الرد على التدليس رقم 23: السيد المسيح ينهى عن الحلفان " أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ. ... وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ، وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ ... وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ ... بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ." متى 5 / 33 – 37 ... بينما ورد في سورة التين 3 " وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ".


إن من العجيب أن يعاب على القرآن الكريم وجود الحلف فيه ... والحلف موجود في الكتاب المقدس بعهديه !!!! فلا ندرى كيف يكون من الشرير ؟؟؟ ولذلك يجب أن نستعرض أولاً موضوع الحلف في الكتاب المقدس (بعهديه القديم والجديد) ثم في الإسلام:

§
أولاً: القسم في العهد القديم قبل ميلاد المسيح ... الرب نفسه حلف ... والأنبياء حلفوا ... والناس أمروا بالحلف ...

* وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: "
اذْهَبِ اصْعَدْ مِنْ هُنَا أَنْتَ وَالشَّعْبُ الَّذِي أَصْعَدْتَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي حَلَفْتُ لإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ قَائِلاً لِنَسْلِكَ أُعْطِيهَا ". سفر الخروج 33 / 1

*
ثُمَّ قَالَ لِيَ الرَّبُّ: قُمِ اذْهَبْ لِلارْتِحَالِ أَمَامَ الشَّعْبِ، فَيَدْخُلُوا وَيَمْتَلِكُوا الأَرْضَ الَّتِي حَلَفْتُ لآبَائِهِمْ أَنْ أُعْطِيَهُمْ.سفر التثنية 10 / 11

*
" إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَآلِهَةُ نَاحُورَ، آلِهَةُ أَبِيهِمَا، يَقْضُونَ بَيْنَنَا ... وَحَلَفَ يَعْقُوبُ بِهَيْبَةِ أَبِيهِ إِسْحَاقَ. " التكوين 31 / 53

*
" فَحَلَفَ مُوسَى فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَائِلاً: إِنَّ الأَرْضَ الَّتِي وَطِئَتْهَا رِجْلُكَ لَكَ تَكُونُ نَصِيبًا وَلأَوْلاَدِكَ إِلَى الأَبَدِ " يشوع 14 / 9

*
" الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقِي، وَإِيَّاهُ تَعْبُدُ، وَبِاسْمِهِ تَحْلِفُ ". سفر التثنية 6 / 13

*
وَيَسْتَحْلِفُ الْكَاهِنُ الْمَرْأَةَ وَيَقُولُ لَهَا: " إِنْ كَانَ لَمْ يَضْطَجعْ مَعَكِ رَجُلٌ ... وَإِنْ كُنْتِ لَمْ تَزِيغِي إِلَى نَجَاسَةٍ مِنْ تَحْتِ رَجُلِكِ فَكُونِي بَرِيئَةً مِنْ مَاءِ اللَّعْنَةِ هذَا الْمُرِّ "سفر العدد 5 / 19.

*
" الَّذِينَ حَلَفَ الرَّبُّ لَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُرِيهِمِ الأَرْضَ الَّتِي حَلَفَ الرَّبُّ لآبَائِهِمْ أَنْ يُعْطِيَنَا إِيَّاهَا "يشوع 5/ 6

*
" حَلَفَ الرَّبُّ بِيَمِينِهِ وَبِذِرَاعِ عِزَّتِهِ قَائِلاً: «إِنِّي لاَ أَدْفَعُ بَعْدُ قَمْحَكِ مَأْكَلاً لأَعْدَائِكِ، " إشعياء 62 / 8

*
" أقسم الرب ولن يندم ... أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق ". مز 110 / 4 .... وقد ورد في تفسير أنطونيوس فكري لهذا النص .... " والله أقسم ... أي ليظهر للبشر اهتمامه وجديته في أمر الخلاص ... فالقسم هو الطريقة التي يفهمها البشر لإظهار الجدية " .... جاء في (عب 16:6) ..." فَإِنَّ النَّاسَ يُقْسِمُونَ بِالأَعْظَمِ ... وَنِهَايَةُ كُلِّ مُشَاجَرَةٍ عِنْدَهُمْ لأَجْلِ التَّثْبِيتِ هِيَ الْقَسَمُ ".

*
" ونادي مَلاَكُ الرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً مِنَ السَّمَاءِ ... وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ ... يَقُولُ الرَّبُّ "التكوين 22 / 15 -16

* ولقد استوقفني عدد يقسم فيه الله بفخر (مجد) يعقوب وذلك في
سفر عاموس الإصحاح 8 العدد 7 ...... " قَدْ أَقْسَمَ الرَّبُّ بِفَخْرِ يَعْقُوبَ " ... أي أن الله في الكتاب المقدس اقسم بمجد إنسان.

§ ثانياً: القسم والحلف في العهد الجديد بعد ميلاد المسيح ...

