الرد على السؤال رقم 1: جاء في سورة الكهف 83-86 " وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ... إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ... فَأَتْبَعَ سَبَبًا ... حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ... وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا " ... وبعد أن ذكر الناقد ما قال عنه أنه تفسير البيضاوي لذلك (مع تحفظنا على امانة النقل) ... سأل سيادته: إذا كانت الشمس أكبر من الأرض مليوناً وثلاثين ألف مرة ... فكيف تغرب في بئر رآها ذو القرنين ورأى ماءها وطينها ورأى الناس الذين عندها ؟؟؟
§
بالطبع إن الكرة الملتهبة التي تسمى الشمس تتسع لمليون كرة أرضية في داخلها ... فكيف تغرب الشمس في بئر حمئة (أي من الماء والطين) في كوكب الأرض ؟؟؟ بل ويكون حول هذا البئر أناس من البشر ؟؟؟ هذا ما حاول الناقد أن يوهم القارئ السطحي أن الآية الكريمة تدل على ذلك مستدلاً بما ورد في تفسير البيضاوي !!! فهل هذا ما قاله البيضاوي في تفسيره ؟؟؟ أو ورد في أي تفسير آخر معتمد للقرآن الكريم ؟؟؟ هذا ما سنعرفه ...

§
الرد وببساطة شديدة أن حرف " الهاء " في كلمة " وجدها " يعود على من رأى الشمس وهي تغرب (أي ذو القرنين) ... بمعنى أن ذي القرنين يحكى لنا ما أبصرته عيناه هو ... وذلك مثل ما يراه أي أحد منا وهو يجلس على شاطئ البحر عند غروب الشمس ... فإن أفق بصره يجعله يرى قرص الشمس يغوص رويدًا رويدًا في قلب ماء البحر ... لكن الحقيقة بالطبع غير ذلك ... وبالتالي فإن القرآن الكريم لم يذكر ذلك على أنه حقيقة علمية بل ذكر ما حكاه ذو القرنين ...

§
أما تعليق البيضاوي في تفسيره على تلك الآية الكريمة هو: " ولعلًّه بَلَغَ ساحلَ المحيط، فرآها كذلك ... إِذْ لم يكنْ في مَطمحِ بَصَرِه غيرُ الماء ... ولذلك قال: (وَجَدَهَا تَغرُبُ) ولم يَقُل: كانتْ تَغْرُب ...". انتهى تفسير البيضاوي ... بمعنى أن البيضاوي قد نفى تماماً أن القرآنَ افاد بأن الشمسَ كانتْ تَغيبُ في بئْرٍ حَمِئَة ... لكن الأمر كله هو أن القرآن ذكر ما أبصرته عينا ذي القرنين ... وبهذا يتبين أن الناقد افترى على البيضاوي عندما نَسَبَ اليه انه قال: إِنَّ الشمسَ تغربُ في ماءٍ وطين ... وهو لم يقل ذلك ابداً ... وهذه الخرافة لم تَرِدْ في القرآن الكريم ... ولم يَقُلْها أَحَدٌ من المسلمين ... وإِنما اخْتَلَقَها الناقد وجَعَلَها خطأً جغرافياً في القرآن الكريم !!!

§ بَقِيَ أَنْ نُبينَ معنى قوله تعالى:
" حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ " ... أي عندما توجَّهَ ذو القرنين نحوَ الغربِ ... تابَعَ سيرَه حَتّى وَصَلَ إِلى مكانٍ تَلْتَقي فيه اليابسةُ مع الماء ... ولعلَّ هذا كان عندَ شاطئ أَحَدِ البِحار (حيث لم يفصل القرآن ذلك) ... ولعلَّ المكانَ الذي وَقَفَ فيه ذو القرنين كان عندَ مَصَبِّ أَحَدِ الأَنهارِ في ذلك البَحر، ويبدو أَنَّ ماءَ النهر في ذلك اليوم كان مختَلِطاً بالتراب، فكانَ " حَمِئاً " ... ولما وقفَ ذو القرنَين في ذلك المكان، نَظَرَ أَمامَه إِلى الشمسِ وهي تَغربُ وَتَغيب، فرآها في بصره (تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) ... أَيْ أَنَّ قُرْصَ الشمسِ سَقَطَ أمامَه في الماءِ المختلطِ بالتراب الذي يَقذفُه النهرُ في البَحر، وبذلك رآها تغربُ في عينٍ حَمِئَة ... وهذا أَمْرٌ طبيعي لا يَدعو للعجب أَو الغرابةِ أَو الإِنكار.

