إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

( فضائل الدولة الاموية - والرد علي القرود الشيعية).متجدد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ( فضائل الدولة الاموية - والرد علي القرود الشيعية).متجدد

    إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا .
    من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
    ]يا أيها اللذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون[ .
    ] يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا[ .
    ]يا أيها اللذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما[.

    أما بعد :


    فإن خير الكلام : كلام الله، وخير الهَدْي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار .



    ثم أما بعد :


    اهدي هذا الموضوع لكل مؤمن بالله ورسوله



    متبع لهدي النبي صلي الله عليه وسلم - ويحب القرابة ويترضي عن الصحابة



    بداية اقول للشيعة الروافض الصفويين



    يا أبناء كسري



    يا أبناء بن سبأ



    ياأبناء أبولؤلؤة المجوسي



    يا أبناء بن العلقمي ونصير الدين الطوسي



    يا أبناء قرمط



    يا أبناء أسماعيل الصفوي والخوميني



    اقول لكم



    أولئك ابائي فجئني بمثلهم = اذا جمعتنا ياجرير المجامع



    بنتهاء عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم



    ال امر الخلافة الي الحسن بن علي رضي الله عنهم



    وتحقق حديث النبي صلي الله وسلم حين اخذ الحسن رضي الله



    عنه وهو صغير الي جانبه علي المنبر وقال صلي الله عليه



    وسلم ان ابني هذا سيد ولعل الله ان يصلح به بين فئتين من المسلمين



    وهكذا تنازل الحسن بن علي عن الخلافة وسلمها الي معاوية بن



    ابو سفيان رضي الله عنهم جميعا



    شريطة ان يحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلي الله علي وسلم



    وسمي هذا العام بعام الجماعة لاجتماع كلمة المسلمين



    تولي الامر معاوية بن ابو سفيان رضي الله عنهم وبدا عصر



    الدولة الاموية


    اسمه ونسبه وكنيته ومولده :

    هو معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد

    مناف بن قصيّ بن كلاب أمير المؤمنين ملك الإسلام أبو عبد الرحمن،

    القرشي الأمويُ المكي ولد قبل البعثة بخمس سنين، وقيل بسبع، وقيل :

    بثلاث عشرة، والأول أشهر وكان رجلاً طويلاً، أبيض، جميلاً، مهيباً، وقد

    تفرس فيه والده ووالدته منذ الطفولة بمستقبل كبير، فهذا أبو سفيان ينظر

    إليه وهو يحبو فيقول لوالدته : إن إبني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن

    يسود قومه، فقالت هند : قومه فقط، ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة وعن

    أبان بن عثمان قال : كان معاوية يمشي مع أمه هند، فعثر، فقالت: قم لا

    رفعك الله، وأعرابي ينظر، فقال: لما تقولين له؟ فوالله إني لأظنه سيسود

    قومه: قالت: لا رفعه الله إن لم يسد إلا قومه

    إسلام معاوية رضي الله عنه وشئ من فضائله :

    أسلم معاوية مع أبيه وأخيه يزيد رضي الله عنهم يوم الفتح


    هذا على المشهور، ولكن يروى عنه أنه قال: أسلمت يوم
    القضية ـ
    أي عمرة القضاء سنة 7 هـ ـ ولكن كتمت إسلامي من أبي،
    ثم علم بذلك،
    فقال لي: هذا أخوك يزيد وهو خير منك على دين قومه

    فقلت له: لم آل نفسي جهد، ولقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء وإني لمصدق به،

    ثم لما دخل عام الفتح أظهرت إسلامي، فجئته فرحب بي وكتبت بين يديه،
    وشهد معاوية ـ رضي الله عنه ـ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
    حنيناً وأعطاه مائة من الأبل وأربعين أوقية من
    الذهب وقد ذكر العلماء لمعاوية رضي الله عنه فضائل كثيرة من هذه الفضائل:


    اشترك معاوية رضي الله عنه في غزوة حنين قال تعالى:

    ((ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ))

    (التوبة ، الآية : 26). ومعاوية رضي الله عنه من الذين شهدوا غزوة حنين وكان من المؤمنين الذين أنزل الله سكينته

    عليهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنه ممن وعدهم

    الله الحسنى: قال تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا

    وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) (الحديد ، الآية : 10).
    ومعاوية رضي الله عنه ممن وعدهم الله الحسنى، فإنه أنفق في حنين والطائف وقاتل فيهما.
    أخرج البخاري من طريق أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها قالت:
    سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا، قالت :


    يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم
    أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا

    قال المهلب معلقاً على هذا الحديث: في هذا الحديث

    منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر. وكان معاوية رضي الله عنه يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه
    وسلم،
    وكذلك رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى زعماء

    القبائل، وكتابة معاوية للوحي لرسول الله صلى الله

    عليه وسلم أتاح له لون من القرب الطبيعي من

    رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة التي

    أعقبت فتح مكة حتى وفاة رسول الله صلى الله عليه

    وسلم، مما يستتبع بالضرورة التأثر بشخص الرسول

    الكريم صلى الله عليه وسلم، والأخذ المباشر منه.

    ألبداية السياسية


    بدا نجم معاوية رضي الله عنه في الظهور في ميدان العمل السياسي والإداري في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه فقد ولاه



    فتح قيساريةسنة خمس عشرة للهجرة، وجاء في كتاب توليته له:


    أما بعد فقد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر


    من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الله ربنا وثقتنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير، كانت هذه المهمة الجسيمة



    اختبار كبير من عمر لمعاوية في ميدان الواقع، فقد استطاع تجاوز هذا الاختبار بكل نجاح، فقد سار إلى قيسارية بجنوده



    الذين أعدهم له أخوه يزيد بن أبي سفيان ـ أحد ولاة الشام لعمر رضي الله عنه وكانت تلك المدينة محصنة وبأس أهلها شديد،



    فحاصرها معاوية طويلاً وزاحف أهلها مرات عديدة، فلم ييأس



    معاوية، فصمم على فتحها، واجتهد في القتال حتى فتح الله على يديه، وكان فتحه كبيراً فقد قتل من أهلها ما



    يقرب من مائة ألف وبعث بالفتح والأخماس على أمير المؤمنين


    عمر رضي الله عنه، وقد أثبت معاوية بعد توفيق الله ـ بهذا الفتح جدارته وحسن قيادته، فأكسبه ذلك ثقة الجميع، فأسند له

    أخوه يزيد ـ أمير دمشق ـ مهمة فتح سواحل الشام، وقد أبلى في ذلك بلاءً حسناً، فكان يقيم على الحصن اليومين والأيام

    اليسيرة فربما قوتل قتالاً شديد، وربما رمى ففتحها، وكان

    المسلمون كلما فتحوا مدينة ظاهرة أو عند ساحل رتبوا

    فيها قدر ما يحتاج لها إليه من المسلمين فإن حدث في شيء منها

    حدث من قبل العدو سربوا إليها الإمداد، ويرى الدكتور عبد

    الرحمن الشجاع أن مدن الشام تساقطت تحت ضربات المجاهدين

    الواحدة تلو الأخرى، لأن الروم كانوا من الهزيمة بمكان لا

    تجعلهم يفكرون في المقاومة فتساقطت مدن بيروت، وصيدا،

    ونابلس، واللد، وحلب، وأنطاكية، وكانت قيسارية آخر مدن

    الشام فتحاً على يد معاوية بن أبي سفيان، وكان ذلك بعد القدس.


    جهود معاوية رضي الله عنه على جبهة الشام :

    لما تولى معاوية أمر الشام، وانطلق عمرو بن العاص لفتح

    مصر، أصبحت مهمة حماية الحدود الشامية للدولة الإسلامية

    والتوسع منها منوطة به، وتتلخص أهم إنجازاته العسكرية

    في أمرين هما: سن نظام الصوائف والشواتي، وتكوين

    أسطول بحري إسلامي لأول مرة في تاريخ الإسلام.

    وهنا نأ تي لولاية معاوية رضي الله عنه

    ونذكر بعض اقول الصحابة رضي الله عنهم في معاوية رضي الله عنه
    عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
    قال عمر بن الخطاب عمر بن الخطاب إلى الشام فرأى

    معاوية في موكب يتلقاه, وراح إليه في موكب, فقال له


    عمر : يا معاوية, تروح في موكب وتغدو في مثله, وبلغني

    أنك تصبح في منزلك وذوو الحاجات بباك : قال يا أمير

    المؤمنين إن العدو بها قريب منا, ولهم عيون وجواسيس,

    فأردت يا أمير المؤمنين أن يروا للإسلام عزاً، فقال له عمر :

    إن هذا لكيد رجل لبيب, أوخدعة رجل أريب؛ فقال معاوية : يا

    أمير المؤمنين, مرني بما شئت أصر إليه؛ قال : ويحك : ما

    ناظرتك في أمر أعيب عليك فيه إلا تركتني ما أدري آمرك أم أنهاك.
    علي بن أبي طالب رضي الله عنه :

    قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : لا تكرهوا إمارة

    معاوية فوالله لئن فقد تموه لترون رؤوساً تندر عن كواهلها

    كأنها الحنظل. فهذا توجيه من أمير المؤمنين علي لأصحابه

    لعدم كراهيتهم إمارة معاوية.

    عبد الله بن عباس رضي الله عنه :

    قال رضي الله عنه : ما رأيت رجلاً كان أخلق بالملك من


    معاوية, وفي صحيح البخاري أنه قيل لابن عباس : هل لك

    في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة قال : إنه

    فقيه وذكر بن عباس معاوية فقال : لله درَّ ابن هند ما أكرم

    حسبه وأكرم مقدرته, والله ما شتمنا على منبر قط, ولا

    بالأرض ضَّناً منه بأحسابنا وحسبه وحين عزى معاوية

    عبدالله بن عباس في الحسن بن علي بقوله : لا يخزيك الله

    ولا يسوؤك في الحسن فقال : له ابن عباس : أما ما أبقى الله

    لي أمير المؤمنين, فلن يسؤني الله ولن يخزيني-

    سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه :

    قال رضي الله عنه : ما رأيت أحداً بعد عثمان أقضى بحقٍّ من صاحب هذا الباب, يعني : معاوية

    - أبو هريرة رضي الله عنه : كان يمشي في سوق المدينه وهو

    يقول : ويحكم تمسكوا بصدغي معاوية, اللهم لا تدركني إمارة الصبيان
    عبدالله بن المبارك- رحمه الله - :


    قال : معاوية عندنا محنة, فمن رأيناه ينظر إليه شزراً, اتهمناه على

    القوم, يعني الصحابة وسئل ابن المبارك عن معاوية فقال : ما أقول في

    رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سمع الله لمن حمده. فقال

    خلفه : ربَّنا ولك الحمد؟ فقيل أيُّما أفضل؟ هو أم عمر بن عبد العزيز؟

    فقال : لتراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

    خير وأفضل من عمر بن عبدالعزيز

    عمر بن عبد العزيز : رحمه الله :

    قال ابن المبارك عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة

    قال : ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنساناً قط إلا إنساناً

    شتم معاوية, فإنه ضربه أسواطا

    أحمد بن حنبل –رحمه الله- :

    سئل الإمام أحمد : ما تقول رحمك الله فيمن

    قال : لا أقول إن معاوية كاتب الوحي, ولا أقول

    إنه خال المؤمنين فإنه أخذها بالسيف غصباً؟

    قال أبو عبدالله : هذا قول سوءٍ رديء, يجانبون

    هؤلاء القوم, ولا يجالسون, ونبين أمرهم للناس


    - الربيع بن نافع الحلبي - رحمه الله-


    : قال : معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, فإذا كشف الرجل الستر, اجترأ على ماوراء.
    - قال ابن أبي العز الحنفي :

    وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين.
    - القاضي بن العربي المالكي : رحمه الله :

    تحدث ابن العربيِّ عن الخصال التي اجتمعت في معاوية

    رضي الله عنه, فذكر منها : ... قيامه بحماية البيضة, وسدِّ


    الثغور, وإصلاح الجند, والظهور على العدوِّ, وسياسة

    الخلق, وقال في موضع آخر من كتابه العواصم من

    القواصم : فعمر ولاه, وجمع له الشَّامات كلّها, وأقرَّه

    عثمان, بل إنَّما ولاه أبو بكر الصَّديق, لأنَّه ولي أخاه يزيد,

    واستخلفه يزيد, فأقرّه عمر, فتعلَّق عثمان بعمر وأقرَّه

    فانظر إلى هذه السِّلسلة ما أوثق عُراهاوثبت أن رسول الله

    صلى الله عليه وسلم استكتبه ..., ثمَّ صالحه وأقرَّ له

    بالخلافة الحسن بن عليِّ سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم.


    -- يقول ابن تيمية – رحمه الله :




    واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة, فإن الأربعة



    قبله كانوا خلفاء نبوة وهو أول الملوك, كان ملكه ملكا ورحمة



    وقال : فلم يكن من ملوك المسلمين خيراً منهم في زمان معاوية


    عقليته الفذه وقدرته على الاستيعاب :


    امتاز معاوية رضي الله عنه بالعقلية الفذة, فإنه كان يتمتع




    بالقدرة الفائقة على الاستيعاب, فكان يستفيد من كل مايمر به من



    الأحداث, ويعرف كيف يتوقاها, وكيف يخرج منها إذا تورط فيها,



    وكانت خبراته الواسعة وممارسته لأعباء الحكم على مدى أربعين



    سنة, منذ ولاه عمر رضي الله عنه الشام, فكانت ولا يته على



    الشام عشرين سنة أميراً, وعشرين سنه خليفةهذه الفترة الطويلة



    التي تقلب فيها بين المناصب العسكرية والولاية المدينة اكسبتة



    خبرة في سياسة البلاد, والاستفادة من كل الظروف والأوضاع



    التي تمر بها, حتى استطاع أن يسير بالدولة عشرين سنة دون أن



    ينازعه منازع, يقول الشيخ الخضري : أما معاوية نفسه, فلم يكن



    أحد أوفر منه يداً في السياسة, صانع رؤوس العرب, وكانت غايته



    في الحلم لا تدرك, وعصابته فيه لا تنزع ومرقاته فيه تزل عنها



    الأقدام ومن المعلوم أن السياسة الناجحة تتوقف على القدرة على ضبط النفس عند الغضب, واحتواء الشدائد حتى تنجلي, ولمعاوية



    في ذلك نصيب وافر -رضي الله عنه - وكانت تلك سياسته مع



    العامة والخاصة, وهذه طريقه مع الملوك والسوقة


    الشورى في عهد معاوية رضي الله عنه:


    لم يكن معاوية بن أبي سفيان ممن يجهل فوائد




    الشورى ويهمل الأخذ بها ، وما كان يصد في المهمات إلا عن مشورة، فقد كان يشاور ذوي الرأي



    من الولاة ووجوه الناس وأشراف القوم وأهل العلم وكان ذلك



    سنة من جاء بعده من الخلفاء من بني أمية،



    وكان من كبار مستشاري معاوية رضي الله عنه عمرو بن



    العاص، والمغيرة بن شعبة، وكان يستشير



    الوفود التي كانت تأتيه، وكان الناس يتكلمون بحرية فيعرضون



    آراءهم ، ويهتم الخليفة بها كل الاهتمام،



    ويناقشهم فيها ويحقق ما يمكن تحقيقه منها والحكم يعتمد على



    مستشارين أكفاء وكتّاب قادرين، أطلقت يدهم



    في العمل،


    هل عمّم معاوية سب أمير المؤمنين علي على منابر الدولة

    الأموية ؟


    الأثر الذي ذكره ابن سعد لا يصح، قال ابن سعد:
    أخبرنا علي بن محمد، عن لوط بن يحي، قال: كان الولاة


    من بني أمية قبل

    عمر بن عبد العزيز كانوا يشتمون ة قبل عمر بن عبد

    العزيز يشتمون رجلاً رضي الله عنه، فلما ولي هو ـ عمر بن عبد

    العزيز ـ أمسك عن ذلك، فقال كثير عزة الخزاعي:


    وليت فلم تشتم علياً ولم تخف


    بـرياً ولـم تتبـع مقـالة مجــرم

    تكلمت بالحـق المبين وإنمـا

    تبيـن آيــات الهــدى بالتـكلم

    فصدَّقت معروف الذي قلت


    بالذي فعلت فأضحى راضياً كل مسلم


    فهذا الأثر واهٍ، فعلي بن محمد هو المدائني فيه




    ضعف وشيخه لوط بن يحي، واهٍ بمرة، قال عنه يحي بن معين: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: متروك الحديث،



    وقال الدارقطني: أخباري ضعيف ووصفه في الميزان: أخبار تالف لا يوثق به، وعامة روايته ع الضعفاء



    والهلكى والمجاهيل، وقد اتهم الشيعة معاوية رضي الله عنه بحمل الناس



    على سب علي ولعنه فوق منابر المساجد، فهذه الدعوة



    لا أساس لها من الصحة، والذي يقصم الظهر أن الباحثين قد التقطوا هذه



    الفرية على هوانها دون إخضاعها للنقد والتحليل، حتى



    صارت عند المتأخرين من المُسلَّمات التي لا مجال



    لمناقشتها، ولم يثبت قط في رواية صحيحة، ولا يعول على ما جاء في كتب



    الدميري، واليعقوبي وأبي الفرج الأصفهاني، علماً بأن



    التاريخ الصحيح يؤكد خلاف ما ذكره هؤلاء، من احترام وتقدير معاوية



    لأمير المؤمنين علي وأهل بيته الأطهار، فحاكيه لعن



    علي على منابر بني أمية لا تتفق مع منطق الحوادث، ولا طبيعة



    المتخاصمين، فإذا رجعنا إلى الكتب التاريخية المعاصرة لبني



    أمية، فإننا لا نجد فيها ذكراً لشيء من ذلك أبداً، وإنما نجده في كتب المتأخرين الذين كتبوا تاريخهم في عصر بني العباس بقصد



    أن يسيؤوا إلى سمعة بني أمية في نظر الجمهور الإسلامي.


