إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

نظرات في الفلسفة واللاهوت واللسانيات

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    [16] محمديم

    [i]

    كنا أربعة مجتمعين في منزل رابض في وسط تلك المدينة الجميلة المعانقة للطبيعة الخلابة بجبالها وزروعها وثمارها حيث يجري من تحتها ذلك النهر الجميل الشهير. جمعنا الفكر على اختلاف تخصصاتنا الأكاديمية: هذا دكتور في العلوم السياسية، وذاك مهندس ميكانيكا، وثالث مهندس إنشاءات بحرية، ورابع باحث أكاديمي. في ختام تلك الأمسية الفكرية الجميلة خطر لنا أن ندخل على اليوتوب الإسلامي، فدخلنا ووقع نظرنا على تسجيل قديم للشيخ أحمد ديدات رحمه الله فيه ردود على القس الأمريكي البروتستانتي جيمي سويجارت. لفت انتباهي في الشريط أمر عجيب لم أسمع به من قبل حيث ذكر الشيخ ديدات رحمه الله أن اسم (محمد) صلوات الله عليه ورد بالنص في العهد القديم وتحديدا في نشيد الإنشاد المنسوب للملك سليمان بن داود عليهما السلام. أذكر أنني قرأت سفر نشيد الإنشاد ذاك عدة مرات - باللسان العربي - بما فيه من صور شاعرية ومعاني حالمة تميل تارة يميناً لتكون غزلاً عفيفاً رقيقاً، وتنحرف تارة يساراً لتغدو غزلاً صريحاً غليظاً ما كنت أبداً لأظن أن يرد في أحد الكتب اللاهوتية التي ينسبها أصحابها إلى السماء لكني ما لا حظت ورود اسم (محمد) ولا عجب في ذلك حيث لم أكن قرأته بعد بلسانه الأم. لم يكن النص العبراني الأصلي Biblia Hebraica تحت يدي في تلك اللحظة فرجعت بسرعة إلى الترجمتين الألمانية والإنجليزية لكنهما لم يشفيا الغليل لرغبتي في مشاهدة الكلمة مكتوبة باللسان الأصلي للعهد القديم وليس لترجمة المعنى الخاص بها، فعدتُ سريعاً لنسخة عبرانية الكترونية لكنها أثارت عندي نهماً فكرياً أعمق وقد كنت أظنها ستروي الظمأ. بات الوقت متأخراً جداً فخلدت للنوم فور عودتي للمنزل. في صبيحة اليوم التالي كان أول ما فعلته بعد مجيئي للجامعة هو الذهاب سريعاً لكلية اللاهوت، حيث انتقيت أحد النسخ القديمة لنشيد الإنشاد المعروف أكاديمياً بمسماه اللاتيني canticum canticorum حيث فتحت الموضع الذي ذكره أحمد ديدات وتأكدت بالفعل أن الإسم موجود وبنفس الحروف التي يتكون بها في اللسان العربي !!!

    هل كان ذلك حقيقة أم كان خداع بصر: اسم (محمد) موجود فعلاً بحروف الميم والحاء والميم والدال لكن باللسان العبراني القديم؟
    بناء على ذلك قررت بحث الأمر، وهذا ما حدث فعلا، فلم ألبث إلا قليلاً حتى وضعت يدي على حقيقية الأمر، ويا لها من حقيقية !!!
    فما هي تلك الحقيقة؟

    [ii]
    قبل الإنتقال لدراسة لفظ (محمد) بالعبرانية أود أن أقدم نبذة مختصرة عن لفظ (محمد) في لسان العرب. أصل ذلك اللفظ هو الفعل الماضي الثلاثي المجرد (حَمِدَ) ومضارعه (يَحْمَدُ). يقال: (حمده) على شجاعته (حمداً) أي: أثنى عليه وأطراه. (الحمد) غير (الشكر) لأن (الحمد) يستعمل لخلة / صفة في الممدوح وفيه معنى التعظيم للممدوح وخضوع للمادح. للفظ (حمد) مشتقات كثيرة منها:

    - (حامد): اسم الفاعل، وهو اسم مصوغ لما وقع منه الفعل أو قام به.

    - (محمود): اسم المفعول، وهو اسم مصوغ من مصدر الفعل المبني للمجهول للدلالة على ما وقع عليه الفعل.

    - (أحمد): اسم التفضيل، وهو اسم مصوغ على وزن “أفعل” للدلالة على أن شيئين اشتركا في صفة وزاد أحدهما على الآخر فيها.

    - (محمد): اسم صفة مشبهة باسم المفعول.

    من هنا نعلم أن لفظ (محمد) يدل على الآتي:

    (1) الحمد أي الثناء لعظيم خصاله التي تحلى بها صلوات الله عليه.

    (2) اسم علم على عكس “أحمد” المصوغ كإسم تفضيل وإن تم استخدامه لاحقاً كاسمِ علم.

    (3) المبالغة في الثناء والمدح بدلالة تضعيف الحرف الثالث.
    من هنا نفهم قول الله تعالى على لسان ابن مريم عليهما السلام:

    (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف : 6)

    لم يشر ابن مريم عليه السلام للإسم العلمي للنبي الخاتم وإنما أشار إليه بصفته، حيث يدل لفظ (اسم) على معاني الوسم والسمة والسمت أي: الصفة، ويدل لفظ (أحمد) على التفضيل، حيث يوجد نبيُ حامدٌ ويوجد نبيٌ أحمد. أما الإسم العلمي الوحيد لنبينا فقد سجله الله تعالى في القرآن الكريم:

    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ …) (الفتح : 29)

    هذا عن لفظ (محمد) في لسان العرب وهو غيض من فيض من المعاني الإشتقاقية الكثيرة التي يذخر بها لسان العرب، أوردته للإستدلال ولم أقصد به البسط في المقال.

    [iii]
    علمنا أن أصل كلمة (مُحَمَّد) في لسان العرب هو الفعل الماضي الثلاثي المجرد (حَمِدَ) ومضارعه (يَحْمَدُ). يقال: (حمده) على شجاعته (حمداً) أي: أثنى عليه وأطراه. (الحمد) غير (الشكر) لأن (الحمد) يستعمل لخلة / صفة في الممدوح وفيه معنى التعظيم للممدوح وخضوع للمادح. للفظ (حمد) مشتقات كثيرة منها: حامد ومحمود وأحمد وغيرها. بعد هذه المقدمة “العربية” أود الآن أن أعرض بعض ما يبوح به اللسان العبراني بهذا الخصوص بتوفيق الله.

    يوجد لفظ (حمد) كذلك في اللسان العبراني القديم بحروفه الثلاثة الحاء ח والميم מ والدال ד، ورسمه بالتشكيل هكذا: חָמַד ونطقه هكذا: حَمَدْ، كما وردت بعض مشتقات ذلك اللفظ المشترك بين العربية والعبرية في العهد القديم. أما لفظ (محمد) فقد ورد رسمه في نشيد الأنشاد، الإصحاح الخامس، العدد السادس عشر، بالشكل التالي: מַחֲמַדִים ونطقه كالتالي: مَحَمَدِيم، وذلك في السياق التالي:

    חִכּוֹ מַמְתַקִים וְכֻלּוֹ מַחֲמַדִיםזֶה דוֹדִי וְזֶה רֵעִי בְּנוֹת יְרוּשָׁלָיִם


    والذي يمكن التعبير عن منطوقه العبراني باستخدام الحروف العربية التالية بصورة قريبة جدا، وهي:

    حِكُّو مَمْتَقِيم وكُلُّه مَحَمَدِيم
    زِه دُودِي وْزِه رِيعِي بْنُوتْ يِرُوشَاليم

    أما ترجمته العربية الرسمية فهي كالتالي:

    حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ
    هذَا حَبِيبِي وَهذَا خَلِيلِي يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ

    حيث تم ترجمة كلمتنا محل البحث إلى لفظ (مشتهيات). أقول: هناك ثلاث إشكالات لسانية فيما يتعلق بدلالة لفظ מַחֲמַדִים على اسم النبي الخاتم صلوات الله عليه هي: الجمع والتشكيل والسياق، وفيما يلي أتناول كل واحدة منها بصورة سريعة.

    الإشكال الأول: الجمع
    تتكون كلمة מחמדים في الواقع من جزئين هما מחמד و ים، أما מחמד فهو لفظ مفرد، وأما ים فهي علامة الجمع المذكر. إذا كانت الكلمة تدل على نبي الهدى فكيف جاءت بصيغة الجمع؟ أقول: الجمع في اللسان العبراني القديم نوعان: جمع العدد وجمع الإجلال، ولا يمتنع عقلاً أن يكون الجمع هنا هو وجمع الإجلال Pluralis majestatis على غرار لفظ אֱלֺהִים والذي يترجم إلى God باللسان الإنجليزي أي إله وليس آلهة.

