إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الرد على عدنان الرفاعي

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #31
    بسم الله الرحمن الرحيم

    وفي إحدى مقالاته بعنوان ( الفارق بين السنة الشريفة وروايات الأحاديث) قال الرفاعي:-

    .. فالالتفافُ الذي تمّ – عَبْرَ التاريخِ – على بعضِ أحكامِ كتابِ اللهِ تعالى ، كان عَبْرَ تلفيقِ بعضِ الرواياتِ ونسبِها إلى الرسولِ  ، وإدخالِها تحتَ ظلالِ مفهومِ السُنّةِ ، ومن ثمّ عَبْرَ حلولِها مكانَ بعضِ أحكامِ كتابِ اللهِ تعالى ..

    وكلام الرفاعي هذا غير صحيح .. فلا يوجد شيء من الأحاديث حل محل كتاب الله تعالى وأحكامه ... بل إن السنة مبينة للقرآن ومكملة له وهي المصدر الثاني من مصادر الأمة الإسلامية التي تستقى منها الأحكام والتشريعات ...
    وأيضا فإن السنة محفوظة بحفظ الله تعالى لها ... وقد هيأ الله تعالى للسنة من يبين صحيحها من ضعيفها وبالتالي فإن مصادر التشريع الإسلامي في أمان ولله الحمد والمنة ...

    ويمضي الرفاعي في نفس المقال المذكور قائلاً:-

    .. وهكذا .. تمَّ عَبْرَ التاريخِ تحويلُ بعضِ جوانبِ المنهجِ إلى تاريخٍ ، كما حصلَ عَبْرَ زعمِ مسألةِ الناسخِ والمنسوخِ، حيث جُمِّدتْ بعضُ أحكامِ كتابِ اللهِ تعالى ، التي زعموا نسخَها ، بعد أنْ فُسِّرَتْ تفسيراً خاطئاً .. وتمّ تحويلُ بعضِ جوانبِ التاريخِ إلى منهجٍ ، كبعضِ أحكامِ العبيدِ وملكِ اليمين( * ) التي حُسِبَتْ على الإسلام ، والإسلامُ منها براء ..

    وكلام الرفاعي هنا يتضمن مسألتين:-
    الأولى: إنكاره لقضية الناسخ والمنسوخ والثانية إنكاره لأحكام الرق والعبيد التي شُرعت في الإسلام ...
    فأما قضية الناسخ والمنسوخ فهي من علوم القرآن الكريم .. ولا يسعُ الرفاعي ولا غيره إنكارها .. وقد تناولتها كتب علوم القرآن الكريم فتراجع في مظانها ...
    أما مسألة أحكام العبيد وملك اليمين والتي ادّعى الرفاعي أن الإسلام منها براء ..فالإسلام لم يخترع العبيد ولا ملك اليمين وإنما وُجدت هذه المسألة قبل الإسلام وعرفتها الأمم السابقة .. وعند مجيء الإسلام لم يُحرِّم تلك المسألة فهي من مقتضيات الحياة وفي حالة حصول الحروب تحديداً ... بيدَ أنَّ ما فعله الإسلام هو أنه شرعَ أحكاماً ووضع أصولاً للتعامل مع هذه المسألة لم تكن موجودة عند من سبق ...فاتضح عدلُ الإسلام في هذا الأمر ... وقد جاء في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تبين التعامل مع هذه القضية ... فمن ذلك قوله تعالى " {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} النور 33


    وقد قال الطحاوي في أحكام القرآن :-

    فَكَانَ الْكِتَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ مُبَيَّنٍ مَا هُوَ فِيهَا، وَلا فِيمَا سِوَاهَا مِنْ آيِ الْقُرْآنِ، وَمُبَيَّنًا فِي السُّنَّةِ مَا هُوَ، وَهُوَ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّجُلُ مَمْلُوكَهُ عَلَى مَالٍ مَعْلُومٍ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ بِعَقْدِ الْمُكَاتَبَةِ عَلَيْهِ فِي حَالٍ مَا قَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا... أ.هـ

    ثم شرع رحمه الله تعالى في بيان معنى المكاتبة ...

    وقد جاء في السنة الكثير من أحكام الرق والعتق وغير ذلك فمن ذلكم ما جاء في صحيح البخاري (كتاب العتق) ...باب ( ما جاء في العتق وفضله) ..
    بَاب فِي الْعِتْقِ وَفَضْلِهِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى
    { فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ }

    حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
    قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ

    وإنما اكتفينا بإيراد مثالين من الكتاب وصحيح السنة ... حتى نثبت للرفاعي وغيره أن السنة لم تلصق شيئا من أحكام الرق وملك اليمين بالإسلام بل إن ذلك وارد في القرآن ..فكيف غاب عنه ذلك وهو من القرآنيين !!

    سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

    ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

    وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

    تعليق


    • #32
      بسم الله الرحمن الرحيم

      ويمضي الرفاعي في نفس المقال قائلاً:-

      .. السنّةُ الشريفةُ هي ما قالَهُ الرسولُ وفعلَهُ من تفصيلٍ لكليّاتِ النصِّ القرآنيِّ ، كتفصيلِهِ لهيآتِ الصلاةِ ، وعددِ الصلوات ، وعددِ الركعاتِ في كلِّ صلاة .. حيث توارثتْ الأجيالُ هذه السنّةَ الشريفةَ ، حياةً تعبديّةً ، منذُ الجيلِ الأوّلِ حتى الآن ، وستتوارثُهُ حتى قيامِ الساعةِ .. فهذه السنّةُ لم تُصبحْ واقعاً متحقِّقاً في التاريخِ عَبْرَ رواياتِ الأحاديثِ كما يتوهّمُ الكثيرون ، إنّما تناقلتْها الأمّةُ بأسرِها من جيلٍ إلى جيلٍ عَبْرَ التزامِ الأمّةِ العمليِّ بهذهِ السنّةِ ...

      ولا أدري من أين للرفاعي هذا التعريف للسنة .. ومن سبقه إليه ..
      والتعريف الصحيح للسنة هو ...
      أن السنن جمع سنة، والسنة في اللغة: الطريقة خيرا كانت أو شرا، وتطلق السنة على الصميم من كل شيء.

      وفي اصطلاح أهل العلم يختلف إطلاقها باختلاف الفن الذي تذكر فيه، ففي علم العقائد تطلق على ما يقابل البدعة.

      وتطلق في اصطلاح أهل الحديث على ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية سواء صلح دليلا لحكم شرعي أو لم يصلح.

      وعند الأصوليين تطلق السنة على ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح دليلا لحكم شرعي.

      وتطلق عند الفقهاء على المأمور به أمراً غير جازم، وعند بعضهم على ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وأظهره في ملإ وقام الدليل على عدم وجوبه، وهذا عند الذين يفرقون بين السنة والمندوب...

      وجاء في القرآن الكريم تسمية السنة بالحكمة كما في قول الله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ {آل عمران:164} ، وفي قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ {الأحزاب:34} .أ.هـ (منقول من فتاوى الشبكة الإسلامية)
      قلت: هذا ما اتفق عليه العلماء تقريباً في تعريفهم للسنة ... والمتأمل في تعريف الرفاعي يجد أنه يقصد بتعريفه أن كل ما جاء في السنة موافقاً للقرآن فهو عنده سنة مقبولة ... وكل ما جاء معارضاً للقرآن _ حسب فهمه_ فهو ليس من سنن النبي صلى الله عليه وسلم حتى ولو كان صحيحا ... وهذا _ كما ترى تعريف منقوص منه للسنة ... إذ أن هناك أحكاماً لم يذكرها القرآن جاءت السنة مبينة لها وموضحة لها ...ولا أجد أفضل من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه ( إعلام الموقعين) في بيان حال السنة مع القرآن الكريم فقال ...

      السنة لا تعارض القرآن
      والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه أحدها أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها الثاني أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له الثالث أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه ولا تخرج عن هذه الأقسام فلا تعارض القرآن بوجه ما فما كان منها زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته وليس هذا تقديما لها على كتاب الله بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى وسقطت طاعته المختصة به وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختص به وقد قال الله تعالى( من يطع الرسول فقد أطاع الله )وكيف يكمن أحدا من أهل العلم أن لا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب ولا حديث خيار الشرط ولا أحاديث الشفعة ولا حديث الرهن في الحضر مع أنه زائد على ما في القرآن ولا حديث ميراث الجدة ولا حديث تخيير الأمة إذا أعتقت تحت زوجها ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان ولا أحاديث إحداد المتوفي عنها زوجها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة فهلا قلتم إنها نسخ للقرآن وهو لاينسخ بالسنة وكيف أوجبتم الوتر مع أنه زيادة محضة على القرآن بخبر مختلف فيه وكيف زدتم على كتاب الله فجوزتم الوضوء بنبيذ التمر بخبر ضعيف وكيف زدتم على كتاب الله فشرطتم في الصداق أن يكون أقله عشرة دراهم بخبر لا يصح البتة وهو زيادة محضة على القرآن وقد أخذ الناس بحديث لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم وهو زائد على القرآن وأخذوا كلهم بحديث توريثه صلى الله عليه وسلم بنت الابن السدس مع البنت وهو زائد على ما في القرآن وأخذ الناس كلهم بحديث استبراء المسبية بحيضة وهو زائد على ما في كتاب الله وأخذوا بحديث من قتل قيلا فله سلبه وهو زائد على ما في القرآن من قسمة الغنائم وأخذوا كلهم بقضائه صلى الله عليه وسلم الزائد على ما في القرآن من أن أعيان بني الأبوين يتوارثون دون بني العلات الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه ولو تتبعنا هذا لطال جدا فسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل في صدورنا وأعظم وأفرض علينا أن لا نقبلها إذا كانت زائد على ما في القرآن بل على الرأس والعينين وكذلك فرض على الأمة الأخذ بحديث القضاء بالشاهد واليمين وإن كان زائدا على ما في القرآن وقد أخذ به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمهور التابعين والأئمة والعجب ممن يرده لأنه زائد على ما في كتاب الله ثم يقضي بالنكول ومعاقد القمط ووجوه الآجر في الحائط وليست في كتاب الله ولا سنة رسوله وأخذتم أنتم وجمهور الأمة بحديث لا يقاد الوالد بالولد مع ضعفه وهو زائد على ما في القرآن وأخذتم أنتم والناس بحديث أخذ الجزية من المجوس وهو زائد على ما في القرآن وأخذتم مع سائر الناس بقطع رجل السارق في المرة الثانية مع زيادته على ما في القرآن وأخذتم أنتم والناس بحديث النهي عن الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال وهو زائد على ما في القرآن وأخذت الأمة بأحاديث الحضانة وليست في القرآن وأخذتم أنتم والجمهور باعتداد المتوفي عنها في منزلها وهو زائد على ما في القرآن وأخذتم أنتم مع الناس بأحاديث البلوغ بالسن والإنبات وهي زائدة على ما في القرآن إذ ليس فيه إلا الاحتلام وأخذتم مع الناس بحديث الخراج بالضمان مع ضعفه وهو زائد على ما في القرآن وبحديث النهي عن بيع الكالىء وهو زائد على ما في القرآن وأضعاف أضعاف ما ذكرنا بل أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها فلو ساغ لنا رد كل سنة زائدة كانت على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها إلا سنة دل عليها القرآن وهذا هو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيقع ولابد من وقوع خبره أ.هـ
      ولابن القيم كلام نفيس بعد ما ذكرنا فيُرجع إليه ...
      فهذا هي حال السنة مع القرآن ... فكيف يُقال حينها أن ما وافق القرآن من السنة قبلناه ..وما عارضه فغير مقبول ولو كان حديثاً صحيحاً !! فهذا من أعجب العجب وقد بينا فساد ذلك ولله الحمد والمنة ..
      سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

      ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

      وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

      تعليق


      • #33
        بسم الله الرحمن الرحيم

        ومن أجل تدعيم رأيه ..فقد نقل الرفاعي مجموعة من الأحاديث يحاول فيها إظهار أن النبي صلى الله عليه وسلم ...لم يستقل عن القرآن في سنته ... ونحن نؤكد ذلك ... ولكن ليس على طريقة الرفاعي ... فما وضحه النبي صلى الله عليه وسلم من أحكام ليست في القرآن إنما كان بوحي من الله تعالى وإلهام ... وسيتبين لك مقصد الرفاعي حين نقل قوله والرد عليه بإذن الله تعالى ..
        فيقول:-
        هناك أعمالٌ قامَ بها الرسولُ كتفصيلٍ لكليّاتِ النصِّ القرآنيِّ ( مِثْلَ الشعائر ) ، وهذه الأعمالُ هي السنّةُ التي يجبُ على الأمّةِ اتّباعُها
        وقد ذكرنا أن هناك من الأحكام ما استقلت به السنة الشريفة عن القرآن الكريم .. وهذه الأحكام مؤيدة بوحي من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ...

