إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

"رسائل قصيرة" د/راغب السرجاني

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • "رسائل قصيرة" د/راغب السرجاني



    1- حتى يغيروا ما بأنفسهم

    أحيانًا لا يأخذ اللهُ عز وجل بعضَ الظالمين بسرعة كما يتمنَّى المظلومون؛ لأن المظلومين -وإن كانوا مؤمنين- فإنهم يرتكبون أخطاءً غير مقبولة شرعًا؛ خاصة إن كانوا يُمَثِّلون الإسلام، فلو رفع اللهُ سبحانه الظلمَ؛ فإن الناس يعتقدون أنَّ طريقة المظلومين كانت صائبة، وهي ليست كذلك، فيكون الأمر فتنة لهم، وتعريفًا خاطئًا بالإسلام، وسيبقى المظلومون على مخالفاتهم الشرعية، وهذا يضرُّهم في الدنيا والآخرة.

    وحَلُّ المُعضلة يكون بمراجعة المظلومين لأحوالهم على الكتاب والسُّنَّة؛ فإن كانوا على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الظلم الواقع بهم يكون ابتلاءً يحتاج للصبر، وإن كانوا على غير طريقته صلى الله عليه وسلم عَدَّلوا المسار، وعادوا إلى الله، وعندها يُغَيِّر اللهُ الحالَ بكُن فيكون.

    وقد ربط اللهُ عز وجل تغييره سبحانه للأحوال بتغيير الناس لأنفسهم، فلو عادوا إليه أنعم عليهم، ولو بَعُدوا عنه سحب منهم النعمة؛ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11].
    قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

    قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

    قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

  • #2



    2-لَعِبٌ وَلَهْوٌ

    لا ينبغي لحملة المنهج الإسلامي أن تكون طريقتهم في تشجيع الناس على اختيارهم قادةً لهم أن يُجَمِّلوا لهم شكل "الدنيا" معهم! فالمنطَلق الذي كان يتحدَّث به الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس جميعًا -سواء في زمن مكة أو المدينة- هو تزهيدهم في الدنيا، وتحقير شأنها وقيمتها، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يُكثِر من ترغيب الناس في الإسلام بهدف الحصول على حياة أرغد، بأموال أكثر، ورفاهية أكبر، ومتاع أوسع.

    إنَّ المنطلق الواضح الذي كان يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أننا نُريد أن نجعل همَّنا الأول هو الآخرة، فإذا فعلنا فإنَّ الله سيعطي "لبعضنا" الدنيا، وسيكون ابتلاءُ مَنْ أخذها كبيرًا، وينبغي لآخِذِها أن يحذر منها.

    ولهذا لا ينبغي بحال أن يكون مطلبنا الأول هو الدنيا، ولا أن نخاطب الناس بهذه اللغة؛
    ونحن نتعلل بأن الناس تريد ذلك، فالأهم هو ما يُريده الله عز وجل لا ما يريده الناس، ولو انشغلنا في تجميل الدنيا للناس كنا كمن يلعب ويلهو ويترك واجبه وعمله، وليست هذه حياة العقلاء! قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32].
    قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

    قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

    قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

    تعليق


    • #3



      3- قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ



      قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

      قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

      قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

      تعليق


      • #4




        4- وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ

        قد يفهم بعض الناس من انكسار المؤمنين في موقف أو جولة أنهم أدنى من عدوِّهم منزلةً، أو أقلُّ منهم قيمة، ولكن هيهات!

        فالمؤمن هو المؤمن حتى لو تعرَّض لصدمات وانكسارات، ولقد رأينا القرآن الكريم يصف المؤمنين الذين تسبَّبُوا في مصيبة أحد بأنهم هم الأعلى، وينهاهم عن الشعور بالضعف أو الخيبة؛ فهم أعظم من عدوِّهم حتى لو أثخنهم عدوُّهم بالجراح!

        قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139].


        وليس العلوُّ المقصود في الآية هو علو السلطان والتمكين، ولا علو المال والأملاك، ولا علو الكثرة والغلبة، إنما هو مُتَعَلِّق -كما وصف الله عز وجل- بقوَّة إيمان المؤمنين؛ قال تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، فينبغي للمؤمن أن ينظر في لحظات الانكسار والمصيبة إلى ما منحه اللهُ عز وجل مِن نِعَمٍ حَرَمَها الظالمين الذين تغلَّبوا عليه في جولة..


        فلقد منح الله المؤمن قدرةً على أن يرفع يده بالدعاء إليه؛ بينما يلجأ الظالمون إلى سادتهم من البشر..
        ولقد أعطى الله المؤمن دستورًا نقيًّا لا يأتيه الباطل أبدًا؛ بينما يتخبَّط الظالمون في الضلالات والأوهام..