    الإشكال الثاني: التشكيل
    الشكل الرسمي لكلمة מחמדים كما هو مثبت في ال Biblia Hebraica Stuttgartensia المصدر الرسمي المعتمد في أكاديميات اللاهوت البروتستانتي هو: מַחֲמַדִים ومنطوقه هكذا: مَحَمَدِّيم وليس هكذا: مُحَمَّدِيم، فإذا كانت الكلمة تدل على نبي الهدى فكيف جاءت بتشكيل مختلف؟ أقول: العبرة إنما تكون أولا بالرسم ثم بعد ذلك بالشكل، أما الرسم فلا خلاف عليه أنه يتكون من حروف الميم מ والحاء ח والميم מ والدال ד، وأما التشكيل فليس حجةً دامغةً ما دام الرسم أقدم من الشكل، حيث يعود الرسم لآلاف مرت من السنين قبل عصر المسيح بينما يعود الشكل المتعارف عليه اليوم إلى القرن العاشر الميلادي فقط، أي أن تلك الجملة أخذت قبل القرن العاشر الميلادي الصورة التالية الخالية من التشكيل:

    חכו ממתקים וכלו מחמדיםזה דודי וזה רעי בנות ירושלים
    ومن غير الممتنع أن الكلمة كانت تلفظ في الأصل هكذا: مُحَمَّدِيم ثم جاء التشكيل القياسي masoretisch باللفظ الحالي: مَحَمَدِّيم لسبب أو لآخر.

    الإشكال الثالث: السياق
    لعل إشكالية السياق هي أقوى الإشكالات الثلاث، حيث يجري الكلام في ظاهره على لسان تلك الفتاة السمراء الجميلة المفعمة بثورة الأنوثة وهي تتغزل وتتمدح في عشيقها قائلة: حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ هذَا حَبِيبِي وَهذَا خَلِيلِي يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، فإذا كانت الكلمة تدل على نبي الهدى فكيف جاءت في مثل هذا السياق؟ أقول: يؤمن كثير من أهل الكتاب بأن معاني سفر نشيد الأنشاد ليست حقيقية وإنما مجازية، وإلا يلزمهم وصف كتابهم بأنه كتاب إثارة وشهوة جنسية erotisch مثلا عند قراءة النصوص التالية:

    (1) (مَا أَجْمَلَ رِجْلَيْكِ بِالنَّعْلَيْنِ يَا بِنْتَ الْكَرِيمِ! دَوَائِرُ فَخْذَيْكِ مِثْلُ الْحَلِيِّ، صَنْعَةِ يَدَيْ صَنَّاعٍ. 2 سُرَّتُكِ كَأْسٌ مُدَوَّرَةٌ، لاَ يُعْوِزُهَا شَرَابٌ مَمْزُوجٌ. بَطْنُكِ صُبْرَةُ حِنْطَةٍ مُسَيَّجَةٌ بِالسَّوْسَنِ. 3 ثَدْيَاكِ كَخَشْفَتَيْنِ، تَوْأَمَيْ ظَبْيَةٍ. 4 عُنُقُكِ كَبُرْجٍ مِنْ عَاجٍ. عَيْنَاكِ كَالْبِرَكِ فِي حَشْبُونَ عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ. أَنْفُكِ كَبُرْجِ لُبْنَانَ النَّاظِرِ تُجَاهَ دِمَشْقَ. 5 رَأْسُكِ عَلَيْكِ مِثْلُ الْكَرْمَلِ، وَشَعْرُ رَأْسِكِ كَأُرْجُوَانٍ. مَلِكٌ قَدْ أُسِرَ بِالْخُصَلِ. 6 مَا أَجْمَلَكِ وَمَا أَحْلاَكِ أَيَّتُهَا الْحَبِيبَةُ بِاللَّذَّاتِ! 7 قَامَتُكِ هذِهِ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ، وَثَدْيَاكِ بِالْعَنَاقِيدِ. 8 قُلْتُ: «إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بِعُذُوقِهَا». وَتَكُونُ ثَدْيَاكِ كَعَنَاقِيدِ الْكَرْمِ، وَرَائِحَةُ أَنْفِكِ كَالتُّفَّاحِ، 9 وَحَنَكُكِ كَأَجْوَدِ الْخَمْرِ) (نشيد الأنشاد 7 : 1 - 9)(2) (فَلَمَّا رَأَتْ أُخْتُهَا أُهُولِيبَةُ ذلِكَ أَفْسَدَتْ فِي عِشْقِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، وَفِي زِنَاهَا أَكْثَرَ مِنْ زِنَا أُخْتِهَا. 12 عَشِقَتْ بَنِي أَشُّورَ الْوُلاَةَ وَالشِّحَنَ الأَبْطَالَ اللاَّبِسِينَ أَفْخَرَ لِبَاسٍ، فُرْسَانًا رَاكِبِينَ الْخَيْلَ كُلُّهُمْ شُبَّانُ شَهْوَةٍ. 13 فَرَأَيْتُ أَنَّهَا قَدْ تَنَجَّسَتْ، وَلِكِلْتَيْهِمَا طَرِيقٌ وَاحِدَةٌ. 14 وَزَادَتْ زِنَاهَا. وَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَى رِجَال مُصَوَّرِينَ عَلَى الْحَائِطِ، صُوَرُ الْكَلْدَانِيِّينَ مُصَوَّرَةًٍ بِمُغْرَةٍ، 15 مُنَطَّقِينَ بِمَنَاطِقَ عَلَى أَحْقَائِهِمْ، عَمَائِمُهُمْ مَسْدُولَةٌ عَلَى رُؤُوسِهِمْ. كُلُّهُمْ فِي الْمَنْظَرِ رُؤَسَاءُ مَرْكَبَاتٍ شِبْهُ بَنِي بَابِلَ الْكَلْدَانِيِّينَ أَرْضُ مِيلاَدِهِمْ، 16 عَشِقَتْهُمْ عِنْدَ لَمْحِ عَيْنَيْهَا إِيَّاهُمْ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ رُسُلاً إِلَى أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ. 17 فَأَتَاهَا بَنُو بَابِلَ فِي مَضْجَعِ الْحُبِّ وَنَجَّسُوهَا بِزِنَاهُمْ، فَتَنَجَّسَتْ بِهِمْ، وجَفَتْهُمْ نَفْسُهَا. 18 وَكَشَفَتْ زِنَاهَا وَكَشَفَتْ عَوْرَتَهَا، فَجَفَتْهَا نَفْسِي، كَمَا جَفَتْ نَفْسِي أُخْتَهَا. 19 وَأَكْثَرَتْ زِنَاهَا بِذِكْرِهَا أَيَّامَ صِبَاهَا الَّتِي فِيهَا زَنَتْ بِأَرْضِ مِصْرَ. 20 وَعَشِقَتْ مَعْشُوقِيهِمِ الَّذِينَ لَحْمُهُمْ كَلَحْمِ الْحَمِيرِ وَمَنِيُّهُمْ كَمَنِيِّ الْخَيْلِ. 21 وَافْتَقَدْتِ رَذِيلَةَ صِبَاكِ بِزَغْزَغَةِ الْمِصْرِيِّينَ تَرَائِبَكِ لأَجْلِ ثَدْيِ صِبَاكِ) (حزقيال 23 : 11 - 21)


    إزاء تلك النصوص وغيرها يلجأ مفسرو وشرَّاح العهد القديم لأسلوب المجاز واصفين الزنا المذكور بسفر حزقيال مثلاً بأنه خيانة الرب!!! بنفس ذلك المنطق المجازي يمكن الزامهم بأن السياق محل بحثنا هو كذلك سياق مجازي، فالفتاة التي تترنم هي رمز لبني إسرائيل، وغزلها ما هو إلا شوقها الروحي لذلك المنتظر، أما المنتظر فما هو إلا نبي آخر الزمان الذي صرحت باسمه الذي يهفو قلبها ووجدانها لتعاليمه!!! أوليس هذا منطقهم؟ إذاً فليقبلوا ذلك الإلزام …

    أما إن كانوا لا يقولون بالمجاز ويتذرعون بالحقيقة فليتفضلوا عندئذً بشرح المعاني الحقيقية الواردة في النص أعلاه بسفر حزقيال وبيان علاقته بالإلهيات والقداسة والإيمان، وعندها سيكون لنا معهم حديثٌ غير هذا.
    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

