الفرع الخامس
القوى السياسية والاجتماعية التي مارست العنف السياسي
في ضوء أحداث العنف التي تم جمعها وتبويبها وتفريغها في جدول إحصائي يمكن القول بأن القوى الأساسية التي مارست العنف السياسي في مصر خلال الفترة موضع الدراسة تمثلت بالأساس في الطلبة وبعض الجماعات والتنظيمات اليسارية ، إلى جانب التمرد الذي قام به جنود الأمن المركزي ، ونعرض هنا لكل من هذه القوى بقليل من التفصيل .
1 ـ الطلبة
برز دور طلبة الجامعات في أحداث العنف السياسي خلال الفترة موضع الدراسة ونجاحه في السنوات الثلاث الأخيرة (1988،1987،1986) فمن بين (75) مظاهرة محدودة وقعت في تلك الفترة مارس الطلبة منها (52) وإلى جانب المظاهرات المحدودة قام الطلبة ببعض أعمال الشغب المحدودة وكذلك مارست عناصر طلابية الاعتصام ولكن بصورة نادرة.
وثمة عدة ملاحظات حول دور الطلبة في أحداث العنف السياسي يمكن إنجازها فيما يلي:
1. أن دور الطلبة كان أكثر بروزا في جامعات العاصمة مثل جامعة القاهرة وجامعة عين شمس وجامعة الأزهر وجامعة الإسكندرية وإن كان عاما (1988،1987) شهدا بروز دور الطلبة في بعض الجامعات الإقليمية، وبخاصة جامعة أسيوط وفرعها سوهاج وفرع بني سويف التابع لجامعة القاهرة وجامعة المنصورة وجامعة الزقازيق، ويمكن فهم الدور المتزايد لطلبة جامعات العاصمة انطلاقا من الكثرة العددية والقرب من مراكز التأثير السياسي وصنع القرار في العاصمة وزيادة الاحتكاك بالتيارات السياسية والفكرية التي تتمركز بالأساس في العاصمة والمدن، ويلاحظ أنه في بعض الحالات انتقلت التظاهرات الطلابية من جامعة إلى أخرى بطريق العدوى .
2. غالبا ما انخرط الطلبة في أعمال الاحتجاج والتظاهر والشغب بشكل عفوي ومستقل ولكن في بعض الحالات مارسوا العنف في إطار بعض الجماعات والتنظيمات الإسلامية واليسارية حيث يشكل الطلبة العصب الأساسي لهذه الجماعات .
3. أن التظاهرات والاحتجاجات الطلابية ارتبطت ببعض المصالح الفئوية التي تهم الطلبة كشريحة اجتماعية كتلك المتعلقة بالمصروفات الدراسية أو بالحرس الجامعي أو بالانتخابات الطلابية أو بنظم الامتحانات ..إلخ ، وفي مثل هذه الحالات يتصرف الطلبة كأقرب ما يكونوا إلى جماعة المصلحة، ولكن إلى جانب المطالب والمصالح الفئوية كثيرا ما طرح الطلبة مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية عامة تهم قطاعات وفئات عريضة في المجتمع مثل المطالبة بالديمقراطية والعدل الاجتماعي ومحاربة الفساد وصيانة الاستقلال الوطني وبخاصة فيما يتعلق بالعلاقة إزاء كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ومن هنا ارتبطت بعض المظاهرات الطلابية ببعض الممارسات الإسرائيلية العدوانية في المنطقة مثل قيام إسرائيل بغزو الجنوب اللبناني وضرب مقر منظمة التحرير الفلسطينية بتونس وقضية سليمان خاطر، ولقد ارتبط جانب كبير من النشاط الطلابي خلال عام (1988) بالاحتجاج على السياسة القمعية الإسرائيلية إزاء الانتفاضة لذلك نددت التظاهرات الطلابية بإسرائيل وطالبت بإيقاف التطبيع معها، كذلك تظاهر الطلبة احتجاجا على حادث إجبار طائرة الركاب المصرية التي كانت تقل الفلسطينيين مختطفي السفينة (أكيلي لاورو)على الهبوط في إيطاليا والذي مثل مساسا بالسيادة المصرية من جانب الولايات المتحدة، وهكذا عبر الطلبة عن المواقف المصرية وغير المعلنة لقطاع عريض من الرأي العام المصري والتي ربما لم يكن قادرا على التعبير عنها بشكل صريح ومباشر .
ويمكن فهم الدور المتزايد للطلبة في الحياة السياسية المصرية انطلاقا من عدة اعتبارات:
أولا: الدور التاريخي للطلبة في الحياة السياسية المصرية، حيث لعبوا دورا هاما في الحركة المصرية الوطنية من أجل الحصول على الاستقلال قبل قيام ثورة 23 يوليو 1952، وإذا كان النشاط السياسي للطلبة قد خفت وتقلص في ظل نظام عبد الناصر نظرا لمجموعة الإجراءات والقيود التي فرضها النظام على الحركة الطلابية إلا أنه تم إحياء هذا الدور بشكل عفوي في أعقاب هزيمة 1976 حيث كانت المظاهرات الطلابية عام 1968 ذروة الرفض والاحتجاج ضد النظام واستمر هذا الوضع حتى عام 1976 حيث كان الطلبة خلال هذه الفترة العصب الأساسي للمعارضة السياسية في مصر، وبالرغم من الهدوء النسبي للنشاط السياسي الطلابي خلال السنوات الثلاث الأولى من فترة حكم الرئيس مبارك، إلا أنه مع بداية عام (1986) بدأ يتصاعد من جديد دور الطلبة في الحياة السياسية.
ثانيا: الخصائص السيكولوجية والسلوكية المميزة لمرحلة الشباب فطلبة الجامعة ينتمون إلى قطاع الشباب والمؤكد أن التغيرات السيكولوجية والنفسية والسلوكية التي تطرأ على الشباب تنعكس على سلوكه السياسي فيتسم بالخيالية والمثالية ورفض الواقع والسعي للتغير بالإضافة إلى امتلاك الطلبة لدرجة من الوعي السياسي والاجتماعي توفر لهم القدرة على التقييم ناهيك عن تحررهم من المسؤوليات الاجتماعية التي تشكل قيودا على سلوكهم وحركتهم .
ثالثا: الأزمة الاجتماعية الشاملة التي يعاني منها المجتمع المصري وانعكاساتها السلبية على الشباب بصفة عامة والطلبة بصفة خاصة فالطلبة ينتمون إلى التيارات السياسية المختلفة والتيارات الفكرية السائدة في المجتمع ومن هذا المنطلق فإن حساسيتهم إزاء المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أكبر نظرا لأن هذه المشكلات تقف عقبة في طريق إشباع طموحاتهم وتحقيق رغباتهم، ولما كان الشباب وبخاصة الطلبة يعتبرون بمثابة الأعصاب الحساسة لأي مجتمع فإن قدرتهم على رد الفعل العنيف تكون أكبر .
ويمكن أن تزداد فاعلية الحركة إذا ما تفاعلت والتحمت مع قوى وفئات اجتماعية أخرى كالعمال مثلا ، لذلك حرصت أجهزة الأمن المصرية على محاصرة التظاهرات الطلابية بحيث تبقى داخل أسوار الجامعة، وبالرغم من أن الطلبة يملكون القدرة على رفع راية الرفض والاحتجاج في وجه النظام القائم إلا أنهم لا يملكون القدرة على طرح بديل له، فهذه العملية في حاجة إلى حركة سياسية منظمة يمكن أن تنخرط الحركة الطلابية في إطارها.



.gif)

ـ وأستغفر 
تعليق