إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

شبهات حول المسلمات- حقوق النساء في شريعة السماء (متجدد إن شاء الله)

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    الفصل الثاني عشر

    العنف ضد المرأة

    يحاول الخصوم إيهام الرأي العام العالمي أن المرأة في الإسلام هي مخلوق من الدرجة الثانية، وإظهار الرجال المسلمين وكأنهم أجلاف غلاظ الأكباد لا عمل لهم سوى ضرب النساء والفتك بهن ليل نهار!!


    وسوف نعرض هنا بعض الحقائق والأرقام من واقع الإحصاءات الرسمية في دول الغرب التي ينتمي إليها المفترون على الإسلام، حتى لا تبقى لأحد منهم حُجَّة:
    ففي يوم 20 مايو 2009م تناقلت وسائل الإعلام العالمية اعترافات الكنيسة الأيرلندية بتورُّط مئات من القساوسة والكَهَنَة في جرائم اغتصاب آلاف من النساء والأطفال الأيتام!! وكان الفاتيكان بدوره قد اعترف بوقوع آلاف من جرائم الاغتصاب التى كان من ضحاياها عدد من الراهبات في الكنائس والأديرة التابعة له، وتعرض بعضهن للقتل خشية افتضاح الأمر!! وأصدرت عشرات الكنائس الأمريكية اعترافات مماثلة واعتذارات وتعويضات بمئات الملايين من الدولارات لعدد من الضحايا ومعظمهم من النساء والأطفال!! وذات الفضائح تفجَّرت في بلجيكا واستراليا وانجلترا. كما تورَّطت شبكات من غير المسلمين في جرائم خطف وتهريب فتيات من مصر وتشاد ودول أخرى إلى أمريكا وأوروبا.


    وفى 21 مايو 2009م أصدرت محكمة أمريكية حكمًا بسجن جندي أمريكي اغتصب مع زملائه وقتلوا الفتاة العراقية عبير الجنابى - 14 سنة - وقتلوا كذلك أمها وأختها الصغيرة - 9 سنوات - وأبوها أيضًا!! ولم يجد المُحلفون الأمريكيون في قتل 3 نساء بالإضافة إلى رب الأسرة ما يكفى للحكم على الجندي الأمريكي بالإعدام!!! هذه هي مكانة المرأة وحقوق الإنسان عندهم!!حياة 4 أشخاص- 3 نساء ورجل- لا تساوى أكثر من السجن بضع سنين!! وقد أفلت مئات الألوف من المجرمين الأمريكيين والبريطانيين الذين ارتكبوا مئات الألوف من جرائم القتل والاغتصاب المماثلة من أية مساءلة أو عقاب من أي نوع.. ومحاكمة هذا الجندي مع بعض المتهمين الآخرين تمت فقط لمحاولة تهدئة الرأي العام العالمي الذي ثار بعد كشف فظائع سجن "أبو غريب" وسلخانة "جوانتانامو". ورغم هذا جاء الحكم الهزيل ليفضح النفاق الرخيص الذي أدمنه الغرب.


    وفى الأسبوع الأول من يوليو 2009م قتل مجرم ألماني متعصب الصيدلانية المصرية د. مروة الشربينى بسبب ارتدائها للحجاب في مدينة "درسدن" الألمانية!! ولم يتورع المجرم العنصري عن طعن المسلمة المسكينة بالسكين 16 طعنة داخل قاعة المحكمة حتى استشهدت تحت سمع وبصر الشرطة والقضاة الألمان!! وهذا هو احترام القوم لحقوق الإنسان، وذلك هو تقديرهم المزعوم للمرأة!! وكل ما فعلوه هو محاولة إلصاق صفة الجنون بالمتهم في محاولة يائسة لتمكينه من الإفلات من العقاب!!!


    ضحاياهم بالأرقام


    ويكفى أن نذكر أن جريمة واحدة على الأقل تقع ضد امرأة في أمريكا كل 3 ثوان.. وهذا يعنى أن عشرين امرأة أمريكية يقتلن أو يتعرضن للضرب المُبرِّح أو الجرح أو الاغتصاب كل دقيقة في بلاد الحرية المزعومة.


    وأكد باحثون من الغرب أن العنف الأسرى بشتَّى أنواعه يلحق بأضعف أعضاء الأسرة أي النساء والأطفال. ولا يزال الكتمان وعدم كفاية الأدلة والحواجز الاجتماعية والقانونية تجعل من الصعب الحصول على بيانات مضبوطة عن العنف المنزلي الموجه ضد المرأة، والذي يعتقد علماء الاجتماع أنه أقل ما يتم الإبلاغ عنه من أنواع الجرائم. ومعظم البيانات عن العنف الموجه ضد المرأة تُجمع من دراسات صغيرة، ولا تعطى غير لمحة فحسب عما يفترض أنه ظاهرة واسعة الانتشار عالميًّا، ولا يمكن استخدامها في توفير مؤشرات دقيقة عن مدى العنف الموجَّه ضد المرأة، ولكنها تبين بشكل قاطع أن العنف في البيت أمر شائع، وأن المرأة هي ضحيته في أكثر الحالات.


    ويشير شتراوس إلى أن حوادث العنف الزوجي منتشرة في حوالي 60% من العائلات في الولايات المتحدة الأمريكية، في حين قدر راسل هذه النسبة بـ 21%، وذكرت باغلو أنها تتراوح ما بين 25- 35%. وأورد أبلتون في بحثه الذي أجراه على 620 امرأة أمريكية أن 35% منهن تعرضن للضرب مرة واحدة على الأقل من قِبَل أزواجهن. ومن جهتها أشارت والكر استنادًا إلى بحثها إلى خبرة المرأة الأمريكية الواسعة بالعنف الجسدي، وأن 41% منهن كن شهودًا لحوادث الاعتداء الجسدي من آبائهن على أمهاتهن. وتضيف الدراسات أنه في كل عام يُقتل عشرات الألوف من الأشخاص على يد أحد أفراد العائلة. وإذا اعتبرنا ضحايا القتل الإناث وحدهن، نجد أن ثلثهن لقين حتفهن على يد زوج أو شريك حياة، وكان الأزواج مسئولين عن قتل 20% من النساء اللاتي قُتِلن، في حين أن القَتَلة كانوا من رفاقهن الذكور في 10% من الحالات.


    وقد ثبت أن ضرب المرأة من قِبَل شريك ذكر لها، هو السبب الأوسع انتشارًا لجروح المرأة، وضحاياه هن أكثر عددا من كل ضحايا حوادث السيارات والسلب و السطو و الاغتصاب مجتمعة.


    وفى دراسة أخرى تبين أن امرأة واحدة من بين كل أربع نساء- يطلبن العناية الصحية من قبل طبيب العائلة- يُبلغن عن التعرض للاعتداء الجسمانى من قِبَل شركائهن.


    وكشفت 37% منهن عن كونهن من الناجيات من حوادث التعذيب الجنسي في مرحلة الطفولة، و29% أبلغن أنه تم الاعتداء عليهن جنسيًّا بعد البلوغ، والنساء اللواتي كن ضحية لمثل هذه الاعتداءات الجنسية أكثر اكتئابًا من اللواتي لم يتعرضن لها. و ثبت أنأربعة ملايين امرأة أمريكية على الأقل تعرّضن لاعتداءات عنيفة من قِبَل أزاوجهنَّ أثناء فترة 12 شهراً فقط.


    ربما يقول البعض إن هذه اتهامات قاسية تُوجَّه إلى المجتمع الأمريكي و أن العنف الموجه ضد النساء ظاهرة عالمية، فممارسو العنف من الرجال لا يقتصر وجودهم على طائفة دينية أو ثقافية معينة..


    و الحقيقة أن امرأة واحدة من كل ثلاث نساء حول العالم تتعرّض للضرب، أو للاغتصاب، أو تقع لها إساءة ما خلال حياتها، فالعنف الموجَّه ضد النساء أمر يتخطى اعتبارات الدين أو الثروة أو الطبقة أو لون الجلد أوالثقافة.


    وحَذَّر الأطباء المتخصصون من أن الأطفال الذين شهدوا عنف آبائهم، يصبحون عدوانيين ومعتدين على زوجاتهم بأكثر ثلاثة أضعاف المرات من الذين لم يشهدوا العنف في طفولتهم. أمَّا أولياء الأمور الشرسون جدًا فأطفالهم مرشحون -أكثر من الأطفال الآخرين بألف ضعف - ليكونوا معتدين على زوجاتهم في المستقبل.وأكثر من ثلاثة ملايين طفل في السنة هم عرضة لخطر العنف الصادر عن الأبوين، ويعتقد أن الرقم الحقيقي أضعاف ذلك. وقد أبلغت أربعة ملايين أمريكية عن تعرضها لاعتداء خطير، من قِبَل شريك أو قريب لها خلال سنة، وقرابة 1 من 3 نساء بالغات، يواجهن تجربة الاعتداء عليهن جسمانيًّا على الأقل مرة واحدة من قبل شريك في فترة النضج. وفى عام 1993 تم توقيف 575000 رجل أي ما يزيد عن نصف مليون رجل لارتكابهم العنف ضد النساء. وهناك إحصاءات أخرى تؤكد ما يلي:
    (أ) يُغتصب يوميًا في أمريكا 1900 فتاة منهن 20% يغتصبن من قِبَل آبائهن!!


    (ب) يُقتل سنويًا في أمريكا مليون طفل إمَّا بإجهاض متعمَّد، أو قتل فور الولادة، فضلاً عن وفاة مئات الألوف من الأمهات أثناء الإجهاض أو بعده.

    (ج) هناك 170 شابَّة في بريطانيا تحمل سفاحًا كل أسبوع.


    (د) سجَّلت الشرطة في أسبانيا أكثر من 500 ألف بلاغ اعتداء جسدي على المرأة في عام واحد، وأكثر من حالة قتل واحدة كل يوم.


    (هـ) في الولايات المتحدة الأمريكية سجَّلت الإحصائيات الرسمية أن 79% من الرجال يضربون زوجاتهم ضربًا يؤدى إلى عاهة. ونشرت مجلة التايم أن حوالي أربعة آلاف زوجة تنتهي حياتهن نتيجة لذلك. وأشار مكتب التحقيقات الفيدرالى إلى أن 40% من جرائم القتل ضد النساء يرتكبها الأزواج. وجاء في دراسة للمستشفيات الأمريكية أن 25% من حوادث انتحار الزوجات يسبقها ماضٍ حافل بضربٍ من أزواجهن. وهناك إحصاءات حديثة تؤكد تعرض ستة ملايين امرأة أمريكية للضرب أو الجرح أو الاغتصاب أو التحرش الجنسي على الأقل سنويا!!


    (و) كشف عدد من مراكز الدراسات والبحوث في أمريكا التفاصيل الإحصائية المثيرة التالية:
    أولا: أصبح ما يزيد على 80% من الزوجات منذ 15 سنة مطلّقات.


    ثانيا: 80 بالمائة من جرائم الاغتصاب وقعت في محيط الأسرة والأصدقاء.

    ثالثا: 27% من الرجال يعيشون على نفقة النساء. وتتعرض النساء في تلك الحالات للضرب المُبرِّح لإجبارهن على دفع النقود للأزواج وأغلبهم ممن أدمنوا المخدرات أو الخمور!!!


    حمامات الدم


    ومن المعروف أن أعلى معدلات الجنون وانتحار المرأة موجود في السويد والدانمارك وليس في أية دولة عربية أو إسلامية.. وتُصاب النساء في تلك الدول الاسكندنافية بالجنون وغيره من الأمراض النفسية والعصبية. وتُقدم آلاف منهن على الانتحار كل عام رغم الثراء والوفرة الاقتصادية هناك!! وهذا دليل قاطع على افتقارهن إلى الشعور بالأمان أو السعادة أو حتى مجرد الراحة، فالمستوى المعيشي المرتفع هناك لا يُغْنيهن ولا يسد الحاجات الروحية والنفسية التي لا إشباع لها بغير الإسلام. كما أن انهيار مؤسسة الأسرة هناك والانحلال والشذوذ المنتشر يضاعف إحساسهن بالضياع وفقدان أي هدف أو قيمة للحياة.


