محطات حوار لا جدال ... قيل : " الإنسان عدوّ ما يجهل " . وعليه فلا سبيل إلى العيش بسلام مع الآخرين , ولا مجال لمحبّتهم , بدون معرفتهم . ومجتمعات اليوم , أكثر منها في أيّ يوم مضى , هي على اتّصال واحتكاك مستمرّ بعضها ببعض ومكتوب لها أن تتعارف لتتآلف فتتحابب فيكون لها الازدهار والبقاء . ولئن هي أصرت على التقوقع والتعالي , استشرى فيها الجهل وقِصَرُ النظر , فضِقُ الصدر والتعصّب والكراهية , فالتآكل الذاتيّ فالاضمحلال من هذا المنطلق تواترت اللقاءات والمحاورات في العقود الأخيرة بين الحكماء من سائر المشارب والملل , لاسيّما بين علماء المسلمين والمسيحيّين , أبناء الديانتين العُظمَيَينْ الموحِّدتين . وكلا المعتقدَين يهمّنا , نحن أبناء العالم العربيّ , إلى أقصى الحدود . فلا بدّ للمسيحيّ العربيّ من معرفة أخيه المسلم , رفيق عيشه , ولا مناص للمسلم العربيّ من معرفة أخيه المسيحيّ , ابن وطنه . لهذا أحببتُ المشاركة في هذا المنتدى لمحاورة المشاركين المسلمين على معرفة الديانة المسيحيّة من مصادرها وإنها لعمري مبادرة سمحاء إن دلّت على شيء فعلى الروح الجديدة المحيية التي تهبّ اليوم بنعمةٍ منه تعالى , والتي تدعونا إلى التجاوب معها كلّ التجاوب : " إذا هبّت رياحُك فاغتنمها " . ورجاؤنا وطيد أن تساهم تلك الأحاديث في تقريب القلوب من باب تقريب الأذهان , والله سبحانه من وراء القصد . أَول ما أقوله إِنَّني لا أُحاول هَدي أحد , ولا أرجو إقناع أحد باعتناق المسيحيّة بل إيجاد أرضية حوار مشتركة تتفهم الآخر مبتعداً عن الخوض في أيّ جدال لأُحاول إقامة البرهان على أنّ المسيحيّة حقّ والإسلام باطل , أو أنّ المسيحيّة أصلح من الإسلام أو خيرٌ منه . بل آمَل من هذه المشاركة توجيهَ نظرةٍ من الداخل إلى كيفيّة فَهْمِ المسيحيّين دينَهم لن أُحاول في الصفحات الآتية إقناعَ أيٍّ كان أنّ الإسلام على ضلال . بيد أنّه ينبغي الإقرار منذ البداية بأنّني مسيحيّ مؤمن , وبالتالي أُومن بما يعلِّمه المعتقَدُ المسيحيّ . وكلّ إنسان مؤمنٍ له الحقّ , مسيحيّاً كان أو مسلماً , بأنّ دينه يأتيه بالجواب الشامل عن القضايا الهامّة في الحياة البشريّة : مِن أين جئنا , إلى أين نذهب , وكيف يجب أن نعيش في أثناء حياتنا ؟ ومن البديهيّ أن يؤمن كلٌّ منا بأنّ طريقته هي الجواب الدينيّ الحقّ عمّا أوحاه الله إلينا . ولئن اعتقد بعضنا بأنّ إحدى الديانات تأتي بالأجوبة الجازمة عن مشاكل الحياة وتؤمّن الوصول إلى الله بطريقٍ أَفضل من طريقه , توجَّب عليه , بلا جدال , العدولُ عن دينه واتّباع الدين الآخر بعد أن رآه إلى الصواب أقرب وللإقتاع أجدى . وفي الواقع يبيّن التاريخُ أنّ عدد المسيحيّين أو المسلمين المخلِصين لدينهم وضميرهم , الذين تحوّلوا إلى دينٍ آخر , هو أقلّ من القليل . فإنّ بعض الأفراد انتقلوا