هذا قبر جبر .. من بطن أمه إلى القبر) !! .
إن أهل هذه المدينة فطنوا إلى أن عداد السنين لا يسجل إلا تلك اللحظات الجميلة السعيدة ،
وأن لحظات الشقاء يجب إسقاطها من ذاكرة الأيام غير مأسوف عليها .
ولا أقصد باللحظات الجميلة لحظات المتعة المختلسة ،
أو الاستغراق التام في لذات الحياة بلا حسبان أو تدبير ،
وإنما أقصد تلك اللحظات التي يسعد فيها المرء حقا ، ويفخر بها على الملأ .
حتى الكبوات والملمات إذا ما استأسد المرء أمامها وواجهها بشجاعة ،
تصبح فيما بعد ذكرى حسنة تدلل على شجاعته وقوته وحسن تصرفه وتدبيره
ويذكرها في عداد اللحظات السعيدة .
لكن الكثيرون منا للأسف ، ما يلبثوا يصبغون أيامهم بفرشاة رمادية داكنة ،
ويخاصمون السعادة في إصرار غريب ، فهم يتهيبون القدر وكأنه ينصب لهم فخاً ،
ويخاصمون الحياة وكأنها تحاربهم ، ويرفضون أي دعوة للتفاؤل والمرح .
إن هناك من أدمن التشاؤم والحزن ، وطوقه القلق والخوف حتى أذعن لهما ،
وأعطاهم ناصيته يحركونها كيفما شاءوا في دروب سوداوية كئيبة .
إن السعادة كعصفور جميل ، ما يلبث يحط على كتف من ناداه ،
ليغرد له أنشودة البهجة والمرح ،
لا يشترط أن تكون غنياً أو قوياً أو ذو سلطة ونفوذ كي يحط على كتفك .
إن شرطه الوحيد أن تكون راغباً حقا في سماع أنشودته الجميلة ،
أن تفتح ذراعيك متفائلاً ، مبتسماً ، راضيا بما كتبه الله عليك ، غير متذمر أو شاكي .
إن عصفور السعادة يطير فزعاً إذا ما لاحظ سحب التشاؤم والخوف والقلق تلوح في الأفق .
يهرب بلا استئذان .. ولا يعود قبل أن تشرق شمس التفاؤل من جديد وتصفو سماء الواحد منا .
إننا يا صديقي نستيقظ بعد فترة وإذا بالعمر وقد سُرق منا ،
وعداد السنين لا يحوي إلا على لحظات معدودة من السعادة ،
ونأسف على حياة ضاعت دون أن نحياها حقاً .
إشراقه :
عندما ينغلق باب للسعادة، ينفتح غيره، لكننا نحملق في الباب المغلق لفترة طويلة
تلهينا عن الانتباه لذاك الذي انفتح من أجلنا. (هيلين كيلر)
فتوقفت على جانب الطريق ، حازما أمري للعودة إلى البيت وإلغاء الموعد ،
الذي كنت ذاهباً لأجله ، لكنني فكرت هنيهة
وقلت لنفسي : تالله لو عدت الآن فلن أستطيع القيادة مرة أخرى ،
فلأستعن بالله ولأطرد مخاوفي ، ولأنتبه جيدا .
وانطلقت بسيارتي مرتعد الأوصال ، فكانت أضواء السيارات التي تنعكس على مرايا سيارتي
كأنها أشباح تطاردني بإصرار ، لكنني وبعد فترة عاد إلي هدوئي وثباتي ،
وأطلقت للسيارة العنان مختالا بصمودي في وجه مخاوفي ، ولله الحمد على ذلك .
يقول الدكتور إبراهيم الفقي : جميل أن لا تدع مخاوفك تتغلب عليك ،
إذا خشيت شيئا فتسلح بالمعرفة واهجم عليه ،
ذكرني كلام الدكتور الفقي بقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
( إذا هبت أمراً ، فقع فيه فإن شدة توقيه أعظم مما تخاف منه ) ،
فآثار أقدام الدب ـ كما يقول المثل الانجليزي ـ أكثر إفزاعاً من الدب نفسه .