    وتقول تقارير أخرى أن نسبة من 90% إلى 95% من ضحايا العنف العائلي هم من النساء. وتشير الدراسات أيضًا إلى أن الأطفال الذين يعيشون في منازل يتم فيها اعتداء الأزواج على بعضهم، معرضون للإيذاء بنسبة تفوق الأطفال الآخرين بـ 1500 مرة، وأن حوالي من 40% إلى 60% من الرجال الذين يسيئون معاملة زوجاتهم يعتدون على الأطفال أيضًا.


    ولوحظ أن الآباء الذين يضربون الأمهات يميلون أكثر مرتين من الأزواج المسالمين للحصول على طلب رعاية الأطفال بعد الطلاق.


    وأشارت دراسة واحدة إلى أن 27% من ضحايا القتل داخل العائلة هم من الأطفال، وأن حوالي 90% من الأطفال الذين يقتلون تحت سن العاشرة يقتلون خلال خلاف عائلي، و56% من الأطفال الضحايا هم دون الثانية من العمر. وتبين في معظم الحالات من الملايين الذين تلقوا الإسعاف في غرفة الطوارئ- بسبب الجروح التي نتجت عن العنف - أن قريب للعائلة هو السبب، وفاق عدد ضحايا الإناث ضحايا الذكور بعدة أضعاف.


    وهناك على الأقل أربعة ملايين تقرير عن حوادث العنف العائلي ضد المرأة كل عام في فترة التسعينيات أواخر القرن الماضي، وقرابة 20% من هذه الحوادث حصلت في المنازل. والرقم الآن يقترب من التسعة ملايين امرأة كل عام طبقًا لآخر إحصاءات منظمات حقوق الإنسان العالمية. وقالت تقارير أخرى أنه في 95% من الاعتداءات الناتجة عن العنف العائلي ثبت أنها ترتكب من قبل الرجال ضد النساء. كما أن الأزواج والعشاق المؤذين يضايقون 74% من النساء المتعرضات للضرب، إما بطريقة مباشرة أو مضايقات عبر الهاتف. وفى العلاقات الحميمة تفوق الضحايا من النساء المتعرضات للعنف الضحايا من الرجال بعشر مرات.وتقول آخر الإحصائيات أن أعلى معدلات جرائم العنف ضد المرأة تقع في بريطانيا. وهى بذلك تكون قد تجاوزت الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وجنوب إفريقية وكلها دول غير إٍٍسلامية. ونحمد الله على ذلك وإلا كانت الأفاعي الحاقدة قد ازدادت سعارًا ونهشًا فينا!!ففي بريطانيا أكثر من 50% من القتيلات كن ضحايا الزوج أو الشريك. وارتفع العنف في البيت بنسبة 46% خلال عام واحد. كما وجد أن 25% من النساء يتعرضن للضرب من قبل أزواجهن أو شركائهن. وتتلقى الشرطة البريطانية 100 ألف مكالمة سنويًا لإبلاغ شكاوى من اعتداء على زوجات أو شريكات، علمًا بأن الكثيرات منهن لا يبلغن الشرطة إلا بعد تكرار الاعتداء عليهن عشرات المرات. وتشير جين لويس إلى أن ما بين ثلث إلى ثلثي حالات الطلاق تُعْزَى إلى العنف في البيت، وبصورة رئيسية إلى تعاطى المسكرات وهبوط المستوى الأخلاقي.


    وأظهرت الاستطلاعات في بريطانيا، تزايد العنف ضد النساء عامًا بعد الآخر. ففي استطلاع شاركت فيه سبعة آلاف امرأة قالت 28% من المشاركات أنهن تعرضن لهجوم من أزواجهن. ويفيد تقرير بريطاني آخر أن الزوج يضرب زوجته دون أن يكون هناك سبب يبرر الضرب، ويشكل هذا 77% من عمليات الضرب. ويستفاد من التقرير نفسه أن امرأة ذكرت أن زوجها ضربها ثلاث سنوات ونصف السنة منذ بداية زواجها، وقالت: لو قلت له شيئًا إثر ضربي سيضربني ثانية لذا أبقى صامتة، وهو لا يكتفي بنوع واحد من الضرب بل يمارس جميع أنواع الضرب من اللطم واللكم والركل والرفس وضرب الرأس بعرض الحائط، ولا يبالى إن وقعت ضرباته في مواقع حسّاسة من الجسد. وأحيانًا قد يصل الأمر ببعضهم إلى حد إطفاء السجائر في جسد المرأة، أو تكبيلها بالسلاسل والأغلال ثم إغلاق الباب عليها وتركها على هذه الحال لساعات طويلة!! وتُقَدَّر حالات الإبلاغ عن العنف الجنسي فى مرحلة الطفولة بما يتراوح بين 60% إلى 62% بين الإناث.


    جرائم ضد الفرنسيات!!


    وفى فرنسا تتعرض حوالي مليوني امرأة للضرب سنويًا. وأمام هذه الظاهرة -التي تقول الشرطة أنها تشمل حوالي 10% من العائلات الفرنسية- أعلنت الحكومة أنها ستبدأ حملة توعية لمنع أن تبدو أعمال العنف هذه كأنها ظاهرة طبيعية. وقالت أمينة سر الدولة لحقوق المرأة مشال أندريه: "حتى الحيوانات أحيانًا تُعَامل أحسن منهن. فلو أن رجلاً ضرب كلبًا في الشارع فسيتقدم شخص ما بشكوى إلى جمعية الرفق بالحيوان، ولكن إذا ضرب رجل زوجته بالشارع فلن يتحرك أحد"!! وأضافت في تصريح لوكالة فرانس برس: "الضرب مسألة يجب أن تخضع للعدالة. أريد أن يتم التوقف عن التفكير بأن هذا الأمر عادى، إن عالمنا يُقر بأن هنالك مُسيطِرًا ومُسيطَرًا عليه.. إنه منطق يجب إيقافه".


    ونقلت صحيفة فرانس سوار عن الشرطة: أن 92.7%من عمليات الضرب التي تتم بين الأزواج تقع في المدن، وأن 60% من دعوات الاستغاثة الهاتفية التي تتلقَّاها شرطة النجدة في باريس، هي نداءات استغاثة من نساء يسيء أزواجهن معاملتهن. وذكرت أمانة سر الدولة لحقوق المرأة أن هناك أنواعًا من العنف الذي يمارس مع المرأة منها المعنوي - تهديدات وإهانات - ومنها الجسدي - ضرب أو قتل.


    ولاحظت جمعية تُسمى :"نجدة النساء اللواتي يتعرضن للضرب" أن النساء اللواتي تستقبلهن تتراوح أعمارهن بين 25 - 35 سنة، ولهن أطفال ومستواهن التعليمي متدنٍّ، وهن غالبًا معزولات عن عائلاتهن أو جيرانهن. وكثيرًا ما أدت ذريعة مثل المرض، أو إدمان الكحول، أو البطالة إلى تفاقم العنف الذي يمارس ضدهن، ولكن قليلات من الضحايا لا يتجرَّأن على فضح عمليات العنف هذه بسبب الخوف من الانتقام أو بسبب نقص الشجاعة.


    وهناك سيدة تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا تحملت عامين من ضرب زوجها، وعندما قيل لها أن تترك المنزل قالت: "في فرنسا لا نتحدث عن حياتنا الزوجية، فلا يمكن لأحد أن يأتمن أصدقاءه أو أي أحد على أسراره الشخصية"!! ولقد شبَّه الكاتب الفرنسي الكسندر دوما الفرنسيات - ذات مرة - بشرائح اللحم قائلا: "كلما ضربتهن أصبحن أكثر طراوة"!!


    ولو قالها أحد الكتَّاب أو المفكِّرين المسلمين لقامت الدنيا ضدنا ولم تقعد!!


    وفى كندا أيضًا!!


    ذكرت إحصائية شملت النساء المتزوِّجات أن العاصمة شهدت ارتفاعًا حادًّا في معدَّلات الاعتداءات على الزوجات أكثر من أي مكان في كندا، وأن 36% من الزوجات صرَّحن بأنه قد تم الاعتداء عليهن بشكل أو بآخر لمرة واحدة على الأقل منذ بلوغهن سن السادسة عشرة. و في 81% من الاعتداءات التي رصدها جهاز الشرطة، تبين تورُّط معتدٍ ذكر، و في 9 % كانت معتدية أُنثى، و في 10% من الحالات تورط معتدٍ ذكر وأنثى معًا. وفيما يزيد عن النصف - 53% من هذه الحوادث - ثبت أن طرفًا واحدًا على الأقل كان تحت تأثير شرب الكحول.


    نيوزلندة


    وفقًا لإحصائية رسمية لرصد العنف العائلي ساهمت فيها سوزان سنايفلى وفريقها تبين تعرُّض أكثر من 300 ألف امرأة وطفل لجرائم العنف العائلي. وأشارت دراسة أعدَّها مقدِّمو الخدمات في نيوزلندة إلى أن معدل انتشار العنف العائلي يبلغ قرابة 14%. وأشارت دراسات أخرى مشابهة أن معدل الانتشار هو 1: 10 أو 1: 7. وبالرجوع إلى عدد السكان في نيوزلندة في آخر شهر آذار 1994 نجد أن نسبة طفل واحد من سبعة تساوى 129556 طفلاً، وامرأة واحدة من سبعة تساوى 172125 امرأة، وهذا مجموعه 301691 ضحية للعنف من النساء والأطفال.


    النمسا


    أشارت الدراسات في النمسا إلى العنف المنزلي كعامل مساعد في فشل الزواج في 59% من 1500 قضية طلاق. وبين تلك الحالات نلاحظ أن 38% من الزوجات المنتميات إلى الطبقة العاملة استدعين الشرطة ردًّا على الاعتداء عليهن بالضرب المبرِّح، وهناك 4% من المنتميات إلى الطبقة العليا. ولا تشكِّل نسبة الجرائم المُبلغ عنها سوى 10% فقط مما يقع فعليًّا من جرائم ضد النساء بالنمسا.


    ألمانيا


    ذكرت دراسة ألمانية أن ما لا يقل عن مائة ألف امرأة تتعرَّض سنويًا لأعمال العنف الجسدي أو النفساني التي يمارسها الأزواج، أو الرجال الذين يعاشرونها مع احتمال أن يزيد الرقم الحقيقي عن المليون. وقالت الدراسة أن الأسباب المؤدية إلى استخدام العنف هي البطالة زمنًا طويلاً، والديون المالية، والإدمان على المشروبات الكحولية، والغيرة الشديدة. وقد وضعت الوزارة الألمانية الاتحادية لشؤون الشبيبة والأسرة والصحة مشروعًا لتقديم المساعدة من قبل منظمة خيرية على أن يتم ذلك خلال عامين.


    تعليق


    هذه نبذة مختصرة للغاية عن الجرائم البشعة وإهدار آدمية النساء في دول الغرب التي ينتمي إليها الحاقدون الذين يتطاولون على الإسلام والمسلمين!! ومما يثير السخرية حقا أن يجد هؤلاء الجرأة وصفاقة الوجه للإدعاء بأن المرأة مظلومة في الدول الإسلامية أو أن الإسلام قد قلل من شأن المرأة أو سمح باضطهادها!! إننا نحمد الله - تعالى - لأن معدلات الجرائم ضد النساء في سائر البلاد العربية والإسلامية لا تبلغ خمسة بالمائة من هذه الأرقام الرهيبة المفزِعة لمعدلات جرائم العنف في الغرب، وكلها - بالمناسبة - أرقام رسمية صادرة هناك أو دراسات أجراها باحثون غربيون من غير المسلمين.


    ونشير أيضًا إلى حقيقة تاريخية مهمة وهى أن عقوبة الجلد كانت موجودة في كل جيوش الغرب حتى عهد قريب. وكانوا يجلدون الجنود رغم وجود عقوبات أخرى مُمْكِنة مثل الخَصم من المرتب أو العزل أو الحرمان من الترقية أو حتى الحبس.


    ومعظم تشريعات العالم تنص على عقوبة الإعدام وهى أشد العقوبات الجسدية والنفسية المُمْكِنة.


    ولا وجه للمقارنة بين القضاء على المجرم بسلبه الحياة ومجرد ضرب بسيط لتقويم زوجة متمرِّدة بعد فشل الوعظ والنصيحة ثم الهجر في الفراش في تأديبها.


