إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

نظرات في الفلسفة واللاهوت واللسانيات

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • نظرات في الفلسفة واللاهوت واللسانيات

    [1] صحف إبراهيم

    (1) إبراهيم:
    إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء، ويطلق عليه في اللسان العبراني القديم لفظ (أَفْرَاهَام) ورسمه ـ بالخط المربع والتنقيط المازوريتي ـ هكذا: אַבְרָהָם، حيث يتكون من ثلاثة مقاطع عند التلفظ به هي: (أَفْـ) ـ تنطق كحرف v الإنجليزي وليس كحرف f ـ و(رَا) و(هَام). أما المقطع الأول (أَفْـ) فيعني بالعربية (أب)، وأما التركيب (رَاهَام) فربما يدل على (أرحام)، والرحم هو موضع تكوين الولد، ثم سميت القرابة وصلة الدم رحما. من ذلك نعلم أن كلمة (أَفْرَاهَام) العبرية تقابل في العربية تركيب (أبو الأرحام) للدلالة على كونه أبا لنسل كبير تقوم بينهم وشائج الأرحام. يؤكد هذا المعنى ما ورد في سفر التكوين:

    (3… وَتَكَلَّمَ الإِلهُ مَعَهُ قَائِلاً: 4 “أَمَّا أَنَا فَهُوَذَا عَهْدِي مَعَكَ، وَتَكُونُ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ، 5 فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ…”) (التكوين / 17 / 3 - 5)

    (2) صحف إبراهيم:
    يخبر البلاغُ المبين بوجود صحفٍ لإبراهيم عليه السلام:

    (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (الأعلى : 18 - 19)

    (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى. وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى. أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى. أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى. وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى. أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى …) (النجم : 33 - 38).

    أما العهدُ القديم فقد خلا من الإشارة إلى صحف إبراهيم. أما الأبحاث العلمية فتدل فعلاً على وجود صحف لإبراهيم أو صحف عن إبراهيم - بغض النظر عن موقف الكنيسة منها لأن الذي يهمنا هنا هو موقف العلم وليس موقف الكهنوت - حيث تحتوي على مواد وثيقة الصلة بما هو مذكور في القرآن الكريم.

    كتبَ البروفيسور Guenter Lanczkowski أستاذ علم الأديان المقارنة بالجامعات الألمانية - في موسوعته التي أصدرها - تحت عنوان (عهد أبرهام) ما يلي:

    (عهد أبراهام مخطوطة مزورة ترجع للقرن الأول / الثاني الميلادي، تحتوي على وصف معراج أبراهام للسماء، وعودته، وموته. لا تعترف الكنيسة الكاثوليكية بتلك المخطوطة وتعتبرها ضمن المخطوطات المشكوك فيها [أبوكريفا]) إنتهى.

    نلاحظ أولاً أن زمن تلك المخطوطة / المدونة المنسوبة لإبراهيم عليه السلام يعود لعصر يسبق مولد النبي العربي المحمّد صلى الله عليه وآله وسلم بنحو 5 قرون، وتشير إلى وجود “صحف” منسوبة لإبراهيم عليه السلام، وهي الحقيقة التي أغفلها العهد القديم، والعهد الجديد ولم يجليها إلا العهد الأخير الحق أي القرآن الكريم. نلاحظ ثانياً أن تلك المخطوطة تنسب صراحة لإبراهيم عليه السلام “معراجا” سماويا، وربما كان ذلك هو ما تشير إليه الآية الكريمة التالية:

    (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام : 75 - 79).

    إضافة إلى "عهد إبراهيم" Testament Abrahams ذكر البروفيسور Lanczkowski صحيفةً أخرى اسمها "رؤيا إبراهيم" Apokalypse Abrahams اكتشفت نحو سنة 100 بعد الميلاد، وتتكون من نحو 32 فصلاً. تهاجم الفصول (1 - 8) عبادةَ الأوثان والأصنام، وتذكر الفصول (9 - 32) رؤيا أو كشفاً مستقبلياً وقع لإبراهيم عليه السلام.

    إضافة لما تقدم ذكرَ البروفيسور Johann Maier أستاذ الدراسات اليهودية بكلية اللاهوت بجامعة كولونيا بألمانيا في موسوعته عن اليهودية نقلاً عما هو مسطور في تلك الصحف أن حاكم العالم في ذلك الوقت واسمه نمرود Nimrod أراد إحراق إبراهيم بإلقاءه في النار لكن تلك المحاولة فشلت [أخبرنا القرآن عما حدث بدقة وهو إلقاء إبراهيم في النار فعلاً لكن الله سبحانه جعلها برداً وسلاماً عليه].

    من خلال ما كتبه علماء الأديان في الغرب - ذكرت منهم عالمَيْنِ معتبَريْنِ - ندرك مدى قرب النتائج التي توصل إليها البحثُ العلمي من الحقائق التي ذكرها القرآن كصحف إبراهيم وإلقاءه في النار والكشف الكوني وغير ذلك من الأمور التي غفل عن ذكرها الكتاب المقدس وأشار إليها - مخلِّداً ذكراها - القرآن الكريم.

    (3) القرآن الكريم وتعاليم الصحف الأولى
    ولئن أغفل التاريخُ الكنسي الإشارة إلى صحف إبراهيم، وإذ لا تعترف الكنيسة بصحف إبراهيم - لأن اعتراف الكنيسة بها يسحب البساط من تحت أقدامها فتهوي - فإن القرآن الكريم لم يحرمنا من معرفة بعض تعاليم تلك الصحف، فسجل لنا منها ما يلي باللسان العربي المبين:

    (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى: أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى. وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى. وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا. وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى. مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى. وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى. وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى. وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى. وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى. وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى. وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى. فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى) (النجم : 36 - 54)

    أكتفي بهذا القدر وفي انتظار تفاعل الإخوة إن شاء الله

    والسلام
    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

  • #2
    [2] لفظ الجلال "الله" بين العربية والآرامية والعبرية

    لفظ الجلال في اللسان العربي
    يتكون لفظ الجلال في اللسان العربي من الحروف التالية: (ا / ل / ل / هـ) فإذا حذفنا الحروف المكررة أصبح لدينا ثلاثة حروف فقط هي: (ا / ل / هـ) أي الألف واللام والهاء، وهي نفس حروف لفظ "اِلَه". الشيئ المدهش هو أن لفظ الجلال يتكون في اللسان الآرامي واللسان العبراني من نفس الحروف، فقط تشكيل الحروف هو الذي يحدد اختلاف طريقة النطق وذلك على النحو التالي.

    لفظ الجلال في اللسان الآرامي القديم
    يتكون لفظ الجلال في اللسان الآرامي القديم من حرف الألف א وحرف اللام ל وحرف الهاء ה ويكتب - من اليمين إلى اليسار - بدون علامات التشكيل هكذا: אלה أما مع علامات التشكيل فيأخذ الصورة التالية: אֱלָה حيث ينطق بها هكذا: إِلَه / إلاه أي مثل النطق العربي لكلمة ( إِلَه ) تماماً.

    لفظ الجلال في اللسان العبراني القديم
    يتكون لفظ الجلال في اللسان العبراني القديم كذلك من حرف الألف א وحرف اللام ל وحرف الهاء ה ويكتب - من اليمين إلى اليسار - بدون علامات التشكيل هكذا أيضاً: אלה أما مع علامات التشكيل فيأخذ الصورة التالية: אֱלֺה حيث ينطق بها هكذا: إِلُه / إلوه أي بتحول الفتحة على حرف اللام إلى ضمة بسبب ما يعرف في علم اللسانيات السامية بالإزاحة الصوتية الكنعانية kanaanaeische Lautverschiebung أي تحول حركة الفتح الأصلي إلى ضم. أي أن اللسان العربي وكذلك الآرامي - في هذه الحالة - هما اللسانان الساميان الوحيدان المحتفظان بالحركة الأصلية للغة السامية الأم، بينما حدث في اللسان العبراني القديم تحول بفعل حركة الإزاحة الصوتية للهجة كنعان والتي تمثل الأساس للسان العبراني القديم.

    رسم لفظ الجلال العربي بالخط العبراني المربع
    منذ آلاف السنين وحتى القرن العاشر الميلادي تقريباً ظل الخط العبراني للتوراه يكتب بدون التشكيل إلى أن استحدث ال Masoriten وتحديدا مدرسة الحبر اليهودي بن عاشر في طبرية طريقة لتشكيل التوراة على غرار الطريقة التي استحدثها المسلمون لتشكيل القرآن. إذا رجعنا إلى النص العبراني القديم قبل التشكيل وجدنا لفظ الجلال يكتب - كما ذكرت آنفاً - هكذا: אלה، فإذا وضعنا التشكيل العبراني الموافق لطريقة التلفظ العربي للفظ الجلال لصار هكذا: אֲלָּה ولنطق به تماماً كما ينطق به بالعربية: الله. أي أن الذي حدد طريقة التلفظ باسم الجلال ليس هو اختلاف الحروف، أبداً فالحروف متطابقة تماماً، ولكن الاختلاف ينبع من طريقة التشكيل لتلك الحروف المتطابقة، وهذا يعني أنه ليس من المستبعد أبداً أن يكون التلفظ باسم الجلال في التوراه في الواقع بنفس طريقة التلفظ العربي تماماً.

    إِلوهيم
    لفظ إِلوهيم يكتب بالعبرانية المازوريتية هكذا: אֱלֺהִים حيث يتكون من جزئين أولهما: אֱלֺה السابق الإشارة إليه وثانيهما: ים وهو مقطع يميز الجمع، فيكون المعنى الحرفي هو (الآلهة)، لكن المعنى المقصود هو (الإله) لكن بطريقة جمع الجلال أو جمع التعظيم والذي يعرف في اللسان اللاتيني باسم Pluralis majestatis، وأقرب مشتق عربي للفظ إلوهيم العبري هو ربما (اللهم). المهم هنا هو التأكيد على أن لفظ אֱלֺהִים هو نفسه لفظ אֱלֺה لكن بصيغة جمع الإجلال / الإجلال والتعظيم.
    كَتَبَه:

    أبو إسحاق النَّظَّام
    _________


    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

    تعليق


    • #3
      [3] في نقد مفهوم الروح القدس في المسيحية

      تَشكَّل مرتكزُ العقيدة المسيحية رسميا من خلال المجمع المسكوني (الكوني / الدولي / العالمي / الكوكبي) الأول بمدينة نيقية Nicea ـ بتركيا ـ عام 325 م وقد عقد ذلك المجمع الدولي بناء على دعوة من الإمبراطور قنسطنطين الكبير بسبب إنتشار أفكار آريوس Arius ـ كاهن بالإسكندرية ـ والتي تنكر ألوهية المسيح وتقرر بأنه كان مجرد إنسان مخلوق. إنعقد ذلك المجمع والذي حضره ( 318 ) أسقفا ممثلين لجميع كنائس ذلك العصر برئاسة البابا السكندري الأنبا الكسندروس Alexander. قرر المجمع حرمان آريوس وتحريم تعاليمه وصياغة “قانون الإيمان” بصورته الأساسية والتي تتلى في جميع الكنائس حتى اليوم.

      نص قانون الإيمان النيقاوي ترجمة عن اليونانية القديمة
      [نؤمن بإلهٍ واحد، آبٍ قادر على كل شيء، صانع كل الأشياء المرئيّة واللامرئيّة. وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله، مولود الآب الوحيد، أي من جوهر الآب،إله من إله، نور من نور، إلهٌ حق من إلهٍ حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي بواسطتهِ كل الأشياء وُجِدَت، تلك التي في السماء وتلك التي في الأرض.الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزلَ وتجسَّد، تأنَّس، تألَّم وقام في اليوم الثالث [و] صعدَ إلى السماوات، آتٍ ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس. أما أولئكَ الذين يقولون: “كان هناك وقتٌ فيهِ {الكلمة} لم يكن”، و:”قبل أن يكون مولوداً لم يكن” وبأنّهُ وُجِدَ ممّا هو غير موجود أو يقولون عن كيان ابن الله أنهُ من شخص أو جوهرٍ آخر أو {أنه} مخلوق [ـ !] أو أنهُ متحولٌ أو متغَيِّرٌ، {أولئكَ} الكنيسة الجامعة تحرمهم.]

      نلاحظ أن حرف الباء “بـ” في عبارة “نؤمن بـ” يتعلق بثلاثة متعلقات هي “بإلهٍ …” و”بربٍ …” و “بالروح القدس”. نلاحظ أن النص المطروح إستخدم لفظ “آب” كبدل نحوي من لفظ “إله” في حين أنه استخدم لفظ “يسوع” كبدل نحوي من لفظ “رب” بينما لم يستخدم “الروح القدس” كبدل لا للإله ولا للرب ولكنه تركه كمتعلق ثالث للإيمان دونما تكييف لطبيعته. نفس الشيئ نجده في الترجمة عن اللغة اللاتينية مع بعض الإختلافات في الألفاظ.

      نص قانون الإيمان النيقاوي ترجمة عن اللاتينية
      [نؤمن بإلهٍ واحد، آبٍ قادر على كل شيء، صانع كل الأشياء المرئيّة واللامرئيّة. وبربنا الواحد يسوع المسيح، ابن الله، مولود الآب الوحيد، أي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إلهٌ حق من إلهٍ حق، مولود غير مصنوع {مخلوق}، له جوهر واحد مع الآب (باليونانية يُقال لهُ "هوموأوسيون") الذي بواسطتهِ كل الأشياء صُنِعَتْ، ما في السماء وما في الأرض. الذي من أجل خلاصنا نزلَ، تجسَّد وتأنَّس وتألَّم وقام في اليوم الثالث [و] صعدَ إلى السماوات، آتٍ ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس. أما أولئكَ الذين يقولون: »كان هناك {وقتُ} فيه {الكلمة} لم يكن» و:»قبل أن يولَد لم يكن» و«بأنّهُ صُنِعَ ممّا هو غير موجود» أو يقولون عن الله أنهُ من جوهرٍ أوكيانٍ آخر أو (أنه) متحولٌ أو متغَيِّرٌ، أولئك الكنيسة الجامعة تحرمهم]

      نلاحظ أن الترجمة اليونانية ـ وهي أقدم الترجمات ولكنها ليست النسخة الأصلية ـ تستخدم تعبير “بربٍ واحدٍ …” بينما تستخدم الترجمة اللاتينية تعبير “بربنا الواحد …” وغير ذلك من الإختلافات. فيما يتعلق بموضوع بحثنا ـ الروح القدس ـ يظل تعلقه بلا تكييف من ألوهية ولا ربوبية. الترجمتان توضحان أن “الإيمان” المسيحي له ثلاثة متعلقات: (1) إله هو الآب (2) رب هو يسوع (3) الروح القدس. عدم تكييف “طبيعة” الروح القدس أدى إلى ظهور جدل لاهوتي استغرق أكثر من نصف قرن. نادى أسقف القسطنطينية ـ إسطنبول حاليا ـ واسمه مكدونيوس بأن الروح القدس “مخلوق” كالملائكة. دعا الإمبراطور تاودوسيوس الكبير إلى إنعقاد المجمع المسكوني الثاني والذي عقد بالعاصمة البيزنطية القسطنطينية Konstantinopel سنة 381 م وحضره ( 150 ) أسقفا ممثلين لجميع كنائس ذلك العصر برئاسة البابا السكندري الأنبا تيموثاوس. قرر المجمع حرمان الأسقف مكدونيوس وتحريم تعاليمه وصياغة “تكييف” لاهوتي خاص بالروح القدس.

