الرد على السؤال رقم 15: جاء في سورة الأنفال 60 ... " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ "
وأَخَذَ الناقد من تفسير البيضاوي بعضَ ما قالَه في تفسيرِ الآية ... وهي تأمرُ المسلمينَ بإِعدادِ كلّ ما استطاعوا إعدادَه من قوةٍ وسلاحٍ لمواجهةِ أَعداءِ اللهِ وأَعدائِهم ... ومنْعِ عدوانِهم.
والناقد يسأل: كيف يأمر القرآن بحمل السلاح والاستعداد للغزو والفتح في سبيل الدين ... فتُزهَق أرواح البشر وتُنهَب الأموال في سبيل الدين وقهر الناس على قبوله ؟؟؟ إن السيف هو حجَّة الذي لا يحتمل المناظرة !!!
يجب أن نقرأ الآية التي ذكرها الناقد ولكن بعد وصلها مع الآية التي بعدها حتى يكتمل السياق ... ونقرأ أيضاً ما ورد في تفسير الشعراوي بخصوص ذلك ...
§ " فالقصد إذن من إعداد هذه القوة هو إرهاب العدو حتى لا يطمع فيكم ... لأن مجرد الإعداد للقوة ... هو أمر يسبب رهبا للعدو ... ولهذا تقام العروض العسكرية ليرى الخصم مدى قوة الدولة ... وحين تبين لخصمك القوة التي تملكها لا يجترئ عليك ... ويتحقق بهذا ما نسميه بلغة العصر «التوازن السلمي» ... والذي يحفظ العالم الآن بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ... هو التوازن السلمي بين مجموعات من الدول ... بالإضافة إلى العامل الاقتصادي المُكْلف للحرب ... فالقوة الآن لا تقتصر على السلاح فقط ... ولكن تعتمد القوة على عناصر كثيرة منها الاقتصاد والإعلام وغيرهما ... وصار الخوف من رد الفعل أحد الأسباب القوية المانعة للحرب ... وكل دولة تخشى مما تخفيه أو تظهره الدولة الأخرى ... وهكذا صار إعداد الدول للحرب ... يمنع قيام الحرب فعلياً ...
§ على أن الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نأخذ طريق العدل وليس طريق الافتراء ... لذلك ينهانا الله عز وجل أن نتخذ من استعدادنا للحرب ذريعة للاعتداء على خلق الله ... فما دام لدينا استطاعة وأعددنا قوتنا وأسلحتنا فليس معنى ذلك أن نصاب بالغرور ونجترئ على خلق الله ... ولهذا فإن الله عز وجل ينبهنا (في الآية التي بعدها أي رقم 61) إلى ذلك بقوله: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ...}.
§ أي أن الله لم يطالبنا بأن نكون أقوياء لنفتري على غيرنا ... فهو لا يريد منا إعداد القوة للاعتداء والعدوان ... وإنما يريد القوة لمنع الحرب ليسود السلام ويعم الكون ... لـذلك ينهانا سبحانه وتعالى أن يكون استعدادنا للقتال وسيلة للاعتداء على الناس والافتراء عليهم ... ولهذا فإن طلب الخصم السّلْمَ والسلام صار لزاما علينا أن نسالمهم ... وإياك أن تقول: إن هذه خديعة وإنهم يريدون أن يخدعونا ... لأنك لا تحقق شيئا بقوتك ... ولكن بالتوكل على الله عز وجل والتأكد أنه معك ... والله عز وجل يريد الكون متساندا لا متعاندا ... وهو سبحانه وتعالى يطلب منك القوة لترهب الخصوم ... لا لتظلمهم بها فتقاتلهم دون سبب.
ولنلحظ أن قول الحق تبارك وتعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم}الأنفال 61 ... هذا القول إنما جاء بعد قوله تعالى ... {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}الأنفال 60 ... وهي آية تحض على الاستعداد للقتال بإعداد العدة له.
§ ويريد الحق تبارك وتعالى أن ينبهنا إلى قوة المؤمنين واستعدادهم الحربي يجب ألا يكونا أداة للطغيان ... ولا للقتال لمجرد القتال ... ولذلك ينبهنا سبحانه وتعالى إلى أنهم لو مالوا إلى السلم فلا تخالفهم وتصر على الحرب ... لأن الدين يريد سلام المجتمع ... والإسلام لا ينتشر بالقوة وإنما ينتشر بالإقناع والحكمة ... فلا ضرورة للحرب في نشر الإسلام ... لأنه هو دين الحق الذي يقنع الناس بقوة حجته ويجذب قلوبهم بسماحته ... وكل ذلك لشحن مدى قوة الإيمان ... لنكون على أهبة الاستعداد لملاقاة الكافرين ... ولكن دون أن تبطرنا القوة أو تدعونا إلى مجاوزة الحد ... فإن مالوا إلى السلم علينا أن نميل إلى السلم ... لأن الله سبحانه وتعالى يريد سلامة المجتمع الإنساني " ... انتهى تفسير الشعراوي.