        ولقد رزق الله المؤمن صحبةً تُحِبُّه في الله وتُعاونه من أجل إرضائه سبحانه؛ بينما لا يعرف الناسُ الظالمين ولا يتقرَّبون إليهم إلا من أجل مصالح الدنيا، فإن ذهبت المصالح انهارت العلاقات وتقطَّعت الأوصال..


        ولقد منح الله المؤمن اطمئنانًا في قلبه بذكره سبحانه؛ بينما الظالمون غافلون مضطربون لا يذكرون الله إلا قليلًا..


        ولقد وهب الله المؤمن إيمانًا جازمًا أن هناك يومًا سيُحَاسِب فيه سبحانه وتعالى عباده حسابًا دقيقًا، فينتصر للمظلوم ويُثيبه الجنة، وينتقم من الظالم ويرديه في جهنم؛ بينما الظالم لا يضع هذا اليوم في حساباته أبدًا؛ قال تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى:7].


        إن استحضار مثل هذه المعاني كفيل بإخراج المؤمن من حزنه وشعوره بالضعف؛ ولهذا قال تعالى في الآية نفسها: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا}، وتصبح مهمة المؤمن الأولى في وقت مصابه وألمه أن يرفع من درجة إيمانه، وهي مهمة جليلة لا يمكن أن يحول بينها وبينه ظالم، فلله الحمد والمنَّة.


        ولكن ينبغي الحذر في ظلِّ هذه الروح العالية من الإصابة بمرض الكِبْر، فإنه يُعْمي البصيرة، وغالبًا ما يقود إلى أزمات وكوارث، خاصة إذا أُصيب به القادة أو العلماء، فاللهم احفظنا من أمراض القلوب.
        قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

        قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

        قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

        تعليق


        • #5




          5- أَكثر الناسِ





          دائمًا تأتي الكثرة في القرآن الكريم مذمومة! فالكثرة -بوصف رب العالمين- جاحدة جاهلة غير مؤمنة؛ قال تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [غافر: 61]، وقال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]، وقال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ}[غافر: 59]، ودائمًا هم يُريدون الابتعاد عن طريق الله، والتحرُّر من قيود الشريعة والدين؛ قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ}[الأنعام: 116].


          وهذا ليس فقط للحديث عن المؤمنين والكافرين في الأرض، ولكن للحديث كذلك عن المسلمين أنفسهم؛ فالمؤمنون الحريصون في كل خطواتهم على إرضاء رب العالمين، والمستعدُّون للبذل والتضحية من أجل الإسلام هم في الواقع قليلون،
          ولقد قال الله عز وجل في كتابه: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، وقال: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24].


          ولهذا كله فإنَّ المعتاد في الأرض أنَّ الأغلبية لا تريد الالتزام بقواعد الدين وأحكامه؛ ومن ثمَّ فإن المتوقَّع أن الأكثرية لن تختار الدعوات الدينية التي تنادي بتطبيق الشريعة والالتزام بحدود الإسلام، ولو حدث واختارتهم مرَّة فإن هذا سيكون "لظنهم" أن الدنيا ستكون معهم.


          فإذا تبيَّن للأكثرية أن "الدنيا" ليست معهم إنما مع غيرهم تركوهم بسرعة إلى مَنْ يمتلك الدنيا بشكل أكبر، وهذا هو الذي يحدث في العالم أجمع؛ حيث تحرص الأغلبية على اختيار من يُوفِّر لها رفاهية أكبر بصرف النظر عن أخلاقياته أو دينه.


          وعليه فإنه يتحتَّم على حملة أمانة الدين أن يبحثوا عن آليات أخرى لتحقيق ما يصبون إليه من أحلام، وأن يكفُّوا عن الحديث عن "شرعية الأغلبيةلأن الأغلبية لن تكون معهم في الواقع إلا بشكل عابر ومؤقت، ولن يدعموا الإسلام إلا إذا التقت مصالحهم معه.


          ولْيعرف الجميع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُشَيِّد دولته في المدينة معتمدًا على أغلبية الشعب، إنما اعتمد على المهاجرين والأنصار فقط، وكانوا معًا أقل من عشرة بالمائة من شعب المدينة!


          إننا نحتاج لقراءة جديدة للقرآن الكريم والسيرة النبوية، كما نحتاج بشكل حاسم إلى قراءة الواقع الذي نعيش فيه!
          قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

          قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

          قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

          تعليق


          • #6



            6- مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً

            تأتي التكاليف الشرعية دومًا متوافقة مع الطاقة البشرية للعبد، فالله عز وجل يقول: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقد ذَمَّ الله النصارى لأنهم فرضوا على أنفسهم ما لم يكلفهم الله به؛ قال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27]، وتكون النتيجة دومًا هو عدم القدرة على التطبيق؛ قال تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27].

