إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

معجـــزات الأنبيــــاء

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    تكملة قصة موسى :


    5. عند البحر

    استمر الصراع بين الحق والباطل, وبين موسى عليه السلام وفرعون الكافر, وقرر فرعون ومن معه من الناس قتل موسى وأتباعه, وعلم موسى بذلك فصحب أتباعه ليلا وسار بهم نحو البحر قاصدا بلاد الشام, وعلك فرعون بذلك فحشد جيشا ضخما, وتحرّك جيش فرعون في أبّهته وغظمته وسلاحه وخرج وراء موسى.

    ومضى الجيش مسرعا يثير غبارا شديدا وموسى ينظر خلفه فيرى غبار الجيش يطارده, فامتلأ قوم موسى رعبا, وكان الموقف حرجا وخطيرا, فالبحر أمامهم والعدو وراءهم ولا مكان للهرب, ولا توجد لديهم القدرة على القتال والحرب, وقالت النسوة وبعض الرجال: سيدركنا فرعون بجيشه.. سيهلكنا جميعا, ولكن موسى عليه السلام قال:كلا.. ان معي ربي سيهدين.

    تحسّس موسى عصاه مطمئنا.. طوّحها في الهواء وضرب بها البحر فانفلق الى جزئين, كل منهما كالطود العظيم, وتقدّم موسى في الطريق الجديد وسط البحر وتبعه فرعون.

    وانتهى موسى من عبور البحر, فنظر وراءه وأراد أن يضرب بعصاه ولكن الله أوحى اليه بأن يترك البحر على حاله وينتظر حتى يدخل كل جنود الكفر في الطريق وسط البحر:{ واترك البحر رهوا, انهم جند مغرقون}. الدخان 24.

    ولما أذن الله تعالى, ضرب موسى عليه السلام البحر بعصاه ثانية, فعاد البحر كسالف عهده, وانهالت الأمواج على فرعون وجنوده, ولما أدرك الغرق فرعون قال:{ آمنت أنه لا اله الا الذي آمنت به بنو اسرائيل وأنا من المسلمين}. يونس 90.

    ولكن الله لم يقبل توبته لأنها جاءت متأخرة, فقد عاث في الأرض فسادا وكبرا, فكان من المغرقين.



    النهاية

    شكرا للمتابعة وسنبدأ ان شاء الله بقصة ابو الأنبياء

    سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام

    تعليق


    • #17
      سيدنا ابراهيم عليه السـلام
      النار لا تحرق النبي

      قال تعالى:{ قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين* قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم* وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} الأنبياء 68-70.

      ابراهيم الخليل عليه السلام نبي الله, وهو خليل الرحمن, وأبو الأنبياء الأكبر من بعد نوح عليهما السلام, ولد ابراهيم عليه السلام في أور الكلدانيين في العراق, أما أبوه فهو "آزر" كما ورد في القرآن الكريم, وكان قوم ابراهيم عليه السلام الذين ولد فيهم يعبدون الكواكب السيّارة والأصنام, وقد دلت الآثار التي أكتشفت في العراق على صحة ما عرف في التاريخ من عبادتهم للأصنام الكثيرة, كما ورد في القرآن الكريم حتى كاد أن يكون لكل منهم صنم خاص به سواء الأغنياء أو الفقراء منهم في ذلك.

      وقد عاب ابراهيم عليه السلام على قومه في العراق شركهم بالله وعبادتهم الأصنام, وجادل أباه وقومه في ذلك, ثم أراد أن يلفت أنظارهم الى باطل ما هم عليه من عبادة غير الله بما جاء به من حجج مقنعة وقوية وقيامه بتكسيره أصامهم الا كبيرهم, ولكن لم يرجعوا عن كفرهم وضلالهم, وانما قرروا قتله بالقائه في النار.

      هذه السطور هي ملخص سريع لقصة سيدنا ابراهيم الى أن جاءت معجزة خروجه من النار ونجاته منها. ولنر هذا الصراع من البدء الى أن وصل الى نقظة القرار الشرير وهو السعي الى حرق ابراهيم عليه السلام بالنار والتخلص منه.

      1. حوار مع الأب

      بدأ ابراهيم عليه السلام حوارا مع أبيه بالدعوة الى الله فنهاه عن عبادة الأصنام وقد ذكر ذلك في القرآن الكريم.

      قال عز وجل:{واذ قال ابراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة اني أراك وقومك في ضلال مبين}. الأنعام 74.

      ولقد أنكر ابراهيم عليه السلام على أبيه عبادة الأصنام, وقال له: اني أراك وقومك تسلكون مسلك الضلال, فأنتم لا تهتدون الى الطريق الصحيح, انكم تائهون لا تهتدون الى أين تذهبون, ان ضلالكم هذ واضح لا شبهة فيه لأن الأصنام والأوثان التي تعبدونها, والتي اتخذتموها آلهة لكم, لا تصلح أن تكون آلهة في أنفسها.

      قد آمن ابراهيم عليه السلام وأيقن أن الله واحد لا شريك له صاحب معجزات تفوق كل هذا الكون آمن بذلك وبدأ يضرب الأمثال لقد أراه ربه الدلالة على وحدانيّته, فلما رأى كوكبا قال لقومه هذا ربي على زعمكم, لأنهم كانوا يعبدون الكواكب والشمس والنجوم والقمر, وكذلك قال ابراهيم لقومه عن القمر فقال: انه ربي على زعم أنكم تقولون أنه اله ورب وكذلك عن الشمس, فلما غابت وأفلت, وقد رأى أفول الشمس قال للناس مبرّئا نفسه من الكفر والشرك: اني بريء من شرككم بالله تعالى. واني بريء أيضا من هذه الأصنام والكواكب والمعبودات التي جعلتموها آلهة مع الله, وقال ابراهيم عليه السلام:{ قال يا قوم اني بريء مما تشركون}. الأنعام 78.

      ثم أضاف ابراهيم عليه السلام مبلّغا قومه رسالته ودينه وربّه الذي آمن به, فقال:

      { اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا, وما أنا من المشركين} الأنعام 79.

      وهنا يقصد ابراهيم عليه السلام أنه قصد بعبادته وتوحيده لله عز وجلّ, وبذلكيكون ابراهيم عبيه السلام حنيفا,اي مائلا للحق ومنحازا له, وقال ابراهيم عليه السلام نا فيا عن نفسه الشرك:{ وما أنا من المشركين} ولن أشرك بعبادة ربي أبدا فهو الذي خلقني ورزقني ومنّ عليّ بكل هذه النعم التي لا تحصى ولا تعد.

      ولكن القوم لم يقتنعوا بكل هذه الحجج القويّة والدعوة الواضحة.

      2. حوار مع قومه

      جادل القوم الكفار ابراهيم عليه السلام فيما يقوله وفيما توصّل اليه من الحق بشأن معبوداتهم الباطلة, لم يقنعهم قول الحق الذي قاله ابراهيم عليه السلام فقال لهم: أتجادلونني في أمر الله الذي لا اله الا هو, وقد بصّرني وهداني الى الحق, فكيف ألتفت الى أقوالكم الفاسدة, وانني لا أخاف من آلهتكم ولا أبالي بها ولا أقيم لها وزنا أبدا فان كانت حقا آالهة وكان لها ضرر أو كيد فكيدوني بها ولا تمهلوني, فالذي ينفع ويضر هو الله وحده أفلا تعتبرون وتعقلون وتتذكرون ما بيّنته لكم لتعلموا أن هذه الأصنام باطلة فتبتعدوا عن عبادتها, كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونه من دون الله ولا خافون أنتم من الله الذي أشركتم به.

      فأي الطائفتين يا قوم أحق بالأمن والطمأنينة والنجاة من عذاب الله يوم القيامة. هل هو الفريق الذي يعبد أصناما خرساء صمّاء لا تنفع ولا تضرّ, ولا تنطق ولا تعقل, أو من يعبد الله الذي بيده الضرر والنفع, وخالق كل هذه النعم, وكل هذا الكون بما فيه الكواكب والشمس والقمر والأحجار التي تعبدونها فهل تعقلون كل هذا؟ ان كنتم تعقلوه فاعبدوا الله وحده لا شريك له واتركوا عبادة الأصنام.

      أما الامنون المطمئنون فهم الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له, سبحانه عز وجلّ, ان هؤلاء المؤمنين هم الآمنون المهتدون في الدنيا.

      3. حوار مع الأب ثانية

      حرض ابراهيم كل الحرص على هداية أبيه وضمّه الى دعوة التوحيد وترك الشرك بالله عز وجل, فكان عليه السلام صريحا معه, يصارحه فيما هو عليه من الكفر, ويقول له ان هذا الكفر ان لم يقلع عنه ويتركه سيذهب الى النار, وسيعذب عذابا شديدا.

      لذلك فقد كان ابراهيم عليه السلام لطيفا ليّنا مع أبيه فهو يكرر دعوته له بغاية التلطف واللين معه, مستعملا في حديثه كلمة {يا أبت} يشعره بأنه ابنه البار الحريص على ما ينفع أباه. وقد جاء حديثهفي القرآن الكريم مع أبيه لطيفا ليّنا فقال له:

      {واذكر في الكتاب ابراهيم, انه كان صدّيقا نبيّا* اذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} مريم 41-42.

      لقد سلك ابراهيم عليه السلام في دعوته لأبيه مسلكا عظيما, ومنهجا حسنا, واحتج عليه أبدع احتجاج كل ذلك بحسن أدب وخلق جميل, حتى لا تأخذه عزة نفسه فيرتكب ذنبا ويستمر في شركه وكفره.

      لقد طلب ابراهيم من أبيه معرفة السبب في عبادته لما لا ينفع ولا يضر ولا يستحق العبادة أصلا, كيف يترك عبادة الله الخالق الرازق النافع الضار الذي يحيي ويميت؟! وهل يستسيغ ذلك عاقل؟!

      وابتعد ابراهيم عليه السلام عن وصف أبيه بالجهل فقال:{ يا أبت اني قد جاءني من العلم ما لم يأتك}. مريم 43.

      كان ابراهيم عليه السلام في حديثه وسطا, فلم يصف أباه بالجهل المطلق, ولم يصف نفسه بالعلم الفائق, ولكنه قال عليه السلام لأبيه: ان معي طائفة من العلم وشيئا منه ليس معك, وذلك علم الدلالة على الحق والطريق الصحيح, وهي دلالات وحجج واضحة قوية حاسمة لا لبس ولا شكّ فيها, فلا تستكثر يا أبت عليّ النصح وأقبل قولي. فلك أن تتصوّر أنني أسير معك في طريق وعندي معرفة بالطريق ومسالكه, فمن مصلحتك أن تتبعني حتى تنجو من الضلال والتيه.

      وحذر ابراهيم عليه السلام أباه من عبادة الشيطان, فقال له:

      { يا أبت لا تعبد الشيطان, ان الشيطان كان للرحمن عصيّا} مريم 44.

      أي أن عبادتك لغير الله من أصنام وأوثان هي عبادة للشيطان, لأن الشيطان هو الذي يأمر بذلك وهو المؤول عنها, ولا ينبغي لك أن تطيع من يعصي الله الذي خلقك وأنعم عليك.

      ثم قال ابراهيم لأبيه في تلطف: يا أبت اني أخاف ان عصيت الله وواليت عدوّه أن يقطع رحمته عنك كما قطعها عن الشيطان, فتكون كالشيطان يصيبك عذاب شديد.

      وقد كان كل هذا التحذير والتخويف واضحا, ولكنه حمل أدبا وحسن خلق من ابراهيم حين قال:{ أخاف أن يمسّك عذاب} مريم 45.

      فذكر ابراهيم عليه السلام خوفه عليه حتى من مس العذاب.

      هكذا كان ابراهيم عليه السلام لطيفا مع أبيه, حسن الخلق ينصحه ويدعوه لطاعة الله, فيبدأ كل نصيحة من نصائحه الأربع بقوله { يا أبت} على سبيل التوسل اليه والاستعطاف, ونيل رضاه, بذلك ضرب ابراهيم عليه السلام مثلا عظيما في حسن الخلق والتأدب مع أقرب الناس اليه وهو أبوه آزر, ولكن هل كان رد الأب ايجابيا؟

      للأسف, لم يكن كذلك, فقد أصرّ على عناده وكفره وقال لابراهيم: أمعرض أنت يا ابراهيم ومنصرف عن آلهتي؟ لئن لم تمتنع عن الطعن والاساءة لآلهتي وان لم تبتعد عن نصحك لي بترك عبادتها لأررجمنّك بالحجارة, هيا اهجرني وابعد عني ولا تعد تأتيني أبدا.

      سمع ابراهيم عليه السلام ردّ أبيه, ولم يعارضه بسوء الرد ولم يستمر معه في الجدال, وانما قال له:

      { سلام عليك سأستغفر لك ربي انه كان بي حفيّا}. مريم 47.

      لن أصيبك بمكروه يا أبي, ولكن سأدعو ربي أن يغفر لك انه كان بي حفيا أي مبالغا في اللطف بي. القرطبي ج1 ص111-113.

      وقال ابراهيم عليه السلام: سأجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله, وأعبد ربي وحده لا شريك له عسى أن لا أكون بدعائه خائبا ضائع الجهد والسعي. ومضى ابراهيم عليه السلام لشأنه.

      4. حوار قبل تحطيم الأصنام

      عاد ابراهيم عليه السلام ليحاور قومه, عسى أن يعودوا عن عنادهم وكفرهم, وسألهم قائلا: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} الأنبياء 52.

      فأجابوا على الفور:{ قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} الأنبياء 53.

      أي أنهم يعبدونها تقليدا لأسلافهم وأجدادهم, وحجتهم أمام ابراهيم هي تقليد آبائهم الذين ضلوا الطريق.

      فقال لهم ابراهيم عليه السلام وعلى الفور وفي جرأة شديدة:

      { لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} الأنبياء 54.

      عند ذلك اتهموا ابراهيم عليه السلام باللعب بالألفاظ وقالوا له:

      { قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين}. الأنبياء 55.

      أي: أجئتنا بالجد في دعوتك ورسالتك ونسبتنا الى الكفر والضلال, أم أنت من اللاعبين المازحين في كلامهم, اننا لم نسمع من قبل كلاما كالذي تقوله يا ابراهيم.

      فقال ابراهيم عليه السلام: لست بلاعب, بل أدعوكم الى الله ربكم خالق السموات والأرض الذي خلقهن وأبدعهن انه هو الذي يجب أن يعبد وليس هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع وأنا على ذلكم من الشاهدين, قوي الحجة, فهذه حجتي التي لا ينكرها أحد, وأنتم تحتجون بحجة باطلة وهي أنكم وجدتم آباءكم يعبدونها.

      5. ابراهيم يحطم الأصنام

      بعد انتهاء هذا الجدال بين ابراهيم عليه السلام وقومه أراد ابراهيم عليه السلام أن يلفت أنظارهم, فعزم على تكسير أصنامهم وتحطيمها, لقد أقسم ابراهيم قائلا:{ وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} الأنبياء 57.

      وانتظر ابراهيم انصرافهم وخروجهم من عيدهم وتجمعهم, وحمل فأسا ومضى الى حيث توجد الأصنام وجعل يحطم ويكسر الأصنام, حتى جعلها جميعا قطعا متناثرة هنا وهناك وأبقى على صنمهم الأكبر, أكبر صنم فيهم وعلّق في عنقه الفأس التي كسر بها بقيّة الأصنام, لعلهم يرجعون الى ابرهيم عليه السلام ودينه ويتعظون بهذه الموعظة.

      6. بدء المعجزة

      عاد الكفار الى الأصنام وهالهم وروّعهم ما شاهدوه.. لقد كسرت أصنامهم جميعها وعلّق الفأس في عنق الصنم الأكبر فقالوا: من الظالم الذي فعل هذا بآلهتنا؟ انه جريء في ظلمه هذا.

      كان بعض الناس من الكفار قد سمعوا ابراهيم عليه السلام ويقول:{ لأكيدنّ أصنامكم} فقالوا: سمعنا فتى يذكر أصناما بمكروه منه اسمه ابراهيم.

