ما هي نعمة الإسلام التي يحمد المسلمون الله عليها؟ اين هي؟ هل ترونها؟ هل انعكست على حالهم واخلاقهم وبلادهم ومعيشتهم وارتقوا بها؟
تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين
أهلاً بك يا أخي الكريم، وأحييك على صراحتك وعمق تفكيرك. سؤالك هذا سؤال ذكي جداً، وهو يتردد في أذهان الكثيرين اليوم، ومن حقك تماماً أن تطرحه، بل أنا سعيد لأنك سألت؛ فهذا يدل على عقل يبحث عن الحقيقة ويريد أن يرى ثمرة المبادئ على أرض الواقع.
أنت تسأل: أين هي نعمة الإسلام؟ ولماذا لا نراها منعكسة على حال المسلمين اليوم من رقي وتقدم؟ الخطأ الشائع يا أخي الذي يقع فيه الكثيرون عند تقييم أي دين أو مبدأ، هو الخلط بين "المبدأ" وبين "أتباع المبدأ".
دعني أضرب لك مثلاً بسيطاً وعملياً: تخيل أنني أعطيتك أحدث وأرقى سيارة في العالم (ولتكن مرسيدس أو رولز رويس)، ومعها "كتيب التشغيل" (الكتالوج) الذي يخبرك كيف تقودها وتحافظ عليها. لكن السائق كان سكراناً، أو جاهلاً بالقيادة، أو رمى الكتيب وراء ظهره وقاد السيارة بتهور فاصطدم بشجرة وحطمها. إذا جاء شخص ورأى السيارة محطمة، هل من العدل والعقل أن يلوم "الشركة المصنعة"؟ هل يقول: "انظروا إلى هذه السيارة الفاشلة؟" أم أن العاقل سيقول: "السيارة ممتازة، ولكن السائق هو الفاشل"؟
الإسلام يا أخي الكريم هو هذه "السيارة المثالية"، والقرآن والسنة هما "كتيب التشغيل". المسلمون اليوم -إلا من رحم الله- هم هذا السائق الذي ترك كتيب التشغيل، وخالف تعليمات الصانع، فاصطدم بواقع التخلف والجهل.
هل ارتقوا بها تاريخياً؟ اقرأ التاريخ ولنعد إلى الوراء قليلاً. ماذا كان حال العرب قبل الإسلام؟ كانوا قبائل متناحرة، يئدون بناتهم أحياء، يغوصون في الجهل والخرافات، يشربون الخمر، ويأكل القوي فيهم الضعيف، ولم يكن لهم أي وزن في الحضارة الإنسانية. ماذا فعلت بهم "نعمة الإسلام"؟ بمجرد أن طبقوا الإسلام بحق، تحول هؤلاء الرعاة في غضون عقود قليلة إلى قادة للعالم. أسسوا حضارة امتدت من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً. بينما كانت أوروبا تعيش في عصور الظلام، كان المسلمون رواداً في الطب، الرياضيات، الفلك، الهندسة، والعدالة الاجتماعية. إذن، الإسلام كمنهج أثبت قدرته على صناعة أرقى حضارة، فلماذا تراجعوا اليوم؟ الجواب لخصه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكلمة ذهبية حين قال: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله". لقد تراجعوا لأنهم تركوا الإسلام، لا لأنهم تمسكوا به. التخلف والفساد والظلم في بلاد المسلمين اليوم هو نتيجة "الغياب" عن الإسلام، وليس نتيجة "تطبيق" الإسلام.
أين هي نعمة الإسلام اليوم؟ هل نراها؟ نعم نراها، ولكن يجب أن نعرف ما هي النعمة الحقيقية. هل النعمة هي مجرد التطور التكنولوجي وناطحات السحاب؟ انظر إلى الدول الغربية والعلمانية المتقدمة مادياً اليوم (السويد، اليابان، أمريكا وغيرها). لديهم أفضل تكنولوجيا وأعلى دخل للفرد، ولكن اسأل نفسك: ماذا يقول الواقع الاجتماعي والنفسي؟ أعلى معدلات الانتحار، تفكك أسري مرعب، اكتئاب مزمن، عيادات الطب النفسي ممتلئة، وإدمان على الكحول والمخدرات. لقد وفروا الرفاهية للجسد، ولكن الروح جاعت واختنقت. يقول الله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا).
نعمة الإسلام الكبرى التي يحمد المسلمون الله عليها هي "الشفاء الروحي والعقلي": 1-نعمة التوحيد ومعرفة الغاية: المسلم يعرف من خلقه؟ ولماذا هو هنا؟ وإلى أين يذهب؟ هذه الإجابات التي تحير فلاسفة العالم، يمتلكها أبسط مسلم، مما يعطيه طمأنينة وسلاماً داخلياً لا يُقدر بثمن. 2-الترابط الاجتماعي: رغم الفقر وضعف الإمكانيات في كثير من بلدان المسلمين، لا تزال ترى نعمة الترابط الأسري، بر الوالدين، التكافل، والرحمة بين الجيران، وهي قيم تآكلت بشدة في المجتمعات المادية البحتة. 3-الحفظ من الانحطاط الأخلاقي: القرآن يقف سداً منيعاً أمام تدمير الفطرة الإنسانية، ويحافظ على كرامة الإنسان، ويحرم المسكرات والمخدرات والزنا، وهي الآفات التي تدمر أمماً بأكملها اليوم.
يا أخي الكريم، إذا أردت أن تحكم على الإسلام، فلا تنظر إلى أفعال المسلمين اليوم، بل انظر إلى الإسلام نفسه. اقرأ القرآن بنفسك، وتأمل في تعاليمه، وقارنها بما في الكتب الأخرى أو بالفلسفات الأرضية.
السؤال الذي أود أن أتركه بين يديك لتفكر فيه بعمق: إذا كان المنهج الذي بين أيدينا (القرآن) كاملاً ويدعو للعلم، والعدل، والنظافة، والصدق، وإتقان العمل... فهل نرفض المنهج لأن بعض أتباعه فشلوا في تطبيقه؟ أم أن العقل يقتضي أن نتبع المنهج الصحيح ونكون نحن من يطبقه بالشكل الأمثل؟
تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين
تعليق