في الماضي , وما زالوا ينتقلون اليوم , مِن دين إلى آخر لأسباب تمُتّ إلى الزواج , أو المصلحة المهنيّة , أو الضغط الاجتماعيّ؛ غير أنّ عدد الذين يهتدون إلى ديانة أُخرى ممّن هم مقتنعون راسخون في ديانتهم , ليس بالكثير . وسبب ذلك واضح : إذا وَجد المرءُ الله ورسالته من خلال ممارسته الدينيّة المألوفة , فهو لا يشعر بالحاجة إلى بدء البحث عنه تعالى في إطارٍ آخر . وإنّي لا أشكّ أنّ الله سبحانه قد أثّر في حياة الملايين من المسلمين والمسيحيّين عن طريق التعاليم والكتب والشعائر الخاصّة بالإسلام والمسيحيّة بالذات , ويقين هؤلاء الناس أنّ الله موجود في إطار المعتقدات الإسلاميّة والمسيحيّة . وإنّي لا أعني أنّ الإسلام والمسيحيّة هما في الأساس دينٌ واحد , أو أنّه ليس مِن اختلافات حقيقيّة بينهما . فثمّة بالفعل اختلافات حقيقيّة , ولا يمكن المسيحيّين والمسلمين , إذا التقوا , تهوين هذه الاختلافات أوتجاهلها . والاختلافات مؤلمة لأنّنا بشر نريد دوماً مِن الذين نعيش معهم ونهتمّ بهم أن يفكّروا ويعملوا مثلنا . فلو نظرنا إلى المتديّنين لرأينا أنّ أَلَمَهُم أشدُّ إن لم يتبع الآخرون طريقهم إلى الله , لأنّ كلاًّ منّا يحسب ايمانه " كنزاً ينبغي تقاسمه " وأعظمَ هديّة يمكننا تقديمها إلى جيراننا الأدنَين أو حتّى إلى العالم بأسره . وعلى الرغم من ذلك فعندما ندرس معاً الاختلافات القائمة بين كلًّ من ديانتينا , نصل إلى عدد من النتائج الإيجابيّة . أوّلُها أنّنا نجدِّد تقديرنا لِما هو فريد في معتقدِنا الخاص , فنعود إلى الله شاكرين له نعمة الإيمان التي مَنَّ بها علينا ؛ ثمّ إنّنا نزداد احتراماً لما يعتقده الآخرون مخلِصين , على الرغم ممّا بيننا وبينهم من اختلاف ؛ كما أنّنا نزداد فهماً للأسباب التي تدفعهم إلى القيام بما يقومون به , وأخيراً ندرك إدراكاً أوضح أنّنا من جنس بشريّ واحد يقوم في حضرة الله . من جهة أُخرى لا ينبغي أن نركِّز فقط على ما بيننا من اختلافات . فإنّي لواثق بأنّ المسيحيّين والمسلمين هم واحد في الكثير مِن أعمق وأهمّ عناصر معتقداتهم وخبراتهم الدينيّة . وقد تيقّنتُ أنّ المسلمين والمسيحيّين , إذا ما أَكبَّ كلُّ فريق منهم على دراسة ديانة الفريق الآخر , شعروا , لا بل لمسوا , أنّ بينهم الكثير من الأمور المشتركة . وغالباً ما يحدث أنّ تعابيرنا المختلفة تخفي مفاهيم تلتقي في الكثير من النقاط , كما أنّه من الأكيد أنّنا , عندما نزيد من اطّلاعنا على ديانة الآخر , نكتشف في كثيرٍ من الأحيان أنّ ثمّة كلمات متشابهة تشير إلى مفاهيم في غاية التباين فإحدى ثمار الحوار بين المسيحيّين والمسلمين هي أن نتعلم كيف نُبرز بمزيد من الدقّة مجالات التلاقي والتباين بين ديانتينا . تِلكم هي الغاية المحدودة المتواضعة من مشاركتي , فلا هي الهدي ولا هي الجدال , بل ما هو