      نص قانون الإيمان القسطنطيني ترجمة عن اليونانية القديمة
      [نؤمن بإلهٍ واحد، آبٍ قادر على كل شيء، خالق السماء والأرض، كل الأشياء المرئيّة واللامرئيّة. وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولودُ من الآب قبل كل الدهور، نورٌ من نور، إلهٌ حق من إلهٍ حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي بواسطتهِ كانت كل الأشياء، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزلَ من السماوات وتجسَّد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأنَّس، صلِبَ من أجلنا على عهد بيلاطس البنطي تألَّم وقبر وقام في اليوم الثالث بحسب الكتب وصعدَ إلى السماوات وهو جالسٌ عن يمين الآب، آتٍ ثانية في المجد ليدين الأحياء والأموات الذي لا فناءَ لمُلكهِ. وبالروح القدس الرب المحيي، المُنبثِق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجودٌ لهُ ومُمجَّد، الناطق بالأنبياء. وبكنيسة واحدة، مقدسة، جامعة ورسولية؛ نعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وننتظر قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي. آمين].

      نص قانون الإيمان القسطنطيني ترجمة عن اللاتينية
      [... وبالروح القدس الرب المحيي، المُنبثِق من الآب والابن، الذي هو مع الآب والابن مسجودٌ لهُ ومُمجَّد، الناطق بالأنبياء....]

      التكييف الرسمي للروح القدس إنطلاقا من سنة 381 م هو:

      (1) الرب المحيي

      (2) المُنبثِق من الآب

      (3) الذي هو مع الآب والابن مسجودٌ لهُ ومُمجَّد

      (4) الناطق بالأنبياء

      لنلاحظ أن “تكييف” طبيعة الروح القدس لم يرد في الأناجيل الأربعة لمتى ومرقص ولوقا ويوحنا ولكن ورد بتقرير 150 أسقف في عام 381 م أي بعد أربعة قرون بعد المسيح.

      الروح القدس في الترجمات
      كان المسيح عليه السلام من أحفاد العبرانيين أي من بني إسرائيل وبنو إسرائيل ـ في ذلك الوقت ـ يتكلمون اللغة العبرية القديمة Althebraeisch وكان رجال الدين منهم يتكلمون باللغة الآرامية Aramaeisch والتي تعتبر اللغة الأصلية للتعاليم التي بثها المسيح في بني إسرائيل. إن المخطوطات الأصلية والوثائق مفقودة أو معدومة أو محجوزة ـ الله تعالى أعلم ـ ومن ثم يكون اللجوء في هذه الحالة إلى أقدم المخطوطات المنسوخة والتي كتبت ـ في موضوعنا ـ باللغة اليونانية القديمة Altgriechisch. إذا رجعنا لتلك اللغة وجدنا أن لفظ “الروح القدس” ترجم عن كلمة يونانية واحدة هي Πνευμα” وتقرأ ـ بالحروف اللاتينية ـ هكذا “Pneuma”. كلمة “Πνευμα” اليونانية القديمة معناها: النفس أو الروح أو الغاز أو الهواء. تم ترجمة كلمة Πνευμα” اليونانية القديمة إلى كلمة “Spiritum Sanctum” ونلاحظ أنهما كلمتان وليستا كلمة واحدة. من أين جاءت كلمة “Sanctum”؟ قد يكون لسبب متعلق بفيلولوجية اللغة اليونانية القديمة. إذا تركنا اللغات القديمة وانتقلنا إلى اللغات الحية المعاصرة نجد أن محرري نسخة الملك جيمس ـ وهي النسخة البروتستنتية ـ ونسخة الروم الكاثوليك أعطوا أفضلية لكلمة Ghost الإنجليزية والتي تعني “الطيف” بدلا من كلمة “Spirit” الإنجليزية وأصلها اللاتيني هو “Spiritum” والتي تعني “الروح” عندما يترجمون كلمة “Πνευμα” ومن ثم يكون الروح القدس هو Holy Ghost وبالألمانية هو Heiliger Geist . منقحو النسخة القياسية .R. S. V استبدلوا الآن لفظ “Ghost” بلفظ “Spirit” بينما بقي على حاله القديم في اللغة الألمانية مثلا. الحديث الآن يدور عن Holy Spirit وليس عن Holy Ghost كترجمة لكلمة يونانية قديمة واحدة هي “Πνευμα”.

      مرتكز الإعتقاد المسيحي
      الله ـ في المعتقد الرسمي المسيحي ـ هو واحد في “جوهره” مثلث في “أقانيمه”. مثلث الأقانيم ـ في المعتقد الرسمي المسيحي ـ هو الآب والإبن والروح القدس. وقبل أن نواصل الحديث جدير بنا أن نقف وقفة سريعة عند مصطلحي “جوهر” و “أقانيم”.

      مصطلح “جوهر”
      هذه الكلمة ـ جوهر ـ يكثر استخدامها بين الفلاسفة والمتكلمين في مبحث الجواهر والأكوان والأعراض. الجوهر عند الفلاسفة هو أصغر ما يشغل حيزا ويقوم بذاته أي بتعبير عصرنا “الجزيء” أو “الذرة” فكما يتكون الجسم من “ذرات” فهو يتألف من “جواهر” إذ الجسم عند الفلاسفة هو ما يتألف من جوهرين فأكثر. إذا تركنا الفلسفة وانتقلنا إلى إيثيمولوجية اللسان العربي نجد أن أقرب الكلمات للفظ “جوهر” هو الفعل الماضي الثلاثي “جهر” بمعنى “ظهر”. الجوهر بهذا يكون معناه “الظاهر” أي الشيئ الظاهر. إذا تركنا اللسان وإنتقلنا إلى اللاهوت Theologie نجد أن علماء اللاهوت يرادفون كلمة “جوهر” بكلمة “طبيعة”. على هذا الأساس يكون معنى قولهم “الله واحد في جوهره” أي أنه ذو طبيعة واحدة. جدير بالذكر ونحن نتكلم عن “الطبيعة” الإلهية هنا أن تلك المسألة كانت سببا في إنقسام الكنيسة المسيحية قديما وحديثا إلى قسمين إزاء قضية “طبيعة” المسيح: بينما تتبع الكنيسة الأرثوذوكسية الأم في الإسكندرية وما حذا حذوها من الأرمن والسريان ما سبق وقرره الأنبا أثناسيوس والأنبا كرلس من بعده بأن للمسيح “طبيعة” واحدة بعد “إتحاد” اللاهوت والناسوت، تقرر الكنيسة اللاتينية ـ قبل وبعد الإنشقاق ـ بأن للمسيح “طبيعتين”. بل أن أصحاب الرأي الأول إنقسموا قديما لقسمين حسب تكييف تلك الطبيعة الواحدة فبينما يرى أثناسيوس وأتباعه ـ وهم الأغلبية ـ أن تلك الطبيعة الواحدة بعد “إتحاد” اللاهوت والناسوت كانت بدون إختلاط ولا إمتزاج ولا تغيير، رأى رئيس دير قنسطنطيني واسمه “أوطاخي” أنه حدث إمتزاج وإختلاط. بسبب هذا الإختلاف عقد الأسقف فلابيانوس أسقف القنسطنطينية مجمعا محليا لحرمان أوطاخي. تقدم أوطاخي بعد ذلك بإلتماس فانعقد بذلك مجمع إفسس المسكوني الثاني Ephesus عام 449 م برئاسة الأنبا ديسقوروس بابا الإسكندرية وقرر براءة أوطاخي بعد “رجوعه” عن مذهب “الإمتزاج” وقرر كذلك حرمان الأسقف فلابيانوس لقوله بمذهب “الطبيعتين”. ونظرا لعدم إعتراف الكنيسة اليونانية وكنيسة روما بهذا المجمع إنعقد مجمع آخر في مدينة خلقدونيا Chalkedon عام 451 م بناء على طلب من بابا روما وقرر هذا المجمع إلغاء قرارات المجمع السابق ومن ثم تبرئة الأسقف فلابيانوس وحرمان أوطاخي وعزل الأنبا ديسقوروس بابا الإسكندرية ونفيه. حدث إنقسام لاهوتي بشأن “جوهر” الإله الواحد بعد “إتحاد” اللاهوت والناسوت : فمن قائل بالطبيعتين إلى القائل بالطبيعة الواحدة وهؤلاء بدورهم ينقسمون قسمين: قسم يقول بعدم الإمتزاج وقسم بقول بالإمتزاج.

      مصطلح “أقانيم”
      كلمة “أقانيم” كلمة يونانية قديمة “υποστασες -” وبالأحرف اللاتينية “hypostases” ومفردها هو أقنوم “υποστασις-” وبالأحرف اللاتينية “hypostasis”. كلمة أقنوم اليونانية تتكون من مقطعين هما ” υπο-” ويعني “تحت” و “στασις” ويعني “نقطة الوقوف” فيكون المعنى التركيبي للكلمة هو “تحت نقطة الوقوف” بمعنى الترسُّب والترسيب، وهو المفهوم الذي استخدمه الفيلسوف اليوناني الكبير أرستوتاليس (أرسطو) Aristoteles. هل الأقانيم صفات لله؟ ينفي الأنبا أثناسيوس الرسولي السكندري Athenasios ذلك ويقرر (أن للآب أقنوما متميزا وللإبن أقنوما متميزا وللروح القدس أقنوما متميزا) وفق الإيمان المسيحي السرياني الذي ترجم كلمة “hypostasis” ـ في مفهومها السرياني - لمعنى “الذات المتميزة الغير منفصله” وهو المعنى الذي يخرج عن المعنى الإيثيمولوجي للكلمة بمفهومها اليوناني القديم.
      كَتَبَه:

      أبو إسحاق النَّظَّام
      _________


      (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


      (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

      تعليق


      • #4
        [4] المسيح والمسيحيون والنصارى (الجزء الأول)

        المسيح
        ورد لفظ (المسيح) في القرآن في 11 موضعا منها قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (النساء : 171).

        أما عن الإشتقاق الصرفي للفظ (المسيح)، فأصله هو الفعل الثلاثي المجرد (مسح)، وكلمة (مسيح) جاءت على وزن (فعيل) بمعنى (مفعول) للدلالة على من قام به الفعل. أصل الكلمة باللسان العبراني القديم هو فعل מָשַׁח (ينطق: مشخ) والذي يدل في المفهوم اللاهوتي التوراتي على مسح أو دهن الإمام الديني بالزيت المقدس ومنه جاء لفظ (المسيح) הַמָּשִׁח (ينطق: هَمَّشِيخْ). أي الإمام الممسوح / المدهون بالزيت المقدس. إضافة لذلك المعنى اللاهوتي ربما كان للفظ (المسيح) دلالة بيولوجية وهي كونه ممسوحا / خاليا من الصفات الوراثية لكونه آية من الله تعالى حيث خلقه الله تعالى بأمر تكويني منه فكان جنينا في رحم العذراء البتول مريم سيدة نساء العالمين عليها السلام. على هذا فهو لا يحمل صفات وراثية من جهة الوالد لأنه لا والد له. وهناك معنى ثان ذكره أبو عثمان الجاحظ نقلاً عن بعض المفسرين وهو أن المسيحَ بن مريم عليه السلام سُمِّيَ مسيحاً لأنه طافَ بالأرض متنقلاً من مكان إلى مكان داعياً إلى الله سبحانه، فكأنه مسح الأرض ذهاباً وإياباً من أجل الدعوة فسُمِّيَ لذلك مسيحاً وهي صيغة مبالغة من "فعيل" للدلالة على كثرة تنقلاته.

        المسيحيون والنصارى
        كلمة (المسيحيون) جمع سالم للمذكر ومفرده (المسيحي)، وهو تركيب من جزئين (المسيح) و(ي) حيث تدل الياء على النسبة أي إنتساب صاحبها إلى (المسيح). لم يرد لفظ (المسيحيون) في القرآن الكريم إطلاقا وإنما جاءت تسميتهم بلفظ (النصارى) حيث جاء ـ معرفا و منكرا ـ في 14 موضعا منها قول الله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة : 30) حيث توضح تلك الآية الشريفة مفهوم النصارى وتعينهم بقوله تعالى حكاية عنهم (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) فكل من زعم أن (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) فهو نصراني.

        الترجيح بين اللفظين
        يصر النصارى ـ المعاصرون ـ على تسمية أنفسهم مسيحيين اتباعا لتسمية الأعاجم أنفسهم مثلا بلفظ Christians بينما من يقرأ مؤلفات النصارى من العرب القدماء يجد أنهم أطلقوا على أنفسهم لفظ (نصراني) ومشتقاته مثل (نصرانيون) و(نصرانيين) و(نصارى) وغير ذلك من الألفاظ. ومن المعلوم عند من له إلمام بالأديان المقارنة أن تلك التسمية هي التسمية الصحيحة لكل من زعم للمسيح نسبا إلهيا. لعل سائلا يسألني فيقول: فما دليلك على صحة لفظ النصرانية وخطأ لفظ المسيحية؟ أقول: لنرجع إلى رأس الأدلة في دينهم وأعني به (العهد الجديد) وتحديدا سفر (أعمال الرسل) لنقرأ كيف نسب اليهود إلى مقدم أهل الصليب بولس Paulus الإنتماء والدعوة للنصرانية. حاكم اليهود Paulus إلى الوالي قائلين:

        (5 فَإِنَّنَا إِذْ وَجَدْنَا هذَا الرَّجُلَ مُفْسِدًا وَمُهَيِّجَ فِتْنَةٍ بَيْنَ جَمِيعِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي الْمَسْكُونَةِ، وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ، 6 وَقَدْ شَرَعَ أَنْ يُنَجِّسَ الْهَيْكَلَ أَيْضًا، أَمْسَكْنَاهُ وَأَرَدْنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِنَا) (أعمال الرسل 24 : 5 - 7).