            ولذلك وجب على حملة المنهج الإسلامي أن يدرسوا الشريعة جيدًا قبل أن يأخذوا موقفًا من المواقف، التي يعتقدون فيها أنهم يقومون بتضحية كبيرة من أجل الدين؛ بينما هم في الواقع يفرضون على أنفسهم ما لم يفرضه الله عليهم في مثل هذا الموقف، وتكون الكارثة أكبر عندما يقعون في مخالفات شرعية -قد تكون جسيمة- من أجل تنفيذ ما لم يُفْرَض عليهم أصلاً، فكانوا كمن يُجاهد في زمن مَنَعَ اللهُ فيه الجهادَ كزمن مكة مثلاً، أو كانوا كالفقير الذي يستدين ويُثقل كاهله وكاهل وَرَثَتِه، أو يمنع أهله قُوتَهم الضروري، وقد يكذب ويغش ويُزَوِّر، وقد يَعِد ويُخْلِف، كل ذلك من أجل أن يقوم بأداء فريضة الحجِّ، مع أن الله لم يفرضها إلا على المستطيع، وهو ليس كذلك! قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97].
            قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

            قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

            قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

            تعليق


            • #7



              7- لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا

              لن يتَّفق البشر جميعًا على رأي واحد أبدًا، ولن يجتمعوا في يوم على توصيف الحقِّ والباطل، أو تحديد الصواب والخطأ؛ فالمشارب مختلفة، والمناهج متعدِّدة؛ وذلك على كل المستويات؛ الكبير منها والصغير؛ ومن ثَمَّ فالاختلاف متوقَّع بين الشعوب المختلفة، وكذلك بين أفراد الشعب الواحد؛ بل وبين أتباع الدين الواحد، حتى داخل الأسرة الواحدة.

              إنَّ هذه هي سُنَّة الحياة؛ ولهذا يُعَلِّمنا ربنا منهج التحاور الأمثل في مثل هذه الأجواء؛ فيقول سبحانه وتعالى على لسان المؤمنين: {قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 25-26].

              إنَّ غاية الحوار الكبرى أن يعرف غيري رأيي، وأن أعرف رأي غيري، وبألطف وسيلة ممكنة؛ ولذلك لم يكن هناك مانع في الآية أن ينسب اللهُ "الجُرْمَ" للمتحدِّث {لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا}، ويَنسبَ "العمل" للآخرين{وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، مع أن المتحدِّث في الآية هم المؤمنون، والمتحدَّث إليه هم الكافرون؛ ولكنه في النهاية أسلوب متلطِّف لعرض وجهات النظر حتى في الأمور العقائدية الكبرى، ثم سيكون هناك يوم يجمع الله فيه الخلائق فيحكم بينهم بالحقِّ المطلق الذي لا ريب فيه.


              إنني أقول هذا الكلام وفي قلبي حسرة على ما أراه أحيانًا من ردود أفعال عنيفة على ما أعرضه من رأيٍ في قضايا عامَّة أو خاصَّة، وكثيرًا ما تكون كلمات المعترضين خارجة عن حدود اللياقة، ويبدو فيها نقص علم كبير، وعدم دراية بالسيرة النبوية، ومع ذلك فنحن نقبل في موقعنا "قصة الإسلام" بنشر هذه الآراء المخالفة لإثراء الساحة، وعدم ممارسة الإرهاب الفكري.

              إننا نعاني منذ ما يُسَمَّى بالربيع العربي من انهيار كبير في أخلاقيات التحاور، فلا أحد يُريد أن يسمع إلا ما يدعم رأيه، فإذا جاء الرأي مخالفًا رأينا تهجُّمًا صارخًا، وكلمات مثل: "صُدِمنا فيك"، و"التخاذل"، و"الجهل"، و"لم نتوقَّع منك"، وهكذا!

              يا أيها الأبناء فلتسمعوا رأينا، فإن أعجبكم قبلتموه، وإن كرهتموه فاتركوه، وسنكفُّ عنكم ما تكرهون. إنما هو رأيٌ لا بُدَّ لي من إعلانه، والذي سيحاسبني عليه هو ربُّ العالمين، وليس من الأمانة أن أُدَلِّس عليكم لأُرْضِيَكم؛ قال تعالى: {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} [هود:35].
              قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

              قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

              قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

              تعليق


              • #8


                8- وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا


                بينما نجد أن أهل الباطل -على اختلاف مناهجهم- كثيرًا ما يُوَحِّدون صفَّهم، ويجمعون كلمتهم، عندما يحاربون المسلمين، فإننا نجد أن المسلمين كثيرًا ما يتصارعون حتى في المواقف الصعبة، والأزمات الشديدة، فنرى كلَّ فريقٍ يسير في اتجاه؛ بل نرى الكلَّ يرفض بشدَّة أن يضع يده في يد أخيه، والنتيجة الحتمية لهذا النزاع هو "الفشل"!

                قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

                إن الوحدة بين المسلمين أمر شاقٌّ؛ لأن كل طرف ينبغي أن يتنازل عن شيء من متاع الدنيا بغية الاتحاد؛ لهذا فهي تحتاج إلى صبر كما وضَّحت الآية، فإن صَبَرنا على مشاقِّ الوحدة وتضحياتها كان الجزاء عظيمًا؛ إذ قال الله عز وجل في ختام الآية: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وإذا كان الله معنا فمَنْ سيكون علينا؟!


                إن التنازع بين المسلمين -خاصة في وقت الأزمات وتكالُب الأعداء- لَهُـوَ نذيرُ فشلٍ كبير، وقد ذكر الله عز وجل هذا الفشل مقرونًا بالنزاع في موطن آخر من القرآن الكريم؛ وذلك للتأكيد على هذه الرسالة الربانية؛ فقال: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران: 152]

                ؛ فبيَّن سبحانه أن النصر كان حليفنا في البداية، ثم سُحِبَ منَّا هذا النصر -أي فَشِلْنا- عند التنازع، وبيَّن كذلك أن السِّرَّ وراء التنازع كان التصارع على "الدنيا"، فعَلِمَ المسلمون القصةَ على حقيقتها دون مواربة:إن حبَّ الدنيا قاد إلى النزاع، والنزاع قاد إلى الفشل، والفشل قاد إلى ذهاب الريح وضياع القوة، ولن تعود للمسلمين ريحهم وقوتهم إلا بفهم هذه الحقيقة، وإلا بزهد في الدنيا، ووحدة في الصفِّ، وليس بعد كلام الله كلام!
                قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

                قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

                قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

                تعليق


                • #9
                  بسم الله الرحمن الرحيم





                  9- فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ


                  إن المهمَّة الرئيسة للدعاة والعلماء وحملة المنهج الإسلامي هي توصيل الرسالة نقية إلى الناس؛ قال تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ} [المائدة: 99].

                  وهذه مهمَّة لا يجوز التهاون فيها مهما كانت المبرِّرات، ومهما كانت طبيعة السامعين، ولا ينبغي أبدًا لمن يُدرك هذه الحقيقة أن يعطي الناس جزءًا من الصورة؛ بحجة أن الناس لا تستوعب الشريعة الإسلامية الصحيحة، أو بحجة التدرُّج، أو بحجة الوصول إلى حكم الناس ثم بعدها نشرح لهم دقائق الإسلام كاملة!


                  وأخشى أن يكون الدافع الخفي وراء سكوت بعض الإسلاميين عن الحديث عن بعض أمور الشريعة هو حرجهم من "كلام الناس"!

                  وهذا هو الذي يدفعهم إلى التميُّع الشديد في الحديث عن أمور كثيرة في الإسلام؛ مثل جمع الزكاة، والجزية، والجهاد، والحدود بأنواعها، ونظرة الإسلام الحقيقية إلى الانحرافات السافرة التي يُطلِقون عليها فنًّا أو إبداعًا، واللباس الشرعي للمرأة، ومسائل الربا وإباحية الإعلام والخمور، وقضايا الموالاة لغير المسلمين، والموقف من الانحرافات العقائدية الخطيرة؛ مثل انحرافات الشيعة وأشباههم، وغير ذلك من قضايا يحتاج الناس أن يعرفوا الرأي الحقيقي للشريعة فيها.

                  إن الحرج الذي يجده حملة المنهج الإسلامي في صدورهم عندما يُواجهون "الناس" في الإعلام أو في الحياة العامَّة هو دليل قلَّة فهمٍ، أو ضعفِ عقيدة؛ فالشريعة هي سبب "شرح" الصدر لا انقباضه، وقد نهانا الله عز وجل عن أن نشعر "بحرج" من شيء جاء في كتابه سبحانه؛ قال تعالى: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} [الأعراف: 2]، ويستحيل فيما أعتقد أن ينزل النصر على قوم يتحرَّجون من بندٍ واحدٍ ثابتٍ في الشريعة.
                  قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

                  قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

                  قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

                  تعليق


                  • #10


                    10- إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ

                    يتمنَّى الصالحون دومًا أن يَشْفِيَ اللهُ صدورهم برؤية انتقامه سبحانه من الظالمين، وهي أمنية جميلة ذكرها الله عز وجل في كتابه دون لوم على المؤمنين
                    ؛ قال تعالى: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14]؛
                    ولكن الواقع أن سُنَّة الله اقتضت أن هذا لا يحدث دومًا كما نتمنَّى!


                    فكثيرًا ما نرى الظالمين مُمَكَّنين في الأرض إلى آخر أيامهم، وقد مات الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وكثير من زعماء الكفر، في ظروف طبيعية كعامة الناس، ومات كذلك جنكيز خان، وستالين، ولينين، وماوتسي تونج، وغيرهم من الجبابرة، دون أن يفقدوا مراكزهم أو وضعهم، ولا يمنع هذا أن تكون هناك نهايات لبعض الطغاة شافية لصدور المؤمنين؛ كنهايات فرعون وجالوت وأبي جهل.