أبسط : المزيد من الفهم لما يؤمن به المسيحيّون وللطرق التي تدعوهم ديانتُهم إلى سلوكها . قال أحدهم : " بقدر ما نُحسن فهمَ إيمان الآخر نجيد فهمَ إيماننا " . ولكي تكلّل مثل هذه المساعي بالنجاح فلا بدّ من إقامة حوار رصين واعٍ بين المسلمين والمسيحيّين . ولا يقوم مثل هذا الحوار إلاّ إذا كان المسيحيّيون لهم إدراك دقيق لدين الإسلام وقيمه الأخلاقيّة ونظمه الاجتماعيّة , وإذا كان المسلمون لهم إدراك دقيق للمسيحيّة في معتقداتها وأخلاقيّاتها . إسمحوا لي بأن أعرِّفكم إلى نفسي . أنا مؤمن مسيحيّ من سورية, متزوج ولي طفلين , خضعت لفترة تنشئة درستُ في أثنائها علمَ اللاهوت الكاثوليكي مدّةَ أربع سنوات , وتضمنت الدروس اللاهوتية عدّة مواد : الكتاب المقدَّس , علم اللاهوت العقيديّ والأدبيّ , تاريخ الكنيسة , علم الآباء . بالإضافة إلى دراساتي المتواضعة في القرآن الكريم والسُنّة وأدبُ الحديث النّبوي . مارستُ التعليم المسيحي والتدريس التربوي . بالإضافة إلى عملي الوظيفي المصرفي . إني لواثق بأنّ المسلمين والمسيحيّين هم أُسرتان من المؤمنين تتحدّران من جدٍّ واحد هو إبراهيم الخليل , وبأنّ الله سبحانه يريد منّا أنّ نعيش معاً في الاحترام المتبادل والسلام , ونعمل يداً واحدة بحيث تتمّ مشيئته تعالى على وجه الأرض . فنخطوا معاً خطوةً خطوة نحو تفادي انحرافات الماضي واكتساب الثقة المبادلة في الحاضر , ونبلغ أخيراً إلى صداقة متبادلة , هي من أمنيات الحاضر وآمال المستقبل .
إعـــــــلان
تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
محطات حوار لا جدال ...
تقليص
X
-
أهلا بيك صديقنا الفاضل جورج
نرحب بيك فى بيتك التانى
وكن واثق اننا بنحاور مش بنجادل
وإن كنت مختلف معاك فى بعض كلامك
الإ انة ينم عن شخصية مُحترمة مؤدبة
تفضل زميلنا الفاضللهذا أحببتُ المشاركة في هذا المنتدى لمحاورة المشاركين المسلمين على معرفة الديانة المسيحيّة من مصادرها
وإذا سمحت ان يكون مصحوبا بالدليل من الكتاب المُقدس
فأنت تعلم جيدا
رومية 10: 17
إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ.
قال تعالى
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
-
- Apr 2008
- 57
- الإسلام
- ذكر
- 27-05-2014
- 00:59
اهلاً بالضيف المحترم
ياريت أن تكمل مابدأت في موضوعك السابق وترد على الأخوان تصديقاً لما تقول أنه حوار وليس جدال تفضل هاهو رابط موضوعك وبانتظار ردك
(https://www.ebnmaryam.com/vb/t82415.html)التعديل الأخير تم بواسطة ساكن المدينة المنورة; الساعة 11-12-2009, 19:35.
تعليق
-
- Jun 2009
- 2651
- الإسلام
- 14-02-2026
- 21:24
بسم الله الرحمن الرحيم
اهلا بك ضيفنا الفاضل جورج ونتمنى طيب الاقامة لك هنا .... وكلامك يدل على انك شخصية محترمة ومهذبة ونحن نرحب بامثالك من الفضلاء ....