      فقرروا أن يشكّلوا له محكمة يحاكمونه فيها أمام حشد كبير من الناس وهذ ما يريده ابراهيم عليه السلام, حتى يبيّن لأكبر عدد من الناس وأمام أكبر عدد منهم أنهم جاهلون, وأغبياء عندما عبدوا هذه الأصنام التي لا تدفع عنهم الضرر ولا تدفع حتى عن نفسها الضرر, ولا تملك لنفسها ضرّا نصرا عندما تتعرّض لسوء وهذا أمر ماثل وواضح أمامكم.

      واحتشد الناس وجيء بابراهيم أمام حشد هائل من الناس وطرح عليه السؤال:{ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ابراهيم} الأنبياء 62.

      أجابهم بما يريد من اثبات بطلان حجتهم, وغباء تفكيرهم قال:{ بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم ان كانوا ينطقون}!! حتى يتبيّن لهم أن هذه الأصنام لا تنطق ولا تعقل فهي جماد, وبهذا قصد ابراهيم تقريعهم وتوبيخهم على عبادة هذه الأصنام, فراجعوا عقولهم, ورجع بعضهم الى بعض لضعف حجتهم وعجزهم عن الرد, وقال بعضهم لبعض: أنتم الظالمون بعبادة من لا ينطق بلفظة ولا يملك لنفسه شيئا, فكيف بنفع من يعبده ويدفع عنه الضرر وقد فشلوا في منع الفأس من تكسيرهم وتحطيمهم.

      ولكن الكفار عادوا الى جهلهم وعنادهم وقالوا لابراهيم: لقد علمت أنهم لا ينطقون يا ابراهيم فكيف تقول لنا اسألوهم ان كانوا ينطقون, وأنت تعلم أنها لا تنطق؟

      عند ذلك بدأ ابراهيم عليه السلام في استثمار هذا الموقف بعد أن وضعهم في أوّل طريق الحجة السليمة الصحيحة فقال لهم:

      اذا كانت لا تنطق ولا تفع ولا تضر فلم تعبدونها من دون الله؟, ثم تضجّر ابراهيم وتأفف منهم وقال لهم:{ أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} الأنبياء 67.

      ورغم كل ذلك فقد صدر الأمر, أمر العاجز عن الاقناع بالحجة صدر الأمر بقتل ابراهيم عليه السلام, وأن يكون هذا القتل بطريقة بشعة, انه الحرق بالنار حتى الموت.

      قالوا: { حرّقوه وانصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين} الأنبياء 68.

      وجاء قولهم أو حكمهم في موضع آخر من الآيات الكريمة:{ قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم* فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين*} الصافات 97-98.

      لقد عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعت حجتهم وغلبهم ابراهيم عليه السلام بالحق, ولم تبق لهم حجة ولا شبهة الا استعمال قوتهم وسلطانهم, لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم, فكادهم الله جل جلاله, وأملى كلمته ودينه وبرهانه.

      7. بدء المعجزة

      ذهب الكفار الى رجل من الأكراد يقال له "هيزن" وطلبوا منه أن يصنع منجنيقا ليضعوا فيه ابراهيم عليه السلام ويلقوه في النار.

      وشرعوا على الفور في جمع الحطب من جميع الأماكن والشعاب هنا وهناك, فمكثوا مدة طويلة حتى أن المرأة منهم كانت اذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحرق ابراهيم عليه السلام, وحفروا حفرة ضخمة فوضعوا فيها كل الحطب الذي جمعوه, وأشعلوا النار, فاضطرمت وتأججت والتهبت علاها شرر لم ير مثله قط.

      ثم أخذوا يقيّدون ابراهيم ويكتنفونه ويربطونه بالحبال وهو يقول:" لا اله الا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك, لا شريك لك" رواه ابن عسكر في تاريخه 2\147.

      فلما حملوه ووضعوه في كفة المنجنيق مقيّدا مكشوفا وأطلقوه الى النار بالمنجنيق, لقيه جبريل في الهواء فقال له: يا ابراهيم ألك حاجة؟

      فقال: أما اليك فلا! قصص الأنبياء لابن كثير ص 121.

      وجاء أمر الله فوريّا وسريعا للنار فقال عز وجل:{ يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم}

      حتى قيل أنه لولا أن الله قال:{ وسلاما على ابراهيم} لآذى بردها ابراهيم عليه السلام.

      وقيل انه لم يصب ابراهيم عليه السلام منها الا العرق على وجهه كان يمسحه جبريل عليه السلام.

      ولما ألقي ابراهيم عليه السلام في النار كان يقول:

      اللهم انك في السماء واحد, وأنا في الأرض واحد أعبدك.

      وكان معه في النار ملك الظل, وصار ابراهيم عليه السلام من ميل الحفرة حوله نار وهو في روضة خضراء, والناس ينظرون اليه لا يقدرون على الوصول, ولا هو يخرج اليهم.

      ومكث ابراهيم في النار أربعين يوما أو خمسين يوما كانت أطيب عيشا وأكثر بردا وسعادة.

      ولم تحرق النار منه سوى وثاقه وحبله الذي ربطوه به فقط وكانت النار بردا وسلاما على ابراهيم, خرج منها بمعجزة عظيمة منّ الله بها عليه, وأبت النار أن تحرق الا الكفار, فانها لا تحرق الأنبياء بأمر الله, وهذه معجزة من معجزات ابراهيم عليه السلام التي منّ الله بها عليه.

      تعليق


      • #18
        معجزة الكبش العظيم

        قال تعالى: { فلما أسلما وتلّه للجبين* وناديناه أن يا ابراهيم* قد صدّقت الرؤيا, انا كذلك نجزي المحسنين* ان هذا لهو البلاء المبين* وفديناه بذبح عظيم} الصافات 103-107.

        كان ابراهيم عليه السلام قد كبر ونالت منه الشيخوخة منالها ولم ينجب أبناء, وكان يدعو ربه دائما أن يرزقه الولد فأحست سارة برغبته هذه فقالت له: يا ابراهيم, اني عاقر, وأحب أن يرزقك الله بولد ولذلك فانني سأهب لك جاريتي هاجر لكي تتزوّجها, فقد يرزقك الله بل ويرزقنا جميعا منها ولدا تقرّ به أعيننا!! صمت ابراهيم قليلا وحذر سارة من الغيرة اذا أتمّ هذا الأمر,فقالت سارة في ثقة واطمئنان تعودان لى عاطفة وحنان متدفقين منها وهي أنثى شأنها شأن حواء على وجه الأرض, تحكم الأمور وتغلبها على الأرحج بعاطفتها, قالت: لا تخف يا ابراهيم, لا تخف.

        تزوّج ابراهيم عليه السلام من هاجر التي وهبتها له سارة ومرّت أيام جميلة سعيدة فحملت هاجر وولدت لابراهيم عليه السلام ولدا جميلا وضيئا سمّاه اسماعيل.

        وجاء اسماعيل بفرحة كبيرة دخلت على نفس ابراهيم عليه السلام فأحب ابراهيم عليه السلام اسماعيل حبا كثيرا, فكم من مرّة حمله وداعبه, وأحبه حبا كثيرا.

        واستمرّت الأحوال في البيت النبوي الكبير هانئة سعيدة بوليدهم الصغير, فأبو الأنبياء سعيد غاية السعادة يشكر ربه ليل نهار ويسبّح بحمده على ما أفاء عليه من نعمة الولد وهو في هذا السن المتقدم.

        وفجأة دوت في البيت النبوي الكبير مفاجأة كان مصدرها السيّدة سارة, فقد خرجت الأنوثة لطبيعتها تعبّر عما يجيش في صدرها دون تكلف, دبّت الغيرة في نفس الأنثى سارة وهي شأنه شأن بنات جنسها لا تستطيع أن تكتم ما في نفسها ولا أن تغيّر فطرة النساء وبنات حوّاء, جاهدت نفسها وطظمت غيظها, وحاولت أن تفعل شيئا, كانت تعلم أن هذا الأمر سيزعج ابراهيم عليه السلام ولكن نفسها لم تقاوم جبروت الغيرة, اقتربت من ابراهيم قليلا وتهاوت الدموع نت عينيها قطرات وقالت في صوت متهدج: يا ابراهيم؛ اني لا أستطيع أن أساكن هاجر وابنها بعد اليوم, فانظر لنفسك ولها أمرا.

        صمتت سارة وقد انتابها حزن شديد من أجل خليل الله الذي شاركها الصمت أيضا, نعم لا تستطيع سارة أن تكبح جماح الغيرة, وهذا ما كان يخشاه ابراهيم.

        ظنّ ابراهيم عليه السلام في البداية أن الأمر بضع خطوات وينتهي الأمر بمسكن جديد قريب لهاجر وابنها, ولكن سارة ذهبت مذهبا بعيدا, قالت: انني لا أريد أن تسكن هاجر بلدا أسكنه..

        هكذا لم تستطع الصبر على مجرد وجودهما بالقرب من ابراهيم فيراهما بين الحين والآخر عن قرب.

        انصرفت مشيئة الله أن يكون هذا قول سارة, وحاول ابراهيم أن يترضى سارة على هاجر وولدها اسماعيل, ولكنها أبت وأصرّت, فوجد أن لا مناص من أن يباعد بينهما.

        اصطحب ابراهيم هاجر وولده اسماعيل, وخرج بهما قاصدا مكانا يؤويهما فيه, وسار ما شاء الله له أن يسير, فترك فلسطين, وقصد جهة الجنوب, ضاربا في صحراء الحجاز, كان ذلك على ما يبدو بوحي خفي, فكان يمشي طوال النهار ولا يستقر في مكان الا اذا أحس بتعب واحتاج للراحة أو أحس بجوع أو عطش, ثم يستأنف المسير بهاجر وولده الطفل الصغير, وظلّ على هذه الحال الى أن استقرّ به المقام بوادي مكة, ومكان ملتقى الطرق للقادم والذاهب من الشام الى اليمن وبالعكس, وفي هذا الوادي أقام ابراهيم لاسرته الصغيرة الأم ووليدها خيمة, يأويان اليها اذا جنّ عليهما الليل ويضعان فيها ما معهما من زاد ومتاع.

        التفتت هاجر يمينا ونظرت يسارا, وكان ما تراه لا يوحي بشيء مريح, فهو مكان مجدب مقفر, فلم تقع عيناها على زرع ولا ضرع, ولا ماء, ولا حتى بشر يؤنسون وحدتها.

        ساد الصمت برهة من الزمن هاجر تنظر هنا وهناك, وقد أصابتها حيرة ودهشة, فكيف اختار ابراهيم هذا المكان المقفر الموحش مستقرّا لاسرته, لا بد وأنه موحى اليه أو مأمور بذلك, وخطر ببالها أن تسأله حتى تجد تأكيد لخواطره وشكوكها, فرفعت رأسها وقالت في شغف: أأمرك ربك أن تتركنا هنا يا ابراهيم؟!.

        قال ابراهيم: نعم.

        قالت هاجر المؤمنة بربها على الفور: اذن توكل على الله, فقد وكلتنا الى من لايضيع عنده الرجاء.

        وفي داع يحمل هيبة الايمان وجبروت المشاعر, ترك ابراهيم عليه السلام هاجر ووليدها الطفل الصغير اسماعيل ومضى وأحسب أن الدموع قد احتبست في حدقات هؤلاء البشر منها دموع طفل أنهكه السفر, وأقلقه أم ّ تضطرب أمام تجربة لم تعهدها من قبل.

        ومضى ابراهيم منصرفا عن زوجته وابنه, فلما صار على مرمى النظر منهما, رفع رأسه وابتهل في دعاء خاشع فقال:

        { ربنا اني أسكنت من ذريّتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} ابراهيم 37.

        وكانت نظرة الوداع من ابراهيم بعد هذا الدعاء المبارك, الذي يعد دعاء لبزمان, ومضى ابراهيم عليه السلام عائدا الى بلاد الشام.

        مرّت الايام وعطش اسماعيل وبكى وهرولت هاجر من وادي المروة الى جبل الصفا وكررت, وتفجّر بئر زمزم, وشرب اسماعيل من عين عذبة خصصت لضيوف الرحمن, ولم تخف هاجر الضيعة فهنا سيبني خليل الله بيت الله.

        وكانت عين زمزم التي تفجر ماؤها خير شيء في هذا المكان رغبة المارّة, فنزلوا بها, وأقاموا أوقاتا الى جوارها للاستراحة والاستسقاء.

        وراق لاحدى قبائل العرب أن تنزل بجوار وادي مكة, وهي قبيلة جرهم, فاستأذنوا هاجر, فأذنت لهم, فوجدت الى جوارها من تستأنس به, وتطمئن الى جواره. وعمرت مكة بهذه القبيلة وأصبح الوادي عامرا بالناس والابل والماشية والطيور, وتحققت دعوة ابراهيم عليه السلام عندما دعا لها وهو مغادر هذا الوادي قاصدا بلاد الشام وفلسطين التي تسكنها سارة حين دعا ربه قائلا: { فاجعل أفئدة من الناس تهوى اليهم وارزقهم من الثمرات}.

        وفي بلاد الشام شعر ابراهيم عليه السلام بحنين لرؤية ابنه اسماعيل وزوجته هاجر, وجاء خليل الله ابراهيم ليرى ما فعل الله بوديعته, فوجد عمرانا وناسا وخياما, وحياة تدب في كل مكان, حتى ظن أنه قد ضلّ عن وادي مكة الذي ترك فيه اسماعيل وهاجر بأمر ربه, فقد كان واديا غير ذي زرع, حتى أنه سأل:

        أهذا وادي مكة, أهنا تسكن هاجر واسماعيل؟

        عرف ابراهيم عليه السلام أنه وادي مكة.

        ومضى خليل الرحمن يبحث عن خيمة هاجر وابنه اسماعيل بلهفة ما بعدها لهفة, وشوق ما بعده شوق, لقد كثرت الخيام وتعددت, ولكن خيمة هاجر شهيرة, معروفة لدى العامة في مكة. فأرشده الناس اليها.

        نظر ابراهيم الخليل عليه السلام في وجه طفله المشرق, فسرّه سرورا كثيرا, وفرح به فرحا وفرحت هاجر بلقاء زوجها وشكرا الله على ما أولاهما من نعم, وعلى ما حباهما من عطف.

        وظلّ هذا حال ابراهيم عليه السلام يأتي الى أسرته الصغيرة الجميلة بين الحين والحين لرؤية اسماعيل وأمه.

        وفي كل مرّة كان ابراهيم يصلي ويسجد شكرا لله عز وجل الذي أقر عينه بجمال طفله وهو في هذه السن البعيدة والعمر المتأخر, ولم تكن هذه نعمة الله الوحيدة على ابراهيم الخليل عليه السلام, ولكن الله أفاء عليه بالكثير الكثير من النعم والعطايا. وأكبرها نعمة الايمان.

        1. المعجزة الكبرى

        كانت هذه المعجزة اختبارا عظيما, بكل المقاييس, ولكنه اختبار من الله لرجل هو خليله وهو عبده وهو نبي من الصالحين, أي نوع من أنواع الاختبار يا ترى سيجري على ابراهيم الخليل عليه السلام.

        نحن أمام نبي يعدّ أبا الأنبياء, وخليل الرحمن, وصفه ربه بالحلم, ونحن أيضا أمام نبي قلبه أرحم قلب على وجه الأرض, فاتسع هذا القلب الكبير لحب الله عز وجل, وحب مخلوقاته, وهذا القلب الرحيم, يمتحن في دقاته دقة دقة ونبضاته نبضة نبضة, لقد كان اسماعيل دقات قلبه, وحبه الكبير, جاءه على كبر من السن, جاءه وهو طاعن في السن ولا أمل هناك في أن ينجب ثم يأتيه الاختبار الصعب في هذا الابن والذي هو قرّة عينه ونبضة قلبه.

        ويجيء الأمر والاختبار أثناء النوم, لم يكن وحيا مباشرا فما ان استسلم ابراهيم عليه السلام للنوم حتى رأى في المنام أنه يذبح ابنه وبكره ووحيده الذي لم ينجب غيره.

        ترى ماذا حدث في هذه الرؤيا؟ لقد رأى ابراهيم عليه السلام في نومه هاتفا يهتف قائلا:

        يا ابراهيم؛ اذبح ابنك في سبيل الله.