    تعليق


    • #17
      [17] المصادر الفلسفية اللاهوتية للمسيحية

      يظن عوامُّ المثقفين أن الأسس الفلسفية اللاهوتية للمسيحية من وضع بولس في البداية ثم إضافات أوجستينوس وتوماس أكويناس وغيرهم بعد ذلك، وهذا خطأ كبير، فأصحابُ تلك الأسماء اقتصر دورهم على تقديم اللاهوت المسيحي في صورة فلسفية، تلك الصورة الفلسفية لم تكن من وضعهم هم، لكنها كانت من وضع فلاسفة - وثنيين - سابقين على المسيحية مثل بلاتون (أفلاطون) ولاسيما نظريته في المُثُل وقِدم الأرواح وغيرها، لذلك فإن دراسة الفلسفة الأفلاطونية جزء أساسي من أجزاء المنهج التكويني في كليات اللاهوت، لا سيما الكاثوليكي، في جامعات الغرب. إضافة إلى أفلاطون استفاد اللاهوتيون بشكل أكبر ومركز من فيلسوف معاصر للمسيح لا يعرفه كثير من الناس لكنه ذو أثر خطير جداً على الفكر الفلسفي المسيحي وهو الفيلسوف اليهودي فيلوس ألكساندريوس (فيلون السكندري) صاحب نظرية اللوجس الشهيرة والتي تبناها يوحنان (يوحنا) اللاهوتي في انجيله وعليها مدار العقيدة المسيحية في جزءها الأول، وهي عقيدة التثليث. أما الفيلسوف الثالث من الفلاسفة الوثنيين الذين استخدم اللاهوتيين تعاليمهم لصياغة الفكر الفلسفي المسيحي فهو بلوتين (أفلوطين) أبرز مفكري المدرسة الأفلاطونية الحديثة والذي ولِد بعد عصر المسيح وعاش في مصر ثم في روما.

      هؤلاء الثلاثة هم الفلاسفة الحقيقيون للفلسفة اللاهوتية المسيحية (أرجو التفرقة بين اللاهوت المسيحي كتخصص ديني، وفلسفة اللاهوت المسيحي كتخصص فلسفي). أما اللاهوتيون المتقدمون كبولس الرسول أو يوحنان الإنجيلي أو آباء الكنيسة كأوجستينوس وبوئيثوس أثناسيوس السكندري، أو المدرسيون كتوماس أكويناس، ومارسيليو دي بادو وغيرهم فاقتصر دورهم على صياغة تلك التعاليم الفلسفية في قالب لاهوتي بسيط، وبرغم ذلك لم يتقبله العقلُ، مما دعى بتوماس أكويناس لصياغة نظريته الشهيرة في مذهب الحقيقة المزدوجة، والتي تزعم أن فكرة ما ربما لا يقبلها العقل وتكون برغم ذلك صحيحة لاهوتياً، وهي نظرية فاسدة الهدف منها ترويج اللاهوت المسيحي بين الناس على أساس أنه مسألة قلبية، ومازالت تلك النظرية الأكوينية سائدة في الأوساط الكنسية المختلفة إلى يومنا هذا.

      فإذا رجعنا إلى مثلث الفلاسفة المؤسسين لفلسفة اللاهوت المسيحي، أفلاطون وفيلون وأفلوطين، لوجدنا اثنين منهما قد عاشا في مصر، وهما فيلون وأفلوطين، مما يلقي بظلالٍ من الشك حول مدى استفادتهم من الفلسفة المصرية القديمة ولا سيما فلسفة الصليب وفلسفة الثالوث اوزوريس وايزيس وحورس بسميائيتهما الواضحة، لصياغة فكر تثليثي جديد تم تطويره وتطبيقه على الفكر المسيحي في صورة جديدة تستند على دعامتين تشكلان محور اللاهوت المسيحي وهما دعامة الأقانيم الثلاثة، أو الإله الواحد الجوهر المثلث الأقانيم، ودعامة الصلب والفداء.

      فيلون Philon

      ولِد فيلون يوديوس (أي: اليهودي)، ويعرف كذلك باسم فيلون ألكساندريوس (أي: الإسكندري) بمصر عام 20 قبل الميلاد، وتوفي عام 50 ميلادية، وهو بهذا يكون معاصراً ليسوع وبولس. سعى فيلون لإحداث مصالحة وتوفيق بين الفلسفة الكلاسيكية من جانب والعهد القديم اليهودي من جانب آخر، فخرج بنتائج عجيبة، فمثلاً:

      تقرر الفلسفة الكلاسيكية، لا سيما البلوتونية، مسألة قِدم وأزلية مادة العالم، بينما يقرر العهد القديم حدوث العالم نفسه، فأراد فيلون التوفيق بين المدرستين فقال إن الله أحدثَ العالمَ، لكن ليس من العدم، لكن من المادة الأزلية. جديرٌ بالذكر أن هناك آراء فلسفية إسلامية تتبنى هذا الرأي كرأي الفيلسوف ابن سينا مثلاً.

      أما الأثر الأكبر لفلسفة فيلون على اللاهوت المسيحي فيتجلى في قضية اللوجوس، إذ قام بتطوير علم اللوجوس الإلهي وعرض قضية تثليث الإله وفق نظريته تلك، فيرى فيلون أن خلق العالم حدث عن طريق الكلمة الإلهية، أي: اللوجوس، واصفاً تلك الكلمة بصفات محددة مثل: مثال المُثُل / قوة القوى / المبعوث الأعلى / الإله الثاني / الولد البكر للإله وغير ذلك من النعوت. وفق هذه الفلسفة يرى فيلون أن اللوجوس هو حلقة الوصل أو القنطرة بين الله والعالم.

      كما تأثرت المسيحية بفلسفة التثليث التي صاغها بلوتين في بدايات القرن الميلادي الثالث، فإنها تأثرت وبدرجة أعمق بفلسفة اللوجوس والتثليث الفيلوني في بدايات المسيحية، ويؤكد مؤرخو الفلسفة على أن فيلون ألسكاندريوس هو المؤسس الحقيقي لفلسفة التثليث المسيحية، تلك الفكرة التي تلقاها بولس الطرسوسي وقام بإلباسها ثوباً يسوعياً يشكل أحد أهم مرتكزات اللاهوت المسيحي البولِسِي.

      بلوتين (أفلوطين) Plotin

      لا يعرف أحدٌ على وجه الدقة شيئاً عن أصل أفلوطين، وكل ما هو معروف عنه بهذا الصدد - حسب علمي - أنه ولِد في مصر في عام 204 ميلادية، ونشأ وفق تقاليد يونانية خالصة، وتوفي بروما عام 270 ميلادية، وكان آخر مفكري العصر الروماني الكبار.

      تأثر بلوتين بالفلسفة الأفلاطونية وكان أول ما فعله بعد استقراره في روما أن أنشأ مدرسة فلسفية أفلاطونية وظل يدرس بها نحو عقداً أو عقدين (على اختلاف الكتاب) أسس خلالها قواعد الفلسفة الأفلاطونية الحديثة.

      يمكن تلخيص الفلسفة اللاهوتية لبلوتين في جمل محدودة حيث اعتقد في إلهٍ مثلث الأجزاء، وكان الثالوث البلوتيني يختلف عن الثالوث المسيحي في أمرين:

      - تكون الثالوث البلوتيني من "الواحد" و"الروح" و"النفس"، بينما تكون الثالوث المسيحي من "الأب" و"الإبن" و"الروح القدس".

      - مثَّلت أجزاء الثالوث البلوتيني درجات بعضها فوق بعض، بينما يمثل الثالوث المسيحي درجة واحدة من حيث الجوهر لكنها مثلثة الأقانيم.

      لكن يمكن القول - إجمالاً - أن اللاهوت المسيحي قد استفاد كثيراً من الفلسفة الأفلاطونية الحديثة التي كان بلوتين أبرز روادها، لذلك قال الفيلسوف الألماني الكبير البروفيسور فريدريش نيتشه في كتابه (ضد المسيح): إن المسيحية هي أفلاطونية حديثة بالنسبة للشعب البسيط، وقد أكد ذلك المعنى الفيلسوف الألماني الكبير البروفيسور مارتين هايدجر في كتابه (نيتشه).

      تندرج فلسفة بلوتين تحت إطار "الفلسفة الأفلاطونية الحديثة"، وهذه تندرج بدورها تحت الإطار العام للفلسفة الكلاسيكية أي "الفلسفة اليونانية والرومانية القيصرية"، وبين الإطارين توجد حلقة وصل تمثلها إرهاصات تقوم على دعامتين: الفلسفة البيتاجورسية "الفيثاغورسية" الحديثة وفلسفة فيلون ألكساندريوس. وإذ يقول المفكر الفرنسي مونتسكيو إن الإنسانَ ابنُ بيئته، فيمكننا إذن رصد البيئة الفكرية التي تولدت عنها فلسفة بلوتين بصفة عامة وفلسفته في التثليث بصفة خاصة، وهي بيئة ذات ثلاث شُعب، هي: (1) الفلسفة الكلاسيكية عموماً والأفلاطونية خصوصاً. (2) فلسفة فيلون ألكساندريوس. (2) الفلسفة المصرية الدينية القديمة.