    وما زالت الشرطة في كل دول الغرب تستخدم العنف والضرب المُبرِّح وكل أساليب القمع الوحشي للسيطرة على المتظاهرين أو المتهمين المطلوبين، والعالم يرى ذلك يوميًّا على شاشات القنوات الفضائية.. فلماذا المغالطات والافتراءات على الإسلام طالما أن أيديهم ملطَّخة بالدماء في كل زمان ومكان؟!!


    ولم نسمع صوتًا لهؤلاء المتباكين على أحوال النساء المسلمات عندما اعتقلت عصابات الصرب - الأرثوذكس - عشرات الألوف من النساء المسلمات في البوسنة وكوسوفو، وقاموا باغتصاب أكثر من أربعين ألفًا منهن في إطار سياسة التطهير العرقي المنظَّم. وكانوا يجبرونهن على الاحتفاظ بالأجِنََّة الناتجة عن الاغتصاب لإذلالهن وذويهن فيضطرون جميعًا إلى الهرب، وبذلك تخلو البلد للصرب النصارى!!


    أين حقوق النساء هنا؟! وأين النسوة العلمانيات المنافقات اللاتي يصدعن رؤوسنا ليل نهار باضطهاد مزعوم للنساء في البلاد الإسلامية؟! لماذا تجاهل الجميع إهدار آدمية عشرات بل مئات الألوف من النساء والأطفال في قلب أوروبا؟ هل لأن الضحايا من المسلمات والجناة المجرمون من النصارى الأرثوذكس أو الكروات؟!


    و حتى الآن تتغافل الجمعيات النسائية وأذناب الغرب عن الجرائم البشعة التي تقع يوميًّا ضد أخواتنا في فلسطين المحتلة.


    وماذا عن تلك التي ارتكبها الجنود الأمريكان والإنجليز ضد مئات الألوف من أخواتنا العراقيات والأفغانيات، وتتراوح ما بين الاعتقال والضرب والجرح والتعذيب والاغتصاب والقتل لأتفه الأسباب.


    أو ليس للنساء في العراق وأفغانستان وفلسطين والشيشان وكشمير حقوق أيضًا، أم أن هذه الحقوق للنساء الغربيات فقط؟!


    إن ازدواجية المعايير والنفاق الصارخ الخسيس هو سياسة منهجية يتبعها الآخرون في كل قضايانا ومنها قضايا المرأة، وبالتالي فمن الخطأ الفادح أن نثق بهؤلاء الذين بدت البغضاء من أفواههم، وكما أخبرنا مولانا حقًّا وصدقًا، فإن ما تخفى صدورهم السوداء أخطر وأسوأ وأكبر بكل يقين.


    وماذا عن ملايين النساء اللاتي اختطفتهن عصابات المافيا - وما زالت تفعل - من بلاد شرق أوروبا وآسيا وأفريقيا الفقيرة لاستغلالهن في تجارة الجنس في دور الدعارة والملاهي الليلية في كُبْرَيات المدن الأوروبية والأمريكية؟!


    وتكفى نظرة سريعة على تقارير لجان الأمم المتحدة ومنظمة مكافحة العبودية-ومقرها لندن - لإدراك حجم هذه الكارثة وتزايد عدد ضحاياها من النساء الفقيرات اللاتي يختطفن للاستعباد طوال العمر للترفيه عن أثرياء الغرب!!


    تأديب الناشز


    يتصايح الخصوم: كيف يأمر القرآن الرجال بضرب النساء؟! أليست هذه وحشية وتخلفًا؟!!


    ونقول في البداية أن هناك مغالطة وتعميمًا خاطئًا، فليس "كل" الرجال مباحًا لهم أن يضربوا "كل" النساء، ولا حتى في كل الوقت أو في كل الظروف، وهناك ضوابط صارمة لاستعمال هذه الرخصة.


    فالأم امرأة ورغم هذا فإن إقدام الابن أو البنت على ضرب الأم هو جريمة من أشد الجرائم وذنب من كبائر الذنوب.. بل لا يجوز مطلقًا أن يؤذى الابن أمه ولو بكلمة، ولو بشطر كلمة "أف"، ولو بإظهار الضيق أو النقد أو الغضب في حضورها. وفضلاً عن ذلك عليه أن يرحمها ويلين لها إلى درجة إظهار الذل والخضوع بين يديها ولو كانت كافرة، وهذا كله معلوم من الدين بالضرورة.


    أما ضرب الرجل لأيَّة امرأة أجنبية عنه فهو جريمة شرعية فيها القصاص أو التعويض إن تنازلت عن القصاص أو تعفو عنه، فهذا متروك لاختيارها.


    ولنتأمل قوله - تعالى -: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً [النساء: 34].


    لقد بدأ الله - تعالى - أولاً بمدح النساء الصالحات، وهؤلاء الصالحات لا سبيل عليهن ولا يجوز مطلقًا ضربهن، بل لهن كل الحقوق وخاصة حسن العشرة.


    والآية الكريمة تتحدث بعد ذلك عن حالة خاصة استثنائية لا قياس عليها ولا يجوز التوسُّع فيها بأي حال، وهى حالة الزوجة الناشز. والواقع أن الخصوم يتجاهلون أو يغفلون بداية الكلام ﴿ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ... ﴾ وهى قاطعة الدلالة على أن إجراءات التأديب تُتَّخذ فقط ضدَّ مَن يتحقق نشوزها وعوجها وتمردها.


    ولا يمتد حكم الآية إلى غيرها من النساء الصالحات الفاضلات، بل إن كل النصوص تأمر الأزواج بالإحسان إليهن والرفق بهن ومعاشرتهن بالمعروف.


    ثم إن الآية الكريمة واضحة الدلالة على أن الضرب ليس هو الحل الأول، ولا حتى الأفضل.. بل لا بُدَّ من التدرُّج في علاج تمرُّد الزوجة.


    ويحظر على الرجل اللجوء إلى الضرب قبل استخدام الأسلوبين السابقين، فعليه الوعظ أولاً ثم هجرها في الفراش أي تجنب مجامعتها إلى أن تعود إلى الصواب والرشد. فإذا تأكد الزوج من فشل الوعظ ثم الهجر في إصلاح الحال هنا فقط يمكنه اللجوء إلى الضرب الخفيف كحل أخير، "وآخر الدواء الكي" كما يقولون.


    ويظل الضرب الخفيف في هذه الحالة الاستثنائية أفضل بلا شك من الطلاق وخراب البيت، وخاصة في حالة وجود أطفال صغار.


    وقد أجمع العلماء في كل العصور - سَلَفًا وخَلَفًا - على أن الضرب المُرَخَّص فيه للضرورة القصوى يجب ألا يتسبَّب في أيَّ إضرار بصحة أو بدن المرأة، ويكون باستخدام السواك كما قال ابن عباس - رضي الله عنه - أو بمنديل ملفوف كما قال آخرون. ويشترط ألا يكسر لها عظمًا أو يُسبِّب عاهة أو يُحدث مضاعفات صحية سلبية عليها، كما أن عليه أن يتجنب الوجه، وألا يوالى الضرب في مكان واحد على التفصيل الذي سيأتي في أقوال المفسرين والفقهاء.
    رسول الرحمة


    ويكفينا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يضرب امرأة قط طوال عمره الشريف، وهو وحده قدوتنا، والمثل الأعلى للنُبل البشرى ومكارم الأخلاق.وتروى كل كتب السيرة والحديث أنه عليه السلام لم يضرب امرأة ولا خادمًا قطُّ كما روى مسلم عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - فهو لم يستخدم القوة البدنية إلا في حالة واحدة اضطرارية هي حالة القتال في الميدان كأي فارس نبيل دفاعًا عن النفس. وتلك النقطة وحدها كافية للرد على الخصوم.


    ولا أحد حُجَّة على الإسلام بعد النبي - عليه السلام - وطالما أنه - عليه السلام - لم يضرب إحدى زوجاته قطُّ، فهذا دليل قاطع على أن رخصة الضرب إنما هي للأحوال الاستثنائية الاضطرارية، وفى أضيق الحدود، وبأقل قدر ممكن من الأُذى كالدواء المرير الذي يتناول المريض قدرًا ضئيلاً منه على كره واضطرار لإنقاذ حياته، فإذا شُفِى من مرضه يتوقَّف تمامًا عن تعاطيه. وهنا أيضًا يستخدم الزوج رخصة الضرب اليسير عندما تفشل كل الوسائل الأخرى من الوعظ والهجر في الفراش والترغيب والترهيب. لكنه يجب أن يستخدمها بحرص وحكمة بالغَين كالطبيب الماهر بجرعات محدودة، وفى وقت محدَّد لعلاج حالة غير عادية، وعليه التوقف فورًا عندما يجد أن أعراض التمرُّد والعصيان قد زالت، وعادت الزوجة إلى صوابها، فهنا لا سبيل له عليها بأي حال من الأحوال، ويحرم عليه الاستمرار في توقيع العقاب عليها.


    ثم إن الرسول - عليه السلام - صَرَّح في عِدَّة أحاديث بقوله: "ولن يضرب خياركم" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الحاكم وابن حبان.


    وفى رواية لابن ماجه وأبو داود والنسائي قال - صلى الله عليه وسلم - عمن يضربون النساء: "ليس أولئك بخياركم". و قد استنكر - صلى الله عليه وسلم - أن يضرب الرجل امرأته ثم بعد قليل يجامعها، وفى ذلك روى البخاري ومسلم حديث:"لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم"!!!


    و لعله يكون من المفيد أن نعرض هنا مقتطفات مما قاله المفسرون شرحا للآية الكريمة:
    قال الطبري: "لا يهجرها إلا في المبيت في المضجع، ليس له أن يهجر في كلام ولا شيء إلا في الفراش.. فلا يكلِّفها أن تحبَّه، فإن قلبها ليس في يديها، ولا معنى للهجر في كلام العرب إلا على أحد ثلاثة أوجه، أحدها هجر الرجل كلام الرجل وحديثه، وذلك رفضه وتركه، يقال منه: هجر فلان أهله يهجرها وهجرانًا. والآخر الإكثار من الكلام بترديد، كهيئة كلام الهازئ، يقال منه: هجر فلان في كلامه يهجر هجرًا إذا هذى ومدد الكلمة، وما زالت تلك هجيراه وأهجيراه، والثالث هجر البعير، إذا ربطه صاحبه بالهجار، وهو حبل.


    قال حيان: حدثنا ابن المبارك. قال أخبرنا يحيى بن بشر سمع عكرمة يقول فى قوله: ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾ ضربًا غير مبرح قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "واضربوهن إذا عصينكم في المعروف، ضربًا غير مبرح". ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ يقول: "فإن أطاعتك فلا تبغ عليها العلل"[1].


    وجاء في تفسير الزمخشرى المتوفى سنة 538هـ "نشوزها أو نشوصها أن تعصى زوجها ولا تطمئن إليه، وأصله الانزعاج "في المضاجع" أي: في المراقد، أي: لا تداخلوهن تحت اللحاف، وهو كناية عن الجماع. وقيل هو أن يولِّيها ظهره في المضجع، وقيل في المضاجع في بيوتهن التي يبتن فيها أي: لا تبايتوهن. وقرئ في المضجع والمضطجع. ولتعرف أحوالهن وتحقق أمرهن في النشوز أمر بوعظهن أولاً، ثم هجرانهن، ثم بالضرب إن لم ينجح معهن الوعظ والهجران. وقالوا يجب أن يكون ضربًا غير مبرِّح لا يجرحها ولا يكسر لها عظمًا ويتجنب الوجه.


    ﴿ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني وتوبوا عليهن واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك النشوز"[2].


    وجاء في تفسير القرطبي[3] المتوفى سنة 671هـ: قوله تعالى: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ ﴾ قرأ ابن مسعود والنخعى وغيرهما "في المضجع" على الإفراد، كأنه جنس يؤدى على الجميع، والهجر في المضاجع هو أن يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها عن ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: تجنبوا مضاجعتهن فيتقدَّر على هذا الكلام حذف، ويعضده ﴿ اهْجُرُوهُنَّ من الهجران وهو البعد، يقال: اهجره، أي: تباعد ونأى عنه. وقال معناه إبراهيم النخعى والشعبي وقتادة والحسن البصري، رواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك، واختاره ابن العربي وقال: حملوا الأمر على الأكثر الموفى ويكون هذا القول كما تقول: هجره في الله. وهذا أصل مالك.