        ترى ماذا فعل ابراهيم عليه السلام بعدما سمع هذا الهاتف؟ لقد هبّ عليه السلام من نومه مذعورا, واستعاذ بالله من مكر الشيطان, ثم عاود نومه مرة أخرى, فعاوده الهاتف أيضا يهتف قائلا:

        يا ابراهيم اذبح ابنك في سبيل الله.

        فهبّ ابراهيم عليه السلام قائما, وقد صحّ عنده أن الهاتف من عند الله عز وجل, وتحقق أن الله يأمره بذبح ابنه الحبيب اسماعيل.

        من الجطأ أن يظن الانسان أن صراعا من نفس ابراهيم لم ينشأ بعد هذه الرؤيا, فهذا بلاء مبين, لا بدّ أن ينشأ في النفس من أجله صراع طويل, نشب هذا الصراع في نفس ابراهيم عليه السلام, صراع الأبوّة الحانية والقلب الذي حمل أكبر قدر من الرحمة والحلم, فكّر ابراهيم في الأمر وتدبّر, وتراجع كل شيء الا شيء واحد وهو الايمان بالله, فهكذا أراه الله في المنام, وبهذه الرؤيا يكون الأمر بالتنفيذ من الله, ورؤيا الأنبياء حق, فلينفذ ابراهيم عليه السلام أمر ربه, فكله خير, فاذا كان التفكير يقتصر على اسماعيل الابن ومخاطبة قلب ابراهيم لنفسه, فان هذا الأمر لا بد وأن يتراجع الى الخلف.

        أزاح ابراهيم كل هذا من تفكيره, وصوّب فكره لاتجاه واحد يقول: نفذ أمر حبيبك يا ابراهيم..

        كل ما فكر فيه ابراهيم عليه السلام, كيف يفاتح ابنه في الأمر وماذا يقول عنه اذا أرقده الأرض ليذبحه.

        من الأفض أن يقول لولده ليكون ذلك أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قهرا ويذبحه قهرا.

        وصل ابراهيم الى هذه القناعة, لا بد أن يكون صريحا وواضحا مع ابنه.

        جاء ابراهيم الى هذه القناعة, لا بد أن يكون صريحا وواضحا مع ابنه.

        جاء ابراهيم الى ابنه, فقال له: يا بنيّ خذ الحبل والسكين وانطلق بنا الى هذه الهضبة لنجمع الحطب.

        أطاع ابراهيم عليه السلام, وفعل ما أمره به أبوه, وتبعه الى الهضبة التي أشار اليها والده, كان اسماعيل غلاما مطيعا لا يعصي أباه أبدا, مضى الى هناك حيث أمره ووقف ابراهيم أمام ابنه اسماعيل عليهما السلام وقد أصبح الاثنان في خلوة لا يراهما أحد الا الله سبحانه عز وجل, عندئذ قال ابراهيم لابنه اسماعيل:

        { يا بنيّ اني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى, قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين}. الصافات 102.

        انظر الى تلطف ابراهيم في ابلاغ ولذه هذا الأمر, وتركه للأمر لينظر فيه الابن بالطاعة, ان الأمر مقضي في نظر ابراهيم لأنه وحي من ربه.. فماذا يرى الابن الكريم في ذلك؟ وجاءت اجابة اسماعيل بنفس جواب ابراهيم عليه السلام هذا أمر يا أبي, انه أمر الله, فبادر بتنفيذه, وجاء الرد في القرآن على لسان اسماعيل يقول:

        { يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين}.

        انظر الى هذا الشق من المعجزة, انه ردّ الابن, انسان يعرف أنه سيذبح فيمتثل للأمر الالهي ويقدم المشيئة ويطمئن والده أنه سيجده.. ان شاء الله.. منا الصابرين.

        فلما تناول ابراهيم عليه السلام من اسماعيل الحبل ليوثقه والسكين في يده ليذبحه, قال اسماعيل له:

        يا أبتاه, اذا أردت أن ذبحي فاشدد وثاقي لئلا يصيبك شيء من دمي فينقص أجري, ان الموت لشديد, ولا آمن أن أضطرب عند الذبح اذا أحسست مس السكين, واشحذ شفرتك حتى تجهز عليّ سريعا, فاذا أنت أضجعتني لتذبحني, فاكببني على وجهي, ولا تضجعني لجنبي, فاني أخشى ان أنت نظرت الى وجهي أن تدركك رقة, فتحول بينك وبين تنفيذ أمر ربّك فيّ, وان أردت أن تردّ قميصي على أمي فافعل, فعسى أن يكون هذا أسلى لها.

        فقال ابراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله.

        ثم شحذ ابراهيم شفرته, وأحكم وثاق ابنه, وكبّه على وجهه اعلا جبينه الى الأرض متحاشيا النظر الى وجهه, وبسمل واستشهد ثم همّ بذبخه, ولم يكد يسحب السكين على قفا ابنه ليذبحه, حتى سمع مناديا ينادي, ماذا يقول المنادي اذن؟ انه يبشر بالمعجزة الكبرى.

        قال المنادي يا ابراهيم؛ قد صدقت الرؤيا, فافتد ابنك بذبح عظيم..!!

        نظر ابراهيم عليه السلام الى حيث سمع المنادي, فوجد بجانبه كبشا أبيض أعين أقرن, فعرف أن الله سبحانه عز وجل قد أرسل هذا الكبش فداء لابنه اسماعيل, وقيل ان هذا الكبش رعى في الجنةأربعين خريفا الطبري في الريخه 1\277, وكان يرتفع في الجنة حتى تشقق, وكان له ثغاء, وقيل انه الكبش الذي قرّبه هابيل ابن آدم فتقبّل منه, تاريخ الطبري.

        أخلى ابراهيم ابنه من وثاقه, وهو يقبّله باكيا من شدة الفرح ويقول: يا بنيّ؛ لقد وهبت لي اليوم من جديد.

        ثم أوشق الكبش جيدا, وذبحه شاكرا ربه, وكان هذا البلاء العظيم الذي ابتلى الله به ابراهيم واسماعيل عليهما السلام هو اختبار عظيم, ومعجزة بكل المقاييس من المعجزات التي ساقتها ارادة الله عز وجلّ لهما, وقد ضرب ابراهيم واسماعيل عليهما السلام المثل العظيم في الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره, والطاعة الخاشعة المؤمنة لأمر الله, فوهبهما الله هذه المعجزة الكريمة, والأضحية المباركة. وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذه المعجزة في لحظتها الحاسمة فقال عز وجل:

        { فلما أسلما وتلّه للجبين} الصافات 103.

        قيل: أسلما:أي استسلما لأمر الله وعزم على ذلك فما ان ألقاه الى وجهه:

        { وناديناه أن يا ابراهيم* قد صدّقت الرؤيا, انا كذلك نجزي المحسنين* ان هذا لهو البلاء المبين* فديناه بذبح عظيم}. الصافات 104-108.

        هذا هو الاسلام الحقيقي, الذي ضرب فيه ابراهيم واسماعيل ابنه المثل العظيم, فكان جزاء الله لهما عظيما, لأنهم أحسنوا عبادة الله, وأحسنوا طاعة الله, ونجحوا في اختبار صعب شمل المصاعب التي تهزم قوى الانسان وتجعله يخرّ صريعا أمامها, ولكن بقدر ما كان للأب من ايمان مدهش وصبر عظيم وتسليك قانع راض بها القدر كان للابن الغلام الصغير.

        ان ابراهيم عليه السلام كان معجزة ايمانيّة سلوكيّة, واسماعيل ضرب مثلا في الطاعة فكان مدهشا في رباطة جأشه ووصوله الى مدى بعيد الطاعة.

        ان الموقف كله معجزة, ولم يكن الكبش وحده هو المعجزة, الأب, الابن, الكبش, مشيئة الله, كل هذه الأطراف صنعنت معجزة هائلة لن تنساها البشريّة.

        اللهم صلى على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
        كما صليت على سيدنا ابراهيم وعلى آل سيدنا ابراهيم
        وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
        كما باركت على سيدنا ابراهيم وعلى آل سيدنا ابراهيم
        فى العالمين - انك حميد مجيد

        وما زالت شبه الجزيرة العربية تنعم فى الرخاء بسبب دعوة سيدنا ابراهيم

        عليه صلوات ربى وسلامه ابو الأنبياء
        سبب هذا الرخاء ... اللهم اجمعنا بنبينا محمد وسيدنا ابراهيم فى الجنة
        آمين
        التعديل الأخير تم بواسطة نسيبة بنت كعب; الساعة 14-05-2005, 18:46.

        تعليق


        • #19
          عـُــــــــــــزًيــــــــــــر

          الحياة بعد الموت

          قال تعالى:{ أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم, قال بل لبثت مائة عام فانظر الى طعامك لم ستسنّه وانظر الى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر الى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما, فلمّا تبيّن له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} البقرة 259.

          1. أما قبل

          فحديثنا عن معجزة عزير عليه السلام, يحتاج الى تعريف مختصر يسير, بمن هو عزير,, حتى نجعل لكل أوّل آخر, ونربط المعجزات بالمصائر.

          وعزير عليه السلام صبي من نسل نبي الله هارون عليه السلام, وفي وقت معجزته هذه كان يقيم مع قومه من بني اسرائيل في بابل, الذين كثروا بها وتناسلوا بعد أن أخرجهم بختنصر, وأخذ معظم الأسرى الى بابل وكان بختنصر هو أول من جاس في ديارهم, بعد أن أفسدوا في الأرض, ولذلك فقد حقت عليهم كلمة الله عز وجل:{ وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرّتين ولتعلنّ علوّا كبيرا* فاذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار, وكان وعد الله مفعولا. السراء 4-5.

          كان عزير عليه السلام صبيا نابها كارها لحياة الذل في أرض بابل, يملأ قلبه الأسى والحزن لما يلقاه بنو قومه من الذل والعبودية والهوان, وكان عزير عابدا صالحا يقرأ التوراة, ولم يكن في بني اسرائيل آنذاك من يحفظ التوراة عن ظهر قلب سوى عزير, وكان أبوه وجدّه يحفظانها من قبل.

          وكان عزير عليه السلام يقرأ التوراة ويعمل بها, ويعظ الناس, فأحبّه الاسرائيليون والبابليون على حد سواء, لخلقه, واستقامته, وحسن سيرته وسلوكه بينهم, وصدق نصائحه وتوجيهاته ومواعظه, وكان عزير مستجاب الدعاء, فما يدعو لأحد بخير الا استجاب الله لدعائه المبارك.

          وقد تزوّج عزير عليه السلام وأنجب ابنين, ولم بلغ الأربعين من عمره أوحى الله اليه أ،ه سيخرج من هذه الأرض, أرض بابل, التي أسره فيها بختنصر وأ، بني اسرائيل سيخرجون أيضا, ويعيدون عمارة بلادهم.

          ولما كان العزير عاقلا هادئا حكيما, فانه لم يبح لأحد بما أوحي اليه لا لبني اسرائيل ولا لغيرهم, وكان كتمانه هذا حرصا وخوفا على بني اسرائيل من أن ينزل بهم شر من أي جانب أو جهة.

          ومرّت الأيام وعزير عليه السلام يجد في داخله حافزا الى الخروج من بابل حيث الذل والمهانة الى حيث وعده ربه بعمارة الأرض المقدسة, وتزايدت في داخل عزير تلك الحوافز يوما بعد يوم, ومر شهر وحنين عزير يشتد أكثر وأكثر, وأصبح لا يطيق البقاء في بابلظو وأقرّ في نفسه أنه لا مفرّ من الخروج.

          فكّر عزير عليه السلام قليلا فيما سيواجهه من مشاكل من جراء خروجه من بابل, فماذا سيصنع بزوجته وأبنائه, وخادمته التي طالما كانت وفيّة أمينة مطيعة له على مدى سنوات مضت.

          وسأل نفسه: كيف يصطحب كل هؤلاء معه؟ وفي ظل حراسة مشددة, وهل يغفل هؤلاء الحراس, الذين وضعهم الملك في كل مكان من بابل؟

          كانت هذه المشكلة التي تؤرق عزير عليه السلام وأحس أنها ستعطل خروجه من بابل, ولكنه فكر في الأمر مليّا, وجمع زوجته وبنيه, وخادمته الأمينة في ليلة من الليالي, وفي مكان أمين, وقد سكن اليل, وأوى الناس الى مضاجعهم, وقال لهم:

          لقد قررت الرحيل.

          فقالت الزوجة: الى أين؟

          فقال عزبر: الى الأرض المقدسة.

          قالت الزوجة: ان هذا الأمر غاية في الصعوبة, ونحن نحاط بهذا الكم من حراس بختنصر.

          ولكن عزير الذي أوحي اليه أصرّ أن يخرج مهما كان الثمن, ذلك لأنه رأى في الخروج تنفيذا لأمر الله عز وجل.

          عندما أباح عزير بالسر وهو أن خروجه بوحي من الله عز وجل, وأن الوحي بشّر بعمارة بني اسرائيل لأرضهم, وزوال ذل وهوان بختنصر عنهم, فرحت الزوجة والأبناء والخادمة, وعرفوا أن عزيرا أصبح نبيّا من أنبياء بني اسرائيل.

          فقال لهم عزير عليه السلام: لقد أوحي الي منذ ثلاثة أشهر, وها هي التوراة في قلبي أحفظها, فهي كلام الله, تنير لي الطريق ان شاء الله.

          طلبت الزوجة عندئذ من زوجها عزير أن يعلم بني اسرائيل بما أوحي اليه من الله عز وجل, حتى يستبشروا وتقوى عزائمهم ويتخلصوا من الذل الذي اعتادوا عليه منذ أن اجتاحهم بختنصر بجيوشه القاسية الفتاكة.

          وقالت الزوجة والأبناء: ان خروجك وحيدا لن يعمّر الأرض فانك لن تجد هناك من يعينك على ذلك, ولن تجد أيضا هناك من تعلمه التوراة, وبقاؤك معنا سيفيدنا لأننا سنتعلمها منك.

          قال عزير: هذا أمر الله, وأنا جبلت على طاعته ولن أعصي له أمرا, وقد أوحى الله أمرا واقعا في المستقبل لا نعرف نحن عنه شيئا, ولكن مشيئة الله نافذة, وبعد وقت قليل سيلحق بي بنو اسرائيل وستلحقون بي أنت جميعا, فاصبروا, ولا تجزعوا فانه أمر الله, ولا رادّ لأمره, سنلتقي هناك في الأرض المقدسة, وسنجتمع كلنا في الغد القريب.

          ثم أكّد عزير على سريّة خروجه, فقال لهم: اذا أصبحتم فاكتموا أمري, فاذا سأل عني سائل فقولوا له: خرج ولا ندري متى يعود..!

          فب\لما تأثرت الزوجة والأبناء أكّد عزير عليه السلام قائلا: تصبّروا, فاننا سنلتقي ان شاء اله, فهكذا أوحى الله اليّ.. كفوا عن البكاء والحزن, واحبسوا أصواتكم حتى لا يشعر بنا أحد..

          والآن أستودعكم الله.

          سألت الزوجة: وماذا أعددت لركوبك؟

          قال: لقد اشتريت حمارا جلدا قويا منذ أيام لهذا الغرض.

          فقالت: وأين هو؟

          قال: تركته عند صديقي, وواعدته أن يلقاني به الليلة, خارج أسوار المدينة.

          قالت: وها علم صديقك بنبأ رحيلك؟

          فقال عزير: نعم, علم بكل شيء, وكانأول من آمن بنبوّتي, وسيكتم أمري كله ان شاء الله.

          كان الفراق صعبا بالنسبة للزوجة والأولاد والخادمة, وكان وداعا هامسا, حارا, هادئا.. وخرج عزير.


          يتبع .......
          التعديل الأخير تم بواسطة نسيبة بنت كعب; الساعة 09-07-2005, 15:17.

          تعليق


          • #20
            تكملة :


            2.بدء المعجزة


            مضى عزير عليه السلام في رحلة طويلة شاقة, بعد لحظات خوف وترقب أثناء خروجه من بابل وقد أحاطها الحراس والجنود في كل مكان.