§
ولكن ماذا ورد في تفسير هذه الآية عند مفسرين آخرين ؟؟؟ قال القرطبي (671 هـ): " ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربًا ومشرقًا حتى وصل إلى جرمها ومسها؛ لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافًا مضاعفة، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض؛ ولهذا قال: " حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا " الكهف 90 ... ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم، بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم " الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج11، ص49-50.

§ وقال الرازي (544-606هـ) في تفسيره لهذه الآية: ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك ... وأيضاً قال:
{وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً} ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود، وأيضاً الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض ... إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله: {تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ} من وجوه ... الأول: أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة ... كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر ... انتهى تفسير الرازي

§
وفى تفسير ابن كثير: وقوله: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} ... أي: رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه ...

§ وفى تفسير المنتخب: وسار حتى وصل إلى مكان سحيق جهة الغرب، فوجد الشمس في رأى العين تغرب في مكان به عين ذات ماء حار وطين أسود، وبالقرب من هذه العين وجد ذو القرنين قوماً كافرين ... انتهى تفسير المنتخب

§
أما في التفسير الميسر فقد ورد: حتى إذا وصل ذو القرنين إلى مغرب الشمس وجدها في مرأى العين كأنها تغرب في عين حارة ذات طين أسود، ووجد عند مغربها قومًا. انتهى التفسير الميسر

§ وورد في ظلال القرآن: مغرب الشمس هو المكان الذي تغرب عنده وراء الأفق ... وهو يختلف بالنسبة إلى المواضع ... فبعض المواضع يرى الرائي فيها أن الشمس تغرب خلف الجبل ... تغرب في الماء كما في المحيطات ... والظاهر من النص أن ذا القرنين غرب حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي فرأى الشمس تغرب فيه ... والأرجح أنه كان عند مصب أحد الأنهار حيث تكثر الأعشاب ... ويجتمع حولها طين لزج هو الحمأ وتوجد البرك وكأنها عيون الماء ... عند هذه الحمأة وجد ذو القرنين قوماً. في ظلال القرآن (3/2291) ...

§
أي أن معنى الآية وفهمها الذي ذكرناه ليس تأولاً لها في عصر العلم ... بل هو قول معروف تداوله العلماء منذ قرون طويلة ومازال هو السائد عند العلماء قديماً وحديثاً.
وامتداداً لما تقدم فإن:

1.
القرآن الكريم لم يقل إن الشمس تغرب في عين حمئة ... بل نقل وصف ذي القرنين لمشهد غروب الشمس ... ولهذا قال: " وجدها تغرب " ... ولم يقل " فكانت تغرب " ... ولم يثبت القرآن ذلك على أنه حقيقة كونية ... فلفظة (وجدها) هنا سر الإعجاز ... ولذلك فإن الآية الكريمة لا تقرر حقيقة مغرب الشمس حتى يقال إنها خالفت العلم ... وإنما تصف الآية حالة قائمة أبصرتها عين شخص معين ... هذا ولو كان القرآن كلام إنسان في ذلك الزمن، لجعلها حقيقة مقرَّرة مفروغًا منها ... ولقال: كانت الشمس تغرب ...

2. سياق القصة ينفي (عقلاً) إقرار القرآن الكريم بأن الشمس تغرب فعلياً في عين حمئة ... وذلك للأسباب التالية:
الأول:ذو القرنين كان يتحدَّث مع السكان الموجودين قرب تلك العين الحمئة ... " وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا "الكهف 86 ... فلو كان القصد أن الشمس تدخل في هذه العين حقيقة ... فهل يظن أي عاقل ولو صغرت سنه أن ذي القرنين سيتكلم مع قوم حول الشمس الساخنة وهم يعيشون حياة طبيعية !!!