        ويقول أيضا:-
        هناك أعمالٌ قامَ بها النبيُّ دونَ وحيٍ من السماءِ ( أي قام بها ليس بكونِه رسولاً وإنّما بكونِه نبيّاً ) ، وذلك باجتهادٍ بشريٍّ ، ريثما يُنَزَّلُ عليه النصُّ القرآنيُّ الخاصُّ بِها ، أو أنَّ هذه الأعمالَ لا علاقةَ لها بالتكليف ..
        قلت: هذا الأمر محل تفصيل ... فالسنة كما قلنا هي ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير ... وهذه الأقوال والأفعال التي وردت عنه صلى الله عليه وسلم ، واستُفيد منها حكم شرعي وجب الأخذ به حتى ولو لم يكن في القرآن مثله ... لأن ما قرره النبي صلى الله عليه وسلم وشرَّعه ... لا يتعارض مع القرآن بل هو مكمل له ووحيٌ من الله تعالى له صلى الله عليه وسلم ... أما ما كان اجتهاداُ بشرياً منه صلى الله عليه وسلم فسيأتي توضيحه بعد ذكر الأحاديث التي أوردها الرفاعي.. فيقول:-

        .. ورواياتُ الأحاديثِ ذاتُها تُبيّنُ هذا الجانبَ من أعمالِ النبيِّ التي قامَ بها باجتهادٍ بشريٍّ دونَ وحيٍ من السماءِ .. وفي الحديثِ التالي من صحيحِ مسلم ، رقم ( 4356 ) حسبَ ترقيمِ العالميّةِ ، أكبرُ دليلٍ على ذلك :
        [ حَدَّثَنَا ....... قَالَ مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ فَقَالُوا يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ] ..

        ويقول أيضا:-

        .. فَقَولُ النبيِّ (( فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) ، يؤكّدُ أنّ بعضَ أقوالِ النبيِّ ليستْ وحياً من السماءِ ، وأنّ السنّةَ التي تُطالَبُ بها الأمّةُ هي فقط التي ينقلُها لنا الرسولُ كوحيٍ من السماءِ يُفَسِّرُ كليّات النصّ القرآني ، لا كاجتهادٍ بشريٍّ .. وهذا ما تُبيّنُهُ العبارةُ (( وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ )) مِنَ الحديثِ ..

        ولمزيد من الايضاح حول الموضوع ينظر هذا الرابط

        سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

        ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

        وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

        تعليق


        • #34
          بسم الله الرحمن الرحيم

          ويقول الرفاعي:-

          .. ولذلك كانَ رسولُ اللهِ حريصاً على عدمِ كتابةِ أيِّ شيءٍ عنه سوى القرآنِ الكريمِ ، وهناك الكثيرُ من الأحاديثِ التي تؤكّدُ ذلك

          قلت: هذا الكلام فيه ما فيه ... وهو أشبه بالطعن برسول الله صلى الله عليه وسلم. فهل نهيُ الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يُكتب شيءٌ من حديثه هو من أجل أن هناك أفعالا له صلى الله عليه وسلم قد يُخطىء فيها أو يُصيب ولهذا نهى عن كتابة السنة؟؟
          أقول: لم يقل بمثل هذا القول حتى أعتى أعداء الإسلام ...وقد بينّا في الفتوى المنقولة أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التي هي دليل على بشرية الرسول شيء .. والأحكام التي سنها الرسول صلى الله عليه وسلم وحيٌ من الله تعالى كلها صحيحة ..وعدم الأخذ بها كفرٌ مخرجٌ من الملة والعياذ بالله ..

          سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

          ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

          وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

          تعليق


          • #35
            بسم الله الرحمن الرحيم

            ويمضي الرفاعي قائلاً:-

            .. ولو فرضنا جدلاً وتماشياً مع أوهامِ الذين لا يريدون معرفةَ الحقِّ ، أنّ أعمالَ الرسولِ كُتِبَتْ جميعُها بين يديهِ ، بل وصُوِّرَت بكاميرا ( فيديو ) ، فإنّ ذلك لا يعني أبداً أنّ الرواياتِ التي بين أيدينا كُتِبَتْ في العصرِ الأوّلِ ، لأنَّ جميعَ الرواياتِ التي بين أيدينا تبدأُ بالعبارات : حدّثنا ، أخبَرَنا ، سمعنا ، ....... ، ولا يُوجَدُ حديثٌ واحدٌ يبدأُ بالعبارة : هذا ما نُقِلَ حرفيّاً من صحيفةٍ ما كُتِبَتْ بين يديِّ الرسولِ .. إضافةً إلى أنَّ نَقْلَ الحدثِ الواحدِ – عَبْرَ رواياتِ الأحاديثِ – بصيغٍ مختلفةٍ ، ومتناقضةٍ أحياناً ، يؤكّدُ أنّ الحديثَ جُمِعَ بالسماع ، لا عن طريقِ الكتابة ..

            وبغض النظر عن استهزاؤه الذي يعبر فيه عن أخلاقه .. فإن الأحاديث قد نُقلت ودونت بأعلى درجات الضبط وقد شهد بذلك العدو قبل الصديق ...
            وللرد على كلامه هذا .. أنقل كلام المعلمي رحمه الله تعالى الذي رد على كلام أبو رية سلف الرفاعي .. فقال المعلمي رحمه الله تعالى :-

            فحفظ الله السنة في صدور الصحابة والتابعين حتى كتبت ودونت كما يأتي، وكان التزام كتابتها في العهد النبوي شاقاً جداً، لأنها تشمل جميع أقول النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله وما يقوله غيره بحضرته أو يفعله وغير ذلك. والمقصود الشرعي منها معانيها، ليست كالقرآن المقصود لفظه ومعناه، لأن كلام الله بلفظه ومعناه، معجز بلفظه ومعناه، ومتعبد بتلاوته بلفظه بدون أدنى تغيير، لاجرم خفف الله عنهم واكتفى من تبليغ السنة غالباً بأن يطلع عليها بعض الصحابة، ويكمل الله تعالى حفظها وتبليغها بقدرته التي لا يعجزها شيء .........
            وثم مصالح أخرى منها: تنشئة علوم تحتاج إليها الأمة، فهذه الثروة العظيمة التي بيد المسلمين من تراجم قدمائهم، إنما جاءت من احتياج المحدثين إلى معرفة أحوال الرواة، فاضطروا إلى تتبع ذلك، وجمع التواريخ والمعاجم، ثم تبعهم غيرهم.
            ومنها: الإسناد الذي يعرف به حال الخبر، كان بدؤه في الحديث ثم سرى إلى التفسير والتاريخ و الأدب
            .............أ.هـ بتصرف
            وأما عن قول الرفاعي ( لا نجد في الأحاديث إلا حدثنا، أخبرنا، سمعنا ... ) فيقول المعلمي:-

            علمنا يقيناً أن الصحابة إنما أمروا بالتبليغ على ماجرت به العادة: من بقي منهم حافظاً على وجهه فليؤده كذلك، ومن بقي ضابطاً للمعنى ولم يبق ضابطاً للفظ فليؤده بالمعنى. هذا أمر يقيني لا ريب فيه، وعلى ذلك جرى عملهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته.

            ويمضي المعلمي رحمه الله تعالى قائلاً

            واعلم أن الأحاديث الصحيحة ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وهي كثيرة. ومنها ما أصله قولي، ولكن الصحابي لا يذكر القول بل يقول: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بكذا، أو نهانا عن كذا، أو قضى بكذا، أو أذن في كذا.. وأشباه هذا. وهذا كثير أيضاً. وهذان الضربان ليسا محل نزاع، والكلام في مايقول الصحابي فيه: قال رسول الله كيت وكيت، أو نحو ذلك. ومن تتبع هذا في الأحاديث التي يرويها صحابيان أو أكثر ووقع اختلاف فإنما هو في بعض الألفاظ، وهذا يبين أن الصحابة لم يكونوا إذا حكوا قوله صلى الله عليه وسلم يهملون ألفاظه البتة، لكن منهم من يحاول أن يؤديها فيقع له تقديم وتأخير أو إبدال الكلمة بمرادفها ونحو ذلك. ومع هذا فقد عرف جماعة من الصحابة كانوا يتحرون ضبط الألفاظ...
            وأما التابعون فقد يتحفظون الحديث كما يتحفظون القرآن كماجاء عن قتادة أنه (( كان إذا سمع الحديث أخذه العويل والزويل حتى يحفظه )) هذا مع قوة حفظه، ذكروا أن صحيفة جابر على كبرها قرئت عليه مرة واحدة- وكان أعمى - فحفظها بحروفها، حتى قرأ مرة سورة البقرة فلم يخطيء حرفاً ثم قال: لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة )) ... أما أتباع التابعين فلم يكن فيهم راو مكثر إلا كان عنده كتب بمسموعاته يراجعها ويتعاهدها ويتحفظ حديثه منها. ثم منهم من لم يكن يحفظ، وإنما يحدث من كتابه، ومنهم من جرب عليه الأئمة أنه يحدث من حفظه فيخطيء، فاشترطولصحة روايته أن يكون السماع منه من كتابه.ومنهم من عرف الأئمة أنه حافظ، غير أنه قد يقدم كلمة أو يؤخرها، ونحو ذلك مما عرفوا أنه لا يغير المعنى، فيوثقونه ويبينون أن السماع منه من كتابه أثبت.
            فأما من بعدهم فكان المتثبتون لا يكادون يسمعون من الرجل إلا من أصل كتابه. كان عبد الرزاق الصنعاني ثقة حافظاً، ومع ذلك لم يسمع منه أحد بن حنبل ويحيى بن معين إلا من أصل كتابه... هذا، وكان الأئمة يعتبرون حديث كل راو فينظرون كيف حدث به في الأوقات المتفاوته فإذا وجدوه يحدث مرة كذا ومرة كذا بخلاف لا يحتمل ضعفوه. وربما سمعوا الحديث من الرجل ثم يدعونه مدة طويلة ثم يسألونه عنه. ثم يعتبر حرف مرواياته برواية من روى عن شيوخه وعن شيوخ شيوخه، فإذا رأوا في روايته مايخالف رواية الثقات حكموا عليه بحسبها. وليسوا يوثقون الرجل لظهور صلاحه في دينه فقط.، بل معظم اعتمادهم علىحاله في حديثه كما مر، وتجدهم يجرحون الرجل بأنه يخطيء ويغلط، وباضطرابه في حديثه، / وبمخالفته الثقات، وبتفرده، وهلم جرا. ونظرهم عند تصحيح الحديث أدق من هذا، نعم، إن هناك من المحدثين من يسهل ويخفف، لكن العارف لا يخفى عليه هؤلاء من هؤلاء. فإذا رأيت المحققين قد وثقوا رجلاً مطلقاً فمعنى ذلك أنه يروي الحديث بلفظه الذي سمعه، أو على الأقل إذا روى المعنى لم يغير المعنى، وإذا رأيتهم قد صححوا حديثاً فمعنى ذلك أنه صحيح بلفظه أو على الأقل بنحو لفظه، مع تمام معناه، فإن بان لهم خلاف ذلك نبهوا عليه
            ... أ.هـ
            ومن شاء الاستزادة فليرجع الى كتاب المعلمي رحمه الله تعالى ( الأنوار الكاشفة) فهو سفرٌ نفيسٌ حقا ..
            سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

            ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

            وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

            تعليق


            • #36
              بسم الله الرحمن الرحيم

              ويورد الرفاعي هذا الحديث من صحيح البخاري استمراراً في منهجه السقيم العقيم فيقول في حاشية مقاله :-
              صحيح البخاري حديث رقم : ( 3085 ) حسب ترقيم العالمية : ( حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ ) ..
              صحيح مسلم ، حديث رقم : ( 4781 ) حسب ترقيم العالمية : ( حَدَّثَنَا ....... قَالُوا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا ) ..
              .. ورد في التفسير الكبير للفخر الرازي ، الكتاب الأوّل ، الجزء الثاني ، ص : 54 ، نصٌّ يتعلّقُ بهذا الحديث ، أنقله بحرفيّته : [ ..... وحكى الخطيب في تاريخ بغداد عن عمرو بن عبيد أنّه قال : لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته ، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أحببته ، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته ، ولو سمعت رسول الله ( ص ) يقول هذا لرددته ، ولو سمعت الله عزّ وجلّ يقول هذا لقلتُ : ليس على هذا أخذت ميثاقاً .. ] ..

              والمتابع لكلام الرفاعي يجد أنه يورد الأحاديث لمجرد الإيراد ..واضعاً بعض الكلام من بعض كتب الفرق المخالفة ...كما هو الحال في إيراده لهذين الحديثين ...
              فالكلام المذكور في تفسير الرازي إنما نقله عن عمرو بن عبيد ... وعمرو هذا معتزلي جلد ... تجد ترجمته في كتب التراجم ... أما الرازي فهو أشعري ... خالف المعتزلة في بعض الأمور واتفق معهم في بعضها الآخر ... فكيف يُؤخذ قولهما حجة على الإسلام ..!! وكيف يتم الربط بين كلامهم هذا لانتقاد هذه الأحاديث ... وكأن رأيهم هو الصحيح ورأي غيرهم من علماء الأمة باطل ... !!
              أما معنى الحديثين فلا يُعارض القرآن ... وليس فيه ظلمٌ للبشر كما يُفهم ضمنياً من كلام الرفاعي ...


