شبهة تحريف القرآن كالأناجيل: تفكيك المغالطة وإقامة الحجة
تُطرح أحياناً شبهة مأثورة في أدب الحوار الديني مفادها: "إذا كنتم تدّعون تحريف الأناجيل لاختلاف نسخها، فقرآنكم كذلك محرّف، لأن ترجماته إلى الإنجليزية وغيرها تختلف." وهذه المقولة — على إيجازها وظاهر منطقيتها — تتضمن مغالطة منهجية جسيمة سنفككها في هذه المقالة تفكيكاً علمياً دقيقاً، مستعينين بشهادات أبرز علماء النص الكتابي المسيحيين أنفسهم، لنبيّن أن الفارق بين الحالتين ليس فارقاً درجياً بل فارقاً نوعياً جوهرياً.
إن أول ما يجب تقريره قبل الدخول في التفاصيل هو أن الدعوى الإسلامية في تحريف الأناجيل ليست مبنية على اختلاف الترجمات. هذه نقطة جوهرية لا بد من تأكيدها، لأن الشبهة تضع في أفواه المسلمين دعوى لم يقولوها ثم تحاول دحضها. المسلمون لم يقولوا يوماً إن الأناجيل محرّفة لأن ترجمتها إلى الإنجليزية أو الفرنسية تختلف. بل الدعوى أعمق من ذلك بكثير وأخطر: إنها تقول إن النص اليوناني الأصلي نفسه — اللغة التي كُتبت بها الأناجيل — قد تعرّض لتحريف مادي ملموس، بنقل وحذف وإضافة، وصلت إلى حدّ أن علماء النص المسيحيين أنفسهم لا يستطيعون اليوم أن يحددوا بيقين ما الذي كتبه المؤلف الأصلي في عشرات المواضع، فضلاً عن مئاتها وآلافها. فالقضية إذن ليست قضية ترجمة، بل هي قضية أصل فقد أو تلاعب به، وهذا بون شاسع بين الأمرين.
وإذا أردنا أن نقيم قياساً صحيحاً بين الأناجيل والقرآن في مسألة النص، فلا بد من المقارنة في نفس المستوى: الأصل بالأصل لا الترجمة بالترجمة، والمخطوطات بالمخطوطات لا الطبعات الحديثة بالطبعات الحديثة. وحين نفعل ذلك، سيتكشف الفرق المهول بين الكتابين.
التحريف في الأناجيل: تحريف في الأصل اليوناني لا في الترجمة
إقرار علماء النص الكتابي بفقدان النص الأصلي
إن أول وأهمّ ما يعترف به علماء النص الكتابي المسيحيون هو أن النص الأصلي للعهد الجديد مفقود لا يوجد منه مخطوطة واحدة. وهذا ليس كلاماً يصدر عن مسلم أو مستشرق معادٍ، بل هو الإجماع العملي لعلماء النص المسيحيين أنفسهم، ومن أنكر ذلك فقد نازع في بديهيات العلم.
يقول البروفيسور بروس متزجر (Bruce M. Metzger)، الذي يُعدّ أعظم علماء النص النيويستاكي في القرن العشرين بلا منازع، والذي يُتلى كتابه في المعاهد اللاهوتية البروتستانتية والكاثوليكية على حد سواء
"The MSS of the NT contain an exceptionally large number of variant readings... no two manuscripts are exactly alike" (A Textual Commentary on
the Greek New Testament, 2nd ed., 1994, p. 10).
أي أن المخطوطات تحتوي على عدد استثنائي كبير من القراءات المتغيرة، ولا توجد مخطوطتان متطابقتان. تأمل هذا الاعتراف: لا مخطوطتان يونانيتان متطابقتان! فإذا كان النص الأصلي محفوظاً، فكيف يُفسَّر أن كل مخطوطة تختلف عن أختها في مئات المواضع؟
أما بارت إيرمان (Bart D. Ehrman)، وهو تلميذ متزجر النجيب وأحد أبرز علماء النص اليوم، فيذهب إلى أبعد من ذلك في كتابه الشهير "Misquoting Jesus" (2005)، حيث يقول بالحرف الواحد
: "We don't have the originals! We don't have the first copies of the originals. We don't have copies of the copies of the originals. What we have are copies made later — much later. In most instances, they are copies made many centuries later. And these copies all differ from one another in lots of little ways, and often in big ways" (p. 59).