    قلت: هذا قولٌ حسن ، فإن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبّة للزوج فذلك يشقُّ عليها فترجع للصلاح، وإن كانت مبغضة فيظهر النشوز منها، فيتبيَّن أن النشوز من قِبَلها. وقيل: ﴿ اهْجُرُوهُنَّ من الهجر وهو القبيح من الكلام. أي: غلِّظوا عليهن في القول وضاجعوهن للجماع وغيره، قال معناه سفيان، وروى عن ابن عباس. وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أسرَّ أمرًا إلى حفصة فأفشته إلى عائشة، وتظاهرتا عليه، ولا يبلغ به الأربعة أشهر التي ضرب الله أجلاً عذُرًا للمولى.


    وقوله - تعالى -: ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾: أمر الله أن يبدأ بالموعظة أولاً، ثم بالهجران، فإن لم ينجعها فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه. والضرب في هذه الآية هو ضرب بالأدب غير المُبَرِّح، وهو الذي لا يكسر لها عظمًا ولا يشين جارحة كاللكز ونحوه، فإن المقصود منه الصلاح لا غير. فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدب غلامه لتعليم القرآن والأدب. وفى "صحيح مسلم": "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فُرُشَكم أحدًا تكرهونه. فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح" الحديث أخرجه من حديث جابر الطويل في الحج. أي: لا يدخلن منازلكم أحدًا تكرهونه من الأقارب والنساء والأجانب. وعلى هذا يجعل ما رواه الترمذي وصححه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله وأثنى عليه وذكَّر ووعظ فقال: "ألا واستوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عَوَان عندكم لا تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً. ألا إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًّا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن". قال: حديث حسن صحيح. فقوله: ﴿ بِفَاحِشَة مُبَيّنة يريد لا يدخلن مَن يكرهه أزواجهن، وليس المراد بذلك الزنا، فإذًا ذلك مُحَرِّم ويلزم عليه الحد. فقال - عليه السلام -: "اضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضربًا غير مُبَرِّح"، قال عطاء: قلت لابن عباس ما الضرب غير المُبَرِّح؟ قال: بالسواك ونحوه. وروى أن عمر - رضي الله عنه - ضرب امرأته فعُذِل في ذلك فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يُسأل الرجل فيمَ ضرب أهله".


    وأما قوله - تعالى -: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ أي: تركن النشوز ﴿ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً أي: لا تبغوا عليهن بقول أو فعل، فهذا نهى عن ظلمهن بعد تقرير الفضل عليهن، والتمكُّن من طاعتهن، وقيل: المعنى لا تكلِّفوهن الحب لكم فإنه ليس بالهين".


    وقال الإمام النسفى المتوفى سنة 710 هـ: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ ﴾ في المراقد أي: لا تدخلوهن تحت اللحاف وهو كناية عن الجماع أو هو أن يوليها ظهره في المضجع لأنه لم يقل عن المضاجع. ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾ ضربًا غير مبرح. بدأ بوعظهن أولاً، ثم بهجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب إذا لم ينجع فيهن الوعظ والهجران.. ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾ بترك النشوز ﴿ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ فأزيلوا عنهن التعرُّض بالأذى.. وهو من بغيت الأمر أي طلبته، أي: إن علت أيديكم عليهن فأعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن فاجتنبوا ظلمهن. ﴿ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه ثم تتوبون فيتوب عليكم. فأنتم أحق بالعفو عمن يجنى عليكم إذا رجع"[4].


    وذكر ابن كثير المتوفى سنة 744هـ ما يلي: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ ﴾ قال على بن أبى طلحة عن ابن عباس: يعظها فإن هي قبلت و إلا هجرها في المضجع ولا يكلمها من غير أن يؤدِّ نكاحها، وذلك عليها شديد. وقال مجاهد والشعبي وإبراهيم ومحمد بن كعب ومقسم وقتادة: الهجر هو ألا يضاجعها. وقال أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن مسلمة عن على بن زيد عن أبى مرة الرقاشى عن عمه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع"، قال حماد يعنى النكاح. وفى السنن والمسند عن معاوية القشيرى أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تهجر إلا في البيت". وقوله: ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ إذا لم يستجبن للموعظة ولا الهجران فلكم أن تضربوهن ضربًا غير مبرِّح كما ثبت في "صحيح مسلم" عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في حجة الوداع: "واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف". وكذا قال ابن عباس وغير واحد: ضربًا غير مبرّح. قال الحسن البصري: يعنى غير مؤثر. قال الفقهاء: هو ألا يكسر لها عضوًا ولا يؤثر شيئًا. وقال على ابن أبى طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع فإن أقبلت، وإلا فقد أذن الله أن تضربها ضربًا غير مُبَرِّح ولا تكسر لها عظمًا، فإن أقبلت وإلا فقد أحل الله عنها الفدية. وقال سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبد الله بن عمر عن إياس بن عبد الله بن أبى دؤاب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تضربوا إماء الله"، فجاء عمر - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: زأرت النساء على أزواجهن فرخَّص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساء كثير يشتكين أزواجهن، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين أزواجهن ليس أولئك بخياركم"؛ رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان ابن داود يعنى أبا داود الطيالسى حدثنا ابن عوانة عن داود الأودى عن عبد الرحمن السلمي عن الأشعث بن قيس قال: "حللت ضيفا على عمر - رضي الله عنه - فتناول امرأته فضربها فقال: "يا أشعث احفظ عنى ثلاثًا حفظتهن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تسأل الرجل فيمَ ضرب امرأته، ولا تنم إلا على وتر، ونسى الثالثة"، وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن حديث عبد الرحمن بن مهدى عن أبى عوانة عن داود الأودى. وقوله - تعالى -: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ أي: إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها فلا سبيل له عليها بعد ذلك وليس له ضربها وهجرانها. وقوله: ﴿ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا تهديد للرجال إذا بغوا على النساء بغير سبب فإن الله هو العلى الكبير وهو ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن". انتهى[5].


    وجاء في تفسير الألوسى المتوفى سنة 1270هـ: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى المَضَاجِعِ أي: مواضع الاضطجاع، والمراد اتركوهن منفردات في مضاجعهن فلا تدخلوهن تحت اللحاف ولا تباشر وهن فيكون الكلام كناية عن ترك جماعهن، وإلى ذلك ذهب ابن جبير، وقيل: المراد اهجروهن في الفراش بأن تولُّوهن ظهوركم فيه ولا تلتفتوا إليهن وروى ذلك عن ابن جعفر - رضي الله تعالى عنه - ولعله كناية أيضًا عن ترك الجماع. وقيل: المضاجع المبايت أي: اهجروا حجرهن ومحل مبيتهن. وقيل: "في" للسببية أي: اهجروهن بسبب المضاجع، أي: بسبب تخلفهن عن المضاجعة وإليه يشير كلام ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فيما أخرجه عنه ابن أبى شيبة من طريق ابن الضمى، فالهجران على هذا بالمنطق، قال عكرمة: بأن يغلظ لها القول. ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾ يعنى: ضربًا غير مبرح كما أخرجه ابن جرير عن حجاج عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفسر غير المُبَرِّح بألا يقطع لحمًا ولا يكسر عظمًا. وعن ابن عباس أنه الضرب بالسواك ونحوه. والذي يدل عليه السياق والقرينة العقلية أن هذه الأمور الثلاثة مترتبة. فإذا خيف نشوز المرأة تُنْصَح، ثم تُهْجَر، ثم تُضْرَب، إذ لو عكس استغنى بالأشد عن الأضعف، وإلا فالواو لا تدل على الترتيب وكذا الفاء ﴿ فَعِظُوهُنَّ لا دلالة لها على أكثر من ترتيب المجموع، فالقول بأنها أظهر الأدلة على الترتيب ليس بظاهر. وفى الكشف الترتيب مستفاد من دخول الواو على أجزاء مختلفة في الشدة والضعف مترتبة على أمر مُدَرَّج فإنما النقص هو الدال على الترتيب.


    هذا وقد نص بعض أصحابنا أن للزوج أن يضرب المرأة على أربع خصال وما هو في معنى الأربع: ترك الزينة والزوج يريدها، وترك الإجابة إذا دعاها لفراشه، وترك الصلاة - وفى رواية الغسل - والخروج من البيت إلا لعذر شرعي.


    يتبع إن شاء الله ...
    قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

    قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

    قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

    تعليق


    • #17
      ولا يخفى أن تحمُّل أذى النساء والصبر عليهن أفضل من ضربهن إلا لداعٍ قوى. فقد أخرج ابن سعد والبيهقى عن أم كلثوم بنت الصديق - رضي الله عنه - قالت: "كان الرجال نهوا عن ضرب النساء ثم شكوهن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخلى بينهم وبين ضربهن ثم قال: "ولن يضرب خياركم". انتهى[6].


      وجاء في تفسير الشيخ الجاوى المتوفى في القرن الثالث عشر الهجري: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ ﴾ أي: حوِّلوا عنهن وجوهكم في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحاف إن علمتم النشوز ولم تنفعهن النصيحة. ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ إن لم ينجع الهجران ضربًا غير مبرح ولا شائن، والأولى ترك الضرب، فإن ضرب فالواجب أن يكون الضرب بحيث لا يكون سببًا لهلاكها بأن يكون مُفَرَّقًا على البدن، وألا يكون في موضع واحد، وأن يكون بمنديل ملفوف، وألا يوالى به، وأن يتقى الوجه". انتهى[7].


      وقال أصحاب "المنتخب": "الزوجات اللاتي تظهر منهن بوادر العصيان فانصحوهن بالقول المُؤَثِّر، واعتزلوهن في الفراش، وعاقبوهن بضرب خفيف غير مُبَرِّح ولا مُهين عند التمرُّد. فإن رجعن إلى طاعتكم بأي سبيل من هذه السبل الثلاث، فلا تتطلبوا السبيل التي هي أشد منها بغيًا عليهن. إن الله فوقكم وينتقم منكم إذا آذيتموهن أو بغيتم عليهن" انتهى[8].

      [1] تفسير الإمام الطبري.

      [2] تفسير أبى القاسم بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشرى.

      [3] الجامع لأحكام القرآن لأبى عبد الله بن محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي.

      [4] تفسير عبد الله بن أحمد بن محمود النسفى "مدارك التنزيل وحقائق التأويل".

      [5] تفسير الإمام عماد الدين أبى الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي.

      [6] تفسير أبى الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسى المسمى "روح المعاني".

      [7] تفسير الشيخ محمد نووي الجاوى.

      [8] المنتخب في تفسير القرآن الكريم - تأليف لجنة من كبار علماء الأزهر الشريف - طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - مصر - ص 137.

      يتبع إن شاء الله ...
      قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

      قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

      قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

      تعليق


      • #18
        جزاك الله خير اختي ام عبد الله

        حريا بالامر المسلمة ان تهتم بالرد على الشبهات التي يستغلونها فيها

        يثبت الموضوع لشموليته واهميته

        دمت عزيزة بالاسلام

        تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
        اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

        تعليق


        • #19
          جزاكِ الله خيرا أختي فداء ووفقك الله لما يحب الرحمن
          ويرضى اللهم آمين .

          وشكرا على التثبيت .
          قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

          قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

          قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

          تعليق


          • #20
            الفصل الثالث عشر

            معجزة الحجاب لأولي الألباب



            الحجاب لغة: هو الساتر أو العازل أو الغطاء.وله عدة معان في الشريعة الإسلامية.فهو أولاً يعنى تلك الملابس التي تستر بدن المرأة وتغطى رأسها أيضًا، كما يعنى كذلك وجود فصل بين الجنسين أي عدم الاختلاط، وثالثًا عدم إبداء الزينة لغير المحارم.