              وإليك هذه الفتوى حول الموضوع:-

              معنى حديث " فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار "

              [السُّؤَالُ]
              ـ[أريد شرح هذا الحديث : عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو الصادق المصدوق (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفه ثم يكون علقه مثل ذلك ثم يكون مضغه مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وٍأجله وعمله وشقي أم سعيد فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) رواه البخاري بصراحة أجد نوعا من التحبيط أني قد أعمل بعمل أهل الجنة ومكتوب أني من أهل النار ، وأرجو من فضيلتكم الإجابة مأجورين ومشكورين على جهودكم ، والله يجعلها في ميزان حسناتكم .]ـ

              [الْجَوَابُ]
              الحمد لله
              قال ابن القيم رحمه الله : " الجهال بالله وأسمائه وصفاته ، المعطلون لحقائقها ، يُبَغِّضون اللهَ إلى خلقه ، ويقطعون عليهم طريق محبته ، والتودد إليه بطاعته من حيث لا يعلمون !!
              ونحن نذكر من ذلك أمثلة يُحتذى عليها : فمنها أنهم يقررون في نفوس الضعفاء أن الله سبحانه لا تنفع معه طاعة ، وإن طال زمانها وبالغ العبد وأتى بها بظاهره وباطنه ، وأن العبد ليس على ثقة ولا أمن من مكره ؛ بل شأنه سبحانه أن يأخذ المطيع المتقي من المحراب إلى الماخور ، ومن التوحيد والمسبحة إلى الشرك والمزمار ، ويقلب قلبه من الإيمان الخالص إلى الكفر ، ويروون في ذلك آثار صحيحة لم يفهموها ، وباطلة لم يقلها المعصوم ، ويزعمون أن هذا حقيقة التوحيد .. " انتهى ، الفوائد (159) .
              ثم قال رحمه الله : " ... فأفلس هذا المسكين من اعتقاد كون الأعمال نافعة أو ضارة ؛ فلا بفعل الخير يستأنس ، ولا بفعل الشر يستوحش ، وهل في التنفير عن الله وتبغيضه إلى عباده أكثر من هذا ؟!! ولو اجتهد الملاحدة على تبغيض الدين والتنفير عن الله لما أتوا بأكثر من هذا .
              وصاحب هذه الطريقة يظن أنه يقرر التوحيد والقدر ، ويرد على أهل البدع ، وينصر الدين ، ولعمر الله : العدو العاقل أقل ضررا من الصديق الجاهل ، وكتب الله المنزلة كلها ورسله كلهم شاهدة بضد ذلك ، ولا سيما القرآن ؛ فلو سلك الدعاة المسلك الذي دعا الله ورسوله به الناس إليه لصلح العالم صلاحا لا فساد معه .
              فالله سبحانه أخبر ، وهو الصادق الوفي ، أنه إنما يعامل الناس بكسبهم ، ويجازيهم بأعمالهم ، ولا يخاف المحِسن لديه ظلما ولا هضما ، ولا يخاف بخسا ولا رهقا ، ولا يضيع عمل محسن أبدا ، ولا يضيع على العبد مثقال ذرة ، ولا يظلمها : (وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما) ، وإن كان مثقال حبة من خردل جازاه بها ، ولا يضيعها عليه ، وأنه يجزي بالسيئة مثلها ، ويحبطها بالتوبة والندم والاستغفار والحسنات والمصائب ، ويجزي بالحسنة عشر أمثالها ، ويضاعفها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة !!
              وهو الذي أصلح الفاسدين ، وأقبل بقلوب المعرضين ، وتاب على المذنبين ، وهدى الضالين ، وأنقذ الهالكين ، وعلَّم الجاهلين ، وبصَّر المتحيرين ، وذكَّر الغافلين ، وآوى الشاردين ، وإذا أوقع عقابا أوقعه بعد شدة التمرد والعتو عليه ، ودعوة العبد إلى الرجوع إلى إليه ...) . انتهى
              الفوائد (161) .
              وهذا الحديث العظيم رواه البخاري (3208) ومسلم (2643) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ، وقد أشكل على بعض الناس قوله صلى لله عليه وسلم فيه : (فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) .
              وهو مثال لما أشار إليه ابن القيم رحمه الله من الآثار الصحيحة التي لم يفهموها .
              والجواب عن ذلك أن هذا في حق من لا يعمل إخلاصا وإيمانا ، بل يعمل بعمل أهل الجنة
              (فيما يبدو للناس) فقط ، كما جاء موضحا في الحديث الآخر الذي رواه البخاري (4207) ومسلم (112) عَنْ سَهْلٍ قَالَ الْتَقَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَاقْتَتَلُوا فَمَالَ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا فَضَرَبَهَا بِسَيْفِهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجْزَأَ أَحَدٌ مَا أَجْزَأَ فُلَانٌ فَقَالَ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالُوا أَيُّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ لَأَتَّبِعَنَّهُ فَإِذَا أَسْرَعَ وَأَبْطَأَ كُنْتُ مَعَهُ حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نِصَابَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَجَاءَ الرَّجلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) .
              وأما من يعمل بعمل أهل الجنة حقيقة ، إخلاصا وإيمانا ، فالله تعالى أعدل وأكرم وأرحم من أن يخذله في نهاية عمره .
              بل هذا أهل للتوفيق والتسديد والتثبيت ، كما قال تعالى : (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) إبراهيم/27 ، وقال : (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت/69 ، وقال : (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) يوسيف/90 ، وقال : (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران/171
              قال ابن القيم رحمه الله في "الفوائد" ص 163 : " وأما كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ، فإن هذا عمل أهل الجنة فيما يظهر للناس ، ولو كان عملا صالحا مقبولا للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يبطله عليه . وقوله : (لم يبق بينه وبينها إلا ذراع) يشكل على هذا التأويل ، فيقال : لما كان العمل بآخره وخاتمته ، لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له ، بل كان فيه آفة كامنة ونكتة خُذل بها في آخر عمره ، فخانته تلك الآفة والداهية الباطنة في وقت الحاجة ، فرجع إلى موجبها ، وعملت عملها ، ولو لم يكن هناك غش وآفة لم يقلب الله إيمانه ... والله يعلم من سائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض " انتهى .
              وقال ابن رجب رحمه الله :
              " وقوله : (فيما يبدو للناس) إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك ، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس ؛ إما من جهة عمل سيء ونحو ذلك ، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت .
              وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار ، وفي باطنه خصلة خفيه من خصال الخير ، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره ، فتوجب له حسن الخاتمة .
              قال عبد العزيز بن أبي رواد : حضرت رجلا عند الموت يلقن الشهادة : لا إله إلا الله ، فقال في آخر ما قال : هو كافر بما تقول ، ومات على ذلك !!
              قال : فسألت عنه ، فإذا هو مدمن خمر !!
              وكان عبد العزيز يقول اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته .
              وفي الجملة : فالخواتيم ميراث السوابق ؛ وكل ذلك سبق في الكتاب السابق ، ومن هنا كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم ، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق .
              وقد قيل : إن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم ، يقولون : بماذا يختم لنا ؟!!
              وقلوب المقربين معلقة بالسوابق ، يقولون : ماذا سبق لنا ؟!! ...
              وقال سهل التستري : المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي ، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر !!
              ومن هنا كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ، ويشتد قلقهم وجزعهم منه ؛ فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر ، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر ؛ كما تقدم أن دسائس السوء الخلفية توجب سوء الخاتمة " انتهى .
              جامع العلوم والحكم (1/57-58) .
              وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " إن حديث ابن مسعود : (حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع) أي: بين الجنة ، ليس المراد أن عمله أوصله إلى هذا المكان حتى لم يبق إلا ذراع ، لأنه لو كان عمله عمل أهل الجنة حقيقة من أول الأمر ما خذله الله عز وجل ؛ لأن الله أكرم من عبده، عبد مقبل على الله ، ما بقي عليه والجنة إلا ذراع ، يصده الله؟! هذا مستحيل ، لكن المعنى: يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ، حتى إذا لم يبق على أجله إلا القليل زاغ قلبه والعياذ بالله -نسأل الله العافية- هذا معنى حديث ابن مسعود . إذاً: لم يبق بينه وبين الجنة إلا ذراع بالنسبة لأجله ، وإلا فهو من الأصل ما عمل عمل أهل الجنة -نعوذ بالله من ذلك ، نسأل الله ألا يزيغ قلوبنا- عامل وفي قلبه سريرة خبيثة أودت به إلى أنه لم يبق إلا ذراع ويموت " انتهى من "اللقاء الشهري" (13/14) .
              وأشار بعض أهل العلم إلى أن المذكور في الحديث قد يعمل بعمل أهل الجنة حقيقة ، حتى إذا اقترب أجله ساءت خاتمته ، فمات على كفر أو معصية ، لكن هذا نادر ، وهو راجع أيضا إلى خبيئة وبلية يقيم عليها هذا الشخص ، من اعتقاد فاسد أو كبيرة موبقة ، أوجبت سوء خاتمته ، نسأل الله العافية . فيكون الحديث فيه تحذير من الاغترار بالأعمال ، وتوجيه إلى سؤال الله الثبات حتى الممات، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء .
              قال النووي رحمه الله في "شرح مسلم" : " الْمُرَاد بِالذِّرَاعِ التَّمْثِيل لِلْقُرْبِ مِنْ مَوْته وَدُخُوله عَقِبه , وَأَنَّ تِلْكَ الدَّار مَا بَقِيَ بَيْنه وَبَيْن أَنْ يَصِلهَا إِلَّا كَمَنْ بَقِيَ بَيْنه وَبَيْن مَوْضِع مِنْ الْأَرْض ذِرَاع , وَالْمُرَاد بِهَذَا الْحَدِيث أَنَّ هَذَا قَدْ يَقَع فِي نَادِر مِنْ النَّاس , لَا أَنَّهُ غَالِب فِيهِمْ , ثُمَّ أَنَّهُ مِنْ لُطْ اللَّه تَعَالَى وَسَعَة رَحْمَته اِنْقِلَاب النَّاس مِنْ الشَّرّ إِلَى الْخَيْر فِي كَثْرَة , وَأَمَّا اِنْقِلَابهمْ مِنْ الْخَيْر إِلَى الشَّرّ فَفِي غَايَة النُّدُور , وَنِهَايَة الْقِلَّة , وَهُوَ نَحْو قَوْله تَعَالَى : {إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي وَغَلَبَتْ غَضَبِي} وَيَدْخُل فِي هَذَا مَنْ اِنْقَلَبَ إِلَى عَمَل النَّار بِكُفْرٍ أَوْ مَعْصِيَة , لَكِنْ يَخْتَلِفَانِ فِي التَّخْلِيد وَعَدَمه ; فَالْكَافِر يُخَلَّد فِي النَّار , وَالْعَاصِي الَّذِي مَاتَ مُوَحِّدًا لَا يُخَلَّد فِيهَا كَمَا سَبَقَ تَقْرِيره . وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَصْرِيح بِإِثْبَاتِ الْقَدَر , وَأَنَّ التَّوْبَة تَهْدِم الذُّنُوب قَبْلهَا , وَأَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْء حُكِمَ لَهُ بِهِ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ , إِلَّا أَنَّ أَصْحَاب الْمَعَاصِي غَيْر الْكُفْر فِي الْمَشِيئَة . وَاَللَّه أَعْلَم " انتهى .
              على أن الذي ينبغي أن ننتبه إليه في هذا السياق ، أن في نفس الحديث الذي أشكل عليك حل هذا الإشكال ؛ وذلك أنه لم يتضمن مجرد إثبات القدر ، وعلم الله تعالى السابق في خلقه ، وكتابته لأعمالهم ، وإنما تضمن ، هو وأمثاله من النصوص ، إلى جانب ذلك كله ، إثبات أمره ونهيه ، وأن الله تعالى لا يعذب عباده ، ولا ينعمهم ، على مجرد علمه فيهم ، بل على ما عملت أيديهم ، وكسبت نفوسهم .
              قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
              " وَهَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ فِيهِ فَصْلَانِ : أَحَدُهُمَا : الْقَدَرُ السَّابِقُ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلِمَ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَعْمَلُوا الْأَعْمَالَ وَهَذَا حَقٌّ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ ; بَلْ قَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ : كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد أَنَّ مَنْ جَحَدَ هَذَا فَقَدَ كَفَرَ ; بَلْ يَجِبُ الْإِيمَانُ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ كُلَّهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ وَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ وَأَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ...
              [والفصل الثاني] : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْلَمُ الْأُمُورَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَدْ جَعَلَ لِلْأَشْيَاءِ أَسْبَابًا تَكُونُ بِهَا ؛ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا تَكُونُ بِتِلْكَ الْأَسْبَابِ ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا يُولَدُ لَهُ بِأَنْ يَطَأَ امْرَأَةً فَيُحْبِلَهَا ؛ فَلَوْ قَالَ هَذَا : إذَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يُولَدُ لِي فَلَا حَاجَةَ إلَى الْوَطْءِ كَانَ أَحْمَقَ ; لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ بِمَا يُقَدِّرُهُ مِنْ الْوَطْءِ ، وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا يُنْبِتُ لَهُ الزَّرْعَ بِمَا يَسْقِيهِ مِنْ الْمَاءِ وَيَبْذُرُهُ مِنْ الْحَبِّ ؛ فَلَوْ قَالَ : إذَا عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَذْرِ كَانَ جَاهِلًا ضَالًّا ; لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ بِذَلِكَ ...
              وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا يَكُونُ سَعِيدًا فِي الْآخِرَةِ وَهَذَا شَقِيًّا فِي الْآخِرَةِ ، قُلْنَا : ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِعَمَلِ الْأَشْقِيَاءِ ؛ فَاَللَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَشْقَى بِهَذَا الْعَمَلِ ، فَلَوْ قِيلَ : هُوَ شَقِيٌّ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ كَانَ بَاطِلًا ; لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُدْخِلُ النَّارَ أَحَدًا إلَّا بِذَنْبِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} ؛ فَأَقْسَمَ أَنَّهُ يَمْلَؤُهَا مِنْ إبْلِيسَ وَأَتْبَاعِهِ ، وَمَنْ اتَّبَعَ إبْلِيسَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَا يُعَاقِبُ اللَّهُ الْعَبْدَ عَلَى مَا عَلِمَ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ حَتَّى يَعْمَلَهُ ...
              وَكَذَلِكَ الْجَنَّةُ خَلَقَهَا اللَّهُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ فَمَنْ قَدَّرَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ يَسَّرَهُ لِلْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ ؛ فَمَنْ قَالَ : أَنَا أَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَوَاءٌ كُنْت مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا ، إذَا عَلِمَ أَنِّي مِنْ أَهْلِهَا كَانَ مُفْتَرِيًا عَلَى اللَّهِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا عَلِمَ أَنَّهُ يَدْخُلُهَا بِالْإِيمَانِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إيمَانٌ لَمْ يَكُنْ هَذَا هُوَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، بَلْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا ، بَلْ كَافِرًا ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ .
              وَلِهَذَا أَمَرَ النَّاسَ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِاَللَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ . وَمَنْ قَالَ : أَنَا لَا أَدْعُو وَلَا أَسْأَلُ اتِّكَالًا عَلَى الْقَدَرِ كَانَ مُخْطِئًا أَيْضًا ; لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الدُّعَاءَ وَالسُّؤَالَ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنَالُ بِهَا مَغْفِرَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَهُدَاهُ وَنَصْرَهُ وَرِزْقَهُ . وَإِذَا قَدَّرَ لِلْعَبْدِ خَيْرًا يَنَالُهُ بِالدُّعَاءِ لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِ الدُّعَاءِ ، وَمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَعَلِمَهُ مِنْ أَحْوَالِ الْعِبَادِ وَعَوَاقِبِهِمْ فَإِنَّمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ بِأَسْبَابِ يَسُوقُ الْمَقَادِيرَ إلَى الْمَوَاقِيتِ ؛ فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ شَيْءٌ إلَّا بِسَبَبِ ، وَاَللَّهُ خَالِقُ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ ...
              وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ ضَلَّ طَائِفَتَانِ مِنْ النَّاسِ : " فَرِيقٌ " آمَنُوا بِالْقَدَرِ وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ ، فَأَعْرَضُوا عَنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، وَهَؤُلَاءِ يَئُولُ بِهِمْ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يَكْفُرُوا بِكُتُبِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَدِينِهِ !!
              وَفَرِيقٌ أَخَذُوا يَطْلُبُونَ الْجَزَاءَ مِنْ اللَّهِ كَمَا يَطْلُبُهُ الْأَجِيرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ مُتَّكِلِينَ عَلَى حَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ وَعَمَلِهِمْ ، وَكَمَا يَطْلُبُهُ الْمَمَالِيكُ ، وَهَؤُلَاءِ جُهَّالٌ ضُلَّالٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ الْعِبَادَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ حَاجَةً إلَيْهِ ، وَلَا نَهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ بُخْلًا بِهِ ؛ وَلَكِنْ أَمَرَهُمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ ، وَنَهَاهُمْ عَمَّا فِيهِ فَسَادُهُمْ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ : {يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي} ...
              فَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ نَاظِرًا إلَى الْقَدَرِ فَقَدْ ضَلَّ ، وَمَنْ طَلَبَ الْقِيَامَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُعْرِضًا عَنْ الْقَدَرِ فَقَدْ ضَلَّ ; بَلْ الْمُؤْمِنُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ؛ فَنَعْبُدُهُ اتِّبَاعًا لِلْأَمْرِ وَنَسْتَعِينُهُ إيمَانًا بِالْقَدَرِ ..." انتهى .
              مقتطفات من مجموع الفتاوى (8/66) وما بعدها .
              والله أعلم .