بالنسبة الى موضوعك ففيه اخذ ورد لكننا على قناعة انه يمكن ايجاد ارضية للتحاور الجاد والبناء ... وقد قال تعالى في كتابه العزيز

وبناءً عليه لم لا تحاور احد الاخوة هنا فيستفيد الجميع من نقاش محترم ومهذب؟؟
نرجو من الله تعالى الهداية للجميع ......سَلامٌ مِنْ صَبا بَرَدى أَرَقُّ ....ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دمشقُ
ومَعْذِرَةَ اليراعةِ والقوافي .... جلاءُ الرِّزءِ عَنْ وَصْفٍ يُدَّقُ
وذكرى عن خواطرِها لقلبي .... إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْقُ
تعليق
-
- Dec 2009
- 357
- 10-11-2019
- 19:55
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . لى رأى بسيط فيما يقوله الأستاذ المسيحى المحترم
الأحترام بين البشر لا علاقة له بالدين وانما بالشخص نفسه ولكن الدين الصحيح يحتم على الأنسان أحترام أخيه حتى لو كان مخالفا ويمكنك التأكد من هذا بمطالعة ما تكتبه مواقعكم الأليكترونية عن الأسلام من كذب وصفاقة وقلة أدب وتطاول وجهل.أما لحديثك عن حوارلا جدال فأقول
من بين كل الأديان والمعتقدات فى العالم لابد أن يكون هناك دينا واحدا صحيحا والباقى ضلالات وأفتراءات
لماذا؟ لأن كل الأديان تكفر بعضها فكيف تكون متفقة؟
اليهودية تكفر بالمسيحية والأسلام وكذلك المسيحية تفعل ع باقى الأديان والأسلام يجب ما قبله ويعتبر نفسه
دين كل الأنبياء بمن فيهم المسيح العظيم قبل التحريف طبعا
واذا نظرنا الى دينك وجدنا طوائف كل منها يرى الأخر كافرا وكذلك الحال بين اليهود والسامرائيين ولا نجده أبدا فى الأسلام رغم عنف الخصومة بين أهل السنة والشيعة
فهل نضحك على أنفسنا ونقول تستوى الأديان المصنوعة والمحرفة مع الدين الواحد الحق الذى يملك كل الأدلة والبراهين على صدقه تحت مسمى أحترام الأديان؟
تعليق
-
- Nov 2009
- 74
- 18-03-2010
- 22:32
أسلوب محترم وجميلفلا بدّ للمسيحيّ العربيّ من معرفة أخيه المسلم , رفيق عيشه , ولا مناص للمسلم العربيّ من معرفة أخيه المسيحيّ , ابن وطنه
و أهلا بك
تعليق
-
اخى جورج
اولا
اهلا بك بيننا فى بيتك منتدى اتباع المرسلين ونتمنى لك اقامه سعيده وحوار هادف ينتهى بك الى خير كسابقيك
ثانيا
كلامك يكاد يظهر بخلاف ما يبطنفلا بدّ للمسيحيّ العربيّ من معرفة أخيه المسلم , رفيق عيشه , ولا مناص للمسلم العربيّ من معرفة أخيه المسيحيّ , ابن وطنه
فسيادتك تقول
المسلم رفيق عيشه وليس ابن وطنهفلا بدّ للمسيحيّ العربيّ من معرفة أخيه المسلم , رفيق عيشه
وكان المسلم دخيل عليكم وليس بالبلد بلده
وهنا تقول ان المسلم اخو المسيحى ابن وطنهولا مناص للمسلم العربيّ من معرفة أخيه المسيحيّ , ابن وطنه
وكان الوطن وطنكم انتم ونحن المسلمين دخلاء عليكم