*
" أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَحْنَثْ ... بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ " متى 5 / 33 أقسامك جمع قسَم ... أي أوف لله حلفانك

* و قد ورد في
إنجيل متى 5 / 18 أيضا " لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ - مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ " .... وفي هذا تعهد واضح من السيد المسيح بأنه لن ينقض أو يلغى أي منهج أو شريعة سابقه أو أفعال للأنبياء من قبله ... وبالتالي فان الواجب أن يسرى بالطبع على أتباع العهد الجديد في موضوع الحلف ما كان سارياً على أتباع العهد القديم.

* إلا أنه قد ورد في
إنجيل متى 5 / 34 – 37 عكس ذلك الواجب تماما ... وكيف ذلك ... لقد ألغى السيد المسيح الحلف تماماً !! فقال ... " وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ، وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ ... بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ. " .. وبالتالي لا ندرى لماذا نقض والغي السيد المسيح الحلف ... ومهما كان التبرير هنا ... فأننا نشير إلى أن الله ذاته ... والأنبياء أيضا قد حلفوا في العهد القديم كما ذكرنا !!!!

* هذا ولقد كان السيد المسيح يحلف أيضا !!!... وكيف ذلك ... لقد كان يؤكد معظم كلامه بالقسم
" الحق الحق أقول لكم " ؟؟؟؟ والحق هو الله سبحانه وتعالى وليس غيره ...

* هذا وقد طبق بطرس تلميذ السيد المسيح شريعة العهد القديم وحلف بالفعل ... ولم يلتزم بنهى المسيح عن الحلف كما ورد في
متى 26 / 74 .... " فَابْتَدَأَ (أي بطرس) حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ إِنِّي لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ (أي لا يعرف السيد المسيح) !!وللوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ " .... وحقيقة الأمر لم يكن بطرس صادقاَ في حلفه !!! ... لأنه بالطبع يعرف المسيح .... لأنه تلميذه !!!! ولـكن مصلحته الشخصية وقت الحلف دعته إلى الحنث في القسم.

* وفى
رؤية يوحنا اللاهوتي 10 / 5 – 6 " والملاك الذي رايته واقفا على البحر وعلى الأرض رفع يده إلى السماء ... واقسم بالحي إلى ابد الآبدين ... الذي خلق السماء وما فيها والأرض وما فيها والبحر وما فيه أن لا يكون زمان بعد ... "

و قد ورد في تفسير أنطونيوس فكري لذلك أن ملاك معناها رسول أو مرسل ... ولطالما أطلق الكتاب المقدس على المسيح " ملاك العهد " ... ورفع يده = هي صورة القسم ... وفي هذا إشارة لخطورة ما يعلنه وهو نهاية الأيام ... ونهاية الشر ... ونهاية الصراع بين الكنيسة وقوى الشر.

أما تفسير تادرس يعقوب ملطى لذلك فهو... رفع يده إلى السماء ... ورفْعْ اليد هو ... تأكيد للمؤمنين عن خطورة ما يعلنه موجهًا أنظارهم إلى السماء مصدر التعزية ... وماذا أعلن ؟؟؟ إنه يعلن بقسم " أن لا يكون زمان بعد " ... أيّ قد انتهي وقت الضيقة العظمى ... وقت ضد المسيح ... هذا القسم يكشف لنا مدى المرارة التي يعانيها المؤمنون ...

* من ذلك نخلص ... أن المسيح نفسه هنا حلف " بالحي إلى ابد الآبدين ... الذي خلق السماء وما فيها والأرض وما فيها والبحر وما فيه " !!!!!!!!!


§
ثالثا: القسم والحلف في الإسلام ....

* الإسلام دين يحاكى الواقع العملي والفعلي ... وغير منعزل عن العالم ... ويخاطب البشر جميعا باختلاف أجناسهم وطبائعهم وعقائدهم في الكون كله والواقع الفعلي حديثا يشهد على ذلك ... ولماذا ... فالقسم لا يمكن إلغاءه أو الامتناع عنه حالياً في كل بقاع الأرض ... في المحاكم ... و في مواقف عديدة ... كتخليص المرء نفسه أو غيره من الهلاك أو للإصلاح بين متخاصمين ... أو لإزالة حقد أو لدفع شر أو ما يماثل ذلك ... و أيضــا حين تولى المناصب و المهام وبغير القسم لا يُسمح بالعمل وممارسة المهن الهامة والحساسة ... هذا ورؤساء الدول يقسمون اليمين أمام شعوبهم ... وهكذا ...

* ولذلك سمح الإسلام بالحلف ولكن بضوابط ... وكيف يكون ذلك:

· لا يجوز الحلف بغير الله تعالى لقول النبي صلى الله عليه وسلم :
( مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله أَوْ لِيَصْمُتْ ) الراوي:عبد الله بن عمر المحدث : البخاري – المصدر : صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم : 2679 خلاصة حكم المحدث : [صحيح]

· المشروع للمؤمن أن يقلل من الأيمان (أي القسم والحلف) ولو كان صادقاً ... لقول الله عز وجل
" وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ " المائدة 89 ... أي وصونوا أيْمانَكم فلا تضعوها في غير موضعها ....