              [الْمَصْدَرُ]
              الإسلام سؤال وجواب
              سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

              ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

              وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

              تعليق


              • #37
                بسم الله الرحمن الرحيم

                ويمضي الرفاعي قائلا:-

                صحيح البخاري .. حديث رقم ( 3614 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
                [ حَدَّثَنِي ....... عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ] ..
                صحيح البخاري .. حديث رقم ( 3284 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
                [ حَدَّثَنَا ....... بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ ....... ] ..
                صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4340 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
                [ و حَدَّثَنِي ....... حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ ....... ] ..
                صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4335 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
                [ حَدَّثَنَا ....... عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ] ..
                صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4330 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
                [ حَدَّثَنَا ....... بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ....... ] ..
                .. لا شكّ أنَّ من يملكُ حداً أدنى من الوعي والإدراكِ يرى تناقضاً بين هذه الرواياتِ ، فلا يمكنُ من خلالِ هذه الرواياتِ أنْ نَصِلَ إلى نتيجةٍ في معرفةِ كم عاشَ النبيُّ ، وكم لَبِثَ في مكةَ .. ويأتي السادةُ الذين يقدّمون التاريخَ نصَّاً مقدّساً ، ليبرّروا هذه التناقضات ، على حسابِ العقلِ والمنطقِ ، ظانّين أنّهم بذلك يخدمون سنّةَ رسول الله ..

                والحق أن الأمر لا يوجب كل ما قاله الرفاعي ...فان اختلف في بعض ألفاظ الحديث ..أو وهم الراوي في لفظ دون آخر ...فليس هذا بموجب لرد الروايات .. خاصة وأن رواية تكون أثبت من جهة ضبط الرواة من رواية أخرى ويكون سند الروايتين صحيحاً ...
                وإليك شيئا مما قاله أهل العلم في بيان الاختلاف في هذه الروايات ...

                فقد قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كشف المشكل من حديث الصحيحين:-

                وفي الحديث الثامن والخمسين مكث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بمكة ثلاث عشرة وتوفي وهو ابن ثلاث وستين والمكث الإقامة وهذا مقدار ما أقام بمكة بعد أن أوحي إليه وقوله وتوفي وهو ابن ثلاث وستين وهو الصحيح في مقدار عمره وقد روي مثل هذا عن معاوية وأنس وعائشة وعن أنس أنه قال توفي على رأس ستين وعن ابن عباس أنه توفي وهو ابن خمس وستين وكل هذه الأطراف في الصحيح فأما خمس وستون فالجواب عنه من وجهين أحدهما أنه من أفراد مسلم والمتفق عليه عن ابن عباس ما قدمنا والثاني أنه إشارة إلى ما كان يرى قبل النبوة من النور ويسمع من الصوت وهذا مبين في الحديث ومن قال ستين قصد أعشار السني والإنسان قد يقول عمري خمسون سنة ولعله قد زاد عليها لأن الزيادة لما لم تبلغ عشرا لم يذكرها وأما قول ابن عباس لبث بمكة عشرا يوحي إليه فله وجهان أحدهما أنه ذكر العقد وترك ما زاد عليه كما بينا والثاني أنه لما أوحي إليه استسر بالنبوة ثلاث سنين حتى نزل عليه ( فاصدع بما تؤمر ) الحجر 94 فأنذر حينئذ فحسب ابن عباس ما ظهر
                وقال ابن حجر في الفتح رحمه الله تعالى:-
                هَذَا يُخَالِف الْمَرْوِيّ عَنْ عَائِشَة عَقِبه أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ ، إِلَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى إِلْغَاء الْكَسْر كَمَا قِيلَ مِثْله فِي حَدِيث أَنَس الْمُتَقَدِّم فِي " بَاب صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مِنْ كِتَاب الْمَنَاقِب . وَأَكْثَر مَا قِيلَ فِي عُمْره أَنَّهُ خَمْس وَسِتُّونَ سَنَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَمَّار بْن أَبِي عَمَّار عَنْ اِبْن عَبَّاس ، وَمِثْله لِأَحْمَد عَنْ يُوسُف بْن مِهْرَانَ عَنْ اِبْن عَبَّاس ، وَهُوَ مُغَايِر لِحَدِيثِ الْبَاب لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُون عَاشَ سِتِّينَ إِلَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى إِلْغَاء الْكَسْر ، أَوْ عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّهُ بُعِثَ اِبْن ثَلَاث وَأَرْبَعِينَ وَهُوَ مُقْتَضَى رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ مَكَثَ بِمَكَّة ثَلَاث عَشْرَة وَمَاتَ اِبْن ثَلَاث وَسِتِّينَ ، وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن حَسَّان عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " لَبِثَ بِمَكَّة ثَلَاث عَشْرَة وَبُعِثَ لِأَرْبَعِينَ وَمَاتَ وَهُوَ اِبْن ثَلَاث وَسِتِّينَ " وَهَذَا مُوَافِق لِقَوْلِ الْجُمْهُور ، وَقَدْ مَضَى فِي " بَاب هِجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . وَالْحَاصِل أَنَّ كُلّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ الصَّحَابَة مَا يُخَالِف الْمَشْهُور - وَهُوَ ثَلَاث وَسِتُّونَ - جَاءَ عَنْهُ الْمَشْهُور ، وَهُمْ اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَأَنَس ، وَلَمْ يُخْتَلَف عَلَى مُعَاوِيَة أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ ، وَبِهِ جَزَمَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالشَّعْبِيّ وَمُجَاهِد ، وَقَالَ أَحْمَد : هُوَ الثَّبْت عِنْدنَا . وَقَدْ جَمَعَ السُّهَيْلِيُّ بَيْن الْقَوْلَيْنِ الْمَحْكِيَّيْنِ بِوَجْهٍ آخَر ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَالَ : مَكَثَ ثَلَاث عَشْرَة عَدَّ مِنْ أَوَّل مَا جَاءَهُ الْمَلَك بِالنُّبُوَّةِ ، وَمَنْ قَالَ : مَكَثَ عَشْرًا أَخَذَ مَا بَعْد فَتْرَة الْوَحْي وَمَجِيء الْمَلَك بِيَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر ، وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى صِحَّة خَبَر الشَّعْبِيّ الَّذِي نَقَلْته مِنْ تَارِيخ الْإِمَام أَحْمَد فِي بَدْء الْوَحْي ، وَلَكِنْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن سَعْد مَا يُخَالِفهُ كَمَا أَوْضَحْته فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَائِشَة فِي بَدْء الْوَحْي الْمُخَرَّج مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالزِّيَادَةِ الَّتِي أَرْسَلَهَا الزُّهْرِيّ ، وَمِنْ الشُّذُوذ مَا رَوَاهُ عُمَر بْن شَبَّة أَنَّهُ عَاشَ إِحْدَى أَوْ اِثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَلَمْ يَبْلُغ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ ، وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن عَسَاكِر مِنْ وَجْه آخَر أَنَّهُ عَاشَ اِثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَنِصْفًا ، وَهَذَا يَصِحّ عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ وُلِدَ فِي رَمَضَان ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْبَاب الْمَذْكُور أَنَّهُ شَاذّ مِنْ الْقَوْل ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة بِأَنَّ مَنْ قَالَ : خَمْس وَسِتُّونَ جَبَرَ الْكَسْر ، وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ يَخْرُج مِنْهُ أَرْبَع وَسِتُّونَ فَقَطْ وَقَلَّ مَنْ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ .

                وقال الكشميري في فيض الباري:-

                قوله: (لَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سَنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وبالمَدِينَةِ عَشْراً) ولعلَّ هذا مخرَّجٌ على قول من اختار زمن الفَتْرَةِ ثلاث سنين، فإنه نُبِّىء على رأس أربعين، وتُوُفِّي وهو ابن ثلاث وستين، فلو نقَّصت من مجموع عمره ثلاث سنين زمن الفَتْرَةِ، حصل عشر، وعشر لإِقامته بمكة والمدينة.أ.هـ

                فانظر كيف تم الجمع بين هذه الأحاديث بوجوه حسنة كثيرة ... ولم يقل أيٌ من العلماء بأنها ضعيفة أو مردودة ... وهل كل ما اختلف من ألفاظ الحديث رددناه بحجة الاختلاف أو ضعفناه !! هذا لعمري في القياس بديع ..

                سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

                ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

                وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

                تعليق


                • #38
                  بسم الله الرحمن الرحيم

                  ويمضي الرفاعي قائلا:-

                  صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4997 ) حسب ترقيم العالميّة ..
                  [ حَدَّثَنِي ..... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَقَالَ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ ..... ] ..