      أما عن المسيحية الحالية فأقول:

      المسيحية بصورتها الحالية لا تمثلُ ديناً، لكنها تمثلُ فلسفةً بكل ما تحمله الكلمة من معاني، وهي نسخة مبسطة متولدة عن الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، وما أدق وصف الفيلسوف الألماني الوجودي العبقري البروفيسور فريدريش نيتشه للمسيحية حينما أشار - كما ذكرتُ أعلاه - إلى أن المسيحية تمثلُ الصورة الشعبية المبسطة للفلسفة الأفلاطونية الحديثة، وهذا ما دعا آباء الكنيسة ومفكريها، وتحديداً قديس الكاثوليك توماس الأكويني إلى ابتكار حيلة أو مخدر لتمرير تناقضات المسيحية على عقول البسطاء فوضع مذهب الحقيقة المزدوجة، لذلك فإنك كثيراً ما تسمع من اللاهوتيين، فضلاً عن العوام بطبيعة الحال، إقرارهم بامتناع اللاهوت المسيحي على العقل، ومع ذلك فإنهم يقبلونه باعتباره حالة قلبية إيمانياً، لذلك فإني أتفهم تماماً قول الفيلسوف الألماني المادي الكبير كارل ماركس: "الدين أفيون الشعوب"، إلا إنني أعدِّل عبارته لتصبح: "المسيحية البُولِسِية أفيونُ الشعوب"، وما تحرر الغربُ إلا حينما ألقى الجدل اللاهوتي المسيحي وراء ظهره.
      كَتَبَه:

      أبو إسحاق النَّظَّام
      _________


      (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


      (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

      تعليق


      • #18
        [18] قراءة فيلولوجية في عبارة "إيلي إيلي لما شبقتني" (الجزء الأول)

        أولاً: عبارة متَّى في الترجمة العربية

        (وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟) (متى 27 : 46)

        ثانياً: عبارة مرقص في الترجمة العربية

        (وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً:«إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟) (مرقص 15 : 34)

        من خلال المقارنة بين النصين نلاحظ الإتفاق حول تفسير اللفظ بقولهما: (إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟)، لكنَّا نلاحظ كذلك الإختلاف في اللفظ نفسه، أو بصورة أدق: في بعض أجزاء اللفظ، فمتَّى يقول: (إِيلِي، إِيلِي) بينما يقول مرقص: (إِلُوِي، إِلُوِي)

        فما هي الحكاية؟

        لما كانت أقدم نسخ العهد الجديد التي بين أيدينا مكتوبة باللسان اليوناني فلا مناص إذاً من العودة إليها.

        ثالثاً: عبارة متَّى في النص اليوناني

        (Ἠλὶ ἠλὶ, λιμᾶ σαβαχθανί) (Mt 27 : 46)

        رابعاً: عبارة مرقص في النص اليوناني

        (Ἐλωῒ Ἐλωῒ, λιμᾶ σαβαχθανί) (Mk 15 : 34)

        فماذا نلاحظ؟

        نلاحظ إتفاقاً حول الشطر الثاني من العبارة وهو (λιμᾶ σαβαχθανί) واختلافاً حول الشطر الأول منها، فمتَّى يقول: (Ἠλὶ ἠλὶ) وتنطق: إيلي إيلي، ومرقص يقول: (Ἐλωῒ Ἐλωῒ) وتنطق: إلوي إلوي،

        فما هي الحكاية؟

        إذا أخذنا لفظ الجلال "الله" بين العربية والآرامية والعبرية (المداخلة الثانية في هذا الشريط) في الإعتبار فيمكن تلخيص بعض ما تقدم من خلال النقطتين التاليتين:

        - لفظ "إلهي" العربي والآرامي ولفظ "إلوهي" العبري بمعنى واحد وإن اختلفت طريقة التلفظ به.

        - لا وجود للفظ "إلوي" لا في العربية ولا في الآرامية ولا في العبرية، وإنما نتج ذلك عن محاولة كتابة لفظ "إلوهي" العبري بالحروف اليونانية والتي تخلو أصلاً من حرف الهاء، إذ يستعيض عنه اليونان بعلامة spiritus asper، وذلك في أول الكلمة فقط. أما حرف H اليوناني فليس هو الهاء، كما في اللاتينية واللغات المشتقة منا مثل الإنجليزية، وإنما هو حرف الياء الممدودة حينما تأتي في أول الكلمة، فإن جاءت في وسطها أو آخرها رسمت هكذا η، أما حرف E اليوناني فهو كذلك ياء، إلا أن هذه قصيرة وتلك ممدودة. لذلك فإنه من غير الممكن رسم كلمة "إلوهي" العبرية بالحرف اليوناني، فتم كتابتها "إلوي" بإسقاط الهاء.

        هذا عن "إلهي" و"إلوهي" و"إلوي"، فماذا عن "إيل"؟

        معنى "إيل"
        لنلاحظ كلمات مثل "اسرا - ئيل" و "جبرا - ئيل"، و"ميكا - ئيل" وغيرها، وتحديداً المقطع الثاني "إيل" في كل منها بحروفه الثلاثة الهمزة والياء واللام. هذا اللفظ عبارة عن كلمة عبرية وليست آرامية، وهي مشتقة من لفظ "إلاه" حيث تشترك معها في جميع الأحرف الساكنة إلا أنها تخلو من حرف الهاء، وتجمع على "إليم". يستخدم العبرانيون لفظ إيل אֵל بمعنى אֱלֹהּ، ويترجمها البعض إلى "رب" وهذا خطأ، لأنها مشتقة من "إلاه" فتترادف معها.

        بناءاً على ذلك فإن لفظ "إلي" ولفظ "إلوهي" كلاهما عبري وليس آرامي ومقابلهما الآرامي هو "إلهي" كما في العربية تماماً.

        بهذا نصل إلى ختام المباحث المتعلقة بلفظي "إيلي" الذي استخدمه متَّى، و"إلوهي" الذي استخدمه مرقص مرسوماً بالحرف اليوناني هكذا "إلوي"، فماذا عن "شبقتني"؟
        كَتَبَه:

        أبو إسحاق النَّظَّام
        _________


        (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


        (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

        تعليق


        • #19
          [19] قراءة فيلولوجية في عبارة "إيلي إيلي لما شبقتني" (الجزء الثاني)

          شبقتني
          علمنا مما تقدم أن لفظي "إيلي" و"إلوهي" عبريان وليسا آراميين، ومن ثم فإننا نتوقع أن لفظ "شبقتني" هو كذلك عبري، لكن توقعنا سيخيب هنا، لأن ذلك اللفظ آرامي وليس عبرياً! إنه تركيب مدهش جداً في واقع الأمر، إلوهي إلوهي ... شبقتني، فشطره الأول عبري بينما شطره الثاني آرامي، فما هي الحكاية؟

          يتكون الفعل الآرامي الماضي الثلاثي المجرد שְׁבַק من ثلاثة أحرف هي الشين والباء والقاف، لكن الغريب هو أن الرسم اليوناني للفظ، كما تقدم، هو: σαβαχθανί حيث يبدأ بالسين وليس بالشين، فلماذا؟ السبب ببساطة أن كلاً من حرف الشين שׁ (النقطة على اليمين) والسين שׂ (النقطة على الشِمال) كان يكتب في العبرانية القديمة بدون نقطة أساساً، أي هكذا ש، مما أحدث خلطاً عن كتابة الحرف اليوناني فتمت كتابة اللفظ بالسين σ بدلا من الشين χ. أما الطريقة التي استخدمها الطِّبريّون في تنقيطهم فكانت بالشين، وليس عندنا في واقع الأمر دليل قاطع على هذا الأمر، فربما كانت تنطق فعلاً بالسين لا بالشين، أي "سبقتني"، وليس "شبقتني"، لكني سأعتمد هنا على النسخة القياسية ل Biblia Hebraica حيث تكتب بالشين كما في سفر دانيال مثلاً.

          اخترتُ سفر دانيال لكونه السفر الوحيد، إضافة لسفر عزرا، الذي كٌتب جله بالآرامية، لا بالعبرية حيث وردت تلك المادة بصيغة المبني لما لم يُسمَّ فاعله (المبني للمجهول) في (Daniel 2 : 44) هكذا: תִּשְׁתְּבִק. أما معنى تلك الكلمة، شبق، في ذلك اللسان هو "ترك" كما تشير المعاجم القياسية مثل جيزينيوس مثلاً. لذلك يتم ترجمة الكلمة إلى "تركتني".