            والحجاب هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها منذ أن خلق - سبحانه - آدم وزوجه حواء - عليهما السلام - ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا فَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [طه: 112][1].والقصة وردت أيضًا في التوراة والإنجيل.وما يهمنا هنا أن آدم وحواء أكلا من الشجرة التي حرمها الله عليهما، وكان من عقوبة هذا الذنب أن انكشفت عوراتهما، وكانت مستورة عن أعينهما قبل ذلك..وفزع آدم وحواء عندما شاهد كل منهما نفسه والآخر عاريًا تمامًا مكشوف العورات.اندفعا يقتطعان أوراقًا عريضة من الأشجار يلفَّان بها جسديهما ويستران العورات.ومن هذا يتَّضح أن "الستر" وتغطية العورات فطرة إنسانية أصيلة خلق الله - تعالى - آدم وحواء وذريتهما عليها، وأن التعري وفضح العورات من عمل الشيطان الذي تسبب في هذا لآدم وزوجه عندما أغراهما بعصيان أوامر الله - سبحانه وتعالى - والأكل من الشجرة المحظورة.


            وسوف يشعر البعض بالعجب والدهشة عندما نقول أن الحجاب بمعنى الستر والغطاء والعازل أو الحماية موجود في عالم النبات والحيوان أيضًا.


            فكل أنواع الزهور تحيط بها الأوراق من كل جانب، وبعضها تحيط به أشواك كثيفة لحمايتها.وكل أنواع الحبوب لها غلاف أو سنابل تحميها..بل أرشدنا القرآن الكريم إلى أن خير وسيلة لحماية الحبوب من التلف والفساد هي الإبقاء عليها داخل سنابلها طوال فترة التخزين ﴿ فَمَا حَصَدتمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ [يوسف: 47][2].


            وكل الثمار والفواكه لها قشرة أو جلدة خارجية لحمايتها أيضًا من التلف بفعل عوامل البيئة مثل الموز والبطيخ والمانجو والبلح وغيرها.


            وفى عالم الحيوان نلاحظ أن اللؤلؤ الثمين يحتمي بأصداف قوية من بطش الأسماك والكائنات البحرية الضخمة المفترسة.وتغطى السلحفاة جسدها بدرقة صلبة يستحيل على الحيوانات المفترسة كسرها أو اختراقها لالتهام السلحفاة الضعيفة.وتكسو جسم "القنفذ" غابة من الأشواك كفيلة بصد كل من تسوِّل له نفسه الاعتداء عليه.وتلتف الطيور برداء كثيف من الريش لحماية أجسادها الضعيفة من حرارة الشمس وبرد الشتاء.


            وهكذا نرى بوضوح أن الحجاب ليس موجودًا فقط في عالم البشر، بل هو موجود منذ بدء الخليقة في كل الكائنات الحية الأخرى.وقد خلق الله بحكمته عظام الجمجمة التي تحيط بالمخ من كل جانب لحمايته، كما يحجب القلب ويحميه بسلسلة من عظام القفص الصدري.


            وفى عالم الكواكب نلاحظ مثلاً أن "أُمُنَّا" الأرض يحيط بها غلاف جوى محكم "لحجبها" وحمايتها من الإشعاعات الكونية المدمرة التي تصدرها الشمس وغيرها من النجوم الهائلة.وتشير أحدث الأبحاث العلمية إلى وجود طبقة عازلة أيضًا حول العديد من الكواكب الأخرى لذات الغرض.


            وبذات المنطق يمكننا أن نُفَسِّر منطق الإسلام في فرض الحجاب على بنات حواء. فالمرأة في الإسلام مثل الزهرة الرقيقة أو الجوهرة الغالية التي يجب الحفاظ عليها وحمايتها من الذئاب الجائعة وأعين المتلصِّصين الذين يحاولون التهام الأجساد الناعمة ولو بنظرات فاجرة إلى ما حرَّم الله الإطلاع عليه لغير الأزواج وذوى القرابة المباشرة.


            ثم ماذا يفعل الأثرياء الذين يمتلكون ثروات طائلة من المجوهرات والتُّحَف النادرة والأموال؟ بل ماذا يفعل الإنسان العادي للحفاظ على أوراقه ووثائقه الهامة ومستندات ملكيته؟ ألا يلجأ كل هؤلاء إلى الحفاظ على هذه الأشياء الغالية داخل خزائن مُحكمة لحمايتها من الضياع أو السرقة!


            ولم يكن الإسلام هو أول من أمر النساء بالحجاب. إذ أن هناك نصوصًا في التوراة والإنجيل - رغم تحريفهما - صريحة وقاطعة الدلالة على أن الحجاب بل النقاب كان في السابقين على بعثة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ويعترف أعداء الحجاب الإسلامي بأن الحجاب كان موجودًا في كل الأمم القديمة مثل الفرس، واليونان والأشوريين وقدماء المصريين.


            ومن الأدلة على فرض الحجاب في الديانة اليهودية ما جاء في سفر التكوين: "ورفعت رفقة عينيها فرأت إسحاق فنزلت من الجمل، وقالت للعبد: مَن هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا فقال العبد: هو سيدي، فأخذت البرقع وتغطَّت".


            وجاء في الإنجيل: "وكل امرأة تصلى أو تتنبأ وليس على رأسها غطاء تجلب العار على رأسها، وإن كشف الغطاء كحلق الشعر تمامًا، فإذا كانت المرأة لا تغطى رأسها، فليقص شعرها" (كورنثوس 11: 5، 6) وهذا نصٌّ قاطع الدلالة على فرضية الحجاب على نساء النصارى أيضًا.


            ولا يمكن لليهود أو النصارى إنكار أن السيدة مريم - عليها السلام - كانت ترتدي حجابًا إسلاميًّا كاملاً شاملاً مغطِّيًا لكل الجسد، كما طَبَّقَت الحجاب كذلك بمعناه الآخر وهو تجنب الاختلاط بالرجال من غير المحارم.ولم تبدِ زينتها لأحد مُطلقًا، وهذا تطبيقٌ للحجاب بمعناه الثالث.ولا يعيب الإسلام أنه أقرَّ الآداب والأخلاق التي جاءت بها الأديان السابقة، فقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتمم مكارم الأخلاق.


            ومما يثير الدهشة والسخرية معًا أن أولئك الذين يتطاولون على الحجاب الإسلامي لا يفتح أحدهم فمه بكلمة واحدة ضد حجاب الراهبات النصرانيات!! كما لا يجرؤ أحد من هؤلاء الجبناء على توجيه أي نقد كذلك لغطاء الرأس اليهودي أو "الطاقية" ولا ملابس الحاخامات، فهم يعرفون جيدًا مصير كل من تُسوِّل له نفسه التفوه ببنت شفة ضد بنى صهيون!!


            وكذلك نلاحظ أن الملابس الطويلة المحتشمة لدى شعوب وقبائل كثيرة غير مسلمة مثل الساري الهندي لا تُثير انتقاد أولئك الحاقدين على حجاب النساء المسلمات!! إنه العداء السافر لكل ما له صلة بالإسلام العظيم من قريب أو بعيد.


            ثم ما هو الأولى بالذَمِّ عقلاً وفطرة، أن نلوم مَن يدعو إلى الحشمة والعفة والستر وكف الأذى وتجنب الشرور، أم مَن يُشيع العُرى والتهتك والخلاعة في المجتمعات!! هل يلوم الدين الحنيف الذي يدعو إلى الفضائل ومكارم الأخلاق إلا فاسق خليع؟!


            بل إن الأمر الإلهي الوارد في القرآن لنساء النبي ونساء المؤمنين بارتداء الملابس الساترة لكل المفاتن، هو في حد ذاته دليل قاطع على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو دليل في ذات الوقت على كذب وتناقض أقوال وافتراءات المستشرقين وتلاميذهم في كل مكان وزمان.


            ولتفصيل ذلك نقول: إن أعداء الإسلام يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان رجلاً شهوانيًّا يحب النساء، كما أنَّهم ينكرون نبوَّته بطبيعة الحال.ونسأل هؤلاء: ما الذي يحبه الرجل الشهواني ويهواه؟! أليس مثل هذا الصنف من الرجال هو الذي يتطلَّع إلى مفاتن أجساد النساء، ويهمه دائمًا أن تكون كل تلك الأجساد الفاتنة مكشوفة لعينيه، كما يعجبه أيضًا أن تتفنن النساء في ارتداء أحدث الأزياء الخليعة المبتكرة الجاذبة لأعين هؤلاء الرجال من أصحاب الأهواء والشهوات كما يحدث في الغرب على أوسع نطاق ممكن!!


            هل يأمر الرجل الشهواني النساء بستر أجسادهن، وعدم كشف المفاتن لغير الزوج والمحارم!! لو كان - عليه السلام - كما تزعمون لأمر النساء بالتعري والتهتُّك كما تفعلون أنتم، لكنه أمرهن بالستر والعفاف وهذا وحده كاف لنسف كل افتراءاتكم وإثبات صدقه وطهارته ونبوته.


            وهل يأمر الرجل الشهواني أتباعه بحفظ وصيانة الفروج إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم!


            وهل يهتم الرجل الشهواني بغض الأبصار!


            وهل يحظر عليهم وعليهن الاختلاء والاختلاط بالأجانب من الرجال والأجنبيات من النساء!!


            وهل مثل هذا الشهواني يأمر الرجل بتجنب مضاجعة الزوجة إذا كانت حائضًا أو نفساء وتجنب الإتيان في الدُبُر!!


            لو لم يكن نبيًّا لكان الأفضل له أن يترك الحبل على الغارب لأتباعه، كما يفعل من لا خَلاَق لهم من الزعماء السياسيين وطُلاَّب الرئاسة والدنيا الذين يتركون لأنصارهم حرية ممارسة الجنس وفعل كل الشهوات بلا ضوابط أو حدود أو قيود، كسبًا للولاء وحرصًا على جذب مزيد من الأتباع والأنصار.لكنه - عليه السلام - فعل العكس تمامًا، وفُرَض العفة والحشمة وكبح جماح الشهوات على الجميع كما يعلم كل من درس السيرة العَطِرة. وكذلك طَبَّق - صلى الله عليه وسلم - العقوبات الشرعية التي أمر الله بها - الرجم والجلد - على كل مَن ارتكب الفاحشة من الرجال أو النساء.


            وهذا أيضًا يثبت أنه نبي حقًّا أرسله ربه بالحق والعدل وتحريم الفواحش والمنكرات، ولو كان رجلاً شهوانيًّا يحرص فقط على الملذَّات والرئاسة وغيرها من متاع الدنيا لما جاء بشيء من تلك الأوامر والنواهي التي تكفل حياة طاهرة شريفة.


            فاكهة مصونة


            سألت سيدة أوروبية شابًّا سودانيًّا مسلمًا: لماذا يفرض دينكم على النساء هذه الملابس التي تغطى كل جسمها؟! ورد عليها الشاب الذكي بسؤال آخر: سيدتي..لو ذهبت إلى أحد المحالِّ لشراء بعض الفاكهة، ووجدت هناك نوعين من ذات الفاكهة أحدهما مُغَلَّف ومُغَطًّى لتبقى نظيفة بعيدة عن الأتربة والذباب، والنوع الآخر مكشوف يعلوه التراب والذباب، فأي النوعين ترتاح نفسك إلى شرائه فأجابت السيدة غير المسلمة بسرعة: أشترى النوع النظيف المغطى طبعًا..ابتسم الشاب قائلاً: هكذا هي نظرة الإسلام إلى المرأة يا سيدتي..إنها فاكهة يجب أن تُغَطَّى لتبقى سليمة نظيفة من غبار الفتن وأعين المتطفلين الذين هم كالذباب أو أشد خطرًا..وإزاء هذا الجواب العبقري ابتسمت السيدة الأوروبية إعجابًا، وأقرَّت بأنها قد فهمت للمرة الأولى حكمة الإسلام في الحجاب بهذا التشبيه الجميل البسيط.وهذا الأسلوب الذي استخدمه هذا الشابُّ العاقل هو بالضبط ما نحتاجه بشدَّة هذه الأيام، فنحن نملك بضاعة ثمينة نفيسة تحتاج فقط إلى من يحسن عرضها ويجيد شرح مزاياها ليقبل عليها الآخرون عن رضا واقتناع ويقين.