                  قلت:- هذا الحديث من الأحاديث التي انتقدت على صحيح مسلم رحمه الله تعالى ... وقد سبق وأشرنا أن مثل هذه الأحاديث لا تقلل من قيمة الصحيحين لضآلة عددها ونسبتها مقارنة مع مجموع أحاديث الصحيحين ...
                  ومع ذلك فقد رد المعلمي اليماني والشيخ الألباني رحمهم الله تعالى على من انتقد هذا الحديث ... وبالمقابل فقد بين أهل الحديث أن الحديث به علة .. وهي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو من كلام كعب الأحبار ...

                  لمزيد من التفصيل اضغط هنا
                  سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

                  ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

                  وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

                  تعليق


                  • #39
                    بسم الله الرحمن الرحيم

                    ويمضي الرفاعي قائلاً:-

                    .. ولننظر إلى الحديث التالي من صحيح البخاري رقم : ( 4853 ) حسب ترقيم العالميّة :
                    [ حَدَّثَنَا ....... قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْلِسُوا هَا هُنَا وَدَخَلَ وَقَدْ أُتِيَ بِالْجَوْنِيَّةِ فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَبِي نَفْسَكِ لِي قَالَتْ وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ قَالَ فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ فَقَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَقَالَ قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ يَا أَبَا أُسَيْدٍ اكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا ....... ] ..
                    .. والتأويلاتُ التي لُبِّسَت على هذه الرواية لإيهام الناس بصحّتِها ، تزيدُ من الإساءةِ للنبيِّ ، ولزوجاتِه رضي الله تعالى عنهنّ .. فصياغةُ هذه الرواية – كما نرى – لا تحملُ للنبيِّ إلاّ الإساءة

                    والصحيح أن الصحابة ورواة الأحاديث الثقات أبعد ما يكونوا عن الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم .. وأن من يسيء إلى النبي فعلا هو من يُنكر سنته ..ويرفض الأحاديث الصحيحة ...
                    أما الرد على ما أثاره من شبهة حول هذا الحديث فهو:-
                    جاء في فتح الباري لابن حجر رحمه الله تعالى :-

                    قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : هَذَا مِنْ بَقِيَّة مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْجَاهِلِيَّة ، وَالسُّوقَة عِنْدهمْ مَنْ لَيْسَ بِمَلِكٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، فَكَأَنَّهَا اِسْتَبْعَدَتْ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَلِكَةَ مَنْ لَيْسَ بِمَلِكٍ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خُيِّرَ أَنْ يَكُون مَلِكًا نَبِيًّا فَاخْتَارَ أَنْ يَكُون عَبْدًا نَبِيًّا تَوَاضُعًا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَبِّهِ . وَلَمْ يُؤَاخِذهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامِهَا مَعْذِرَةً لَهَا لِقُرْبِ عَهْدهَا بِجَاهِلِيَّتِهَا ...

                    وأشار ابن حجر أيضا فيما ذكره من روايات بعد ذلك إلى ندم المرأة وتوبيخ قومها لها فقال:-

                    وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِابْنِ سَعْد عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ " فَأَمَرَنِي فَرَدَدْتهَا إِلَى قَوْمهَا " وَفِي أُخْرَى لَهُ " فَلَمَّا وَصَلْت بِهَا تَصَايَحُوا وَقَالُوا : إِنَّك لَغَيْرُ مُبَارَكَة ، فَمَا دَهَاك ؟ قَالَتْ : خُدِعْتُ . قَالَ فَتُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَة عُثْمَان " ْر . قَالَ " وَحَدَّثَنِي هِشَام بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة أَنَّهَا مَاتَتْ كَمَدًا "

                    فكيف يُقال بعد ذلك أن إيراد مثل هذه الأحاديث فيه إساءة للنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين كانوا خير من حرص على النبي صلى الله عليه وسلم ... وأفضل القرون بعده كما ثبت في الصحيح ..!!

                    سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

                    ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

                    وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

                    تعليق


                    • #40
                      بسم الله الرحمن الرحيم

                      ويمضي الرفاعي قائلاً:-

                      .. ولننظرْ إلى الاختلافِ الواضحِ بين الحديثينِ التاليين ..
                      صحيح البخاري .. حديث رقم ( 553 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
                      [ حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ] ..
                      صحيح البخاري .. حديث رقم ( 557 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
                      [حَدَّثَنَا ....... عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ ] ..

                      .. وهل هناك من استخفافٍ بدلالاتِ كلماتِ هذا الحديثِ ، وبعقولِنا ، كهذا الاستخفاف ؟ .. أليس القولُ بعدمِ صحّةِ بعضِ الأحاديث – في الصحاحِ – أفضلُ بكثيرٍ من هذه التأويلات ؟ ..

                      أما الاختلاف الوارد في هذه الأحاديث فقد اقره أهل العلم وبحثوه في كتبهم ... غير أنهم لم يرفضوا الأحاديث ولم يضعفوها ... فاللجوء إلى تضعيف الأحاديث التي ظاهرها التعارض وهي صحيحة مسلكٌ شائن .. وضعف في علم ومعرفة من يفعل ذلك .. فهلاّ نظروا في وجوه الجمع والتأويل ؟؟
                      ولكن تجدهم يرفضوا التأويل مطلقاً ..بل يضعفوا الحديث وهذا أهون عندهم .. ولا شك أنه أمر مرفوض ..
                      ومن أفضل من تحدث في هذه المسألة ابن رجب رحمه الله تعالى في شرحه على البخاري فقال:-

                      وكانت عائشة عندها علم من النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه يصلي قبل صلاة العصر ركعتين في بيتها، وكان عندها رواية عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في بيتها مرة ركعتين بعد العصر، فكانت ترد بذلك كله قول من نهى عن الصلاة بعد العصر.
                      فإذا وقع التحقيق معها في الصلاة بعد صلاة العصر كما أرسل إليها معاوية يسألها عن ذلك تقول: لا أدري، وتحيل على أم سلمة؛ لأن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاة العصر لم تره عائشة، إنما أخبرتها به أم سلمة، وإنما رأت عائشة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيتها؛ وذلك بعد دخول وقت العصر وقبل صلاة العصر، مع أنها كانت -احياناً - تروي حديث أم سلمة وترسله، ولا تسمي من حدثها به.
                      وهذا وجه حسن يجمع بين عامة اختلاف الأحاديث في هذا الباب ... وقد صح عن أم سلمة كما تقدم أنها قالت: لم أره صلاها إلا يوماً واحداً، وذكرت سبب ذلك.
                      وأمادخوله - صلى الله عليه وسلم - على نسائه بعد العصر، فذاك كان يفعله دائماً أو غالباً، وعائشة إنما أخبرت عما رأته يفعله في يومها المختص بها.
                      يدل على ذلك: ما خرجه مسلم في (صحيحه) من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود ومسروق، قالا: نشهد على عائشة أنها قالت: ما كان يومه الذي كان يكون عندي إلا صلاهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي - تعني: الركعتين بعد العصر.
                      فتبين بهذا أنها أرادت يومها المختص بها الذي كان يكون مكثه عندها في بيتها، فكان يتوضأ عندها للعصر ويصلي ركعتين، ثم يخرج للصلاة، وربما كان يدخل بيتها في وقت العصر كذلك....
                      فدل هذا: على أن مرادها: انه كان يصلي ركعتين بعد دخول وقت العصر، ولكن كان ذلك قبل صلاة العصر، وكانت تظن أن هذا يرد قول عمر ومن وافقه بالنهي عن الصلاة بعد العصر، وإنما كان مراد عمر وغيره من الصحابة: النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر...
                      والثاني: أن ركعتي الفجر لم يكن فيها اختلاف بين الصحابة أنها قبل الصلاة، ولم يكن أحد منهم يصلي بعد الصبح تطوعاً، ولا نقله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلذلك كانت أحياناً تقول: كان يصلي قبل الفجر، وأحياناً تقول: بعد الصبح؛ لأن المعنى مفهوم.
                      وأما الركعتان بعد العصر، فهما اللتان وقع فيهما الاختلاف بين الصحابة، وكان كثير منهم يصليهما وكان ابن الزبير قد أشاعهما بعد موت عمر، وكان عمر في خلافته ينهى عنهما، ويعاقب عليهما، وكانت عائشة تخالفه في ذلك، وكانت تروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عندها بعد العصر؛ لترد على من قال: لا يصلى بعد العصر.
                      ولكن ليس في روايتها ما يرد عليهم؛ لأنهم إنما نهوا عن الصلاة بعد صلاة العصر، وهي كان عندها علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد دخول وقت العصر. ولعل عمر كان ينهى عن الصلاة بعد دخول وقت العصر، كما نهى ابنه وغيره عن الصلاة بعد طلوع الفجر سوى ركعتي الفجر، وكانت عائشة تنكر ذلك لكنها كانت تسوى بين حكم ما قبل الصلاة وبعدها في الرخصة في الصلاة.
                      فتبين بهذا كله: أنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ركعتين بعد صلاة العصر، سوى ما روته عنه أم سلمة وحدها
                      ... أ.هـ

                      سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

                      ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

                      وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

                      تعليق


                      • #41
                        بسم الله الرحمن الرحيم

                        ويمضي الرفاعي قائلاً :-

                        صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4118 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
                        [حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا نَوْءَ وَلَا صَفَرَ ] ..
                        صحيح البخاري .. حديث رقم ( 5328 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
                        [حَدَّثَنِي ....... سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الْأَوَّلِ قُلْنَا أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لَا عَدْوَى فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ ....... ] ..
                        صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4117 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
                        [ و حَدَّثَنِي ....... قَالَ أَبُو سَلَمَةَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلْتَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ لَا عَدْوَى وَأَقَامَ عَلَى أَنْ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ قَالَ فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثًا آخَرَ قَدْ سَكَتَّ عَنْهُ كُنْتَ تَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَدْوَى فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ وَقَالَ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ فَمَا رَآهُ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ فَقَالَ لِلْحَارِثِ أَتَدْرِي مَاذَا قُلْتُ قَالَ لَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قُلْتُ أَبَيْتُ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا عَدْوَى فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ ....... ] ..

                        والرد على الاختلاف بين هذه الأحاديث نورده من كتب أهل العلم ..

                        فقد قال ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح:-

                        فَالْحَاصِل مِنْ ذَلِكَ سِتَّة أَشْيَاء : الْعَدْوَى وَالطِّيَرَة وَالْهَامَة وَالصَّفَر وَالْغُول وَالنَّوْء ، وَالْأَرْبَعَة الْأُوَل قَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيّ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهَا تَرْجَمَة فَنَذْكُر شَرَحَهَا فِيهِ وَأَمَّا الْغُول فَقَالَ الْجُمْهُور : كَانَتْ الْعَرَب تَزْعُم أَنَّ الْغِيلَان فِي الْفَلَوَات ، وَهِيَ جِنْس مِنْ الشَّيَاطِين تَتَرَاءَى لِلنَّاسِ وَتَتَغَوَّل لَهُمْ تَغَوُّلًا أَيْ تَتَلَوَّن تَلَوُّنًا فَتَضِلّهُمْ عَنْ الطَّرِيق فَتُهْلِكهُمْ ، وَقَدْ كَثُرَ فِي كَلَامهمْ " غَالَتْهُ الْغُول " أَيْ أَهْلَكَتْهُ أَوْ أَضَلَّتْهُ ، فَأَبْطَلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ . وَقِيلَ : لَيْسَ الْمُرَاد إِبْطَال وُجُود الْغِيلَان ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إِبْطَال مَا كَانَتْ الْعَرَب تَزْعُمهُ مِنْ تَلَوُّن الْغُول بِالصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَة ، قَالُوا : وَالْمَعْنَى لَا يَسْتَطِيع الْغُول أَنْ يُضِلّ أَحَدًا ..... وَأَمَّا النَّوْء فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي كِتَاب الِاسْتِسْقَاء ، وَكَانُوا يَقُولُونَ " مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا " فَأَبْطَلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَطَر إِنَّمَا يَقَع بِإِذْنِ اللَّه لَا بِفِعْلِ الْكَوَاكِب ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَادَة جَرَتْ بِوُقُوعِ الْمَطَر فِي ذَلِكَ الْوَقْت ، لَكِنْ بِإِرَادَةِ اللَّه تَعَالَى وَتَقْدِيره ، لَا صُنْع لِلْكَوَاكِبِ فِي ذَلِكَ ، وَاَللَّه أَعْلَم .

