ثم يأتي الحديث المسلسل


وهو الذي اتفق فيه الرواة، فنقلوه بصيغة معينة، أو حال معينة‏.‏ يعني أن الرواة اتفقوا فيه على وصفٍ معيَّن، إما وصف الأداء، أو وصف حال الراوي أو غير ذلك‏.‏

وفائدة المسلسل هو‏:‏ التنبيه على أن الراوي قد ضبط الرواية، ولذلك أمثلة كثيرة منها‏:‏ حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال له‏:‏ ((إني أحبُّك فلا تدعنَّ أن تقول دبر كل صلاة‏:‏ اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك

فقد تسلسل هذا الحديث وصار كل راوٍ إذا أراد أن يحدّث به غيره، قال لمن يحدثه هذه الجملة «إني أحبُّك فلا تدعنَّ أن تقول‏.‏‏.‏‏.‏» الحديث‏.‏

فهذا مسلسل لأن الرواة اتفقوا فيه على هذه الجملة‏.‏

وكذلك إذا اتفق الرواة على صيغة معينة من الأداء بحيث أنهم كلهم قالوا‏:‏ أنبأني فلانٌ، قال أنبأني فلان، قال‏:‏ أنبأني فلان، إلى نهاية السند، فإننا نسمي هذا أيضاً مسلسلاً، لاتفاق الرواة على صيغة معين وهي ‏(‏أنبأني‏)‏‏.‏وصور الحديث المسلسل كثيرة .

ولمعرفة الحديث المسلسل فوائد وهي :

أولاً‏:‏ هو في الحقيقة فن طريف، حيث إن الرواة يتفقون فيه على حال معينة لاسيما إذا قال‏:‏ حدثني وهو على فراشه نائمٌ، حدثني وهو يتوضأ، حدثني وهو يأكل، حدثني ثم تبسم، حدثني ثم بكى، فهذه الحالة طريفة، وهي أن يتفق الرواة كلهم على حال واحدة‏.‏

ثانياً‏:‏ أن في نقله مسلسلاً هكذا؛ حتى لدرجة وصف حال الراوي، فيه دليل على تمام ضبط الرواة، وأن بعضهم قد ضبط حتى حال الراوي حين رواه، فهو يزيد الحديث قوة‏.‏

ثالثاً‏:‏ أنه كان التسلسل مما يقرب إلى الله، صار فيه زيادة قربة وعبادة، مثل ما في حديث معاذ - رضي الله عنه - «إني أحبك فلا تدعنَّ‏.‏‏.‏‏.‏» فكون كل واحد من الرواة يقول للثاني إني أحبُّك، كان هذا مما يزيد في الإيمان، ويزيد الإنسان قربة إلى الله تعالى، لأن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله‏.‏

ثم يأتي بعد ذلك نوعين وهما : [color=#FF0000]العزيز والمشهور[/color


والعزيز في الاصطلاح فهو‏:‏ ما رواه اثنان عن اثنين عن اثنين إلى أن يصل إلى منتهى السند

ووجه تسميته عزيزاً‏:‏ لأنه قوي برواية الثاني، وكلما كثُرَ المخبرون ازداد الحديث أو الخبر قوة، فإنه لو أخبرك ثقة بخبر، ثم جاء ثقة آخر فأخبرك بنفس الخبر، ثم جاءك ثالث، ثم رابع، فأخبروك بالخبر، لكان هذا الخبر يزداد قوة بازدياد المخبر به‏.‏

والمعروف عند المتأخرين أن العزيز هو ما رواه اثنين فقط

وأن المشهور هو‏:‏ ما رواه ثلاثة فأكثر.
مع مراعاة أن العزيز ليس شرطاً للصحيح‏.‏
والمشهور يُطلق على معنيين هما‏:‏
ما اشتهر بين الناس‏.‏
ما اصطلح على تسميته مشهوراً‏.‏