النسخ الأصلية غير موجودة، والنسخ الأولى للنسخ الأصلية غير موجودة، وما لدينا هو نسخ نُسخت بعد قرون طويلة، وهي مختلفة في كثير من الأحيان اختلافاً كبيراً.
وإذا حاول بعضهم الاعتراض على إيرمان بحجة أنه "ليبرالي"، فإليكم شهادة كورت ألاند
وهو من أشدّ المحافظين في علم النص — الذي شارك في إعداد النص النقدي المعتمد (Nestle-Aland Novum Testamentum Graece) الذي تُرجم منه معظم الأناجيل الحديثة. إن عدد المتغيرات النصية بين المخطوطات اليونانية يتجاوز 400,000 متغير، في حين أن العهد الجديد كله لا يتجاوز 138,000 كلمة!
: The Text of the New Testament, Metzger & Ehrman, 4th
ed., p. 90). :انظر)
المتغيرات أكثر من الكلمات بثلاث مرات!
إضافات كاملة لا أصل لها في أقدم المخطوطات
قد يظنّ غير المختص أن المتغيرات بين المخطوطات مجرد فروق إملائية أو اختلاف في ترتيب الكلمات. والحقيقة أن الأمر يتجاوز ذلك بكثير، فمن بين هذه المتغيرات ما يُضيف نصوصاً كاملة لم تكن في الأصل، ومنها ما يحذف مقاطع بأكملها. وهذه أمثلة يعترف بها علماء النص المسيحيون أنفسهم ولا خلاف حولها عندهم:
آية الثالوث — رسالة يوحنا الأولى 5: 7
هذه الآية هي أقوى نصّ في العهد الجديد بأكمله على عقيدة الثالوث، ونصها: "فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد." هذه الآية كانت تُستشهد بها في كل مجمع مسيحي وفي كل مناظرة لاهوتية لقرون طويلة. ثم جاء علم النص الحديث فكشف أنها لا توجد في أي مخطوطة يونانية قبل القرن الخامس عشر، باستثناء أربع مخطوطات متأخرة جداً ظهرت فيها هذه الزيادة كإضافة هامشية أُدخلت في المتن لاحقاً! يقول متزجر
: "These words are spurious and have no right to stand in the New
Testament" (A Textual Commentary, pp. 647-649).
آية ظلّت عماد الثالوث لقرون تبين أنها مزورة لا حق لها في العهد الجديد!
خاتمة إنجيل مرقس — مرقس 16: 9-20
اثنتا عشرة آية كاملة تتضمن ظهور يسوع لتلاميذه وصعوده إلى السماء وقدرة المؤمنين على حمل الحيات وشرب السم. يقول متزجر
: "The longer ending... is absent from the two oldest Greek manuscripts א and B), from the Old Latin codex Bobiensis (k), the Sinaitic Syriac manuscript, about one hundred Armenian manuscripts, and the two oldest Georgian manuscripts" (A Textual Commentary, p. 103).
أقدم وأهم المخطوطات اليونانية واللاتينية والسريانية والأرمنية والجورجية لا تتضمن هذه الآيات. والأخطر أن مخطوطة السينائية تحتوي على تعليق من الناسخ نفسه يشك في هذه الخاتمة! فلو كان الناسخ اليوناني نفسه يشك في النص الذي ينسخه، فكيف يُطلب من غيره أن يثق به؟
قصة المرأة الزانية — يوحنا 7: 53 - 8: 11
هذه القصة الشهيرة التي تُتلى في الكنائس كدليل على الرحمة والتسامح، لا توجد في أقدم وأهم المخطوطات اليونانية. يقول متزجر: "The evidence for the non-Johannine origin of the pericope of the adulteress is overwhelming" (A Textual Commentary, p. 188).