        هكذا نقرأ بكل وضوح وصفهم Paulus بأنه (وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ). تقول موسوعة الأديان الألمانية ـ إنطلاقا من النص السابق ـ ما يلي:

        Die Christen werden im N. T. (Apg. 24, 5) allgemein als Nazaraeer bezeichnet

        أي: يطلق على المسيحيين بصفة عامة في العهد الجديد (أعمال الرسل 24 ، 5) تسمية نصارى Nazaraeer

        نعود مرة أخرى لمحاكمة بولس الرسول النصراني لنستمع إلى جوابه التفصيلي. يقول بولس:

        (10 فَأَجَابَ بُولُسُ، إِذْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ الْوَالِي أَنْ يَتَكَلَّمَ:«إِنِّي إِذْ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ قَاضٍ لِهذِهِ الأُمَّةِ، أَحْتَجُّ عَمَّا فِي أَمْرِي بِأَكْثَرِ سُرُورٍ. 11 وَأَنْتَ قَادِرٌ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا مُنْذُ صَعِدْتُ لأَسْجُدَ فِي أُورُشَلِيمَ. 12 وَلَمْ يَجِدُونِي فِي الْهَيْكَلِ أُحَاجُّ أَحَدًا أَوْ أَصْنَعُ تَجَمُّعًا مِنَ الشَّعْبِ، وَلاَ فِي الْمَجَامِعِ وَلاَ فِي الْمَدِينَةِ. 13 وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُثْبِتُوا مَا يَشْتَكُونَ بِهِ الآنَ عَلَيَّ. 14 وَلكِنَّنِي أُقِرُّ لَكَ بِهذَا: أَنَّنِي حَسَبَ الطَّرِيقِ الَّذِي يَقُولُونَ لَهُ «شِيعَةٌ»، هكَذَا أَعْبُدُ إِلهَ آبَائِي، مُؤْمِنًا بِكُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ) (أعمال الرسل 24 : 10 - 14)

        كانت التهمة الموجهة إليه أنه (وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ ...) وقد أقر بولس نفسه بذلك ولم ينكر عليهم لفظ (النَّاصِرِيِّينَ). إن قديس النصارى بولس الرسول ـ مؤسس الديانة النصرانية التثليثية ـ قد أقر لفظ (ناصريين) فما بال أتباعه يعدلون عنه ويستبدلونه بلفظ آخر؟

        في النهاية تجدر الإشارة إلى ملحوظتين:

        [1] تسمية النصارى بالناصريين تسمية غير دقيقة، والصواب هو لفظ (النصارى) وهو اللفظ الذي تشير إليه الترجمة اللاتينية: Nazaraeer

        [2] ذكر أحد معلمي الكنيسة واسمه Hieronymus (توفي 420 ميلادية) وجود إنجيل يسمى إنجيل النصارى: Nazaraeerevangelium

        كل ذلك يؤكد صحة تسمية (نصارى) وأصالته في أدبيات النصارى القدماء وآبائهم الأولين، وخطأ تسمية (مسيحيين) لاهوتيا ولسانيا ولكن أكثر القوم لا يعلمون.
        كَتَبَه:

        أبو إسحاق النَّظَّام
        _________


        (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


        (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

        تعليق


        • #5
          [5] المسيح والمسيحيون والنصارى (الجزء الثاني)

          نصراني أم ناصري؟

          البلدة محل البحث إسمها بالعربية "ناصرة"، بيد أن التسمية الأدق هي التسمية الآرامية وهي غير معلومة لأن أقدم نسخة من العهد الجديد مكتوبة باليونانية وليس بالآرامية. الإسم بالحروف اليونانية هو: Ναζαρτ، وباللاتينية Nazaret.

          لو رجعنا إلى نص متى 2 : 23 بالعربية نجد ما يلي:

          (وَأَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالأَنْبِيَاءِ:«إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا»)

          بينما لو رجعنا إلي نفس النص بالإنجليزية نجد ما يلي:

          (And he came and dwelt in a city called Nazareth: that it might be fulfilled which was spoken by the prophets, He shall be called a Nazarene)

          حيث تم تقابل كلمة (Nazarene) الإنجليزية كلمة (نصراني) العربية تماماً. أما النص اليوناني:

          (καλθν κατκησεν ες πλιν λεγομνην Ναζαρτ, πως πληρωθ τηθν δι τν προφητν τι Ναζωραος κληθσεται.)

          والشاهد فيه كلمة (Ναζωραος) وهي باللاتيني: (Nazwraios) أي تنطق هكذا: (ناصورايوس)

          فالكلمة "شبه الأصلية" هي: Nazwraios

          والترجمة الإنجليزية هي: Nazarene بالنون

          والترجمة العربية هي: ناصري بدون نون

          أما الكلمة الأصلية - الآرامية - فللأسف مفقودة.

          وعلى هذا فإن كان إسمُ البلدة هو "ناصرة" فإسم النسبة منها هو: "ناصري"

          جديرٌ بالذكر أن لفظ "نصراني" المفرد ورد في القرآن مرة واحدة وذلك في في قوله تعالى:

          (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران : 67)

          وجاء كذلك بصيغة الجمع "نصارى"، حيث تم الإستغناء عن حرف المد في البداية لإزاحته في نهاية الكلمة، فيما يعرف في اللسان العبري والعربي والسامي عموماً بالإزاحة الصوتية.

          أما لفظ "نصراني" بالعربية فأحد أمرين:

          - إما أن يكون إسم البلدة بالآرامي هو: نصران على وزن نجران وهذا لا سبيل لنا لمعرفته لانعدام النص الآرامي

          - وإما أن يكون تحوير صوتي لكلمة ناصري باعتبار أنها تمثل كلمة أعجمية فأضاف العرب لها النون، فتحولت كلمة ناصري إلى نصراني وانتقل حرف المد إلي المقطع الثاني بسبب الإزاحة الصوتية.

          خلاصة البحث حول التسمية كالآتي:

          1. الإسم الآرامي الأصلي للناصرة مفقود.

          2. إسم النسبة من الإسم المترجم للعربية "ناصرة" هو ناصري وجمعه إما ناصريون/ ناصريين (جمع سالم) أو نصارى (جمع تكسير) كلاهما جائز.

          3. يدل لفظ "نصراني" إما على كون الإسم الأصلي للبلدة هو "نصران" أو على الإزاحة الصوتية.

          هذا كله من الناحية اللغوية، ولا سيما الجوانب الصوتية Phonetics. أما من الناحية التاريخية الإنجيلية يدل لفظ "ناصريين" على أتباع بولس المدعو رسولاً.
          كَتَبَه:

          أبو إسحاق النَّظَّام
          _________


          (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


          (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

          تعليق


          • #6
            [6] يسوع أم عيسى؟ دراسة لسانية (الجزء الأول)

            بدأ متى الإنجيلي كتابه (أول كتب العهد الجديد النصراني) بالعبارة التالية:

            (كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ ...) (متى 1 : 1).

            إذا تأمل كل واحد منا في لفظ (يسوع) - ي س و ع - الوارد في النص المتقدم حق له أن يسأل نفسه: ما هو الأصل اللساني لذلك اللفظ؟ إن ذلك اللفظ يحتوي على حرفين من أحرف العلة Vokale هما (ي / و) وحرفين من أحرف السكون Konsonanten هما (س / ع)، فمن أين جاء حرف العين ( ع ) وهو أحد الحروف الحلقية Gutturale التي تخلو منها اللغات الهندوجرمانية كاليونانية واللاتينية؟ إن لفظ (يسوع) يكتب باللاتينية هكذا Jesus ولا يحتوي أي حرف من تلك الأحرف اللاتينية الخمسة على حرف ( ع ) فمن أين جاء ذلك الحرف؟ ويكتب باليونانية القديمة هكذا Ἰησοῦς ولا يحتوي أي حرف من تلك الأحرف اليونانية الخمسة على حرف ( ع ) فمن أين جاء ذلك الحرف؟ إن اليونانية القديمة هي اللغة المكتوب بها أقدم النسخ المعروفة للعهد الجديد، واللاتينية هي اللغة المكتوب بها أقدم الترجمات المعروفة للعهد الجديد، وكل لغة منهما تخلو من حرف ( ع ) الحلقي المميز للغات السامية كالعبرية والآرامية والعربية وغيرها من الغات السامية شمالية كانت أم جنوبية. إن السر في خلو هاتين اللغتين من حرف العين يكمن ببساطة في حقيقة واضحة جدا وبديهية عند من حاز قدرا أوليا من التعليم المدرسي وهي: ما كان "يسوع" يونانيا ولا لاتينيا ولكنه كان يهوديا ذا لسان عبراني Hebraeisch وآرامي Aramaeisch، وأن العهد الجديد المكتوب باليونانية القديمة Altgriechisch واللاتينية Lateinisch ما هو إلا نسخ منقولة عن اللسان الأم للمسيح، لذلك حق للباحث أن يسأل النصارى:

            لقد تحدث يسوع اليهودي العبراني باللسان الآرامي ولم يتحدث باليونانية ولا اللاتينية فلماذا نجد العهد الجديد المقدس لديكم مكتوبا بذينك اللسانين؟ أين تعاليم ومواعظ يسوع التي بثها بلسانه الأم؟

            إنني أسألكم ـ معشر النصارى ـ عن المخطوطات الأصلية وليس عن الترجمات مهما كانت قديمة. إلى أن يتفضل أصدقاؤنا النصارى بالإجابة العلمية ـ وما هم بفاعلين لأنه لا إجابة لديهم ـ دعونا نواصل موضوعنا عن اسم المسيح.

            حرف العين
            لقد كان يسوع المسيح يهوديا من بني إسرائيل، وكانت الآرامية قد أخذت في فرض نفسها على المجامع العلمية اليهودية حتى أضحت اللسان العلمي الأول بينهم، وشهدت العبرانية ـ لغة العهد القديم ـ تراجعا كبيرا أمامها. بهذا نعلم أن اللسان الأم ليسوع لم يكن يخرج عن لسان قومه العبري الآرامي، وأنه قدم رسالته إلى الناس بأحد هذين اللسانين أو بكليهما لكنا لا نجد أثرا لهما اليوم عند النصارى، بل نجد أن أقدم (الترجمات) عندهم مكتوبا بلسان اليونانيين، وثاني أقدم (الترجمات) عندهم مكتوبا بلسان اللاتينيين. إن اللغات السامية ـ كالعبرية والآرامية والعربية وغيرها ـ تتميز بظاهرة صوتية مميزة هي أحرف الحلق Gutturale وهي في اللسان العبراني القديم أربعة:

            - الهمزة ورسمها هكذا א

            - الهاء ورسمه هكذا ה

            - العين ورسمها هكذا ע

            - الحاء ورسمه هكذا ח

            مع ملاحظة أن مخرج حرفي الهمزة والهاء هو آقصى الحلق أي أدناه إلى جهة الصدر ومخرج حرفي العين والحاء هو وسط الحلق. حينما نتأمل لفظ (يسوع) مرة أخرى نجد أن به حرفين ساكنين اثنين فقط هما السين ( س ) والعين ( ع )، كما نلاحظ أن حرف السين يأتي متقدما على العين فمن أين جاء ذلك الترتيب؟ إننا ـ كما اتفقنا ـ لن نجد ضالتنا في اللسان اليوناني ولا اللاتيني ولكنا نجدها في اللسان العبراني حيث يرسم حرف السين هكذا שׂ وحرف العين هكذا ע كما تقدم. إن لفظ (يسوع) لم يرد في العهد القديم بهذه الصورة ولكن وردت ألفاظ أخرى قريبة، فمثلا:

            - لفظ (يوشع) وأصله (ش / ع) بعد حذف حرفي العلة، فنجده يتفق مع مادة (يسوع) وأصلها (س / ع) في موضع حرف العين آخر الكلمة، لكنه يختلف معه في الحرف الساكن وهو الشين ( ش ) بدلا من السين ( س ). إن النصارى حينما يتحدثون عن المسيح فإنهم لا يسمونه (يوشع) ولا حتى (يشوع) لكنهم يركزون على حرف السين فيسمونه (يسوع). لذلك لا بد من البحث عن اسم آخر يحتوي على حرفي السين والعين.

            - لفظ (عيسو) الوارد في سفر التكوين:

            (19 وَهذِهِ مَوَالِيدُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: وَلَدَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ. 20 وَكَانَ إِسْحَاقُ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمَّا اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ زَوْجَةً، رِفْقَةَ بِنْتَ بَتُوئِيلَ الأَرَامِيِّ، أُخْتَ لاَبَانَ الأَرَامِيِّ مِنْ فَدَّانَ أَرَامَ. 21 وَصَلَّى إِسْحَاقُ إِلَى الرَّبِّ لأَجْلِ امْرَأَتِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا، فَاسْتَجَابَ لَهُ الرَّبُّ، فَحَبِلَتْ رِفْقَةُ امْرَأَتُهُ. 22 وَتَزَاحَمَ الْوَلَدَانِ فِي بَطْنِهَا، فَقَالَتْ: «إِنْ كَانَ هكَذَا فَلِمَاذَا أَنَا؟» فَمَضَتْ لِتَسْأَلَ الرَّبَّ. 23 فَقَالَ لَهَا الرَّبُّ: «فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ». 24 فَلَمَّا كَمُلَتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ إِذَا فِي بَطْنِهَا تَوْأَمَانِ. 25 فَخَرَجَ ألأَوَّلُ أَحْمَرَ، كُلُّهُ كَفَرْوَةِ شَعْرٍ، فَدَعَوْا اسْمَهُ «عِيسُوَ» ...) (تكوين 25 : 19 - 25)

            إن (عيسو) ذاك كان الإبن البكر لإسحاق بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، وهو لفظ يتركب ـ بعد حذف حرفي العلة ـ من الساكنين ( ع ) و ( س ) بتقدم حرف العين على حرف السين. إننا نلاحظ التطابق التام بين لفظي (عيسو) و(عيسى) وذلك من النواحي الآتية:

            - يحتوي كل واحد منهما على أربعة حروف: إثنين معتلين واثنين صحيحين.

            - تطابق تام للأحرف الثلاثة الأولى لكل منهما. أما الحرف الأخير وهو حرف معتل فمختلف ويخضع في ذلك لقاعدة نحوية شهيرة في اللغات السامية هي قاعدة الإعلال والإبدال.

            - تقدم حرف العين على حرف السين.

            نخلص ـ للآن ـ أن لفظ (يسوع) هو ترجمة عربية للفظ Ἰησοῦς اليوناني أو لفظ Jesus اللاتيني وهي ترجمة خاطئة تماما لخلو ذينك اللسانين من حرف العين الحلقي. أما الإسم الأصلي للمسيح فغير معروف ـ للنصارى ـ لفقدان الوثائق الأصلية واعتمادهم في عقيدتهم على لسان لم يتكلم به المسيح في حياته قط. إن على النصارى أن يختاروا الآن أحد بديلين وردا في العهد القديم، فإما أن يطلقوا على المسيح اسم (يوشع) على غرار النبي يوشع بن نون صاحب موسى عليه السلام، وإما أن يطلقوا على المسيح اسم (عيسو) على غرار عيسو بن اسحاق توأم يعقوب بن اسحق عليهم السلام.