          قرأتُ تعليقاً لكاتب عُماني "خميس العدوي" يقول فيه:

          (أما نحن أهل عمان فنستخدم كلمة (شبق) بنفس المعنى الذي استخدمه "يسوع" وهو اللصق على الشيء، ومنه الصلب، فالذي يلصق على الصليب يقال له شبقت يداه على اللوح ... وأكيد هذا المعنى لا يعرفه الناطقون باليونانية؛ فهو لهجة من لهجات العرب التي لا تزال موجودة عندنا في عمان، أو في كثير من مناطقها).

          لفتَ ذلك الكلام انتباهي وأثار عندي فضولاً علمياً لم أستطع مقاومته لمزيد من البحث لمقاربة ذلك اللفظ، فماذا وجدتُ؟ لقد وجدتُ نصين مهمين لهما ارتباط وثيق بتلك الكلمة:

          أولهما: نص النبي دانيال الآرامي والذي جاءت فيه مادة تلك الكلمة فعلاً بمعنى يدل على الترك، ترجمته العربية هي: (وَفِي أَيَّامِ هؤُلاَءِ الْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لاَ يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ.) (دانيال ٢ : 44)، والشاهد فيها كلمة "يترك" أي "تشتبق" بالآرامية. أما معنى اللصق ومشتقاته فسيبدو غير منسجم في السياق.

          ثانيهما: نص عجيب، لكنه نص عبري وليس آرامياً، وترجمته العربية هي: ( إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي ...) (مزامير 22 : 1)، حيث يكاد يتطابق، بل هو متطابق فعلاً في الترجمة العربية، مع نصي متَّى ومرقص، علماً بأن ذلك النص في العهد القديم وذانك النصان في العهد الجديد، فما هو الجديد؟

          الجديد هو أن اللفظ المستخدم في المزامير هو:

          (אֵלִי אֵלִי לָמָה עֲזַבְתָּנִי) (Ps 22 : 1)

          أي "إيلي إيلي لما عزبتني"، باستخدام حرف الزاي "ز" وليس حرف الذال "ذ"، لكن الدارس للغات السامية يعلم أن العبرانيين يستخدمون حرف الزاي للإشارة بدلاً من الذال، لذلك فليس ببعيد أبداً، من وجهة نظر فيلولوجيا اللسان العبري، أن يكون اللفظ المشار إليه هو "عذبتني". جدير بالذكر أن بعض النسخ العربية تستخدم لفظ "أصبتني" وهو خطأ، لأن النص العبراني الأصلي يخلو من الألف والصاد، بل يستخدم العين والزاي (الذال).

          بذلك نصل إلى "نظرية" مدهشة وممتعة توفق بين الآراء جميعها، وذلك لو قرأنا النص الآرامي لمتَّى مثلاً في ضوء النص العبري للمزمور الثاني والعشرين. إن فعلنا ذلك وقمنا بمضاهاة الكلمة الآرامية "شبقتني" مع الكلمة العبرية "عذبتني" وجدنا أن كلام الكاتب العُماني خميس العدوي ينسجم تماماً مع السياق المذكور في سفر دانيال، لأن ترك المملكة هنا ليس تركاً عادياً، وإنما هو ترك للعذاب، لذلك جاءت مفردات دالة على ذلك عند دانيال مثل "فَتَتَسَلَّطُ"، "يَدُقُّ وَيَسْحَقُ"، "يُكَسِّرُ تَسْحَقُ وَتُكَسِّرُ"، وغير ذلك من الألفاظ الدالة على العذاب.

          حتى في اللغة العربية، سواء اللهجة العمانية أو الفصحى، تدل مادة "شبق" على العذاب، فشدة الإغتلام الجنسي مثلاً هو عذاب، معنوي ومادي، لذلك سمي شبقاً.

          نقطة أخرى أود الإشارة إليها وهي أنه لا يلزم من ذلك أن القائل "شبقني" هو عربي اللسان، وذلك لاشتراك اللسان العربي مع اللسانين العبري والآرامي في كثير من المفردات، حيث أنها جميعاً أغصان دوحة واحدة هي دوحة اللغات السامية، وإن كان ليس ببعيد أن تكون العربية هي أصلها، والباقي فروعها.

          وجه آخر حول جملة "عزبتني"
          هناك وجه ثانٍ لتفسير جملة "عزبتني" يتعلق بإمضاء اللفظ على ظاهره، أي بحرف الزاي، دونما حاجة لافتراض وجود حرف الذال. ربما يختلف القالبُ الجديد مع ما تقدم إلا أن قلبَه يستوعب ما مرّ. لنقرأ قول الله تعالى في البلاغ المبين:

          (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (سبأ : 3)

          والشاهد فيه هو فعل "يعزب" فما معناه؟ الفعل العربي الماضي الثلاثي المجرد عَزَبَ يَعْزُبُ معناه: بَعُد، و في الحديث: "من قرأ القرآن في أربعين ليلة فقد عزب" أي بعُد عهدٌه بما ابتدأ منه و أبطأ في تلاوته. يدل هذا الفعل في اللسان العربي على معاني البعد والهجر والترك وما إلى ذلك.

          نفسُ المعنى العربي يحمله الفعل العبري الماضي الثلاثي المجرد עָזַב، بالعين الممدودة (حركة مد طويل) والزاي المحدودة (حركة مد قصير) والباء الساكنة، أي معنى الترك والتخلي. من هنا يصح إمضاء لفظ "عزبتني" العبري الوارد في المزمور الثاني والعشرين بمعنى "هجرتني" أو "تركتني".

          الجمع بين الوجهين
          أما الوجه الأول فهو: "عزبتني" معناها "عذبتني" بافتراض أن الزاي هنا ذالاً. وأما الوجه الثاني فهو: "عزبتني" معناها "تركتني" أو "هجرتني"، والجمع بينهما أن يكون المقصود هو "الهجر المفضي إلى العذاب" أو "العذاب المتولد عن الهجر"، والعذاب قسمان، عذابٌ معنوي كهجران المحبوب، وهو المعنى الغالب في المزمور، وعذابٌ مادي كالألم، وهو المعنى الغالب عند متَّى ومرقص.
          كَتَبَه:

          أبو إسحاق النَّظَّام
          _________


          (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


          (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

          تعليق


          • #20
            [20] قراءة فيلولوجية في عبارة "إيلي إيلي لما شبقتني" (الجزء الثالث)

            فيما يلي أقدم بعض أسئلة وتعليقات القراء (باللون الأحمر) مع أجوبتي عليها.

            1. اتصور انه تم ( استقراء ) هذه القواعد من ( الكتابات الموجودة بالفعل ) فهذه النظريات اللسانية , اصلها ( كتابات ) قديمة وصلت الينا ,و قمنا بتحليلها , و وصلنا الي بعض العلاقات , كانت هي منشأ تلك النظريات . و عندما نحاكم بهذا الاستقراء نصا قديما , تبرز مشكلة ( الدور ) كما يسميها ال المنطق . فكان يجب ان يكون ( نص الكتاب ) نفسه مصدرا , نضيف الي معلوماتنا ما جاء فيه , لا ان نأخذ من الكتب ( استقراءات ) ثم ندين ( شواذ ) هذه الاستقراءات ان صحت تسميتها ( شواذا ) .فاتمنى ان تصحح لي ما سبق .

            بالنسبة لقضية الدور فالوضع مختلف لأن الدراسات الفيلولوجية تعتمد على المنهج المقارن، ومثال ذلك أن أسفار العهد الجديد مثلاً مدونة باللسان اليوناني، وكتابات الفلاسفة الذين عاشوا وماتوا قبل ذلك، كفلاسفة أثينا مثلاً، مدونة كذلك باليونانية، ولما كنا ندرس اليونانية الكلاسيكية لاحظنا وجود علاقات هيكلية معينة في الأسلوب من حيث المعنى ومن حيث المبنى، ثم حينما انتقلنا لدراسة يونانية العهد الجديد لاحظنا منظومة أخرى، يمكن أن نصفها بأنها منظومة عامية وليست فصحى، فإذا طبقنا كلامك في اتخاذ "الكتاب" مصدراً ذاتياً لن يتضح لنا ذلك الأمر، ولكن من خلال المقارنة نلاحظ الفارق أو الفوارق. أما "الدور" فإنما يتحقق لو رجعنا لمصدر معين هو x مثلاً وأخذنا منه الأحكام ثم قمنا بتطبيقها عليه ذاته، أما لو أخذنا الأحكام من مصدر سابق هو x ثم طبقناها على مصدر لاحق هو y فلا دور هنا. لكني لا أنفي بطبيعة الحال إمكانية عزل كتاب معين x ومحاولة استخلاص بنيته الداخلية والكشف عنها، لكن لا يسمى هذا منهج ديناميكي وإنما يسمى منهجاً استاتيكياً وصفياً.