وكانك تكررها متعمدا
الم تعلم يا اخى بان مصر كان يقطنها مصريين موحدين قبل دخول الاسلام وهم الاريوسيين
وهم الذين ايدوا الفتح الاسلامى وناصروا عمرو بن العاص قبل دخوله مصر بانهم مؤمنين بالاسلام ومستعدين للتعاون معه ضد كل الطوائف الاخرى
وكان بها يهود و ايضا مسيحيين فارين من تعذيب الكنيسه الكاثوليكيه( الرومان) لهم فى بلاد الشام
واستوطنوا فى الاسكندريه و الدلتا وعندما طاردوهم الرومان فى حروبهم فروا الى الجنوب وغرب الاسكندريه فى الصحراء وصار فيهم قتل وذبح حتى يعتنقوا المله الكاثوليكيه دون الارثوزكسيه ولم ينجوا منهم الا بدخول الاسلام وامنهم عمرو بن العاص وحماهم حمى كنائسهم واموالهم وانفسهم
فنصارى مصر ليسوا بمصريين الموطن
كما تطلقون على انفسكم اقباط
فالاقباط هم مصريين الاصل وفراعنه منذ سبع الاف سنه قبل الميلاد
يعنى قبل ان تكونوا
اقراء تاريخك صح من فضلك ومن مصادر موثوق بها
ثالثا
اهلا بك مره اخرى.gif)
تعليق
-
المشاركة الأصلية بواسطة جورج أبو كارو مشاهدة المشاركةمحطات حوار لا جدال ... قيل : " الإنسان عدوّ ما يجهل " . وعليه فلا سبيل إلى العيش بسلام مع الآخرين , ولا مجال لمحبّتهم , بدون معرفتهم . ومجتمعات اليوم , أكثر منها في أيّ يوم مضى , هي على اتّصال واحتكاك مستمرّ بعضها ببعض ومكتوب لها أن تتعارف لتتآلف فتتحابب فيكون لها الازدهار والبقاء . ولئن هي أصرت على التقوقع والتعالي , استشرى فيها الجهل وقِصَرُ النظر , فضِقُ الصدر والتعصّب والكراهية , فالتآكل الذاتيّ فالاضمحلال من هذا المنطلق تواترت اللقاءات والمحاورات في العقود الأخيرة بين الحكماء من سائر المشارب والملل , لاسيّما بين علماء المسلمين والمسيحيّين , أبناء الديانتين العُظمَيَينْ الموحِّدتين . وكلا المعتقدَين يهمّنا , نحن أبناء العالم العربيّ , إلى أقصى الحدود . فلا بدّ للمسيحيّ العربيّ من معرفة أخيه المسلم , رفيق عيشه , ولا مناص للمسلم العربيّ من معرفة أخيه المسيحيّ , ابن وطنه . لهذا أحببتُ المشاركة في هذا المنتدى لمحاورة المشاركين المسلمين على معرفة الديانة المسيحيّة من مصادرها وإنها لعمري مبادرة سمحاء إن دلّت على شيء فعلى الروح الجديدة المحيية التي تهبّ اليوم بنعمةٍ منه تعالى , والتي تدعونا إلى التجاوب معها كلّ التجاوب : " إذا هبّت رياحُك فاغتنمها " . ورجاؤنا وطيد أن تساهم تلك الأحاديث في تقريب القلوب من باب تقريب الأذهان , والله سبحانه من وراء القصد . أَول ما أقوله إِنَّني لا أُحاول هَدي أحد , ولا أرجو إقناع أحد باعتناق المسيحيّة بل إيجاد أرضية حوار مشتركة تتفهم الآخر مبتعداً عن الخوض في أيّ جدال لأُحاول إقامة البرهان على أنّ المسيحيّة حقّ والإسلام باطل , أو أنّ المسيحيّة أصلح من