« الطاهرة خديجة بنت خويلد »
بحث (*) في
سيرة أم المؤمنين رضي الله عنها

ابن كثير (1) في بدايته ذكر عن أبي هريرة إنه قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏ :« ‏ما بعث الله نبياً إلا راعي غنم‏ »‏‏.‏ فقال له أصحابه‏:‏« وأنت يا رسول الله‏؟‏»، قال ‏:« ‏وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط‏» (2) ‏‏.‏
وكتب صاحب الرحيق المختوم تحت عنوان :
" حياة الكدح "
‏ثم روى البيهقي من طريق الربيع بن بدر - وهو ضعيف - عن أبي الزبير، عن جابر قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏ :« ‏آجرتُ نفسي من خديجةَ سفرتين بقلوص‏ » (3). " الحديث لا يصح " (4)
ولم يكن له؛ صلى الله عليه وآله وسلم عمل معين في أول شبابه، إلا أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنماً، رعاها في بني سعد، وفي مكة لأهلها على قراريط، ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجارة حين شبَّ، فقد وردَ أنَّه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له، لا يدارى ولا يمارى، وجاءه يوم الفتح فرحب به، وقال ‏:‏‏« مرحبًا بأخي وشريكي ‏‏»‏(5) . يكمل صاحب الرحيق المختوم فيقول :
وسمعةُ المرءِ تسبقه قبل أن يحل على قوم ولعلها صاحبة المال والتجارة سمعت عن محمد الشاب الأمين والقرآن يصرح بهذا في قوله : ‏‏﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [28 القصص : آية ٢٦]‏ ، ومرت الأيام ووصل إلى مسامعها ذكر " محمد بن عبدالله " كريم الأخلاق، الصادق الأمين، وكان قلَّ أن تسمع في الجاهلية بمثل هذه الصفات .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ :‏" وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً تَاجِرَةً ذَاتُ شَرَفٍ وَمَالٍ تَسْتَأْجِرُ الرّجَالَ فِي مَالِهَا، وَتُضَارِبُهُمْ إيّاهُ بِشَيْءِ تَجْعَلُهُ لَهُمْ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَوْماً تُجّاراً، فَلَمّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلهِ وسَلّمَ مَا بَلَغَهَا، مِنْ صِدْقِ حَدِيثِهِ وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ بَعَثَتْ إلَيْهِ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِي مَالٍ لَهَا إلَى الشّامِ تَاجِرًا، وَتُعْطِيهِ أَفْضَلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ مِنْ التّجّارِ مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ مَيْسَرَةُ فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مِنْهَا، وَخَرَجَ فِي مَالِهَا ذَلِكَ وَخَرَجَ مَعَهُ غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ حَتّى قَدِمَ الشّامَ "(6) .

ثم يكمل صاحب الرحيق المختوم قوله :" وفي الخامسة والعشرين من سِنِّهِ خرج تاجراً إلى الشام في مال خديجة رضي الله عنها، كما قال ابن إسحاق‏، وذكر ابن هشام في سيرته أن رسول الله :" وميسرة نزلا في سوق بُصْرَي فَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلّمَ فِي ظِلّ شَجَرَةٍ قَرِيباً مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ مِنْ الرّهْبَانِ يقال له نسْطورا (7 )، فَاطّلَعَ الرّاهِبُ إلَى مَيْسَرَةَ؛ وكان يعرفه فَقَالَ لَهُ
:" مَنْ هَذَا الرّجُلُ الّذِي نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشّجَرَةِ ؟ "،
قَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ :" هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ "،
فَقَالَ لَهُ الرّاهِبُ :" مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشّجَرَةِ(8) قَطّ إلّا نَبِيّ " (9) .
ثم قال الراهب له :" في عينيه حمرة ؟ "،
فرد ميسرة :" نعم لا تفارقه ".
قال الراهب :" هو .. هو ؛ وهو آخر الأنبياء ، وليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج " .
فوعي ذلك ميسرة .
ثُمّ بَاعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلّمَ سِلْعَتَهُ الّتِي خَرَجَ بِهَا، وَاشْتَرَى مَا أَرَادَ أَنّ يَشْتَرِيَ ثُمّ أَقْبَلَ قَافِلاً إلَى مَكّةَ، وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ فَكَانَ مَيْسَرَةُ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - إذَا كَانَتْ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدّ الْحَرّ، يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلّانِهِ مِنْ الشّمْسِ - وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمّا قَدِمَ مَكّةَ عَلَى خَدِيجَةَ بِمَالِهَا، بَاعَتْ مَا جَاءَ بِهِ فَأَضْعَفَ أَوْ قَرِيباً . فلما أخبر مَيْسَرَةُ السيدةَ خديجةَ رضي الله عنها بذلك وَحَدّثَهَا عَنْ قَوْلِ الرّاهِبِ وَعَمّا كَانَ يَرَى مِنْ إظْلَالِ الْمَلَكَيْنِ إيّاهُ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ امْرَأَةً حَازِمَةً شَرِيفَةً لَبِيبَةً مَعَ مَا أَرَادَ اللّهُ بِهَا مِنْ كَرَامَتِهِ، فَلَمّا أَخْبَرَهَا مَيْسَرَةُ بِمَا أَخْبَرَهَا بِهِ وتذكرت قول الرجل(10) الذي دخل علي نساء قريش وأخبرهنَّ بأمر النبي المنتظر علمت أن هذا النبي هو محمد فبَعَثَتْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآ له وسَلّمَ فَقَالَتْ لَهُ - فِيمَا يَزْعُمُونَ
:‏‏« يَا بْنَ عَمّ إنّي قَدْ رَغِبْتُ فِيك لِقَرَابَتِك، وَسِطَتِك فِي قَوْمِك وَأَمَانَتِك، وَحُسْنِ خُلُقِك، وَصِدْقِ حَدِيثِك ‏‏» (11 )، ورغبت أن تكون زوجاً له، فأرسلت السيدة نفيسة بنت منبه [تذكر بعض المصادر .. بنت منــيـــة] إلي محمد بن عبد الله الشاب القوي الأمين .
قال ذلك أبو محمد عبدالملك بن هشام بن أيوب الحميري المُعَاِفري [وقيل الذُّهْلِي؛ [المتوفى سنة 213هـ في مصر بالفسطاط] تحت عنوان :‏‏« خديجة ترغب في الزواج منه »؛ صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يكمل فيقول :" وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وأكثرهنَّ مالاً؛ كل قومها كان حريصاً على ذلك منها لو يقدر عليه ‏‏.‏‏" (12 ) .
**