    جهاده رضي الله عنه

    ومن شهرته كمجاهد موفق في البر والبحر منذ عهد أبي بكر

    وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وكان له فتوحاته الكبرى في

    الساحل الشمالي للشام، كما أن له الفضل ـ بعد الله ـ في تأسيس

    البحرية الإسلامية وهزيمة الروم في البحر وانتزاع السيادة منهم

    لأول مرة في تاريخ المسلمين، فالجهاد في سبيل الله أصل في

    حياة المسلمين في عهد الدولة الأموية، ولم تكن الغنائم هي

    الدافع للقيادة الإسلامية الرئيسي نحو الفتح والجهاد، وإن وجد

    لدى بعض الأفراد وهؤلاء لا يخلو منهم جيش حتى على عهد

    رسول الله صلى الله عليه وسلم (( منكم من يريد الدنيا ... ))

    وغيرها ولكن هذا بالطبع لا يمثل وجهة نظر المسلمين في

    فتوحاتهم، ولا يمثل القيادة الفكرية التي كان يتبناها الخليفة

    والقادة وينفذها الجند، كما أنه لا يمثل وجهة نظر الأمة ورأيها

    العام، ومما يدل على ذلك مشاركة كبار الصحابة في ذلك

    الوقت فيها وحثهم المسلمين على الجهاد في سبيل الله، وحوادث

    الجهاد وجهود الأمويين على جبهات القتال توضح ذلك: فجبهة

    الروم مثلاً وهي التي كانت مثار الشجاعة ومرتع البطولة ما

    كانت تدر الربح الكثير بل كان بيت المال يئن منها، لأن حملاتها

    ما كانت تنتهي إلى تقدم، خاصة إذا ذكرنا الحملات الثلاثة

    الكبرى التي توجهت إلى القسطنطينية وتكلفت نفقات باهظة

    لقد أعطى المجاهدون المسلمون في العهد الأموي صوراً رائعة

    للتضحية والبطولة والتجرد وإخلاص النية لله في جهادهم، سواء

    كانوا من القادة أو الأمراء أو من عامة الجند، أو من جماعات

    العلماء والزاهدين والربانيين الذين فهموا عبادة الجهاد،

    ومارسوا ذلك على نحو مثير للإعجاب ودافع إلى التأسي، وقد

    توزعت صور الإخلاص والتضحية هذه على جميع جبهات القتال،

    وفي جميع مراحل الجهاديدل دلالة واضحة على عمق التوجه

    الإسلامي للفتوحات في العهد الأموي، وينفي الغبش الذي يثيره

    المنحرفون عن بني أمية على أنصع منجزاتهم وأحراها بالفخر

    والإعزاز، ومما شك فيه إسلامية الفتوح في العهد الأموي، وقد

    كانت الحصيلة النهائية والحصيلة التاريخية لحركة الفتوح لذلك

    العصر، امتداد عالم الإسلام إلى آفاق بعيدة وكسب ـ عبر امتداده

    هذا ـ الأرض والإنسان، كما أنه حمى وعزّز في الوقت نفسه

    منجزات الموجة الأولى في حركة الفتح التي قادها وخطط لها

    الخلفاء الراشدون، فالموجة الثانية لحركة الفتوح هي التي بدأت

    في عهد معاوية نفسه واستمرت فيما بعد لكي تبلغ أقصى اتساعها في عهد الوليد.


    حركة الجهاد ضد الدولة البيزنطية :


    كان معاوية رضي الله عنه يرى أن الخطر الأكبر من وجهة نظره


    الدولة البيزنطية، وإن كانت قد خسرت أهم أقاليمها في الشرق ـ

    الشام ومصر ـ إلا أن جسم الدولة لا زال سليماً لم يمس،

    فعاصمتها باقية، وممتلكاتها في آسيا الصغرى وأوربا وشمال

    إفريقيا لا زالت شاسعة وإمكانياتها كبيرة، وقدرتها على المقاومة

    هائلة، وهي لم تكف بعد عن مناوأة المسلمين، وباختصار فهي

    العدو الرئيسي والخطر الأكبر الماثل أمام المسلمين، وكان

    معاوية رجل المرحلة وقادراً على فهم وتقدير هذا الخطر، وعلى

    مواجهته، أيضا، فقد كان موجوداً بالشام منذ مطلع الفتوحات في


    عهد أبي بكر الصديق، وأصبح والياً عليه ولمدة عشرين سنة


    تقريباً، وهو يشكل مع مصر خط المواجهة الرئيسي مع الدولة


    البيزنطية، فطول إقامة معاوية رضي الله عنه بالشام، أكسبته


    خبرة واسعة بأحوال البيزنطيين وسياستهم وأهدافهم مما أعانه


    على أن يعرف كيف يتعامل معهم، لكل ذلك فليس غريباً أن نرى


    معاوية يولي حدوده مع الدولة البيزنطية وعلاقاته معها جل


    اهتمامه ويرسم لنفسه نحوها سياسة واضحة ثابتة سار عليها


    هو وخلفاؤه من الأمويين إلى نهاية دولتهم، وقد كان من أهدافه


    الرئيسة الاستيلاء على عاصمتهم القسطنطينية


    فبعد أن قضى معاوية على حركات المردة أو الجراجمة الذين


    أستخدمهم الروم وسيلة لرصد حركات الدولة الإسلامية ونقاط


    ضعفها وإبلاغ الروم عنها متخذين من مرتفعات طوروس وجبل


    اللكام مقراً لهم بدأ الخليفة نشاطه البحري بإرسال حملات


    بحرية استطلاعية منها حملة فضالة بن عبيد الأنصاري،


    للوقوف على تحركات الروم وجلب المعلومات الدقيقة عنهم


    لمنعهم من استخدام جزر قبرص، وأرواد، ورودس ذوات


    الخدمة التعبوية والعسكرية في عملياتهم ضد الأسطول الإسلامي


    وقد باشر أعماله الاستطلاعية بإحدى الشواتي وهي شاتية بسر


    بن أبي أرطأة في البحر عام 43هـ وأعقبها بشاتية مالك بن


    عبد الله بأرض الروم سنة 46هـ وصائفة عبد الله بن قيس


    الفزاري بحراً وحملة عقبة بن عامر الجهني بأهل مصر في البحر


    سنة 48هـ، وصائفة بن عبد الله بن كرز البجلي، وحملة بن عبد


    الله بن يزيد بن شجر الرهاوي، وشاتيته بأهل الشام في سنة 49


    هـ، وكان نظام الشواتي والصوائف مستمراً. فقد وضع


    معاوية أمامه هدفاً واضحاً وهو محاولة الضغط على الدولة


    البيزنطية من خلال الضغط على عاصمتها القسطنطينية تمهيداً


    للاستيلاء عليها، ولعل معاوية رضي الله عنه كان يرمي إلى


    إسقاط الدولة البيزنطية ذاتها بالاستيلاء على عاصمتها فهو يعلم


    أن هذه العاصمة العتيدة هي مركز أعصاب الدولة ومستقر الأموال


    والرجال، وفيها العقول المفكرة، فإذا سقطت في يده فإن هذا سيؤدي إلى

    شلل كامل في الدولة كلها، وأمامه تجربة المسلمين مع الفرس، فبعد سقوط

    المدائن عاصمتهم في أيديهم أصابهم الارتباك ولاحقهم الفشل، ولم تقم لهم

    قائمة وزالت دولتهم، فإذا استطاع إسقاط عاصمة البيزنطيين فسيكون ذلك

    نذيراً بإسقاط الدولة، ويستريح من خصم عنيد وعدو رئيسي، لذلك واصل

    ضغطه ومحاولاته لتحقيق هدفه، وليس من المبالغة القول إن الدولة

    البيزنطية ظلت على قيد الحياة مدة تقرب من ثمانية قرون، وهي مدينة

    ببقائها لعاصمتها القسطنطينية، فمناعة المدينة وصمودها أمام محولات

    الأمويين المستمرة لفتحها، حال دون ذلك وبالتالي حال دون سقوط الدولة

    والدليل على هذا أنه عندما استطاع السلطان العثماني محمد الفاتح فتح

    القسطنطينية والاستيلاء عليها في سنة 857هـ التاسع والعشرين من مايو

    سنة 1453م كان إيذاناً بسقوط الدولة البيزنطية وزوالها من الوجود

    يتبع
    اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

  • #2
    التخطيط الاستراتيجي عند معاوية للاستيلاء على القسطنطينية:

    حرص معاوية رضي الله عنه أن يكون زمام المبادرة دائماً في يده،للاسيلاء علي

    القسطنطينية لأنها هي التي تمد جزر شرق البحر المتوسط بالقوات والعتاد وتشجع

    أهلها على شن الغارات على ساحل مصر والشام، وقد سار في تحقيق هذا الهدف في


    عدة اتجاهات:
    1 ـ الاهتمام بدور صناعة السفن في مصر والشام ، واختيار أمهر الصناع للعمل فيها

    والإغداق عليهم بالأجور والهبات حتى يبذلوا قصارى جهدهم بالعمل، فقد أدرك معاوية

    ـ رضي الله عنه ـ بحسه العسكري وفكره العبقري أن معارك المسلمين مع الروم،

    ستعتمد أساساً على الأسطول البحري، وزاد هذا الإحساس عمقاً في قلب معاوية

    ونفسه تكتل الروم وإعدادهم أكثر من خمسمائة سفينة في معركة ذات الصواري لقهر

    الأسطول الإسلامي، ومع أن الروم باءوا بفشل ذريع في هذه المعركة، إلا أنهم لم يكفوا

    عن الإعداد ولم ينتهوا عن تجميع قواتهم لمواجهة قوة المسلمين في البحر، لقد كانوا

    يظنون أن قوة المسلمين البحرية يمكن القضاء عليها لأنها لا زالت في دور التكوين،

    ولكنهم فوجئوا بهزيمتهم المنكرة في ذات الصواري، فتوقعوا بعد ذلك أن تكون

    المعركة القادمة على أسوار العاصمة القسطنطينية فراحوا يستعدون لذلك، وقد أدى

    التعاون بين مصر والشام في صناعات السفن إلى الوصول إلى نتائج ممتازة، ففي

    الشام كانت تتوفر أخشاب الصنوبر القوي والبلوط والعرعر التي تصلح لبناء السفن

    وفي مصر كانت توجد الأخشاب التي تصلح لعمل الصواري، وضلوع جوانب السفن،

    وخشب الجميز واللبخ والدوم التي تصلح لصناعة المجاديف، وكذلك استغل معاوية

    معدن الحديد الذي كان متوافراً في مصر والشام واليمن لعمل المسامير والمراسي

    والخطاطيف والفؤوس، كما كان يتوافر في مصر مادة القطران اللازمة لقلفطة السفن،

    ونبات الدقس الذي كانت تصنع منه الحبال، وباختصار فقد أدى التعاون المصري

    الشامي إلى ازدهار البحرية الإسلامية التي ازدادت أهميتها بعد أن أمر معاوية عامله

    على مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري ببناء دار لصناعة السفن في جزيرة الروضة عام 54هـ



    2ـ تقوية الثغور البحرية في مصر والشام،فقد آثر أن يحصن المدن الساحلية ويزودها

    بالقوات المجاهدة بما يجعلها قواعد تنقل منها الجنود بحراً إلى أي مكان يشاء ووضع

    لهذه المدن نظاماً عرف بالرباط، وهو ما يقصد به الأماكن التي تتجمع بها الجند

    والركبان استعداداً للقيام بحملة على أرض العدو، واعتني بهذا النظام حتى أصبح

    جزءاً مرتبطاً اشد الارتباط بالجهاد، إذ اجتذب الرباط إليه كل الأتقياء المتحمسين

    العاملين على إعزاز الإسلام ونصرته، وتدرج معاوية رضي الله عنه في تدعيم هذا

    النظام على نحو ما اتبعه في كل أعماله التي اتسمت بالدقة والابتعاد عن الارتجال

    والاندفاع، فأعد الرباط لتكون حصوناً يتجمع فيها الجند للدفاع عن المناطق المعرضة

    لإغارات الأساطيل البيزنطية، ولتكون ملجأً يحتمي بها الأهالي في المناطق الساحلية

    بأن يأخذوا حذرهم إذا ما لاح خطر السفن البيزنطية في المياه الإقليمية، فكان الحصن

    في الرباط يضم حجرات للجند ومساكن لهم، ومخازن للأسلحة والمؤن، وبرج

    للمراقبة، ثم لم يلبث أن أتسع وازدادت أهميته حتى أصبح قاعدة للهجوم وشن

    الغارات، وتعتبر سياسة منح الإقطاعات بالسواحل الخطوة الأخيرة في سلم السياسة

    البحرية الدفاعية التي رسمها معاوية قبل أن يستطيع ركوب البحر في عهد عثمان، إذ

    أتم بفضل هذه الامتيازات إعداد القواعد البحرية التي أخذ ينشىء فيها أساطيله، وكانت

    آية ازدهار المدن الساحلية نقل جماعات من أهالي بعلبك وحمص وأنطاكية عام 42هـ

    إلى صور وعكا وغيرهما من المدن بسواحل الأردن، كذلك أصلح معاوية رضي الله

    عنه حصون هاتين المدينتين ولاسيما عكا التي خرج منها بأولى حملاته البحرية ضد

    قبرص، وبسط معاوية رضي الله عنه اهتمامه إلى سائر المدن الساحلية-



    3 ـ الاستيلاء على الجزر الواقعة شرقي البحر المتوسط ، وقد بدأ ذلك بالاستيلاء على

    جزيرة قبرص ـ كما سبق ذكره ـ ثم استولى جزيرة أخرى هامة وهي رودس وأمر ببناء








    خريطة عامة


    حصن بها وبعث إليها جماعة من المسلمين يتلون الدفاع عنها، وجعلها رباطاً يدفعون

    منه عن الشام، وآثر معاوية أن يحيط المسلمين في رودس بالجو الإسلامي الديني

    ويعلي راية الإسلام بين أهاليها، فأرسل إليها فقيهاً يدعى مجاهد بن جبر يقرئ الناس

    القرآن وأراد معاوية أن يتوج حملاته البحرية بغلق بحر إيجة وسد منافذه الرئيسية في

    وجه السفن البيزنطية، ومنعها من الوصول إلى بلاد المسلمين وعمل على تحقيق ذلك

    في الاستيلاء على جزيرة ((كريت)) إذ تسيطر هذه الجزيرة تماماً على بحر إيجة، الذي

    يشبه طرفه الجنوبي فوهة قربة تمتد جزيرة ((كريت)) عبرها، بامتدادها البالغ 160

    ميلاً وتقسم الجزيرة هذه فتحة إلى مدخلين يتحكم في كل منهما، وأرسل معاوية جنده

    صورة لجزيرة كريت
    الذي استولى على رودس لفتح هذه الجزيرة الهامة ومنع الأساطيل البيزنطية من