                        ويتابع ابن حجر رحمه الله تعالى في ذكر مسالك الجمع بين هذه الأحاديث فيقول:-

                        أَحَدهَا : نَفْي الْعَدْوَى جُمْلَة وَحَمْل الْأَمْر بِالْفِرَارِ مِنْ الْمَجْذُوم عَلَى رِعَايَة خَاطِر الْمَجْذُوم ، لِأَنَّهُ إِذَا رَأَى الصَّحِيح الْبَدَن السَّلِيم مِنْ الْآفَة تَعْظُم مُصِيبَته وَتَزْدَاد حَسْرَته
                        ثَانِيهَا : حَمْل الْخِطَاب بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات عَلَى حَالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ ، فَحَيْثُ جَاءَ " لَا عَدْوَى " كَانَ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ مَنْ قَوِيَ يَقِينه وَصَحَّ تَوَكُّله بِحَيْثُ يَسْتَطِيع أَنْ يَدْفَع عَنْ نَفْسه اِعْتِقَاد الْعَدْوَى ، كَمَا يَسْتَطِيع أَنْ يَدْفَع التَّطَيُّر الَّذِي يَقَع فِي نَفْس كُلّ أَحَد ، لَكِنْ الْقَوِيّ الْيَقِين لَا يَتَأَثَّر بِهِ ، وَهَذَا مِثْل مَا تَدْفَع قُوَّة الطَّبِيعَة الْعِلَّة فَتُبْطِلهَا ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَل حَدِيث جَابِر فِي أَكْل الْمَجْذُوم مِنْ الْقَصْعَة وَسَائِر مَا وَرَدَ مِنْ جِنْسه ، وَحَيْثُ جَاءَ " فِرَّ مِنْ الْمَجْذُوم " كَانَ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ مَنْ ضَعُفَ يَقِينه ، وَلَمْ يَتَمَكَّن مِنْ تَمَام التَّوَكُّل فَلَا يَكُون لَهُ قُوَّة عَلَى دَفْع اِعْتِقَاد الْعَدْوَى ، فَأُرِيدَ بِذَلِكَ سَدُّ بَاب اِعْتِقَاد الْعَدْوَى عَنْهُ بِأَنْ لَا يُبَاشِر مَا يَكُون سَبَبًا لِإِثْبَاتِهَا . وَقَرِيب مِنْ هَذَا كَرَاهِيَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَيّ مَعَ إِذْنه فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره ، وَقَدْ فَعَلَ هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ لِيَتَأَسَّى بِهِ كُلّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ .
                        ثَالِث الْمَسَالِك : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْبَاقِلَّانِيّ : إِثْبَات الْعَدْوَى فِي الْجُذَام وَنَحْوه مَخْصُوص مِنْ عُمُوم نَفْي الْعَدْوَى ، قَالَ : فَيَكُون مَعَنِي قَوْله : " لَا عَدْوَى " أَيْ إِلَّا مِنْ الْجُذَام وَالْبَرَص وَالْجَرَب مَثَلًا ، قَالَ : فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يُعْدِي شَيْء شَيْئًا إِلَّا مَا تَقَدَّمَ تَبْيِينِي لَهُ أَنَّ فِيهِ الْعَدْوَى . وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ اِبْن بَطَّال .
                        رَابِعهَا : أَنَّ الْأَمْر بِالْفِرَارِ مِنْ الْمَجْذُوم لَيْسَ مِنْ بَاب الْعَدْوَى فِي شَيْء ، بَلْ هُوَ لِأَمْرٍ طَبِيعِيّ وَهُوَ اِنْتِقَال الدَّاء مِنْ جَسَد لِجَسَدٍ بِوَاسِطَةِ الْمُلَامَسَة وَالْمُخَالَطَة وَشَمِّ الرَّائِحَة ، وَلِذَلِكَ يَقَع فِي كَثِير مِنْ الْأَمْرَاض فِي الْعَادَة اِنْتِقَال الدَّاء مِنْ الْمَرِيض إِلَى الصَّحِيح بِكَثْرَةِ الْمُخَالَطَة ، وَهَذِهِ طَرِيقَة اِبْن قُتَيْبَة فَقَالَ : الْمَجْذُوم تَشْتَدّ رَائِحَته حَتَّى يُسْقِم مَنْ أَطَالَ مُجَالَسَته وَمُحَادَثَته وَمُضَاجَعَته ، وَكَذَا يَقَع كَثِيرًا بِالْمَرْأَةِ مِنْ الرَّجُل وَعَكْسه ، وَيَنْزِع الْوَلَد إِلَيْهِ ، وَلِهَذَا يَأْمُر الْأَطِبَّاء بِتَرْكِ مُخَالَطَة الْمَجْذُوم لَا عَلَى طَرِيق الْعَدْوَى بَلْ عَلَى طَرِيق التَّأَثُّر بِالرَّائِحَةِ لِأَنَّهَا تُسْقِم مَنْ وَاظَبَ اِشْتِمَامهَا ، قَالَ : وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يُورِد مُمْرِض عَلَى مُصِحّ " لِأَنَّ الْجَرَب الرَّطْب قَدْ يَكُون بِالْبَعِيرِ ، فَإِذَا خَالَطَ الْإِبِل أَوْ حَكَّكَهَا وَأَوَى إِلَى مَبَارِكهَا وَصْل إِلَيْهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يَسِيل مِنْهُ ، وَكَذَا بِالنَّظَرِ نَحْو مَا بِهِ .
                        الْمَسْلَك الْخَامِس : أَنَّ الْمُرَاد بِنَفْيِ الْعَدْوَى أَنَّ شَيْئًا لَا يُعْدِي بِطَبْعِهِ نَفْيًا لِمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَعْتَقِدهُ أَنَّ الْأَمْرَاض تُعْدِي بِطَبْعِهَا مِنْ غَيْر إِضَافَة إِلَى اللَّه ، فَأَبْطَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتِقَادهمْ ذَلِكَ وَأَكَلَ مَعَ الْمَجْذُوم لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي يُمْرِض وَيَشْفِي ، وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّنُوّ مِنْهُ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي أَجْرَى اللَّه الْعَادَة بِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى مُسَبَّبَاتهَا ، فَفِي نَهْيه إِثْبَات الْأَسْبَاب ، وَفِي فِعْله إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا لَا تَسْتَقِلّ ، بَلْ اللَّه هُوَ الَّذِي إِنْ شَاءَ سَلَبَهَا قُوَاهَا فَلَا تُؤَثِّر شَيْئًا ، وَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهَا فَأَثَّرَتْ ، وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُون أَكْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْمَجْذُوم أَنَّهُ كَانَ بِهِ أَمْر يَسِير لَا يُعْدِي مِثْله فِي الْعَادَة ، إذْ لَيْسَ الْجَذْمَى كُلّهمْ سَوَاء ، وَلَا تَحْصُل الْعَدْوَى مِنْ جَمِيعهمْ بَلْ لَا يَحْصُل مِنْهُ فِي الْعَادَة عَدْوَى أَصْلًا كَاَلَّذِي أَصَابَهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَوَقَفَ فَلَمْ يَعُدْ بَقِيَّة جِسْمه فَلَا يُعْدِي .
                        أما حديث (لا يوردن ممرض على مصح) فيجيب ابن حجر رحمه الله تعالى:-

                        وَقَدْ سَلَكَ الطَّحَاوِيُّ فِي " مَعَانِي الْآثَار " مَسْلَك اِبْن خُزَيْمَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ فَأَوْرَدَ حَدِيث " لَا يُورِد مُمْرِض عَلَى مُصِحّ " ثُمَّ قَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُصِحّ قَدْ يُصِيبهُ ذَلِكَ الْمَرَض فَيَقُول الَّذِي أَوْرَدَهُ لَوْ أَنِّي مَا أَوْرَدْته عَلَيْهِ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ هَذَا الْمَرَض شَيْء ، وَالْوَاقِع أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُورِدهُ لَأَصَابَهُ لِكَوْنِ اللَّه تَعَالَى قَدَّرَهُ ، فَنَهَى عَنْ إِيرَاده لِهَذِهِ الْعِلَّة الَّتِي لَا يُؤْمَن غَالِبًا مِنْ وُقُوعهَا فِي قَلْب الْمَرْء ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيث فِي ذَلِكَ فَأَطْنَبَ ، وَجَمَعَ بَيْنهَا بِنَحْوِ مَا جَمَعَ بِهِ اِبْن خُزَيْمَةَ . وَلِذَلِكَ قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي " الْمُفْهِم " : إِنَّمَا نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِيرَاد الْمُمْرِض عَلَى الْمُصِحّ مَخَافَة الْوُقُوع فِيمَا وَقَعَ فِيهِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ اِعْتِقَاد الْعَدْوَى ، أَوْ مَخَافَة تَشْوِيش النُّفُوس وَتَأْثِير الْأَوْهَام ، وَهُوَ نَحْو قَوْله : " فِرَّ مِنْ الْمَجْذُوم فِرَارك مِنْ الْأَسَد " وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِد أَنَّ الْجُذَام لَا يُعْدِي ، لَكِنَّا نَجِد فِي أَنْفُسنَا نُفْرَة وَكَرَاهِيَة لِمُخَالَطَتِهِ ، حَتَّى لَوْ أَكْرَهَ إِنْسَان نَفْسه عَلَى الْقُرْب مِنْهُ وَعَلَى مُجَالَسَته لَتَأَذَّتْ نَفْسه بِذَلِكَ ، فَحِينَئِذٍ فَالْأَوْلَى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَتَعَرَّض إِلَى مَا يَحْتَاج فِيهِ إِلَى مُجَاهَدَة ، فَيَجْتَنِب طُرُق الْأَوْهَام ، وَيُبَاعِد أَسْبَاب الْآلَام ، مَعَ أَنَّهُ يَعْتَقِد أَنَّهُ لَا يُنَجِّي حَذَر مِنْ قَدْر ، وَاَللَّه أَعْلَم .


                        وأما ما جاء في الحديث ذاته:-
                        وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الْأَوَّلِ قُلْنَا أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لَا عَدْوَى فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ
                        فيقول ابن حجر رحمه الله تعالى:-

                        وَيُحْتَمَل . أَيْضًا أَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا خَبَرَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ عَنْ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا مُلَازَمَة بَيْنهمَا جَازَ عِنْده أَنْ يُحَدِّث بِأَحَدِهِمَا وَيَسْكُت عَنْ الْآخَر حَسْبَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَة ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ فِي " الْمُفْهِم " . قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون خَافَ اِعْتِقَاد جَاهِل يَظُنّهُمَا مُتَنَاقِضَيْنِ فَسَكَتَ عَنْ أَحَدهمَا ، وَكَانَ إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ حَدَّثَ بِهِمَا جَمِيعًا .
                        أما عن قول أبي هريرة أنه رطن بالحبشية فيقول ابن حجر:-
                        وَفِيهِ شِدَّة وَرَع أَبِي هُرَيْرَة لِأَنَّهُ مَعَ كَوْن الْحَارِث أَغْضَبَهُ حَتَّى تَكَلَّمَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّة خَشِيَ أَنْ يَظُنّ الْحَارِث أَنَّهُ قَالَ فِيهِ شَيْئًا يَكْرَههُ فَفَسَّرَ لَهُ فِي الْحَال مَا قَالَ ، وَاَللَّه أَعْلَم .


                        ويتضح ذلك من سياق الحديث المذكور ...
                        فهل غابت وجوه الجمع هذه عن الرفاعي يا ترى ...أم تُراه تعمد عدم ذكرها..!!
                        سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

                        ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

                        وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

                        تعليق


                        • #42
                          بسم الله الرحمن الرحيم

                          ويقول الرفاعي في مقال له بعنوان (إضاءات حول الخطاب الديني) ..

                          يطلعُ علينا الكثيرون من الخطباء والمفكّرين ليصوّروا لنا الدعوةَ إلى الله تعالى من خلالِ قَتْلِ الآخرين وسبيِ أموالِهِم وأعراضِهِم ، مُحتجّين بالكثيرِ من الرواياتِ التي لُفِّقَتْ على لِسانِ الرسولِ ..... من هذه الروايات – على سبيل المثال – ما ورد في صحيح البخاري ، حديث رقم ( 379 ) حسب ترقيم العالميّة :
                          [[ حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ....... ]] ..

                          والغريب هو هذا الفهم الناقص لهذا الحديث الصحيح ... وتصوير أن الإسلام يبيح الدعوة له من خلال سفك الدماء أو القتل ...الخ ...
                          ولو أن الرفاعي كلف نفسه عناء السؤال عن مضمون الحديث ومعناه لما تخبط كل هذا التخبط .. وافترى ما قال ... ولكن يبدو أن الشهرة اليوم لا تأتي إلا من خلال الطعن في الدين ... والإتيان بالغرائب والأفراد من أجل المعرفة بين الناس ... ولا حول ولا قوة إلا بالله ...
                          وللإجابة على ما أُشكل على الرفاعي أنقل نصاً من إحدى فتاوى الشبكة الإسلامية ..