            وبعد طول مسير وكثير عناء, وجد العزير نفسه في الأرض المقدسة التي طالما تاقت نفسه لرؤيتها, فلما دخل وجد شيئا عجيبا, لم يجد آثارا للعمران, با وجد الخراب جاثما عليها منذ ثلاثين سنة مضت, منذ أن خرّبتها جيوش بختنصر الذي كان قد اقتحم دمشق, وسار منها الى بيت المقدس, وتذكّر عزير ملك بني اسرائيل الذي خرج اليه, وقدّم له الطاعة وطلب منه الصلح, وأعطاه من الأموال والجواهر والأشياء النفيسة ما أرضاه, ويومها طلب بختنصر بعض أعيان بني اسرائيل ليكونو رهائن عنده ضمانا لاستمرار الصلح, وعدم التمرّد. تاريخ الطبري.

            وتذكّر أن أهله بني اسرائيل لما نزل بختنصر فزعوا, وتفرّقوا, وأغلقوا دورهم عليهم, فلما صالحه الملك وأعطاه الرهائن وجلا عن البلاد بجيشه, خرجوا من جحورهم غاضبين يلومون ملكهم على الصلح, ويعلنون أنهم كانوا قادرين على قتال عدوّهم, وانزال الهزيمة به, وثاروا على ملكهم وقتلوه, ونقضوا الصلح مع بختنصر.

            وتذكّر كذلك لما رأى الخراب أن بختنصر لما علم بما حدث منهم عاد الى بيت المقدس, فتحصنوا بداخلها, فحاصروها حصارا شديدا, ثم قام بدك أسوارها بما يقذفه عليها من مدمّرات, حتى تهدّمت, فاندفع جيشه وخرّب المدينة, وقتل النساء والأطفال, وخربوا الدور والزروع والقرى وقتلوا وأسروا كل من وصلت اليه أيديهم.. حتى خرّبت الديار, وكثرت الدماء, وتناثرت الأشياء وهرب من هرب وأسر من أسر, وهرب منهم كم هرب الى مصر,والى مكة والى يثرب وجهات أخرى, وبقي بختنصر ليأتي على البقيّة الباقية من هدم للبيع والمعابد واحراق كل ما وقع له من نسخ التوراة, وقتل الشباب من الأسرى القادرين على حمل السلاح, واسنبقى النساء والأطفال عبيدا عنده وخدما, وغادر البلاد بعد تركها خرابا.

            كل هذا تذكره عزير عليه السلام لما رأى الخراب والدمار حوله في كل مكان؛ فقد وجد أشجار الفاكهة قائمة بغير عناية, فلم تحصد منذ سنين ولم تقطف ثمارها, فهي محمّلة بالثمار الحديثة والقديمة, والأعشاب وبعض الزروع وقد تفرّقت هنا وهناك بغير انتظام, وقد كست الأرض, فتطول في مكان وتقصر في الآخر.

            وسمع عزير عليه السلام عواء الذئاب بعيدا, وأصوات السباع, وبحث عن أي أثر لأي انسان فلم يجد, وظل العزير يمشي ويمشي حتى بلغ مدينة القدس ووجد بهاآثارا لمذبحة بختنصر. فعظام القتلى بقايا بالية مبعثرة, والدماء على الجدران جافة سوداء, وعشرات الألوف من الجماجم الآدميّة تدل على هول ما أنزل بختنصر ببني اسرائيل من هلاك, ورأى عزير البيوت وقد تهدمت وطمرت بالأنقاض, أما المساجد والمعابد فقد أصبحت خاوية على عروشها, مهجورة وقد ملأها التراب...

            هال عزيرا عليه السلام ما شهده من مشاهد, وقد جرت أحداث بختنصر هذه وهو صبي لم يتجاوز العاشرة من عمره, ولكنه سمع فيما بعد بهذه المذابح والمعارك من الآباء لكن ما شهده كان أكبر مم اتصوّره, لم يكن يعرف أن هذه المعارك كانت عاتية فادحة الخسائر الى هذا الحد, الذي يشهده بعينيه وهو يمر بين الأنقاض والديار المهدّمة.

            طاف عزير عليه السلام مدينة الأشباح, وقد شغله هذا الماضي المفجع المحزن والحاضر وما سيكون عليه المستقبل, سأل نفسه عدة أسئلة:

            أتصبح هذه الأرض القفراء عامرة؟

            أتصير هذه يوما من الأيام, معمورة الأسواق والندوات والمجالس, آهلة بالسكان والأطفال والنساء والبيوت؟

            وقد أوحى الله اليه أنه سبحانه عز وجل سيعيدها سيرتها الأولى فتدب فيها الحياة, وتنشط الحركة وتقوم التجارة, ويزدهر نشاط الناس بالزراعة والصناعة.. صمت عزير عليه السلام قليلا وتساءل في عجب{ أنّى يحي هذه الله بعد موتها} البقرة 259.

            أحس عزير عليه السلام بوحدة قاتلة, ووحشيّة مميتة من هذا الصمت الذي يطوف حوله, صمت المدينة, والأشجار, وكل شيء حوله صامت لا يتحرك, وأحزنته مشاهد الدمار التي ما زالت متناثرة في الشوارع والطرقات على شكل عظام ودماء, وبقايا حياة كانت مليئة بالحيوية والبهجة, ولم يسمع عزير حوله سوى صوت الرياح تهمس في أذنيه مرة عاصفة وأخرى عليلة هادئة النسمات.

            من كل هذا الجو الموحش آثر عزير أن يتخذ لنفسه مغارة في أحد الجبال المحيطة بالقدس ليقيم فيها, وحث حماره فمشى, وعند أحد البساتين توقف عزير عليه السلام وصنع لنفسه سلة ملأها عنبا وتينا, وعصر بعض العنب, وجعله معه في اناء من الجلد ليشربه.

            وفي ضحى هذا اليوم دخل عزير عليه السلام مغارته الواسعة العتيدة فربط بها حماره, ووضع سلته وشرابه الى جانبه واستلقى على ظهره ليريح نفسه من العناء والتعب, وقد شغله فكرة بواحدة من الأفكار تقول: كيف تعود الى الحياة ثانية الى هذه القرية؟!

            وعزير عليه السلام على علم من وحي الله أن الحياة ستعود مرة ثانية الى هذه القرية ولكنه انسان, ومازال رغم كل ذلك يقول ويردد:{ أنّى يحي هذه الله بعد موتها}.

            من هذا التساؤل العجيب, ومن هذا الاستطلاع وحبه المعروف عند البشر, تكون المعجزة في طريقها الى عزير عليه السلام بأمر الله عز وجل.

            وظل عزير عليه السلام يقول: كيف تعود الحياة الى سائر بني اسرائيل وها هي صامتة صمت الزمن أيامي؟!

            ظل عزير عليه السلام على هذه الحال, حتى أسلمه التعب والتساؤل والرغبة في المعرفة الى نوم عميق عمق الزمن الذ طال, ثقيل ثقل السنين التي مضت ولم يشعر بها عزير أبدا.

            وفي نومه العميق أو في نومته الصغرى, نام نومة كبرى, لقد قبض الله روحه, ولم يعد عزير يشعر بشيء مما حوله فهو في يد العناية الالهية, تنصرف الى ما تشاء ولا رادّ لمشيئة الله لا في الأرض ولا في السماء.

            يتبع .....

            تعليق


            • #21
              تكملة :

              3. العودة

              مضت السنون سريعة خاطفة عاما وراء عام, ومضى على عزير عليه السلام من بابل عشرة أعوام, انتظرت فيها زوجتهىوبنوه مشيئة الله عز وجل التي تتيح لهم الخروج من بابل حتى يلحقوا به في الأرض المقدسة, ولكن طال انتظارهم, ولم يحدث شيء, وتلاحقت الأعوام حتى بلغت أربعين عاما, ولم يخرج بنو اسرائيل ولم تأت أخبار عن عزيرا, ويئسوا من العودة الى الأرض المقدسة.

              أربعون عاما كانت كافية لتغيير أشياء كثيرة, فتغيّرت أجيال واندثرت أجيال. وفي خضم هذا الأمن والطمأنينة, نشأت في بني اسرائيل فتاة جميلة بارعة الجمال, تتسم بالذكاء حتى تفوقت على بنات جيلهاةجمالا وذكاء, فكان أن رآها ملك بابل فطلب الزواج منها, فتزوجها وهام بها حبا, وأصبحت ذات مكانة رفيعة لدى زوجها, ومنزلة عظيمة ومنّ الله عليها بمولود جميل, مما زاد حبها رسوخا في نفس زوجها الملك, ملك بابل, وأصبحت الزوجة ذات مكانة عظيمة في أوساط زوجها والقصر وكل من حولها, وكان لها عظيم الأثر في نفس زوجها الملك مما جعله يحسن معاملة بني اسرائيل, فصار الأحبار يدخلون القصر ويعلمون ابنها التوراة, فأصبح محبا لأهل أمه, مما جعل الأحبار يشعرون ببركة هذا الزواج, فأصبحوا يتمتعون بمعاملة كريمة واحترام كير واكرام ما بعده اكرام, وأصبح لهم نفوذ كبير في القصر, فهم بمنزلة وزراء الملك وأعلى الناس في حاشيته ومستشاريه.

              ومرّت السنون والأحوال تزداد تحسنا بالنسبة لبني اسرائيل, وجاء اليوم الذي مات فيه الملك, فخلفه ابنه الذي رضع حبا لأخواله بني اسرائيل, وحفظ منهم التوراة وعلومها, وأحبهم حبا شديدا, وجاء اليوم أيضا الذي جلست فيه الأم لبنها الملك لتحدثه عن أرض بني اسرائيل التي ما زالت خاوية خربة وتحتاج لأبنائها كي يعمروها, ويزرعوا ارضها.

              وفي هذا اليوم المشهود لبني اسرائيل والذي جاء بعد مضي سبعين سنة على خروج عزير عليه السلام من بابلو في هذا اليوم خرج المنادي ينادي في شوارع بابل: من أحبّ أن يخرج من بني اسرائيل الى بلاده فليخرج ولا حرج عليه في ذلك.

              فخرج بنو اسرائيل مهاجرين الى بلادهم, وهناك هالهم ما رأوه من خراب ودمار, ولكنهم شمّروا عن ساعد الجد, فغرسوا وزرعوا, ودبّت الحركة في المدينةالتي أصبحت أكثر نظافة ونظاما عما قبل, وعادت الحياة تدب من جديد في أرجائها, وخرجوا الى القرى المحيطة بها فعمروها, وبدأ التجار عملهم, فاستؤنفت التجارة بين القرى, وبدأ أرباب الصناعة في تشغيل صناعاتهم وظهرت المساكن الجديدة هنا وهناك, وامتدت الأيادي للبناء, وكان الجميع في سعادة وهم يبنون ويعمّرون ويشعرون بالحريّة, ولم يعد الذل يطاردهم كما كان في بابل . ومضت ثلاثون عاما أصبحت فيها البلاد عامرة, وقد أثمرت صناعاتهم وعمّرت قراهم, وانحسرت آثار الكارثة التي مرت بهم تماما ولم يعد لها أثر يذكر.



              يتبع ..........

              تعليق


              • #22
                تكملة :

                4. ظهور المعجزة

                كانت زوجة عزير عليه السلام قد كبرت وأخذ منها الزمان ما أخذ, وكذلك خادمته الصغيرة, وقد بحثوا جميعا في أول مجيئهم مع بني اسرائيل عن عزير في كل مكان بالمدينة, فلم يجدوا له أثرا, وأرسلوا الى المدن والقرى للبحث عن عزير ولكن دون جدوى.

                وأثناء سؤالهم هذا صرفهم الله عز وجل عن المغارة التي سكنها عزير ومات فيها, وانصرفت مشيئة الله أن لا يقترب بشر من هذه المغارة, لأمر عنده كان مفعولا, واكتملت مائة عام على وفاة عزير, فتحرّك الجسد الذي أصبح ترابا, وأحياه ربه بعد مائة عام, ردّ فيه الحياة, فاجتمعت عظام جسمه ونبض قلبه من جديد فاعتدل جالسا, ونظر حوله هنا وهناك فوجد الى جواره اناء العصير, وطعامه لم يحدث له شيء وسمع مناديا ينادي { كم لبثت} كم من الوقت قضيت في النوم.؟

                نظر عزير عليه السلام حوله فوجد الشمس قد بدأت تعلو من المشرق, فأجاب على الفور { لبثت يوما أو بعض يوم} أي نمت يوما أو أقل من يوم, فوجد الصوت الذي ناداه يقول{ بل لبثت مائة عام..}.

                دهش عزير عليه السلام وفزع مما سمع, وردّد في ذهول: مائة عام؟! وأعاد النظر الى سلة الفاكهة, فوجد العنب طازجا كأنه مقطوف لتوه وكذلك التين, والعصير في الانء الجلدي كما هو لم يتغيّر ولم تصدر عنه رائحة غير مقبولة, ولم يتبخر ولم يتجمّد, ولم يدركه أي تحول في الطعم أو اللون.

                تذكر عزير شيئا ونظر هنا وهناك بسرعة, وتطلع الى الأفق هناك خلف الأشجار, وكأنه يبحث عن شيء, لقد تذكّر حماره, أين هو؟.. لا بد أنه هرب, ووقعت عيناه على عظام بالية في المكان الذي ربطه فيه, وربما تساءل في نفسه, ولم الحمار, لقد أصبح عظاما نخرة بعد أن أفناه الدهر؟

                وقف عزير عليه السلام بين فاكهته وطعامه الذي لم يتغيّر وبين حماره الذي فني وأصبح عظاما لطول ما مرّ به من السنين, وبدأ يردد: انها مائة عام, حقا انها مائة عام, كانت كافية بافناء جلد الحمار وعظامه, ولحمه, لقد بليت حوافره وزالت وأصبح مكان عينيه حفرتان في عظام الرأس المجوّفة.

                رأى عزير عليه السلام آيات ربه: فطعامه لم يتغير وحماره أصابه الفناء.. سبحان الله, انها بلا شك آية من آيات الله العلي القدير, ونعمة من نعمه العظيمة, ثم زاد مستدركا: بل انها آية, وكرّر: انها آية من آيات الله.

                وانصرف عزير عليه السلام للتسبيح والصلوات حتى سمع قول الله عز وجلّ:{ ولنجعلك آية للناس} البقرة 259.

                لم تكن الآية في الطعام والشراب الذي لم يتغيّر بل أصبحت في عزير عليه السلام نفسه, وهذا ما جعله يفكّر فيما سيأتي من بعد ذلك. ما الذي سيحدث بحيث يصبح عزير آية تدعو الى العجب والدهشة ومعجزة يتحدّث عنها الناس جميعا؟!

                ولكن ما هي الآية؟ وعمّ ستكون المعجزة؟!

                فجأة سمع عزير عليه السلام نداء خفيّا, يقطع عليه تفكيره, ويصرفه عن هذا التفكّر والتأمّل, جاء النداء يقول آمرا عزير:{ وانظر الى العظام} البقرة 259.

                نظر عزير عليه السلام الى العظام, ثم أكمل الصوت أو النداء:{ كيف ننشزها ثم نكسوها لحما} البقرة 259.

                أعاد النظر عزير عليه السلام فاذا به يجد عظام الحمار تتحرك قائمة بقدرة الله ومشيئته, كل عضو يتحرك الى مكانه المعروف من الجسم, حتى اكتمل هيكل الحمار العظمي ثم يكسو الله لقدرته ومشيئته هيكل العظام هذا باللحم, حتى يعود حمار العزير خلقا كاملا سويا كما كان.

                أخذت الدهشة عزيرا عليه السلام لكنه تمالك نفسه, ولما رأى ذلك بعينه سلّم وآمن بقدرة الله عز وجل, واطمأن يقينه, فقل في خشوع:{ أعلم أن الله على كل شيء قدير} البقرة 259.

                لقد كان عزير عليه السلام في زمن سبق موته يعجب لقدرة الله كيف تعيد الحياة الى هذه البلاد بعد أن رآها مقفرة موحشة, وها هو اليوم يرى أعجب وأعظم مما كان يتصوّر, انها قدرة الله سبحانه عز وجل.

                وخرج عزير عليه السلام ينظر الى الطريق العام فوجد الناس تأتيه من بعيد وهم يتكلمون رائحين وغادين, ورأى المدينة قد عمّرت, ورأى في المدينة أنوارا خافتة تظهر مع طلائع الظلام التي أقبلت مع الغروب, مما جعل العزير يشعر بالفرح والسرور ويشكر الله على نعمته, ويتيقن كما كان أن الله على كل شيء قدير.