            اسم المسيح بين عيسو وعيسى
            لا يوجد أي اختلاف بين لفظي (عيسو) و(عيسى) لأن الجذور في الألسنة السامية تبني على أساس الحروف الصحيحة وهنا نجد التطابق التام بين الإسمين حيث يحتوي كل منهما على حرفي ( ع ) و( س ) وبنفس الترتيب. تجدر الإشارة أخيرا أن لفظ (عيسو) العبراني ويرسم هكذا עִשָׂו مشتق من مادة (ع / س / هـ ) ويرسم هكذا עָשָׂה ويدل على معاني الصنع والإيجاد وغالبا ما يستخدم للدلالة على المعجزات الإلهية كما قال العلامة البروفيسور برنهارد شتاده Bernhard Stade في قاموسه العبراني القيم المطبوع في ألمانيا عام (1893). من هنا نفهم أن المسيح عليه السلام إنما سماه الله تعالى في القرآن الكريم (عيسى) لحكمة بالغة وهي أن ذلك الإسم يدل في لسانه الأم على الصنع، إشارة لكونه مخلوقا حادثا، وكدليل على أن حدوثه تم بآية خارقة للنظام الكوني وهي حدوثه من أم دون أب على الإطلاق. بهذه المناسبة أختم خاطرتي تلك بقول الله تعالى:

            (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (النساء : 171)
            كَتَبَه:

            أبو إسحاق النَّظَّام
            _________


            (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


            (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

            تعليق


            • #7
              [7] يسوع أم عيسى؟ دراسة لسانية (الجزء الثاني)

              عيسو עִשָׂו

              أدعو حضرات السادة والسيدات في البداية لقراءة النص التالي من سفر التكوين، الإصحاح 25، العدد من 19 إلى 26:

              (وَهذِهِ مَوَالِيدُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: وَلَدَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ. 20 وَكَانَ إِسْحَاقُ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمَّا اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ زَوْجَةً، رِفْقَةَ بِنْتَ بَتُوئِيلَ الأَرَامِيِّ، أُخْتَ لاَبَانَ الأَرَامِيِّ مِنْ فَدَّانَ أَرَامَ. 21 وَصَلَّى إِسْحَاقُ إِلَى الرَّبِّ لأَجْلِ امْرَأَتِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا، فَاسْتَجَابَ لَهُ الرَّبُّ، فَحَبِلَتْ رِفْقَةُ امْرَأَتُهُ. 22 وَتَزَاحَمَ الْوَلَدَانِ فِي بَطْنِهَا، فَقَالَتْ: «إِنْ كَانَ هكَذَا فَلِمَاذَا أَنَا؟» فَمَضَتْ لِتَسْأَلَ الرَّبَّ. 23 فَقَالَ لَهَا الرَّبُّ: «فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ». 24 فَلَمَّا كَمُلَتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ إِذَا فِي بَطْنِهَا تَوْأَمَانِ. 25 فَخَرَجَ ألأَوَّلُ أَحْمَرَ، كُلُّهُ كَفَرْوَةِ شَعْرٍ، فَدَعَوْا اسْمَهُ «عِيسُوَ». 26 وَبَعْدَ ذلِكَ خَرَجَ أَخُوهُ وَيَدُهُ قَابِضَةٌ بِعَقِبِ عِيسُو، فَدُعِيَ اسْمُهُ «يَعْقُوبَ». وَكَانَ إِسْحَاقُ ابْنَ سِتِّينَ سَنَةً لَمَّا وَلَدَتْهُمَا) (التكوين 25 : 19 - 26)

              يتركب اسم (عيسو) في اللسان العبراني من ثلاثة أحرف: حرفان صحيحان هما العين ע المكسورة، والسين שׂ المضمومة لحركة المناسبة، وحرف واحد معتل هو الواو ו الساكنة المضموم ما قبلها وفقا لقراءة اليهود المازوريتيين. من المعرف في العلوم اللسانية أن بناء الكلمة في اللغات السامية ـ كالعبرانية والعربية ـ يقوم على الحروف الصحيحة (الصامتة) Konsonanten فهي وحدها التي تؤدي المعنى العام، أما الحروف المعتلة Vokale والحركات القصيرة والطويلة فتقتصر وظيفتها على تأدية المعاني الإشتقاقية والصرفية مثل: كتب، يكتب، كتاب، كاتب، ...، حيث تدل الحروف الصحيحة الأصلية (ك / ت / ب) على معنى التسمية أي على المسمى. إذا عمدنا إلى لفظ (عيسو) وطبقنا عليه فقه اللغة السامية semitische Philologie فحذفنا ما به من أحرف معتلة وحركات واقتصرنا على ما به من حروف صحيحة صامته لصار لدينا حرفان اثنان هما العين ע والسين שׂ على التوالي. على هذا يمثل ذانك الحرفان الجذر الجيني للفظ (عيسو)، فعلى ماذا يدل ذلك الجذر؟

              [1] مفهوم جذر العين والسين في التوراة السائرة
              لنرجع إلى سفر التكوين مرة أخرى والشاهد فيه هو العدد 25 تحديدا وهو كما يلي:

              (فَخَرَجَ ألأَوَّلُ أَحْمَرَ، كُلُّهُ كَفَرْوَةِ شَعْرٍ، فَدَعَوْا اسْمَهُ «عِيسُوَ») (تكوين 25 : 25)

              فلنستقرأه لنرى دلالة العين والسين. يتضح من خلال تدبر النص أن المولود الأول قد جاء تكوينه المادي مخالفا لما هو معهود ومعتاد، حيث خرج لونه (أحمرا)، وجسده (كله كفروة شعر)، لذلك دعوا اسمه (عيسو) ولننتبه لدلالة الفاء في كلمة (فدعوا) للدلالة على التعقيب، أي تم إطلاق اسم (عيسو) عليه عقب ولادته بتلك الهيئة العجيبة الغير مألوفة.

              قاعدة: يدل الجذر الجيني المكون من حرفي (ع / س) على المولود الذي جاء بهيئة تكوينية تخالف ما هو شائع ومعتاد ومألوف.

              [2] تطبيق القاعدة على إبن مريم
              يشتق اسم "عيسى" ابن مريم من المادة نفسها، حيث يؤول لفظ (عيسى) إلى الجذر الجيني (ع / س) بعد حذف حروف العلة والحركات، كما تعود تسميته لنفس السبب وهو أنه جاء من الناحية التكوينية مخالفا للعادة خارقا لها لكونه لا والد ذكر له.

              قاعدة: يدل اسم (عيسى) على مفهوم المولود الذي جاء تكوينه خارقا للعادة دالا بذلك على كونه آية مخلوقة من آيات الله سبحانه.

              الخلاصة:
              لما كان الإنجيل الأصلي الذي تكلم به ابن مريم مفقودا، ولما كانت أقدم الأناجيل مكتوبة بلسان أجنبي عن لسان ابن مريم، لذلك يلزم أن نعود إلى اللسان الأصلي الذي كان ابن مريم يتحدث به، وهو لسان التوراة العبراني الآرامي لنستقرأ الاسم الذي يدل على مفهوم الولادة الخارقة للعادة، وإننا حين نفعل ذلك نجد أن ذلك الإسم ينطلق من جذر جيني وحيد حروفه الأصلية هما العين ثم السين، وأن حروف مثل الجيم أو الزاي أو حتى العين الخاتمة ليست ضمن حروف ذلك الجذر الجيني. هذا وقد أطلق القرآن عليه اسم (عيسى) وهو اسم ينطبق عليه تماما ـ لسانا ومفهوما ـ كما ينطبق القفاز على راحة اليد، فهنيئا له بذلك الإسم، وهنيئا للمسلمين بكتابهم المعجز، وصلى الله وسلم على خاتم النبيين ومعلم البشر أجمعين محمد بن عبد الله النبي الأمين وسلم تسليما كثيرا.
              كَتَبَه:

              أبو إسحاق النَّظَّام
              _________


              (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


              (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

              تعليق


              • #8
                [8] ابن سطادا / ابن بانديرا / ابن مريم

                نظرتان متطرفتان ونظرة وسطية
                هناك نظرتان متطرفتان ومتباينتان فيما يتعلق بالمسيح. النظرة المتطرفة الأولى هي نظرة النصارى له أنه ـ في زعمهم ـ يمثل الأقنوم الثاني (الكلمة Logos) من مثلث أقانيمهم. النظرة المتطرفة الثانية هي نظرة اليهود له أنه ـ في زعمهم ـ يمثل الخائن لله وللوطن. بين تلك النظرتين الشاذتين توجد نظرة ثالثة وسطية ترفض وصف المسيح بأنه أقنوم كما ترفض وصف المسيح بأنه خائن، وتبين أن المسيح هو عبد الله ورسوله إلى بني اسرائيل، وتلك هي نظرة المسلمين المنطلقة من الكتاب المبين. من هذا المنطلق كان يجب على النصارى إيثار المسلمين الذين يحترمون شخص المسيح عليه السلام على اليهود الذين يحقرون شخص المسيح عليه السلام، لكن ما حدث كان العكس، حيث آثر النصارى اليهود الذين قتلوا إلههم ـ على زعمهم ـ على المسلمين. وليت الأمر توقف عند الإيثار بل تعداه للدفاع والمحاماة عنهم فأظهروا بذلك مبلغ ضلالهم وأنهم قوم لا خلاق لهم. استمعت يوما ما في أحد الغرف الشهيرة للنصارى على برنامج للمحادثات الإلكترونية المباشرة لأحدهم وهو يدافع عمن قتل إلهه المزعوم وهو ينفث سمه الزعاف قائلا: "من قال إن اليهود افتروا على مريم؟ أبدا لم يفترِ اليهود على مريم، ولكن الذي افترى على اليهود هو قرآن المسلمين" (انتهى). يتهم ذلك النصراني المتهود والمتصهين القرآن الكريم بأنه افترى على اليهود أنهم أفتروا على مريم وأشار إلى الآيات التالية من البلاغ المبين:

                (... وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (النساء : 156)

                (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (مريم : 27 - 28)

                وأقره كل من كان بالغرفة من النصارى على سمه الزعاف وما تقاطر من فمه من دم رعاف. أقول: صدق الله تعالى فيما قال وكذب وخسأ ذلك الصهيوني الأفاك فيما تقيأه من كلمات حاول بها تبرئة قاتلي إلهه المزعوم من قذفهم مريم عليها السلام في شرفها. السؤال الذي أوجهه إلى ذلك الصهيوني ومن على شاكلته من الكفار: هل يوجد لديكم مانع عقلي يحيل إمكان قذفهم مريم عليها السلام في شرفها بعد ولادتها المسيح أم لا؟ إن كان لديهم مانع عقلي يحيل إمكان ذلك فليقدموه، وإلا فليخرسوا ولتنقطع ألسنتهم المتقاطرة بالسم ما دامت إمكانية ذلك الإفتراء ممكنة عقلا. برغم ذلك لن أطيل الوقوف عند باب أحكام العقل لأن هؤلاء لا عقول لديهم، وسأنتقل بدلا من ذلك لبيان حدوث ذلك من الناحية النقلية.

                مصادر المعلومات
                الوثائق الرسمية الأولى المسجل بها تعاليم اليهود - أسفار العهد القديم - تخلو من أي إشارة للمسيح أو أمه لكونها دونت قبل عصر المسيح. أما الوثائق الرسمية للنصارى - أسفار العهد الجديد ـ فهي غير معتمدة عند اليهود ولا تتحدث بلسان مقالهم وإن كانت تتحدث عن أحوالهم. إن من يقرأ العهد الجديد يعلم تماما أن الكتبة والفرسيين اليهود قاموا بحرب شعواء ضد المسيح انتهت بمصرعه ـ على زعمهم الكاذب ـ فما العجب إذن في إمكان قيام اليهود بالطعن في شرف أم المسيح عليها السلام؟ لنترك الكتاب المقدس لديهم بقسميه جانبا ولنذهب إلى المصدر الثاني من مصادر اليهود ـ بعد أسفار العهد القديم ـ وهو أدب الحاخامات.

                أدب الحاخامات
                يشمل أدب الحاخامات كتبا كثيرة منها التلمود الأورشليمي والتلمود البابلي بقسميهما المشنا والجمارا، كما يشمل التوسفتا والمدراشيم والترجوميم وغيرها. هناك صعوبتان تكتنفان البحث في كتب أدب الحاخامات أولاهما: الحجم الكبير لهذه الكتب والذي يصل لعشرات المجلدات من القطع الكبير (رأيت نسخة من التلموديم مع الشروح لدى مكتبة الدراسات اليهودية بكلية اللاهوت الإنجيلي مكونة من 64 مجلدا كبيرا ضخما). ثانيهما: تعدد الألسنة واللهجات المدون بها تلك الكتب وهي ما بين العبرانية القديمة والآرامية وما يتوفران عليه من لهجات. لذلك يصعب على الباحث أن يقوم بدراسة شاملة في تلك الكتب. برغم ذلك قام كثير من العلماء المتخصصين بدراسة موضوع هام ودقيق جدا وهو (أدب الحاخامات والمسيح).

                أدب الحاخامات والمسيح
                ذكر الحاخام الألماني الكبير البروفيسور دكتور دكتور تريب أن التلمود تعرض لإضطهاد كبير من قبل الكنيسة الكاثوليكية مما أدى لتدخل الرقيب لحذف كثير من المواضيع. لعل ذلك يفسر لنا سر الندرة النسبية للحديث عن المسيح في التلمود، وأنه إنما يشير إليه بالصفة وليس بالإسم. سأفترض أن القارئ الكريم لديه فكرة مبسطة عن التلمودתלמדים فإن لم يكن الأمر كذلك فيمكن الرجوع لأحد الكتب التي تقدم تعريفا شاملا للمبتدئين مثل كتاب Mielziner بالإنجليزية أو كتاب Stemberger بالألمانية وهما من الكتب الأكاديمية القيمة. أما فيما يتعلق بموضوع "يسوع" في التلمود فهناك كتابان رائدان في هذا المجال أولهما كتاب مائير بالألمانية (1978) والثاني كتاب شيفر (2007) بالإنجليزية. يتحدث الكاتب Peter Schaefer في كتابه القيم Jesus in the Talmud والذي نشرته جامعة برنستون / أكسفورد عام (2007) في فصل بعنوان Jesus' family عن تلك الحقيقة قائلا:

                Since neither source mentions, however, the name "Jesus" but instead resorts to the enigmatic names "Ben Stada" and "Ben Pandera/Pantera" respectively, their relationship to Jesus in hotly disputed

                تدل تلك الفقرة على أمور منها: عدم التصريح بذكر اسم "يسوع" في أي من المصادر (وهذا ربما يؤكد ما سبق وذكرته في مداخلة سابقة حول عدم تعيين المصادر لإسم المسيح فكيف يدعي النصارى أن اسمه "يسوع"؟)، ومنها: اللجوء إلى أسلوب التورية باستخدام أسماء مبهمة مثل ابن سطادا وابن بنديرا، ومنها: الجدل الساخن حول مدى ارتباط الوصفين المتقدمين بيسوع. برغم ذلك خاض بيتر شيفر خضم ذلك البحر وأخرج وثيقة أكاديمية من 210 صفحة تمثلت في كتابه ذاك للدلالة على ارتباط تلك الأصاف وغيرها بيسوعهم.

                ابن بانديرا و ابن سطادا
                كشف بيتر شيفر في كتابه أن التلمود تحدث عن امرأة اسمها مريم أنجبت طفلا غير شرعيا من جندي روماني اسمه Pandera ولذلك سمي المولود "ابن بانديرا". كما وصف التلمود ذلك المولود باسم آخر هو "ابن سطادا" فماذا يعني ذلك الإسم. يذكر البروفيسور الألماني Carl Siegfried في قاموسه العبري (1893) أقرب المشتقات لتلك الكلمة وهو الفعل العبري القديم سطا שָׂטָה والذي يعني Untreue des Eheweibs أي خيانة الزوجة (السفاح) فكأن ذلك اللفظ يعني "ابن العاهرة".