إن الخوف أشد ضراوة وتأثيرا من الموت ،
إن الموت يأتي مرة واحدة فيضع كلمة الختام لحياتنا ،
أما الخوف فيقتلنا مرات ومرات ، يمزق أفئدتنا بوحشية وقسوة ، ويظل يطاردنا دائما ،
ونحن واقعين في أسره لا حول لنا ولا قوة ،
نراقب الآخرين في حسرة ونحسدهم على ثبات الجنان والطمأنينة التي ينعمون بها .
وفي مدرسة علم النفس ينصح المختصون من يعاني من الخوف بمصارحة النفس
ومواجهة بواعث الخوف ، بأن يعري المرء نفسه بلا حرج ،
ويضع يده على مكامن الداء ويبدأ بمواجهة غول مخاوفه ورهبته .
نعم هناك حالات يكون فيها الخوف مرضي ، والحالة تحتاج إلى مساعدة مختص ، وإشراف نفسي ،
لكن بالنسبة للغالب الأعم من البشر فيمكنني القول أن تمتعهم بالشجاعة يتأتى من خلال المواجهة
ومصارحة النفس ، والتسلح بالمعرفة والإرادة .
فلا تستسلم لخوفك يا صديقي وهاجم ترددك ورهبتك ،
استشر أصحاب الخبرة والمعرفة إذا ما عراك حادث أخذ من روحك مأخذا ،
وكن مع الله دائما .. ولا تبالي .
إشراقه :
افعل أكثر شيء تخشاه وتخافه، وسيموت الخوف داخلك. (مارك توين)
منقول
إن طريق أصحاب الضمائر الحية شاق جدا ، ودرب الصالحين مليء بالعوائق والأشواك .
يسير الواحد منهم حاملا بين جنبيه خير الدنيا كله ، ويقابله الناس بالجحود والنكران ،
يضمد جراحهم ، ويربت على ضعفائهم وهم يتحينون الفرصة لهدمه وتمزيقه ! .
في مجال العمل نجد أن ذو الخلق والأمانة في تعب ونصب ،
في العلاقات الاجتماعية نجد أن صاحب الصدر الواسع والقلب الدافئ
مُعرض دائما للصدمات والمواقف المفجعة .
رجال الله دائما في نصب وكمد .. وكدح على طول الطريق .
لكنني إذ أقلب ناظري يمنة ويسرة ، وأطالع ...
طريق الحق محفوف بالأشواك ، وأن سالكيه مليئين بالجراح ، وتتخطفهم الآلام والمواجع ،
أعود وأنظر إلى طريق الباطل ، وأدقق النظر في درب الخيانة والخسة
فأجده غير هين هو الآخر وليس بالسهل اليسير !! .
نعم طريق الغواية وعر مليء بالشراك الخادعة الغدارة ،
يكلف سالكيه ضرائب باهظة ، ويذيقهم من صنوف العذاب ألوان .
أرى ذلك فيرتاح فؤادي ويهدأ جناني المضطرب .
ففوق نعيم الله الخالد ، وجزائه الأخروي ،
نجد أنه ـ جل اسمه ـ لم يدع أصحاب الباطل يرتعون في نعيم متواصل ،
ويتقلبون على سرر الهناء والطمأنينة طويلا .
وما أبلغ قول سيد قطب رحمه الله ، إذ يقول :
( إن للذل ضريبة كما أن للكرامة ضريبة. إن ضريبة الذل أفدح في كثير من الأحايين.
وإن بعض النفوس الضعيفة ليخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق،
فتختار الذل والمهانة هرباً من هذه التكاليف الثقال، فتعيش عيشة تافهة رخيصة،
مفرغة قلقة تخاف من ظلها، وتفرق من صداها، يحسبون كل صيحة عليهم،
ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ,هؤلاء الأذلاء يودون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة،
إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة، يؤدونها من نفوسهم ويؤدونها من أقدارهم،
ويؤدونها من سمعتهم ويؤدونها من اطمئنانهم،
وكثيراً ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون) .
فإن آلمك طريق الحق يا صديقي فعزاؤك أن طريق الباطل وعرٌ مخيف ،
وإن أجهدك حِملُ الكرامة ، فتأكد من أن حملة الذل في نصب وإرهاق .