    التسلل عبر الفتحات البحرية المتاخمة لها لمهاجمة الشام على أن جنادة بن أمية

    الأزدي لم يستطع الاستيلاء على هذه الجزيرة لضخامتها، واكتفى بالإغارة عليها

    والبطش بالبيزنطيين وأساطيلهم بها، وهكذا وجه معاوية رضي الله عنه أنظار

    المسلمين شطر البحر الأبيض المتوسط، وأوقفهم على أهمية جزره، فاستولى على ما

    استطاعت أساطيله أن تفتحه منها، وطرق باب غيرها ومهد الطريق لمن يأتي بعده

    من الخلفاء الأمويين، وكفل معاوية للمسلمين قوة بحرية نافست البيزنطيين أنفسهم

    سيادتهم القديمة على البحر الأبيض المتوسط ثم أخذ يعبئها لأهم عمل في تاريخها،

    وهو ضرب عاصمة البيزنطيين أنفسهم والاستيلاء عليها، ولكن تريث معاوية في

    تحقيق الهدف الأخير حتى يمكن لنفسه من التفوق البحري على البيزنطية


    4 ـ كان من الضروري لكي تؤتي هذه الاستعدادات البحرية، ثمارها وتحقق أهدافها أن

    يصاحبها تحصين أطراف الشام الشمالية، التي تشكل مناطق الحدود بين الدولتين

    الإسلامية والبيزنطية، ضد غارات البيزنطيين من ناحية ولتكون سنداً للقوات الزاحفة

    على القسطنطينية من ناحية ثانية ذلك لأن المسلمين في فتوحاتهم الأولى في عهد

    الخلفاء الراشدين، وصلوا إلى أطراف الشام الشمالية، ثم وقفت أمامهم سلسلة جبال

    طوروس تحول دون وصولهم إلى آسيا الصغرى البيزنطية، وكان البيزنطيون عند

    انسحابهم وتقهقرهم أمام المسلمين قد قاموا بتخريب المناطق الواقعة شمال حلب

    وإنطاكيا لئلا يستفيد منها المسلمون، كما خربوا معظم الحصون فيما بين الأسكندرونة

    وطورسوس، فرأى معاوية ضرورة الاهتمام بهذه المناطق وتعميرها وتحصينها،

    فاهتم أولاً بمدينة أنطاكيا التي كانت معرضة دائماً للإغارات البيزنطية المفاجئة، واتبع

    في تعميرها السياسة التي سار عليها إزاء المدن الساحلية للشام، وأغرى الناس على

    الإقامة بأنطاكيا، بأن منحهم اقطاعات من الأرض، وقوى الرباط المخصص للدفاع

    عنهم وأخذ معاوية يوالي تدريجياً تعمير المدن الواقعة بين الأسكندرونة وطرسوس

    أثناء غاراته على أراضي البيزنطيين حتى أصبحت حدود الشام تتاخم مباشرة جبال

    طوروس الحد الفاصل بين الشام وآسيا الصغرى ولإحكام سيطرته على المعاقل الهامة

    الواقعة في مناطق التخوم الإسلامية البيزنطية، استولى على سميساط وملطية، كما

    جدد حصوناً أخرى مثل مرعش والحدث، ثم استولى على حصن زبطرة البيزنطي الهام

    وأعاد تحصينه، ولكي تكون الحركة مستمرة وتكون مناطق الحدود ميداناً عملياً

    لتدريب جند المسلمين، وتعويدهم على الدروب والطرق والممرات الجبلية الوعرة دأب

    معاوية على الغزوالمستمر، وأصبح هذا النشاط العسكري يعرف بغزوات الصوائف

    والشواتي فلا تكاد تمر سنة وإلا ونجد ذكراً عند الطبري وغيره لغزو في البر أو

    البحر كأن يقول: وفيها شتى فلان بأرض الروم أو كانت صائفة فلان إلى أرض الروم

    وكانت هذه الغزوات تنطلق إلى بلاد الأعداء وتخرب تحصيناتهم وتغنم وتعود، وكان

    تكرار هذه الغزوات يشكل ضغطاً على الدولة البيزنطية ويرهق أعصابها وينهك

    قواهاوقد برز في هذه الحملات المستمرة عدد من كبار القادة المسلمين الذين تلقوا

    تدريباتهم في ميدانها وأتقنوا فن الحرب،، مثل عبد الله بن كرز البجلي، ويزيد بن

    شجرة الرهاوي، ومالك بن هبيرة السكوني، وجنادة بن أمية الأزدي، وسفيان بن

    عوف، وفضالة بن عبيد، ومالك بن عبد الله الخثعمي، الذين أطلقوا عليه مالك

    الصوائف لعلو كعبه في الميدان الحربي في آسيا الصغرى وهؤلاء القادة ابلوا بلاءً

    حسناً في الجهاد ضد البيزنطيين لإعلاء كلمة الله.


    الحصار الأول للقسطنطينية

    يتبع
    اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

    تعليق


    • #3
      ألحصار الأول للقسطنطينية



      بعث معاوية رضي الله عنه سنتي 47 ـ 48هـ سرايا من قواته لتغيرعلى الأراضي


      البيزنطية لتمهد الطريق في سبيل الوصول إلى القسطنطينية فتمكن مالك بن هبيرة

      السكوني من قضاء الشتاء في الأراضي البيزنطية، ولقد شهدت سنة 49هـ/669م

      أول حصار إسلامي لمدينة القسطنطينية ذلك أن نجاح قوات المسلمين في توغلهم في

      الأراضي البيزنطية بالإضافة إلى الصراعات الداخلية التي واجهها الإمبراطور قُسطانز

      الثاني نتيجة تمرد اثنين من قادته هما سيليوس وميزيريوس، كل ذلك ساعد

      معاوية رضي الله عنه على أن يبعث قواته في البر والبحر بقيادة كل من فضالة بن

      عبيد الليثي وسفيان بن عوف العامري يساعدهم يزيد بن شجرة الرهاوي، تجاه

      القسطنطينية، ووصل الأسطول الإسلامي إلى خلقيدونيةـ ضاحية من ضواحي

      القسطنطينية على البر الآسيوي ـ وحاصرها توطئة لاقتحامها في محاولة لاختراق

      المدينة من تلك الناحية، ولكن انتشار مرض الجدري وفتكه بكثير من جند المسلمين

      علاوة على حلول الشتاء القارص جعل ظروف الجيش المحاصر صعبة للغاية، فما كان

      من فضالة بن عبيد الليثي، قائد الجيش البري إلا أن استنجد بمعاوية طالباً منه أن

      يمده بقوات إضافية، فأرسل معاوية رضي الله عنه مدداً من الجيش يضم بين أفراده

      مجموعة من الصحابة، أمثال: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد اله بن

      عمرو بن العاص، وأبو أيوب خالد بن يزيد الأنصاري، رضي الله عنهم، وكان القائد

      العام لهذه الفرقة هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وعندما وصل يزيد بقواته إلى

      خلقيدونية انضم إلى الجيش المرابط هناك، وزحفوا جميعهم نحو القسطنطينية

      وعسكروا خلف أسوارها ضاربين عليها الحصار حوالي ستة أشهر ((من الربيع إلى الصيف)) وكان يتخلل هذا

      الحصار اشتباكات بين قوات القوتين، وأبلى يزيد في هذا الحصار بلاءً حسناً وأظهر

      من دروب الشجاعة والنخوة والإقدام ما حمل المؤرخين على أن يلقبوه بـ((فتى

      العرب))وكادت القوات الإسلامية أن تحرز انتصاراً لولا أنه واجهوا صعوبات جمة

      منها: الشتاء الغزير المطر والبرد القارص مما أدى إلى نقص الطعام والأغذية،

      وتفشي الأمراض بينهم، كما كان لمناعة أسوار القسطنطينية أثرها في تراجع

      المسلمين وإجبارهم مرة أخرى على العودة إلى بلاد الشام، كما كانت النار التي فتحها

      المتحصنون بها على جيش المسلمين من أهم الأسباب التي عوقت قدرتهم على فتحها،

      فقد أحرقت النار كثيراً من سقى المسلمين، ويعد غزو القسطنطينية من دلائل النبوة

      حيث أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال:... أول جيش من أمتي يغزون

      مدينة قيصر مغفور لهم، وقد اشترك في غزو القسطنطينية عدد من كبراء الصحابة

      رضوان اله عليهم، طلباً للمغفرة التي بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم

      رابعاً : وفاة أبي أيوب الأنصاري في حصار القسطنطينية وهو خالد بن زيد بن كليب،

      أبو أيوب الأنصاري الخزرجي، شهد بدراً والعقبة والمشاهد كلها، وشهد مع علي

      رضي الله عنه قتال الخوارج وفي داره كان نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين

      قدم المدينة مهاجراً من مكة فأقام عنده شهراً حتى بنى المسجد ومساكنه حوله، ثم

      تحوَّل إليها، وقدوفد أبو أيوب على عبد الله بن عباس لما كان والياً على البصرة في

      عهد علي، فبالغ في إكرامه، وقال لأجزينَّك على إنزالك النبي صلى الله عليه وسلم

      عندك، فوصله بكل ما في المنزل فبلغ ذلك أربعين ألفاً، وجاء في رواية لما أراد

      الانصراف خرج له عن كل شئ بها، وزاده تحفاً وخدماً كثيراً وأعطاه أربعين ألفاً

      وأربعين عبداً، إكراماً له لما كان أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره، وقد

      كان من أكبر الشرف لهوهو القائل لزوجته أم أيوب حين قالت له: أما تسمع ما يقول

      الناس في عائشة؟ ـ أي في حديث الافك ـ فقال لها: أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ فقالت:

      لا والله. فقال: والله لهي خير منك فأنزل الله(( لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ

      وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا)) (النور ، الآية : 12) . وقد آخى رسول الله صلى الله عليه

      وسلم بين أبي أيوب ومصعب بن عمير رضي الله عنهما صاحب الفتح السلمي الكبير

      بالمدينة المنورة. وكانت وفاته ببلاد الروم قريباً من سور قسطنطينية، وكان في جيش

      يزيد بن معاوية وإليه أوصى وهو الذي صلى عليه وقد جاء في رواية: أغزى أبو

      أيوب، فمرض، فقال: إذا متُّ فاحملوني، فإذا صافقتم العدوَّ، فارموني تحت أقدامكم. أما

      إني سأحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، من مات لا

      يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ودفن أبو أيوب عند سور القسطنطينية، وقالت الروم لمن

      دفنه: يا معشر العرب قد كان لكم الليلة شأن. قالوا: مات رجل من أكابر أصحاب نبينا،

      والله لئن نُبش، لاضُرِبَ بناقوس في بلاد العرب، وبعد مجيء الدولة العثمانية وفتح

      القسطنطينية أصبحت مكانة أبي أيوب الأنصاري عظيمة في الثقافة العثمانية، فقد درج

      السلاطين العثمانيون يوم يتربعون على الملك أن يقيموا حفلاً دينياً في مسجد أبي

      أيوب، حيث يتقلدون سيفاً للرمز إلى السلطة، التي أفضت إليهم وكان لأبي أيوب رضي


      مسجد السلطان أيوب كما يسمونه

      بعث معاوية رضي الله عنه سنتي 47 ـ 48هـ سرايا من قواته لتغيرعلى الأراضي

      البيزنطية لتمهد الطريق في سبيل الوصول إلى القسطنطينية فتمكن مالك بن هبيرة

      السكوني من قضاء الشتاء في الأراضي البيزنطية، ولقد شهدت سنة 49هـ/669م

      أول حصار إسلامي لمدينة القسطنطينية ذلك أن نجاح قوات المسلمين في توغلهم في

      الأراضي البيزنطية بالإضافة إلى الصراعات الداخلية التي واجهها الإمبراطور قُسطانز

      الثاني نتيجة تمرد اثنين من قادته هما سيليوس وميزيريوس، كل ذلك ساعد

      معاوية رضي الله عنه على أن يبعث قواته في البر والبحر بقيادة كل من فضالة بن

      عبيد الليثي وسفيان بن عوف العامري يساعدهم يزيد بن شجرة الرهاوي، تجاه

      القسطنطينية، ووصل الأسطول الإسلامي إلى خلقيدونيةـ ضاحية من ضواحي

      القسطنطينية على البر الآسيوي ـ وحاصرها توطئة لاقتحامها في محاولة لاختراق

      المدينة من تلك الناحية، ولكن انتشار مرض الجدري وفتكه بكثير من جند المسلمين

      علاوة على حلول الشتاء القارص جعل ظروف الجيش المحاصر صعبة للغاية، فما كان

      من فضالة بن عبيد الليثي، قائد الجيش البري إلا أن استنجد بمعاوية طالباً منه أن

      يمده بقوات إضافية، فأرسل معاوية رضي الله عنه مدداً من الجيش يضم بين أفراده

      مجموعة من الصحابة، أمثال: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد اله بن

      عمرو بن العاص، وأبو أيوب خالد بن يزيد الأنصاري، رضي الله عنهم

      الله عنه عند الترك خواصهم وعوامهم رتبة ولي الله الذي تهوي إليه القلوب المؤمنة

      وينظرون إليه كونه مضيف رسول الله، فقد أكرمه وأعانه وقت العسرة كما أنه له

      مكانة مرموقة بين المجاهدين واعتبروها ضيافته لرسول الله وجهاده في سبيل الله

      أعظم مناقبه وأظهر مآثره .وقد ترك أبو أيوب رضي الله عنه في وصيته بأن يدفن في

      أقصى نقطة من أرض العدو صورة رائعة تدل علىتعلقه بالجهاد، فيكون بين صفوفهم

      حتى وهو في نعشه على أعناقهم وأراد أن يتوغل في أرض العدو حياً وميتاً، وكأنما لم

      يكفه ما حقق في حياته فتمنى مزيد عليه بعد مماته، وهذا ما لا غاية بعده في مفهوم

      المجاهد الحق بالمعنى الأصح الأدق ومن الغريب ما نراه في حياتنا من حرص بعض

      المسلمين إذا مات خارج بلده أن يوصي أهله بأرجاعه ودفنه في أرضه والأرض

      الأرض الله والبلاد بلاد الله. وقد مدحه شعراء الأتراك في أشعارهم وهذا شيخ الإسلام،

      أسعد أفندي يشير أشارة لامحة إلى موقعه بقوله:


      ... ... ... شهد المشاهد جاهداً ومجاهداً

      ... ... ... ... ... ... ... ومكابداً بحروبه ما كابدا


      ... ... ... حتى أتى بصلابة ومهابة

      ... ... ... ... ... ... ... في آخر الغزوات هذا المشهدا


      ... ... ... قد مات مبطوناً غريباً غازيا

      ... ... ... ... ... ... ... فغدا شهيداً قبل أن يستشهدا


      كان أبو أيوب رضي الله عنه عندما خرج في غزوة الفسطنطينية قد تقدمت به السن

      وأصبح شيخاً كبير وكان يقول: قال الله تعالى: ((انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا...)) (التوبة ،

      الآية :41) لأجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً، وكان أبو أيوب رضي الله عنه يعلم الناس الفهم

