تعقيبي على رد الفاضل "صوت المسيح الحق" سيكون في عدة نقاط :



1 ) كانت شبهة زميلنا الفاضل التي طرحها في مشاركته الأولى والتي قمت أنا بردها من كلام شيخ الإسلام رحمه الله هي شبهة : "إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ" أي هل مريم بنت عمران أم لا ؟ .. وفي رده علي سكت تماما عن التعليق على ردي لهذه الشبهة وقفز من شبهة "ابنت عمران" إلى شبهة "أخت هارون" وترك أصل مسألتنا .. وهذا يفيد أن الزميل ليس لديه ما يقوله في هذا الجانب وأن ما ظنه شيئا خطيرا في قول الزميل ديكارت ليس إلا توهما كما قلت له سابقا .. وفي ردي هذا سأتطرق مع الزميل إلى شبهة أخت هارون .



2) لا اختلاف بيني وبين الإخوة في هذا الموضوع حول أن مريم عليها السلام ليست أخت حقيقة للنبي هارون .. وهذا يكفي لتزول الشبهة .. لأن الشبهة مبينة على كون قوم مريم عليها السلام أخطؤوا فقالوا أن مريم هي الأخت الحقيقة للنبي هارون .. وجميع الإخوة وأنا اتفقنا هنا على كون مريم عليها السلام ليست أخت حقيقة للنبي هارون .. فيكفي هذا لتزول الشبهة .. كما أنني لم أنفي في ردي أو أثبت أن مريم عليها السلام كانت من نسل النبي هارون .. فقد تكون مريم عليها السلام في نفس الوقت هي من نسل النبي هارون وهارون المقصود في الأية الكريمة هارون آخر وليس هارون النبي عليه السلام ..
والمقصود أن الإختلاف الوحيد بيني وبين بعض الإخوة هو في تفسير قوله تعالى "يا أخت هارون" فهل هارون هذا هو النبي المعروف أم شخص آخر .. هذا هو الإختلاف الوحيد بيني وبين بعض الإخوة .. واتفقنا جميعا على الأصل وهو أن مريم عليها السلام ليست أخت حقيقة للنبي هارون أي أن قوم مريم لم يخطئوا حين وصفوها بأنها أخت لهارون .
وهنا كان على الزملاء النصارى أن يتوقفوا لأن الشبهة تنتهي هنا .. فإن استمروا فهو في الحقيقة ليس إلا جدالا .. لأن علماء التفسير فضلا عن الإخوة في هذا الموضوع يختلفون ويصيبون ويخطئون وكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا الله ورسوله .



3) فيما يخص شبهة أخت هارون التي انتقل إليها زميلنا العزيز .. فهو لم يقم بتفنيد أي من ردود الإخوة .. بل وقام بمدح رد شيخ الإسلام رحمه الله لأنه مبني على دليل قاطع من السنة النبوية الشريفة وهو ما ثبت في صحيح مسلم ... وهذا ما قاله الزميل : "وفي هذه الاجابة يا أخي أدريسي أرى بأنك تحاول أقناعي بكلام وسند صحيح لا شك فيه من وجهة نظر الاسلام كونه منقول عن النبي ومؤيد حسب السنة النبوية ."
وهنا تنهي الشبهة ! .. لأن هذا ما ينبغي الوصول إليه وهو تقديم دليل قاطع على أن قوم مريم لم يخطئوا ..
أما اختلاف تفسير بعض الإخوة في هذا الموضوع مع تفسير شيخ الإسلام رحمه الله .. فهذا نرد عليه ببساطة .. أن كل يؤخذ منه ويرد إلا الله ورسوله .. وما دام رد شيخ الإسلام مبني على قول ثابت للرسول الله صلى الله عليه وسلم .. فذلك هو الأصح .. ثم إن اختلاف المفسرين - فضلا عن اختلاف الإخوة في هذا الموضوع ! - هو أمر مسلم به عندنا .. بل ومسلم به حتى عند النصارى أنفسهم ! .. فكثيرا ما نجد أنطونيوس فكري يخالف تادرس يعقوب ملطي في تفسير عدد من الكتاب المقدس وإن كنا منصفين لن نفهم من ذلك أن ما اختلفوا في تفسيره يجب رده أو فيه شيئ خطأ ! .. وإن كنت زميلنا العزيز تعتبر اختلاف المفسرين في تفسير أمر معين يعني ذلك أن هذا الأمر خاطئ أو يجب رده .. فعليك من باب أولى أن لا تؤمن بسفر نشيد الأنشاد لأن علماء المسيحية اختلفوا في تفسير أهم عدد منه :


قاموس الكتاب المقدس حرف النون كلمة نشيد الأنشاد – صفحة 970 .