                ليس هناك تصريح كامل كما ذكرنا وذلك لسبب ذكره الكتاب وهو الرقابة الكاثوليكية على التلمود، ولسبب آخر أذكره وهو تعرض التلمود اليروشالمي (الأورشليمي) للضياع بعد هدم هيكل (معبد) سليمان عام 70 م على يد Titus الروماني، وبدء إعادة التدوين بعد ذلك بفترة طويلة، وكذلك تعرض التلمود البافلي (البابلي) للضياع أثناء فترة الأسر البابلي لليهود. برغم ذلك بقيت آثار اكتشفها الأكاديميون النصارى أنفسهم تدل بوضوح على أنه ما كانت أم المسيح عليها السلام لتسلم من لسان اليهود الذي يقطر بهتانا وإفكا وهذا ما أكدت عليه الوثيقة الأصلية الأساسية التي يؤمن بها المسلمون أي: القرآن الكريم.
                كَتَبَه:

                أبو إسحاق النَّظَّام
                _________


                (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


                (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

                تعليق


                • #9
                  [9] إجاباتي عن أسئلة حول مفهوم "الكرازة" ولسان "يسوع"

                  سؤال: ما هو مفهوم لفظ "كرز" في لسان العرب؟

                  فعل "كرز" بحروفه الثلاثة الكاف والراء والزاي لا يعود لأي أصلٍ عربي، بل هو فعلٌ آرامي قديم يرسم بالحرف المربع كالآتي:

                  כרז

                  بنفس الحروف الكاف כ والراء ר والزاي ז، ومعناه "يخطب" أو "يعظ". أما أقرب اشتقاق عربي - حيث تشترك الآرامية والعربية في الأصول اللسانية السامية - له هو "كرّس" بالكاف والراء والسين وهو جذر يدل على العلم والتعلم، وإن كانت دلالة الجذر العربي (كرس) مختلفة تماماً عن الدلالة التي يعنيها المسيحيون عند استخدام لفظ (كرز) الآرامي ، حيث يقصدون به المعنى الآرامي الدال على التبشير والوعظ الديني.

                  سؤال: ما سبب وجود لفظ "يكرز" في الترجمة العربية للإنجيل؟

                  من المعلوم أن يسوع كان يتحدث باللسان العبراني القديم وبلهجة آرامية جليلية، ومن ثم فإننا نتوقع أن تكون أقدم نسخ الأناجيل مكتوبة بذلك اللسان، وبتلك اللهجة، أي أننا نتوقع وجود فعل כרז الآرامي بصيغة المضارع للغائب المفرد المذكر، أي: יכרז (يكرز). لكن أقدم النسخ للأسف مفقودة.

                  إذا رجعنا للنص "شبه" الأصلي لمتى وهو النص اليوناني القديم لوجدنا أمرا مدهشا هو فعل "κηρύσσειν" وينطق ـ وفق اللسان اليوناني ـ "كيريوسّين / كيريوزّين" فترجمه المترجمون إلى "يكرز" دون مراعاة لكون مادة "كرز" آرامية لا عربية.

                  وعلى هذا تمت ترجمة الكلمة محل البحث كالتالي:

                  1. من (יכרז) الآرامية

                  2. إلى (κηρύσσειν) اليونانية

                  3. ثم إلى (praedicare) اللاتينية

                  ثم انقسمت الترجمات قسمين:

                  - قسم اعتمد على الترجمة اللاتينية، كالإنجليزية مثلاً، فترجم كلمة praedicare اللاتينية إلى preach

                  - وقسم اعتمد على الترجمة اليونانية (التي قامت بحفظ الأصل الآرامي)، كالعربية مثلاً، فترجم كلمة κηρύσσειν اليونانية إلى يكرز، أي أنه قام بترجمة شبه الأصل اليوناني إلى كلمة معناها آرامي لكن رسمها اعتمد على الحروف العربية.

                  سؤال: كتبتَ "من المعلوم أن يسوع كان يتحدث باللسان العبراني القديم وبلهجة آرامية جليلية، ومن ثم فإننا نتوقع أن تكون أقدم نسخ الأناجيل مكتوبة بذلك اللسان" فهل يمكن أن تذكر مصادرك أخي فهذا هام جدا للموضوع؟

                  لم أحقق هذه المسألة - بعد - من وجهة نظر تاريخية حتى أعلن مصادري، وإنما أطلقتُ كلامي أعلاه باعتبار ما هو مشهور عند اللاهوتيين من أن يسوع عبراني تحدث الآرامية. لكن برغم من أنني لم أحقق فعلاً المسألة تاريخياً إلا أنه لا يضيرنا هذا الكلام. حينما أحاور المسيحيين لا أتكلم عن "عيسى" باعتباره غير معرَّف لديهم، على زعمهم، كما أنني أؤكد لهم أن "يسوع" العهد الجديد هو غير معرَّف لدينا، وهذا حق، وذلك إلزاماً لهم بما يلزمون به أنفسهم. أما عن قناعتي فأظنُ أن هناك أوجه تشابه بين "عيسى" و"يسوع" كالإشتراك في الإسم، ولهذا تفصيل إن أردتَ ذلك، وإسم الأم، وعدم وجود أب بشري، ولا أب له مطلقاً، والفصيلة الإسرائيلية "رسولاً إلى بني اسرائيل"، كما أن هناك أوجه اختلاف كثيرة منها الزعم بأن "يسوع" إبن الله، ذلك الإختلاف النابع - فيما أرى - من تحريف سيرة عيسى عبد الله الحقيقية، وتفصيل سيرة جديدة منسوجة بأفكار كبار فلاسفة التثليث مثل فيلون السكندري (المؤسس الحقيقي للمسيحية وليس بولس) وبولس وغيرهما. من هذا المنطلق لا أجد غضاضة أبداً أن يكون "يسوع"، باعتباره في الأصل نبي حُرَّفت سيرتُه، إسرائيلياً ومن ثم يتحدث العبرانية.

                  سؤال: أليست العبرية قد ماتت إبان الأسر البابلي وقبل أن يصلوا لفلسطين، وقبل زمن يسوع بمئات طويلة من السنين؟ إن كان الأمر كذلك فكيف تصل العبرانية القديمة لجليل فلسطين، وتبقى محصورة في تلك المنطقة طوال تلك الفترة حتى يأتي يسوع ويتحدث بها؟

                  اللغة التي ماتت، في الحياة اليومية، هي العبرانية القديمة، وهي لغة العهد القديم من ناحية، والتلمود اليروشاليمي من ناحية أخرى، أما أثناء الأسر البابلي وبعده فتطورت لغة جديدة، لنقل لهجة جديدة، هي العبرانية الوسيطة، وهي لغة التلمود البابلي والمشناه، وإن ظلت اللغة القديمة معلومة ومحفوظة عند العلماء، ولتقريب الفكرة نقول، إن أهل مكة اليوم يتحدثون بلغة مختلفة عن لغة أجدادهم قبل 15 قرناً، والدليل هو القرآن، لكن لغة (الصواب: لسانه) القرآن محفوظة يفهمها العلماء والمتعلمون. اللغات كالطاقة لا تموت ولكنها تتحول من صورة إلى أخرى. أما قولي: (يسوع كان يتحدث باللسان العبراني القديم ...) فعلاً خطأ ومعك الحق تماماً في ذلك، أما الصواب فهو: (يسوع كان يتحدث باللسان العبراني الوسيط ...) لكن فيما يتعلق بالآرامية فأرى ما سبق وقلتُه مما يلي تفصيله إن شاء الله.

                  سؤال: كيف يمكن أن تكون اللغة العبرانية القديمة بلهجة آرامية؟ وإلا فالعبرية لغة (أو لهجة) والآرامية أخرى ، ولا يمكن أن أتحدث الإنجليزية بلهجة يابانية مثلاً؟

                  الإنجليزية لسان واليابانية لسان آخر لذلك لا يمكن أن نتحدث الإنجليزية باللسان الياباني، لكن يمكن أن نتحدث الإنجليزية بلهجة ساكسونية أو بلهجة أمريكية أو بلهجة ويلزية أو بلهجة أيرلندية أو بلهجة اسكتلندية، ولكن أحياناً يصل الفارق بين "اللهجات" لدرجة الحاجة إلى ترجمة، فالألمان مثلاً لا يفهمون الألمانية ذات اللهجة السويسرية ويحتاجون لترجمتها!!! كذلك الحال مع الآرامية والعبرية، فغير الدارسين لهما يظنون أنهما لغتان منفصلتان، بينما يلاحظ الدارس لهما أنهما لهجتان للسانٍ واحد، لكن البعد بينهما كالبعد بين الألمانية ذات اللهجة النمساوية والألمانية ذات اللهجة السويسرية، وإن كانتا لهجتين مشتقتين من لسان واحد هو اللسان الألماني. أما عن السبب في انتشار الآرامية في فلسطين فيعود لأسباب سياسة متمثلة في تأثير البيزنطيين المحتلين، ذوي اللسان اليوناني، الذين قاموا بإحلال الآرامية محل العبرية الوسيطة وجعلوها اللسان الرسمي، وكل هذا مدون في كتب تاريخ الآرامية والعهدة على المؤرخين.

                  علماء الكتاب المقدس يقولون هو يتحدث الآرامية ، ظناً، وليس اعتماداً على سجل أو أدلة مؤكدة. قالوا ذلك، لأنه يتحدث لغة أجنبية عن فلسطين التي تتحدث اليونانية في ذلك الوقت، فما قولك في هذه المسألة؟

                  اليونانية لم تكن لغة أصلية لفلسطين، بل كانت لغة المحتلين، ومهما حاول المحتل فرض لغته، إلا أن الواقع الضروري يدل على أنها وإن تعلمها النخبة فإن العوام تظل تتحدث بلسانها، فالنخبة الحاكمة في الجزائر مثلاً تتحدث - إلى اليوم - بالفرنسية، بينما يتحدث الشارع الجزائري بالعربية ذات اللهجة المغاربية، وكذلك الحال في فلسطين: ربما تحدثت النخبة باليونانية إلا أن رجل الشارع البسيط كان يتحدث بلسانه الخاص، وعلم البيزنطيون ذلك ورأوه طبيعياً، لذلك صرفوا هؤلاء العوام للحديث بلهجة تبدو وكأنها لسان آخر، لكنها أقرب لإدراك الشارع من إدراكه اليونانية، وهي الآرامية. أما الأدلة فهناك دلائل على سيادة الآرامية في تلك الفترة منها النقوش والطرازات والوازورز المكتوبة بالآرامية، إضافة لبعض لفائف القمران والمكتوبة بالآرامية. هذه الآثار المحتوية على النقوش الآرامية قدر علماء الآثار زمنها بوسيلة الكربون المشع وقالوا بأنها تعود لعصر المسيح. صحيح أنهم أثريون كتابيون لكني لم أقرأ إلى الآن بحثاً واحداً كتبه باحث مسلم قام فيه بتحقيق تلك الآثار علمياً وأثبت عكس ما تقدم، فإن كنتَ تسمع عن وجود مثل تلك الأبحاث فدلني عليها من فضلك لأقرأها.
                  كَتَبَه:

                  أبو إسحاق النَّظَّام
                  _________


                  (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


                  (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

                  تعليق


                  • #10
                    [10] يِهُوشُوَع
                    نعلم جميعا أن إسم العلم (الإسم الشخصي) الذي ذكر في الكتاب المبين فيما يتعلق بابن مريم عليهما السلام هو (عيسى)، وعلمنا مما تقدم أعلاه أن أقرب الإشتقاقات التوراتية السائرة لذلك الإسم الكريم هو (عيسو) أو (عيساو). أما فيما يتعلق بالأناجيل فقد أشرت إلى أننا لا يمكن لنا ـ منهجيا ـ إعتماد اسم (يسوع) لكون أقدم مخطوطات الأناجيل مكتوبة باللسان اليوناني القديم Altgriechisch بينما لم يكن ابن مريم يونانيا ولا لاتينيا وإنما كان عبرانيا يتحدث بلسان قومه العبراني بلهجة آرامية، وأنه لا توجد ـ فيما تعلن الكنيسة رسميا ـ أي نسخة أصلية من إنجيل المسيح بلسان قومه. أما حديثنا الآن ـ وبإيجاز شديد ـ فيدور حول دعوى يرفعها عدد من مثقفي النصارى فحواها أن اسم (يسوع) مشتق من اسم علم يهودي شهير وهو (يهوشع) الوارد في العهد القديم / سفر زخريا (زكريا / زكرياء) / الإصحاح 3 / العدد 8. لدفع ذلك الزعم أقول: ورد اسم (يهوشع) عدة مرات في سفر زكريا في معرض الحديث عن رؤيا زكريا بن برخيا (ليس زكريا والد يحيى عليهما السلام) :

                    (وَأَرَانِي يَهُوشَعَ الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ قَائِمًا قُدَّامَ مَلاَكِ الرَّبِّ، وَالشَّيْطَانُ قَائِمٌ عَنْ يَمِينِهِ لِيُقَاوِمَهُ. 2 فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ! لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ الَّذِي اخْتَارَ أُورُشَلِيمَ! أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟». 3 وَكَانَ يَهُوشَعُ لاَبِسًا ثِيَابًا قَذِرَةً وَوَاقِفًا قُدَّامَ الْمَلاَكِ. 4 فَأَجَابَ وَكَلَّمَ الْوَاقِفِينَ قُدَّامَهُ قَائِلاً: «انْزِعُوا عَنْهُ الثِّيَابَ الْقَذِرَةَ». وَقَالَ لَهُ: «انْظُرْ. قَدْ أَذْهَبْتُ عَنْكَ إِثْمَكَ، وَأُلْبِسُكَ ثِيَابًا مُزَخْرَفَةً». 5 فَقُلْتُ: «لِيَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةً طَاهِرَةً». فَوَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ الْعِمَامَةَ الطَّاهِرَةَ، وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابًا وَمَلاَكُ الرَّبِّ وَاقِفٌ. 6 فَأَشْهَدَ مَلاَكُ الرَّبِّ عَلَى يَهُوشَعَ قَائِلاً: 7 «هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنْ سَلَكْتَ فِي طُرُقِي، وَإِنْ حَفِظْتَ شَعَائِرِي، فَأَنْتَ أَيْضًا تَدِينُ بَيْتِي، وَتُحَافِظُ أَيْضًا عَلَى دِيَارِي، وَأُعْطِيكَ مَسَالِكَ بَيْنَ هؤُلاَءِ الْوَاقِفِينَ. 8 فَاسْمَعْ يَا يَهُوشَعُ الْكَاهِنُ الْعَظِيمُ أَنْتَ وَرُفَقَاؤُكَ الْجَالِسُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّهُمْ رِجَالُ آيَةٍ، لأَنِّي هأَنَذَا آتِي بِعَبْدِي «الْغُصْنِ». 9 فَهُوَذَا الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعْتُهُ قُدَّامَ يَهُوشَعَ عَلَى حَجَرٍ وَاحِدٍ سَبْعُ أَعْيُنٍ. هأَنَذَا نَاقِشٌ نَقْشَهُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، وَأُزِيلُ إِثْمَ تِلْكَ الأَرْضِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. 10 فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، يُنَادِي كُلُّ إِنْسَانٍ قَرِيبَهُ تَحْتَ الْكَرْمَةِ وَتَحْتَ التِّينَةِ» (زكريا 3 : 1 - 10).