      الصحيح لآيات الله ومفاهيم الإسلام فعن أبي عمران التجيبي قال: غزونا من المدينة

      نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ـ يعني الجماعة

      الذين غزو من المدينة ـ والروم ملصقوا ظهورهم بحائط القسطنطينية، فحمل رجل

      على العدو فقال الناس مه، مه لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة: فقال أبو أيوب:

      إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأظهر

      الإسلام قلنا: هلمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: ((وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ

      وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) (البقرة ، الآية : 195) فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن

      نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد قال أبو عمران، فلم يزال أبو أيوب يجاهد في

      سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية فهذا الحديث يبين لنا خطورة الاشتغال بالأموال عن

      الجهاد في سبيل الله تعالى، وإن الهلاك الحقيقي هو هلاك الآخرة بسبب التهاون في واجبات الإسلام
      اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

      تعليق


      • #4
        العلاقات السلمية بين الدولتين


        رغم أن الطابع العام الذي ميز العلاقات بين الدولة الإسلامية والبيزنطية في عصر


        الخلافة الراشدة والعصر الأموي كان عسكرياً نتيجة لحركة الجهاد واستمرارها في

        العهد الأموي من حملات الصوائف والشواتي طوال السنة تقريباً، وكذلك الدور

        الجهادي الذي كانت تؤديه مدن الثغور، إلا أن هذا لا يعني أن الطابع السلمي المتمثل

        فيما جرى من مفاوضات ومداولات كان مفقوداً فقد اتخذت العلاقات السلمية بين

        الدولتين، الإسلامية والبيزنطية في العهد الأموي أشكالاً مختلفة منها المراسلات،

        وتبادل الخبرات، والمناظرات في المجالات الثقافية، وتبادل الأسرى والسفراء

        فقد تم مراسلة قيصر الروم من قبل معاوية في فترة الفتنة وتوصل معه إلى عقد صلح

        على أن يؤدي معاوية له مالاً وأن يأخذ كل طرف رهناً من الطرف الآخر، وارتهن

        معاوية منهم رهناء فوضعهم ببعلبك، ثم إن الروم غدرت فلم يستحل معاوية



        قلعة بعلبك القديمة

        والمسلمون قتل من في أيديهم من رهنهم، وخلوا سبيلهم وقالوا: وفاء بغدر خير من

        غدر بغدر،والمهم أن مثل هذه الحوادث يجب أن تُقدَّر بقدرها فلا يجوز للدولة

        الإسلامية ـفي الأصل ـ أن تتهاون وتتكاسل عن الأخذ بأسباب القوة حتى تصل إلى

        مرحلة من الضعف تمكّن الأعداء منها أو يطمع فيها الطامعون، بل الأصل في دولة

        الإسلام أن تكون دولة قوية يهابها الأعداء، فإذا مرت بها فترة ضعف أو احتاجت إلى

        دفع ضرر عليها بمال أو نحوه فذلك يدخل من باب ((الضرورات)) وليس حكماً عاماً

        وما (( أبيح للضرورة يُقدّر بقدرها، كما قرر الفقهاء، فلا ينبغي عقد صلح دائم مع

        العدو بدفع المال إليه، بل يجب أن يكون الصلح والدفع لفترة ضعف المسلمين أو حالة

        الضرورة، مع العمل الجاد على رفع حالة الضعف وبناء قوة الأمة وقدراتها المطلوبة

        بكل جدية وعزم، فإذا زالت يجب على المسلمين أن يمتنعوا من عقد أي معاهدة فيها

        ذلة أو مفسدة لهم، والخلاصة: إنه يجوز للدولة الإسلامية عقد معاهدة اضطرارية تُقدّر

        بقدرها وتنتهي بانتهاء حالة الضرورة التي عُقدت من أجلها

        لم تقتصر المراسلات على الجانب العسكري فقط، ولكن رويت بعض المراسلات التي

        تتناول المناظرة في الجوانب العلمية والأمور العامة، فقد كتب قيصر الروم إلى معاوية

        سلام عليك أما بعد: فانبئني بأحب كلمة إلي الله وثانية وثالثة ورابعة وخامسة وعن

        أربعة أشياء، فيهن روح ولم يرتكضن في رحم، وعن قبر يسير صاحبه، ومكان في

        الأرض لن تصبه الشمس إلا مرة واحدة وغير ذلك من الأسئلة، فكتب إليه معاوية: أما

        أحب كلمة إلى الله، فلا إله إلا الله لا يقبل عملاً إلآ بها، وهي المنجية، والثانية سبحان

        الله صلاة الخلق، والثالثة الحمد لله كلمة الشكر والرابعة الله أكبر، فواتح الصلوات

        والركوع والسجود، والخامسة لا حول ولا قوة إلا بالله. والأربعة فيهن روح ولم

        يرتكضن في رحم فآدم، وحواء وعصا موسى والكبش، والموضع الذي لم تصله شمس

        إلا مرة واحدة، فالبحر حين انفلق لموسى وبني إسرائيل والقبر الذي سار بصاحبه،

        فبطن الحوت الذي كان فيه يونس-

        يذكر العدوي: إن انعكاس التسامح الديني مع النصارى ظهر تأثيره على الدولة

        البيزنطية، إذ من المعروف، إنها كانت تضظهد رعاياها من أصحاب المذاهب الأخرى

        وتعاملهم معاملة قاسية وتعتبرهم هراطقة، وبظهور دولة الإسلام ودخول كثير من

        المسيحيين في التبعية لها، اتجهت الإمبراطورية البيزنطية إلى تجديد أساليبها

        وسياستها، وجعلت من نفسها صاحبة الحق في رعاية المسيحيين في بلاد الشام،

        وكان معاوية رضي الله عنه يجلس إلى جماعات المسيحيين من المذاهب المختلفة

        ويستمع إلى جدلهم الديني ومناقشاتهم المختلفة، وبهذا ضربت الدولة الإسلامية

        الأموية مثلاً سامياً، يدل على عظمة الرسالة الإسلامية ومدى التسامح الديني تجاه

        رعاياها من غير المسلمين وابتعادها عن التعنت والتعصب الديني الذي يتهمهم به

        قسم من المستشرقين
        اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

        تعليق


        • #5
          الجراجمة


          في أثناء الحروب والغارات بين المسلمين والبيزنطيين، في عهد

          معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، كان هناك طرف ثالث

          يشارك في النزاع القائم بينهما، يطلقون على أنفسهم اسم

          ((الجُرَاجمِة)) نسبة إلى مدينة((الجُرَجُومة))، وأصولهم غير

          معروفة، ويشير البلاذري إلى أنهم كانوا يدينون بالنصرانية

          وأنهم كانوا لذلك يتبعون((بطريق أنطاكية وواليها))وعندما فتح



          المسلمون بلاد الشام أرسل أبو عبيدة عامر بن الجراح حبيب بن

          مسلمة الفهري: فغزا الجرجومة فلم يقاتلها أهلها ولكنهم بادروا

          بطلب الأمان والصلح، فصالحوه على أن يكونوا أعواناً للمسلمين

          وعيوناً ومسالح في جبل اللكام، وأن لا يُؤخَذوا بالجزية، وأن

          يُنَفَّلوا أسلاب من يقتلون من عدوّ المسلمين إذا حضروا حرباً

          معهم في مغازيهم ولكن الجراجمة لم يلبثوا أن نقضوا اتفاقهم

          هذا، وصنعواً حاجزاً بين المسلمين والبيزنطيين واستطاعوا

          عرقلة سير الفتوحات الإسلامية في آسيا الصغرى، فكانوا

          متذبذبين مرّة مع المسلمين وأخرى مع الروم وقد بقيت شوكة في

          ظهر الجيوش الإسلامية ليس في عهد معاوية لكن حتى عهد عبد

          الملك، ثم ما لبثت أن تفرقت في بلاد الشام وآسيا الصغرى، فخفَّ

          خطرها. وعلى أية حال، فلابد من القول بأن الانشاءات

          والمجهودات التي قام بها معاوية رضي الله عنه في سبيل

          الوصول إلى القسطنطينية وان كانت لم تثمر خلال حياته إلا أنها

          لعبت دوراً أساسياً في حفز من جاؤوا بعده من الخلفاء لأن يكملوا

          المسيرة التي بدأها.

          يتبع

          اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

          تعليق


          • #6
            جبهة شمال أفريقيا





            كانت جبهة شمال أفريقيا، من أولى الجبهات التي وجه إليها


            اهتمامه، لأنها تتاخم حدود مصر الغربية من ناحية ومن ناحية

            أخرى فهي تخضع لنفوذ الدولة البيزنطية، العدو اللدود للمسلمين

            والتي صمم أمير المؤمنين معاوية على تضييق الخناق عليها،

            وعدم إعطائها فرصة لالتقاط أنفاسها، ففي الوقت الذي واصل فيه

            ضغطه عليها من الشرق، وزحفه على جزرها في البحر المتوسط

            تمهيداً للوصول إلى عاصمتها القسطنطينية ـ كما سبق ذكره ـ

            نراه قد قرر أن يطوقها من الجنوب، من شواطي شمال إفريقيا

            التي كانت تعتبرها من أملاكها، ففي أول سنة من حكمه 41هـ

            أرسل معاوية بن حديج

            على رأس حملة إلى إفريقيا ثم أرسله ثانية سنة 45هـ على رأس

            حملة من عشرة الآف مقاتل، فمضى حتى دخل إفريقيا وكان معه

            عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن

            مروان، ويحيى بن الحكم بن العاص، وغيرهم من أشراف قريش،

            فبعث ملك الروم إلى إفريقية بطريقاً يقال له: نقفورا في ثلاثين

            ألف مقاتل، فنزل الساحل، فأخرج إليه معاوية بن حديج عبد الله

            بن الزبير في خيل كثيفة، فسار حتى نزل على شرف عال ينظر



            منه إلى البحر بينه وبين مدينة سوسة ، اثنا عشر ميلاً، فلما بلغ

            ذلك نقفوراً أقلع من في البحر منهزماً من غير قتال، ورجع بن

            الزبير إلى معاوية بن حديج وهو بجبل القرن، ثم وجه ابن حديج

            عبد الملك بن مروان في ألف فارس إلى مدينة جلولاء فحاصرها

            وقتل من أهلها عدداً كثيراً حتى فتحها عنوة، وأغزى معاوية بن

            حديج جيشاً في البحر إلى صقلية في مائتي مركب، فسبوا وغنموا

            وأقاموا شهراً، ثم انصرفوا إلى إفريقيا بغنائم كثيرة ، وبعد هذه

            الفتوح عاد معاوية بن حديج إلى مصر دون أن يترك قائداً أو

            عاملاً، ويفهم من هذا التصرف ومن سلوك معاوية بن حديج أثناء

            هذه الغزوة أن البربر أهل البلاد كانوا قد أصبحوا حلفاء للمسلمين

            على الروم، وأن المسلمين كانوا يكتفون إلى ذلك الحين بإبعاد

            الخطر الرومي من هذه الناحية وعندما استعاد معاوية بن حديج

            طرابلس الغرب ترك فيها رويفع بن ثابت الأنصاري والياً عليها

            سنة 46هـ فغزا منها إفريقيا ((تونس)) ودخلها سنة 47هـ ،

            وفتح جزيرة جربة التي كان يسكنها البربر، وقد تحدثت المراجع




            عن كثرة السبايا في هذه الغزوة وقام رويفع بن ثابت الأنصاري

            بتذكير المسلمين في هذه بأحكام وطء السبايا، حيث قال: أما أني

            لا أقول لكم إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

            يوم حنين: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه

            زرع غيره ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على

            امراة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله

            واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يُقسم وقد بقي في ولاية

            طرابلس الغرب ثم ولاه مسلمة بن مخلد ولاية مصر وبرقة، وبقي

            عليها أميراً ومات بها سنة 56هـ وقبره معروف في الجبل

            الأخضر ببرقة في مدينة البيضاء وهو آخر من توفي من الصحابة

            هناك، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية أحاديث، وان

            فقيهاً من أصحاب الفتيا من الصحابة وكان خطيباً مفوهاً-


            يتبع
            اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

            تعليق


            • #7
              عقبة بن نافع وفتح إفريقية


              هو عقبة بن نافع القرشي الفهري، نائب إفريقيا لمعاوية وليزيد،

              وهو الذي أنشأ القيروان واسكنها الناس، وكان ذا شجاعة،

              وحزم، وديانة، لم يصحّ له صحبة، شهد فتح مصر، واختطّ بها،

              فقد اسند معاوية بن أبي سفيان قيادة حركة الفتح في إفريقية إلى

              هذا القائد الكبير الذي خلد التاريخ اسمه في ميدان الفتوحات،

              وكان عقبة قد شارك في غزو إفريقية منذ البداية مع عمرو بن

              العاص واكتسب في هذا الميدان خبرات واسعة، وكان عمرو بن

              العاص قد خلفه على برقة عند عودته إلى الفسطاط، فظل فيها

              يدعو الناس إلى الإسلام، وقد جاء إسناد القيادة إلى عقبة بن نافع

              خطوة موفقة في طريق فتح شمال إفريقيا كله، ذلك أنه لطول



              إقامته في برقة وزويلة وما حولها، منذ فتحها أيام عمرو بن

              العاص، أدرك أنه لكي يستقر الأمر للمسلمين في إفريقية ويكف

              أهلها عن الارتداد، فلا بد من بناء قاعدة ثابتة للمسلمين ينطلقون

              منها في غزواتهم، ويعودون إليها ويأمنون فيها على أهلهم

              وأموالهم، فلما أسند إليه معاوية بن أبي سفيان قيادة الفتوحات

              في إفريقية، أرسل إليه عشرة آلاف فارس وانضم إليه من اسلم

              من البربر فكثر جمعه، وسار في جموعة حتى نزل بمغمداش من

              سرت، فبلغه أن أهل ودان قد نقضوا عهدهم مع بسر بن أبي

              أرطأة الذي كان عقده معهم حين وجهه إليهم عمرو بن العاص

              ومنعوا ما كانوا اتفقوا عليه من الجزية، فوجه إليهم عقبة قسماً

              من الجيش عليهم عمر بن علي القرشي وزهير بن قيس البلوي،

              وسار معهم بالقسم الآخر من الجيش واتجه إلى فزان، فلما دنا

              منها دعاهم إلى الإسلام فأجابوا



              ثم واصل فتوحاته، فتح قصور كُوّار، وخاور، وغدامس، وغيرها،

              ومما يلاحظ أن عقبة تجنّب في مسيرة المناطق الساحلية، فقصد

              المناطق الداخلية يفتحها بلداً بلداً، ويبدو أنه فعل ذلك ليأخذ

              البربر إلى جانبه ويقيم جبهة داخلية تحيط بالبيزنطيين على

              الساحل وتمدّه بالطاقات البشرية للاستقرار والإطاحة بالوجود

              البيزنطي

              يتبع
              اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

              تعليق


              • #8
                بناء مدينة القيروان


                في سنة 50هـ بدأت إفريقية الإسلامية عهداً جديداً مع عقبة بن


                نافع، المتمرس بشؤون إفريقية منذ حداثة سنّه، فقد لاحظ كثرة

                ارتداد البربر، ونقضهم العهود، وعلم أن السبيل الوحيد للمحافظة

                على إفريقية ونشر الإسلام بين أهلها هو إنشاء مدينة تكون محط

                رحال المسلمين، ومنها تنطلق جيوشهم فأسس مدينة القيروان

                وبنى جامعها، وقد مهد عقبة قبل بناء المدينة لجنوده بقوله: إن





                تخطيط للمسجد





                إفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام، فإذا خرج منها رجع

                من كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر، فأرى لكم يا معشر

                المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون عزاً للإسلام إلى آخر الدهر،