                          واعلم أن الإسلام ليس متشوفا إلى سفك الدماء، وإنما هو دين رحمة، جاء لتعبيد الناس لربهم، ولذا فمن أول ما يبدأ به قبل القتال دعوة الناس إلى الإسلام، وبذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر قواده، فإذا دخل القوم في الدين أو هادنوا المسلمين أو عقدوا معهم صلحا، أو ارتضوا دفع الجزية كف المسلمون عن قتالهم ، وإذا عمل بعض الأعداء على الحيلولة بين الناس وبين سماع الحق قاتلهم المسلمون حتى يتركوا المسلمين يبلغون الخير إلى الناس، فليس القتال هدفا في حد ذاته، وإنما هو وسيلة، وليس استخدامه في قتال الناس جميعا، وإنما له استثناءاته وقيوده وضوابطه، ولا يلزم من القتال القتل، فإذا وجد ما يقتضي الكف عن القتال مما ذكرنا سابقا من أمور كالهدنة والصلح ونحو ذلك يقر الكافر على دينه ولا يقتل لكونه كافرا، ولا يجبر على الدخول في الإسلام، إذ لا إكراه في الدين أ.هـ

                          واعلم أن أساس القتال في الإسلام هو قوله تعالى: ( وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا) .. وقد جاء في صحيح البخاري ( لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا ) ...
                          والقتال في الإسلام كره لقوله تعالى ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم) .. ولكنه شُرِّعَ في حالات الضرورة والدفاع عن النفس ..
                          وإليك شرح الحديث من فتاوى العلامة ابن باز رحمه الله تعالى:-

                          سائل يرجو شرح هذا الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله » .
                          ج : هذا الحديث صحيح ، رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « أمرت أن أقاتل الناس حتى ... » الحديث ، وهذا على ظاهره ، فإن من أتى بالشهادتين وهو لا يأتي بهما قبل ذلك ، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فإنه يعتبر مسلما حرام الدم والمال إلا بحق الإسلام ، يعني : إلا بما يوجبه الإسلام عليه بعد ذلك ، كأن يزني فيقام عليه حد الزنا ; إن كان بكرا فبالجلد والتغريب ، وإن كان ثيبا فبالرجم الذي ينهي حياته ، وهكذا بقية أمور الإسلام يطالب بها هذا الذي أسلم وشهد هذه الشهادة وأقام الصلاة وآتى الزكاة .
                          فيطالب بحقوق الإسلام ، وهو معصوم الدم والمال إلا أن يأتي بناقض من نواقض الإسلام ، أو بشيء يوجب الحد عليه ، وهكذا قوله في الحديث الآخر عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله » .
                          هذا الحديث مثل ذاك الحديث : من أتى بالتوحيد والإيمان بالرسالة فقد دخل في الإسلام ، ثم يطالب بحق الإسلام ، فيطالب بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك ، فإن أدى ما أوجب الله عليه فهو مسلم حقا ، وإن امتنع عن شيء أخذ بحق الله فيه ، وأجبر وألزم بحقوق الله التي أوجبها على عباده .
                          وهذا هو الواجب على جميع من دخل في دين الإسلام أن يلتزم بحق الإسلام ، فإن لم يلتزم أخذ بحق الإسلام
                          .......أ.هـ

                          سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

                          ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

                          وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

                          تعليق


                          • #43
                            بسم الله الرحمن الرحيم

                            وقد انتقد الرفاعي في إحدى لقاءاته على التلفاز الحديث الذي أورده البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر ...
                            حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ حَدَّثَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ قَالَ
                            اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ فَقَالَ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَقِيلَ لَهُ تَدْعُو أَمْوَاتًا فَقَالَ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ
                            زاعما أن ذلك يتعارض مع قوله تعالى (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى)


                            والرد على كلامه سهلٌ بسيط .. إذ لا معارضة بين الحديث والآية الكريمة .. فقد قال ابن حجر رحمه الله تعالى :
                            فَقَالُوا مَعْنَاهَا لَا تُسْمِعهُمْ سَمَاعًا يَنْفَعهُمْ ، أَوْ لَا تُسْمِعهُمْ إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه ......... قَالَ (السهيلي): وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ الْحَال عَالِمِينَ جَازَ أَنْ يَكُونُوا سَامِعِينَ إِمَّا بِآذَانِ رُءُوسهمْ كَمَا هُوَ قَوْل الْجُمْهُور ، أَوْ بِآذَانِ الرُّوح عَلَى رَأْي مَنْ يُوَجِّه السُّؤَال إِلَى الرُّوح مِنْ غَيْر رُجُوع إِلَى الْجَسَد . قَالَ : وَأَمَّا الْآيَة فَإِنَّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَفَأَنْتَ تُسْمِع الصُّمّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ ) أَيْ إِنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي يُسْمِع وَيَهْدِي اِنْتَهَى .
                            وَقَالَ اِبْن التِّين . لَا مُعَارَضَة بَيْن حَدِيث اِبْن عُمَر وَالْآيَة لِأَنَّ الْمَوْتَى لَا يَسْمَعُونَ بِلَا شَكّ ، لَكِنْ إِذَا أَرَادَ اللَّه إِسْمَاع مَا لَيْسَ مِنْ شَأْنه السَّمَاع لَمْ يَمْتَنِع كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة ) الْآيَة ، وَقَوْله : ( فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ) الْآيَة .
                            ( تَنْبِيه ) :
                            وَجْه إِدْخَال حَدِيث اِبْن عُمَر وَمَا عَارَضَهُ مِنْ حَدِيث عَائِشَة فِي تَرْجَمَة عَذَاب الْقَبْر أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ مِنْ سَمَاع أَهْل الْقَلِيب وَتَوْبِيخه لَهُمْ دَلَّ إِدْرَاكهمْ الْكَلَام بِحَاسَّةِ السَّمْع عَلَى جَوَاز إِدْرَاكهمْ أَلَم الْعَذَاب بِبَقِيَّةِ الْحَوَاسّ بَلْ بِالذَّاتِ إِذْ الْجَامِع بَيْنهمَا وَبَيْن بَقِيَّة الْأَحَادِيث أَنَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ إِلَى طَرِيق مِنْ طُرُق الْجَمْع بَيْن حَدِيثَيْ اِبْن عُمَر وَعَائِشَة بِحَمْلِ حَدِيث اِبْن عُمَر عَلَى أَنَّ مُخَاطَبَة أَهْل الْقَلِيب وَقَعَتْ وَقْت الْمَسْأَلَة وَحِينَئِذٍ كَانَتْ الرُّوح قَدْ أُعِيدَتْ إِلَى الْجَسَد ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ الْأَحَادِيث الْأُخْرَى أَنَّ الْكَافِر الْمَسْئُول يُعَذَّب ، وَأَمَّا إِنْكَار عَائِشَة فَمَحْمُول عَلَى غَيْر وَقْت الْمَسْأَلَة فَيَتَّفِق الْخَبَرَانِ . وَيَظْهَر مِنْ هَذَا التَّقْرِير وَجْه إِدْخَال حَدِيث اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة وَاَللَّه أَعْلَم
                            .أ.هـ

                            قلت: فإن هذه الوجوه المتبعة في الجمع بين الحديث والآية وجوه حسنة كثيرة ... ولها قبولٌ عقلي ونقلي ... وهذا الواجب إتباعه في حالة توهم الخلاف ... والله اعلم واحكم ..

                            ويمضي ابن حجر رحمه الله تعالى في إقرار المسألة وتوضيحها من خلال شرحه لهذا الحديث في صحيح البخاري وهو:-
                            حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
                            أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ فَقَالَتْ وَهَلَ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ قَالَتْ وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ إِنَّمَا قَالَ إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ ثُمَّ قَرَأَتْ
                            { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى }
                            { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ }
                            يَقُولُ حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنْ النَّارِ


                            فيقول ابن حجر رحمه الله تعالى:-

                            قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْعِلْم لَا يَمْنَع مِنْ السَّمَاع ، وَالْجَوَاب عَنْ الْآيَة أَنَّهُ لَا يُسْمِعُهُمْ وَهُمْ مَوْتَى وَلَكِنَّ اللَّه أَحْيَاهُمْ حَتَّى سَمِعُوا كَمَا قَالَ قَتَادَة ، وَلَمْ يَنْفَرِد عُمَر وَلَا اِبْنه بِحِكَايَةِ ذَلِكَ بَلْ وَافَقَهُمَا أَبُو طَلْحَة كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود مِثْله بِإِسْنَادٍ صَحِيح . وَمِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سِيدَانِ نَحْوه وَفِيهِ : " قَالُوا يَا رَسُول اللَّه وَهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ قَالَ : يَسْمَعُونَ كَمَا تَسْمَعُونَ ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ " وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود " وَلَكِنَّهُمْ الْيَوْم لَا يُجِيبُونَ "
                            قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : كَانَ عِنْد عَائِشَة مِنْ الْفَهْم وَالذَّكَاء وَكَثْرَة الرِّوَايَة وَالْغَوْص عَلَى غَوَامِض الْعِلْم مَا لَا مَزِيد عَلَيْهِ ، لَكِنْ لَا سَبِيل إِلَى رَدّ رِوَايَة الثِّقَة إِلَّا بِنَصِّ مِثْله يَدُلّ عَلَى نَسْخه أَوْ تَخْصِيصه أَوْ اِسْتِحَالَته ، فَكَيْف وَالْجَمْع بَيْن الَّذِي أَنْكَرَتْهُ وَأَثْبَتَهُ غَيْرهَا مُمْكِن ، لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّك لَا تُسْمِع الْمَوْتَى ) لَا يُنَافِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّهُمْ الْآن يَسْمَعُونَ " لِأَنَّ الْإِسْمَاع هُوَ إِبْلَاغ الصَّوْت مِنْ الْمُسْمِع فِي أُذُن السَّامِع ، فَاَللَّه تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَسْمَعهُمْ بِأَنْ أَبْلَغَهُمْ صَوْت نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ
                            .أ.هـ
                            ويقول ابن قتيبة رحمه الله تعالى في تأويل مختلف الحديث ..
                            قال أبو محمد: ونحن نقول: إنه إذا جاز في المعقول وصح في النظر وبالكتاب والخبر إن الله تعالى يبعث من في القبور بعد أن تكون الأجساد قد بليت والعظام قد رمت جاز أيضاً في المعقول وصح في النظر وبالكتاب والخبر إنهم يعذبون بعد الممات في البرزخ.
                            فأما الكتاب فإن الله تعالى يقول: " النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون اشد العذاب " فهم يعرضون بعد مماتهم على النار غدواً وعشياً قبل يوم القيامة ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب والله عز وجل يقول: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم إلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " وهذا شيء خص الله تعالى به شهداء بدر رحمة الله عليهم ....... فإذا جاز أن يكون هؤلاء الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وجاز أن يكونوا فرحين ومستبشرين فلم لا يجوز أن يكون أعداؤهم الذين حاربوهم وقتلوهم أحياء في النار يعذبون وإذا جاز أن يكونوا أحياء فلم لا يجوز أن يكونوا يسمعون وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله الحق. وأما الخبر فقول النبي صلى الله عليه وسلم في جعفر بن أبي طالب إنه يطير مع الملائكة في الجنة وتسميته له ذا الجناحين وكثرة الأخبار عنه في منكر ونكير وفي عذاب القبر وفي دعائه أعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة المسيح الدجال. وهذه الأخبار صحاح لا يجوز على مثلها التواطؤ وإن لم يصح مثلها لم يصح شيء من أمور ديننا ولا شيء أصح من أخبار نبينا صلى الله عليه وسلم.......
                            وأما قوله تعالى: " إنك لا تسمع الموتى " " وما أنت بمسمع من في القبور " فليس من هذا في شيء لأنه أراد بالموتى ههنا الجهال وهم أيضاً أهل القبور يريد أنك لا تقدر على إفهام من جعله الله تعالى جاهلاً ولا تقدر على إسماع من جعله الله تعالى أصم عن الهدى. وفي صدر هذه الآيات دليل على ما نقول لأنه قال: " لا يستوي الأعمى والبصير " يريد بالأعمى الكافر وبالبصير المؤمن " ولا الظلمات ولا النور " يعني بالظلمات الكفر وبالنور الإيمان: " ولا الظل ولا الحرور " يعني بالظل الجنة وبالحرور النار " وما يستوي الأحياء ولا الأموات يعني بالأحياء العقلاء وبالأموات الجهلاء. ثم قال: " إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور " يعني أنك لا تسمع الجهلاء الذين كأنهم موتى في القبور. ومثل هذا كثير في القرآن. ولم يرد بالموتى الذين ضربهم مثلاً للجهال شهداء بدر فيحتج بهم علينا أولئك عنده أحياء كما قال الله عز وجل
                            .أ.هـ

                            سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

                            ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

                            وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

                            تعليق


                            • #44
                              بسم الله الرحمن الرحيم

                              ويقول الرفاعي في مقال له بعنوان ( معوقات الإصلاح الديني) ..

                              وفي الحديث التالي من صحيح مسلم ، رقم : ( 4975 ) حسب ترقيم العالميّة ..
                              [[ حَدَّثَنِي ....... عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ فَأَتَاهُ عَلِيٌّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ اخْرُجْ فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنْهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ ]] ..