الإسلام أو خيرٌ منه . بل آمَل من هذه المشاركة توجيهَ نظرةٍ من الداخل إلى كيفيّة فَهْمِ المسيحيّين دينَهم لن أُحاول في الصفحات الآتية إقناعَ أيٍّ كان أنّ الإسلام على ضلال . بيد أنّه ينبغي الإقرار منذ البداية بأنّني مسيحيّ مؤمن , وبالتالي أُومن بما يعلِّمه المعتقَدُ المسيحيّ . وكلّ إنسان مؤمنٍ له الحقّ , مسيحيّاً كان أو مسلماً , بأنّ دينه يأتيه بالجواب الشامل عن القضايا الهامّة في الحياة البشريّة : مِن أين جئنا , إلى أين نذهب , وكيف يجب أن نعيش في أثناء حياتنا ؟ ومن البديهيّ أن يؤمن كلٌّ منا بأنّ طريقته هي الجواب الدينيّ الحقّ عمّا أوحاه الله إلينا . ولئن اعتقد بعضنا بأنّ إحدى الديانات تأتي بالأجوبة الجازمة عن مشاكل الحياة وتؤمّن الوصول إلى الله بطريقٍ أَفضل من طريقه , توجَّب عليه , بلا جدال , العدولُ عن دينه واتّباع الدين الآخر بعد أن رآه إلى الصواب أقرب وللإقتاع أجدى . وفي الواقع يبيّن التاريخُ أنّ عدد المسيحيّين أو المسلمين المخلِصين لدينهم وضميرهم , الذين تحوّلوا إلى دينٍ آخر , هو أقلّ من القليل . فإنّ بعض الأفراد انتقلوا في الماضي , وما زالوا ينتقلون اليوم , مِن دين إلى آخر لأسباب تمُتّ إلى الزواج , أو المصلحة المهنيّة , أو الضغط الاجتماعيّ؛ غير أنّ عدد الذين يهتدون إلى ديانة أُخرى ممّن هم مقتنعون راسخون في ديانتهم , ليس بالكثير . وسبب ذلك واضح : إذا وَجد المرءُ الله ورسالته من خلال ممارسته الدينيّة المألوفة , فهو لا يشعر بالحاجة إلى بدء البحث عنه تعالى في إطارٍ آخر . وإنّي لا أشكّ أنّ الله سبحانه قد أثّر في حياة الملايين من المسلمين والمسيحيّين عن طريق التعاليم والكتب والشعائر الخاصّة بالإسلام والمسيحيّة بالذات , ويقين هؤلاء الناس أنّ الله موجود في إطار المعتقدات الإسلاميّة والمسيحيّة . وإنّي لا أعني أنّ الإسلام والمسيحيّة هما في الأساس دينٌ واحد , أو أنّه ليس مِن اختلافات حقيقيّة بينهما . فثمّة بالفعل اختلافات حقيقيّة , ولا يمكن المسيحيّين والمسلمين , إذا التقوا , تهوين هذه الاختلافات أوتجاهلها . والاختلافات مؤلمة لأنّنا بشر نريد دوماً مِن الذين نعيش معهم ونهتمّ بهم أن يفكّروا ويعملوا مثلنا . فلو نظرنا إلى المتديّنين لرأينا أنّ أَلَمَهُم أشدُّ إن لم يتبع الآخرون طريقهم إلى الله , لأنّ كلاًّ منّا يحسب ايمانه " كنزاً ينبغي تقاسمه " وأعظمَ هديّة يمكننا تقديمها إلى جيراننا الأدنَين أو حتّى إلى العالم بأسره . وعلى الرغم من ذلك فعندما ندرس معاً الاختلافات القائمة بين كلًّ من ديانتينا , نصل إلى عدد من النتائج الإيجابيّة . أوّلُها أنّنا نجدِّد تقديرنا لِما هو فريد في معتقدِنا الخاص , فنعود إلى الله شاكرين له نعمة الإيمان التي