                مضى العزير الى المدينة يتطلع الى أخبارها وكيف أصبحت بعد مائة عام, وماذا يفعل الناس: أهم سعداء أم بهم همّ وما هي أخبار أسرته؟ هل هناك أحد منهم على قيد الحياة؟

                دخل عزير المدينة وفي رأسه مئات الأسئلة يريد اجابة عليها, فاذا به يرى مبان جديدة, رائعة التقسيم والبنيان على غير ما كان يرى منذ مائة عام, وشوارع وخططا غير التي كان بعهدها في القديم, وأخذ ينظر هنا وهناك, ويتنقل في طرقاتها وشوارعها بحثا عن منزله القديم الذي تركه منذ أكثر من مائة وعشرين سنة, ولما وجد نفسه في مكان جديد عليه وقد تغيّر تماما عما عهده قبل مائة عام, هداه فكره الى أن يسأل الناس المارّة في الشوارع.

                تحدّث عزير عليه السلام وقال لأحدهم: أين دار العزير؟ فأجابه الرجل:لا نعرف دارا للعزير, ولكن يوجد هنا ديار أبناء العزير! انظر الى هذه الدور المترصّة, انها دور أبناء العزير.

                مضى العزير الى المكان حتى جاء الى دور أبنائه, وعند أوّل باب من أبوابها طرق الباب طرقا خفيفا, فسمع صوتا من الداخل يقول: من الطارق؟ من بالباب؟ فأجاب على الفور: انا العزير!!

                فقال الفتى الذي ردّ عليه: ماذا تقول؟ العزير! اتسخر منا يا رجل؟

                فقال العزير: افتح الباب يا بني وستعرف أنني لا أكذب عليك ولا أسخر منك.

                ففتح الفتى الباب, ونظر الى الرجل في دهشة واستغراب, ثم قال: لقد فقدنا العزير منذ مائة عام على ما سمعت من أبي, وكان سنه يومئذ أربعين سنة, فلو كان حيا لوجب أن تكون سنه الآن مائة وأربعين سنة, وأنا أراك الآن في سن الأ{بعين, انّك أصغر من أحفاده, فكيف يمكنني التصديق بأنك أنت العزير؟!

                سمع الناس الحوار بين العزير وأحد أحفاده فتجمّعوا حوله وأمطروه بالأسئلة, وكان يجيب بثقة ولسان صدق ويقول لهم: لقد أماتني الله مائة عام ثم بعثني, ورأيت بنفسي طعامي لم يتغيّر لونه ولا طعمه وسرابي لم يتبخر ولم يتغيّر وحماري الذي رأيت عظامه تتحرك وتأتي كل واحدة مكانها حتى اكتمل, فكساه الله لحما وعلا صوته ونهق نهيقا شديدا, كل هذا بعد مائة عام وقد ظننتها يوما أو بعض يوم, ولكنّ الله عز وجل أعلمني أنها مائة عام, بعثت بعدها بمشيئة الله, أليس الله على كل شيء قدير؟!

                في هذه الأثناء ظهرت عجوز لا ترى أمامها تتوكأ بصعوبة على الحائط مقعدة, ونادت قائلة: أدخلوه الى داخل لدار, فانني أعرف علامة في العزير فان كان هو عرفته بها, فدخل العزير عليه السلام عليها فاذا هي عجوز عمياء قد أهلكها الدهر, فقالت له: أتقول أنك أنت العزير يا هذا؟

                قال: نعم.

                قالت لقد كان لدى العزير خادمة, وقد تركها وسنها عشرون عاما, أتعرف اسمها؟


                قال: نعم اسمها "أشتر" قصص الأنبياء لابن كثير, وقد تركتها وسنها عشرون عاما, فاذا كانت على قيد الحياة فسنّها الآن مائة وعشرون عاما.

                فقالت العجوز: أتعرف أنني أنا "اشتر" خادمة العزير؟ وكان في العزير علامة, فقد كان مستجاب الدعوة فينا, فكان لا يسأل الله شيئا الا استجاب له, فان كنت العزير حقا, فادع الله لي أن يردّ عليّ بصري, وأن يشفي قدمي, فقد صرت مقعدة لا أستطيع المشي والنهوض من شدة الآلام فيهما.

                وفي لحظات دعا العزير ربه, ومسح بيده على عينيها, وأخذ بيدها لينهضها وهي مقعدة فاذا بها تنهض على ساقيها, وتبصر أحسن ما يكون الابصار, وتأملت في وجه وقالت: أشهد أنك عزير, اني أراك الآن كما رأيتك آخر مرة شاهدتك فيها منذ مائة عام..

                وجاءت عجوز أخرى يقرب عمرها من مائة وأربعين عاما وقالت: وأنا أتعرفني يا عزير؟ فقال: أنت زوجتي ولن أجهلك أبدا.

                وكان عند خروجه قد أعطاها خاتمه وقال: لعلك تذكرينني به, وكذلك هي فقد أعطته خاتمها كي يذكرها به, فقالت له: أتذكر ماذا تبادلنا ليلة خروجك؟

                قال: تبادلنا خاتمي وخاتمك, فقد أعطيتك خاتمي وقلت لك: لعلك تذكرينني به.. وأعطيتني خاتمك وقلت لي: لعلك تذكرني به.. وها هو ذا خاتمك, وخلعه من اصبعه, وقدّمه لها.

                فرحت العجوز زوجة عزير وقالت: وها هو ذا خاتمك يا عزير ولطالما ذكرتك به.

                وتجمّع الناس على هذه الأحداث العجيبة التي جرت أمامهم فتكاثروا وجاء غيرهم, حتى ضاقت دار عزير, فوقفوا أمامها يعجبون لهذا الأمر العظيم, وهذه الآية الكبرى التي توالت أمامهم كالحلم, فكلما همّوا بتكذيب كلمة جاء تصديقها بشاهد وموثق, لأن مشيئة الله عز وجل انصرفت كي يكون عزير آية للناس, وذلك لقول الله عز وجل:{ولنجعلك آية للناس}.

                في هذه الأثناء خرجت خادمته التي أبصرت واستعادة عافيتها وانصرفت عنها آلام قدميها, مسرعة الى مكان هي تعرف ارتباطه بهذا الأمر وهذه الآية, التي انصرفت مشيئة الله أن يمةن عزير بطلها, لقد خرجت الى بني اسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم, وأخبرتهم بخبر وصوله, وكان على رأس المجلس شيخ وقور أخذ منه الدهر ما أخذ, انه ابن العزير الذي بلغ من العمر عتيّا. لقد بلغ مائة سنة وثماني عشرة, وجلس شيخا في مجلسهم..

                وجاءت تصرخ وتقول: هذا عزير قد جاءكم.

                فقال ابن العزير الأكبر وقد رفع وجهه وفحص ببصره الضعيف هذه الفتاة: من هذه الجارية؟

                فقالت: أنا جارية أبيك عزير.. أنا خادمته " أشتر", لقد جاء أبوك ودعا لي ربه بالشفاء وردّ بصري عليّ فاستجاب الله له كما عرفناه منذ مائة عام, أتدري أن الله أماته مائة عام ثم أحياه وبعثه من جديد!

                صمت الشيوخ جميعا وساد المجلس لحظات من الهول والصمت, وهم يسمعون كلاما يظنون أنه لا يصدق, ولكن ها هي جارية عزير ماثلة أمامهم وقد قصّت عليهم حقائق, فهي " اشتر" وهو اسمها, وعزير كان مستجاب الدعاء كما علموا وتعلموا من الآباء والأجداد, انهاةحقائق لا تكذب, وعزير خرج من بينهم منذ مائة عام كما تقول أيضا, وهي الآن تدعوهم لرؤيته رؤيا العين, كل هذا دعاهم الى الوقوف فردا فردا والتوجه الى خارج مجلسهم كي يرون بأعينهم ما سمعته آذانهم, وان لم يروه شكّوا في الأمر كله, فلن يصدّق أحد منهم ما سمعه من أشتر تصديقا كاملا الا اذا مضى في طريقه الى دار العزير ورأى بنفسه العزير ماثلا أمامه بهيئته التي فقدت خيالها وملامحها ذاكرتهم, مضى القوم في الطريق الى دار العزير, ولم يتوقف أحد منهم ولم يتحدث أحد منهم الى أحد.

                تقدّم ابن العزير الجميع وهو يتكئ على عصاه وقد أهلكته الشيخوخة ولم يسعفه الكبر كي يسرع الخطى أكثر من هذا, لقد بلغ مائة وعشرين عاما, و"أشتر" تقول أن أباه هناك في سن الصبا وهو في سن الأربعين, يل له من أمر يعجب له الانسان المحدود بفكره وقدرته.

                وعلى مشارف المنزل وعلى مقربة منه تمعّن ابن العزير ومسح عينيه كي ينقشع عنهما بعض ما تركه الزمن من غمامة, فرأى شابا في الأربعين قد وقف شامخا شديدا عظيم البنية وقد أضاء وجهه نور الايمان وتقوى القلب.

                حيّا ابن العزير أباه وهو يتفحّص وجهه وقال في هدوء شديد موجها حديثه الى أبيه العزير: ان لي في أبي علامة.

                فقال العزير: وما هي؟

                قال الابن الشيخ: شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه.

                صمت الابن الشيخ وساد الصمت المكان لحظات, والجميع يتطلع بعينه الى العزير, وظنوا أن الأمر فيه من الكذب, فالأب شاب واقف في شموخ والأبن عجوز لا تكاد رجلاه تحملانه.

                صمت عزير عليه السلام قليلا ثم حرّك يديه وكشف لابنه عن كتفه فنظر الابن الى كتف أبيه فوجد الشامة السوداء مثل الهلال على كتفه..

                هلل الابن الشيخ وقبّل أباه ورحّب به وقال: انه حقا أبي وأشهد أنه ابي.. وهلل نعه بنو اسرائيل جميعا وفرحوا بمجيء العزبر ووجوده بينهم.

                لكن أحد الأحبار قطع هذا الترحيب بدليل جديد يريد أن يتأكد من خلاله أن هذا الشاب الماثل أمامه الذي مات مائة عام وكان له من العمر أربعين قبلها هو عزير حقا.

                قال الحبر: ان لنا نحن بنو اسرائيل في العزير علامة, غير التي شهدها ابنك وشهد أنك أباه.

                قال: لم يكن فينا أحد يحفظ التوراة عن ظهر قلب كما حفظها عزير.

                فقال العزير في ثقة واعتزاز, وصدق وكبرياء لهؤلاء الناس: وأنا أحفظ التوراة عن ظهر قلب.

                قام بعض شيوخ بني اسرائيل وانسحبوا من المجلس وجاؤوا بنسخة من التوراة قديمة كان أحدهم قد خبأها خوفا من بختنصر الذي كان يحرق التوراة أو يريد حرقها, وقالوا لعزير: اقرأ علينا التوراة, ونحن نراجع ان كنت تحفظها أم غير ذلك.

                جلس عزير عليه السلام شابا وسط القوم وشرع يقرأ التوراة عن ظهر قلب وهم يراجعون عليه في صحف التوراة, وظل يقرأ ويقرأ وهم يزدادون خشوعا حتى انتهى منها دون أن يخطئ في حرف واحد من حروفها, أو يتردد في آية واحدة من آياتها أو كلماتها.

                شهد الجميع بأنه العزير, وفرحوا به, ونظر بعضهم في المجلس فوجد آية عظيمة من آيات الله, لقد جلس العزير في هذا المجلس وفيه بنوه وبنو بنيه وهم شيوخ وقد شاب شعرهم وشابت لحاهم, وقوّست السنون ظهورهم وأحنتها بشدة, بينما يجلس عزير شابا في الأربعين أسود الشعر, قوي البنية, منتصب القامة, فكانت آية عظيمة, وكان عزير عليه السلام آية بما حدث له وحدث معه من مشاهد اختصه الله بها حينما قال له:{ ولنجعلك آية للناس}.

                حقا انه آية في موته وهو في سن الأربعين وآية في بعثه بعد مائة سنة, وروؤيته مشهد اعادة خلق حماره من جديد والعظام تتحرّك أمامه واللحم يكسو جسم الحمار من جديد, وطعامه لم يتغيّر, ولم تجففه الشمس ولا الهواء بل ظل طازجا, وقد جاءت قصة عزير في القرآن الكريم تحكي عن الآية التي جعلت فيه, وأخذت منه درسا وعظة لكي يعلم من لا يعلم أن الله على كل شيء قدير وأنه سبحانه عز وجل قادر على أن يحيي الموتى فهو الذي خلقها, وأماتها, وأنشأها مرّة أخرى, وهو خالق الطعام وقادر على ابقائه مائة عام دون أن يتبخر أو يتخثر أو تفوح رائحته كما يحصل خلال أيام قليلة بين يدي البشر, وهو القادر على خلق حمار عزير بعد أن أماته مائة عام وهو الذي صوّره أمام عبده عزير كي يؤمن الذين في قلوبهم تردد بأن الله على كل شيء قدير, فالخلق خلقه والكون كونه سبحانه وتعالى عز وجل, ليس كمثله شيء, واحد أحد فرد صمد.

                ونقرأ قصة العزير في سورة البقرة. قال تعالى:
                { أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت, قال لبثت يوما أو بعض يوم, قال بل لبثت مائة عام فانظر الى طعامك وشرابك لم يتسنّه وانظر الى حمارك ولنجعلك آية للناس, وانظر الى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما, فلمّا تبيّن له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} البقرة 259.

                تمت بحمد الله

                الحلقات القادمة عن معجزات سيدنا سليمان عليه السلام

                تعليق


                • #23
                  جزاك الله خيرا
                  []قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)..._....وقال العلماء الصلوات الخمس فلاتنسوا صلاة الفجر]

                  تعليق


                  • #24
                    مشاركة: معجـــزات الأنبيــــاء

                    سيدنا سليمان و معجزات
                    الجن والنملة والعرش

                    قال تعالى: {ولسليمان الرياح غدوّها شهر ورواحها شهر وأرسلنا له عين القطر, ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه, ومن يزغ نتهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير} سبأ 12.

                    1.الجن

                    خرج سليمان عليه السلام كعادته الى بيت المقدس, وكانت العاصفة شديدة, وبقي هناك في محرابه, يعبد الله حتى انتصف الليل, فلما همّ للعودة, تجلى له نور الله عز وجل, وشعر كأن روحه تهيم في تلك الأشعة النورانية, فانطلق لسانه وتحرّكت شفتاه فقال:{ وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي انك أنت الوهاب} ص 35.

                    شعر سليمان عليه السلام كأنه في حلم لم يستيقظ منه الا في الصباح فعاد الى قصره وجلس على عرشه يفكر فيما رآه من محرابه, وفيما دعا به ربه. فسمع هاتفا يهتف به ويقول له: لقد استجاب الله دعاءك, وسخر لك في ملكه ما لم يسخره لغيرك.

                    سخر الله سبحانه عز وجل الرياح لسليمان تجري بأمره حيث يشاء فتسقط الأمطار, وتسوق السفن.

                    وسخر له الجن والشياطين, يعملون له ما يريد من بناء المساكن والقصور, واصلاح الأرض للزراعة, وحفر الآبار لريّها.

                    وأخضع الله سبحانه وتعالى لسليمان الطير والحيوان, فكان هؤلاء وهؤلاء من رعاياه المخلصين.

                    وكان سليمان عليه السلام عبدا شكورا, يحمد الله وكان من عباد الله المخلصين. فقال عليه السلام:

                    رب, بما أنعمت عليّ وعلى والديّ, سأهب نفسي لطاعتك والجهاد في سبيلك, فوفقني الى طريقك المستقيم.

                    سأحارب الفقر الذي يذل عبادك المخلصين.
                    سأعلن الحرب على الظلم الذي قتن عبيدك الأولين.
                    سأجاهد ما حييت المشركين بك, الخارجين عن طاعتك.

                    عند ذلك سمع الكلائكة تقول آمين. فسجد لله القوي العزيز.