                فاتفق الناس على ذلك وأن يكون أهلها مرابطين، وقالوا: نقرب

                من البحر ليتم لنا الجهاد والرباط، فقال عقبة إني أخاف أن

                يطرقها صاحب القسطنطينية بغتة فيملكها، ولكن اجعلوا بينها

                وبين البحر ما لا يوجب فيه التقصير للصلاة فهم مرابطون، ولم

                يعجبه موضع القيروان الذي كان بناه معاوية بن حديج قبله،

                فسار والناس معه حتى أتى موضع القيروان اليوم، وكان موضع

                غيضة لا يرام من السباع والأفاعي، فدعا عليها، فلم يبق فيها

                شئ ، وهربوا حتى أن الوحوش لتحمل أولادها، وعن يحي بن

                عبد الرحمن بن حاطب قال: يا أهل الوادي! إنا حالون إن شاء

                الله، فظعنوا، ثلاث مرات فما رأينا حجراً ولا شجراً إلا يخرج من

                تحته دابة حتى هبطنا بطن الوادي: ثم قال للناس: انزلوا بسم

                الله، وكان عقبة بن نافع مجاب الدعوة، وقد رأى قبيل من البربر

                كيف أن الدواب تحمل أولادها وتنتقل، فأسلموا ثم شرع الناس في

                قطع الأشجار وأمر






                صورة للمسجد



                عقبة ببناء المدينة فبنيت وبني المسجد الجامع، وبنى الناس

                مساجدهم ومساكنهم وتم أمرها سنة 55هـ وسكنها الناس، وكان

                في الناس، وكان في أثناء عمارة المدينة يغزو ويرسل السرايا،

                فتغير وتنهب ودخل كثيراً من البربر الإسلام، واتسعت خطة

                المسلمين وقوي جنان من هناك من الجنود بمدينة القيروان

                وأمنوا واطمأنوا على المقام فثبت الإسلام فيها، وتم تخطيط

                مدينة القيروان على النمط الإسلامي، فالمسجد الجامع ودار




                الإمارة توأمان، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فهما دائماً إلى جوار

                بعضهما، ويكونان دائماً في قلب المدينة التي يخطتها المسلمون

                ويرتكزان في وسطها، وبينهما يبدأ الشارع الرئيسي للقيروان،

                الذي سيسمى باسم السماط الأعظم، ثم ترك عقبة فراغاً حول

                المسجد ودار الإمارة في هيئة دائرة واسعة، ثم قسمت الأرض

                خارج الدائرة إلى خطط القبائل، ليكون استمراراً للشارع الرئيسي

                في الاتجاهين إلى نهاية المدينة، وانجفل البربر من نواحي

                إفريقية إلى القيروان، وسكنوا حولها وكان الكثير منهم دخل في

                الإسلام، وشرعوا في تعلم اللغة العربية والقرآن الكريم وأمور

                دينهم وهكذا نشاهد فيما بين سنتي 50 و55هـ حركة قوية بدأت

                في تعريب الشمال الأفريقي

                1 ـ الخصائص المتوفرة في موضع القيروان :


                ... كانت الدوافع السياسية والعسكرية والإدارية والدعوية دوافع

                قوية في قرار عقبة في اتخاذ موقع القيروان، فقد تميز موقع

                القيروان بالآتي :


                أ ـ بأنه لا يفصله عن مركز القيادة العسكرية في الفسطاط إي بحر

                أو نهر، فهو يقع على الطريق البري الذي يربط بين الفسطاط

                (بمصر) وبين المغرب، ويبدو أن عقبة رحمه الله أخذ بنظرية

                عمر بن الخطاب في بناء الأمصار والمعسكرات بألا يفصلها

                فاصل من نهر أو بحر أو جسر عن المدينة أو مركز القيادة، وأن

                تكون على طرف البر أو أقرب إلى البر والصحراء،

                ب ـ موافقة الموضع لذهنية العرب ومتطلباتهم الضرورية.

                وتتجلى هذه الخصوصية من خلال قراءة توصية عقبة بن نافع

                في أن يكون الموضع قريباً من السبخة: فإن أكثر دوابكم الإبل

                تكون أبلكم على بابها في مراعيها، وكذلك في الكلمات التي عبر

                عنها أصحاب عقبة عندما استجمع رأيهم في الموضع المنتخب،

                إذ قالوا: نحن أصحاب أبل ولا حاجة لنا بمجاورة البحر


                جـ ـ بأنه يتمتع ببعض الانتاجات والموارد الذاتية، فالمنطقة التي

                كان فيها موضع القيروان عبارة غيضة، كما أورد الجغرافيون،

                وكان مواجهاً لجبال أوراس، معقل قبائل البربر، إذن، فإنه كان

                في بقعة زراعية تتضمن بعض المحاصيل التي تكفل للمجاهدين

                المسلمين مورداً غذائياً مهماً


                س ـ صحيح أن المشكلة الرئيسية التي جابهتها القيروان بعد

                اتخاذها كانت متمثلة بالموارد المائية، كما هي الحال في مدينة

                البصرة، مع وجود فارق بين المصرين، فإن مياه البصرة كانت

                مع الأنهار غير أنها مالحة. أما مياه القيروان الصالحة للشرب

                فكانت تعتمد على مصدرين، الأول منهما الأمطار حيث كانت

                تخزن في صهاريج يطلق عليها اسم (المواجل) ، وثانيها مياه

                وادي السراويل في قبلة المدينة، لكنه كان مالحاً. لذلك فإن بعض

                المؤرخين حدد مصدر مياه القيروان قائلاً: وشربهم من ماء

                المطر. إذا كان الشتاء ووقعت الأمطار والسيول دخل ماء المطر

                من الأودية إلى برك عظام يقال لها (المؤجل).. ولهم وادٍ يسمى

                وادي السراويل في قبلة المدينة يأتي فيه ماء مالح.. يستعملونه

                فيما يحتاجونه، ومع ذلك، فإن هذه المشكلة المعقدة يبدو أنها

                أخذت تتضاءل تدريجياً إلى حد ما.

                إن الموقع الجغرافي لمدينة القيروان كان له دور كبير في إثراء

                الحياة العلمية وإنعاشها، فقد كانت في موقع متوسط بين الشرق

                والغرب يمرّ بها العلماء والطلبة من أهل المغرب والأندلس في

                ذهابهم إلى المشرق، فيسمعون من علمائها، وكثير منهم يصبح

                أهلاً للعطاء عند عودته فيسمع منه أهلها، كما كان يدخلها من

                يقصد المغرب أو الأندلس من أهل المشرق


                ش ـ لقد كانت التجارة في القيروان رابحة والسلع فيها نافقة

                ولذلك أمّها كبار التجار من المشرق والمغرب وكثير منهم من

                المحدّثين والفقهاء، فكان ذلك عاملاً مهماً في إزدهار الحياة

                العلمية بالقيروان

                يتبع
                اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                تعليق


                • #9
                  فتوحات عقبة بن نافع


                  نجح عقبة بن نافع رحمه الله في فتوحاته حيث جعل الجهاد


                  قضيته الكبرى في هذه الحياة . سار عقبة في جيش عظيم متجهاً

                  إلى مدينة باغية ، حيث واجه مقاومة عنيفة من البيزنطيين الذين

                  انهزموا أمامه ودخلوا مدينتهم وتحصنوا بها، فحاصرهم مدة ثم

                  سار إلى تلمسان وهي من أعظم مدائنهم فانضم إليها من حولها

                  من الروم والبربر فخرجوا إليه في جيش ضخم والتحم القتال،

                  وثبت الفريقان حتى ظن المسلمون أن في تلك المعركة فناءهم

                  ولكن منَّ عليهم بالصبر فكانوا في ذلك أشدَّ وأصبر من أعدائهم

                  فهاجموا الروم هجوماً عنيفاً حتى ألجئوهم إلى حصونهم فقاتلوهم

                  إلى أبوابها وأصابوا منهم غنائم كثيرة، ثم استمر غربا قاصداً

                  بلاد الزاب، فسأل عن أعظم مدنها فقيل له(( أَرَبَه)) وهي دار

                  ملكهم وكان حولها ثلاثمائة وستون قرية كلها عامرة، فامتنع بها

                  من كان هناك من الروم وأهل المدينة وهرب بعضهم إلى الجبال،

                  فاقتتل المسلمون مع أهل تلك المدينة فانهزم أهل تلك البلاد وقُتل

                  كثير من فرسانهم ورحل عقبة إلى(( تاهرت)) فاستغاث الروم



                  بالبربر فأجابوهم ونصروهم، وقام عقبة بن نافع في الناس خطبةً

                  فقال بعدما حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس إن أشرافكم وخياركم

                  الذين رضي الله تعالى عنهم وأنزل فيهم كتابه بايعوا رسول الله

                  بيعه الرضوان على من كذب بالله إلى يوم القيامة، وهم أشرافكم

                  والسابقون منكم إلى البيعة، باعوا أنفسهم من رب العالمين

                  بجنته بيعة رابحة، وأنتم اليوم في دار غربة وإنما بايعتم رب

                  العالمين، وقد نظر إليكم في مكانكم هذا، ولم تبلغوا هذه البلاد إلا

                  طلبا لرضاه وإعزازاً لدينه، فأبشرو فكلما كثر العدو كان أخزى

                  لهم وأذل إن شاء الله تعالى وربكم عز وجل لا يُسلمكم، فالقوهم

                  بقلوب صادقة، فإن الله عز وجل جعلكم بأسه الذي لا يرد عن

                  القوم المجرمين فقاتلوا عدوكم على بركة الله وعونه والله لا يرد

                  بأسه عن القوم المجرمين . وهذه خطبة عظيمة تدل على أن عقبة

                  بن نافع رضي الله عنه قد اعتمد في حروبه على السلاح الأعظم

                  الذي فيه سر انتصارات المسلمين الباهرة .. ألا وهو التوكل على

                  الله تعالى، واستحضار عظمته وجلاله، ومعيته لأوليائه المؤمنين

                  بالنصر والتأييد، فهو لا يبالي بجيوش الأعداء مهما كثرت، وإنما

                  الذي يهتم به أن يتأكد جيداً من أن هذا السلاح المعنوي الفعال قد

                  توفر في جيشه، وحينما يضمن ذلك فإنه يرحب باجتماع جيوش

                  الأعداء ليكون ذلك أسرع في هلاكهم وتمزيق جمعهم على يد

                  أولياء الله الصالحين وما أعظم شبه عقبة بخالد بن الوليد رضي

                  الله عنه، الذي كان يُسَرُّ ويداخله شعور بالقوة والتعاظم ـ من غير

                  غرور ولا استهانة ـ كلما تضخم جيش الأعداء وتعددت عناصره،

                  وكأن عقبة قد تأس به واتخذه له قدوة في القيادة والإقدام الذي لا

                  يعرف التردد والسآمة، وهو في إقدامه واندفاعه يدرك أن جنود

                  الإسلام الصادقين هم بأس الله تعالى المسلط على أعدائه الكفار،

                  والله تعالى لا يُردّ بأسه عن القوم المجرمين.

                  وقد التقى المسلمون بأعدائهم في مدينة ((تاهرت)) وقاتلوهم

                  قتالاً شديداً، فاشتد الأمر على المسلمين لكثرة عدوهم، ولكنهم




                  انتصروا أخيراً، وانهزم أعداؤهم من الروم والبربر، وقتل منهم

                  عدد كبير، وغنم منهم المسلمون أموالهم وسلاحهم ، ثم توجه

                  إلى جهات المغرب الأقصى فوصل إلى طنجة، حيث قابل بطريق

                  من الروم اسمه (( جوليان )) الذي: أهدى له هدية حسنة، ونزل

                  على حكمه ولما سأله عقبة عن بحر الأندلس قال عنه: لا إنه

                  محفوظ لا يرام ، ثم سأله عن البربر والروم بقوله: دلني على

                  رجال البربر والروم فقال: قد تركت الروم خلفك وليس أمامك إلا

                  البربر وفرسانهم في عدد لا يعلمهم إلا الله تعالى وهم أنجاد البربر

                  وفرسانهم، فقال عقبة: فأين موضعهم؟ قال: في السوس الأدنى،

                  وهم قوم ليس لهم دين .. استفاد عقبة من هذه المعلومات واتجه

                  إلى الجنوب الغربي، قاصداً بلاد السوس الأدنى حيث التقى



                  بجموع بربر أطلس الوسطى، فهزمهم وطاردهم نحو صحراء

                  وادي درعا، حيث بنى مسجداً في مدينة درعا ثم غادر صحاري

                  مراكش باتجاه الشمال الغربي إلى منطقة ((تافللت)) من أجل أن

                  يدور حول جبال أطلس العليا كي يدخل بلاد صنهاجة الذين






                  أطاعوه دون قتال، وكذلك فعلت قبائل هكسورة في مدينة


                  ((اغمات))، بعدها اتجه عقبة نحو الغرب إلى مدينة تفيس ، حيث

                  حاصر بها جموعاً من البيزنطيين والبربر، فلم ينفعهم تحصنهم،

                  فدخل المدينة منتصراً وبذلك أتم تحرير بلاد السوس الأقصى

                  ودخل عاصمتها ((ايجلي)) التي بنى فيها مسجداً، ثم دعا القبائل

                  فيها هناك إلى الإسلام فأجابته قبائل جزولة، وبعد ذلك سار إلى

                  مدينة ((ماسة)) ومنها إلى رأس ((ايفران)) على البحر المحيط ،

                  وبوصول عقبة بن نافع إلى ساحل المحيط الأطلسي يكون قد أنجز

                  تحرير معظم بلاد المغرب، وتشير مصادرنا التاريخية أن عقبة

                  لما وصل إلى المحيط الأطلسي قال: يا رب لولا هذا البحر لمضيت

                  في البلاد مجاهداً في سبيلك. ثم قال: اللهم أشهد أني قد بلغت

                  الجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بالله




                  حتى لا يعبد أحد من دونك ثم وقف ساعة ثم قال لأصحابه: ارفعوا

                  أيديكم، ففعلوا، فقال: اللهم لم أخرج بطراً ولا أشراً وإنك لتعلم

                  أنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين وهو أن تُعبد ولا

                  يُشرك بك شيء، اللهم إنا معاندون لدين الكفر، ومدافعون عن

                  دين الإسلام، فكن لنا ولا تكن علينا يا ذا الجلال والإكرام، ثم

                  انصرف راجعاً. وندرك من قوله المذكور مدى حبه للجهاد

                  وشعوره بالمسئولية الكبرى التي حملها على عاتقه نحو تبليغ

                  الإسلام وتقوية دولته والقضاء على دول الكفر التي حجبت نور

                  الإسلام عن شعوبها، فهو يقف على البحر المحيط ويعلم آنذاك

                  أنه نهاية المعمور من الأرض من ناحية المغرب، ثم نجده يُشهد

                  الله تعالى على أنه قد بلغ المجهود الذي تحت مقدرته، وهذه

                  الشهادة تشعرنا بمدى ارتباط عقبة بالله تعالى، وأنه لم يكن يسير

                  خطوة إلا وهو يستلهم التوفيق منه جل وعلا ويطلب رضوانه،

                  وهذا الكلام يدل على وضوح الهدف من الجهاد عند عقبة حيث

                  بيّن أن الحد الذي يقف عنده الجهاد، أن يزول الشرك من الأرض،

                  وأن لا يعبد إلا الله وحده، ومادام الشرك قائماً فإن الجهاد لا بد أن

                  يكون موجوداً، فالجهاد أذن هو جهاد الدعوة إلى الله تعالى، وذلك

                  بإزالة الطغيان البشري وإخضاع دول العالم لحكم الإسلام لكي

                  يكون فهم الإسلام واعتناقه متيسراً لكل الناس

                  يتبع
                  اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                  تعليق


                  • #10
                    عبد الملك بن مروان


                    هو عبد الملك بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو الوليد

                    الأموي وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية.



                    مولده ووصفه: كان مولده ومولد يزيد بن معاوية في سنة ستٍّ

                    وعشرين، وقد كان عبد الملك قبل الخلافة من العباد الزهاد

                    الفقهاء، الملازمين للمسجد، التالين للقرآن، وكان ربعة من

                    الرجال أقرب إلى القصر، وكانت أسنانه مشبكة بالذهب، وكان

                    أبيض ربعة ليس بالنحيف ولا البادن، مقرون الحاجبين، أشهل

                    كبير العينين، دقيق الأنف، مشرق الوجه، أبيض الرأس واللحية

                    حسن الوجه لم يخضب ويقال: إنه خضب بعد ذلك.