            وتزعم دول الغرب وجمعيَّات حقوق الإنسان هنا وهناك أنها ترعى الحقوق والحرِّيَّات لكل البشر...فإذا قابلت امرأة في باريس أو لندن مثلاً ترتدي الميكروجيب أو المينى جيب الذي يُظْهِر معظم جسدها، فإنك لا تستطيع أن تقول لها كلمة واحدة استنكارًا لهذا، والرد الجاهز عليك: إنها حُرَّة في بلد حُرٍّ ترتدي ما تشاء!! وأية محاولة للتدخل بهذا الصدد هي خرق لحريتها الشخصية وعدوان على حقوقها!! ونسأل هؤلاء وأذنابهم: أليست للمرأة المسلمة حرية شخصية أيضًا في ارتداء ما تشاء من حجاب أو نقاب!! أم أن الحرية لكم وحدكم وليس لمسلم أو مسلمة فيها نصيب؟!


            الحقيقة الفاضحة هي أن الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير هو نهج القوم في كل ما يخص قضايا الإسلام والمسلمين!! ونشير أيضًا إلى أن الضجة المفتعلة التي أحدثها حجاب تلميذة صغيرة في فرنسا - وذات الأمر حدث في انجلترا - تثبت أن تلك الدول لا تستحق وصف "دول كبرى" ولا حتى "صغرى"!!


            أية دولة هشَّة تلك التي تقوم فيها الدنيا ولا تقعد بسبب غطاء رأس تلميذة صغيرة! هل غطاء رأس طفلة يهدد الأمن القومي الفرنسي أو الانجليزى!! إنه فقط العجز عن وقف المد الإسلامي المبارك، واعتناق الملايين هناك سنويًّا للإسلام، فلا يجد القوم متنفَّسًا لأحقادهم ورعبهم من الدين الحق إلا بإثارة مثل تلك الزوبعة بين الحين والآخر حول الحجاب والمحجبات.


            وماذا عن قتل مسلمة مصرية في ألمانيا - د.مروة الشربينى - لمجرد أنها رفضت خلع الحجاب!! أية حرية تلك التي يزعمون!!


            نوابغ ومحجبات


            وهناك فِرية أخرى هي زعمهم أن الحجاب يعوق المرأة عن العمل والإبداع..والردُّ الفوري أن هذه كذبة مفضوحة تنسفها وقائع التاريخ، كما تنفيها حقائق الحياة في عصرنا.فلم يمنع الحجاب أمهات المؤمنين من تعليم كبار الصحابة حتى من الرجال، ولم يمنع الحجاب السيدة عائشة مثلاً من التفقُّه في الإسلام والشعر والطب واللغة، ويكفى أنها رَوَت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ألفى حديث.ولم يمنع الحجاب أسماء بنت أبى بكر - رضي الله عنها - من القيام بما يعجز عنه عشرات الرجال من تغطية لهجرة أبيها وصاحبه وإمدادهما بالطعام حتى إنها قطعت جزءًا من "نطاقها" - كما هو معروف - لتغطى به الطعام.وكذلك لم يمنعها الحجاب من مجابهة الطاغية الحجاج الثقفي يوم قتل ابنها عبد الله بن الزبير وضرب الكعبة بالمنجنيق..وصفعته بشدة وصرامة بكلمات عجز آلاف الرجال عن مواجهته بمثلها، وأخبرته بحديث شريف عن قومه ثقيف أنه يخرج منهم كَذَّاب ومُبير أي: طاغية دموي سفاح[3]..ولم يتجرَّأ الحجاج على المساس بها، وخرج من عندها يجر أذيال الخيبة والعار.


            ولم يمنع الحجاب نُسيبة بنت كعب الأنصارية - رضي الله عنها - من القتال في غزوة أحد، وكانت من الذين شكَّلوا درعًا بشريًّا حول النبي - عليه السلام - لحمايته من هجوم المشركين بسبب مخالفة الرماة لأوامر النبي بعدم التحرُّك من مواقعهم.وثبتت نسيبة كأشد الأبطال بأسًا وجسارة وصرعت وحدها عددًا من المشركين، كما تلقَّت طعنات خطيرة وهى تفتدى النبي - عليه السلام - بنفسها، وأثنى عليها - صلى الله عليه وسلم - وأخبر أن مقامها في القتال لحمايته والدفاع عنه كان خيرًا من مقام رجال كثيرين[4].


            ولم يمنع الحجاب الخنساء - رضي الله عنها - من نظم شعر لم يأتِ بمثله كثير من الرجال، وظلَّ إبداعها تترنَّم به الأجيال تلو الأجيال حتى اليوم.


            ولم يمنع الحجاب الملكة شجرة الدرِّ من قيادة جيش المسلمين في مصر بعد وفاة زوجها الملك أثناء المعركة، ونجحت ببراعة نادرة في إخفاء نبأ وفاته، وتوجيه قادة الجيش نحو النصر الساحق على الجيش الفرنسي - وهو من أقوى جيوش أوروبا - وأسر الملك لويس التاسع.ولو شئنا أن نورد كل الأمثلة لاحتجنا إلى مجلدات، ولكن في هذا ما يكفى لنسف الزعم الباطل بأن الحجاب يعوق المرأة.


            وحتى في عصرنا هذا نجد أن كثيرًا من أوائل الشهادات العامَّة والمتفوِّقين بالجامعات العربية والإسلامية هن من البنات.وتكفى نظرة واحدة إلى ما تنشره الصحف والمجلات من صور لهؤلاء الأوائل لنكتشف بوضوح أن معظمهن من الفتيات المحجبات.وفى كليات القمة مثل الطب والهندسة نلاحظ أيضًا أن معظم الطالبات من المحجبات والمنقبات..وهذا يقطع بأن العكس هو الصحيح، وأن الزى الإسلامي هو علامة وقرين للتفوق العلمي والعملي وليس العكس.


            رحمة بهن


            وهناك جانب إنساني نبيل في فرض الحجاب لا يلتفت إليه الكثيرون أو لا يدركونه.فقد شاءت إرادة الله - تعالى - أن تتفاوت حظوظ خلقه في مختلف الأمور ومنها الجمال. فليست كل النساء على قدر واحد متساوٍ من الجمال والحسن.وليس كل الرجال بقادر على ضبط الهوى أو كبح الشهوة أو غض البصر.ولهذا تدخَّل الشارع الحكيم ليحمى تلك التي لم تُرزق حظًا وافرًا من الجمال بأن يُفرض عليها وعلى الأُخريات تغطية أجسادهن، وبذلك لا تفتن إحداهن أزواج الأُخريات، ويقنع كل رجل بزوجته مهما قل نصيبها من الجمال.لأنه لن يرى جمال الأُخريات.بل يحمى الإسلام تلك الجميلة جدًّا من نفسها ومن الآخرين ويحميهم منها أيضًا بفرض الحجاب عليها؛ لأن من شأن ترك الحبل لها على الغارب أن يفتن بها الرجال الأجانب، وتُفتتن هي أيضًا، وبذلك تنفتح عليها وعليهم وعلى زوجاتهم بوابات الجحيم، وخراب أسرتها هي قبل الأُسَر الأخرى.وواقع المجتمعات التي تسمح بالتعري والاختلاط خير شاهد على ما نقول.وكم من جرائم قتل واغتصاب وتحرُّش جنسي وقعت بالملايين بسبب ذلك، وسيأتي مزيد من التفاصيل حول هذه النقطة.


            ثم إن الجمال الظاهري لا يبقى أبد الدهر، وسوف تكون الشابة الفاتنة اليوم عجوزًا شمطاء غدًا، فإذا التزمت بالحشمة والحجاب وآداب الإسلام في شبابها، يكافئها الله عندما يزول جمالها، بأن يحجب جمال مَن هن أصغر سنًّا منها عن عيني زوجها، فلا يميل إليهن ويزهد فيها.


            أما إن تعرَّت وأغوت رجالاً آخرين بمفاتنها السافرة، فسوف يكون الجزاء من جنس العمل، فيُفتن زوجها بجمال أُخريات، ويزهد فيها، ويلحق الخراب ببيتها كما خربت بيوت أُخريات من قبل.


            والحجاب رحمة من الله بالرجال أيضًا..فإن مئات الملايين من الشباب في كل أنحاء العالم عاطلون عن العمل، ويعجزون عن تدبير نفقات الزواج في ظل أزمات اقتصادية عالمية طاحنة تلتهم كل شيء.فمن رحمة الله بهؤلاء المساكين من الشباب أن تُحجب مفاتن النساء عن أعينهم، فلا يصابون بالكبت أن رأوا ما لا يقدرون على الحصول عليه، أو ينتاب بعضهم جنون الشهوة فيفترسون النساء السافرات.وهكذا فإن الحجاب يحمى مئات الملايين من الشباب العاجز عن الزواج إلى أن يرزقهم الله من فضله وإحسانه بزوجات حليلات طاهرات.


            وإذا كانت الجريمة بصفة عامة هي ظاهرة بشرية لا يمكن القضاء عليها تمامًا، فإن النظام القانوني الإسلامي قد نجح في الحد منها بشكل عجزت عنه كل التشريعات الإنسانية على مدار التاريخ كله.

            اغتصاب العاريات


            وفرض الحجاب بمعانيه المختلفة - منع الاختلاط والملابس المحتشمة وستر الزينة- لَعِب دورًا بارزًا في هذا الإطار - مكافحة الجرائم غير الأخلاقية - فشلت كل قوانين الغرب في الإتيان بمثله.


            والدليل القاطع هو أن أعلى معدلات جرائم الاغتصاب وهتك العرض أو التحرُّش الجنسي هي تلك التي سجَّلتها الإحصاءات الرسمية في دول الغرب مثل: بريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا، وغيرها.وعلى سبيل المثال ذكرت الإحصاءات الرسمية الأمريكية أنه تقع جريمة اغتصاب أنثى أو تحرُّش جنسي على الأقل كل 3 ثوانٍ، أي اغتصاب عشرين امرأة على الأقل - كل دقيقة - ويعنى هذا أن 1200 أمريكية على الأقل تغتصب أو يتحرش بها كل ساعة من الزمن!! ويعترف رجال الشرطة ومصادر وزارة العدل الأمريكية بأن الأرقام الحقيقية هى أضعاف تلك المعلنة!![5]، والمعروف أن عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية يقارب عدد سكان العالم العربي (حوالي 350 مليون نسمة)..فإذا طالعنا معدلات ما يقع من جرائم الاغتصاب في العالم العربي نجد الفارق هائلاً..فإذا كان عدد جرائم الاغتصاب يتجاوز ألف واقعة كل ساعة في أمريكا، فالرقم في كل الدول العربية مجتمعة لا يتجاوز خمسة بالمائة من تلك المُسجلة هناك.


            وإذا كانت ندرة جرائم الاغتصاب سببها الأول غلبة الورع والاعتدال على نفوس المسلمين هنا - وتلك تحسب للإسلام أيضًا - فإنه لا يمكن إنكار أن حشمة المسلمات وستر المفاتن الجسدية وتجنبهن الاختلاط قد لَعِب دورًا كذلك في حمايتهن من الذئاب بعكس الضحايا في الغرب اللاتي لا يسترن أجسادهن، بل يرتدين ملابس خليعة مثيرة تغرى الذئاب المسعورة هناك بالتهامهن، وصدق الله العظيم الذي ذكر الحكمة العظمى من فرض الحجاب على المسلمات بقوله - تعالى -: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ [الأحزاب: 9]، وهى التي سَمَّاها العلماء بآية الحجاب.


            قال الإمام الواحدي تفسيرًا لهذا: "فَيُعْلَم أنهن حرائر - بارتدائهن النقاب - فلا يُعرض لهن بأذى"، وقال الإمام الشوكانى: "أي: أقرب أن يُعرفن ويظهر للناس أنهن حرائر فلا يُؤذين من أهل الريبة الفسقة بالتعرض لهن".وقال الإمام ابن كثير تفسيرًا للآية: "أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر النساء المؤمنات المسلمات - خاصَّة أزواجه وبناته لشرفهن - أن يدنين عليهن من جلابيبهن - يرتدين النقاب - ليتميَّزن عن سمة نساء الجاهلية".وقال - رضي الله عنه - أيضًا عن قوله تعالى: ﴿ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ ﴾ [الأحزاب: 9]، أنه يعنى: "إذا فعلن ذلك - النقاب - عرف الناس أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة"[6].