الأدلة على أن هذه القصة ليست من إنجيل يوحنا ساحقة لا تقبل الجدل. ثم إن القصة ذاتها تختلف في موضعها بين المخطوطات: فبعضها يضعها في إنجيل يوحنا، وبعضها ينقلها إلى إنجيل لوقا، وبعضها يضعها بعد يوحنا 7: 36، وبعضها بعد 7: 44، وبعضها بعد 21: 25. فإذا كانت موحى بها من الله، فكيف لا يعرف ناقلوها موضعها؟
تناقضات بين الأناجيل الأربعة في النص اليوناني الأصل
وهنا نصل إلى أخطر باب في هذه القضية: التناقضات ليست بين المخطوطات فحسب، بل بين الأناجيل نفسها في أصلها اليوناني. فالأناجيل الأربعة تنقل عن نفس الأحداث روايات يستحيل الجمع بينها منطقياً، وليس هذا من صنع المترجمين، بل هو في النص اليوناني الذي بين أيدينا اليوم.
يوم الصلب وساعته
إنجيل يوحنا (19: 14) يقول إن تسليم يسوع للصلب كان "يوم استعداد الفصح نحو الساعة السادسة" (أي قبل الفصح بيوم)، بينما إنجيل مرقس (15: 25) يقول إن الصلب كان "الساعة الثالثة" يوم الفصح نفسه. هذا تناقض في تحديد اليوم والساعة في النص اليوناني، ولا سبيل إلى الجمع بين الروايتين. يقول رايموند براون (Raymond E. Brown)، من أبرز شرّاح الآلام في القرن العشرين: "The Johannine chronology is irreconcilable with that of the Synoptics" (The Death of the Messiah, Vol. 1, p. 10).
من ذهب إلى القبر؟
متى (28: 1): مريم المجدلية ومريم الأخرى. مرقس (16: 1): مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة. لوقا (24: 10): مريم المجدلية ويونا ومريم أم يعقوب والباقيات. يوحنا (20: 1): مريم المجدلية وحدها. هل ذهبت امرأتان أم ثلاث أم أكثر أم واحدة؟ وما الذي حدث عند القبر بالضبط؟ في متى كان ملاك يجلس على الحجر، وفي مرقس شاب يجلس داخل القبر، وفي لوقا رجلان بثياب براقة، وفي يوحنا ملاكان.
كلمات يسوع الأخيرة على الصليب
في متى (27: 46): "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" في لوقا (23: 46): "يا أبتاه في يديك أستودع روحي." في يوحنا (19: 30): "قد أكمل." كلمات شخص واحد في نفس اللحظة تختلف بهذا الشكل في النص اليوناني الأصلي؟
نسب يسوع
يختلف متى (1: 1-17) عن لوقا (3: 23-38) اختلافاً جذرياً: فمتى يجعل عدّة الأجيال من داود إلى يسوع 28 جيلاً، ولوقا يجعلها 43 جيلاً. ومتى يمرّ النسب عبر سليمان بن داود، ولوقا يمرّ عبر ناثان بن داود. والأسماء مختلفة في معظم الأجيال. وقد حاول الشرّاح الجمع بين النسبين بتأويلات متعسفة — تارة يقولون أحدهما نسب يوسف والآخر نسب مريم — لكن النصين كليهما يقولان صراحة إنه نسب يوسف، ولوقا نفسه يقول: "وكان يسوع عندما ابتدأ نحو ثلاثين سنة، وهو على ما يُظنّ ابن يوسف."