نعم إن من يبيعون ضمائرهم يفرحون ردحاً من الوقت عندما يقبضون الثمن ،
لكنهم يبكون دماً عندما تلفظهم الحياة ، ويهيمون على وجوههم في دروب الألم والعذاب .
الحق وحملته فقط هم من ينعمون على طول طريق ، برغم آلامهم وأحزانهم ومصائبهم ،
فإن اليقين الحي الذي يهبهم الله إياه يعمل عمله في زرع برد الطمأنينة ودفء السعادة بداخلهم .
ورغم اختلاف الناس في تعريف السعادة ، إلا أنني أؤمن أنها تدور في فلك الحق والفضيلة
وترتع في صدور أصحاب المبادئ الحية والمواقف المشرفة .
فسر يا صديقي في طريق الحق غير عابئ بالأشواك والشظايا ..
فنقطة دم في طريق الحق أشرف عند الله من أرواح تزهق في دروب الباطل .
إشراقه :
الشجاعة قد تكلف صاحبها فقدان حياته، فهل الجبن يقي صاحبه شر المهالك؟
كلا.. فإن الذين يموتون في ميادين الحياة وهم يولون الأدبار أضعاف
الذين يموتون وهم يقتحمون الأخطار . (محمد الغزالي)
منقول
أنت لست نابغة ، ولم تحصل على تقدير ممتاز عند التخرج ،
ولم يسكن اسمك قط في قائمة الموهوبين دراسياً ..؟؟
لا عليك .. أنا مثلك تماما يا صديقي !! .
وفوق هذا كنت وحتى وقت قريب أرى أن الأذكياء فقط هم السعداء ،
وأنهم لا غيرهم من يحق لهم الارتقاء الوظيفي ،
والحصول على السيارة الفارهة والمسكن الواسع ، والزوجة المخلصة الوفية !!
لكنني وبقليل تأمل وتدبر ، علمت كم كنت واهم مخدوع .
فكم من نابغة ضاع نبوغه أمام ضعف همته ، وكم من عبقري وأدت عبقريته خسة الطموح.
كثر هم الأذكياء الذين تحاصرهم التعاسة ، ويقوضهم الخوف والرهبة .
وكم من متواضع في الذكاء ، لكنه بارع في تواصله مع الناس ،
متميز في إقامة جسور المودة والحب مع الآخرين ،
يمتلك من الإصرار والعزيمة ما يجعله لا يهدأ باله إلا بعد أن يحقق ما يصبو إليه ،
وهؤلاء ـ لا غيرهم ـ هم الناجحون والسعداء حقا .
تأملت في سير الناجحين فوجدتهم مختلفين في القدرات العقلية ،
فهناك النابغة وهناك متواضع الذكاء ،
لكنهم يشتركون جميعا في مجموعة صفات أو عادات لا تتغير
وهي المثابرة والكفاح و العزيمة والإصرار وتنظيم الوقت .
حينها تأكدت أن النجاح ليس انعكاسا للموهية وإنما هو بالالتزام بمنظومة الصفات سالفة الذكر .
وما أكثر الموهوبين الفاشلين ، والأذكياء التعساء ـ على حد قول د. عبدالكريم بكار ـ ،
وتأملوا تروا كيف أن الذكاء لا ينفع من لا يملكون سواه ،
وتأملوا أكثر لتتأكدوا أن قليل من الذكاء مع كثير من الكفاح يساوي الكثير والكثير .
أديسون الذي أضاء العالم يوقظ كل خامل كسول بقوله
( النجاح ليس نتاج موهبة فذة ، إنه إن شئنا الدقة 99% عرق جبين ، و1% موهبة وإبداع ) ،
إن من يظنون أن الومضات الذهنية هي أصل النجاح والتفرد واهمون ،
والذين يُرجعون خيبتهم لتواضع ذكائهم
يلقون بفشلهم على صروف الدهر، ويهربون من العمل والجهد .