            2. قرأتُ ما كتبتَه حول لفظة شبقتني ومع أهمية ما ذكرتَه لكن أرى عدم انسجامه مع المعنى في العربية – التي هي أم "اللغات السامية" أو هي الشقيقة الكبرى لها - إذ تحمل شبق بالمعنى الذي ذكرتَه على العذاب، ومعنى شبق عندنا هو لصق ولحم وربط، صحيح أن الترك هو عذاب، واللصق "الصلب" هو عذاب، لكن البنية اللغوية اللسانية تعطي لكل معناه الذي تطور إليه. فشبق حتى في العربية الفصحى تطور في هذا الإطار، فالشبق وهو الغلمة في بعض معانيه بالمقام الأول هو لذة وليس عذاباً، وإنما ما يدل عليه –اتفاقاً مع معنى اللهجة العمانية القائمة إلى الآن- هو اللصق، فالشبق –في الفصحى- هو الرغبة الشديدة للالتصاق بالجنس الآخر، وفيه معنى الصلب بين الجنسين حساً ومعنى.

            برغم التشويق في تحليلكم لتطور مادة "شبق" إلا أن استخدام لفظ "شبقتني" بمعنى "ألصقتني" يبدو بعيدا شيئاً ما لسببين، أولهما: أن ذلك المصلوب - بافتراض حدوث الصلب الذي تفضلتَ بنفيه - لم يكن ملتصقاً بالصليب ولكنه كان مُمسمراً عليه ومربوطاً إليه. ثانيهما: إن الفاعل هنا هم أعداؤه وليس الإله حتى يلومه قائلاً "لمَ لصقتني"، فالإله لم "يلصقه" وإنما "لصقه" البيزنطيون بمعاونة اليهود الذين أسلموه على مزاعم العهد الجديد. وذلك على عكس "عزبتني" حيث يدل العزوب على فعل غير ملموس وهو التخلية عن الألطاف والتوفيقات.

            أما تفسير جنابكم بأن "شبق" تعني في اللسان العربي "لصق" جميل حقاً لكن يريد عليه إشكال هو أن ذلك التخريج يستند على إحدى لهجات العرب المعاصرة وليس على الفصحى، فالفصحى تخبر بأن تلك المادة تدل على شدة الإغتلام، وهو عذاب وليس عذباً، لأن الذي يعذب ويحلو هو الجماع نفسه لما فيه من تصريف الشبق، أما الشبق فهو إحتقان ناتج عن تزاحم ماء الرجل مع ما يسببه ذلك من توتر في الأعصاب ورغبه في تصريفه. أي أن الفصحى لا تقول إن الشبق معناه الإلتصاق، لكن لهجة عمان المعاصرة، والتي لا أعرف - وأتحدث عن نفسي - ما إن كانت تدل على هذا المعنى في الماضي أيضاً أم فقط في الحاضر. من أجل إجابة علمية على ذلك يتعين تتبع لفظ "شبق" في لهجات عمان المختلفة عبر الأزمان المختلفة في جميع المصادر الشفهية أو المخطوطة التي ورد بها هذا اللفظ.

            3. لفظة ألوي - مع اعتبارات أخرى - ليست من نفس لهجة شبقتني –رغم أنهما ينتسبان إلى لغة أم واحدة، ولكن يبعد أن يصرخ هذا المصلوب من كلمتين فقط، إحداهما بلهجة وأخرى بلهجة ثانية، ولكن هذا ما يدل بنسبة كبيرة أن الحادثة اختلقت بعد أن خفيت الدلالة التطورية للكلمتين، حتى ظن أنهما من لهجة واحدة

            هذه نقطة جد مهمة، فالجزء الأول من العبارة، وهو الإستغاثة وتوجيه النداء إلى الإله، سواء تم بلفظ إيلي أو إيلوي، هو جزء عبري صرف، والواو في "إلوي" دليل ذلك بسبب الإزاحة الصوتية الكنعانية. أما الجزء الثاني وهو السؤال "لمَ شبقتني" فهو جزء آرامي صرف، لذلك يستغرب المحققون كثيراً هذا التركيب العجيب لجملة من أربعة كلمات صدرها عبراني وعجزها آرامي من المفترض أن تكون آخر كلمات صادرة من شخص وهو يسلم الروح وليست من شخص يريد أن يبرهن على مقدرته ومهارته في الألسن السامية! هذا المزيج الغريب دعا مؤلفي موسوعة الكتاب "المقدس" الصادرة بالألمانية إلى التعليق بقولهم: "من المظنون أن يسوع استخدم النداء العبراني ..." ويقصدون بذلك ما ورد في المزمور الثاني والعشرين "لمَ عزبتني" وليس "لمَ شبقتني" وهذا كلام فحواه الشك في عبارة متى ومرقس وإن لم يصرحوا بذلك، لكن التلميح يغني عن التصريح، والإشارة تغني عن العبارة.


            4. أتفق مع الرأي الذي يقول أن المسيح لم يصلب ولم يقتل

            إختلف الناسُ في مسألة صلب المسيح إلى أربع مقالات:

            [1] أن المسيح صُلبَ وماتَ على الصليب، وهذه دعوى المسيحيين قاطبة وهي - إضافة للتثليث - تشكل جوهر العقيدة المسيحية التي تقول بالصلب والفداء.

            [2] أن المسيح وُضع على الصليب لكنه لم يمُت عليه، وهذه مقالة بعض علماء المسلمين كما أشار إلى ذلك الشيخ محمد رشيد رضا الحسيني رحمه الله في رسالته القيمة "عقيدة الصلب والفداء" وإن لم يتبناها الشيخ رشيد رضا.

            [3] أن هناك واقعة صلب - سواء مات المصلوب أم لم يمت - قد حدثت لكنها تتعلق بشبيه المسيح، وهو يهوذا الإسخريوطي، الذي أوقع الله عليه شبه المسيح عقاباً له على محاولات الخيانة، وهذا رأي برنابا الحواري في إنجيله، الذي تضعه الكنائس ضمن الأبوكريفا، ويقول به معظم مفسري المسلمين.

            [4] أن لم يحدث صلب - فيما يتعلق بهذه القضية - من الأصل لا للمسيح ولا لغيره.

            هذه هي الأقوال التي وقفتُ عليها بهذا الصدد. فيما يتعلق بالمعتقد الإسلامي فإن المسلم يؤمن بأن المسيح - بفرض تعليقه على الصليب كما يرى الفريق الثاني وإن كنتُ لا أقول به - لم يمت مصلوباً ولا مقتولاً.


            5. كنت أطمع أن تتناول الفقرات العشر الأولى من الإصحاح الثاني من كتاب يوحنا والذي يتحدث عن العرس الذي في قانا الخليل. ما يهمني هناك هو: أليس من المحتمل أن الفعل المبني للمجهول "دُعِي" قد يكون الفعل الماضي "دعى"؟

            رجعتُ إلى النص وهو:

            ἐκλήθη δὲ καὶ ὁ Ἰησοῦς καὶ οἱ μαθηταὶ αὐτοῦ εἰς τὸν γάμον


            والشاهد فيه هو كلمة (ἐκλήθη). أقول: تتكون تلك الكلمة من ثلاثة مقاطع، لذا يمكن كتابتها على الصورة التالية:


            ἐ -- κλή -- θη



            حيث يدل المقطع الأوسط klee على معنى الإتصال والدعوة، ومن هنا جاء لفظ call الإنجليزي (ولفظ پاراكليتوس παρα -- κλη -- τος كذلك). أما المقطع الثالث θη فهو الذي يعنينا في تحديد حالة الفعل من حيث البناء للمعلوم أم للمجهول. يدلُ ذلك المقطع على ضمير المفرد الغائب للفعل المبني للمجهول، واسم ذلك الزمن هو Aorist Passiv ويقابل زمن ال Perfectum Historicum في اللاتينية للدلالة على الحدث الماضي الماثل في الأذهان والغير متعلق بفترة ماضية معينة.

            الخلاصة:
            يدل تركيب (ἐκλήθη) ومعناه (دُعِيَ) على البناء للمجهول في الزمن الفائت وليس البناء للمعلوم، وبناء على ذلك يكون لفظ (ὁ Ἰησοῦς) ومعناه (يسوع) نائباً للفاعل وليس الفاعل.

            ملاحظة:
            جدير بالذكر أن النص اليوناني وإن كان أقدمَ النصوص إلا أنه ليس النص الأصلي، أما النص الأصلي - عبرياً كان أم آرامياً - فهو مفقود. أما النسختان الآرامية والعبرية التي بين أيدينا فليست الأصلية وإنما هما نسختان مترجمتان من اليونانية ومثلهما في ذلك مثل النسخة اللاتينية.