                    وحرص سليمان عليه السلام أن لا يفتنه الشيطان بالملك الواسع الذي وهبه الله له والقوى الخارقة التي لم يهبها الله لأحد من قبله ولا لأحد من بعده.

                    سخر سليمان عليه السلام كل هذه النعم التي أنعم الله بها عليه للاصلاح والتعمير, فخرجت السفن تدفعها ريح سليمان, وعادت تحمل المتاجر من البلاد النائية والجزية من ملوك الأرض والأقطار الواسعة, وقامت شياطين الجن بحفر الآبار وبنائها في الصحراء, واصلاح الأراضي المحيطة بها, وقطع الأحجار من الجبال, وبناء المدن والأمصار بشوارعها الممهدة, وميادينها الفسيحة, وجعلت في وسط كل ميدان قدرا كبيرا من الحجر المنحوت, يشبه وعاء الطعام, ولكنه عظيم الاتساع, وتأتي السحب بعد ذلك فتملؤه بمياه الأمطار, فاذا هي كبيرة عظيمة التساع, تكسب الميادين بهجة وجمالا فاذا أخذت المدينة زخرفها وازينت أقبل الناس على سكناها وبذر البذور في الوادي المحيط بها, وريّها بمياه الأمطار والآبار فتخضرّ الأرض, ويعم الخير, ويعيش الناس في رخاء يعبدون الله الواهب الرزاق.

                    وكثرت عمارة المدن, وزراعة الصحارى, وعاش بنو اسرائيل في نعيم ما رأوا ميله في غابر الأيام والأزمان.

                    وكان قصر سليمان قصرا رائعا, بل يعدّ من أروع ما تمّ تشييده في هذا الوقت, فأحجاره من الرخام المرمر, وجدرانه وسقفه مموّهة بالذهب الخالص, وبالقرب من مساكن الجند وحظائر الخيل, وتحت القصر خزائن الملك في جوف الأرض, يهبطون اليها في سراديب ممتدّة بين قاعاتها, وفي نهايتها أبواب ضخمة, وقف على كل منها ماردان من عفاريت الجان.

                    ومن المعجزات التي أنعم الله بها على سليمان, أن الشياطين كانت تخرج كل يوم الى الجبال: بعضهم ينبشونها ويستخرجون دفائنها من الذهب والماس, وآخرون يغوصون في البحار يصيدون حبّات اللؤلؤ الثمينة, ويعود هؤلاء وهؤلاء في المساء, فيضعون ما جمعوا في خزائن سليمان, ثم يغلقون أبواب الخزائن كلها, ويخرجون من سراديبها الى بهو القصر العظيم, فتغلق البوابة الكبرى, ويقف لحراستها ماردان من أشراف الجان, لا تغمض لهما عين.

                    كانوا يخرجون في كل يوم ويعودون, حتى امتلأت جزائن الأرض بالمعادن النفيسة, والأحجار الكريمة التي لا يجرؤ على الدنو منها والاقتراب منها انس ولا جان.

                    وكان سليمان عليه السلام يعاقب من يخالفه من الشياطين عقابا صارما, فيحبسه في قارورة من زجاج فلا يستطيع الفرار منها طول حياته, وفي يوم جيء له بأحد الشياطين مقيدا بالأغلال, فلما سأل عن ذنبه قيل له: انه قد أضاع لؤلؤة كبيرة خرج بها من البحر, ولم يودعخا خزائن الملك.

                    قال سليمان: أين خبأتها أيها العفريت؟

                    قال الشيطان: لقد غصت مع الغائصين, وخرجت بلؤلؤة في حجم رأس الانسان, ما رأى أحد مثلها في جمالها, وروعة بريقها, وظننت أنني بهذه اللؤلؤة سأحظى برضاك عني طول حياتي, ولكنني عند العودة فوجئت بمارد جبّار قد انقض علي من السماء, وخطفها مني ثم انطلق في الجو نحو الجنوب, واختفى بين طيّات السحاب, فما استطعت اللحاق به.

                    قال سليمان: اذا كان حقا ما تقول فاني سأعرض الجن عليك لتخرجه من بينهم.

                    قال الشيطان: لو كان هذا الجني من مملكتك لما استطاع أن يفرّ مني, ولكنه جنيّ من نوع آخرةيعيش في مملكة أخرى.

                    عندئذ أمر سليمان عليه السلام بسجنه حتى يرى مبلغ صدقه, ودعا وزيره "آصف" وكان وزيرا حكيما, وعالما, فرآى الوزير أن الجني صادق فيما يقوله, فقال لسليمان: يا نبي الله؛ ان الشياطين لا تهتم بجمع اللآلىء بنفسها, ولا بد أنها مسخرة لملك من الانس, ولقد ساق الله اليك هذا الحادث ليذكرك بما أخذته على نفسك وهو الجهاد في سبيل الله بما وهب لك من القرى, فشغلك جمع النفائس عن الوفاء بوعدك, وأرى أن تجدّ في البحث وراء هذا المارد حتى تهتدي الى الملك الذي أرسله وربما وجدته من المجوس الذين يتخذون لهم أربابا من دون الله عز وجل.

                    أمر سليمان باطلاق سراح الجني الذي صاد اللؤلؤة, ومكث بعد ذلك ساعة مطرقا يفكر في كلام وزيره, ثم ذهب الى محرابه في بيت المقدس حتى منتصف الليل, وفي الصباح أمر أن يتهيأ الجيش للزحف نحو الجنوب.



                    يتبع .................
                    التعديل الأخير تم بواسطة نسيبة بنت كعب; الساعة 12-09-2005, 23:38.

                    تعليق


                    • #25
                      مشاركة: معجـــزات الأنبيــــاء

                      2.حديث النملة

                      خرج سليمان يوما على صهوة جواد أشهب وعن يمينه فرسان الانس على خيول حمر, وعن يساره فرسان الجن على خيول سود, وخلفه المشاة الذين لا يحصى عددهم من الانس ومردة الجن, وانتشرت الطيور جماعات في السماء, تحجب أشعة الشمس المحرقة عن هذا الجيش العظيم الذي لم ير الناس مثله.

                      تحرّك الجيش الى الجنوب وظل أيام يضرب في مجاهل الصحراء حتى أشرف على وادي النمل فقالت نملة:

                      { يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} النمل 18.

                      سمع سليمان عليه السلام قولها, وفهم حديثها, فتبسّم ضاحكا من قولها وقال:

                      { ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه}. النمل 19.

                      أحسّ سليمان بالمعجزة التي أنعم الله بها عليه وهي أنه يسمع قول نملة في باطن الأرض لا ترى بالعين المجرّدة ويفهم لغتها, ذلك أمر لا يؤتى لأحد غير سليمان عليه السلام وبمشيئة الله وقدرته عز وجل.


                      يتبع .............

                      تعليق


                      • #26
                        مشاركة: معجـــزات الأنبيــــاء

                        تكملة :
                        أمر سليمان عليه السلام فضربت الخيام, واستراح الجيش أمام وادي النمل يوما وليلة, ولمّا تهيأ الجيش بعد ذلك للرحيل, جمع فتات الطعام, فاتخذ النمل طريقه اليه ينقله الى بيوته, وتحوّل جيش سليمان عليه السلام الى طريق آخر في الصحراء, فظلوا سائرين فيها ليالي وأيّاما, ولم يصادفوا واحة ينزلون بها, أو عينا يشربون منها حتى نفذ ما كان معهم من الماء, وأقبل السقاؤون على سليمان يخبرونه حقيقة الأمر.

                        واستخدم سليمان عليه السلام ما أتاه الله من فضل, بل نقول أنه استخدم المعجزة التي حباه الله اياها وهي تسخير الجن له فأصدر سليمان أمره الى شياطين الجن بحفر الآبار واخراج الماء من باطن الأرض, فحفروا ولكنهم لم يجدوا ماء فأعادوا الحفر في أكثر من جهة, فما خرج الماء في واحدة منها, وعادوا الى سليمان بخيبة الأمل.

                        قيل لسليمان عليه السلام: ان الهدهد وحده هو الذي يعرف بفطرته أماكن الماء في طبقات الأرض, وهو الذي يستطيع أن يخبرنا عن ماء قريب من السطح.

                        قال سليمان لحاجبه: عليّ بالهدهد.

                        خرج الحاجب وعاد ليقول: ان الهدهد ليس موجودا يا مولاي.

                        غضب سليمان عليه السلام, وخرج يتفقد الطير, فوجد مكان الهدهد خاليا فقال:

                        { ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} النمل 20.

                        قال الغراب: لقد رأيته ينطلق نحو الجنوب في صحبة هدهد آخر من طيور هذه الأرض.

                        قال سليمان: لأعذبنه عذابا شديدا, أو لأذبحنّه, أو ليأتيني بدليل قوي يبرر به سبب عصيانه أمر ومخالفته تعليماتي.

                        فقال "آصف" وزير سليمان عليه السلام: ان هذه أول مخالفة تصدر من طير ضعيف, كان مثالا للطاعة والولاء, ولا بد أن في الأمر سرّا.

                        قال سليمان: أي سر يختفي وراء غياب الهدهد؟!.

                        قال آصف: أخشى أن قد اقتربنا من وادي الجان, واستعملت أبالستهم السحر والخداع فأضلتنا عن مكان الماء وأسرت الهدهد حتى لا يكتشف لنا ينابيعه.

                        وقد أخبرني أحد الشياطين أنه سمع في جوف الجبل عزيف الجن, وحاول أن يتفقد أثرهم فما عرف طريقهم, ولا مكانهم, وأبدى خوفه من أن نكون قد وقعنا في أسر مارد جبار من شياطين الجن.

                        تبسّم سليمان عليه السلام لهذا الخبر العجيب, وقال: الحمد لله الذي هدانا اليهم, وان النصر لقريب.

                        كان أمر الماء يشغل سليمان, لأن جنوده يشعرون بالعطش وفي هذا الأمر خطر على حياتهم, فخرج عليه السلام من خيمته وأمر الريح العاصف بحمل السحب الماطرة اليه. فهبت الرياح من الشمال والجنوب, وساقت أمها السحب ونزل المطر غزيرا من السماء, فملئت القدور والقرب والمواعين وشرب الجيش ماء عذبا, وحمدوا الله جميعا على رحمته, وجليل نعمته, وهذه معجزة من معجزات نبي الله سليمان عليه السلام.

                        نعود الى الهدهد الذي ترك مكانه بين الطيور, بدون اذن من سليمان عليه السلام فانه نظر الى مواعين الماء فوجدها فارغة, فخاف أن يكوت جيش سيده من العطش, فترك مكانه وأسرع الى الأمام يجدّ في البحث عن الماء, فوج طبقات الأرض كلها صخور صمّاء, ليس بها عين من عيون الماء, وصادفه في طريقه هدهد آخر مقبل من الجنوب, فتعارفا وتطوّع هدهد الجنوب, وأرشده الى ينبوع عظيم.

                        انطلق الهدهدان حتى أتيا واديا خصيبا, ثم وقفا يستريحان على شجرة في بستان كبير مملوء بالأشجار والورود والأزاهير وفي وسطه بحيرة واسعة, يخرج الماء اليها من عيون الأرض. فينساب في الجداول بين نبات الأرض وأشجارها.

                        فرح هدهد سليمان, واستأذن صديقه هدهد الجنوب أن يعود الى سيّده ليخبره بما رأى, ولكن هدهد الجنوب استوقفه وقال له: أنت لم تر الا شيئا صغيرا, فتعال معي لتشاهد عزا وملكا كبيرا خلف هذا الوادي, حتى اذا عدت الى سيّدك أخبرته بكل ما رأيت, فيكون لخبرك أثر عظيم في نفسه.

                        قال هدهد سليمان: وماذا تريني بعد؟

                        قال هدهد الجنوب: انطلق معي لتشاهد بعينيك.

                        طار الهدهدان وتخطيا جبلا عاليا, ثم هبطا على واد أخضر به زرع نضير, وقصور فخمة, ثم اتجها نحو قصر بديع فوق ربوة عالية, فدهش هدهد الشمال بما رأى من مناظر العز والجاه, ومظاهر الملك والسلطان, فقال لصاحبه: عجبا ما رأيت مثل هذا الا في ملك سليمان في الشمال.

                        قال هدهد الجنوب: وما ملك سليمان هذه بجانب ملك "بلقيس" في الجنوب, اهبط معي من هذه الفتحة لتشاهد هذه المملكة الرائعة وقومها وهم يعبدون الشمس.

                        هبط الهدهدان, ورأى هدهد سليمان القوم يسجدون للشمس من دون الله, فراغه ذلك, ثم ذهب به هدهد الجنوب الى قصر "بلقيس" وأراه عرشها العظيم, ثم قال له: انظر الى هذه اللؤلؤة الكبيرة, هل عند سيّدك مثلها؟

                        قال هدهد سليمان: كيف وصلت اليها هذه اللؤلؤة؟

                        قال هدهد الجنوب: جاء بها عفريت من الجن منذ شهر.

                        قال هدهد سليمان: اذن هذه لؤلؤة سليمان التي خطفها عفريتكم من يد الجني الذي صادها والويل لكم من سليمان.

                        قال هده الجنوب: ليس الأمر كما تظن ف "بلقيس" تملك الجن كما تملك الانس, وأخشى على ملكك أن يغترّ بقوته, ويقدم على محاربتها, فيذوق ذل الأسر والهوان على يد جنودها.

                        ورغم أن هدهد الجنوب بالغ في القول على علاقة الجن ببلقيس لأن هذا الأمر لم يعطى الا لسليمان عليه السلام, فقد سمع هدهد سليمان كل هذا, ورأى ما رأى, ثم عاد مسرعا الى سليمان, فوجد سحبا كثيرة تسقط الأمطار والقوم يشربون.

                        وصل الهدهد, هدهد سليمان, الى مقرّه, وتقدّم في ذلة وخضوع الى الملك سليمان فوجده ساخطا عليه, وخاف على نفسه سوء العاقبة.

                        قال سليمان: أين كنت أيها الهدهد؟ وما سلب مخالفتك أمري؛ وتركك مكانك بدون اذني؟!

                        قصّ الهدهد على سليمان قصته كلها.

                        ابتسم سليمان وقال: { سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين* اذهب بكتابي هذا فألقه اليهم ثم تولّ عنهم فانظر ماذا يرجعون} النمل 27-28.

                        حمل الهدهد رسالة سليمان الى بلقيس وطار بها الى قصرها فوجدها جالسة على عرشها, وأمامها حاشيتها ووزراؤها فأسقط الخطاب في حجرها واختفى وراء ستار النافذة.

                        كانت بلقيس قد عقدت مجلس الشورى للنظر في الأخبار التي جاء بها الجن عن سليمان وجيوشه, فلما وقعت الرسالة في حجرها عجبت لذلك, ثم قرأتها على الحاضرين, جاء في الرسالة:{ انه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم* ألا تعلو عليّ وأتوني مسلمين} النمل 30-31.

                        فقالت لهم بلقيس:{ أفتوني في أمري}.

                        قالوا:{ نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر اليك فانظري ماذا تأمرين}.

                        قالت بلقيس:{ ان الملوك اذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} ولقد سمعت بسليمان من قبل, ولا أرغب في حرب أخشى منها الهوان لقومي.

                        واني مرسلة الى سليمان بهدية, فان كان من طلاب الدنيا قنع بها ورجع عنها, وان رفضها فهو صاحب مبدأ, لا ينثني عنه, وعند ذلك نذهب اليه مسلمين قبل أن يأخذنا أسرى مقيّدين.

                        ذهب رسول بلقيس الى سليمان وقدّم بين يديه صندوقا مملوءا بالذهب والأحجار الكريمة.

                        قال سليمان: من أين هذا؟

                        قال: هدية من ملكتنا "بلقيس" الى الملك سليمان.

                        قال سليمان: { أتمدونن بمال فما آتان الله خير مما آتاكم با أنتم بهديتكم تفرحون} النمل 36.

                        {ارجع اليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجهم منها أذلة وهم صاغرون} النمل 37.

                        عاد الرسول الى بلقيس, وأخبرها بما سمع, فأمرت قومها أن يحملوا راية بيضاء, وخرجت بهم الى سليمان عليه السلام في موكب عظيم, ولكن سليمان سيستبق وصول هذا الموكب بمعجزة تدهش لها بلقيس, ترى ما هذه المعجزة, وماذا ستكون؟

                        يتبع ............