وهذا العدد هو أهم عدد في السفر كله لأنه المعتمد عليه في إثبات ان السفر كتبه سليمان وأنه كتب عن طريق الوحي الإلهي .. فإن كان اختلاف العلماء في تفسير أمر معين يعني ذلك أن هذا الأمر خاطئ أو يجب رده .. فلما لا ترد سفر نشيد الأنشاد ولا تعتبر ذلك العدد خاطئا ؟!
وطبعا لا يسوغ لك هنا أن تقول أن علماء التفسير في المسيحية شيئ وفي الإسلام شيئ آخر .. لأن علماء التفسير في المسيحية أولى أن لا يخطئوا .. لامتلائهم بالروح القدس ! .. أما عندنا فكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .


4) كثير من العلماء - إن لم يكن أغلبهم ! - ذهبوا إلى ما ذهب إليه شيخ اللإسلام رحمه الله .. قال صاحب تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن في تفسيره لقوله تعالى يا أخت هارون :
((وقال صاحب الدر المنثور في قوله تعالى: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} : أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد وعبد بن حميد، ومسلم والترمذي والنسائي، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن حبان والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران... إلى آخر الحديث كما تقدم آنفاً. وبهذا الحديث الصحيح الذي رأيت إخراج هؤلاء الجماعة له، وقد قدمناه بلفظه عند مسلم في صحيحه، تعلم أن قول من قال: إن المراد هارون أخو موسى باطل سواء قيل إنها أخته، أو أن المراد بأنها أخته أنها من ذريته...))

ويقول القرطبي رحمه الله بعد ذكره لمختلف أقوال العلماء في تفسيره لقوله تعالى "يا أخت هارون"
وبعد أن ذكر الحديث المعني في صحيح مسلم :
((وهذا القول الأخير يرده الحديث الصحيح، وهو نص صريح فلا كلام لأحد معه، ولا غبار عليه. والحمد لله.))



5) الأخ الحبيب السيف البتار لا يختلف معي في تفسير الآية الكريمة كما قلت أنت زميلنا العزيز ! .. وسأنقل للقارئ الكريم رد الأخ السيف البتار كاملا فأنت لم تنقل إلا جزءا مقتطعا من مشاركة الأخ السيف البتار ..
فبعد الجزء الذي نقلته قال الأخ السيف البتار بعده مباشرة :

(( والأصح أن المراد بهارون في الآية هو رجلا صالحا من قومها في ذلك الحين… كانت تتأسى به مريم… وتتشبه به في الزهد والطاعة والعبادة، فنسبت إليه، فقالوا لها: يا من تتشبهين وتقتدين بذلك الرجل الصالح، ما كان أبوك بالفاجر، ولا أمك بالبغي فمن أين لك هذا الولد؟ وقد روى أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران - وكانوا نصارى - فقالوا : أرأيت ما تقرؤون : يا أخت هارون ؟ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا ؟ يعترضون على المغيرة.. قال : فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم:( ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم ؟ ) وهذا التفسير النبوي يبين أن هارون المذكور في الآية ليس من اللازم أن يكون هارون المذكور هو أخا موسى كما فهم أهل نجران، وإنما هو هارون معاصر لمريم … فقد كان قومها يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين منهم.


والله تعالى أعلم.))

فالأخ السيف البتار استعرض في رده الأقوال المرجوحة ثم أتبعها بالقول الراجح المبني على الدليل القاطع وهو الحديث الذي ثبت في صحيح مسلم .. وهذا يبينه قوله "والأصح ".. أي أن الأخ السيف البتار يرى كذلك أن هارون في الآية الكريمة ليس المقصود منه هارون النبي بل هارون آخر .. فلا اختلاف كما توهمت حضرتك .



6) الأخ الكريم قهرمان واستشهاده بالكتاب المقدس ليدعم ما قاله هو من باب التنزل أو الفرض الجدلي لإلزام ديكارت وليس لأنه يؤمن بالكتاب المقدس ! .. فمعروف عن المسلمين أنهم يؤمنون بأن الكتاب المقدس محرف ولا يسلمون بما يقوله أو يصدقونه .. خاصة وأنه ثبت الآن انقطاع سند الكتاب المقدس وأن كتبته مجهولين ومليئ بالإختلافات والتناقضات والأخطاء العلمية .. وهذا سنناقشه بتفصيل في موضوعنا الآخر إن شاء الله تعالى ..


هذا واجدد ترحيبي مرة أخرى بزميلنا الفاضل "صوت المسيح الحق" .. وأسال الله له الهداية ..

والحمد لله رب العالمين ..