§ إن من العجيب أن الناقد بكلامه هذا يريد أَنْ يُوَجِّهَ المسلمين إِلى عدم حَمْلِ السِّلاحِ لقتالِ المعتدين والمحاربين، الطّامعين في بلادِ المسلمين وأَموالِهم ... ويُريدُ سيادته أَنْ يُواجِهَ المسلمونَ العُدوان بالاستسلام والخضوع ... والحربَ بالسَّلام ... وإِذا ما قاتَلَهم أَعداؤُهم كَفّوا أَيديهم عنهم !!! وعلى القرآنِ أَنْ يَكونَ كتابَ محبة ... يأمُرُ المسلمين بفتْحِ قُلوبِهم وأَيدِيهم وتقديم ارواحهم وممتلكاتهم وبلادهم وهم خاضعين للمعتدين عليهم !!! وهذا ينكره بالطبع أي عاقل ولا يتفق مع المنطق !!! إِنَّ أَيةَ أُمةٍ مهما كان دينُها تَقفُ أَمامَ أعدائِها الطامعين فيها، والمحاربينَ لها ... لَأَنَّ الدفاعَ عن النفسِ والمالِ والأَرض، وصَدَّ عُدوانِ المعتدين، فطرةٌ إِنسانية، فَطَرَ اللهُ الناسَ عليها، ولا تبديلَ لهذه الفطرة.
§ إن المدقق في الفاظ الآية سيجد أن إعداد القوة بهدف " تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ " الأنفال 60 ... هو " لتخيفوا بهذا الإعداد والرباط عدو اللَّه وعدوكم من الكفار المتربصين بكم الدوائر " تفسير المنتخب ... وأيضاً: " وهذا ما يعرف بالسلم المسلح ... وهو أن الأمة إذا كانت مسلحة قادرة على القتال يرهبها أعداؤها فلا يحاربونها ... وإن رأوها لا عدة لها ولا عتاد ولا قدرة على رد أعدائها أغراهم ذلك بقتالهم فقاتلوها " أيسر التفاسير ...
§ وفضلاً عما ذكرنا فإن الآية لم تقل " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تعتدون بها أو تقتلون بها عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ " ... والآية لم تقل: " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بها الناس أو المسالمين أو ... " بل قالت: " تُرْهِبُونَ بها عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ " الأنفال 60 ...
§ ولكن هل يسمح الإسلام بأن تتحول مرحلة الاعداد بالقوة الى مرحلة بدء المسلمين الحرب والعدوان على غيرهم ؟؟؟ وهل الحرب في الإسلام هي دائماً حرباً دفاعية ؟؟؟ الإجابة تجدها في قوله تعالى ... " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " البقرة 190 ... إن الأصل في علاقة المسلمين مع غيرهم طبقا لما ورد في شريعتهم هو السلام والموادعة ... وكيف ؟؟؟ يقول الله عز وجل " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " الممتحنة 8
§ وبالفعل السيف هو حجَّة الذي لا يحتمل المناظرة ... والسيف قد يفتح بلداً ولكنه لا يفتح قلباً ... والمسلمون مأمورون بالدعوةِ إِلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة ... قال تعالى " ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ "النحل 125 ... فهذا هو الأَصلُ في الدعوةِ إلى الله.
§ ولو كان القرآن كما ادعى الناقد أمر بحمل السلاح والاستعداد للغزو والفتح في سبيل الدين لقهر الناس على قبول الإسلام ... لما رأينا اليوم ما يزيد عن مليار ونصف مسلم في مشارق الأرض ومغاربها أي حوالي ربع سكان كوكب الأرض ... لأن لا سيف حالياً يجبرهم ويقهرهم على البقاء على إسلامهم !!! فكان من المنطق أن يترك هؤلاء جميعاً الإسلام ويعودوا إلى ما كان عليه آباؤهم (قبل إسلامهم بالسيف لو صح ذلك !!!) أو حتى يتحولوا إلى ديانة أخرى ... الأمر الذي لم يحدث ولم نسمع عنه إطلاقاً ...
§ ولكننا نجد العكس تماماً ... نرى المشرق والمغرب يتحدون على مدار العصور على محاربة الإسلام (وعلى سبيل المثال لا الحصر الحروب الصليبية الأولى / والثانية في عهد جورج بوش ...) لإخراج المسلمين من إسلامهم ... وبالرغم من ذلك نجد أن الإسلام باق وشامخ ... بل هو الآن أسرع الديانات انتشارا حالياً في البلاد الصليبية أي في أوربا وأمريكا ... وذلك بالطبع دون الحاجة الى أي سيف ولا مدفع ... ادخل الرابط :
§ ولا ندرى كيف يعيب الناقد على القرآن الكريم دعوة المسلمين لإعداد القوة اللازمة لردع من يطمع فيهم من الأعداء ... وفى الوقت نفسه يأمرهم بعدم الاعتداء على أحد ... ويغفل سيادته عن قراءة أوامر الرب لموسى عليه السلام التي وردت في سفر التثنية 13: 15-16 بقتل وحرق كل ما في المدينة حتى البهائم التي لا ذنب لها في شيء !!! حيث يقول النص: " فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف ... وتحرقها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف ... تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة ... وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك ... فتكون تلا إلى الابد لا تبنى بعد. "
والله تعالى أعظم وأعلم
يتبع بإذن اللــــه وفضله
يتبع بإذن اللــــه وفضله

تعليق