                    ولكن ليست هذه هي القاعدة المطردة، وقد أعلم اللهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم بهذين النوعين من النهايات؛ فقال: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77].

                    والأغلب -بعد مراجعة لحوادث التاريخ المختلفة- أن الانتقام الدنيوي من الظالمين هو الأقل في الحدوث، وعلى المؤمنين المظلومين أن يطمئنوا إلى حدوث الانتقام من الظالمين في الآخرة، وهو الأهمُّ والآكَد؛ ولذلك قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42]، فلم يذكر عقابًا دنيويًّا من أي نوع؛ إنما أجَّلَ العقاب برُمَّته إلى الآخرة.


                    ولو استوعب المؤمنون هذه الحقيقة لذهب عنهم الإحباط الذي يُصيبهم عندما يرون المجرم يفلت بجريمته، والأمر في النهاية يحتاج إلى عقيدة سليمة، وحسن فقه لقيمة الآخرة بالقياس إلى الدنيا، وعندها ستتساوى تقريبًا كلُّ النهايات الدنيوية ما دامت الآخرة محسومة للمؤمنين.
                    قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

                    قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

                    قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

                    تعليق


                    • #11


                      11- فَصَبْرٌ جَمِيلٌ

                      إزاء الصدمات الهائلة التي يتعرَّض لها المسلمون هنا وهناك نحتاج كلنا إلى فضيلة الصبر، وأفضل منه أن نتحلَّى "بالصبر الجميل"؛ وقد قال تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 18]، والصبر الجميل له صفات كثيرة جليلة؛

                      منها أنه لا يصحبه جزع وكثرة شكوى.


                      ومنها أننا نستعين فيه بالله عز وجل على مَنْ أوقعوا بنا الظلم؛
                      قال تعالى: {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18].


                      ومنها أنه يُقَرِّبنا من الله فنُكْثِر من مناجاته في الصلاة والدعاء؛ قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 153].

                      ومنها أنه لا يصحبه أبدًا يأس ولا قنوط؛ قال تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف: 87].


                      ومنها أنه يصحبه عمل للخروج من الأزمة؛ قال تعالى: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} [يوسف: 87].


                      ومنها أنه لا يصدر من الصابر لفظٌ يُعبِّر عن فساد عقيدة، أو انهيار خُلُق؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا».


                      ومنها أنه يكون مباشرة عند المصيبة لا بعدها بأيام أو شهور
                      ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى».


                      ومنها أن الصابر لا يستعجل اللهَ في رفع كربه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي".


                      ومنها التصبر بسرعة التعويض الرباني للصابرين في الآخرة
                      ؛ قال تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [المعارج: 5-7].

                      إن الصبر في حدِّ ذاته عبادة عظيمة، ولو أدرك الصابرون ما أعدَّه الله لهم لتمنَّوا أن تطول مصيبتهم!


                      قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].
                      قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

                      قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

                      قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

                      تعليق


                      • #12


                        12- وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ

                        من المواقف العجيبة في التاريخ موقف موسى من أخيه هارون عليهما السلام عندما عبدت بنو إسرائيل العجلَ في غياب موسى عليه السلام؛ فقد تعامل معه بعنفٍ ظاهرٍ قد لا يفهمه كثير من الناس؛ خاصَّة أن هارون عليه السلام نبيٌّ كريم، وهو لا شكَّ لم يكن راضيًا عن فساد بني إسرائيل ولا عن كفرهم؛ قال تعالى: {وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف: 150]، وفي موضع آخر قال تعالى: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} [طه: 94].

                        إنَّ مشهد موسى عليه السلام وهو يجرُّ هارون عليه السلام من رأسه ولحيته على الأرض أمام الناس لمشهد يحتاج إلى وقفات!

                        لقد وجد موسى عليه السلام أنَّ الشعب قد وقع في كارثة مهلكة؛ وهي كارثة عبادة العجل من دون الله، وكان عليه أن يُسيطر على الوضع حتى لا تنفلت الأمور؛ فأخذ عدَّة قرارات حاسمة في آنٍ واحد:

                        فألقى الألواح أولاً تعبيرًا عن حالة غضب لا يقف أمامها شيء؛ وذلك لإرهاب المجرمين من بني إسرائيل.

                        وثانيًا: قام بعقاب أعظم القوم بعده وهو هارون عليه السلام؛ ليُعْلِم الجميع أنه ليس هناك أحدٌ فوق القانون، وإن كان قد فعل ذلك بأخيه النبي، فماذا هو فاعل بعامَّة الناس؟

                        وثالثًا: قام بتحقيق فوري مع السامري، وعاقبه عقابًا يدوم معه طوال الحياة.

                        ورابعًا: أحرق العجل الذي عبدته بنو إسرائيل مع أنه مصنوع من الذهب، وهذه ثروة هائلة؛ ولكن موسى عليه السلام علَّم شعبه أن خسارةً اقتصاديةً فادحةً مثل خسارة العجل الذهبي أهون بكثير من خسارة الدين.