ما الذي سُمع عند المعمودية؟
في متى (3: 17): "وصوت من السماوات قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت." في مرقس (1: 11): "أنت ابني الحبيب الذي به سررت." فمتى ينقل الصوت بصيغة الغائب كأنه موجه للجموع، ومرقس ينقله بصيغة المخاطب كأنه موجه ليسوع شخصياً. هذا اختلاف في النص اليوناني يغيّر المعنى تغييراً جوهرياً: فمن المخاطب بهذا القول؟
بولس: المُحرِّف الأكبر الذي لا يُذكر
ولا يمكن الحديث عن تحريف الأناجيل دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي لعبه بولس في تحويل رسالة التوحيد التي جاء بها المسيح عليه السلام إلى دين مختلف جوهرياً. بولس نفسه يعترف صراحة في رسالته إلى غلاطية (1: 11-12): "أُعلمكم أيها الإخوة الإنجيل الذي بشرّت به أنه ليس بحسب إنسان، لأنني لم أتلقّه من إنسان ولا عُلّمتُه، بل بإعلان يسوع المسيح." يعترف أن إنجيله وحي شخصي خاص به لم يتلقّه عن المسيح ولا عن تلاميذه. فما الضمان أن هذا الوحي الشخصي صادق وموافق لما جاء به المسيح؟
بل إن بولس نفسه يقول في رسالته الثانية إلى كورنثوس (11: 14): "وليس عجباً لأن الشيطان نفسه يُغيّر شكله إلى ملاك نور." فإذا كان الشيطان يستطيع أن يتشكل بملاك نور، فكيف يُؤمَن أن ما رآه بولس لم يكن من الشيطان؟
ثم إن بولس يخالف المسيح في أصول العقيدة: المسيح يقول في متى (19: 17): "لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله." فهو ينفي عن نفسه الألوهية صراحة، وبولس يجعله إلهاً متجسداً. والمسيح يقول في متى (5: 17): "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأُكمّل." وبولس ينسخ الناموس بالكامل: "لأن غاية الناموس هو المسيح للبرّ لكل من يؤمن" (رومية 10: 4). كما أن المسيحي اليوم يقرأ ترجمة لترجمة: أقوال المسيح كانت بالآرامية، ثم نُقلت إلى اليونانية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية وغيرها. فبين أيدي المسيحي إذن ترجمة لترجمة، لا كلمة الله الأصلية.
تُطرح أحياناً شبهة مأثورة في أدب الحوار الديني مفادها: "إذا كنتم تدّعون تحريف الأناجيل لاختلاف نسخها، فقرآنكم كذلك محرّف، لأن ترجماته إلى الإنجليزية وغيرها تختلف." وهذه المقولة — على إيجازها وظاهر منطقيتها — تتضمن مغالطة منهجية جسيمة سنفككها في هذه المقالة تفكيكاً علمياً دقيقاً، مستعينين بشهادات أبرز علماء النص الكتابي المسيحيين أنفسهم، لنبيّن أن الفارق بين الحالتين ليس فارقاً درجياً بل فارقاً نوعياً جوهرياً.
إن أول ما يجب تقريره قبل الدخول في التفاصيل هو أن الدعوى الإسلامية في تحريف الأناجيل ليست مبنية على اختلاف الترجمات. هذه نقطة جوهرية لا بد من تأكيدها، لأن الشبهة تضع في أفواه المسلمين دعوى لم يقولوها ثم تحاول دحضها. المسلمون لم يقولوا يوماً إن الأناجيل محرّفة لأن ترجمتها إلى الإنجليزية أو الفرنسية تختلف. بل الدعوى أعمق من ذلك بكثير وأخطر: إنها تقول إن النص اليوناني الأصلي نفسه — اللغة التي كُتبت بها الأناجيل — قد تعرّض لتحريف مادي ملموس، بنقل وحذف وإضافة، وصلت إلى حدّ أن علماء النص المسيحيين أنفسهم لا يستطيعون اليوم أن يحددوا بيقين ما الذي كتبه المؤلف الأصلي في عشرات المواضع، فضلاً عن مئاتها وآلافها. فالقضية إذن ليست قضية ترجمة، بل هي قضية أصل فقد أو تلاعب به، وهذا بون شاسع بين الأمرين.