أضف إلى ذلك مسألة في غاية الأهمية وهي أن الدرجات التعليمية لم تعد تحدد مستقبل الإنسان ! ،
ففي دراسة قام بها هوارد جاردنر ـ من جامعة هارفارد الأمريكية ـ عارض فيها بشدة
أن يكون معامل الذكاء iq هو المؤشر المعتمد على نبوغ المرء وذكاءه ،
وقال بأن الذكاء الذي نعرفه هو نوع واحد فقط من منظومة أسماها ( الذكاء المتعدد)
والتي تحتوي على أحد عشر نوعاً من الذكاء منها
( البصري ـ الحركي ـ اللفظي ـ الاجتماعي ـ الجسماني .. )
وأكد على أن موزارت الموسيقي العبقري كان ضعيفاً من الناحية الأكاديمية
لكنه كان رائعا من الناحية الفنية ، فهل يمكننا أن ننعته بقلة الذكاء ! .
وفي دراسة جرت في الولايات المتحدة الأمريكية ثبت من خلالها أن الربح والفعالية
لا يتم تحصيلهم فقط من خلال الشهادات العلمية أو التميز الدراسي .
ذكر هذا الأمر بريان تراسي في كتابه ـ getting rich your own way ـ وقال :
لقد ثبت أن الذكاء الاجتماعي ـ وهو القدرة على التواصل الجيد مع الناس ـ هو
أكثر أنواع الذكاء تحقيقا للربح والفاعلية في الولايات المتحدة الأمريكية ،
يأتي بعده الذكاء التجاري ـ وهو القدرة على رؤية الفرص لخلق منتجات أو خدمات يريدها الناس
ويحتاجونها ويمكن أن يتم بيعها مع تحقيق ربح معين ـ
وهذان النوعان من الذكاء لا يمكن قياسهم عبر مختبر أو معامل الذكاء .
هذه الأبعاد والأطروحات الجديدة للذكاء أعطت المجال للمرء أن يفتش جيداً
عن مساحة من التفوق والتميز ، ليس فقط في المجال الدراسي أو العلمي
والذي عشنا ردحاً من الزمن نؤمن أنه فقط هو طريق النجاح ،
وإنما عن طريق طرق أخرى وآفاق جديدة .
لا تقل لست ذكيا ، ولا تتعلل بالشهادة العلمية ، أو المؤهل الدراسي .
فما دمت تمتلك الفكرة ، والعزيمة والإصرار اللا متناهي ، فأنت تمتلك الكثير ...
إشراقه :
الذكاء وحده لا يكفي، فإن إبليس كان ذكيا ولكن شهوته غلبته،
والله لا يقبل امرءا خسيسا مهما كان عقله . (محمد الغزالي)
صِنفٌ قد جعل من حياته مشاع ، فأدق أسراره معروفه للجميع مهما كانت خطيرة وخاصة .
فهو يثرثر بلا تردد عن مشاكله الشخصية ، وأحلامه القادمة ، والشكوك التي تعتمل بصدره ،
ولا يجد حرجاً من بسط حياته على الملأ ليروا جميعا أدق معالم حياته ! .
وصنف آخر على النقيض يبالغ في التعتيم ، ويتعامل مع أحداث حياته المختلفة مهما كانت دقيقة
على أنها أسرار عسكرية شديدة السرية ! .
أما الأول فقد كشف أسراره ، وأرانا أبعاد شخصيته ، وخبايا أيامه ،
مما جعل سحره يخبو ، فالشخص الذي لا يمتلك مساحة من الغموض والخصوصية ،
لا يعيره الناس بالا ، ولا يحسبون له حسابا ، ويصبح هوانه في عيونهم أمرا محتوما .
فالغموض يحيط المرء منا بمساحة من السحر والجاذبية ، ويكسبه عمقا وقوة في عيون الآخرين .
ولله در أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ يصف الرجل الهمام بقوله :
صَبوراً على صَرْفِ الليالي ودرئِها ... كَتوماً لأسرارِ الضميرِ مُداريا
له هِمَّةُ تعلو على كُلِّ همةٍ ... كما قد علا البَدرُ النجومَ الداريا
أما الصنف الذي يبالغ في التعتيم فهو غير محبب لدى الناس ،
وذلك لأن لدى البشر حاجة فطرية لمعرفة بعض جوانب الشخص الذي تتعامل معه ،
وتأنف من المرء الذي يصدهم عن دخول حياته ومحاولة كشف شخصيته .
فحاول يا صديقي أن توازن بين كلا الأمرين ،
أن تكون لديك أمور شخصية وخصوصيات لا يقربها أحد ،
وفي المقابل اسمح للآخرين بمعرفة جزء من أسرارك
التي لا مانع من كشفها ومعرفتها .