الثاني:قال تعالى بعد تلك الآية الكريمة ... أنه بعد غياب الشمس انطلق ذو القرنين تجاه مشرق الشمس ... " ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ... حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا " الكهف 90 ... فذو القرنين وجدها تطلع على قوم ... فهل يفهم أحد من ذلك أنها تطلع على ظهورهم !!! أو أنها ملامسة لهؤلاء القوم ... إن من الواضح أن هذه الآية أيضًا مقيدة بما أبصره ذو القرنين ... ولذلك فإن ما ينطبق على هذه الآية ينطبق على الآية التي قبلها أيضاً الخاصة بغروب الشمس.

الثالث: لما وصل ذو القرنين إلى مطلع الشمس كما ذكرنا، يفترض به (بحسب تلك الشبهة المغلوطة) أن يجد الشمس تشرق من نفس المحل ومن نفس العين الحمئة وعلى نفس القوم الذين غربت عليهم ... فلماذا قال: إنها طلعت على قوم، ولم يقل أشرقت من عين حمئة !!! أي أن القرآن الكريم تحسّب ونفى وفي نفس السياق أي فهم مغلوط لأي إنسان قد يولد لاحقاً وحتى قيام الساعة.

3.
إن هذه الآية تعتبر بالفعل اعجازاً جغرافياً ... ولماذا ؟؟؟ لأن الذي أتى بها هو رجل أمي ليس له من علم ولا ثقافة البشر نصيب ... ولم يعش الا في صحراء العرب ... فكيف يصف لحظة غروب الشمس عند عين حمئة ومثل هذه الظواهر نجدها في مناطق سياحية نادرة في العالم ككندا وغرب أمريكا ... فمن الذي علمه هذا الكلام ؟؟؟

4.
لقد حسمت الآيات القرآنية (منذ أكثر من 1400 عاماً) بوضوح وإعجاز حركة الشمس والقمر والأرض وكل الأجرام السماوية، وأنها تسبح في أفلاكها في السماء وذلك في قوله تعالى: " لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ " يس 40 ... فلكلٍ فلكه الخاص الذي لا يتداخل مع فلك غيره ... فكيف يسوغ بعد ذلك أن ينسب إليه القول بغروب الشمس في عين من عيون الأرض !!! إن هذا القول أبعد ما يكون عن لفظ القرآن الكريم ومعناه.
5.
قال الله تعالى في كتابه العزيز: " وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا " الأعراف 137 ... السؤال هنا: كيف يكون للأرض مشارق ومغارب ؟؟؟ إن هذا التصور من المستحيل أن يتحقق إلا إذا كانت الأرض نفسها كروية وتدور حول نفسها وحول الشمس وبكيفية يترتب عليها وجود مشارق ومغارب للشمس وعلى النحو الذي أثبته العلم حديثاً ... وأن شروق الشمس في مكان ما على الأرض يعنى بالضرورة غروبها في مكان آخر ...

§ هذا ونرجو أن يتقبل الناقد أن نتعامل معه بنفس منطقه ... ولذلك سنطلب منه أن يفسر لنا ما ورد في
سفر الجامعة 1/ 5 " وَالشَّمْسُ تُشْرِقُ، وَالشَّمْسُ تَغْرُبُ، وَتُسْرِعُ إِلَى مَوْضِعِهَا حَيْثُ تُشْرِقُ. " ... فهل الشمس تسرع الى موضعها حيث تشرق ؟؟؟ أم أن الأرض هي التي تدور حول الشمس فتشرق الشمس على الأرض تباعاً !!!

§
ونحن نسأل الناقد وبنفس منطقه أيضاً ... كيف تكون امرأة متسربله بالشمس ... والشمس أكبر من الأرض مليون وثلاثين ألف مرة كما ذكر سيادته ؟؟؟ حيث ورد في سفر رؤيا يوحنا 12/1 ... " وَظَهَرَتْ آيَةٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ: امْرَأَةٌ مُتَسَرْبِلَةٌ بِالشَّمْسِ ... وَالْقَمَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهَا، وَعَلَى رَأْسِهَا إِكْلِيلٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ كَوْكَبًا " ...


واللـــــــــــــــه أعلم وأعظم
يتبــــــع بإذن الله وفضله