وإذا أردنا أن نقيم قياساً صحيحاً بين الأناجيل والقرآن في مسألة النص، فلا بد من المقارنة في نفس المستوى: الأصل بالأصل لا الترجمة بالترجمة، والمخطوطات بالمخطوطات لا الطبعات الحديثة بالطبعات الحديثة. وحين نفعل ذلك، سيتكشف الفرق المهول بين الكتابين.
التحريف في الأناجيل: تحريف في الأصل اليوناني لا في الترجمة
إقرار علماء النص الكتابي بفقدان النص الأصلي
إن أول وأهمّ ما يعترف به علماء النص الكتابي المسيحيون هو أن النص الأصلي للعهد الجديد مفقود لا يوجد منه مخطوطة واحدة. وهذا ليس كلاماً يصدر عن مسلم أو مستشرق معادٍ، بل هو الإجماع العملي لعلماء النص المسيحيين أنفسهم، ومن أنكر ذلك فقد نازع في بديهيات العلم.
يقول البروفيسور بروس متزجر (Bruce M. Metzger)، الذي يُعدّ أعظم علماء النص النيويستاكي في القرن العشرين بلا منازع، والذي يُتلى كتابه في المعاهد اللاهوتية البروتستانتية والكاثوليكية على حد سواء
"The MSS of the NT contain an exceptionally large number of variant readings... no two manuscripts are exactly alike" (A Textual Commentary on
the Greek New Testament, 2nd ed., 1994, p. 10).
أي أن المخطوطات تحتوي على عدد استثنائي كبير من القراءات المتغيرة، ولا توجد مخطوطتان متطابقتان. تأمل هذا الاعتراف: لا مخطوطتان يونانيتان متطابقتان! فإذا كان النص الأصلي محفوظاً، فكيف يُفسَّر أن كل مخطوطة تختلف عن أختها في مئات المواضع؟
أما بارت إيرمان (Bart D. Ehrman)، وهو تلميذ متزجر النجيب وأحد أبرز علماء النص اليوم، فيذهب إلى أبعد من ذلك في كتابه الشهير "Misquoting Jesus" (2005)، حيث يقول بالحرف الواحد
: "We don't have the originals! We don't have the first copies of the originals. We don't have copies of the copies of the originals. What we have are copies made later — much later. In most instances, they are copies made many centuries later. And these copies all differ from one another in lots of little ways, and often in big ways" (p. 59).
النسخ الأصلية غير موجودة، والنسخ الأولى للنسخ الأصلية غير موجودة، وما لدينا هو نسخ نُسخت بعد قرون طويلة، وهي مختلفة في كثير من الأحيان اختلافاً كبيراً.
وإذا حاول بعضهم الاعتراض على إيرمان بحجة أنه "ليبرالي"، فإليكم شهادة كورت ألاند
وهو من أشدّ المحافظين في علم النص — الذي شارك في إعداد النص النقدي المعتمد (Nestle-Aland Novum Testamentum Graece) الذي تُرجم منه معظم الأناجيل الحديثة. إن عدد المتغيرات النصية بين المخطوطات اليونانية يتجاوز 400,000 متغير، في حين أن العهد الجديد كله لا يتجاوز 138,000 كلمة!
: The Text of the New Testament, Metzger & Ehrman, 4th
ed., p. 90). :انظر)
المتغيرات أكثر من الكلمات بثلاث مرات!
إضافات كاملة لا أصل لها في أقدم المخطوطات
قد يظنّ غير المختص أن المتغيرات بين المخطوطات مجرد فروق إملائية أو اختلاف في ترتيب الكلمات. والحقيقة أن الأمر يتجاوز ذلك بكثير، فمن بين هذه المتغيرات ما يُضيف نصوصاً كاملة لم تكن في الأصل، ومنها ما يحذف مقاطع بأكملها. وهذه أمثلة يعترف بها علماء النص المسيحيون أنفسهم ولا خلاف حولها عندهم:
آية الثالوث — رسالة يوحنا الأولى 5: 7
هذه الآية هي أقوى نصّ في العهد الجديد بأكمله على عقيدة الثالوث، ونصها: "فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد." هذه الآية كانت تُستشهد بها في كل مجمع مسيحي وفي كل مناظرة لاهوتية لقرون طويلة. ثم جاء علم النص الحديث فكشف أنها لا توجد في أي مخطوطة يونانية قبل القرن الخامس عشر، باستثناء أربع مخطوطات متأخرة جداً ظهرت فيها هذه الزيادة كإضافة هامشية أُدخلت في المتن لاحقاً! يقول متزجر
: "These words are spurious and have no right to stand in the New
Testament" (A Textual Commentary, pp. 647-649).