( إن مصاعب الحياة تتمشى مع همم الرجال علوًّا وهبوطًا) .
كثيرا ما توقفت أمام كبوات الحياة التي تقابلني ساخطاً ،
متسائلا ـ في جهل ـ لماذا توجه لي دائما الحياة ضربات قوية ، أترنح من ثقلها وشدتها .
أتساءل ويتساءل معي الكثيرون ممن لا يفقهون فلسفة القضاء والقدر ،
لماذا تضرب العواصف العاتية حياة أشخاص ، بينما تمر كالنسيم على أشخاص آخرين .
لكنني حينما تجولت في سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم
توقفت كثيرا أمام أحب البشر إلى رب البشر والمصائب تنهال عليه ،
فقومه يكذبونه وهو الناصح لهم ، وأصحابه يُقتلون أمام عينيه ، ويُتهم في عِرضه وشرفه .
وهو أشرف وأكرم وأفضل خلق الله .. فلماذا يحدث هذا لأحب خلق الله إلى الله ؟؟ .
حينها أدركت أن الصواعق لا تضرب إلا قمم الجبال الشامخة ،
وأن المنحدرات لا تذهب إليها إلا المياه الراكدة المحملة بالأوساخ ،
وأن المرء يبتلى على قدر دينه كما بين الحبيب صلى الله عليه وسلم.
إن الحياة تُعطي لكل واحد من روادها ما يطيق على حمله ، والقيام به ،
وكلما على المرء وارتفع كلما وجهت له الحياة أقوى وأعنف ما لديها .
إن العظماء يولدون من أرحام أمهاتهم ، والحياة تتربص بهم ،
توجه لهم كل يوم صيحة حرب ، أو نذير معركة .
إن الصك الذي يجب أن يُوقع عليه كل طموح ،
هو التزام بالصمود والشموخ أمام مشكلات الحياة ومصائبها ،
والاستئساد أمام ما توجهه له من بلايا وعوائق .
فكن جبلا يا صديقي .. ولا ترهبنك ضربات الصواعق العاتية ، فقد ثبت في تاريخ الأبطال أن النصر في الحياة
يحصل عليه من يتحمل الضربات لا من يضربها .
إشراقه :
إن أثقال الحياة لا يطيقها المهازيل،
والمرء إذا كان لديه متاع ثقيل لم يستأجر له أطفالا أو مرضى أو خوارين،
إنما ينتقي له ذوي الكواهل الصلبة والمناكب الشداد!!
كذلك الحياة؛ لا ينهض برسالتها الكبرى، ولا ينقلها من طور إلى طور
إلا رجال عمالقة وأبطال صابرون. (محمد الغزالي)
لكل منا وجهة نظر في معظم أمور الحياة ،
وقد تتفق مع محاورك في رأي وتختلف في آراء ، وقد تجمعكما فكرة ، وتفرقكما أفكار أخرى.
يعود هذا إلى الاختلاف الطبيعي بين البشر ، فاختلاف الأهواء والميول العقول والمدارك ،
أوجد اختلافا في الاتجاهات ووجهات النظر ، ورؤية كل منا تجاه حدث أو وضع معين .
لكن للأسف الشديد يوجد لدى معظمنا إشكالية في تعامله مع الرأي الذي يخالفه ،
فما برحنا نعتقد أن من يخالفنا الرأي فكأنما يعلن الحرب على ذواتنا ،
ويتهم عقولنا بعدم الإدراك ، وهذا ـ لو نعلم ـ غير صحيح البتة .
إن المرء منا قد يتبنى وجهة نظر ويتحمس لها ، وهذا حق لا يعترض عليه أحد ،
بيد أننا يجب ألا ننسى أن نبدي احتراما وتفهماً لوجهة النظر الأخرى ،
ونحفظ للآخر حقه في التمسك بها والدفاع عنها .