مَنَّ بها علينا ؛ ثمّ إنّنا نزداد احتراماً لما يعتقده الآخرون مخلِصين , على الرغم ممّا بيننا وبينهم من اختلاف ؛ كما أنّنا نزداد فهماً للأسباب التي تدفعهم إلى القيام بما يقومون به , وأخيراً ندرك إدراكاً أوضح أنّنا من جنس بشريّ واحد يقوم في حضرة الله . من جهة أُخرى لا ينبغي أن نركِّز فقط على ما بيننا من اختلافات . فإنّي لواثق بأنّ المسيحيّين والمسلمين هم واحد في الكثير مِن أعمق وأهمّ عناصر معتقداتهم وخبراتهم الدينيّة . وقد تيقّنتُ أنّ المسلمين والمسيحيّين , إذا ما أَكبَّ كلُّ فريق منهم على دراسة ديانة الفريق الآخر , شعروا , لا بل لمسوا , أنّ بينهم الكثير من الأمور المشتركة . وغالباً ما يحدث أنّ تعابيرنا المختلفة تخفي مفاهيم تلتقي في الكثير من النقاط , كما أنّه من الأكيد أنّنا , عندما نزيد من اطّلاعنا على ديانة الآخر , نكتشف في كثيرٍ من الأحيان أنّ ثمّة كلمات متشابهة تشير إلى مفاهيم في غاية التباين فإحدى ثمار الحوار بين المسيحيّين والمسلمين هي أن نتعلم كيف نُبرز بمزيد من الدقّة مجالات التلاقي والتباين بين ديانتينا . تِلكم هي الغاية المحدودة المتواضعة من مشاركتي , فلا هي الهدي ولا هي الجدال , بل ما هو أبسط : المزيد من الفهم لما يؤمن به المسيحيّون وللطرق التي تدعوهم ديانتُهم إلى سلوكها . قال أحدهم : " بقدر ما نُحسن فهمَ إيمان الآخر نجيد فهمَ إيماننا " . ولكي تكلّل مثل هذه المساعي بالنجاح فلا بدّ من إقامة حوار رصين واعٍ بين المسلمين والمسيحيّين . ولا يقوم مثل هذا الحوار إلاّ إذا كان المسيحيّيون لهم إدراك دقيق لدين الإسلام وقيمه الأخلاقيّة ونظمه الاجتماعيّة , وإذا كان المسلمون لهم إدراك دقيق للمسيحيّة في معتقداتها وأخلاقيّاتها . إسمحوا لي بأن أعرِّفكم إلى نفسي . أنا مؤمن مسيحيّ من سورية, متزوج ولي طفلين , خضعت لفترة تنشئة درستُ في أثنائها علمَ اللاهوت الكاثوليكي مدّةَ أربع سنوات , وتضمنت الدروس اللاهوتية عدّة مواد : الكتاب المقدَّس , علم اللاهوت العقيديّ والأدبيّ , تاريخ الكنيسة , علم الآباء . بالإضافة إلى دراساتي المتواضعة في القرآن الكريم والسُنّة وأدبُ الحديث النّبوي . مارستُ التعليم المسيحي والتدريس التربوي . بالإضافة إلى عملي الوظيفي المصرفي . إني لواثق بأنّ المسلمين والمسيحيّين هم أُسرتان من المؤمنين تتحدّران من جدٍّ واحد هو إبراهيم الخليل , وبأنّ الله سبحانه يريد منّا أنّ نعيش معاً في الاحترام المتبادل والسلام , ونعمل يداً واحدة بحيث تتمّ مشيئته تعالى على وجه الأرض . فنخطوا معاً خطوةً خطوة نحو تفادي انحرافات الماضي واكتساب الثقة المبادلة في الحاضر , ونبلغ أخيراً إلى صداقة متبادلة , هي من أمنيات الحاضر وآمال المستقبل .