                    إضافة إلى ذلك يذكر البروفيسور Guenter Lanczkowski أستاذ علم الأديان المقارنة بالجامعات الألمانية في موسوعته (1986) أن (يهوشع) كان خليفة موسى عليه السلام، وهو الذي دخل ببني إسرائيل إلى أرض كنعان بعد فترة التيه الأربعيني. أقول: ذلك الإسم (يهوشع) هو الذي يضبطه البعض باللسان العربي هكذا: (يوشع)، وباللسان الألماني هكذا: (Josua)، وباللسان الإنجليزي هكذا: (Joshua)، بينما هو مضبوط باللسان العبراني القياسي هكذا: (יִהוֺ שֻׁעַ) وينطق هكذا: (يِهُوشُوَع) أو اللسان العبراني بطريقة الـ matres lectionis هكذا: (יִהוֺ שׁוֺעַ) وينطق كذلك (يِهُوشُوَع). إذا نظرنا بين لفظ (يسوع) تبين لنا أنه يتكون من حرفين ساكنين هما السين والعين، وإذا نظرنا في لفظ (يِهُوشُوَع) تبين لنا أنه يتكون كذلك من ثلاثة أحرف ساكنة هي الهاء والشين والعين. وإذا أخذنا في الإعتبار أن رسم حرف الشين שׁ ورسم حرف السين שׂ كان في تلك العصور السحيقة يخلو من التنقيط الذي أدخله يهود طبرية نحو القرن العاشر الميلادي، ש، فإنه من غير المستبعد أن يشترك لفظ (يسوع) مع لفظ (يِهُوشُوَع) في حرفين اثنين هما ש وע أي السين/ الشين والعين. بناءا على ذلك ربما نتفهم أن الأساس اللساني للفظ (يسوع) هو لفظ (يِهُوشُوَع) لكن يظل الإشكال الرئيسي بعد ذلك قائما:

                    من أين للنصارى أن الإسم الشخصي للمسيح كان (يِهُوشُوَع) في حين أنهم لا يمتلكون أي نسخة من الإنجيل بلسان المسيح الأم حتى نعلم ما هو اسمه؟

                    إننا لا نختلف كثيرا في أن لفظ (يسوع) ربما يكون مشتقا من لفظ (يِهُوشُوَع)، لكنا نختلف في كيفية تعيين الإسم الشخصي للمسيح سواء أكان (يسوع) أو (يِهُوشُوَع). العهد القديم لن يحل الإشكال لسبب بسيط وهو كونه قد وضع قبل مولد المسيح. أما العهد الجديد فكذلك لن يحل الإشكال لكون أقدم نسخه المعروفة مرسومه بالخط اليوناني ثم لاحقا بالخط اللاتيني. إن النصراني المثقف لن يجادل في تلك الحقائق المتقدمه وإلا فإنه يكشف عن جهل عميق بتلك القضايا.
                    كَتَبَه:

                    أبو إسحاق النَّظَّام
                    _________


                    (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


                    (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

                    تعليق


                    • #11
                      [11] وقفة تحليلية مع مطلع إنجيل لوقا

                      بدأ لوقا الإنجيلي كتابه بالجمل التالية:

                      (إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، 2 كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، 3 رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، 4 لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ) (لوقا 1 : 1 - 4)

                      والتي تدل دلالة قاطعة على أمور هامة يجب أن يتوقف عندها كل باحث عن الحق.

                      [1] (إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا ...)
                      يقصد لوقا بقوله (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا ...) قصة عيسى المسيح الذي سماه لوقا وغيره "يسوع" وهي تسمية خاطئة كما علمنا، أي قصة حياة عيسى وسيرته الذاتية. لكن من يقصد بضمير الجر ( نا ) في قوله (المتيقنة عندنا)؟ هل يقصد جمهور النصارى أم يقصد طائفة منهم؟ وإذا كان يقصد جمهورهم فهل يعني المتقدمين من الذين شهدوا الأحداث أم من التابعين لهم مثله؟ إن متعلق الضمير من الناحية اللسانية غير واضح، لكن دعونا نتخطى تلك النقطة إلى نقطة أكثر أهمية. من هم الـ (كثيرون) الذين (قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ ...) عندهم؟ إننا إذا استعرضنا أسماء كتاب الأناجيل المعتمدين ـ إضافة للوقا نفسه ـ نجد ثلاثة أسماء فقط لا غير هي: (متى) و(مرقص) و(يوحنا) فهل يصح وصف ثلاثة نفر بوصف (كثيرون)؟ لقد ذكر لوقا أن هناك كثيرين (قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ ...) عنده وغيره أي لا يمكن أن يكون المقصود هنا الكتاب الذين صنفت الكنيسة لاحقا قصتهم ضمن الأبوكريفا لأن لوقا يذكر بدقة أن تلك القصص هي فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ ...) عنده وغيره فأين هي تلك الكثرة؟ إما أن لوقا لا يعي ما يقول فلا يميز بين (الكثير) و(القليل) وهذا مستبعد وإما أن تكون الكنيسة قد تعاملت مع المؤلفات التي أشار لوقا إليها من الباب الخلفي وسمحت بتمرير أربع قصص فقط وهذا هو الأرجح.

                      [2] (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ)
                      في الفقرة الأولى تحدث لوقا عن (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ)، وفي الفقرة الثانية يقول (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) وهي فقرة تدل على شيئين هامين للغاية:

                      i. يعود ضمير الغائب المؤنث ( ها ) في قوله (كما سلمها إلينا) إما على (قصة) وإما على (الأمور المتيقنة) وهذا الأقرب لأن ضمير الغائب جاء مباشرة بعد متعلقه بلا فاصل، وهذا معناه أن لوقا وغيره من معاصريه تسلموا (الأمور المتيقنة) أي العقائد النصرانية تسلما. هم لم يصلوا إلى تلك العقائد بطريق (الإستدلال العقلي) ولكنهم تلقوها تلقيا بطريق (الآثار).

                      ii. الفاعل في الجملة هو لفظ (الذين) وهو إسم موصول مبني وفي محل رفع، وصلة الموصول هي (كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ). تدل هذه الفقرة دلالة قاطعة على أن لوقا ـ وغيره ـ لم يكن منذ البدء (معاينا) لكلمة الله المسيح عيسى بن مريم أي أنه لم يكن (شاهد عين) ولكنه (شاهد سمع) تلقى (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) من (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).

                      إن شهود العين هم الحواريين Juenger الذين حاوروا المسيح وحاورهم، وحيرهم وحيروه، من أمثال بطرس وبرنابا وتوماس ويهوذا وغيرهم فأين شهادة هؤلاء التي سلموها لأولئك؟ إن لغة الحوار بين عيسى وحوارييه كانت العبرانية الآرامية بينما اللغة التي دون بها إنجيل لوقا هي اليونانية المفقودة، مما يعني أن هناك حاجز لساني هام جدا يحجز بين القصة (الأصلية) والقصة (المترجمة).

                      [3] (رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، 4 لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ)
                      نفهم مما تقدم ما يلي:

                      - سلم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) عقائد ويقينيات للذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).

                      - أخذ ( كثيرون) من الذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) (بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) (كما سلمها) إليهم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).

                      - بعد أن أخذ ( كثيرون) من الذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) (بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) (كما سلمها) إليهم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) رأى لوقا أن يكتب هو أيضا وقد تتبع كل شيئ من الأول بتدقيق إلى (ثَاوُفِيلُسُ). إن قول لوقا عن نفسه (إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق) لا يدل على أنه كان شاهد عين على العقيدة لإنه سبق وأن أوضح (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) أي أنه لم يكن من هؤلاء، ولكنه يدل على تتبعه سيرة المسيح منذ بدايتها بتدقيق أي تتبع الآثار المروية والأسانيد التي وقف عليها بتدقيق. إن لفظ (تدقيق) لا يعني بضرورة الحال أن عمله ذلك معصوما ولكنه يعني أنه استفرغ وسعه في تدقيق أساطير الأولين كما سلمت إليه ولا يوجد مانع عقلي أن يكون تدقيقه ذاك قد فاته كثير أو قليل من الحقائق.

                      الخلاصة
                      لم يكن لوقا الإنجيلي شاهد عين على سيرة المسيح لإنه لم يكن من أفراد عائلته ولا من حوارييه المقربين، وإنما كان تابعا نمت إلي مسامعه قصة العقيدة النصرانية كما نقلها الأولون، فأخذ يتتبع تلك القصة من بدايتها إلى نهايتها ودون جهده ذاك في كتاب اعتمدته الكنيسة لاحقا كأحد أربعة أناجيل رسمية ضاربة عرض الحائط بعشرات من الأناجيل المخالفة للتعاليم البولسية (نسبة إلى قديسهم بولس) عرض الحائط. وحتى لا نظلم لوقا هذا نقر صراحة بأن الرجل لم يزعم أنه كان شاهد عين ولكنه أوضح أنه مجرد شاهد سمع، كما أنه بين أن كثيرين قد سبقوه في هذا المجال، ولم يزعم لنفسه أن قصته تلك تمت بمباركة "الروح القدس" ولكنه أبان بوضوح شديد بأن مجهوده ذاك هو جهد بشري خالص بذل فيه غاية وسعه في التتبع والتدقيق. إن الرجل لم يزعم لنفسه عصمة ولا تأييدا قدسيا فما بال الكنيسة قد أمست ملكية أكثر من الملك فادعت له ما لم يدعيه لنفسه؟
                      كَتَبَه:

                      أبو إسحاق النَّظَّام
                      _________


                      (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


                      (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

                      تعليق


                      • #12
                        [12] الأَرْيُسِيِّيُون

                        روى أهل الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وكان مما جاء بكتابه ما يلي:

                        [بسم الله الرحمن الرحيم.

                        من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم:

                        سلام على من اتبع الهدى، أما بعد:

                        فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين

                        (وَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)] (البخاري / مسلم)

                        ضبط معظم شراح الحديث لفظ “الأريسيين” الوارد في متن الكتاب كالآتي: (الأرِيِسِيِّين) وفسروا معناه بالفلاحين تارة والحراثين تارة أخرى وبالأمراء وغير ذلك من المعاني المتضاربة. أول من انتبه لأعجمية اللفظ هو الفقيه اللغوي العبقري الإمام إبن فارس الذي أنكر أن يكون ذلك اللفظ عربيا وقد صدق فيما قال. اللفظ وضبطه الصحيح هكذا (الأرْيُسِيِّين) معناه Ariusists أي أتباع أريوس الذي أنكر ألوهية المسيح والذي من أجله عقد مجمع نيقية عام 325 م كما ذكرت أعلاه. من الشراح الذين انتبهوا لهذا الإمام الكبير الحافظ ابن حجر العسقلاني. قال الحافظ بن حجر في موسوعة (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) كتاب (تفسير القرآن) باب (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ…) أن [الأريسيين كانوا قليلا وما كانوا يظهرون رأيهم فإنهم كانوا ينكرون التثليث].

                        وقد صدق الحافظ فيما قال فمن أجل تعاليم آريوس وضع المجمع المسكوني الأول والذي عقد بعد أكثر من ثلاثة قرون وربع القرن من عصر المسيح قانون الإيمان النيقاوي بعدما قاموا بتحريم آريوس وتجريم تعاليمه.

                        يقول المفكر الكبير البروفيسور محمد عابد الجابري: [رسالة النبي إلى هرقل تنطوي على دليل قاطع على أنه عليه السلام كان يدرك، عندما بعث رسالته تلك، أن كثيرا من المنضوين تحت إمبراطورية هرقل هم من ''الموحدين'' أتباع مذهب أريوس، ولذلك حمّله مسؤولية الإثم الذي يترتب عليه إذا هو لم يسلم، لأن عدم إسلامه سيحول دون إسلام رعيته].
                        كَتَبَه:

                        أبو إسحاق النَّظَّام
                        _________


                        (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


                        (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

                        تعليق


                        • #13
                          [13] من قتل يوحنا المعمدان؟

                          (I) ولكن … من قال إنه قُتِلَ من الأصل؟

                          “يوحنا المعمدان” تسمية يسمي بها أهل العهد الجديد Neues Testament نبي الله يحيى بن زكريا عليهما السلام وذلك لتعميده أتباعه وغسلهم بماء نهر الأردن. يصف مَتَّى الإنجيلي يحيى عليه السلام بما يدل على زهده وتقشفه: أما لباسه فكان (مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ) (مَتَّى : 3 : 4)، وأما طعامه فكان (جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا) (مَتَّى : 3 : 4)، وأما صفته في سفر اشعياء فهي (صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً) (مَتَّى : 3 : 3). أما صفته في الكتاب المبين فقد أخبرنا الله عنها بقوله سبحانه: (فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران : 39) وغير ذلك من الصفات الرائعة فسلام على يحيى في العالمين.

                          الزعم بقتل يحيى عليه السلام

                          يقال أن الملك هيرودس كانت له ابنة أخ حسناء فأراد أن يستنكحها، وكانت ـ وكذلك أمها ـ توافق على ذلك وتطلبه. كان القراءون من اليهود لا يرون بأسا في ذلك الزواج ولا يعتبرونه محرما في الشريعة الموسوية، بينما وقف الربانيون من اليهود ضد ذلك الزواج وعلى رأسهم يحيى عليه السلام كبير معلمي الشريعة ومرجعها وعارضه معارضة شديدة. بعد إحدى الرقصات ذات الإيحاءات الجنسية قامت بها سالومي في قصر عمها طلبت منه أن يكون مهرها هو رأس يوحنا المعمدان، فوافق على طلبها وزعموا أنه كان لها ما طلبت، فتم تقديم رأس يوحنا المعمدان لها على طبق من فضة وهكذا تم التخلص من زعيم الربانيين الرافضين لذلك النكاح المحرم وهو أن ينكح الرجل ابنة أخيه. إنها بالفعل قصة مؤثرة وقد صورها الرسامون بطريقة شديدة الإيحاء. لكن ما مدى صحة تلك القصة؟ أو على الأقل ما مدى صحة زعم قتل يحيى عليه السلام سواء أكان بسبب معارضته لذلك النكاح المحرم أم لسبب آخر؟ لنستجلي آيات الذكر الحكيم للوقوف على إجابة نطمئن إليها.