آية ظلّت عماد الثالوث لقرون تبين أنها مزورة لا حق لها في العهد الجديد!
خاتمة إنجيل مرقس — مرقس 16: 9-20
اثنتا عشرة آية كاملة تتضمن ظهور يسوع لتلاميذه وصعوده إلى السماء وقدرة المؤمنين على حمل الحيات وشرب السم. يقول متزجر
: "The longer ending... is absent from the two oldest Greek manuscripts א and B), from the Old Latin codex Bobiensis (k), the Sinaitic Syriac manuscript, about one hundred Armenian manuscripts, and the two oldest Georgian manuscripts" (A Textual Commentary, p. 103).
أقدم وأهم المخطوطات اليونانية واللاتينية والسريانية والأرمنية والجورجية لا تتضمن هذه الآيات. والأخطر أن مخطوطة السينائية تحتوي على تعليق من الناسخ نفسه يشك في هذه الخاتمة! فلو كان الناسخ اليوناني نفسه يشك في النص الذي ينسخه، فكيف يُطلب من غيره أن يثق به؟
قصة المرأة الزانية — يوحنا 7: 53 - 8: 11
هذه القصة الشهيرة التي تُتلى في الكنائس كدليل على الرحمة والتسامح، لا توجد في أقدم وأهم المخطوطات اليونانية. يقول متزجر: "The evidence for the non-Johannine origin of the pericope of the adulteress is overwhelming" (A Textual Commentary, p. 188).
الأدلة على أن هذه القصة ليست من إنجيل يوحنا ساحقة لا تقبل الجدل. ثم إن القصة ذاتها تختلف في موضعها بين المخطوطات: فبعضها يضعها في إنجيل يوحنا، وبعضها ينقلها إلى إنجيل لوقا، وبعضها يضعها بعد يوحنا 7: 36، وبعضها بعد 7: 44، وبعضها بعد 21: 25. فإذا كانت موحى بها من الله، فكيف لا يعرف ناقلوها موضعها؟
تناقضات بين الأناجيل الأربعة في النص اليوناني الأصل
وهنا نصل إلى أخطر باب في هذه القضية: التناقضات ليست بين المخطوطات فحسب، بل بين الأناجيل نفسها في أصلها اليوناني. فالأناجيل الأربعة تنقل عن نفس الأحداث روايات يستحيل الجمع بينها منطقياً، وليس هذا من صنع المترجمين، بل هو في النص اليوناني الذي بين أيدينا اليوم.
يوم الصلب وساعته
إنجيل يوحنا (19: 14) يقول إن تسليم يسوع للصلب كان "يوم استعداد الفصح نحو الساعة السادسة" (أي قبل الفصح بيوم)، بينما إنجيل مرقس (15: 25) يقول إن الصلب كان "الساعة الثالثة" يوم الفصح نفسه. هذا تناقض في تحديد اليوم والساعة في النص اليوناني، ولا سبيل إلى الجمع بين الروايتين. يقول رايموند براون (Raymond E. Brown)، من أبرز شرّاح الآلام في القرن العشرين: "The Johannine chronology is irreconcilable with that of the Synoptics" (The Death of the Messiah, Vol. 1, p. 10).