            والأذى يشمل الألفاظ البذيئة وهو الأذى المعنوي، كما يشمل إطلاق الشائعات وتلويث سمعة كل مَن تلبس ملابس غير محتشمة أو سوء الظن بها، وكذلك الاعتداء الجنسي بالاغتصاب أو هتك العرض أو ما يسمى الآن بالتحرُّش الجنسي، وكل إيذاء بدني آخر.


            ومن الواضح لكل ذي عقل وإنصاف أن القرآن الكريم قد ذكر منذ 14 قرنًا من الزمان ما يثبته الواقع في عالمنا المعاصر وخاصة الغرب الذي ذكرنا جانبًا من الإحصاءات حول جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي فيه، حيث لا حجاب ولا فصل بين الجنسين، كما تأكَّدت عظمة وصدق وحكمة القرآن، إذ نادرًا ما تتعرض منقبة للاغتصاب..وكيف يطمع الذئاب في عفيفة لا يرون منها شيئًا ولا يسمعون لها صوتًا، كما لن يجدوا سبيلاً إلى الانفراد بها؛ لأن الإسلام العظيم عَلَّمَها كيف تحمى نفسها بعدم الكشف عن مفاتنها، كما حَمَاها بألا تخرج بمفردها إلى أماكن نائية تتعرض فيها للخطر، وإنما معها دائمًا أحد محارمها..وما الذي يدفع الفاسق إلى المجازفة بالعدوان على محتشمة لا يراها ولا يعرفها، بينما يجد ضالَّته في شبه العاريات المستهترات اللاتي يشكِّلن - بمظهرهن المثير المتبرج وكلامهن الناعم وعدم تحرجهن من الاختلاط بالجنس الآخر - دعوة صريحة إلى الفاحشة!!


            وقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة في أمريكا ضرورة الفصل بين الجنسين في مراحل التعليم المختلفة لتجنب مشاكل كثيرة منها عدم التركيز إذا كان الأولاد والبنات مختلطين والغيرة والمشاجرات...الخ.


            بل وصل التحرُّش الجنسي والاغتصاب إلى داخل الشرطة الأمريكية ذاتها، والتي يُفترض أنها هي التي تحمى الناس!!


            يقول الشيخ محمدصالح المنجد: "شمل استفتاء أُجرى مؤخرًا 333 امرأة تعمل بالشرطة الأمريكية، وقالت نصف الشرطيات المشاركات أنهن تعرضن للاعتداء الجنسي من رؤسائهن وزملائهن الرجال، وامتنعت الباقيات عن التحدث في الموضوع!!


            وقالت مجلة الطب النفسي الأمريكية أن 42% على الأقل من النساء العاملات تعرضن للاعتداء الجنسي من زملائهن الرجال، والباقيات لم تجرؤ إحداهن على الكلام في الموضوع، و7% فقط من الحوادث هي التي يتم الإبلاغ عنها!!


            وفى اليابان انتشرت ظاهرة التحرُّش الجنسي بالنساء في القطارات بصورة خطيرة خاصَّة في الرحلات المسائية المتأخِّرة. واضطرت شركة "كيو إليكتريك" للسكك الحديدية إلى تخصيص خدمة عربات "للسيدات فقط" في الساعات المتأخِّرة من الليل طبقًا لما ذكرته صحيفة فايننشال تايمز في تقرير لها من طوكيو.ووضعت شركات أخرى لافتات تدعو ضحايا التحرش الجنسي إلى الإبلاغ عن الفاعلين.وقررت السلطات اليابانية رفع غرامة التحرش الجنسي إلى خمسين ألف ين يابانى وآلاف الدولارات دون جدوى".انتهى[7].


            إننا نشعر بالفخر؛ لأن الإسلام العظيم قد وضع حلولاً حاسمة تحمى النساء من هذا البلاء قبل 14 قرنًا من الزمان.ولو طبق البشر المفاهيم المتعدِّدة للحجاب - الملابس المحتشمة وعدم الاختلاط وعدمإبداء الزينة للأجانب - لما عمَّهذا الوباء المسمى بالتحرُّش الجنسي والاغتصاب كلأنحاء العالم.


            الحجاب ضد السرطان


            وقد أثبتت أبحاث علمية حديثة الإعجاز الإلهي في الأمر بالحجاب، إذ تبلغ معدلات إصابة العاريات بسرطان الجلد أضعاف معدلات الإصابة بين المحتشمات.وتزيد النسبة بين مَن يرتدين "المايوه" لأخذ "حمام شمس" 13 ضعفًا عن الأُخريات، ويسبب التعرُّض لأشعة الشمس فترات طويلة حدوث "ندوب" و"بقع" في جلد المرأة، وهى من النوع الخبيث؛ أي: المسبب للسرطان"[8].


            وهناك أبحاث أخرى غربية أيضًا تثبت ارتفاع معدلات الإصابة بسرطان الثدي بين اللاتي ترتدين ثيابًا كاشفة للصدر والنحر.


            وأكد طبيب كندى أن النقاب ليس مجرد زى محتشم للمرأة بل يقلل من خطر إصابة النساء بسرطان الأنف والحلق؛ لأنه يمنع الفيروسات من دخول الجسم.ونقلت صحيفة "سعودي جازيت" الصادرة باللغة الانجليزية عن الأستاذ الجامعي مالاكر قوله أنه لاحظ أن معدل إصابة النساء في المملكة العربية السعودية - ومعظمهن منقبات - بفيروس يسبب سرطان الأنف والبلعوم منخفض للغاية.وقال مالاكر: "النقاب يقي من العدوى فى الجزء الأعلى من الجهاز التنفسي...وتنخفض نسبة الإصابة بسرطان الأنف والبلعوم بشدة لدى النساء في المملكة العربية السعودية مقارنة بالرجال".وأضاف مالاكر: إنه لأمر شَيِّق أن عادة اجتماعية بسيطة - يقصد النقاب -يمكن أن يكون لها مثل هذا التأثير الكبير على حياة الإنسان[9].


            حجاب الرجال


            ويطرح البعض تساؤلاً آخر: لماذا لا يفرض الإسلام الحجاب على الرجال كما فرضه على النساء! ونرد على ذلك فورًا بأن الإسلام قد فرض الحجاب على الرجال أيضًا.وقبل أن يتصايح البعض استنكارًا لما نقول نورد فيما يلي ما نقصده بحجاب الرجال:
            أ- الحجاب بمعنى تجنب الاختلاط بغير المحارم من الجنس الآخر مفروض على الجميع رجالاً ونساءً.وإذا كان على المرأة أن تبتعد عن مجالس الرجال الأجانب عنها، فإن على الرجل أيضًا تجنُّب الاختلاط بنسوة أجنبيات عنه، فهذا أطهر لقلوب الفريقين، وهو مستفاد من قوله - تعالى -: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب: 53].والخطاب هنا كما هو واضح للرجال، وصيغة الأمر لا تحتمل أي تحريف أو تأويل، ثم ذكرت ذات الآية الكريمة الحكمة والعلة من هذا التشريع الحكيم: ﴿ ذَلِكَ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: 53].وطبقًا لهذا النص القاطع الصريح، فإن تجنب الاختلاط فرض على الرجال كما هو فرض على النساء، وهذا هو المعنى الأول للحجاب والمقصود الأسمى منه.ولا يقولن أحد أن هذه الآية الكريمة نزلت في نساء النبي فقط؛ لأنه إذا كان الله - تعالى - قد ألزم أمهات المؤمنين أشرف النساء وأطهرهن بذلك، وألزم أصحاب النبي - رضوان الله عليهم - بذلك أيضًا، وهم خير القرون؛ أي: خير البشر بعد الأنبياء، فإن الأجيال التي تأتى من بعدهم أولى بالالتزام بهذه الآداب والسلوكيات خاصة في ظل انتشار الفتن والانحلال كما نرى في أيامنا.والعبرة هي بعموم اللفظ وليست بخصوص السبب.وقد قال ابن كثير - رضي الله عنه - تعليقًا على آيات سورة الأحزاب التي خاطبت أمهات المؤمنين: "هذه آداب أمر الله - تعالى - بها نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ونساء الأمة تبع لهن في ذلك.انتهى[10].


            وهناك حديث صحيح نهى فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الرجال عن الدخول على النساء الأجنبيات - رواه البخاري - وخير صفوف الرجال في المساجد الصفوف الأولى خلف الإمام وشرها آخرها، وهى تلك القريبة من صفوف النساء، كما أن خير صفوف النساء في أماكن النساء بالمساجد أبعدها عن أماكن الرجال؛ لأنها أقرب إلى تجنب الفتنة.وهكذا نرى بوضوح أن التزام العفة وعدم الاختلاط فرض على الرجال أيضًا وليس على النساء وحدهن.


            ب- ألزم الإسلام الرجال بستر العورات كما ألزم النساء بذلك، لكن الفارق أن عورة الرجل هي من فوق سُرَّته - بطنه - إلى ما تحت الركبتين بينما بدن المرأة كله عورة.


            ويلاحظ كاتب هذه السطور أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يرتدى ثيابًا طويلة أيضًا والعمامة سُنَّة مؤكَّدة على الأقل إن لم تكن واجبة.وهكذا فإن الحجاب بمعناه الآخر - وهو ستر العورات وتغطية الجسم - يكون واجبًا على الرجل بدوره وإن لم يكن بالضبط مثل خمار المرأة، فاختلاف طبيعة وتكوين بدنه عن المرأة مما لا سبيل إلى الجدال بشأنه.


            ولنا دليل من واقع الغرب هو أنهم ينتجون أفلامًايسمون بطلاتها "ممثلات الإغراء" ويتفنَّن في التعري وإظهار مفاتنهن بكل خلاعة وانحلال، كما تُقام هناك مسابقات (ملكات الجمال).


            ولم نرَ أبدًا ما يسمى "ممثل إغراء" أو "ملك جمال" من الرجال!!!وهذا يثبت صواب وحكمة وعظمة وصف الفقهاء لبدن المرأة بأنه عورة كله.فكيف يطالبون بعد هذا بالمساواة الكاملة بين الجنسين!


            ألا يُحمد للإسلام أنه صان المرأة وأكرمها بالحجاب حتى لا يتحول جسدها إلى مجرد دُمية يعبثون بها، أو سلعة رخيصة يتاجرون فيها ثم سرعان ما يزهدون فيها ويلقون بها إلى قارعة الطريق بعد أن ينالوا منها مآربهم الدنيئة أو لأن جمالها قد زال بفعل الزمن وهو قدر لا فكاك منه؟!


            إن ما يفعلونه بالغرب من تعرية للنساء وجعلهن أدوات رخيصة لإثارة الغرائز و"الإغراء" كما يقولون يثبت صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي قال في حديث متفق عليه عندالبخاري ومسلم: "ما تركت بعدى فتنة هي أضر على الرجال من النساء"، فلماذا يستنكرون كلامًا هم أوَّل من يُطَبِّقه في الواقع وعلى أوسع نطاق ممكن؟!! ومن لا يعجبه هذا الكلام فليعد قراءة الفقرة السابقة، وليلقِ نظرة على وسائل الإعلام الغربي التي تتفنَّن في الاتجار بسيقان ونهود وشفاه وأعين النساء السافرات هناك!!