            كَتَبَه:

            أبو إسحاق النَّظَّام
            _________


            (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


            (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

            تعليق


            • #21
              [21] أخت هارون (الجزء الأول)

              من الأسئلة التي يطرحها النصارى كثيراً: لماذا نسب القرآن الكريم مريمَ عليها السلام إلى هارون في قوله تعالى حكاية عن قوم مريم (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) [مريم : 28]؟ قبل البدء في الإجابة على هذا السؤال أود تقديم المعلومات التالية كما جاءت في القرآن الكريم و أسفار التوراة التي بين أيدينا والإنجيل معزوة إلى مصدرها بين القوسين.

              أولا: مقدمة قرآنية
              [1] لم يذكر القرآن الإسم العلمي لأم مريم لكنه وصفها بأنها إمرأة عمران: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (آل عمران : 35)

              [2] نسب القرآن مريمَ إلى عمران: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم : 12).

              ثانيا: مقدمة توراتية
              [1] ولد إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام اسماعيلَ واسحقَ وربما غيرهما، وولد إسحقُ عليه السلام عيسو ويعقوبَ وربما غيرهما، وولد يعقوبُ عليه السلام اثني عشر سبطاً منهم يوسف ولاوي ويهوذا وآخرين.

              [2] ولد لاويُ قِهَات وغيره، وولد قهاتُ عمرامَ (عمران) وغيره، وولد عمرامُ موسى وهارون (خروج 6 : 20).

              [3] هارون بن عمران عليه السلام على هذا هو من نسل لاوي بن يعقوب، وفي اللاويين انحصرت الكهانة في بني اسرائيل (عدد 3 : 41).

              [4] داود عليه السلام ليس من نسل لاوي بن يعقوب لكنه من نسل أخيه يهوذا بن يعقوب (صموئيل الأول 17 : 12).

              ثالثاً: مقدمة إنجيلية
              يصمت الإنجيل الذي بين يدينا فيما يتعلق باسم والد مريم فلا نرى له أثراً، أما الزعم بأنها إبنة هالي فهو كذب، لأن هالي هذا هو والد يوسف النجار وليس مريم (لوقا 3 : 23)، وبفرض نسبتها نسبت إليه فإنما على أساس أنه أبوها وليس والدها.

              نتيجة المقدمات الثلاث
              لم يرد إسم مريم أم المسيح منسوباً لوالدها إلا في القرآن الكريم فقط، وقد ذكر القرآن أن اسمه هو عمران. أما التوراة فلم تذكر مريم لكونها دونت في عصر سابق لم تكن مريم ضمن معاصريه، وأما الإنجيل فلم يذكر لها نسباً مما دفع بعض النصارى لنسبتها لرجل لا علاقة بيولوجية بينه وبينها وهو هالي والد يوسف النجار وأما إنجيل يعقوب الذي يزعم فيه أنها بنت يواكيم / يواقيم / يواخيم / ...إلخ فلا يعتبر عند النصارى من الأناجيل القانونية بل من الأبوكريفا.

              لماذا (أخت هارون)؟

              ذكر المفسرون وجوهاً كثيرة أعرضها فيما يلي ثم أتبعها بثلاثة وجوه أنفرد بهما.

              أقوال المفسرين
              [1] لأنها كانت من نسل هارون اللاوي عليه السلام. أقول: قد يستشكل النصارى هذا الوجه لأن الثابت عندهم أنها من نسل داود النبي عليه السلام أي من نسل يهوذا (صموئيل الأول 17 : 12). لكن ربما يصح هذا الوجه من جهة أمها حيث أن زكريا عليه السلام كان زوج خالة مريم واسمها اليزابيث (الياصبات) وكانت تلك من نسل هارون اللاوي.

              [2] لأنه كان في عصرها رجل صالح اسمه هارون كانوا يشبهونها به لتقواها وورعها. أقول: وجه ممكن عقلا لكن لا دليل تاريخي عليه.

              [3] لأنه كان في عصرها رجل طالح اسمه هارون فشبهوها به لظنهم بها ظن السوء. أقول: وجه ممكن عقلا لكن لا دليل تاريخي عليه كذلك.

              الترجيح بين أقوال المفسرين
              إن صح تاريخياً أن مريم من نسل هارون اللاوي يرتفع الإشكال، لأن وصفها بأنها أخت هارون يأتي على غرار قوله تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ...) (الأعراف : 65)، وقوله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ...) (الأعراف : 73)، وقوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ...) (الأعراف : 85) من حيث جاءوا من نسلهم. لكن الثابت عند النصارى - كما أسلفت - أنها من نسل داود أي من نسل يهوذا وليس لاوي. أقول: برغم ذلك تصح النسبة بإعتبار لاوي أخاً ليهوذا أي عماً لمريم، كما يوصف العرب مثلا بأنهم إخوة اليهود لكون هؤلاء من نسل اسحق، وأولئك من نسل إسماعيل ولديّ إبراهيم عليه السلام. برغم ذلك فإني أقدم وجوهاً ثلاثة أنفرد بها لكني أرجح ثالثها.

              أقوالي في المسألة

              [1] ربما كان لمريم أخاً شقيقاً يدعى هارون لكنه توفي قبل مولد مريم فنذرت أمها إن وهبها الله حملاً فستجعله خالصاً لله. أقول: هذا الوجه وإن كان ممكن عقلا إلا أنه كذلك لا دلالة تاريخية عليه لذلك لا أعول عليه كثيرا.

              [2] ربما كانت مريم أخت هارون اللاوي فعلا. أقول: هذا الوجه وإن كان ممكن عقلا إلا أنه سيقلب التاريخ رأساً على عقب، لأن ذلك معناه أن موسى سيصير خالاً للمسيح، وسندخل بذلك في متاهات تاريخية لن تنتهي لذلك لا أعول علي هذا الوجه أيضاً.

              [3] كذلك ربما أن قوم مريم عليها السلام لما ظنوا بها ظن السوء أرادوا أن يصفوها بأنه ملعونة ومغضوب عليها فشببهوها بمريم أخرى سابقة عليها بآلاف السنين وكانت أختاً لهارون اللاوي. لقد ذكرت التوراة التي بين يدينا وتحديداً سفر العدد قصة مريم الأخرى على النحو التالي:

              (وَتَكَلَّمَتْ مَرْيَمُ وَهَارُونُ عَلَى مُوسَى بِسَبَبِ الْمَرْأَةِ الْكُوشِيَّةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا، لأَنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّخَذَ امْرَأَةً كُوشِيَّةً. 2 فَقَالاَ: «هَلْ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَحْدَهُ؟ أَلَمْ يُكَلِّمْنَا نَحْنُ أَيْضًا؟» فَسَمِعَ الرَّبُّ. 3 وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. 4 فَقَالَ الرَّبُّ حَالاً لِمُوسَى وَهَارُونَ وَمَرْيَمَ: «اخْرُجُوا أَنْتُمُ الثَّلاَثَةُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ». فَخَرَجُوا هُمُ الثَّلاَثَةُ. 5 فَنَزَلَ الرَّبُّ فِي عَمُودِ سَحَابٍ وَوَقَفَ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ، وَدَعَا هَارُونَ وَمَرْيَمَ فَخَرَجَا كِلاَهُمَا. 6 فَقَالَ: «اسْمَعَا كَلاَمِي. إِنْ كَانَ مِنْكُمْ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ، فَبِالرُّؤْيَا أَسْتَعْلِنُ لَهُ. فِي الْحُلْمِ أُكَلِّمُهُ. 7 وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَلَيْسَ هكَذَا، بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. 8 فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ. فَلِمَاذَا لاَ تَخْشَيَانِ أَنْ تَتَكَلَّمَا عَلَى عَبْدِي مُوسَى؟». 9 فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْهِمَا وَمَضَى. 10 فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ السَّحَابَةُ عَنِ الْخَيْمَةِ إِذَا مَرْيَمُ بَرْصَاءُ كَالثَّلْجِ. فَالْتَفَتَ هَارُونُ إِلَى مَرْيَمَ وَإِذَا هِيَ بَرْصَاءُ. 11 فَقَالَ هَارُونُ لِمُوسَى: «أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي، لاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا الْخَطِيَّةَ الَّتِي حَمِقْنَا وَأَخْطَأْنَا بِهَا. 12 فَلاَ تَكُنْ كَالْمَيْتِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ رَحِمِ أُمِّهِ قَدْ أُكِلَ نِصْفُ لَحْمِهِ». 13 فَصَرَخَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ قَائِلاً: «أَيُّهَا الإِلهُ اشْفِهَا». 14 فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «وَلَوْ بَصَقَ أَبُوهَا بَصْقًا فِي وَجْهِهَا، أَمَا كَانَتْ تَخْجَلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ؟ تُحْجَزُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ، وَبَعْدَ ذلِكَ تُرْجَعُ». 15 فَحُجِزَتْ مَرْيَمُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَرْتَحِلِ الشَّعْبُ حَتَّى أُرْجِعَتْ مَرْيَمُ. 16 وَبَعْدَ ذلِكَ ارْتَحَلَ الشَّعْبُ مِنْ حَضَيْرُوتَ وَنَزَلُوا فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ.) (العدد 12 : 1 - 16)