· وأيضا قال تعالى ...
"وَلَا تَجْعَلُوا الله عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ " البقرة 224 ... أي لا تجعلوا اسم الله معرَّضاً لكثرة الحلف به، لأن ذلك ينافي تعظيم اسم الله .... وأن الامتناع عن كثرة الحلف باسم الله يؤدى إلى البر والتقوى والقدرة على الإصلاح بين الناس .... إذ يكون الممتنع جليل القدر في أعين الناس موثوقاً به بينهم فيقبل قوله، والله سميع لأقوالكم وأيمانكم، عليم بنياتكم .... (تفسير المنتخب)

· وإذا كان الإسلام قد سمح بالحلف عند الضرورة كما وضحنا فقد حرّم بالطبع الحلف الكاذب أو نقضه قال تعالى
" وَأَوْفُوا بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا " النحل 91 ... والأيمان: جمع يمين ... وتطلق بمعنى الحلف والقسم .... والنقض في اللغة: فسخ ما رُكّبْ (أي لا تحنثوا في القسم بعدما أكَّدتموه) ...... وهذا تأكيد للأمر بالوفاء، وتحذير من الخيانة والغدر .... (تفسير سيد طنطاوي)

· هذا وقد ذم الله الحلاف (أي كثير الحلف بالباطل) بقوله
" وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ " القلم 10 .... والمعنى أي لا تطع - أيها الرسول - كلَّ إنسانٍ كثير الحلف كذاب حقير ..

·
جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ، ما الكبائرُ؟ قال: (الإشراكُ باللهِ) .... قال: ثم ماذا؟ قال: ثم عقوقُ الوالدَينِ ... قال: ثم ماذا؟ قال: اليمينُ (أي الحلف) الغموسُ ... قلتُ: وما اليمينُ الغموسُ؟ قال: (الذي يقتطعُ مالَ امرئٍ مسلمٍ، هو فيها كاذبٌ) .... الراوي:عبد الله بن عمرو المحدث : البخاري – المصدر : صحيح البخاري- الصفحة أو الرقم :6920 خلاصة حكم المحدث : صحيح

ولكن ما هو الهاجس الذي دفع المدلس ليطرح هذا التدليس بان القرآن الكريم قد تضمن قسم الله ببعض مخلوقاته:

· إن الله في مخيلة المدلس إنسان مثلنا يأكل ويشرب ويمشي ويكلم الناس ... وبالتالي يمكن أن يتطرق الشك إلى حديثه ... ولذلك فانه يحتاج لتأكيده بالحلف ... أما المسلمون فان الأمر عندهم مختلف ... ولماذا ... لأن الله عز وجل في معتقدهم هو بخلاف ما ذكر تماما .... فالله سبحانه ...
" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " الشورى 11 ... أما حديثه سبحانه وتعالى فمعتقدهم هو ... " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثًا " النساء 87

· وعندما يقسم الله ببعض مخلوقاته في القرآن فانه يريد أن يلفت أنظارنا إليها لنلاحظ عظمتها وفائدتها لنا ... وكونها آيات داله على وحدانية الله وعظمته وقوته ورحمته ... وعندما نتذكرها نذكر خالقها العظيم ونشكره على تسخيرها لنا ... فعند قسمه
" وهذا البلد الأمين " ... أي مكة المعظمة مهبط الوحي والتي يشهد بعظمتها مَن زارها والتي بها الحرم الشريف ... الآمن مَنْ دخلها.

فضلا على ذلك فقد جاء القسم في القرآن الكريم لأغراض منها:

·
لقد نزل القرآن بلغة العرب ... وعلى طريقتهم وأسلوبهم ... وقد لجأ القرآن إلى القسم جريا على عادة العرب في توكيد الكلام والأخبار وإبراز معانيه ... فجاء القسم بالطريقة المألوفة لديهم لتستقر في النفس ... ويتزعزع فيها ما يخالفها ... وإذا كـان القسم لا ينجح أحيانا في حمل المخاطب على التصديق ... فإنه كثيرا ما يوهن في النفس الفكرة المخالفة ... ويدفع إلى الشك فيها ... ويبعث المرء على التفكير الجاد والقوي فيما ورد القسم من أجله ... هذا وقد بلغ من شأن القسم عند العرب ... أنهم كانوا يحترزون كل الاحتراز من الأيمان الكاذبة ... ويعتقدون أنها شؤم على صاحبها ... تخرب الديار وتدعها خالية من كل خير لما فيها من الغدر والخيانة ... ومن أجل هذا كانت اليمين عندهم قاطعة في إثبات الحقوق ... أسلوب القسم الظاهر في القرآن الكريم وأغراضه بلاغته د. سامي عطا حسن جامعة آل البيت المملكة الأردنية الهاشمية المفرق .

· لقد جاء القسم ليراعي أيضا اختلاف الاستعداد النفسي لدى البشر في تقبلها للحق وانقيادها لنوره وتوكيدا للمعاني ... فالقسم في الخطاب من أساليب التأكيد التي يتخللها البرهان المفحم ... وجذب المُعَارِض إلى الاعتراف بما يجحد ...




يتبـع بإذن اللـــــــه وفضله