اهلا السيد: جورج أبو كارو انت فين ياراجل احنا اتشغلنا عليك كده اتروح واتقول عدولي
انا فاكر ان في موضوع فتحته ومارديتش تاني ياريت تزورو زياره بس وتعطي اجوبه
لناس الي غلبو نفسهم وسئلوك وانتظروك
واتمني انك كنت متابع الحوار مع اخينا الحبيب واستاذنا السيف البتار والاخ داوود((ديفد))
تعليق
-
- Jul 2008
- 7306
- الإسلام
- 28-02-2023
- 01:53
مرحبا بك ضيفنا الفاضل هنا بين أصدقائك
و لا شك أن من يتركون دينهم عن قناعة تامة لدين آخر هم قليلون نسبيا
فالمرء عادة يعيش على ما ولد عليه و عادة ما يري فيه ما يكفيه روحيا
ما رأيك صديقنا الفاضل - و لك مطلق الحرية لا ألزمك بشئ - لو بدلا من أن تشرح لنا نظرة المسيحي للمسيحية أن تقدم لنا أدلتك القاطعة على صحة عقيدتك هنا بين المسلمين لنتناقش فيها فنستفيد جميعا ؟ما رأيك ؟
بمعنى أوضح هل يمكن أن تخبرنا لم أنت مسيحي ؟
وفقك الله( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة )
ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد ، معرفا عباده كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة ، ومنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة وأن بعضهم من بعض ، وأن حق بعضهم على بعض واجب وجوب حق الأخ على أخيه ، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حق بعض ، وإن بعد التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم ، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى وعاطفا بذلك بعضهم على بعض ، ليتناصفوا ولا يتظالموا ، وليبذل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف على ما ألزمه الله له (تفسير الطبرى)
تعليق
-
- Dec 2009
- 357
- 10-11-2019
- 19:55
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . ا
لأستاذ الفاضل جورج
نحن لسنا ضدك ولا ضد أى مسيحى أنا شخصيا كنت أتعامل مع المسيحى كالمسلم تماما
الى أن ظهر من بعضهم ما أرفضه . ما تكتبه هو كلام ناعم وجميل ,ولاكن حوار الأديان لامفر منه ,فكلمات كهذة طيبة ولاكن الأهم منها ان ندخل فى الحوار مباشرة
العلاقات العامة شىء وحوار الأديان أهم به نصل إلى الحقيقة
نسأل الله الهداية والتوفيقالتعديل الأخير تم بواسطة أسد الجهاد; الساعة 12-12-2009, 01:52.
تعليق
-
- Jan 2007
- 2286
- الإسلام
- 23-11-2014
- 19:18
يا أخوة لاتتعجلوا
ربما لديه مايشغله .وبإذن الله المانع خير
وبإذن الله سنتقاسم الكنز ,ونعود جميعنا إلى الله شاكرين له نعمة الإيمانولا يمكن المسيحيّين والمسلمين , إذا التقوا , تهوين هذه الاختلافات أوتجاهلها . والاختلافات مؤلمة لأنّنا بشر نريد دوماً مِن الذين نعيش معهم ونهتمّ بهم أن يفكّروا ويعملوا مثلنا . فلو نظرنا إلى المتديّنين لرأينا أنّ أَلَمَهُم أشدُّ إن لم يتبع الآخرون طريقهم إلى الله , لأنّ كلاًّ منّا يحسب ايمانه " كنزاً ينبغي تقاسمه " وأعظمَ هديّة يمكننا تقديمها إلى جيراننا الأدنَين أو حتّى إلى العالم بأسره . وعلى الرغم من ذلك فعندما ندرس معاً الاختلافات القائمة بين كلًّ من ديانتينا , نصل إلى عدد من النتائج الإيجابيّة . أوّلُها أنّنا نجدِّد تقديرنا لِما هو فريد في معتقدِنا الخاص , فنعود إلى الله شاكرين له نعمة الإيمان التي مَنَّ بها علينا
تعليق
-
بانتظار الاستاذ جوورج
للردانظر هذا الموقع وادخله
كفر ذنوبك خلال دقيقتين
https://www.shbab1.com/2minutes.htm



اللهم ارحم امي واموات المسلمين واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة
ان لم تجدوني يوما بينكم
فهذه مشاركاتي لتذكروني
تعليق



تعليق