                    طلبه للعلم وعبادته قبل الإمارة وثناء الناس عليه


                    قال نافع: لقد رأيت المدينة ما فيها شاب أشدُّ تشميراً، ولا أفقه

                    ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان. وقال الأعمش عن

                    أبي الزناد: كان فقهاء المدينة أربعة، سعيد بن المسيِّب، وعروة،

                    وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك قبل أن يدخل الإمارة، وعن ابن

                    عمر أنه قال: ولد الناس أبناء وولد مروان أبا ـ يعني عبد الملك ـ

                    ويقصد ابن عمر أن عبد الملك كان يفوق سنه، ويعلو فوق

                    أقرانه، وعن يحي بن سعيد قال: أول من صلّى ما بين الظهر

                    والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه. فقال سعيد بن

                    المسيب: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصيام، إنما العبادة

                    التفكر، في أمر الله، والورع عن محارم الله. وقد صدق رحمه الله.

                    وقال الشعبي: ما جالست أحداً إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد

                    الملك ابن مروان، فإنِّني ما ذاكرته حديثاً إلا زادني فيه، ولا شعراً

                    إلا زادني فيه.



                    تعظيمه لاسم الله تعالى: روى البيهقي: أن عبد الملك وقع منه

                    فلس في بئر قذرة، فاكترى عليه بثلاثة عشر ديناراً حتى أخرجه

                    منها، فقيل له في ذلك، فقال: إنه كان عليه اسم الله عز وجل.



                    التسبيح والتكبير في الأسفار: روى ابن أبي الدينا، أن عبد الملك

                    كان يقول لمن يسايره في سفره إذا رفعت له شجرة سبِّحوا بنا

                    حتى نأتي تلك الشجرة، وكبَّروا بنا حتى نأتي ذالك الحجر، ونحو

                    ذالك


                    هل يصح هجره للقرآن الكريم؟

                    قيل: إنه لمّا وضع المصحف من حجره قال: هذا آخر العهد منك.

                    وهذه رواية ضعفها ابن كثير ورواها بصيغة التمريض ،

                    أن عبد الملك قال لمؤدِّب أولاده وهو إسماعيل بن عبيد الله ابن

                    أبي المهاجر:ـ علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن.



                    وجنبهم السَّفِلَةَ فإنهم أسوأ الناس رِعة ، وأقلهم أدباً، وجنِّبهن

                    الحشم، فإنَّهم بهم مفسدة، وأحفِ شعورهم تغلظ رقابهم،

                    وأطعمهم اللحم يقْوَوا وعلمهم الشعر يمجُدُوا وينجُدُوا ومُرْهم أن

                    يستاكوا عَرْضاً ويمصوا الماء مصَّاً ولا يُعبُّوا عبّاً، وإذا احتجت

                    أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في سرٍّ لا يعلم بهم أحد من الحاشية

                    فيهونوا عليهم

                    روى ابن سعد ما يدل على أن عبد الملك كان محبوباً مرغوباً من

                    عمومته كبار بني أمية، فذكر أنه: كان معاوية بن أبي سفيان

                    جالساً يوماً ومعه عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فمر بهما

                    عبد الملك بن مروان فقال معاوية: ما آدب هذا الفتى وأحسن

                    مرؤته فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إن هذا الفتى

                    أخذ بخصال أربع وترك خصالاً ثلاثاً: أخذ بحسن الحديث إذا

                    حدّث، وحسن الاستماع إذا حُدِّث وبحسن البشر إذا لقي، وخفة

                    المؤونة إذا خولف، وترك من القول ما يعتذر عنه، وترك مخالطة

                    اللئام من الناس وترك ممازحة من لا يوثق بعقله ولا مروءته


                    أول حادث سياسي أثر في حياته


                    كان أول حادث سياسي أثر في حياته عندما كان عمره عشر

                    سنوات، فقد شهد مقتل عثمان رضي الله عنه، وكان لهذا الحادث

                    اثر في سياسته لما تولى الإمارة فقد خطب في إحدى خطبه: أيها

                    الناس أنا نحتمل لكم كل اللغوبة ما لم يكن رأيه أو وثوب على

                    منبر. وأول منصب إداري تولاه في الدولة في عهد معاوية بن أبي

                    سفيان، فقد كان عاملاً على هجر ثم تولى ديوان المدينة بعد وفاة

                    زيد بن ثابت، وشارك في الجهاد فقد خرج على رأس حملة إلى

                    أرض الروم ويشتي هناك في سنة 42هـ،كما يذكر أنه غزا إفريقية

                    مع معاوية بن حديج وكلفه بفتح جلولا في بلاد الشمال الإفريقي

                    وفي عهد يزيد كان يقول على ابن الزبير ما على الأرض اليوم

                    خيراً منه، كما أن علاقته بمصعب بن الزبير كانت حسنة، وأما

                    عن دوره السياسي في عهد مروان بن الحكم، فقد تولى فلسطين

                    وكان يبعث نائباً عنه روح بن زنباع، ويمكن أن يكون ذلك ليبقى

                    في دمشق قريباً من إدارة الدولة لمساعدة والده هناك لاسيما أن

                    الفترة التي تولى فيها والده الحكم كانت الدولة محاطة فيها

                    بالأعداء من الداخل والخارج، وتولى أمرة دمشق عند ذهاب والده

                    لفتح مصر، وهذه المهمة تدل على كفايته الإدارية وحزمه

                    بيعة العلماء

                    بايع بعض العلماء لعبد الملك بن مروان بالشام وقد ذكر من

                    هؤلاء العالم الجليل قبيصة بن ذؤيب ـ رحمه الله ـ فكان من

                    المبايعين لعبد الملك وأحد المقربين إليه، ومنهم يزيد بن الأسود

                    الجرشي ـ رحمه الله ـ فورد أنه كان مع عبد الملك في خروجه

                    لقتال مصعب بن الزبير وروي عنه أنه حين رأى الجيشين قد

                    التقيا قال: اللهم أحجز بين هذين الجبلين وول الأمر أحبهما إليك.



                    فكان الأمر لعبد الملك



                    توحيد الدولة والقضاء على الثورات الداخلية


                    استطاع عبد الملك أن يقض على كل الحركات الداخلية وقد ذكرت

                    أهم هذه الثورات، كثورة الأزارقة، والصفرية، وابن الأشعث،

                    وهناك حركات أخرى ذكرتها كتب التاريخ كحركة مطرف بن

                    المغيرة بن شعبة، وعبد الله بن الجارود، وحركة الأزد في عمان،

                    وفي نهاية المطاف تغلب عبد الملك عليها واحدة تلو الأخرى

                    ووضع الأساليب المناسبة لتحقيق الأهداف المخططة لذلك وقد

                    أثبتت الأحداث قدرة الخليفة عبد الملك بن مروان على معرفة

                    الأحداث معرفة جيدة، ثم السيطرة على هذه الأحداث والقدرة على

                    احتوائها، باستئصال خصومه حيناً، والتسامح معهم حيناً آخر،

                    ضمن خطة سياسية ومنهج قائم على أهداف واضحة، أدت إلى

                    النتائج المتوخاة، وهي إعادة الوحدة السياسية مرّة أخرى، مما

                    أدى إلى إيجاد علاقات جديدة مع الدولة البيزنطية، والقيام

                    بفتوحات جديدة في الشرق والغرب ثم القيام بالعديد من

                    الإصلاحات الجديدة، منحت سياسته الداخلية والخارجية قدرة

                    على التخطيط الشامل الذي يؤدي إلى تحقيق الأهداف المنشودة

                    أهتم عبد الملك بن مروان اهتماماً خاصاً بإدارة شؤون الدولة

                    وسار على نهج معاوية في تطوير المؤسسات والاهتمام

                    بالإصلاحات، وقد قام بتطوير الجهاز الإداري وتنشيطه، وقام

                    بتعريب الإدارة والنقد وهو ما يعرف بحركة التعريب، كما استعان

                    بنخبة من أمهر رجال عصره في الإدارة والسياسة، فقد كرّس عبد

                    الملك كل وقته وجهده لتوطيد أركان الدولة وتنظيمها والسهر

                    على سلامتها، حتى تركها قوية غنية مرهوبة الجانب مرعية

                    السلطان

                    تعريب الدواوين


                    جاءت عملية تعريب الدواوين ضمن الخطة المرسومة لسياسة

                    الدولة الإصلاحية التي بدأها الخليفة عبد الملك بن مروان وأكملها

                    الخلفاء الذين جاءوا من بعده والتي تضمنت نقل الدواوين من

                    اللغات الأجنبية، الفارسية، واليونانية، والقبطية إلى اللغة

                    العربية لإزالة النفوذ الأجنبي من مؤسسات الدولة الإدارية

                    والمالية، وعملية التعريب التي ابتدأها عبد الملك تعتبر من

                    الأحداث العظيمة والجليلة التي قام بها عبد الملك وفق خطة

                    شاملة وكان لتعريب المؤسسات الإدارية (الدواوين) أسباب كثيرة

                    منها:

                    1 ـ إن دخول شعوب وأقوام مختلفة اللغات والديانات إلى الإسلام


                    يعني حاجة هؤلاء الماسة إلى التفقه بالدين وقراءة القرآن الكريم

                    مما شدد الصراع بين اللغة العربية واللغات الأخرى، ومن ثم إلى

                    شيوع اللحن لذلك اعتنى عبد الملك وواليه الحجّاج بن يوسف،

                    بضبط قراءة القرآن، عن طريق تمييز الحروف المتشابهة بوضع

                    النقط عليها لذلك كان التعريب ضرورة ملحة، وكان الحرص على

                    سلامة اللغة العربية من العوامل المهمة التي أدت تعريب

                    الدواوين في عصر الخليفة عبد الملك بن مروان


                    2 ـ كان الخليفة عبد الملك يهدف وراء التعريب إلى تحقيق وحدة

                    الدولة وتماسكها، إذ أن اختلاف لغات الدواوين يكرّس اختلاف

                    النظم المالية والإدارية، ويعيق عملية تنظيم وتوحيد إدارة

                    الدولة، كما أن تعريب الدواوين يعني إنهاء التأثيرات الشعوبية



                    والعنصرية مما يؤكد سيادة الدولة سياسياً على البلاد المفتوحة.

                    3
                    ـ إن استعمال اللغات الأجنبية في الدواوين يعني بقاء هذه

                    اللغات حية وكأنها رسمية، فيتعلمها الناس لحاجة الدولة إليها

                    لكونها طريقاً لتولي الوظائف الكبيرة، وينتج عن ذلك استمرار

                    منافسة هذه اللغات اللغة العربية مما يضعف من شأنها، ويضعف

                    كيان الدولة الأموية، ولذلك كان التعريب جزءاً من سياسة عبد

                    الملك بن مروان الهادفة إلى إعادة تنظيم جهاز الدولة الإداري

                    وتحقيق شخصية الدولة واستقلالها عن النفوذ الأجنبي
                    .
                    4 ـ كان للعوامل الاقتصادية أثراً مهماً في تعريب الدواوين، فقد


                    كان متولي هذه الدواوين يحصلون على أموال طائلة من عملهم

                    هذا، لذلك كان تعريب دواوين الخراج خطوة أولى باتجاه إعادة

                    تنظيم طريقة جباية الضرائب في الأقاليم، وبذلك يمكن ضبط

                    أعمال تلك الدواوين والإشراف بدقة عليها، فيمنع الغش

                    والتزوير، أي أن تعريب الدواوين هو جزء من خطة الإصلاح

                    المالي الذي كانت الدولة بحاجة شديدة إليه إذ ذاك، ولاسيما في

                    العراق أهم أقاليم الدولة الأموية اقتصادياً، حيث حاول الحجّاج بن

                    يوسف الثقفي معالجة الأوضاع الاقتصادية وذلك بالسيطرة على

                    الشؤون الإدارية عن طريق السيطرة على سجلات الدواوين

                    المالية، هذه هي أهم الأسباب التي دعت عبد الملك يعرّب

                    الدواوين

                    نتائج تعريب الدواوين

                    حققت حركة تعريب الدواوين على يد الخليفة عبد الملك بن

                    مروان نتائج ذات آثار عظيمة في جميع الميادين السياسية

                    والإدارية والثقافية واللغوية ما زالت نتائجها شاخصة للعيان

                    حتى اليوم ويمكن تحديد نتائج حركة التعريب بما يأتي:

                    1 ـ تحقيق سيادة لغة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة


                    وتعزيز مكانتها، وانتصارها على اللغات الأجنبية في الدولة،

                    كالفارسية واليونانية، والقبطية، إذ أصبحت لغة الدين الإسلامي،

                    لغة السياسة والدين والعلم، وأصبحت مادة التفاهم اليومي في كل

                    أنحاء الدولة، فانتشرت الثقافة العربية التي طغت على الثقافات

                    الأخرى، وتفاعلت معها وأذابتها وحلت محلها، إذ اعتبر التعريب

                    من الأحداث الكبيرة والإنجازات الضخمة في المجال الثقافي

                    والسياسي وقد تمّ وفق خطة مدروسة.

                    2 ـ ظهور فئة مهمة من الكتاب العرب أو الموالي حلّوا محل


                    الكتّاب الفرس والروم في إدارة الدواوين، إذ كان لصالح بن عبد

                    الرحمن مهمة كبيرة في ذلك، حيث يقول عبد الحميد بن يحي

                    المعروف بعبد الحميد الكاتب للخليفة مروان بن محمد: لله در

                    صالح ما أعظم متنه على الكتّاب، وبذلك كان عامّة كتاب العراق

                    تلامذة صالح ومن هؤلاء قحذم بن أبي سليم وشيبة بن ايمن،

                    والمغيرة وسعيد ابنا عطية ومروان بن إياس.

                    3 ـ ظهور حركة الترجمة، من اللغات الأجنبية إلى العربية حيث

                    كانت حركة تعريب الدواوين أول عملية ترجمة منظمة أدت إلى

                    نقل الكثير من المصطلحات الأجنبية، وظهر من أهتم بالترجمة،

                    مثل خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان المتوفي 85هـ فهو

                    أول من أمر بنقل بعض كتب الكيمياء والطب من اليونانية إلى

                    العربية


                    5 ـ كان تعريب الدواوين سبيلاً إلى تعريب الأقاليم والجاليات غير

                    العربية، فكان هذا من أكبر العوامل في انتشار اللغة العربية، كما

                    أن أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي ما زالت إلى وقتنا الحاضر

                    عربية ثمرة لجهود عبد الملك، فاللغة العربية هي الأداة التي

                    جعلت مجتمع العرب يتسع رويداً رويداً حتى صارت حدوده تمتد

                    من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً

                    6 ـ تمكنت الدولة من تحقيق الإشراف التام على النواحي المالية

                    والإدارية وضبط أعمال الدواوين وسجلات الضرائب أي أسهم

                    ذلك في نجاح الدولة بخطه الإصلاحي.

                    7 ـ إتجه الموالي لتعليم اللغة العربية لكونها الطريق التي تؤدي

                    إلى الوظائف والمناصب العالية، كما أدى من جهة أخرى إلى

                    إشاعة اللحن في اللغة، مما دعا الحجّاج إلى معالجة ذلك، ثم

                    اندفع الموالي للتخلص من اللحن والخطأ وتعلم النحو ودراسته،

                    فحدثت نهضة لغوية واسعة، وهذا يفسر لنا ظهور علماء كبار

                    من الموالي في العصر الأموي ثم العصر العباسي.

                    8 ـ إيجاد نظام إداري موحد وشامل، وللدلالة على حسن هذا

                    النظام أن إتخذه العباسيون، فقد كانت الإدارة عندهم تطوراً

                    للإدارة عند الأمويين، هذه هي أهم نتائج حركة التعريب التي قام

                    بها عبد الملك بن مروان.