يتبع باذن الله تعالى ..
(*) شهر الصيام الفضيل 1431هـ ،
الصفحة الثالثة من ملف الهدى
الرمادي
التاسع عشر من رمضان 1431 هـ ~ 29 أغسطس 2010م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع / الهوامش :
(1. ) الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء اسماعيل بن عمر بن كثير قرشي النسَب؛ دمشقي الدار ، المتوفى سنة 774هـ ، النص كما ورد في في بدايته؛ ‏ج 2؛ ص‏ : 361 ،
(2. ) رواه المحدث الإمام « البخاري » عن أحمد بن محمد المكي، عن عمرو بن يحيى به، النص كما ورد في صحيح البخاري :« ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم ... كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة » عن أبي هريرة ؛ رضي الله عنه ، [ الرقم: 2262] .
(3. ) ‏‏« آجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه من خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جرش كل سفرة بقلوص‏‏» . راوي الحديث: جابر بن عبدالله؛ المحدث: ابن القيم؛ المصدر: زاد المعاد؛ الرقم: 1/155، الحديث لا يصح .
(4. ) الاسلوب المتبع في هذه السلسلة ؛" سلسلة الهدى" كسابقتها عندما تحدثنا عن أم المؤمنين السيدة الطاهرة أم إبراهيم ابن النبي المصطفى خاتم الأنبياء والمرسلين :« ماريا بنت شمعون المصرية »، أو عندما عرضنا لسيرة أم المؤمنين السيدة صفية بنت حيي؛ فالاسلوب المتبع : هو التحرير ثم التوثيق فالتحقيق، وهذا يعطي للبحث قيمةعلمية أكثر من مجرد سرد الأحداث وقص المواقف .
(5. ) عن عبدالله بن السائب قال :‏« كنت شريكاً ». [ يعني للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ] راوي الحديث : مجاهد، المحدث: أبو حاتم الرازي، المصدر: العلل لابن أبي حاتم، الرقم: 1/290، خلاصة حكم المحدث: عبدالله بن السائب ليس بالقديم والشركة بأبيه أشبه. وعن السائب بن أبي السائب أنه كان شريك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أول الإسلام في التجارة فلما كان يوم الفتح قال :‏‏« مرحباً بأخي وشريكي لا تداري ولا تماري». راوي الحديث : السائب بن أبي السائب، المحدث: الإمام الذهبي، المصدر: المهذب الرقم: 5/2205، خلاصة حكم المحدث: فيه إرسال. بعض السادة العلماء و الفقهاء تعتبر الحديث المرسل وتأخذ به .
(6. ) الروضُ الأُنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام، للفقيه المحدث أبي القاسم عبدالرحمن بن عبدالله بن أحمد بن أبي الحسن الخثعمي؛ السهيلي [508~581هـ ــــــــ 1114~ 1185 ب.م.] .
(7. ) يعلق السهيلي في روضه فيقول :" وَهَذَا الرّاهِبُ ذَكَرُوا أَنّ اسْمَهُ نَسْطُوراً وَلَيْسَ هُوَ بَحِيرَى " .
(8.) يعلق السهيلي في شرحه بروضه الأُنف :" فَالشّجَرَةُ عَلَى هَذَا مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ؛ بعد أن قال :" يُرِيدُ مَا نَزَلَ تَحْتَهَا هَذِهِ السّاعَةَ إلّا نَبِيّ، وَلَمْ يُرِدْ مَا نَزَلَ تَحْتَهَا قَطّ إلّا نَبِيّ . لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِالْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظِ الْخَبَرِ : " قَطّ "، فَقَدْ تَكَلّمَ بِهَا عَلَى جِهَةِ التّوْكِيدِ لِلنّفْيِ وَالشّجَرَةُ لَا تُعَمّرُ فِي الْعَادَةِ هَذَا الْعُمْرَ الطّوِيلَ حَتّى يَدْرِيَ أَنّهُ لَمْ يَنْزِلْ تَحْتَهَا إلّا عِيسَى، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السّلَامُ وَيَبْعُدُ فِي الْعَادَةِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ شَجَرَةٌ تَخْلُو مِنْ أَنْ يَنْزِلَ تَحْتَهَا أَحَدٌ، حَتّى يَجِيءَ نَبِيّ إلّا أَنْ تَصِحّ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَنْزِلْ تَحْتَهَا أَحَدٌ بَعْدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السّلَامُ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاق" .
(9 .) الروض الأنف؛ السهيلي .
(10. ) سنتعرض لهذه الرواية في فصل قادم بإذنه سبحانه وتعالى .
(11. ) السهيلي؛ الروض الأنف ويؤكد ذلك صاحب أسد الغابة .
(12.) السيرة النبوية ؛ لابن هشام .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع بإذن الخالق الواجد المنعم المدبر سبحانه وتعالى