              من خلال النص التوراتي السابق نرى أن مريم تلك تكلمت على موسى عليه السلام كلاماً لا يليق لما تزوج من المرأة الكوشية، وتلسنت عليه بما لا يصح، وحاولت جر هارون لوجهة نظرها على ما يبدو، فغضب الرب عليها غضباً شديداً وأصابتها لعنة تمثلت في البرص الذي لزمها إسبوعا واحداً فقط لاستجابة الرب دعاء موسى لها بالشفاء. أقول: لن أقف على ما في القصة تلك من تجسيم وغير ذلك من الخرافات لكني أقف عند نقطة واحدة هي أنه وجدت إمرأة شريرة - قيل أنها أخت هارون - باسم مريم في التاريخ اليهودي، فأراد اليهود المعاصرون لمريم الطاهرة أم المسيح استمطار غضب الله عليها ولعنته ظناً منهم أنها أنجبت مولوداً عن طريق الفاحشة فدعوها بلقب "أخت هارون" لوجود مشترك بينهما هو الإسم والإنتماء لأسرة دينية، فسجل الله تعالى في كتابه قول اليهود حكاية عنهم.

              إن هذا الوجه الأخير هو أقوى الوجوه فيما أرى لأنه يعتمد على وثيقة تاريخية معتمدة عند اليهود والنصارى وهي توراة العهد القديم، وهي من هذا الوجه ملزمة لهم في كون أن اليهود شبهوا مريم أم المسيح لظنهم أنها أذنبت بمريم أخت هارون لكونها أذنبت وإن كان ذنب تلك الأخيرة من نوع مختلف، لكن الذنب في النهاية كبيره وصغيره واحد لكونه خطيئة أمام الله.

              ابنة عمران
              بقيت نقطة واحدة أخيره وهي تتعلق بنسبة أم المسيح إلى عمران، فأقول: ليس في كتاب النصارى ما يعارض ذلك، كما أنه لا يمتنع عقلا أن يتكرر إسم عمران في الأسر اليهودية، فتكون هناك مريم ابنة عمران أخت هارون وموسى، ومريم إبنة عمران أم المسيح، فنحن نجد أن أسماءً مثل "موشيه" أي: موسى تتكرر كثيرا في أسر اليهود حتى يومنا هذا، وأسماءً مثل "ماركوس" أي: مرقص تتكرر كثيرا في أسر النصارى حتى يومنا هذا، وهكذا يمكن أن يتكرر إسم عمران وإسم مريم بين أسر اليهود جيلا بعد جيل.
              كَتَبَه:

              أبو إسحاق النَّظَّام
              _________


              (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


              (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

              تعليق


              • #22
                [22] أخت هارون (الجزء الثاني)


                نسب مريم العذراء: إشارات واستدلالات من الكتاب المقدس


                هارون أخو موسى
                هارون أخو موسى النبي من نسل لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقد ذكر العهد القديم نسبه بالتفصيل، كما يلي:

                (وَهذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ جَاءُوا إِلَى مِصْرَ. مَعَ يَعْقُوبَ جَاءَ كُلُّ إِنْسَانٍ وَبَيْتُهُ: 2 رَأُوبَيْنُ وَشِمْعُونُ وَلاَوِي وَيَهُوذَا 3 وَيَسَّاكَرُ وَزَبُولُونُ وَبَنْيَامِينُ 4 وَدَانُ وَنَفْتَالِي وَجَادُ وَأَشِيرُ.) (الخروج 1 : 1 - 4)

                يذكر هذا النص أحدَ عشر سبطاً (السبط الثاني عشر هو يوسف وكان في مصر) ومن بينها لاوي وأخاه يهوذا فنعرفَ أن لاوي هو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

                (16 وَهذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي لاَوِي بِحَسَبِ مَوَالِيدِهِمْ: جِرْشُونُ وَقَهَاتُ وَمَرَارِي. وَكَانَتْ سِنُو حَيَاةِ لاَوِي مِئَةً وَسَبْعًا وَثَلاَثِينَ سَنَةً) (الخروج 6 : 16)

                يدل هذا النص على أن لاوي بن يعقوب له ثلاثة أبناء منهم "قهات".

                (18 وَبَنُو قَهَاتَ: عَمْرَامُ وَيِصْهَارُ وَحَبْرُونُ وَعُزِّيئِيلُ. وَكَانَتْ سِنُو حَيَاةِ قَهَاتَ مِئَةً وَثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ سَنَةً) (الخروج 6 : 18)

                يدل هذا النص على أن قهات بن لاوي بن يعقوب له أربعة أبناء منهم "عمرام".

                (20 وَأَخَذَ عَمْرَامُ يُوكَابَدَ عَمَّتَهُ زَوْجَةً لَهُ. فَوَلَدَتْ لَهُ هَارُونَ وَمُوسَى. وَكَانَتْ سِنُو حَيَاةِ عَمْرَامَ مِئَةً وَسَبْعًا وَثَلاَثِينَ سَنَةً) (الخروج 6 : 20)

                يدل هذا النص على أن عمرام بن قهات بن لاوي بن يعقوب له ولدان هما "هارون" و"موسى". من خلال النصوص التالية نعرف نسب هارون بالتفصيل، وهو:

                هارون بن عمرام بن قهات بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.


                أليصابات امرأة زكريا
                (5 كَانَ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ مَلِكِ الْيَهُودِيَّةِ كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، وَامْرَأَتُهُ مِنْ بَنَاتِ هارُونَ وَاسْمُهَا أَلِيصَابَاتُ) (لوقا 1 : 5)

                يستفاد من النص أن أليصابات امرأةَ زكريا من بنات هارون.

                مريم العذراء
                (36 وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا ...) (لوقا 1 : 36)

                يستفاد من النص أن مريم العذراء كذلك من بنات هارون، حيث يدل لفظ "نسيبتك" بوضوح على وجود نسب يربط مريمَ بأليصابات. تذكر بعض المصادر أن أليصابات خالةُ مريم أي أختُ حنَّة أُم مريم العذراء. بناءً على المعطيات السابقة يمكننا استنتاج نسب "منقطع" لمريم على النحو التالي:

                مريم بنت x ابن .... ابن هارون بن عمرام بن قهات بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.


                حيث يحتمل المتغير x أسماء مختلفة (هالي / يواكيم / عمران / ...) لا تهمنا هنا كثيراً، لأننا معنيون في المقام الأول بتحديد سبط مريم وليس اسم والدها المباشر.

                بناء على ما تقدم نستفاد أن مريم هي من نسل هارون ومن سبط لاوي بن يعقوب، وليس كما هو مشهور - مما لا دليل عليه في الواقع - أنها من نسل داود ومن سبط يهوذا (أخي لاوي) بن يعقوب.

                وعليه فإن نسب يسوع المسيح من جهة الجسد هو كالآتي:

                يسوع بن مريم بنت x ابن .... ابن هارون بن عمرام بن قهات بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم

                وهو نسب مستنتج بكامله - في حدود الأسماء المتاحة بطبيعة الحال - من الكتاب المقدس نفسه ينفي بوضوح تام أن يسوع من نسل داود من جهة الجسد كما زعم بطرس وبولس ومتَّى الإنجيلي.

                ومن هنا نفهم النداء القرآني "يا أختَ هارون" باعتبار أنها من نسل هارون وليس من نسل داود كما يدعي النصارى زوراً وبهتاناً. يجري ذلك النداء حسب لسان القرآن بوصف كل فرد ينتمي لسبط معين بالأخوة في ذلك السبط، ومثال ذلك قوله تعالى:

                (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ ...) (الأحقاف : 21)

                (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ) (الشعراء : 106)

                (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ) (الشعراء : 124)

                (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ) (الشعراء : 142)

                (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ) (الشعراء : 161)

                كذلك قال الله سبحانه على لسان قوم مريم عليها السلام:

                (يَا أُخْتَ هَارُونَ ...) (مريم : 28)

                باعتبارها من نسل هارون اللاوي كما مرّ
                التعديل الأخير تم بواسطة أبو إسحاق النَّظَّام; الساعة 01-03-2009, 14:33.
                كَتَبَه:

                أبو إسحاق النَّظَّام
                _________


                (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


                (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

                تعليق

                يعمل...
                X