                        وبهذه الأمور سيطر موسى عليه السلام على الوضع، وهدأت الأمور.

                        ولكن تبقى مسألة عقاب هارون عليه السلام تحتاج إلى وقفة؛ فموسى عليه السلام كان يرى أن هارون عليه السلام قد وقع في خطأ كبير دفع الشعب إلى التمرُّد عليه، وهذا الخطأ هو الظهور بمظهر الضعيف أمام الشعب، وهذا لم يُنكره هارون عليه السلام؛ بل قال مُفَسِّرًا الكارثة التي حدثت في فترة ولايته: {قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي} [الأعراف:151]، واعتبر موسى عليه السلام أن هذا المظهر الضعيف ذنبٌ كبيرٌ يحتاج إلى استغفار؛ فرفع يده إلى السماء متضرِّعًا: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف:151].

                        والواقع أن موسى عليه السلام لم يكن يملك من الآليات المادِّيَّة ما يفوق ما يملكه هارون عليه السلام، فلا جيش أقوى، ولا سلاح أكثر؛ إنما هي فوارق الشخصيات التي يمكن أن تُناسب مرحلة دون الأخرى.

                        إن هذه المواقف قد اختارها الله عز وجل بحكمة بالغة ليقُصَّها علينا في كتابه المعجز؛ لأنه يعلم أن لها تأثيرًا كبيرًا في مسار الشعوب، ويوم نجعل القرآن الكريم هاديًا لنا في قراراتنا سيكون يوم خروجنا من أزماتنا؛ وصدق الله إذ يقول: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].

                        قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

                        قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

                        قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

                        تعليق


                        • #13


                          13- وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ



                          كثيرًا ما يعاني المسلمون من ظلمٍ واعتداء على الحقوق، فيسعى عندئذٍ المظلومون إلى رفع الظلم، وهذا يكون بأكثر من طريقة حسب الظروف التي تمَّ فيها هذا الظلم، وأفضل هذه الطرق بلا جدال هو ما جاء في السُّنَّة النبوية؛ فقد تعرَّض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الظلم في مواطن كثيرة من حياته، كما أنه تحدَّث عن مراحل مستقبلية ستمرُّ بها الأُمَّة وتتعرَّض فيها لصور متعدِّدة من الظلم؛ ولكن ينبغي عند الرجوع إلى السيرة النبوية -أو إلى أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم- أن نُطابق بين الظروف التي ظُلِمَ فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الظروف التي وقع فيها الظلم علينا؛ لنفهم سُنَّته في التعامل مع هذا الظلم؛ لأننا تحت ضغط الظلم -وللأسف الشديد- ننسى كل المعايير، ونأخذ من القرآن والسُّنَّة كلَّ ما جاء عن الظلم فنستخدمه دون فقهٍ ولا دراية؛ فنقع في مخالفات شرعية جسيمة ونحن نتخيَّل أننا متوافقون مع السُّنَّة النبوية.



                          وأخطر هذه المخالفات أن نخلط بين الظلم الواقع من كفار لا يُؤمنون بالله واليوم الآخر وبين الظلم الواقع من المسلمين أنفسهم؛ لأن هناك فروقًا فقهية هائلة بين الحالتي
                          ن؛ ففي الوقت الذي نجد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم يُعْلِن الجهاد -وهو أعلى تصعيدٌ يُمكن أن يُتَّخذ- على دولة قريش الكافرة وزعمائها الكفار أمثال أبي جهل وغيره، فتنتج غزوات ضخمة كبدر وأحد والأحزاب، وتسيل دماء، ويسقط شهداء، في الوقت الذي نجد مثل هذه التضحيات الرائعة نجد -أحيانًا- أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذاته يأمر بالتعامل مع ملف الحاكم المسلم الظالم بطريقة مغايرة تمامًا قد لا يستوعبها على الإطلاق مَنْ نَظَرَ إلى ملفات تعامله مع الكفار فقط؛

                          وعلى سبيل المثال نذكر حوارًا عجيبًا دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وهو يُقَدِّم له نصيحة إذا حدث وتعرَّض لظلم فادح من حاكم مسلم!

                          روى مسلم عن حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ". قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ".