                    اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                    تعليق


                    • #11
                      ألدينار ألعربي الاسلامي




                      قام عبد الملك بتعريب النقد تعريباً نهائياً وأحدث دور الضرب

                      التي تضرب فيها الدنانير، وجعلها بإشراف الخلافة، ويود

                      المؤرخون أن يشعرونا بأنه فعل ذلك لأنه تخاصم مع ملك الروم

                      فيقولون: إن الروم كانوا يأخذون من البلاد العربية صحائف

                      البَرْدي، وأمر عبد الملك أن يكتب على رأس صحائف البردي

                      ((شهد الله أن لا إله إلا هو))، فغضب لذلك ملك الروم، وكان

                      محتاجاً إلى البردي، فهدد بأن يطبع على الدنانير عبارات القذف

                      بحق الرسول صلى الله عليه وسلم، إن استمرت تلك العبارة على

                      صحف البردي، فاعتمد عبد الملك أن يضرب السكة في بلاده

                      ويستغنى عن الدنانير التي تأتيه من بلاد الروم. على أن الأمر

                      يبدو أوسع من هذا، فقد كان في بلاد المسلمين نقود فارسية

                      ونقود حميرية قديمة، وغيرها، وقد حاول الخلفاء من قبله ضرب

                      النقود، بل يرجع إلى عمر بن الخطاب أنه ضرب الدراهم لكنه

                      استبقى عليها العبارات الفارسية، وأضاف بعض العبارات العربية

                      فيها كقول ((جائز))، واستمر ضرب النقود في عهد عثمان

                      ومعاوية وابن الزبير، فكان من الطبيعي أن يستأنف عبد الملك

                      عمله، وهو ما فعل. على أن عبد الملك يمتاز بأنه وضع لذلك

                      مخططاً واضحاً، فليست القضية قضية إنشاء مصنع للنقود، ونقل

                      السكة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية فحسب، بل يدخل في

                      هذا الأمر وزن النقود وشكلها. وقد تحدث المؤرخون عن أسباب

                      دينية وسياسية واقتصادية قد لعبت دوراً أساسياً في بناء موقف

                      الخليفة، تتلخص هذه الأسباب على الشكل التالي:

                      1 ـ كان الخليفة حريصاً على صبغ الدولة الأموية بصبغة

                      إسلامية، ولذا فإن الإصلاح النقدي يندرج ضمن خطة شاملة

                      لتعريب مؤسسات الدولة.

                      2 ـ حرص الخليفة على إنهاء التبعية الاقتصادية للدولة البيزنطية

                      التي كانت تسيطر دنانيرها الذهبية على الجانب النقدي من

                      اقتصاديات الدولة.

                      3 ـ توقف حجم السيولة النقدية للدولة الأموية على ما يرد عليها


                      من الدولة البيزنطية، مما يعرضها لأزمات اقتصادية حادة،

                      خاصة في حالات انقطاع هذه السيولة بسبب ممارسة ضغوط

                      اقتصادية، أو نشوب معارك حربية أو نحوها.

                      4 ـ سيطرت الدولة على مصادر عرض النقود، وضمان تخليصها

                      من الغش وكسب ثقة الناس في النقود المتداولة.

                      5 ـ حاجة الدولة الفعلية إلى عملة داخلية موحدة ومنضبطة حتى

                      تستوفي بها حقوقها لدى الأفراد، وتسهل لها القيام بوظائفها

                      الاقتصادية.








                      6 ـ إن إصدار النقود يعبر عن السيادة الكاملة للدولة الإسلامية

                      ويحررها من النفوذ الأجنبي، فقد أراد عبد الملك بن مروان أن

                      يقيم سلطانه على أساس اقتصادي مستقل عن بيزنطة وعدم ا

                      لارتباط بنقدها، كما أن إصدار أول دينار إسلامي يرتبط بحالة ا

                      لصراع مع البيزنطيين حيث استطاع الخليفة أن يوجه ضربة

                      اقتصادية موجعة للدولة البيزنطية.

                      7 ـ يعتبر سك النقود الإسلامية وتوحيدها في الدولة اتجاهاً نحو

                      الدولة المركزية وضبط جهازها المالي.

                      8 ـ ومن المعلوم الأكثر أهمية التي جعلت الخليفة يقدم على

                      إصدار النقود الإسلامية، توفر كميات كبيرة من الذهب والفضة

                      لدى المسلمين في البلاد المفتوحة، فاستند على قاعدة هذا

                      المخزون الكبير من المعادن في إصدار النقد الإسلامي الجديد.


                      أهم خصائص النقود الإسلامية في عهد عبد الملك:

                      1 ـ أنه ألغى العبارات والإشارات التي تشير إلى العقيدة المسيحية

                      المحرفة واستبدلها بعبارات تدل على عقيدة التوحيد الإسلامية.


                      2 ـ إنها موافقة في أوزانها النسبية لنصاب زكاة النقدين

                      ومقدارها.

                      3 ـ أنه حدد وزن الدينار باثنين وعشرين قيراطاً إلا حبة، وجعل

                      الدرهم خمسة عشر قيراطاً أو ستة دوانق.

                      4 ـ أنه حدد بناء على الوزن السابق سعر الصرف بين الدرهم

                      والدينار، فكانت كل عشرة دراهم تساوي سبعة دنانير.

                      5 ـ تحددت تواريخ إصدار النقود الأموية بالتاريخ الهجري

                      المتسلسل، إي وفق المتعارف عليه، بينما افتقرت النقود

                      الساسانية والبيزنطية إلى التواريخ التقويمية، إذ اعتمدت

                      تواريخها على بداية حكم كل ملك.







                      محاربة تزييف العملة: تشدد عبد الملك وخلفاءه من بعده وولاتهم

                      في تعقب أية محاولة لغش النقود وتزييفها ومعاقبة من يثبت

                      عليه ذلك، فقد روي أنه أخذ رجلاً يضرب على غير سكة

                      المسلمين فأراد قطع يده، ثم ترك ذلك وعاقبه، فاستحسن ذلك

                      شيوخ المدينة .
                      اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                      تعليق


                      • #12
                        بناء تونس





                        اختط هذه المدينة القائد حسان بن النعمان الغساني عام 82هـ،


                        لتكون قاعدة عسكرية بحرية، ولتحول دون تكرار البيزنطيين

                        الهجوم على قرطاجة عام 78هـ، بنى حسان بن النعمان مدينة

                        تونس على أنقاض قرية قديمة عرفت باسم ترشيش القديمة،




                        وإنما سميت تونس في أيام الإسلام لوجود صومعة الراهب،

                        وكانت سرايا المسلمين تنزل بإزاء صومعته، وتأنس لصوت

                        الراهب، فيقولون هذه الصومعة تؤنس، فلزمها هذا الإسم فسميت

                        باسم تونس، واختط حسان تونس غربي البحر المتوسط بنحو

                        عشرة أميال، فقام بحفر قناة تصل المدينة بالبحر لتكون ميناء

                        بحرياً ومركزاً للأسطول الإسلامي بعد أن أنشأ فيها صناعة

                        المراكب، بخبراء في هذه الصناعة زوده بها والي مصر عبد




                        العزيز بن مروان بناء على توجيه الخليفة عبد الملك، وقد بنيت

                        مدينة تونس طبقاً لأهداف سياسية استراتيجية، وأهداف

                        اقتصادية إجتماعية تبناها الخليفة عبد الملك، أما الأهداف

                        السياسية البعيدة المدى، فيتضح ذلك بوضع حد لاعتداءات الروم

                        والمتمثلة بإغارتهم على الساحل الإفريقي، والسبيل الأمثل هو

                        إيجاد قاعدة بحرية، وصناعة بحرية قادرة على إنشاء أسطوله

                        مهمته صد العدوان الرومي بادي الأمر، ثم الانتقال من مرحلة

                        التصدي إلى الغزو والفتح فيما بعد، وقد تمثل تطبيق هذه المرحلة

                        من قبل الخليفة عبد الملك فقام بالإيعاز لشقيقه والي مصر: عبد

                        العزيز بن مروان، لإرسال ألفي قبطي من مهرة الصناع لإقامة

                        صناعة مراكب بحرية وقام هؤلاء بالمهمة الموكلة إليهم خير

                        قيام، وأما الهدف الثاني: فيتمثل بإيجاد حياة إجتماعية بايجاد

                        المؤسسات القادرة على خدمة



                        الأفراد، فأقام في المدينة المسجد الجامع ودار الإمارة وثكنات

                        للجند للمرابطة وأخذ يقوم بتدوين الدواوين، تنظيم الخراج

                        والعناية بالدعوة الإسلامية بين البربر، فقام بإرسال الفقهاء

                        ليعلموهم اللغة العربية والدين الإسلامي، وسارت المدينة لتكون

                        معسكراً حربياً في البداية، ومركز استيطان وإدارة لدعم الفتوحات

                        وأخيراً مركزاً حضارياً ومركز إشعاع فكري وعلمي وثقافي.

                        وهكذا رسخ الخليفة عبد الملك بن مروان إقدام الدولة الأموية

                        بتأسيس مدينة تونس، وقطع دابر الغارات اليبزنطية بإيجاد

                        مدينة إسلامية مرتبطة بالأهداف العليا للدولة
                        اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                        تعليق


                        • #13
                          بناء مسجد قبة الصخرة


                          بنى هذا المسجد الخليفة عبد الملك بن مروان وسماه الأوربيون


                          خطأ مسجد عمر، وقد رصد الخليفة لأعماره أموالاً طائلة، قال ابن



                          كثير: ولما أراد عبد الملك عمارة بيت المقدس وجه إليه بالأموال



                          والعمال ووكل بالعمل رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام مولاه،



                          وجمع الصناع من أطراف البلاد وأرسلهم إلى بيت المقدس،



                          وأرسل إليه بالأموال الجزيلة الكثيرة، وأمر رجاء بن حيوة ويزيد



                          أن يفرغا الأموال إفراغاً ولا يتوقفا فيه، فبثوا النفقات وأكثروا،



                          فبنوا القبة فجاءت في أحسن البناء، وفرشاها بالرخام الملون



                          وحفاها بأنواع الستور، وأقاما لها سدنة وخداماً بأنواع الطيب









                          والمسك والعنبر وماء الورد والزعفران، يعملون منه غاليه



                          ويبخرون القبة والمسجد من الليل، وجعلا فيها من قناديل الذهب



                          والفضة والسلاسل الذهبية والفضية شيئاً كثيراً، وفرشاها بأنواع



                          البسط الملونة، وكانوا إذا أطلقوا البخور شمَّ من مسافة بعيدة،



                          وقد عملوا فيها من الإشارات والعلامات المكذوبة شيئاً كثيراً مما



                          في الآخرة، فصورا فيه صورة الصراط وباب الجنة وقدم رسول



                          الله صلى الله عليه وسلم ووادي جهنم وكذلك في أبوابه ومواضع



                          منه، فاغتر الناس بذلك إلى زماننا... وبالجملة فإن صخرة بيت



                          المقدس لما فرغ من بنائها لم يكن لها نظير على وجه الأرض



                          بهجة ومنظراً، وقد كان فيها من الفصوص والجواهر



                          والفسيفساء وغير ذلك شيء كثير وأنواع باهرة، ولما فرغ رجاء



                          بن حيوة ويزيد بن سلام من عمارتها على أكمل الوجوه، فضل



                          من المال الذي أنفقاه على ذلك ستمائة ألف مثقال، وقيل ثلاثمائة



                          ألف مثقال، فكتبا إلى عبد الملك يخبرانه بذلك، فكتب إليهما قد



                          وهبته لكما، فكتبا إليه إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد



                          من حلي نساءنا، فكتب إليهما: إذا أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه على



                          القبة والأبواب، فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها



                          من الذهب القديم والحديث








                          الشكل النهائي



                          ، وهناك عدة أسئلة تطرح نفسها: ما سبب بناء هذا المسجد



                          وبهذا الإتقان والإبداع؟ ولماذا تزامن مع حركة ابن الزبير في



                          الحجاز؟، إن أول المؤرخين الذين حاولوا إيجاد التسويغ لبناء



                          مسجد قبة الصخرة المشرفة هو اليعقوبي (ت 284) وقد ربط ذلك



                          بالحكم والخلافة حينئذ، وأوجد صيغة مشتركة في التعامل بين



                          السلطة الأموية والمجتمع، لأن معظم العالم الإسلامي كان قد بايع



                          عبد الله بن الزبير بالخلافة (64 ـ 73هـ) ما عدا إقليم الأردن، فقد



                          قال في كتابه: ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك لأن ابن



                          الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك



                          منعهم من الخروج إلى مكة فضج الناس وقالوا: تمنعنا من حج



                          بيت الله الحرام، وهو فرض علينا، فقال: هذا ابن شهاب الزهري



                          يحدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تشد الرحال إلا



                          إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي ومسجد بيت



                          المقدس. وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي












                          يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع قدمه عليها لما صعد إلى



                          السماء. واليعقوبي راوي الأثر السابق مؤرخ شيعي إمامي كان



                          يعمل في كتابة الدواوين في الدولة العباسية حتى لقب بالكاتب



                          العباسي، وقد عرض اليعقوبي تاريخ الدولة الإسلامية من وجهة



                          نظر الشيعة الإمامية، فهو لا يعترف بالخلافة إلا لعلي بن أبي



                          طالب وأبنائه حسب تسلسل الأئمة عند الشيعة، ويسمي علي



                          بالوصي، وعندما أرخ لخلافة أبي بكر وعمر وعثمان لم يضف



                          إليهم لقب الخلافة إنما تولى الأمر فلان، ثم لم يترك واحداً منهم



                          دون أن يطعن فيه، وكذلك كبار الصحابة، وقد ذكر عن عائشة



                          رضي الله عنها أخباراً سيئة وكذلك عن خالد بن الوليد، وعمرو



                          بن العاص،، ومعاوية بن أبي سفيان، وعرض خبر السقيفة خبراً



                          مشيناً، إدعى فيه إنه قد حصلت مؤامرة على سلب الخلافة من



                          علي بن أبي طالب الذي هو الوصي في نظره، وطريقته في سياق



                          الاتهامات ـ الباطلة ـ هي طريقة قومه من أهل التشيع وهي إما



                          اختلاق الخبر بالكلية، أو التزيد في الخبر، والإضافة عليه أو



                          عرضه في غير صياغه ومحله حتى يتحرف معناه، ومن الملاحظ



                          أنه عندما ذكر الخلفاء الأمويين وصفهم بالملوك وعندما ذكر



                          خلفاء بني العباس وصفهم بالخلفاء، كما وصف دولتهم في كتابه



                          البلدان باسم الدولة المباركة، مما يعكس نفاقه وتستره وراء



                          شعار التقية وهذا الكتاب يمثل الانحراف والتشويه الحاصل في



                          كتابة التاريخ الإسلامي، وهو مرجع لكثير من المستشرقين



                          والمستغربين الذين طعنوا في التاريخ الإسلامي وسيرة رجاله،



                          مع أنه لا قيمة له من الناحية العلمية إذ يغلب على القسم الأول



                          القصص والأساطير والخرافات، والقسم الثاني كتب من زاوية



                          نظر حزبية، كما أنه يفتقد من الناحية المنهجية لأبسط قواعد



                          التوثيق العلمي. هذا هو اليعقوبي الذي اعتمده المؤرخون



                          المتأخرون في روايته قصة بناء مسجد قبة الصخرة أو مسجد



                          بيت المقدس على حد تعبيره، وعلينا أن نتحفظ من رواية



                          اليعقوبي الآنفة الذكر ونعتبرها خارجة عن الإطار المقبول لأنه لا



                          يعقل رجل بمستوى عبد الملك في دهائه ومكره وعقله وفقهه



                          يضع نفسه موضع شبهة الكفر، فيصد الناس عن الحج إلى بيت



                          الله الحرام، هذا من ناحية العقل والمنطق،وأما من ناحية السند



                          فقد بينا ولم نسمع أن أحداً من خصوم الأمويين أوردوا ذلك في



                          مطاعنهم على عبد الملك ـ سوى الشيعة ـ. كما أن الإمام الزهري



                          لم يلتق بعبد الملك إلا بعد مقتل ابن الزبير، فقد نقل الذهبي عن



                          الليث بن سعد أنه قال: قدِم ابن شهاب على عبد الملك سنة اثنين



                          وثمانين. وقد نص على أن ابن الزبير قتل سنة 72هـ، وبعد مقتله



                          استوثقت الممالك لعبد الملك، فليس هو في حاجة لمن يضع له



                          أحاديث لصرف الناس عن الحج والزهري لم يكن عند مقتل ابن



                          الزبير ذائع الصيت عند الأمة الإسلامية بحيث تتقبل منه حديثاً



                          موضوعاً يلغي به فريضة الحج الثابتة بالقرآن والأحاديث



                          الصحيحة وذلك لصغر سنه، فإنه قد ولد بعد الخمسين من



                          الهجرة، وصداقته بعبد الملك وتردده عليه لا يقدح في أمانته



                          ودينه، وأما حديث شد الرحال فهو صحيح رواه البخاري ومسلم



                          وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من العلماء، قال عنه ابن تيميه:



                          وهو حديث مستفيض، متلقى بالقبول، أجمع أهل العلم على



                          صحته وتلقيه بالقبول والتصديق، ولم ينفرد الزهري رحمه الله



                          برواية هذا الحديث حتى يتهم بوضعه، والحديث ليس فيه فضل



                          قبة الصخرة وليس فيه الدعوة إلى الحج إليها والطواف حولها



                          بدلاً عن الكعبة كما يدعي بعض المزورين، وغاية ما فيه فضل



                          الصلاة في بيت المقدس وزيارته، وأما الصخرة فقد ذكر ابن القيم



                          أن كل حديث فيها فهو كذب مفترى، وقد قام الدكتور حارث بن



                          سليمان الضاري بنسف هذه الشبهة في كتابه القيم الإمام الزهري



                          وأثره في السنة في ثلاثة عشر صفحة وأتى بحجج دامغة قوية



                          لمن يبحث عن الحقيقة العلمية.
                          اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                          تعليق


                          • #14
                            المهلب بن ابي صفرة والقضاء على حركة الخوارج



                            وصف المهلب بن أبي صفرة الأزدي وشيء من أقواله:


                            ... وصف المهلب بأنه كان نزر الكلام وجيزه، يفضل فعله على

                            لسانه، متلطفاً في إجاباته، كاتماً للسر، حليماً في موضع الحلم،

                            شديداً في موضع الشدة، وإن كان الحلم أغلب عليه، فيروى أن

                            رجلاً شتمه فلم يرد عليه: فقيل له لم حلمت عنه؟ قال: لم أعرف

                            مساويه وكرهت أن أبهته بما ليس فيه، واتصف المهلب بصبره

                            واناته في أعماله وحروبه وكان يقول: إناة في عواقبها فوت خير

                            من عجلة في عواقبها درك، وعندما كان الحجّاج يستعجله

                            بمناجزة الأزارقة الخوارج، أجابه بقوله: إن البلاء كل البلاء أن

                            يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره، ومما اشتهر به المهلب

                            في حروبه هو إعداده للبيات وأحكامه الأمور، أي أنه كان يباغت

                            أعداءه بشن الهجوم عليهم ليلاً فيحرز انتصارات مؤزرة، واشتهر

                            المهلب بكرمه وسخائه، ومن أقواله لأبنائه في هذا الباب: ما

                            رأيت أحداً بين يدي قط إلا أحببت أن أرى ثيابي عليه، واعلموا يا

                            بني أن ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، وكان يحرص على

                            شراء ود الناس وله قول مأثور في ذلك: عجبت لمن يشتري

                            المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه، وقيل له بما ظفرت؟

                            قال: بطاعة الحزم، ومعصية الهوى


                            ظل الخوارج فرقة واحدة يتبنون أفكاراً ومبادئ واحدة بصفة

                            عامة إلى ما بعد وفاة يزيد بدأوا ينشقون على أنفسهم وكلما

                            اختلف أحدهم مع رفاقه في الرأي، انشق عنهم مكوناً له فرقة

                            خاصة، حتى وصل عدد فرقهم إلى أكثر من ثلاثين فرقة، ومن

                            أشهر فرق الخوارج التي قاتلها عبد الملك الأزارقة والصفرية.



                            أولاً الأزارقة: هم أتباع نافع بن الأزرق ، الذين يعدون أشد فرق

                            الخوارج تطرفاً في الأفكار والمبادئ وجنوحاً إلى العنف، وكان

                            زعيم هذه الفرقة هو أول من أحدث الخلاف بين الخوارج لتطرفه،

                            فقد برئ من القاعدين، الذين لا يخرجون معه للقتال، كما قال

                            بكفر من لم يهاجر إليه. فضلاً عن إباحته أموال ودماء مخالفيه،

                            وتكفيره لمرتكب الكبيرة وحكمه بخلوده في النارومن أهم ما

                            تميزت به هذه الفرقة.


                            ـ الانفصال الكامل عن المجتمع المسلم، حيث زعم نافع وأتباعه

                            أن دار مخالفيهم دار كفر.


                            ـ إيمانهم بمبدا


                            الاستعراض فكانوا يتعرضون للناس بالقتل والنهب، فقد أباحوا

                            لأنفسهم قتل الرجال والنساء والصبيان((من المسلمين)).


                            ـ أنهم كفروا القعدة. ونافع أول من أظهر البراءة من القعدة عن

                            القتال، وإن كانوا موافقين له على دينه وكفر من لم يهاجر إليه

                            فهذه من أهم البدع الني فارق بها الأزارقة بقية الخوارج.

                            فارق الأزارقه بقيادة نافع بن الأزرق عبد الله بن الزبير عند ما

                            تبين لهم أنه لم يكن على رأيهم فيما يذهبون إليه، وقد أنبث أفراد

                            هذه الفرقة الخارجية في مناطق البصرة والأهواز وما وراءها من

                            بلاد فارس وكرمان في أيام عبد الله بن الزبير وصاروا يحاربون

                            المسلمين جهاراً، وجاءت تولية المهلب على حرب الأزارقة بناء

                            على اختيار أهل البصرة له واقتران ذلك بموافقة عبد الله بن

                            الزبير، إلا أن المهلب لم يخرج لقتالهم إلا بعد أن اشترط على أهل

                            البصرة جملة شروط أجابوه إليها، فخوّل الحق باختيار من يشاء

                            من المقاتلة، وأن تكون له أمرة وخراج كل بلد يقع في حوزته،

                            وانتخب المهلب اثني عشر ألف رجل من أخماس البصرة، ولم

                            يكن بيت المال سوى مئتي ألف درهم عجزت عن عطاء الجند

                            وعن تجهيزاتهم، فبعث المهلب إلى التجار وقال لهم أن تجارتكم

                            منذ حول قد كُسرِت بانقطاع موارد الأهواز وفارس عنكم، فهلمّ

                            فبايعوني وأخرجوا معي أُوفيكم إن شاء الله حقوقكم، فأخذ منهم

                            من المال ما يصلح به عسكره، واتخذ لأصحابه ما يلزم من

                            التجهيزات، فلما انتصر المهلب على الخوارج، قام بجباية الخراج

                            من الكور حتى قضى للتجار ما أخذ منهم.



                            استمر المهلب يقاوم الخوارج ما يقرب من عامين، ثم استدعاه

                            مصعب بن الزبير الذي أصبح والي البصرة من قبل أخيه عبد الله

                            ليشترك معه في حرب المختار الثقفي سنة 67هـ وبعد هزيمة

                            المختار عين مصعب المهلب والياً على الموصل والجزيرة

                            وأذربيجان وأرمينية، ولكن أحد لم يستطع أن يقوم مقام المهلب

                            في مقاومة الخوارج مما اضطر مصعباً أن يستدعيه من الموصل

                            ليتولى قتالهم من جديد، وبينما المهلب يقاوم الخوارج في

                            الأهواز تمكن عبد الملك بن مروان من سيطرة الدولة الأموية

                            على العراق، بعد مقتل مصعب بن الزبير سنة 72هـ، وولي أخاه

                            بشر بن مروان على العراق وأمره بإبقاء المهلب على حرب

                            الخوارج ومساعدته، فعمل بشر بما أمره به أخوه وبرهن المهلب

                            على إخلاصه في حرب الخوارج الأزارقة مهما كانت السلطة التي

                            تصدر إليه الأوامر، فكما قاتلهم تحت لواء آل الزبير استمر

                            يقتالهم تحت لواء عبد الملك، ولما أسندت ولاية العراق إلى

                            الحجّاج بن يوسف الثقفي سنة 75هـ جدّ في مساعدة المهلب

                            وحشد له العراقيين وشد أزره، فاشتد في مقاومتهم حتى تمكن من

                            القضاء على خطرهم، وقد أتاح له الخوارج أنفسهم فرصة كسر

                            شوكتهم عندما انقسموا على أنفسهم قسمين، قسم تزعمه رجل

                            اسمه عبد ربه فقد قضي عليه المهلب نهائياً، وأما قطري بن

                            الفجاءة ومجموعته فقد رحلوا إلى طبرستان، ولكن المهلب تمكن

                            من القضاء عليهم سنة 77هـ بمساعدة جيش أرسله إليه الحجّاج

                            بقيادة سفيان بن الأبرد الكلبي، وهكذا قضى المهلب على خطر من

                            أكبر الأخطار التي هددت الدولة الأموية في عهد عبدالملك بن

                            مروان، وهم الخوارج الأزارقة الذين كان مسرح عملياتهم العراق

                            وبلاد فارس وكرمان والأهواز، واستمرت حركتهم ثلاثة عشر

                            عاماً 65 ـ 78هـ



                            كانت سياسة المهلب تقوم على النفس الطويل في محاربة

                            الخوارج وكان ينتظر تفجيرهم من الداخل، حتى يهون عليه

                            أمرهم ويسهل القضاء عليهم، فقد كتب إلى الحجّاج: إني انتظر

                            منهم ثلاث خصال: موت صاحبهم قطري بن الفجاءة أو فرقة

                            وتشتيتاً أو جوعاً قاتلاً، ولم تخطيء تقديرات المهلب للخوارج إذ

                            سرعان ما دبّ الشقاق في صفوف الأزارقة، فما كان من المهلب

                            إلا أن انتهز الفرصة فصعّد الخلاف في صفوفهم، فعمد إلى حيلة

                            ناجحة، فقد عرف بين الخوارج رجلاً يصنع السهام المسمومة،

                            فأرسل المهلب أحد أصحابه، بكتاب أمره أن يلقيه بين عساكر

                            قطري سراً كتب فيه: أما بعد، فإن نصالك وصلت وقد أنفذت إليك

                            ألف درهم. فلما استوضح عن الصانع أنكر فقام قطري بن الفجاءة

                            بقتله، فخالفه بذلك عبد ربه الكبير ووقع خلاف جديد. وتعميقاً

                            للخلاف في صفوف الخوارج جنّد المهلب رجلاً نصرانياً وأمره أن

                            يسجد لقطري بن الفجاءة فلما شاهده الخوارج أنكروا ذلك عليه

                            وقتلوا النصراني واتهموا زعيمهم بتأليه نفسه. وأخذ الخوارج

                            يقتتلون فيما بينهم، بينما المهلب ينتظر النتائج النهائية، التي

                            تسفر عنها هذه التصفيات ليتفرغ لها مما جعله لا يمتثل لأمر

                            الحجّاج عندما طالبه بمقاتلتهم، بل كتب له: إني لست أرى أن

                            أقاتلهم ما دام يقتل بعضهم بعضاً، فإن تمّوا على ذلك، فهو الذي

                            تريد وفيه هلاكهم، وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رمق بعضهم

                            بعضاً، فأناهضهم حينئذ، وهو أهون ما كانوا وأضعهم شوكة إن

                            شاء الله تعالى، فكف عنه الحجّاج، وتركهم المهلب يقتتلون شهراً

                            لا يحركهم، ثم سار إليهم المهلب وتهيأت له الخوارج بقيادة عبد

                            ربه الكبير ثم تلا ذلك قتل شديد تمكن المهلب في نهايته من

                            طردهم من جيرفت، ثم لاحقهم حتى هزمهم هزيمة منكرة، وقتل

                            زعيمهم عبد ربه



                            ولم ينج منهم إلا عدد قليل، ولعل نجاح المهلب يعود إلى أسلوبه

                            الحربي، الذي يعتمد على المطاولة ويتجنب العجلة، بجانب قيادته

                            الحكيمة وشجاعته وخبرته العسكرية ومكره في الحروب. قال الشاعر:


                            قد يدرك المرء بالتدبير ما عجزت


                            عنه الكمأة ولم يحمل على بطل


                            ... ونتيجة انتصاراته ضد الخوارج فقد رأى فيه الخليفة عبد

                            الملك بأنه قادر على إيجاد التوازن بين الأطراف القبلية المتنازعة

                            فولاّه على خراسان، فمكث فيها خمس سنوات إلى أن توفي عام 82هـ.
                            اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                            تعليق


                            • #15

                              أبو محمد البطال

                              كان من أبطال المسلمين وأمرائهم الشاميين وكان مع جيش

                              مسلمة بن عبد الملك وكان مقره بإنطاكية أوطأ الروم خوفاً وذلاً.



                              منظر جوي لانطاكية 1937

                              ولكن كذب عليه أشياء مستحيلة في سيرته الموضوعة، وعن

                              عبد الملك بن مروان أنه أوصى مسلمة أن صير على طلائعك

                              البطال ومره فليعس بالليل، فإنه أمير شجاع مقدام، وعقد مسلمة

                              للبطال على عشرة آلاف وجعلهم طلائع للجيش، ومن نوادر ما



                              احد ابواب انطاكية

                              يحكى عن البطال أنه قال: اتفق لي إنا أتينا قرية لنغير، فإذا بيت

                              فيه سراج وطفل صغير يبكي، فقالت أمه أسكت، أو لأدفعنك إلى

                              البطال فبكى وقالت: خذه يا بطال فقلت: هاتيه: وجرت له أعاجيب

                              وفي الآخر أصبح في معركة مثخوناً وبه رمق فجاء الملك ليون،

                              فقال: أبا يحي، كيف رأيت؟ قال: وما رأيت؟ كذلك الأبطال تقتل

                              ولا تُقتل، فقال: عليَّ بالأطباء، فأتوا فوجوده قد أنفذت مقاتله،،

                              فقال: هل لك حاجة؟ قال: تأمر من يثبت معي بولايتي وكفني

                              والصلاة عليَّ ثم تطلقهم، ففعل، قتل 112هـ وقيل 113هـ. قال

                              عنه ابن العماد:.. وله حروب ومواقف ولكن كذبوا عليه،

                              فأفرطوا، ووضعوا له سيرة كبيرة، تقرأ كل وقت، يزيد فيها من لا

                              يستحي من الكذب .



                              عامر الشعبي سفير عبد الملك لعظيم الروم


                              وجه عبد الملك بن مروان الشعبي إلى ملك الروم ـ يعني رسولاً ـ

                              فلما انصرف من عنده قال: يا شعبي، أتدري ما كتب به إليّ ملك

                              الروم؟ قال: وما كتب به يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أتعجب لأهل

                              ديانتك، كيف لم يستخلفوا عليهم رسولك. قلت: يا أمير المؤمنين

                              لأنه رآني ولم يرك، وفي رواية: يا شعبي، إنما أراد أن يغريني

                              بقتلك. وبلغ ذلك ملك الروم فقال لله أبوه، والله ما أردت إلا ذاك.

                              وفي هذا ما يدل على أن الروم لم تكن نياتهم سليمة مع المسلمين

                              حتى في زمن السلم والمراسلات وعقود الصلح، وأنهم

                              يستخدمون الكيد والمكر لشق الصفوف، والتخلص من الأفذاذ.
                              اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                              تعليق

                              يعمل...
                              X