                              ويدعي أن في هذا الحديث إساءة للنبي صلى الله عليه وسلم .. وقد سبق وبينا أن الصحابة ومن جاء بعدهم وهم خير القرون كانوا أحرص على النبي صلى الله عليه وسلم من أن يأتي غيرهم ممن عاش بعدهم ليتهمهم بالإساءة .. والرد على هذا الحديث هو ما قاله أهل العلم ..
                              وقد سبق الرفاعي في انتقاد هذا الحديث محمد الغزالي رحمه الله تعالى وقد رد عليه الشيخ سلمان العودة في كتابه( حوار هادئ مع الغزالي) فقال:
                              إن الحديث رواه مسلم وذلك برقم (2771) وأحمد (3/281) وغيرهما من أئمة الحديث, فهو حديث صحيح لا مطعن فيه.
                              وقال الإمام ابن القيم في سند الحديث (ليس في إسناده من يتعلق عليه) مع أنه في مسلم فقد بحث ابن القيم في إسناده فوجد رجال إسناده ثقات لا يمكن أن يتعلق عليهم أو يضعف أحد منهم .
                              أما الإشكال الوارد في الحديث فقد أجاب عنه ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد (5/16) بجواب سديد دون أن يحتاج إلى أن يتجشم تضعيف الحديث وهو في مسلم قال ابن القيم -رحمه الله- (وقد أشكل هذا القضاء على كثير من الناس, فطعن بعضهم في هذا الحديث ولكن ليس في إسناده من يتعلق عليه, وتأوله بعضهم على أنه لم يرد حقيقة القتل إنما أراد تخويفه ليزدجر عن مجيئه إليها, قال وهذا كما قال سليمان للمرأتين اللتين اختصمتا إليه في الولد عليَّ بالسكين حتى أشق الولد بينهما ولم يرد أن يفعل ذلك بل قصد استعلام الأمر من هذا القول (يعني سليمان حينما قال أشق الولد بينهما لم يكن يقصد حقيقة الكلام الذي يقوله) وأحسن من هذا أن يقال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر علياً رضي الله عنه بقتله تعزيراً لإقدامه وجرأته على خلوته بأم ولده -صلى الله عليه وسلم-, فلما تبين لعليّ حقيقة الحال وأنه بريء من الريبة كف عن قتله. والتعزير بالقتل ليس بلازم كالحد بل هو تابع للمصلحة دائر معها وجوداً وعدماً)
                              على هذا يمكن أن يقال إن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أمر بقتله لأنه كان يدخل على أم ولد النبي-صلى الله عليه وسلم- في غيبته ويخلو بها وقد شاع هذا الكلام في الناس فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتله تعزيراً لأنه تسبب في قالة السوء في بيت الرسول -صلى الله عليه وسلم- بفعله المحرم, إضافة إلى ما يوجد من الشبهة في ذلك, فلما بان الأمر للناس وانتفى الكلام بأن الرجل كان مجبوباً زال ما يدعو إلى تعزيره بالقتل فعفى عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم-

                              أ.هـ كلام الشيخ العودة

                              وقال ابن عبد البر في الاستيعاب:
                              هذا الرجل المتهم كان ابن عم مارية القبطية أهداه معها المقوقس وذلك موجود في حديث سليمان بن أرقم عن الزهري عن عروة عن عائشة وأظنه الخصي المأبور المذكور من حينئذ عرف أنه خصي والله أعلم

                              وذكر الطحاوي في المشكل:-
                              فقال قائل : وكيف تقبلون مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره عليا عليه السلام بقتل من لم يكن منه ما يوجب قتله ، وأنتم تروون عنه صلى الله عليه وسلم قال : فذكر ما قد تقدم ذكرنا له في كتابنا هذا من قوله : " لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث : زنا بعد إحصان ، أو كفر بعد إيمان ، أو نفس بنفس " وها لم يقم عليه حجة بأنه كانت منه واحدة من هذه الثلاث خصال


                              فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه :
                              أن الحديث الذي احتج به يوجب ما قال لو بقيت الحكام على ما كانت عليه في الوقت الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول ، ولكنه قد كانت أشياء تحل بها الدماء سوى هذه الثلاثة الأشياء فمنها : من شهر سيفه على رجل ليقتله ، فقد حل له به قتله ومنها : من أريد ماله ، فقد حل له قتل من أراده ، وكانت هذه الأشياء قد يحتمل أن يكون كانت بعد ما في الحديث الذي حظر أن لا تحل نفس إلا بواحدة من الثلاثة الأشياء المذكورة فيه ، فيكون ذلك إذا كان بعده لاحقا بالثلاثة الأشياء المذكورة فيه ، ويكون الحظر في الأنفس مما سواها على حاله وكان في حديث القبطي الذي ذكرنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا عليه السلام ، إن وجد ذلك القبطي عند مارية ، قتله ، يريد : إن وجده في بيته ، فلم يجده عندها في بيته ، فلما لم يجده في بيته ، لم يقتله ، ولو وجده فيه لقتله كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم به فكان من الأشياء التي ذكرنا منها الشيئين اللذين ذكرناهما مما في شريعته صلى الله عليه وسلم : أن من وجد رجلا في بيته قد دخله بغير إذنه حلال له قتله ، وكذلك منها : من أدخل عينه في منزل رجل بغير أمره ليرى ما في منزله ، حل له فقء عينه ، وكذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم في الذي اطلع في بيته من جحر فيه من قوله له : " لو أعلم أنك تنظر ، لطعنت به يريد مدرى كان في يده في عينك " ومن قوله : " من اطلع على رجل في بيته ، فحذفه ، ففقأ عينه ، فلا جناح عليه " ومن قوله : " من اطلع على قوم ففقئوا عينه ، فلا قصاص له ولا دية " وقد ذكرنا ذلك كله فيما تقدم في كتابنا هذا ، وكان مثل ذلك : من دخل ببدنه بيت رجل بغير إذنه ، حل له قتله ، فبان بحمد الله عز وجل ونعمته أن لا تضاد في شيء من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا خروج لبعضها عن بعض ، والله عز وجل نسأله التوفيق
                              أ.هـ

                              سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

                              ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

                              وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

                              تعليق


                              • #45
                                بسم الله الرحمن الرحيم

                                ويقول الرفاعي في المقال ذاته ..

                                .. ولننظر إلى الحديثِ التالي في صحيحِ البخاري ، رقم : ( 4535 ) حسب ترقيم العالميّة ، كيفَ يُقَدِّمُ عُمرَ بن الخطّابِ رضي اللهُ تعالى عنه عالِماً بِصياغةِ النصِّ القرآنيِّ قبل نزولِهِ من السماء ، أي يُقَدِّمُهُ رضي الله تعالى عنه مُطِّلِعاً على كتابِ اللهِ تعالى قبلَ الرسول ..
                                [[ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ }

                                والرفاعي يعترض هنا على موافقة عمر لبعض مما نزل من القرآن قبل نزوله .. وقد أيد القران الكريم بعضاً من المواقف التي كان الرأي فيها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الصواب ... وليس في هذا غرابة ولا فيه معارضة للقرآن ....
                                وقد جمع السيوطي رحمه الله تعالى موافقات عمر بن الخطاب للقرآن في عشرين موقفاً وسمى كتابه "قطف الثمر في موافقات عمر" ...
                                وإليك هذه الفتوى في فضل عمر بن الخطاب وموافقاته للقرآن رضي الله عنه من موقع الشبكة الإسلامية ...

                                فضل عمربن الخطاب وموافقاته للقرآن الكريم

                                [السُّؤَالُ]
                                ـ[إذا أمكن يا فضيلة الشيخ أن تسرد الأيات التي وافقت عند نزولها كلام سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع الأحاديث التي خصها به سيد الخلق محمد صلى عليه وآله وصحبه وسلم وبعض الصحابة رضي الله عنهم؟ وجزاكم الله خيراً.]ـ

                                [الفَتْوَى]
                                الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

                                فإنه قد ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء، والهيثمي في مجمع الزوائد كثيراً من الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة في فضل عمر رضي الله عنه، وقد فصل السيوطي في بيان موافقات الوحي لكلام عمر فقال: فصل في موافقات عمر رضي الله عنه: قد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين، أخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن، وأخرج ابن عساكر عن علي قال: إن في القرآن لرأيا من رأي عمر. وأخرج عن ابن عمر مرفوعاً ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر.

                                وأخرج الشيخان عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى. وقلت: يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة فقلت عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن فنزلت كذلك.

                                وأخرج مسلم عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث في الحجاب وفي أساري بدر وفي مقام إبراهيم ففي هذا الحديث خصلة رابعة، وفي التهذيب للنووي: نزل القرآن بموافقته في أسرى بدر وفي الحجاب وفي مقام إبراهيم وفي تحريم الخمر فزاد خصلة خامسة، وحديثها في السنن ومستدرك الحاكم أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فأنزل الله تحريمها.

                                وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع نزلت هذه الآية: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ. الآية فلما نزلت قلت: أنا فتبارك الله حسن الخالقين فنزلت: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. فزاد في هذا الحديث خصلة سادسة وللحديث طريق آخر عن ابن عباس أوردته في التفسير المسند.

                                ثم رأيت في كتاب فضائل الإمامين لأبي عبد الله الشيباني قال: وافق عمر ربه في أحد وعشرين موضعاً فذكر هذه الستة وزاد سابعاً قصة عبد الله ابن أبي، قلت: حديثها في الصحيح عنه قال: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فقام إليه فقمت حتى وقفت في صدره فقلت: يا رسول الله أو على عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا كذا، فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا. الآية، وثامناً: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ. الآية، وتاسعاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ. الآية، قلت: هما مع آية المائدة خصلة واحدة والثلاثة في الحديث السابق.

                                وعاشراً لما أكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستغفار لقوم: قال عمر: سواء عليهم فأنزل الله: سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ. قلت: أخرجه الطبراني عن ابن عباس، الحادي عشر لما استشار صلى الله عليه وسلم الصحابة في الخروج إلى بدر أشار عمر بالخروج فنزلت: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ. الآية، الثاني عشر لما استشار الصحابة في قصة الإفك قال عمر: من زوجكها يا رسول الله قال: الله، قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت كذلك.

                                الثالث عشر قصته في الصيام لما جامع زوجته بعد الانتباه وكان ذلك محرما في أول الإسلام فنزل: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ. الآية، قلت: أخرجه أحمد في مسنده.

                                الرابع عشر قوله تعالى: قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ. الآية، قلت: أخرجه ابن جرير وغيره من طرق عديدة وأقر بها للموافقة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديا لقي عمر فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا، فقال له عمر: من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين فنزلت على لسان عمر.

                                الخامس عشر قوله تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ. الآية، قلت أخرج قصتها ابن أبي حاتم وابن مروديه عن أبي الأسود قال اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما فقال الذي قضى عليه ردنا إلى عمر بن الخطاب فأتيا إليه فقال الرجل قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا فقال ردنا إلى عمر فقال أكذاك قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكم فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله وأدبر الآخر فقال يا رسول الله قتل عمر والله صاحبي، فقال: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن، فأنزل الله: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ. الآية، فأهدر دم الرجل وبرئ عمر من قتله وله شاهد موصول أوردته في التفسير المسند.

                                السادس عشر الاستئذان في الدخول وذلك أنه دخل عليه غلامه وكان نائماً فقال: اللهم حرم الدخول فنزلت آية الاستئذان. السابع عشر قوله في اليهود إنهم قوم بهت.

                                الثامن عشر قوله تعالى ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، قلت أخرج قصتها ابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله وهي في أسباب النزول.

                                التاسع عشر رفع تلاوة الشيخ والشيخة إذا زنيا الآية. العشرون قوله يوم أحد لما قال أبو سفيان أفي القوم فلان ،لا نجيبنه، فوافقه رسول اله صلى الله عليه وسلم، قلت: أخرج قصته أحمد في مسنده.

                                وفي مجمع الزوائد للهيثمي في باب مناقب عمر كثير من الأحاديث وأقوال الصحابة نذكر أثبتها مع كلام الهيثمي على سنده فمن ذلك ما روى عن أبي وائل قال : قال عبد الله لو أن علم عمر وضع في كفة الميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم، قال وكيع: قال الأعمش فأنكرت ذلك فأتيت إبراهيم فذكرته له، فقال: وما أنكرت من ذلك فوالله لقد قال عبد الله أفضل من ذلك قال إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر رواه الطبراني بأسانيد ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى وهو ثقة.

                                وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت في النوم أني أعطيت عسا مملوءا لبنا فشربت حتى تملأت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم ففضلت فضلة فأعطيتها عمر بن الخطاب فأولوها قالوا: يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأك منه ففضلت فضلة فأعطيتها عمر بن الخطاب فقال: أصبتم، قلت: هو في الصحيح بغير سياقه رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

                                وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب صدر عمر بيده حين أسلم ثلاث مرات وهو يقول اللهم أخرج ما في صدر عمر من غل وأبدله إيماناً يقول ذلك ثلاث مرات. رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.

                                وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه. رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار رجال الصحيح غير الجهم ابن أبي الجهم وهو ثقة.

                                وعن علي قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر ما كنا نبعد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن السكينة تنطق على لسان عمر. رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.

                                وعن ابن مسعود قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. رواه الطبراني وإسناده حسن، وعن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث أن السكينة تنزل على لسان عمر. رواه الطبراني ورجاله ثقات.

                                والله أعلم.

                                [تَارِيخُ الْفَتْوَى]
                                01 جمادي الأولى 1426
                                والحمد لله تعالى أولا وآخرا ..

                                سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ

                                ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ

                                وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ

                                تعليق

                                يعمل...
                                X