                          فالرسول صلى الله عليه وسلم -الذي نعرف اشتياقه إلى الجهاد- هو الذي يأمر حذيفة رضي الله عنه بالسمع والطاعة للظالم، والفارق أنه مع أبي جهل وقريش يتعامل مع زعيم كافر ودولة كافرة، وفي الموقف الثاني يتعامل مع حاكم مسلم ولو كان لا يهتدي بهديه، ويتعامل مع حكومة مسلمة ولو كان فيها رجال لهم قلوب الشياطين؛

                          فالظالمون كما يتبيَّن لنا أنواع؛ قال تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} [الأنعام: 58]، وبين هذين الموقفين -موقف الجهاد الصريح، وموقف السكوت التام- هناك ردود أفعال أخرى كثيرة موصوفة في السُّنَّة النبوية؛ ولكن البحث في القرآن والسُّنَّة عن ردِّ الفعل الأمثل ليس أمرًا سهلاً يمكن أن يفعله عامَّة المسلمين؛ إنما يحتاج إلى قراءة متعمِّقة متفحِّصة مِنْ علماء بالتفسير والسيرة والفقه؛ فقد يستخدم مسلمٌ آيةً أو حديثًا أو موقفًا في غير موضعه بحسن نيَّة، وليس هذا مستغرَبًا فقد حدث من بعض الصحابة أنفسهم؛ فقد روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: "لَيْسَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: {يَابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]".


                          فالظلم هنا يعني الكفر، وكذلك كثير من الآيات التي ذكرت أمر الظلم؛ أما السيرة فالتباين في مواقفها كبير كما وضَّحْتُ؛ وذلك حسب الظرف الذي تمَّ فيه الظلم، وإذا أدركنا ذلك فإننا سنفهم مدى الخطأ الفادح الذي يقع فيه بعض المسلمين بشحن الشباب في قضية قتال وجهاد ونفير وشهادة؛ بينما السُّنَّة تقتضي عكس ذلك؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يُعْلِن الجهاد في حياته إلا على الكفار الصرحاء، وليس هناك استثناء واحد لذلك في سيرته، فناتجُ هذا الشحن سيكون واحدًا من اثنين؛ إمَّا الجهاد في غير موضعه، بكل تبعاته على الأُمَّة، وإمَّا اللجوء إلى تكفير الحاكم والحكومة والأعوان، وكلا الأمرين خطير!

                          ولْنلحظ أننا لا نتحدَّث هنا عن الأحاسيس والمشاعر؛ لأني أعلم أن الشعور بالقهر الناتج عن الظلم قد يكون أشدَّ في بعض المواقف من المسلم الظالم عنه من الكافر؛ ولكننا نتحدَّث عن الأحكام الفقهية، والقواعد الشرعيَّة، التي تُرْضِي اللهَ ورسوله صلى الله عليه وسلم.

                          إنني أدعو المسلمين جميعًا -خاصة آخذي القرار في حياتهم- إلى الاهتمام بالعلم الشرعي، وإلى العودة إلى السُّنَّة النبوية، وإذا حدث ووجد مسلمٌ نفسه غير مقتنع بنصيحةٍ قدَّمها له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلْيَتَّهم عقلَه، ولْيُصَحِّح عقيدته، ولْيعلم أن دخول الجنة لن يكون إلا خلفه صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71].

                          قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

                          قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

                          قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

                          تعليق


                          • #14


                            14- وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ


                            يتوتَّر كثير من الناس إذا تقدَّم لهم أحدٌ بنصيحة!

                            خاصة إذا كانت النصيحة تدعوهم إلى تغيير مسارٍ قضوا فيه فترة من عمرهم، ولو كانت فترة قصيرة؛ لأنهم لا يحبون التغيير بشكل عام، أو يخافون منه، أو يكرهون اكتشاف أنهم كانوا على خطأ طوال هذه الفترة؛ فيدفعهم كل ذلك إلى ردِّ النصيحة؛ بل والهجوم على الناصح، ولو كان أمينًا.

                            والحقُّ أنَّ ردَّ النصيحة خُلُقٌ غير محمود؛ لذلك ذَكَرَه الله عز وجل في صفات القوم المـُهْلَكين، ولقد قال صالح عليه السلام لقومه: {وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 79]!

                            وقد يدفع هذا السلوك أصحابه إلى شيء عجيب؛ وهو الضغط على الناصح حتى يقول ما يُوافق هوى المنصوح! مع أنهم يَضُرُّون أنفسهم بذلك؛ إذ يحرمون أنفسهم من نور الحقيقة، ولقد حملت لنا كتب السيرة النبوية قصة لطيفة تدلُّنا على هذا المعنى؛

                            فقد روى ابن إسحاق بسند صحيح -كما قال الألباني- إلى عروة بن الزبير رحمه الله قال -وهو يصف رغبة المسلمين في بدر في لقاء القافلة دون الجيش-: فَأَصَابُوا رَاويةً لِقُرَيْشٍ فِيهَا أسْلَمُ غُلاَمُ بَنِي الحجَّاج، وعَرِيضٌ أَبُو يَسَارٍ، غُلاَمُ بَنِي الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ، فَأَتَوْا بِهِمَا فَسَأَلُوهُمَا، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يُصَلِّي، فَقَالاَ: نَحْنُ سُقَاةُ قُرَيْشٍ -أي الجيش- بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنَ الْمَاءِ.