روي أن أحد طلاب الإمام أحمد بن حنبل كتب كتابا في اختلاف الأئمة وسماه كتاب ( الاختلاف )،
ودفع به للإمام أحمد كي يلقي عليه نظرة ويبدي فيه رأيه ،
فقال له الإمام أحمد ( لا تسمه كتاب الاختلاف ، ولكن سمه كتاب السعة )
نعم هو دليل على سعة هذا الدين ، واتساع صدره لآراء مجتهديه ورؤاهم المختلفة ،
والاختلاف ما دام في ابتغاء الحق فليس باختلاف بل هو كشف عن مساحات أخرى للحقيقة .
يقول أبي حيان التوحيدي في كتابه ( الإمتاع والمؤانسة) :
( ما دام الناس على فطر كثيرة ، وعاداتٍ حسنةٍ وقبيحة ، ومناشئ محمودةٍ ومذمومة ،
وملاحظات قريبة وبعيدة ، فلا بد من الاختلاف في كل ما يُختار ويُجتنب .. وكل من حاول رفع هذا
فقد حاول رفع الفطرة ، ونفي الطباع ، وقلب الأصل ، وعكس الأمر ، وهذا غير مستطاع ولا ممكن ) .
وللأسف الشديد كثيرا ما نرى اختلافا في وجهة نظر أوجد شقاقا في المعاملة ،
وأوغر الصدر ، وفرق بين أخوة يربطهم دم ودين ونسب وصهر ! .
ونصيحتي لك يا صاحبي ألا تحجر على رأي أحد أو تصادر حقه في طرح وجهة نظره ،
ناقش وجادل بالتي هي أحسن ، ولكن حاذر أن تفقد أحد بسبب اختلافه معك في وجهة نظرك ،
ليكن شعارك دائما كسب القلوب قبل كسب المواقف ،
اشطب من قاموسك اللغوي الكلمات التي تحمل صبغة الحدة مثل (لا بد ، يجب أن ، من الواجب ) ،
واستبدل عنها بكلمات رقيقة راقية مثل (من وجهة نظري ، أعتقد ، في ظني ، هل توافقني في .. ) .
وليسع قلبك كل البشر ، وليسع عقلك مختلف الآراء ،
ولا تنس أن الحق ليس حكرا على أحد ، وانك لست على صواب لمجرد أنك أنت ! .
إشراقه :
العنيد لا يملك أراء، بل الآراء هي التي تملكه... (ألكسندر بوب)
هل تعلم كيف تهرب الأسماك الصغيرة من براثن السمك المتوحش الذي يريد افتراسها ؟؟
إنها تقوم بحيلة بسيطة ، تعكر الماء بذيلها وزعانفها ، حتى تصبح الرؤية فيها صعبة ،
فيصاب السمك الكبير بالهياج فيسهل على السمك الصغير الهرب والاختباء .
ولقد تعلم البحارة طريقة تعكير الماء هذه ، واستخدموها كحيلة لصيد السمك ،
فهم يقومون بتعكير الماء حتى يغضب السمك ويفقد هدوءه وتضيع الرؤية من أمامه وتضطرب حركته ،
ويتخبط يمنة ويسرة إلى أن يجد نفسه فجأة في براثن الشباك .
من هذا المشهد نتعلم أمر بالغ الأهمية ، وهو أن نحتفظ بثباتنا وهدوءنا إذا ما تعكر ماء الحياة
وتشوشت الرؤية لفترة أمام أعيننا ، سواء كان هذا التعكير بفعل عدو ،
أو بسبب تصاريف القدر ، ودوائر الأيام .
فردود الفعل السريعة الغير منضبطة أو التي لم يتم دراستها سلفاً بروية وعقلانية قد تلقينا في شباك الفشل ،
وربما نجد أنفسنا وقد ضللنا الدرب وخرجنا عن جادة الطريق المستقيم .
سهل أن يحتفظ المرء منا بثبات جنانه في الظروف العادية ،
لكن الثبات وقت الشدة والنوازل يحتاج ليقين حي ، وتمرس مستمر ،
وهدوء أعصاب مستمد من روح متزنة .
نرى هذا الأمر جليا في موقعة أحد ، فبعدما خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وأصبحت الدائرة على المسلمين من بعد نصر لاح في أفقهم وبدا قريبا ،
اختل توازن جند الإسلام ، وتشتتوا يمنة ويسرة بعدما عكر جند قريش الماء من حولهم ،
هنا قام القائد الحبيب صلى الله عليه وسلم، ووقف في وسط المعركة جامعا شتات أصحابه
صارخا فيهم (إليّ عباد الله ) ،
يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أحد أعظم فرسان صدر الإسلام الأول:
" كنا إذا حمي البأس (اشتدت المعركة) واحمرت الحُدُق ( جمع حدقة وهي بياض العين)
نتقي برسول صلى الله عليه وسلم ونحتمي به .