من ذهب إلى القبر؟
متى (28: 1): مريم المجدلية ومريم الأخرى. مرقس (16: 1): مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة. لوقا (24: 10): مريم المجدلية ويونا ومريم أم يعقوب والباقيات. يوحنا (20: 1): مريم المجدلية وحدها. هل ذهبت امرأتان أم ثلاث أم أكثر أم واحدة؟ وما الذي حدث عند القبر بالضبط؟ في متى كان ملاك يجلس على الحجر، وفي مرقس شاب يجلس داخل القبر، وفي لوقا رجلان بثياب براقة، وفي يوحنا ملاكان.
كلمات يسوع الأخيرة على الصليب
في متى (27: 46): "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" في لوقا (23: 46): "يا أبتاه في يديك أستودع روحي." في يوحنا (19: 30): "قد أكمل." كلمات شخص واحد في نفس اللحظة تختلف بهذا الشكل في النص اليوناني الأصلي؟
نسب يسوع
يختلف متى (1: 1-17) عن لوقا (3: 23-38) اختلافاً جذرياً: فمتى يجعل عدّة الأجيال من داود إلى يسوع 28 جيلاً، ولوقا يجعلها 43 جيلاً. ومتى يمرّ النسب عبر سليمان بن داود، ولوقا يمرّ عبر ناثان بن داود. والأسماء مختلفة في معظم الأجيال. وقد حاول الشرّاح الجمع بين النسبين بتأويلات متعسفة — تارة يقولون أحدهما نسب يوسف والآخر نسب مريم — لكن النصين كليهما يقولان صراحة إنه نسب يوسف، ولوقا نفسه يقول: "وكان يسوع عندما ابتدأ نحو ثلاثين سنة، وهو على ما يُظنّ ابن يوسف."
ما الذي سُمع عند المعمودية؟
في متى (3: 17): "وصوت من السماوات قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت." في مرقس (1: 11): "أنت ابني الحبيب الذي به سررت." فمتى ينقل الصوت بصيغة الغائب كأنه موجه للجموع، ومرقس ينقله بصيغة المخاطب كأنه موجه ليسوع شخصياً. هذا اختلاف في النص اليوناني يغيّر المعنى تغييراً جوهرياً: فمن المخاطب بهذا القول؟
بولس: المُحرِّف الأكبر الذي لا يُذكر
ولا يمكن الحديث عن تحريف الأناجيل دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي لعبه بولس في تحويل رسالة التوحيد التي جاء بها المسيح عليه السلام إلى دين مختلف جوهرياً. بولس نفسه يعترف صراحة في رسالته إلى غلاطية (1: 11-12): "أُعلمكم أيها الإخوة الإنجيل الذي بشرّت به أنه ليس بحسب إنسان، لأنني لم أتلقّه من إنسان ولا عُلّمتُه، بل بإعلان يسوع المسيح." يعترف أن إنجيله وحي شخصي خاص به لم يتلقّه عن المسيح ولا عن تلاميذه. فما الضمان أن هذا الوحي الشخصي صادق وموافق لما جاء به المسيح؟
بل إن بولس نفسه يقول في رسالته الثانية إلى كورنثوس (11: 14): "وليس عجباً لأن الشيطان نفسه يُغيّر شكله إلى ملاك نور." فإذا كان الشيطان يستطيع أن يتشكل بملاك نور، فكيف يُؤمَن أن ما رآه بولس لم يكن من الشيطان؟
ثم إن بولس يخالف المسيح في أصول العقيدة: المسيح يقول في متى (19: 17): "لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله." فهو ينفي عن نفسه الألوهية صراحة، وبولس يجعله إلهاً متجسداً. والمسيح يقول في متى (5: 17): "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأُكمّل." وبولس ينسخ الناموس بالكامل: "لأن غاية الناموس هو المسيح للبرّ لكل من يؤمن" (رومية 10: 4). كما أن المسيحي اليوم يقرأ ترجمة لترجمة: أقوال المسيح كانت بالآرامية، ثم نُقلت إلى اليونانية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية وغيرها. فبين أيدي المسيحي إذن ترجمة لترجمة، لا كلمة الله الأصلية.

تعليق