                        تعليق


                        • #27
                          مشاركة: معجـــزات الأنبيــــاء

                          3.العرش ومعجزة الاتيان به

                          علم الهدهد من خلال طيرانه ورحلاته أن بلقيس خرجت, فعاد الى سليمان وأخبره بخروجها, فأمر الجن أن يعدوا لها بنيانا تنزل فيه, فبنوا صرحا من قوارير خضر, وجعلوا له طوابق من قوارير بيض, فصار كأنه الماء, وجعلوا تحت الطوابق صور دواب البحر من السمك وغيره, فأصبح الذي ينظر الى أرضه الزجاجية يظن أنها بحيرة بمائه وأسماكها.

                          ولما ظهر ركب " بلقيس" في الأفق البعيد, جمع سليمان أهل الرأي من الانس والجان, وقال لهم: { أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين}.

                          فوقف عفريت من الجن وقال:{ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} أي قبل أن تنتهي من مجلسك.

                          قال سليمان:{ سوف لا ينتهي مجلسي قبل حضورها.

                          قال وزيره "آصف" وكان رجلا عنده علم من الله سبحانه وتعالى:{ أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك}.


                          رفع سليمان عليه السلام نظره الى السماء, وسجد "آصف" ودعا ربه سبحانه وتعالى, فاذا العرش أمامهم, فلما نظر سليمان الى الأرض, ورأى العرش سرّ سرورا كثيرا, وأمر بوضعه أمامه مقلوبا.

                          أقبلت "بلقيس" فرأت عرشها مقلوبا أمام سليمان, وعجبت كثيرا لأنها تركته بقصرها في حراسة شديدة, ثم نظرت الى قومها فوجدتهم جميعا في ذهول.

                          قال سليمان: أهكذا عرشك؟

                          قالت: كأنه هو, ولقد أتيتك بقومي مسلمين.

                          قال سليمان: الآن أنت وقومك, في أمان, وستظلين مليكة قومك تصرّفين أمورهم, وتحكمينهم بما أمر الله.

                          طلبت "بلقيس" السماح لها بالعودة الى قومها لتبشرهم بالدين الجديد, فعرض عليها سليمان أن تستريح من عناء السفر قبل العودة فقبلت دعوته, وخرجت لتغير ملابسها في خيمتها, وذهب سليمان الى الصرح فجلس على كرسي وانتظر قدومها.

                          أقبلت "بلقيس" في زينتها الى مدخل الصرح, ووجدت سليمان في نهاية البهو يرحب بمقدمها, فلما نظرت الى أرضه حسبتها حوضا مملوءا بالماء, وشيت أن تبتل ملابسها, فكشفت عن ساقيها لتخوض الماء.

                          قال سليمان: {انه صرح ممرّد} من قوارير زجاجية.

                          فخجلت من جهلها, وأقرّت لسليمان بالنبوّة, ولربه بالعظمة والقوّة,وقالت في حماسة ويقين:

                          ربّ, اني ظلمت نفسي بعبادة الشمس, وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.

                          ورجعت الى قومها مؤمنة, وصارت ترسل الجزية في كل عام الى سليمان.



                          يتبع ...............

                          تعليق


                          • #28
                            مشاركة: معجـــزات الأنبيــــاء

                            تكملة ...

                            4.معجزة عند الموت

                            قضى سليمان سنواته الباقية من حياته يقود رعيته بالعدل, ويتقرّب الى ربه بالعبادة, وقد اختار لعبادته مكانا ببيت المقدس,لا يجرؤ أحد على الدنو منه ما دام هو قائم يصلي في المحراب.

                            فلما علم أ،ه حان حينه, وانتهى أجله, توكأ على عصاه, وخرج الى المسجد الأقصى, فدخل المحراب, واتجه الى الله مرتكزا على عصاه, فقبضه ملك الموت, وظل جثمانه واقفا تسنده العصا أياما, والناس والجن لا يدرون بموته, ولا يجرؤون على الاقتراب منه في محرابه, حتى تآكلت العصا, لقد أكلتها حشرة الأرض, فانكسرت العصا, ووقع الجثمان على الأرض فشاع الخبر, وشيّعته بنو اسرائيل الى مثواه, وعادوا من قبره يرددون: سبحانك اللهم! تؤتي الملك من تشاء, وتنزع الملك ممك تشاء.

                            هكذا كانت معجزات سليمان عليه السلام فهو يكلم النمل والطير والحيوان, ويسخر الرياح والجن بأمر ربه, وعندما يموت يموت هكذا, انها معجزات عظيمة وملك لم يؤت لأحد من بعد سليمان عليه السلام.

                            انتهى بحمد الله

                            تعليق


                            • #29
                              مشاركة: معجـــزات الأنبيــــاء

                              يوسف عليه السلام

                              الطيور المخيفة

                              قال تعالى:{ ودخل معه السجن فتيان, قال أحدهما اني أراني أعصر خمرا, وقال الآخر اني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه, نبئنا بتأويله, انا نراك من المحسنين}

                              1.في البدء كلمة

                              الأنبياء عباد الله, خصّهم ربّهم بمكانة عظيمة, ومنزلة رفيعة, فزيّن لهم فعل الخيرات, لأنهم كانوا من عباده المخلصين, وجعل الله لكل نبي معجزة أو معجزات لا تكون لبشر غيرهم, ومنهم يوسف عليه السلام الذي أصابه اضطهاد اخوانه وأشقائه فحاولوا التخلص منه, ولمن الله كان له خير حافظ والله أرحم الراحمين.

                              وقد اختص الله عز وجل يوسف بالرؤيا الصادقة التي تحدثت عن أحداث كثيرة قبل وقوعها, فكانت رؤياه وحلمه وهو نائم معجزة,وكان تفسيره للأحلام معجزة كبيرة تدل على ما اختصه ربه به من معجزات عظيمة ما زلنا نسمعها وتصيبنا بالدهشة فنسبح بحمد الله القادر على كل شيء لأنه سبحانه عز وجل ليس كمثله شيء.

                              2.يوسف في السجن

                              منذ أن خرج يوسف من البئر ومضى مع بعض الناس الذين باعوه لوزير من وزراء مصر اسمه العزيزو منذ هذا اليوم ويوسف يعيش عيشة هانئة راضية يحبه أهل هذا البيت, فهو في دار العزيز أحد وجهاء مصر وامرأته "زليخة" بنت أخت الملك الريان بن الوليد ملك مصر.

                              نشأ يوسف نشأة عظيمة وأصبح شابا جميلا, بديع الجمال والبهاء مما جعل النساء ينظرن الى جماله وبهائه, وكان ممن نظر اليه زليخة امرأة العزيز, وحاولت أن تجعله خائنا لسيّده العزيز ولكن يوسف نبي من سلالة الأنبياء, عصمه ربه وحماه من الفاحشة, ومن مكر النساء, فهو سيّد النجباء, والسبعة الأتقياء الذين قال عنهم الرسول محمد خاتم الأنبياء:

                              "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الاه ظله:
                              امام عادل
                              ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عينينه
                              ورجل قلبه معلق بالمساجد اذا خرج منه حتى يعود اليه
                              ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه
                              ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقته يمينه
                              وشاب نشأ في عبادة الله
                              ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال اي أخاف الله.
                              رواه البخاري في صحيحه10\36\660, ومسلم والترمذي والنسائي ومالك وأحمد.

                              لما كان يوسف أحد هؤلاء السبعة الذين تحدث عنهم رسول الله فقد رفض خيانة سيده العزيز, وعصى أمر زوجته "زليخة" وقال لها منكرا ما تريد:{ معاذ الله انه ربي} يقصد زوجها صاحب المنزل, ثم استكمل يوسف حديثه فقال: انه أحسن الي وأكرم مقامي عنده وفي فعلي هذا الذي تدعينني له ظلم,{ انه ربي أحسن مثواي لنه لا يفلح الظالمون}.

                              حاولت امرأة العزيز أن تجعل من يوسف الطاهر الطيّب, فاحشا خائنا ولكنها فشلت, وخرج يوسف من دارها هاربا مسرعا, ولما عاد صاحب الدار وهو زوجها اشتكت له مرّ الشكوى ووصفت يوسف بأنه خائن فاحش, زورا وبهتانا, واتهمته بالباطل, ولكن الرجل لم يصدق هذا الاتهام وحقق مع يوسف, وثبتت براءته, ولكنها لم توقف كيدها ليوسف عليه السلام, وخاصة أن نساء المدينة تحدثوا عنها وعن يوسف فأصابها غيظ شديد, وخاصة أنهن نساء الأمراء والكبراء, فقد طعنوا فيها وعابوا عليها, وشنعوا بها.

                              علمت بمكرهن وسمعت به, فأرادت أن تثبت لهن عذرها وأنهن لو شاهدن يوسف وما عليه من جمال لفعلوا مثل ما فعلت, ففكرت في حيلة تثبت من خلالها صدق ما فعلت, كي يعذرها النسوة, لأنها متأكدة من أن ما عليه هذا النبي الكريم يجعل الفتنة في قلوب النساء, فأرسلت لهن دعوة للغداء جامعة في منزلها, وأعدّت لهن مجلسا مريحا جميلا, وضيافة رائعة, وأحضرت من جملة ما أحضرت من الطعام وأدواته سكاكين يقطعن بها فاكهة وطعاما, وآتت كل واحدة منهم سكينا, وهيأت يوسف عليه السلام وألبسته أحسن الثياب, وكان في ريعان شبابه مليئا بكل تقاسيم الجمال, وأمرته ان يخرج عليهن وهو بكامل زينته وجماله فخرج عليهن وهو بدر في جماله, وروعة في ثيابه وشبابه.

                              فلما رأته النساء وهن في مجلس زليخا أعظمنه وأجللنه, وأخذتهن الهيبة والدهشة من فرط جماله وحسنه, وجعلت النسوة يقطعن أيديهن بالسكاكين ولا يشعرن بالجراح الاتي أصابتهن من يوسف وقد وصف القرآن الكريم هذا المشهد فجاءت الآيات تقول:
                              {فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشى له ما هذا بشر ان هذا الا ملك كريم}.

                              وقالت زليخا للنساء:{ فذلكن الذي لمتنني فيه} فعذرت النساء زليخا التي مدحت يوسف ووصفته بالطهارة والعفة, ولكن يوسف لم يستمع الى حديثهن ودعوتهن له الى طاعة سيدته, وقد هددته زليخا بادخاله السجن ان لم يكن لها من الطائعين, وقالت:{ لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين}.

                              استجار يوسف بربه ودعاه دعاء خالصا, بأن يخلصه من بين أيدي النساء, وقال في هذا الدعاء:{ قال رب السجن أحب الي مما يدعونني اليه والا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين}. يوسف 33.

                              قال مناجيا ربه: يا رب ان تركتني لنفسي, فليس لي من نفسي الا العجز والضعف, ولا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا الا ما شاء الله, فأنا ضعيف الا ما قويتني وعطمتني وحفظتني بحولك وقوتك.

                              عند ذلك استجاب الله عز وجل لدعاء نبيه يوسف عليه السلام فقد فضل السجن على المعصية, معصية الله عز وجل, ولقد اعتبر يوسف عليه السلام أن السجن رحمة من اله عز وجل, وطريق يسلكه الى الطاعة ويعصم نفسه بدخول السجن من المعصية.

                              ودخل يوسف السجن رغم ثبوت براءته عند العزيز, الا أن العزيز وامرأته بدا لهم من الرأي أن دخول يوسف السجن ولو لوقت قصير يقلل من كلام الناس حولهم, وحكي أن يوسف عليه السلام لما دعا ربه قائلا:{ السجن أحب الي} أوحى الله اليه:" يا يوسف! أنت حبست نفسك حيث قلت السجن أحب اليّ, ولو قلت العافية أحب اليّ لعوفيت. القرطبي ج9 الآيتان 33-34 ص 121 .

                              اقتاد الناس يوسف الى السجن مظلوما, فحمل مقيدا على ظهر حمار, وطيف به وقد قال بعضهم: "هذا جزاء من يعصي سيدته" أما يوسف فكان يقول: هذا السجن أيسر وأهون من مقطعات النيران, وسرابيل القطران, وشراب الحميم في جهنم, والأكل من شجرة الزقوم في جهنم والعياذ بالله, فلما وصل يوسف السجن وجد قوما قد انقطع رجاؤهم, واشتد بلاؤهم, فيومهم عمل شاق, ومذلة وتعذيب فقدوا من خلاله كرامتهم وعزتهم, واكتوت ظهورهم بسياط السجانين وظلمهم, واختلط فيهم المظلوم بالظالم والجاني بالبريء.

                              رأى يوسف حالتهم هذه, فتقدم اليهم وقال لهم: اصبروا وأبشروا تؤجروا, فقالوا له: يا فتى! ما أحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك, من أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن صفي الله وحبيبه يعقوب, ابن نبي الله اسحاق, ابن خليل الله ابلااهيم عليه السلام.

                              أصبح يوسف في السجن وقد رأى الناس على حال يرثى لها فمنهم الحزين ومنهم المريض والجريح, فكان يعزي فيه الحزين, فلا يتركه حتى يذهب عنه الحزن والبأس, وكان يعود المريض, فيخفف عنه آلامه, ويداوي الجريح حتى يشفى من جراحه, وكان يوسف عليه السلام يصلي الليل كله قائما خاشعا لله عز وجل الذي أنعم عليه ونجاه من فتنة النساء.

                              وكان يقف بين يدي ربه باكيا حتى تبكي معه جدر البيوت وسقفها والأبواب من شدة خشوعه وخوفه من الله عز وجل, حتى طهر به السجن, واستأنس به أهل السجن, فكان اذا خرج الرجل من السجن رجع حتى يجلس في السجن مع يوسف!

                              وقد نشأت علاقة ود شديدة وحب صادق بين يوسف وقائد السجن وصاحبه فوسّع عليه فيه, وأكمل له سبل الراحة, وقال له ذات يوم:

                              يا يوسف! لقد أحببتك حبا لم أحب شيئا مثل حبك!!

                              قال يوسف: أعوذ بالله من حبك.

                              قال قائد السجن: ولم تقول ذلك يا يوسف؟ وظن الرجل أن يوسف يرفض منه هذا الشعور الطيّب والود الخالص ولكن يوسف استدرك قائلا:" أحبني أبي ففعل بي اخوتي ما فعلوه".

                              يقصد أن اخوته ثارت غيرتهم عليه لما أحبه أبوه واستدرجوه الى البئر وألقوه فيه, وقالوا لأبيهم ان يوسف أكله الذئب وتبع ذلك بيعه للعزيز بعد اخراجه من البئر.

                              ثم قال يوسف: وأحبتني سيدتي فنزل بي ما ترى.

                              تبسّم صاحب السجن ولكن حديث يوسف عليه السلام لم ينقص الود بينهما فكانا يلتقيان دوما ويسمران, وأصبحت شخصية يوسف دواء يشفي جراح المساجين, ويهون كروبهم وهمومهم, فاذا أصبح أهل السجن بحثوا عن يوسف ليستبشروا به, وشاوروه في آمالهم وأحلامهم, وحكّموه في خصامهم, وقبلوا حكمه بروح طيبة ونفس عالية, وأصبح السجن ليوسف ومن معه روضة جميلة, واسعة اتساع الحرية, هنيئة هناء الطاعة وتاعبادة, وانصرفت مشيئة الله الا يكون سجن يوسف سجنا با رحمة وحرية الى الطاعة, وذلك أرحم من سجن المعصية, فالذنب الذي يرتكبه الانسان يسجنه طوال عمره فيه أما الحرية فهي في عفة النفس اللسان واحترامها, فليست الجدران وحدها هي السجن, وانما السجن هو سجن النفس المذنبة الذليلة.

                              3.صاحبي السجن

                              قال تعالى: { ودخلمعه السجن فتيان}يوسف 36.