إن الغضب والتخبط وفقدان الاتزان يضيع من أمامنا الرؤية ،
ويجعلنا أسرى لردود الأفعال العشوائية ، بينما الهدوء وانتظار انقشاع الغيوم بثبات وتيقظ
يجعلنا دائما في الموقف الأقوى .
فلا تسمح لخصمك أن يستفزك إذا ما عكر الماء وشوش الرؤية أمامك ،
كن هادئاً وامتلك أنت زمام المبادرة دائما .. حتى في وقت الشدة والأزمات .
إشراقه :
قلب القائد كالبحر لا يمكن اكتشاف شواطئه البعيدة . (مثل صيني)
إما بفعل كبوة شديدة ، أو تجربة أليمة ، أو حتى بسبب زلة أو خطأ وقعنا فيه.
حينها يحتاج المرء منا لمساحة من الهدوء والسكينة يراجع فيها نفسه ،
عله يجد مخرجا أو فرجة تخفف عنه ألم أيامه وشدة ما يجد من الحزن و الهم .
هناك لحظة يا صديقي تحتاج فيها إلى أن تدخل كهف وجدانك لتعتكف فيه وقتا تراجع فيه حساباتك ،
وتُقيم خطواتك ، وتقرر ما يجب عليك فعله .
تحتاج أن تعتزل الحياة الهادرة للحظات ، تكاشف فيها نفسك وتكشفها ،
تُطمئن فيها روحك ، وتتابع فيها منحنى طموحاتك وأحلامك وأمانيك ،
تبكي فيها على خطئك وزلتك ،
وتعد فيها القرابين والأعمال الصالحة التي ستقدمها بين يدي خالقك كي يعفوا عنك .
يخبرنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن :
خذوا بحظكم من العزلة .
والعزلة نوعان ، نوع إيجابي والتي تكون بين وقت وآخر ، نشد فيها الأزر ونستمد منها الهمة ،
وعزلة سلبية نسقط فيها بغير إرادتنا ونبكي خلالها بكاء عديمي الحيلة ، ونجتر فيها أحزان الماضي وآلامه .
العزلة الأولى واجبة ومهمة ولا يجب أن نستهتر بها أو ننظر إليها بغير اكتراث ،
والعزلة الثانية بغيضة يجب أن تهرب منها وتسد الأبواب أمام هتافها الخادع المزيف .
أصحاب الكهف يا صاحبي اعتزلوا العالم وآووا إلى الكهف يشدون فيه من أزر بعضهم البعض ،
ويأخذون على أنفسهم المواثيق والعهود بألا يرضخوا تحت ضغط قومهم في النكوص عن الدين الحق ،
حينها نشر عليهم ربهم من رحمته ، وأعطاهم من لدنه مخرجا مما هم فيه .
أيضا الحبيب عليه الصلاة والسلام ، عندما أتعب قلبه ظلام الكفر والفسوق اتخذ لنفسه كهفاً ـ غار حراء ـ
خلا فيه إلى نفسه يتأمل بعمق اضطراب الحياة وضلال بني البشر ،
فكانت فترة العزلة هذه أهم الفترات في حياته عليه الصلاة والسلام ،
وفيها نزل عليه الأمر بالتكليف ، وبدأت مرحلة النبوة .
والله عز وجل ينتظر منا أن ندخل كهف نفوسنا ،
يريدنا أن نسير بين أزقة الروح ودروب النفس لنكشف ونصارح ونقرر ما يجب علينا فعله .
فالجأ إلى كهفك كما فعل أولوا العزم والرسل وأصحاب الرسالات العظيمة ،
لينشر لك ربك من رحمته ، ويجعل لك من لدنه مخرجا .
إشراقه :
العِزُّ في العزلةِ لكنهُ ... لا بُدَّ للناسِ من الناسِ (إسماعيل الفرابي)
تعليق