                            فَكَرِهَ القومُ خَبَرَهُمَا، وَرَجَوْا أَنْ يَكُونَا لأَبِي سُفْيَانَ -أي القافلة- فَضَرَبُوهُمَا، فَلَمَّا أَذْلَقُوهُمَا قَالاَ: نَحْنُ لأَبِي سُفْيَانَ. فَتَرَكُوهُمَا، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسَجَدَ سَجْدَتَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَقَالَ: "إذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صَدَقَا، وَاللهِ إنَّهُمَا لِقُرَيْشِ.."!


                            إن الصحابة كانوا يُريدون سماع أنَّ القافلة ما زالت موجودة، فضربوا الغلامين حتى قالا خلاف الحقيقة!

                            وهنا هدأت نفوسهم!

                            هل هذا ما نُريده الآن؟!






                            أيها الأبناء..
                            درِّبوا أنفسكم على سماع النصيحة، واقبلوا من هذا وذاك نصحه،
                            فإن أعجبكم فبها، وإن كرهتموه رددتموه بأدب، ولا تحرموا أنفسكم من خبرات الآخرين، ولا تحرقوا مراكبكم، ولا تُطلقوا الأحكام على قلوب الناس فإنها سرٌّ بين الله وعباده..

                            تَفَكَّروا في نصيحة المحبين لكم، واخرجوا من معسكركم المغلق؛ فالخير ليس محدودًا في داخله؛ إنما يعيش في الكون معنا الآلاف ممن ينصحوننا بحبٍّ، ويُريدون لنا الخير بصدق؛ فوَسِّعوا مدارككم، وارصدوا المقدمات والنتائج، وراجعوا النصائح القديمة من هذا وذاك؛ لتعلموا صحَّة طريقكم من عدمه، وإياكم من التكبُّر عن تعديل المسار إن تبيَّن لكم الخطأ فيه..


                            اعملوا لآخرتكم، ولا يأخذنَّكم الشيطان بعيدًا عن نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقبول الأعمال لا يكون بالنوايا الحسنة فقط؛ بل لا بُدَّ من موافقة السُّنَّة فيها، ولا تَردُّوا حديثًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تتحايلوا عليه، ولا تُطَوِّعوه ليتوافق مع هواكم ورؤيتكم؛ فإن أول الهلكة اتباع الهوى، ولا تُغْلِقوا على أنفسكم منفذًا شرعيًّا جعله الله لكم رحمة بكم؛ فإن التضييق على النفس والناس إثمٌ كبير.


                            ويعلم الله أنَّ عندي ردًّا علميًّا مُوَثَّقًا ومتينًا على كل ما ذكره العلماء، أو كل ما علَّق به أبنائي على الموقع، ولكني لا أريد أن نعيش في جوِّ المناظرات والتشتُّت، ويعلم الله كذلك أني كنتُ أتمنى أن تكون لي معكم في هذه الفترة -أيها الأبناء الفضلاء- كلماتٌ كثيرة أتناول فيها ما أراه صالحًا لزماننا وأحوالنا -على الأقل من وجهة نظري وواقع دراستي للسيرة والتاريخ- ولكن هالني ما رأيتُه من خروجٍ عن آداب الحوار، وأفزعتني حالة الصمم عن سماع النصيحة؛ خاصة من أبنائي الذين هم في أول طريق العلم، ثم الجدل المقيت الذي يقود إلى الشحناء والبغضاء، إضافة إلى حالة الاستنفار التي قادها بعض رجال الدعوة والعلم على صفحات الإنترنت والفضائيات، وعن طريق البيانات والتصريحات، يُهاجمون فيها شخصي، ويتعرَّضون -في غيابي- لاسمي؛ مع أني على مدار ما يقرب من ثلاثين سنة من العمل الدعوي لم أُصَرِّح قطُّ بنقد عالمٍ بعينه، أو داعية بشخصه؛ بل كنتُ أحفظ للجميع -من كافة الاتجاهات- هيبته، وأُوَقِّر للكلِّ ذِكْرَه، ومع أني ذكرتُ رأيًا لي على موقعي، ولم أقتحم موقع أحد، ولم أُهاجم الآراء الأخرى، مع أن الجميع يُشاهد آثارها.



                            فما الذي حدث أيها الأحباب؟ وهل غيرُ مسموحٍ لأحدٍ أن يكون شافعيًّا في زمان أحمد بن حنبل؟



                            يا قوم؛ إني لكم ناصح أمين!
                            خلاصة الأمر أنَّ هذه الأجواء العجيبة جعلت النصائح -للأسف- نوعًا من العبث وإهدار الطاقات؛ خاصة أنَّ متابعة الجدالات والبيانات والتعدِّيات تصرفني عن أعمال كثيرة مهمَّة أعلم أنها أصلح لآخرتي، فإلى أن يتغيَّر هذا الحال سلام عليكم، وحسبي أني بحثتُ عن رضا الله ولو بسخط الأصدقاء والجماهير؛ قال تعالى: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم:12].
                            قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

                            قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

                            قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

                            تعليق

                            يعمل...
                            X