                              ظل يوسف في حبسه وسجنه راضي النفس قانعا بقضاء الله والذي هو خير له, ولما طالت أيام السجن أصبح ليوسف صحبة ةأصحاب, ومن أصحابه الذين كانوا يلازمونه فتيان أحدهما اسمه "مجلب" والآخر " نبوا" كان يوسف يودهما كما يود أصحابه في السجن ويحبهما كما يحب أهل السجن جميعا مما زاد في التصقهما به, ودوام مجالسته والتحدث اليه في كل أمر يخطر ببالهما. لم يكن يعلم يوسف سبب سجنهما, ومع دورة الأيام والزمن علم السبب فقد كان الملك الوليد بن الريان ملك مصر طويل العمر والملك, وأمضى زمنا طويلا في ملكه ما جعل الناس يملون ملكه فكادوا له, وبدأ الكيد من جماعة من مصر فأرادوا المكر بالملك واغتياله فدسوا الى هذين الغلامين وأرسلوا لهما من يفاوضهما في الأمر, فقد كان "مجلب" صاحب الطعام وخباز الملك وطباخه الذي يقدم له الطعام كل يوم ويطعمه, أما "نبوا" فقد كان ساقيه يقدم له الئراب بأنواعه, ولا يأمن الوليد لغيرهما في تقديم الطعام والشراب له سواء أكان وحيدا أو مع حاشيته وضيوفه. جاءهما جماعة من مصر وعرضوا عليهما مالا كثيرا وبساتين ومزارع جميلة اذا هما دسا السم في طعام الوليد, وضمنا لهما السلامة من أي خطر قد يتعرضان له, طالت المفاوضات, وبعدها وافق "مجلب" سريعا وتردد "نبوا" كثيرا, وفي النهاية وافقا على طلب هؤلاء الناس وحصلا على بعض المال منهم.

                              جاء موعد غداء الملك في اليوم التالي, فدس مجلب السم في الطعام وعمل بما اتفق عليه مع المصريين الماعارضين للملك الواليد بن الريان والراغبين في اغتياله ليخلو لهم حكم مصر, أما نبوا فقد حفظ عشرة سيده ورغب ألا يخون الأمانة, فلم يضع سما في شراب الملك.

                              حمل كل منهما ما يخصه من الطعام والشراب فتقدم مجلب بمائدة طعام الملك وحمل نبوا أواني الشرب ودخل على مليكه, وامتدت يد الواليد بن الريان للطعام فصرخ نبوا قائلا:" لا تأكل يا مولاي ففي الطعام سم وضعه مجلب"!! تراجع الملك ورفع يده فورا عن الطعام بعد أن امسك به, ونظر الى مجلب في دهشة, وتنقل بصره بين مجلب ونبوا, وقال موجها حديثه لنبوا وقد وقف مجلب يرتعد من شدة الخوف, قال: ما تقول يا نبوا؟!

                              قال نبوا: أقول يا مولاي ان الطعام الذي أمامك مسموم فقد دس مجلب السم فيه.

                              فقال الملك: وأنت ماذا فعلت يا بنوا؟ أوضعت السم في الشراب؟

                              فقال نبوا: حاشا لله يا مولاي, فأنت ولي نعمتي, ومليكي الذي أرتع في قصوره, وأسعد بجواره, وأكرّم نفسي من أمواله, هل يعقل أن أخون كل هذا يا مولاي؟

                              فقال الملك وهو ينظر الى مجلب نظرة قاسية:

                              اذن.. تناول الشراب واشربه يا نبوا!!

                              شرب نبوا كأس الملك وأتبعه بكأس آخر, ووقف هادئا سليما لم يصبه شيء من الأذى لأن الشراب كان خاليا من السم وطازجا.

                              اعتدل الملك في جلسته, ونادى محجب كي يقترب منه قليلا, وقال له: كل من هذا الطعام يا مجلب.

                              قال مجلب وهو يرتعش وقد تصبب عرقا: لا أستطيع أيها الملك لا أستطيع, اعفني من هذه المهمة.

                              صرخ الملك في مجلب قائلا:

                              أيها الخائن, أنت تعرف أن الطعام مسموم, أتخاف من الموت الآن, وقد أردت أ، تقتلني, قل لي من وضع السم في هذا الطعام؟

                              تأتأ مجلب وارتبك وقال في تردد وخوف: لا..لا أدري.

                              نادى الملك جميع حراسه, وقال: اقبضوا على هؤلاء وأحضروا لي حيوانا أو دابة تأكل من هذا الطعام.

                              أحضر الحراس حصانا كبير السن وجعلوه يأكل من الخبز المسموم والطعام. فجاؤوا به, ولما أكل صهل بصوت عال صهلة وسقط على الأرض ميتا, عندئذ تأكد الملك من صدق نبوا وقبض على مجلب ومعه نبوا وأجريت معهما التحقيقات التي أدانتهما ادانة شديدة, مجلب وضع الطعام مسموما أمام الملك ولم يحفظ الأمانة التي ائتمنه عليها الملك وهي حياته, فمن يأمن لانسان أن يقدم له طعامه, فانه يأمنه على حياته وعمره, ونبول لتهم أيضا بأنه كان على علم بالمؤامرة وتأخر في الابلاغ عنها حتى اللحظات الأخيرة.

                              وسيق الاثنان الى السجن ليقضيا عقوبة رادعة, بعد أن نجيا من حكم الاعدام, وهناك في السجن أصبحا مع يوسف عليه السلام في كل مكان يجلس فيه صباحا ومساءا.

                              وذات يوم جلس الفتيان الى جوار يوسف وقد أهمهما أمر وشغلهما, وساد فيهم صمت لوقت قصير قطعه نبوا بقوله:

                              ما علمك الذي تعلمه يا يوسف؟

                              فقال يوسف: اني أعبّر الرؤيا وأفسرها تفسيرا كاملا بأمر الله.

                              عاد الجميع الى صمتهم الأول ونظر يوسف في وجه نبوا ومجلب فوجدهما مكروبين مهمومين, كأن بهما كربا أو أصابتهما صائبة أو مصيبة, عندئذ بادرهما يوسف عليه السلام بقوله: ما لي أراكما مكروبين؟ القرطبي ج 9 ص 36-38.

                              قالا: انا رأينا في المنام ما كرهنا أن نراه.

                              قال يوسف: وما هو؟ قصا عليّ ما رأيتما.

                              تردد الفتيان لحظة في الحديث ثم استهل مجلب الخباز حديثه قائلا:

                              أتنبئنا يا يوسف بتأويل وتفسير ما رأينا؟

                              قال يوسف: نعم لقد قلت لكما أنني أسطيع أن أنبئكما به ان شاء الله تعالى..

                              قال مجلب على الفور:

                              رأيت كأنني اختبزت وصنعت خبزا في ثلاثة تنانير أو ثلاثة أفران لصناعة الخبز وجعلت الخبز في ثلاث سلال, فوضعته على رأسي فجاء الطير تأكل منه.

                              يتبع ...

                              تعليق


                              • #30
                                مشاركة: معجـــزات الأنبيــــاء

                                التكملة :
                                وقال نبوا ليوسف:

                                رأيت كأني أخذت ثلاثة عناقيد من عنب أبيض, فعصرتهن في ثلاث أوان, ثم صفيته فسقيت الملك كعادتي فيما مضى, صمت يوسف قليلا وقد اشرأبت أعناق صاحبيه ينتظران على شوق تفسير حلميهما العجيبين, ثم تغيّر لونه لما عرفه من تفسير الرؤيا, عندئذ أعاد نبوا رؤياه بصيغة أخرى فقال ليوسف: أيها العالم رأيت كأني في بستان فاذا أنا أقف تحت كرمة عنب عليه ثلاث عناقيد فجنيتها, وكان كأس الملك بيدي فعصرتها وسقيت الملك شربة. عرائس المجالس للثعلبي ص 108.

                                نظر اليه يوسف عليه السلام, عرف أنه يستعجل التفسير, ونظر باشفاق الى مجلب الذي لم يشأ ا، يكرر سرد رؤياه عليه مثل ما فعل نبوا.

                                كره يوسف عليه السلام أن يعبر ويفسر لهما ما سألاه عن الرؤيا لما علم في ذلك من المكروه الذي سيقع على أحدهما وهو مجلب, فقد كان تفسير رؤياه مشقة عليه لا يبشر بخير, لهذا السبب أعرض يوسف عليه السلام وامتنع عن تفسير الرؤيا وبدأ يتحدث في أمر آخر فيه اعراض عن الخوض في تفسير الرؤيا, وفيه دعوة لاسلام أهل السجن وهو كفار.

                                رتب يوسف عليه السلام أفكاره, وجعل همه الأول هو الدعوة لله عز وجل لأن ما عنده من علم هو من الله عز وجل لا يستطيع أن يدعي أو أن يقول ان ما عندي من تفسير للرؤيا هو من علمي الذي جاء من أفكاري, وليجعل في قلوب هؤلاء الأصحاب الذين يعيشون معه في السجن شيئا من الايمان والتقوى, تستقيم معه شروط صدق الرؤيا, فايمان الانسان وصدقه يجعل رؤياه صادقة, فلن تجد رؤيا صادقة لانسان كاذب أو عاص لله عز وجل, الرؤيا الصادقة نعمة من الله, والمعصية تحرم الانسان من هذه النعمة, فالمعاصي تزيل النعم وتقضي عليها, والطاعات تجلب الخير والبشر والسعادة للناس جميعا, لهذ اتجه يوسف اتجاها مغايرا في حديثه قبل أن يفسر الرؤيا.

                                بيّن يوسف لصاحبي السجن أن الله خصه بعلم عظيم, ومن هذا العلم قال يوسف:{ لا يأتيكما طعام ترزقانه الا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما}.

                                يعني لا يجيئكما غدا طعام من منزلكما الا أخبرتكما به الآن قبل أن يأتي.

                                فقالا له: هذا من فعل العرّافين والكهنة.

                                فقال يوسف: ما أنا بكاهن, وانما ذلك مما علمنيه ربي, اني لا أخبركما به تكهنا وتنجيما, بل هو بوحي من الله عز وجل. تفسير القرطبي ج9 ص 127.

                                وبيّن لهم يوسف عليه السلام دينه ومذهبه, وقال لهما: اني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت دين وملة آبائي ابراهيم واسحاق ويعقوب وكلهم أنبياء مؤمنون موحدون لله عز وجل وما ينبغي لي ولا لآبائي أن نشرك بالله من شيء, وهذا الايمان فضل من الله علينا أن عصمنا من الشرّ كله, وزيّن لنا فعل الخيرات للناس, ومن فضل الله علينا أن جعلنا أنبياء صالحين, وفضله سبحانه عز وجل على الناس وهم عباده الصالحين, ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على ما أتاهم من نعمة وفضل تحيط بهم ولا يشعرون بها.

                                استمع الفتيان لحديث يوسف عليه السلام وقد تشوّقا لتأويل الرؤيا, ولكن يوسف لم ينه دعوته ورسالته لهما بعد بل مضى يقول:

                                { يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} بأي صفة تحبون أن يكون لكم رب تعبدونه؟ أتحبون أن تعبدوا آلهة متفرقة في العدد والسن؟ انها اصنام تلك التي تعبدونها لا تضر ولا تنفع, أهذه الأصنام خير لكم أم الله الواحد القهار الذي قهر كل شيء, ان الآلهة المتفرقة تتفرّق في الارادة, ولو كانوا كذلك لعلا اله على اله, ولتصارعت كل واحدة مع الأخرى.

                                ان ما تعبدونه من أصنام يا صاحبي السجن من دون الله عز وجل ليست من الأوهية في شيء, وما هي الا أسماء سميتموها أنتم, لانها جماد لا يتكلم ولا يعقل.

                                تحدث يوسف عن الايمان والعقيدة والربوبية والطاعة فهذه رسالته في الدنيا شأنه شأن أي نبي, يدعو الناس لعبادة الله الواحد القهار, ويدعوهم للتوحيد والطاعة, والايمان بأن الربوبية لله, ولا يعبد الناس الا الله من خلال هذا الدين القيّم.

                                4. تفسير الرؤيا

                                قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام:{ يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا, وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه, قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}. يوسف 41.

                                بعد أن دعاهما دعوة الايمان, وبيّن لهما فطنته ودرايته, وميز لهما بين تلك الأصنام التي لا تنفع ولا تضر, وبين الله الواحد القهار الذي لا اله سواه ولا شريك له في الملك, وهو على كل شيء قدير. بعد كل هذا بدأ يوسف عليه السلام في تفسير الرؤيا فقال موجها حديثه للساقي: انك ترد الى عملك الذي كنت فيه وهو سقاية الملك بعد ثلاثة أيام.

                                وقال للآخر: أما أنت فتدعى بعد ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطير من رأسك.

                                نظر مجلب ونبوا في يوسف وتفحصا بعضهما بعضا من المفاجأة.

                                وارتعد نبوا خوفا وقال: والله ما رأيت شيئا وان هذه الرؤيا كذبنا بها عليك لنعرف مدى فراستك في تفسير الأحلام.

                                وقال الثاني: ما رأينا شيئا انما كنا نلعب ونجرّب عملك هذا.

                                فقال يوسف عليه السلام في حزم شديد.

                                { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}.

                                أي انتهى الأمر ولا جدال مرّة أخرى.

                                وقال يوسف في سلام لنبوا وهو الساقي الذي ظن أنه سينجو من الموت ويعود الى حالته الأولى مع الملك الوليد بن الريان, فيدخل قصره ويكون ساقيه مرة أخرى, قال له يوسف:

                                { اذكرني عند ربك} أي تحدث عني عند سيدك, واذكر له ما رأيته من حالي, وما أنا عليه من تفسير الرؤيا, وأخبره أني محبوس بلا ذنب, وقد كان لهذا الطلب من يوسف عتاب شديد اذ استعان وهو في محنته ببشر ولم يستعن بالله عز وجل. وقد ذكر العلماء أن يوسف ظل في السجن بضع سنين وجاء ذلك في الآية الكريمة:

                                { فلبث في السجن بضع سنين}.

                                وذكر المفسرون أن جبريل عليه السلام, دخل على يوسف عليه السلام في السجن, فعرفه يوسف, فقال جبريل: يا أخا المنذرين! ما لي أراك من الخاطئين؟! وقال جبريل أيضا: يا طاهر ابن الطاهرين! يقرئك السلام رب العالمين ويقول: أما استحييت اذ استغثت بالآدميين؟! وعزتي وجلالي! لألبثنك في السجن بضع سنين.

                                فقال يوسف: يا جبريل أهو عني راض؟

                                قال جبريل: نعم!

                                فقال يوسف: لا أبالي الساعة. تفسير القرطبي الجزء الاتسع ص 128.

                                وروي أن جبريل عليه السلام جاءه فعاتبه عن الله تعالى في ذلك, وطوّل سجنه, وقال له: يا يوسف من خلصك من القتل من أيدي اخوتك؟!

                                قال الله تعالى.
                                فقال له: من أخرجك من البئر؟
                                قال يوسف: الله تعالى.
                                قال جبريل: فمن عصمك من الفاحشة؟
                                قال يوسف: الله تعالى.
                                قال جبريل: يا يوسف فمن صرف عنك كيد النساء؟
                                قال يوسف: الله تعالى.
                                فقال جبريل: فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله؟!. تفسير القرطبي ج9 ص 129.
                                قال يوسف: " يا رب كلمة زلت مني".

                                وجعل يوسف عليه السلام يتوسل الى ربه ويدعوه ويقول: أسألك يا اله ابراهيم واسحق والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ترحمني.

                                فقال له جبريل: فان عقوبتك يا يوسف أن تظل في السجن بضع سنين.

                                وقد قال رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام:" رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال:{ واذكرني عند ربك} ما لبث في السجن بضع سنين".

                                لهذا ظل يوسف في السجن سبع سنين, وكان يمكن أن يخرج قبل هذا لولا كلمته للساقي بأن يذكره عند الملك, ليعلم ما وقع عليه من ظلم, وما أوتي من علم في تفسير الرؤيا وتعبيرها تعبيرا صحيحا بفضل الله وارادته عز وجل.

                                ظل يوسف ينتظر الفرج, فرج الله عز وجل كي يخرج من السجن بعد هذه التجربة الكبيرة, وقد كان السجن له في البداية رحمة وتفضيلا فضله يوسف على كيد النساء عندما اختار قائلا:

                                { رب السجن أحب اليّ مما يدعونني اليه}.

                                يتبع ..........

                                تعليق

                                يعمل...
                                X