                          هل قُتِلَ يحيى أم مات؟

                          يفرق القرآن الكريم بين صورتين من صور الوفاة: الوفاة بالموت وهي الوفاة الطبيعية، والوفاة بالقتل وهي الوفاة الغير طبيعية. لذلك يقول الحق سبحانه في الكتاب: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ …) (آل عمران : 144) حيث فرق بين (القتل) و(الموت). إذا رجعنا مرة أخرى لدراسة الأخبار عن يحيى عليه السلام في الكتاب فإننا نقرأ ـ ضمن ما نقرأ ـ قول الله تعالى مخبرا عن يحيى عليه السلام: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) (مريم : 12 - 15) والشاهد فيه قوله تعالى ـ والذي نزل بعد أكثر من خمسة أو ستة قرون على وفاة يحيى عليه السلام: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) والتركيز فيه على (وَيَوْمَ يَمُوتُ) ربط ذلك بقوله تعالى (سَلامٌ عَلَيْهِ) بما يوحي بأمرين، أولهما: أن يحيى عليه السلام توفي وفاة طبيعية بالموت وليس بالقتل. ثانيهما: أنه مات في حالة سلام وبسلام. من خلال استنطاقنا لآيات الكتاب المبين نطمئن إلى أن يحيى عليه السلام مات ولم يقتل ومن ثم فإننا نرفض تلك الأقاصيص والأساطير والأعمال الفنية التي تزعم قتل يحيى عليه السلام.

                          (II) (… سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران : 39)

                          يحيى النبي الصالح والعبد الرباني

                          ميز الله سبحانه عبده يحيى بن زكريا عليهما السلام بمميزات رائعة تبعث في العقل والقلب تيارا من المحبة والاحترام والتبجيل لذلك السيد الجليل سلام الله عليه في الخالدين. من هذه المميزات في قوله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) (مريم : 12 - 15) أن الله سبحانه (آتاه الحكم صبيا) أي أنه وصل لمرحلة الحاكمية الشرعية / المرجعية الشرعية وهو في سن الصبا. يقول الله سبحانه عن تلك (الحاكمية) ما يلي: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء …) (المائدة : 44). فالله سبحانه وتعالى أنزل التوراة على واحد من خيرة المرسلين على الإطلاق، وهو عميد أنبياء بني إسرائيل، وجبل الشريعة ومرجعها وأستاذها، الجبل الأشم والبحر الخضم موسى عليه الصلاة والسلام. أنزلها وفيها هدى ونور ليسير عليها بنو إسرائيل وكان موسى عليه السلام يحكم بها ما حيا، وبعد موته انتقلت الحاكمية إلى النبيين الذين ساروا على هدي إمامهم عليه السلام في الحكم بالشريعة. استمر الأمر هكذا إلى أن وصلت تلك الحاكمية لنبي لم يجتز مرحلة الصبا إلا بعد أن أصبح حاكما بالتوراة ومرجعا إليها ومستفتى فيها ومن حكمائها ومحكميها وهو في تلك السن المبكرة … ذلكم هو يحيى بن زكريا عليهما السلام. إضافة لذلك الجانب النبوي والحاكمي والفكري في شخصية يحيى عليه السلام ميزه الله سبحانه بفيوضات ربانية قدسية، حيث آتاه (… حَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) فسلام الله عليه في الصالحين.

                          يحيى السيد والحصور

                          أما لفظ (سيدا) فيدل على السؤدد والسادة وهو الشرف والرئاسة القائمة على نبل الأصل وطيب المنبع ورفعة السلوك وعلو الأخلاق. وأما لفظ (حصورا) على وزن فعولا للمبالغة في (الحصر). يدل مفهوم (حصر) في لسان القرآن على معنى (الإحاطة) بالشيئ، ومنه قوله تعالى: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ …) (البقرة : 196) أي: فإن أحيط بكم، بمعنى فإن أحاط بكم مرض أو عدو بعد أن شرعتم بالإحرام، فما استيسر من الهدي. فكلمات مثل: حصر، حصار، محصور، … الخ تدل كلها على معنى واحد أصيل هو الإحاطة. لذلك وصف الله سبحانه عبده يحيى عليه السلام بكونه (حصورا) بعد وصفه بكونه (سيدا) فعطف الأول على الثاني عطف خاص على عام لأن المنعة والحماية جزء من السيادة. إضافة للإحاطة والمنعة يدل اللفظ نفسه على الحيطة والحذر وهي الملكة التي تحيط بصاحبها فتحجزه عن الاندفاع والتسرع. امتدح الله سبحانه عبده يحيى عليه السلام بأنه سيد وحصور للدلالة على رئاسته في الخلق القويم، والسلوك المستقيم، والشرف والمنعة، فكأنه كالليث الهزبر يمنع الأذى عن أصحابه ويمنع الشرور عنهم، ويحيط بهم في موضع سؤدده ويمنعهم من الإضرار بالآخرين كما يمنع الآخرين من الإضرار بهم. هذا هو مفهوم (حصورا) كما جاء به الكتاب، وكل معنى آخر يخالف هذا المفهوم الأصيل مما فيه تعريض أو انتقاص فهو وهم من الأوهام إن لم يكن تخرص اللئام، لمخافته خير الكلام، كلام الحكيم العلام.

                          سلام على يحيى بدر التمام، سلام عليه في الأولين، وسلام عليه في الآخرين، وسلام عليه في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
                          كَتَبَه:

                          أبو إسحاق النَّظَّام
                          _________


                          (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


                          (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

                          تعليق


                          • #14
                            [14] حول قيامة المسيح

                            فيما يلي أقدم نموذجا للتناقض بين روايات الأناجيل، تلك التي يزعم أتباعها أنها دونت بإلهام من الروح القدس، ذلك الأقنوم الذي صدار قرار مجمعي بتأليهه بدءً من سنة 381 م. اخترت كنموذج لذلك التناقض مسألة من أهم مسائل العقيدة المسيحية وهي مسألة قيامة المسيح Resurrection. سنرى كيف إختلفت الروايات الأربعة فيما يتعلق بثلاثة ظواهر هي: عدد النساء اللاتي أتين للقبر وعدد الملائكة عند / في القبر وعدد النساء اللاتي التقى بهن يسوع بعد قيامته وهذا مجرد غيض من فيض التضارب والتناقض في أمور تمس جوهر المعتقد المسيحي. سأكتفي بذكر النصوص مع التعليق الوجيز جدا إن وجد إذ الأولوية هنا تتمثل في جعل النص يتحدث عن نفسه.

                            أولا: عدد النساء اللاتي أتين للقبر

                            رواية متَّى: امرأتان
                            (وَبَعْدَ السَّبْتِ، عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ) (متى : 28 / 1)

                            رواية مرقس: ثلاثة نساء
                            (وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ. 2 وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) (مرقس : 16 / 1 - 2)

                            رواية لوقا: ثلاثة نساء ومعهن أناس
                            (ثُمَّ فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، أَوَّلَ الْفَجْرِ، أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلاَتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ، وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ. 2 فَوَجَدْنَ الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ، 3 فَدَخَلْنَ وَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ الرَّبِّ يَسُوعَ) (لوقا : 24 / 1 - 3)

                            رواية يوحنا: امرأة واحدة
                            (وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِرًا، وَالظَّلاَمُ بَاق. فَنَظَرَتِ الْحَجَرَ مَرْفُوعًا عَنِ الْقَبْرِ) (يوحنا : 20 / 1)

                            ثانيا: عدد الملائكة عند / في القبر

                            رواية متَّى: واحد
                            (وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ. 3 وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ، وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ. 4 فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ. 5 فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لِلْمَرْأَتَيْنِ :«لاَ تَخَافَا أَنْتُمَا) ((متى : 28 / 2 - 5)

                            رواية مرقس: واحد
                            (وَلَمَّا دَخَلْنَ الْقَبْرَ رَأَيْنَ شَابًّا جَالِسًا عَنِ الْيَمِينِ لاَبِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ، فَانْدَهَشْنَ. 6 فَقَالَ لَهُنَّ:«لاَ تَنْدَهِشْنَ! أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الْمَصْلُوبَ. قَدْ قَامَ! لَيْسَ هُوَ ههُنَا. هُوَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعُوهُ فِيهِ) (مرقس : 16 / 5 - 6)

                            رواية لوقا: إثنان
                            (وَفِيمَا هُنَّ مُحْتَارَاتٌ فِي ذلِكَ، إِذَا رَجُلاَنِ وَقَفَا بِهِنَّ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ. 5 وَإِذْ كُنَّ خَائِفَاتٍ وَمُنَكِّسَاتٍ وُجُوهَهُنَّ إِلَى الأَرْضِ، قَالاَ لَهُنَّ:«لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الأَمْوَاتِ؟) (لوقا : 24 / 4 - 5)

                            رواية يوحنا: إثنان
                            (أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ وَاقِفَةً عِنْدَ الْقَبْرِ خَارِجًا تَبْكِي. وَفِيمَا هِيَ تَبْكِي انْحَنَتْ إِلَى الْقَبْرِ، 12 فَنَظَرَتْ مَلاَكَيْنِ بِثِيَابٍ بِيضٍ جَالِسَيْنِ وَاحِدًا عِنْدَ الرَّأْسِ وَالآخَرَ عِنْدَ الرِّجْلَيْنِ، حَيْثُ كَانَ جَسَدُ يَسُوعَ مَوْضُوعًا. 13 فَقَالاَ لَهَا:«يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟» قَالَتْ لَهُمَا:«إِنَّهُمْ أَخَذُوا سَيِّدِي، وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!». ) (يوحنا : 20 / 11 - 13)

                            ثالثا: عدد النساء اللاتي التقى بهن يسوع بعد قيامته

                            رواية متَّى: امرأتان
                            (وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لاَقَاهُمَا وَقَالَ:«سَلاَمٌ لَكُمَا») (متى : 28 / 9)

                            رواية مرقس: امرأة واحدة
                            (وَبَعْدَمَا قَامَ بَاكِرًا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ ظَهَرَ أَوَّلاً لِمَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةِ، الَّتِي كَانَ قَدْ أَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعَةَ شَيَاطِينَ. 10 فَذَهَبَتْ هذِهِ وَأَخْبَرَتِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ وَهُمْ يَنُوحُونَ وَيَبْكُونَ) (مرقس : 16 / 9 - 10)

                            رواية لوقا: رجلان
                            سكتت رواية لوقا عن ذكر ظهور يسوع لأي امرأة بعد قيامته وذكرت بدلا من ذلك ظهوره ـ متخفيا ـ لرجلين:
                            (وَإِذَا اثْنَانِ مِنْهُمْ كَانَا مُنْطَلِقَيْنِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ إِلَى قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أُورُشَلِيمَ سِتِّينَ غَلْوَةً، اسْمُهَا «عِمْوَاسُ». 14 وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ بَعْضُهُمَا مَعَ بَعْضٍ عَنْ جَمِيعِ هذِهِ الْحَوَادِثِ. 15 وَفِيمَا هُمَا يَتَكَلَّمَانِ وَيَتَحَاوَرَانِ، اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا يَسُوعُ نَفْسُهُ وَكَانَ يَمْشِي مَعَهُمَا. 16 وَلكِنْ أُمْسِكَتْ أَعْيُنُهُمَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ) (لوقا : 24 / 13 - 16)

                            رواية يوحنا: امرأة واحدة
                            (وَلَمَّا قَالَتْ هذَا الْتَفَتَتْ إِلَى الْوَرَاءِ، فَنَظَرَتْ يَسُوعَ وَاقِفًا، وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ يَسُوعُ. 15 قَالَ لَهَا يَسُوعُ:«يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ مَنْ تَطْلُبِينَ؟» فَظَنَّتْ تِلْكَ أَنَّهُ الْبُسْتَانِيُّ، فَقَالَتْ لَهُ:«يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ، وَأَنَا آخُذُهُ». 16 قَالَ لَهَا يَسُوعُ:«يَا مَرْيَمُ» فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالَتْ لَهُ: «رَبُّونِي!» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ.) (يوحنا : 20 / 14 - 16)
                            كَتَبَه:

                            أبو إسحاق النَّظَّام
                            _________


                            (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


                            (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

                            تعليق


                            • #15
                              [15] الجواب الهادي في الرد على النصراني عبد الفادي

                              جلست بجواري في القطار وهي تمسك بين يديها كتابا عنوانه (هل القرآن معصوم؟) لرجل دين نصراني اسمه (عبد الله عبد الفادي) وأخذت تحوارني حول “أخطاء” مزعومة في القرآن الكريم، فقلت لها هاتي ما لديك، فقالت ما لديها، ولما أجبتها نكست رأسها ودونت بعض الملاحظات مما قلته لها بالقلم الرصاص على صفحة كتابها المشبوه، ثم توقف القطار وانصرف كل واحد منا إلى غايته.

                              والآن قبل أن أدون ملاحظاتي على شبهاتها أود التنبيه على أن الشبهات لن تنتهي، فها هي الأفهام تنغلق أمام ضوء الحقيقة، وها هي الألسن تستعجم أمام بلاغة القرآن، وصدق القائل:

                              قد تنكرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رمدِ *** وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ من سقمِ

                              لكني رأيت أن أقدم بين يدي الرد مقدمة ذلك الكاتب الغافل لنقف على مبلغ علمه. يقول “عبد الفادي” في مقدمه كتابه ذاك:

                              رغبتُ منذ حداثتي أن أقوم بخدمةٍ منتِجة دائمة الأثر للجنس البشري. وليس في مقدوري أن أكتشف قارّةً مثل ما فعل كولمبس، ولا أن أخترع مذياعاً كما فعل ماركوني، ولا أن أسخّر الكهرباء مثل ما فعل إديسون، ولا أن أحلل الذرة كما فعل أينشتاين، فليس شيء من هذا يدخل في دائرة اختصاصي. ولكنني كرجل دين رأيت أن أدرس القرآن. وبما أن الله واحد ودينه واحد وكتابه المقدس واحد، الذي ختمه بظهور المسيح كلمته المتجسد، وقال إن من يزيد على هذا الكتاب يزيد الله عليه الضربات المكتوبة فيه. وبما أن القرآن يقول إنه وحي، أخذتُ على عاتقي دراسته ودراسة تفاسيره، فدرسته مراراً عديدة ووقفتُ على ما جاء به، ووضعت تعليقاتي في قالب 243 سؤالاً، خدمةً للحق وتبصِرةً لأولي الألباب، وشعاري قول بولس الرسول: “إِنِّي مَدْيُونٌ لِلْيُونَانِيِّينَ وَالْبَرَابِرَةِ، لِلْحُكَمَاءِ وَالْجُهَلاءِ” (رومية 1: 14). ونحن نشعر بنفس هذا الدَّين من نحو البشر جميعا لنقدم لهم إنجيل المسيح المبارك فنفرح بحصولهم على الحياة الأبدية، فيتم الوعد الإلهي: “وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاصَ اللّهِ” (لوقا 3: 6).

                              والآن لنأخذ أمثلة من تلك الأسئلة التي وجهها ذلك الكاتب الذي يريد أن يسدي معروفاً للجنس البشري لنرى علمه وشأنه، ولولا المحاورة التي تمت مع قارءة الكتاب لما شغلت نفسي بالرد على ترهات الجهلاء، فلدينا ما هو أهم من واجبات.

                              س 16: جاء في سورة الأنعام 6: 74 “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِين”. والصواب في التاريخ كما يشهد الكتاب المقدس أن والد إبراهيم اسمه تارح كما جاء في تكوين 11: 27.

