بولس الطرسوسي رسولٌ أم مُحرِّف؟
قراءة نقدية في ضوء العقل والنص والتاريخ
بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد...
يتناقل بعض المسيحيون: "كيف تنتقد بولس وقرآنكم نفسه يعترف به رسولاً؟ بل إن نبيّكم محمداً نقل كلامه في أحاديثه!" ويقولون هذا بثقة واطمئنان، كأن المسألة قد حُسمت ولا يبقى فيها مجال للنقاش.
الرد الصارم على كل ادعاءاتهم:
"نبيّكم نقل كلام بولس!" هل هذا ممكن أصلاً؟
يقول أصحاب هذه الدعوى إن الحديث القدسي الذي يقول فيه النبي ﷺ: "أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر" هو في حقيقته اقتباسٌ من رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس، ويرون في هذا التشابه دليلاً على أن محمداً ﷺ كان يستقي من الكتب المسيحية. وهذه دعوى تبدو جريئة حتى تسألهم سؤالاً واحداً بسيطاً: هل تعلمون أن النبي محمداً ﷺ كان رجلاً أُمِّياً لا يقرأ ولا يكتب؟
القرآن الكريم نفسه يقول: "الذين يتبعون الرسول النبي الأُمِّي" (الأعراف: 157). ولم ينكر هذه الحقيقة أحدٌ من أعداء النبي ﷺ طوال حياته، وكانوا كُثراً وكانوا يتربصون به. فإذا قبلنا هذا وهو واقعٌ تاريخي ثابت فنسأل: من أين يقتبس رجلٌ أُمّي لا يقرأ حرفاً واحداً من نصوص مكتوبة؟ ومن كان مترجمه؟ وأين ذُكر هذا المترجم في كتب السيرة والتاريخ التي تناقلت أدق تفاصيل حياته ﷺ؟
والأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يزداد إحكاماً. فرسائل بولس لم تُكتب بالعربية أصلاً، بل كُتبت باللغة اليونانية. ولم تكن ترجمة عربية للأناجيل أو الرسائل موجودةً في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي. فكيف وصلت هذه النصوص اليونانية إلى رجل عربي أُمّي في مكة المكرمة؟ ما هو المسار الذي سلكته؟ لا جواب عند أصحاب هذه الدعوى إلا الصمت أو التخمين.
والحقيقة الأبسط من كل هذا أن هذا المعنى وصف ما أعده الله لعباده الصالحين موجودٌ في سفر إشعياء 64:4 قبل بولس بسبعة قرون: "ما لم يُبصر ولم يسمع ولم يخطر على قلب إنسان". فإذا كان المعنى أقدم من بولس نفسه، وهو في كتابكم الذي تؤمنون به، فلماذا تنسبونه إلى بولس وتتهمون النبي ﷺ بالاقتباس منه؟ أم أن بولس هو من اقتبس من إشعياء ثم جاءكم النبي ﷺ بالوحي فتطابق مع إشعياء؟ المعنى وحيٌ إلهي، والوحي يتشابه لأن مصدره واحد.
"قرآنكم يعترف ببولس رسولاً!" هل قرأتم التفسير بأمانة؟
يستشهدون بآية سورة يس وبما نقله المفسر ابن كثير من أن اسم الرسول الثالث الذي أُرسل إلى أنطاكية كان "بولص"، ويفرحون بهذا فرحاً كبيراً كأنهم وجدوا كنزاً. ونحن نقول لهم: نعم، قرأنا ابن كثير، لكن هل قرأتموه بأمانة؟
ما نقله ابن كثير في تفسيره هو روايات يُسميها أهل العلم "الإسرائيليات"، أي روايات نقلها المفسرون المسلمون من مصادر يهودية ومسيحية حين تحدثوا عن قصص الأنبياء والأمم السابقة. وهذه الروايات لا يُقرّها العلماء على إطلاقها، وقاعدة أهل العلم فيها صريحة لا لبس فيها: "لا نُصدّقها ولا نُكذّبها". وابن كثير نفسه لم يجزم بها بل نقلها من باب الاستئناس لا الاحتجاج.
والدليل القاطع على أن القرآن لا يعترف ببولس رسولاً معتمَداً هو أن القرآن الكريم لم يذكر اسمه صراحةً في أي موضع من مواضعه. وقد ذكر القرآن موسى وعيسى وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويونس وداود وسليمان عليهم الصلاة والسلام وكثيرين غيرهم بأسمائهم الصريحة الواضحة. فلو كان بولس رسولاً معترفاً به في الإسلام لذُكر باسمه كما ذُكر غيره. والصمت القرآني عن بولس ليس اعترافاً به، بل هو على العكس أبلغ من الكلام.
بل انظروا إلى الرواية ذاتها التي تستشهدون بها! تقول إن هؤلاء الرسل جاؤوا إلى أهل أنطاكية يقولون لهم: "يأمركم بعبادته وحده لا شريك له". فإذا كان بولس في الرواية جاء يدعو إلى توحيد الله وحده، فهذا يناقض تماماً ما تعلّمناه من رسائل بولس الفعلية التي تُؤلّه المسيح وتُقرّر لاهوته! أفتستشهدون بروايةٍ تدمر حجتكم من داخلها؟

تعليق