أما ما اشتهر بين الناس فإنه أيضاً على نوعين‏:‏

‏(‏أ‏)‏ ما اشتهر عند العامة‏.‏

‏(‏ب‏)‏ ما اشتهر عند أهل العلم

فأما ما اشتهر عند العامة‏:‏ فلا حكم له؛ لأنه قد يشتهر عند العامة بعض الأحاديث الموضوعة فهذا لا عبرة به، ولا أثر لاشتهاره عند العامة، لأن العامة ليسوا أهلاً للقبول أو الرد، حتى نقول إن ما اشتهر عندهم مقبول، ولهذا نجد كثيراً من الأحاديث المشتهرة عند العامة قد ألَّف العلماء فيها مؤلفات مثل كتاب ‏(‏تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث‏)‏‏.‏
ومما اشتهر من الأحاديث عندهم ‏(‏خير الأسماء ما حِّمد وعُبِّد‏)‏ وهذا مشتهر عند العامة على أنه حديث صحيح، وهو حديث لا أصل له، ولم يصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلّم، بل قال النبي صلى الله عليه وسلّم «أحب الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن»
ومثله ‏(‏حب الوطن من الإيمان‏)‏ وهو مشهور عند العامة على أنه حديث صحيح، وهو حديث موضوع مكذوب، بل المعنى أيضاً غير صحيح بل حب الوطن من التعصب‏.
ومثله حديث ‏(‏يوم صومكم يوم نحركم‏)‏ وهو مشهور عند العامة، على أنه حديث صحيح، وهو لا أصل له‏.‏
والنوع الثاني هو المشهور عند العلماء فهذا يحتج به بعض العلماء وإن لم يكن له إسناد، ويقول‏:‏ لأن اشتهاره عند أهل العلم، وقبولهم إياه وأخذهم به، يدل على أن له أصلاً‏.‏
ومن ذلك حديث «لا يقاد الوالد بالولد» يعني لا يُقتل الوالد بالولد قصاصاً، وهو مشهور عند العلماء، فمنهم من أخذ به، وقال لأن اشتهاره عند العلماء وتداولهم إياه واستدلالهم به يدل على أن له أصلاً‏.‏
ومن العلماء من لم يعتبر بهذا‏.‏
ومنهم من فصَّل وقال‏:‏ إن لم يُخالف ظاهر النص فهو مقبول‏.‏

ثم يأتي بعد ذلك الحديث المعنعن : وهو المأخوذ بصيغة" عن " كأن يقول حدثني فلان عن فلان عن فلان . ويجب أن يكون الحديث المعنعن متصل بمن يوثق فيه فلا يكون من بينهم ما يعرف بالتدليس.

ثم الحديث المبهم وهو‏:‏ الذي فيه راو لم يسم. مثل أن يقول‏:‏ حدثني رجل، قال‏:‏ حدثني فلانٌ عن فلان عن فلان، فإننا نسمي هذا الحديث مبهماً، لأنه أُبهم فيه الراوي، وكذلك إذا قال‏:‏ حدثني الثقة فإنه أيضاً يكون مبهماً، لأننا لا ندري من هو هذا الثقة فقد يكون ثقة عند المحدث، وليس بثقة عند غيره‏.‏

ندري من هو هذا الثقة فقد يكون ثقة عند المحدث، وليس بثقة عند غيره‏.‏
وكذلك إذا قال‏:‏ حدثني من أثق به، فهذا أيضاً يكون مبهماً.
إذاً فالمبهم هو‏:‏ كل ما فيه راوٍ لم يُسم، أما ما كان الحديث فيه عن رجل لم يسمَّ مثل حديث أنسٍ - رضي الله عنه - قال‏:‏ دخل أعرابي يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلّم يخطب‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث، فالأعرابي هنا مبهم، لكنه لا يدخل في التعريف الذي معنا، لأن الأعرابي هنا لم يحدث بالحديث، ولكنه تُحدِّث عنه‏.‏
إذاً فقوله ‏(‏ما فيه راوٍ لم يُسمّ‏)‏ معناه أي‏:‏ ما كان في السند راوٍ لم يسمّ‏.‏ وحكم المبهم أن حديثه لا يُقبل، حتى يُعلم من هو هذا المبهم، وذلك لجهالتنا بحال هذا المبهم، إلا المبهم من الصحابة فإن إبهامه لا يضر

يتبع