                              الجواب: نرى هنا الخلط واضحاً بين لفظي (الأب) و(الوالد)، فإذا كان العهد القديم ينص على أن تارح ولد إبرام (إبراهيم) ، “وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ …” “تكوين 11 : 27″، فإن ذلك - بفرض صحته - لا يناقض القرآن الكريم لأن القرآن يتحدث عن آزر بصفته أباً لإبراهيم وليس والداً له على النحو الذي شرحته في مقالي السابق. ، وإلا فليأتنا الكاتب بآية قرآنية تدل على أن آزر هو “والد” إبراهيم إذا أراد أن يكون كلامه ملزماً.

                              س 107: جاء في سورة البقرة 2: 124 لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . وكان يجب أن يرفع الفاعل فيقول الظالمون .

                              الجواب: لقد ظن ذلك الأعجمي أن الفاعل هو (الظالمين) بينما الصواب أن الفاعل هو (عهد) أما (الظالمين) فهي المفعول به، وإعراب الآية كالتالي: (لا) حرف نفي مبني على السكون. (ينالُ) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. (عهد) فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها إشتغال المحل بحركة المناسبة لياء المتكلم، وياء المتكلم ضمير بارز متصل في محل جر مضاف إليه. (الظالمين) مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم. إن معنى الآية الكريمة هي: عهدي لن ينال [هو] الظالمين أي: لن يصل عهدُ الله إلي الظالمين، فالعهد هو الذي يصل للمعهود له وليس العكس، فالعهد فاعل والمعهود له هو المفعول به، لكن عجمة الألسنة وإعياء العقل لا علاج لهما إلا بالعلم والذي يفتقده كاتبنا الهمام، وصدق الشاعر حين قال:

                              لكلِ داءٍ دواءٌ يُستَطبُ به *** إلا الحماقة أعيت من يداويها

                              س 106: جاء في سورة المائدة 5: 69 إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ . وكان يجب أن ينصب المعطوف على اسم إن فيقول والصابئين كما فعل هذا في سورة البقرة 2: 62 والحج 22: 17.

                              الجواب: إعراب قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (المائدة : 69)

                              - إن: حرف نسخ ونصب مبني على الفتح

                              -الَّذِينَ: إسم موصول مبني على الفتحة الظاهرة على آخره ، اسم إن.

                              - آمنوا: آمن فعل ماضي مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، واو الجماعة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر. والفعل والفاعل جملة فعلية لا محل لها من الإعراب لكونها صلة الموصول.

                              - والذين: الواو حرف عطف، و الذين اسم موصول مبني على الفتحة الظاهرة على آخره معطوف.

                              - هادوا: هاد فعل ماضي مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، واو الجماعة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر. والفعل والفاعل جملة فعلية لا محل لها من الإعراب لكونها صلة الموصول.

                              - والنصارى: الواو حرف عطف والنصارى اسم معطوف على ما قبله

                              - من: بدل من (الذين آمنوا) وما بعده في محل نصب

                              - آمن: فعل ماضي مبني على الفتحة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر في محل رفع تقديره (هو).

                              - بالله: الباء حرف جر، و لفظ الجلالة اسم مجرور بالباء وعلامة الجر الكسرة الظاهرة على آخره.

                              - واليوم الآخر: الواو حرف عطف واليوم اسم مجرور معطوف على لفظ الجلالة وعلامة الجر الكسرة الظاهرة على آخره، والآخر صفة لليوم مجرورة وعلامة الجر الكسرة الظاهرة على آخرها.

                              - وعمل: الواو حرف عطف و عمل فعل ماضي معطوف على (آمن) مبني على الفتحة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر في محل رفع تقديره (هو).

                              - صالحا: مفعول به منصوب وعلامة النصب الفتحة الظاهرة على آخره.

                              - فلا خوف: الفاء حرف ربط، و (لا) حرف نفي، و خوف خبر إن مرفوع وعلامه رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

                              - عليهم: على حرف جر والضمير (هم) مجرور وعلامة الجر الكسرة المقدره على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون لكونه مبنيا، متعلق بـ (خوف) و بـ (لا).

                              - ولا هم: الواو حرف عطف و (لا) زائدة بين العاطف والمعطوف، وهم ضمير في محل رفع مبتداء.

                              - يحزنون: يحزن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة و واو الجماعة فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر معطوفة على (خوف).

                              اعراب (الصابؤون)

                              [1] الواو للإستئناف (استئنافية). الصابؤون مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والخبر محذوف وتقديره (كذلك)، فيكون تقدير الآية كلها هو:

                              إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالصَّابِؤُونَ [كذلك].

                              [2] قوله تعالى (إن الذين آمنوا) مصدر مؤول في محل رفع مبتدأ تقديره (المؤمنون). الصابؤون اسم معطوف على محل (إن الذين آمنوا) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم فيكون تقدير الآية هو:

                              [المؤمنون] وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.

                              [3] قوله تعالى (الذين آمنوا) في محل رفع مبتدأ وما يأتى وراءه ـ ومنه الصابؤون ـ معطوف على مرفوع فيكون مرفوعا كذلك، وتكون (إن) هنا غير عاملة، أي ليست الناسخة ولكنها بمعنى نعم، ويكون تقدير الآية هو:

                              [نعم] الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.

                              س 178: جاء في سورة الأعراف 7: 148 وَا تَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدالهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ . وجاء في سورة طه 20: 87-88 وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدالهُ خُوَارٌ . ونحن نسأل: من أين استقى القرآن هذا الخبر الذي ليسله أساس تاريخي؟ وهل من المعقول أن العجل الذهبي يخور كالعجلالطبيعي؟ وهل يتمنّى السامري المزعوم ذلك، ويطلبه هرون من الله، فيوافق الله على تحسين الصنم فيخور ليغري الناس ليعبدوه مِن دون الله؟ فهل صار السامري وهرون والله شركة متحدة في صنع الصنم!

                              الجواب:

                              يقول الله سبحانه مخبرا حكاية قوم موسى عليه السلام: (… حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) (طه : 87)ثم يقول: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) [طه : 88]، ويقول في موضع آخر: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ) (الأعراف : 148). ألقى السامري إلى بعض بني إسرائيل ـ في فترة غياب موسى ـ أن انبذوا حليكم مما حملتموه من زينة القوم ففعلوا. كان السامري فيما أظن من ذوي البصائر فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية، ولعله تعلم ذلك في مصر أو في حضارته التي انحدر منها. لذلك يقول الله على لسانه: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ …) (طه : 96) أي أنه كان ذا علم في مجال لم يبرع فيه بنو إسرائيل وهو مجال الصناعات اليدوية والتقنية والفيزياء - وفق السقف العلمي لذلك العصر - فعمد للحلي فصهرها ثم قام بتشكيلها على صورة عجل ـ يبدو أنه جعله مجوفا وكثير التلافيف والالتواءات - ثم قال وأتباعه لبني إسرائيل كما أخبر الله عنهم: (… فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى …) [طه : 88].

                              خوار العجل

                              لم يكن خوار ذلك العجل إلا من جنس الصدى الصوتي Echo، فالسامري ـ كما أشرت ـ كان بارعا في الفيزياء والصناعة فجعل الزينة عجلا ذهبيا أي قام بتغيير صيرورتها الشكلية من صورة الخواتيم والأساور والخلاخيل والسلاسل وما إلى ذلك من صور المصنوعات الذهبية إلى صورة عجل أجوف ذي التواءات بحيث يرجع صدى أي صوت، فلو صاح أحد قائلا مثلا “هالووو” لردد نفس الصوت بفعل الصدى، ولو قلد أحد خوار العجول مثلا لردد نفس صوت الخوار بفعل الصدى، وهي ظاهرة فيزيائية كان السامري يعلم أسرارها جيدا بينما يجهلها بنو اسرائيل. يبدو أن بني إسرائيل فتنوا بصوت الخوار الناتج عن ظاهرة الصدى، فلم ينتبهوا إلى أن العجل الذهبي “يردد” الصوت لكنه “لا يحاور”، بمعنى لو صحت مثلا قائلا: من أنت؟ لردد الصدى صوتك في التواءات العجل الذهبي المجوف بنفس الطريقة: من أنت .. من أنت .. من أنت … وهكذا، إلا أنه لن يجيب أبدا لأنه جماد، لذلك ينبه الله تعالى على ذلك بالقول: (… أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً) (الأعراف : 148).

                              موقف هارون عليه السلام

                              لم يقصر هارون عليه السلام في دوره الرسالي بل عارض ذلك الشرك وتصدى للذين أشركوا بحزم سجله القرآن بدقة تامة ليكون شاهدا ببراءة هارون عليه السلام: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) (طه : 90)، إلا أنهم استضعفوه وكادوا يقتلوه، وهذا ما سجله القرآن أيضا: (… إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي …) (الأعراف : 150).

                              ورجع موسى عليه السلام

                              قال الله تعالى لموسى مخبرا إياه بما فعله السامري: (قَالَ: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) (طه : 85) [فتنا: امتحنا] فرجع لقومه غضبان أسفا، وألقى الألواح: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ …) (الأعراف : 150)، واتجه لهارون ـ خليفته على قومه ـ ولم تكن عنده معطيات نصح هارون قومه وتصديه لفعلتهم الشنعاء فانقض بقبضته الفولاذية التي لو وكز بها أحدا لصرعه قتيلا، انقض على هارون وهو بتلك الحالة من فورة الغضب ـ لله سبحانه وليس لمصلحة شخصية ـ وجرجره من رأسه: (… وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ …) (الأعراف : 150). لكن عندما استمع موسى للمعطيات التي أخبره بها هارون عليه السلام ورجاء أخيه له: (… قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأعراف : 150) حينئذ هدأت سورة الغضب لما علم بعدم تقصير أخيه في الرسالة فاستغفر الله لنفسه ولأخيه: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأعراف : 151). وبعد استجواب السامري واقراره بالذنب عاقبه موسى ونسف إلهه الشركي في اليم نسفا، بعد ذلك كله، هدأت نفس موسى الأبية فأخذ الألواح التي ألقاها في أثناء غضبه: (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) (الأعراف : 154)، تلك الألواح التي قال الله عنها من قبل: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (الأعراف : 145).

                              من هنا نعلم أن الله تعالى وكذلك موسى وهارون بريئون من تخرصات ذلك المدعي. وفي الوقت الذي يبرئ فيه القرآن هارون النبي من تهمة صنع العجل، ينسب كتاب عبد الفادي المقدس ذلك الإثم ليس للسامري لكن لهارون نفسه، ولنقرأ معاً ما جاء في هذا:

                              (وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ أَنَّ مُوسَى أَبْطَأَ فِي النُّزُولِ مِنَ الْجَبَلِ، اجْتَمَعَ الشَّعْبُ عَلَى هَارُونَ وَقَالُوا لَهُ: «قُمِ اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هذَا مُوسَى الرَّجُلَ الَّذِي أَصْعَدَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لاَ نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ». 2 فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ: «انْزِعُوا أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِ نِسَائِكُمْ وَبَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ وَاتُونِي بِهَا». 3 فَنَزَعَ كُلُّ الشَّعْبِ أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِهِمْ وَأَتَوْا بِهَا إِلَى هَارُونَ. 4 فَأَخَذَ ذلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَصَوَّرَهُ بِالإِزْمِيلِ، وَصَنَعَهُ عِجْلاً مَسْبُوكًا. فَقَالُوا: «هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ». 5 فَلَمَّا نَظَرَ هَارُونُ بَنَى مَذْبَحًا أَمَامَهُ، وَنَادَى هَارُونُ وَقَالَ: «غَدًا عِيدٌ لِلرَّبِّ». 6 فَبَكَّرُوا فِي الْغَدِ وَأَصْعَدُوا مُحْرَقَاتٍ وَقَدَّمُوا ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ. وَجَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ.) (خروج 32 : 1 - 6)
                              ( وَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: «مَاذَا صَنَعَ بِكَ هذَا الشَّعْبُ حَتَّى جَلَبْتَ عَلَيْهِ خَطِيَّةً عَظِيمَةً؟» 22 فَقَالَ هَارُونُ: «لاَ يَحْمَ غَضَبُ سَيِّدِي. أَنْتَ تَعْرِفُ الشَّعْبَ أَنَّهُ فِي شَرّ. 23 فَقَالُوا لِيَ: اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هذَا مُوسَى الرَّجُلَ الَّذِي أَصْعَدَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لاَ نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ. 24 فَقُلْتُ لَهُمْ: مَنْ لَهُ ذَهَبٌ فَلْيَنْزِعْهُ وَيُعْطِنِي. فَطَرَحْتُهُ فِي النَّارِ فَخَرَجَ هذَا الْعِجْلُ») (خروج 32 : 21 - 24)

                              إن عبد الفادي الأفاك يتخرص متهكماً فيقول: (وهل يتمنّى السامري المزعوم ذلك، ويطلبه هرون من الله، فيوافق الله على تحسين الصنم فيخور ليغري الناس ليعبدوه مِن دون الله؟ فهل صار السامري وهرون والله شركة متحدة في صنع الصنم؟) في الوقت الذي ينسب كتابه المقدس إثم تلك الخطيئة للنبي هارون الذي يعتبرونه كاهناً أعظماً!!!

                              س 10: جاء في سورة يس 36: 38 “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ”. … ونحن نسأل: الشمس ثابتة تدور حول نفسها ولا تنتقل من مكانها، والأرض هي التي تدور حولها. فكيف يقول القرآن إن الشمس تجري، وإن لها مستقراً تسير إليه؟

                              للإخوة الكرام أن يحكموا على مبلغ علم هذا الرجل الذي يدعي أن (الشمس ثابتة)! لقد ذكر كاتبنا الهمام في المقدمة أن العلوم الطبيعية ليست من مجال تخصصه بقوله في المقدمة: (… وليس في مقدوري أن أكتشف قارّةً مثل ما فعل كولمبس، ولا أن أخترع مذياعاً كما فعل ماركوني، ولا أن أسخّر الكهرباء مثل ما فعل إديسون، ولا أن أحلل الذرة كما فعل أينشتاين، فليس شيء من هذا يدخل في دائرة اختصاصي) فما باله يقتحم الآن مجال الطبيعيات؟ لكن جميل منه أن اقتحم هذا لمجال حيث انكشف لكل ذي عينين. أرأيتم كيف يجهل أمر الحركة الكونية للشمس حول مركز المجرة وغيرها ويظن أنها ثابتة؟ لن أطيل الوقوف كثيرا عند هذه النقطة فإجابتها لا تخفى على حضراتكم.

                              وعلى نفس المنوال من خيوط الظلام والجهل والعجمة ينسج عبد الفادي خيوط كتابه العنكبوتي المشبوه، والذي أردتُ التنبيه على ترُّهاته من خلال النماذج التي سقتها مع بعض ردودي بطريق الإيجاز، فالإشارة تغني عن العبارة، ومن أراد البسطَ بسطنا له بتوفيق الله.
                              التعديل الأخير تم بواسطة أبو إسحاق النَّظَّام; الساعة 20-02-2009, 15:58.
                              كَتَبَه:

                              أبو إسحاق النَّظَّام
                              _________


                              (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد : 19)


                              (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح : 29)

                              تعليق

                              يعمل...
                              X