            ج- هناك قصة مشهورة لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع رجل من أهل المدينة اسمه نصر بن حجاج.فقد كان الفاروق يتفقَّد أحوال الناس ذات ليلة فسمع امرأة تقول شعرًا منه:
            هل من سبيل إلى خمر فأشربها
            أم هل من سبيل إلى نصر بن حجاج



            في الصباح أمر الفاروق باستدعاء نصر بن حجاج هذا فوجده وسيمًا كأجمل ما يكون الرجال.وفكر - رضي الله عنه - في كل الوسائل التي تكفل عدم افتنان مثل هذه المرأة بهذا الرجل الوسيم.وانطلاقًا من مسؤوليته كحاكم عن صيانة الآداب العامة أمر الفاروق نصرًا بارتداء العمامة فزادته جمالاً، وجرَّب معه كل الوسائل من حلق الشعر أو إطلاق اللحية فما زادته إلا جمالاً وفتنة.وهنا قرر أمير المؤمنين - رضي الله عنه - نفى نصر بن حجاج إلى خارج مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لإغلاق باب الفتنة به ومنه.قال له نصر: وما ذنبي يا أمير المؤمنين؟ أجابه الفاروق بأنه سيعطيه مالاً ويكتب إلى والى الإقليم الذي يرسله ليعيش فيه ليوصيه به خيرا.وتمَّ ذلك بالفعل وعندما اعترضت أم نصر قائلة للفاروق: سأشكوك إلى الله،يبيت ولداك إلى جوارك وتحرمني من ابني؟ فردَّ عليها الفاروق - رضي الله عنه - بأن ابنيه لم تنظم النساء فيهما شعرًا ولم يفتتن يهما أحد.وتقول الروايات أن نصرًا هذا سبَّب فِتَنًا أخرى بجماله في المكان الذي ذهب إليه، ولم يجد حلاًّ سوى الالتحاق بجيش المسلمين هربًا من الفتنة - رضي الله عنه - وهذه القصة تدل بوضوح على أنه يجب على الرجل ستر جسمه وخاصة إذا كان وسيمًا يفتن النساء، وعليه أن يتجنب الاختلاط بهن سدًّا لذرائع الفتنة والرذيلة، وعلى الحاكم المسلم أن يتَّخذ من الوسائل ما يراه ضروريًّا للحفاظ على الآداب العامة والقضاء على كل أسباب الرذيلة ولو بنفي من يتسبب في الفتنة[11].وتقول كتب التاريخ الإسلامي أن يوسف عليه السلام - وكان من أجمل خلق الله - كان يغطى وجهه الشريف عندما تأتيه امرأة لتسأله حاجة خشية عليها من أن تفتتن بجمال وجهه[12].


            وهكذا نرى أنه قد تكون تغطية الوجه واجبة على الرجل أيضًا في حالة الخوف من الافتتان به إن كان شديد الوسامة.


            والخلاصة أن تجنب كل أسباب الوقوع في الرذيلة وتفادى كل دواعي الحرام واجب على الرجال بذات القدر الواجب به على النساء. والقاعدة العامة الخالدة هي: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228].

            [1] انظر تفسير الآية الكريمة عند ابن كثير والنسفي والقرطبي والطبري والشوكاني والسعديوالرازيوغيرهم.

            [2] انظر تفسير الآية الكريمة في المراجع المشار إليها.

            [3] الحديث أخرجه مسلم في فضائل الصحابة عن أسماء بنت أبى بكر - رضي الله عنهما - وأخرجه أحمد 2/26، وأخرجه الترمذي2220 و3944 من حديث ابن عمر - رضي الله عن الجميع - والمعنى: أن قبيلة ثقيف التي منها الحجاج قد خرج منها كذَّاب ادَّعى النبوة وهو المختار بن أبى عبيد الثقفي، كما خرج منها سفَّاح قتل آلاف الصالحين وهو الحجاج بن يوسف الثقفي.

            [4] انظر ترجمتها - رضي الله عنها - في الطبقات الكبرى لابن سعد الجزء الثامن، وكذلك تهذيب التهذيب وسير أعلام النبلاء وغيرها، والقصة وردت في تفاصيل غزوة أُحُدفي سيرة ابن هشام وعند ابن كثير وغيرهما.

            [5] الإحصاءات الرسمية عن جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي في أمريكا وغيرها من دول الغرب يمكن بسهولة الحصول عليها الآن عن طريق البحث على شبكة الانترنت لمَن يريد، وبمختلف اللغات. وسوف يكتشف الباحث الفوارق الهائلة بين معدلات الجرائم في العالم الإسلامي، وتلك التي تقع في الغرب، والحمد لله على نعمة الإسلام.

            [6] انظر تفسير الآية 59 من سورة الأحزاب في فتح القدير للإمام الشوكانى والجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبى وتفسير الطبرى والنسفى وتفسير القرآن العظيم لابن كثير وغيرها من أمهات كتب التفسير.

            [7] المرأة العاملة - ألم وأمل - الشيخ محمد صالح المنجد - طبعة مكتبة سلسبيل مصر - ص 36-37 بتصرف يسير.

            [8] 20 دليل على وجوب تغطية وجه المرأة - الدكتور محمد بن عبد الرحمن العريفى - طبعة مكتبة سلسبيل - القاهرة - ص 41.

            [9] جريدة البيان الإماراتية الصادرة يوم الخميس 19 مايو 2005م العدد رقم 9101.

            [10] انظر تفسير القرآن العظيم - ابن كثير - تفسير سورة الأحزاب - الجزء الثالث - ص 453 - طبعة المكتبة القيمة - مصر.

            [11] انظر سيرة عمر ابن الخطاب في البداية والنهاية لابن كثير - التاريخ وسير أعلام النبلاء للذهبي - مناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزى وتاريخ الخلفاء للسيوطى.

            [12] انظر قصة يوسف - عليه السلام - في قصص الأنبياء للثعلبي المسماة عرائس المجالس وقصص الأنبياء لابن كثير رضي الله عن الجميع.





            يتبع إن شاء الله ....
            قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

            قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

            قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

            تعليق


            • #21
              الفصل الخامس عشر

              شبهات متفرَّقات



              (أ) مرور المرأة.. هل يقطع الصلاة؟




              يثير الخصوم ضجة حول حديث جاء في "صحيح مسلم" مضمونه أن مرور الكلب الأسود أو الحمار أو المرأة يقطع الصلاة، ويستنكرون وضع المرأة مع الكلب والحمار في مكان واحد!!

              وللرد على هذا نقول أولاً: أن فريقٌا من العلماء أكدوا أن هذا الحديث منسوخ - أي لا يُعمل بحكمه - نسخه حديث أبى داود: "لا يقطع الصلاة شيء وادرأوا ما استطعتم".

              ونقول ثانيًا: أنه قد صحَّت أحاديث موقوفة عن عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - تنص على أنه لا يقطع الصلاة شيء. وكذلك روى البخاري عن ابن شهاب أن الصلاة لا يقطعها شيء.

              وقال الإمام النووي في شرحه للحديث المذكور في "صحيح مسلم": قال مالك والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف: لا تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء أو غيرهم. وفسَّرَ هؤلاء الحديث الشريف بأن المراد منه نقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء وليس المراد إبطالها.

              وليس أدل على نسخ هذا الحديث من استنكار السيدة عائشة للمعنى الذي يذهب إليه الجهلة أو المغرضون.. روى الإمام البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - أنه ذُكر عندها ما يقطع الصلاة فقالوا يقطعها الكلب والحمار والمرأة. قالت: لقد جعلتمونا كلابًا!! لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى وإني لبينه وبين القبلة وأنا مضطجعة على السرير فتكون لي الحاجة فأكره أن أستقبله فأنسلّ انسلالاً. وفى رواية أخرى عند البخاري أيضًا قالت مستنكرة: شبَّهتمونا بالحُمُر والكلاب!! والله لقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلى وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنسلُّ من عند رجليه.

              وروى البخاري أيضًا عن زوجة أخرى للنبي - عليه السلام - هي السيدة ميمونة بنت الحارث - رضي الله عنها - قالت: "كان فراشي حيال مصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فربما وقع ثوبه علىَّ وأنا على فراشي". وفى رواية ثانية للبخاري قالت ميمونة - رضي الله عنها -: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلى وأنا إلى جنبه نائمة فإذا سجد أصابني ثوبه وأنا حائض".

              وفى كل هذه الأحاديث ما يثبت أنه - عليه السلام - لم يجد بأسًا في وجود امرأة أمامه أو بجواره وهو يصلى.

              وطبقًا لهذه الأحاديث الصحاح فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقطع صلاته لوجود أي من زوجتيه أمامه. والسُّنَّة الفعلية - أي فعله عليه السلام - هي أقوى دليل على عدم قطع الصلاة بمرور المرأة. كما أن إنكار السيدة عائشة - رضي الله عنها - لتشبيه النساء بالكلاب والحمير قاطع الدلالة على أنه - صلى الله عليه وسلم - بما عرف عنه من خلق عظيم يستحيل أن يساوى بين المرأة - وهى إنسان كرَّمه الله على سائر الكائنات - وبين الحيوانات، وهو الذي أوصى بتكريمها طوال عمره.

              وإذا كان لكاتب هذه السطور أن يضيف شيئًا فإنني أعتقد أنه لا بُدَّ من قراءة هذا الحديث على ضوء مفهوم الصلاة في الإسلام. فالصلاة صلة بين العبد وربه، وهى دعاء وابتهال ومناجاة، فهي صلة روحية متجددة بين العبد الضعيف الفقير والرب العلى الكبير. وينبغي للمسلم أن يتفرَّغ لها، ويبتعد عن كل ما يشغله عن مناجاة ربه بكل كيانه وجوارحه.

              إنك حين تكون واقفًا بين يدي ملك أو رئيس في الدنيا، أو صديق حميم لم تَرَه منذ زمن، أو تريد الاختلاء بزوجتك المحبوبة لا تطيق أن يُكدَّر صفو هذا اللقاء أو أن يشغلك عنه أحد.. فما بالك بمناجاة المحبوب الأعظم، ملك الملوك، الذي بيده كل أمرك ومصيرك وسعادتك في الدنيا والآخرة؟!!

              هكذا يمكن أن نفهم لماذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الأمور الثلاثة كأمثلة لما يقلِّل تركيز المصلى أثناء الصلاة، ويشتّت انتباهه، ويخرجه من الجو الروحاني الصافي إلى أشياء مادية دنيوية فانية قد تشغله عما هو أعظم وأرفع وأبقى.

              ويجب أن نفهم أيضًا أن مرور المرأة بين يدي المصلى يماثله في الآثار السلبية مرور رجل بين يدي المرأة التي تصلى.. فقد يشتِّت انتباهها ويقلِّل تركيزها في الصلاة بذات المنطق ولذات العلة.. وفى كل الأحوال نذكِّر الجميع بأن الأغلبية الساحقة من فقهاء السلف والخلف لا يعتبرون مرور المرأة بين يدي المصلى سببًا لبطلان الصلاة، بل سبب فقط لنقص الأجر لقلة التركيز فيها.

              وهناك حديث شريف يوضح أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها أخرجه الألباني في السلسلة الضعيفة، وحديث آخر عند الإمام أحمد قال فيه صلى الله عليه وسلم عن العبد المنشغل عن صلاته: "إن العبد ليصلى الصلاة ما يكتب له منها سوى عشرها تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها". وهو هنا سينشغل بمرور أحد من الجنس الآخر حتمًا فيقل ما يعقله من صلاته.

              وهذا دليل على أن مفهوم الحديث هو الحث على تجنب مرور شيء أو أحد بين يدي المصلى، أي: في المسافة بين قدمي المصلى وموضع سجوده، وهى تعادل حوالي المتر تقريبًا.. وهو إرشاد للجميع من الجنسين بوجوب الحرص على احترام الصلاة، وعدم التسبُّب في تقليل أجر المصلى بتشتيت انتباهه بأية وسيلة ومنها مرور الجنس الآخر في تلك المسافة القليلة أمامه. وكذلك يحظر التشويش على المصلى ولو بقراءة القرآن بجواره بصوت مرتفع.

              وهناك قاعدة عامة تحظر المرور بين يدي المصلى على الجميع، وتقرِّر أن للمصلى أن يدفع من يحاول المرور بينه وبين موضع سجوده إذا كان قد وضع سُتْرَة - أي علامة - لتنبيه المارة، بل يجوز للمصلى - إن أبى المارُّ بين يديه إلا المضي في ذلك - أن يقاتله؛ لأنه يرتكب فعلا مُنْكَرًا بإصراره على تعكير جو الصلاة الروحاني كما أسلفنا. وحديث النهى عن المرور بين يدي المصلى رواه البخاري في باب: (إثم المار بين يدي المصلى).

              ولا يمكن إنكار أن مرور امرأة جميلة مباشرة في تلك المسافة القريبة جدًّا من الرجل المصلى سوف يتسبَّب في لفت انتباهه إليها خاصة إذا كان شابًّا في عنفوان الصبا ولم يتزوَّج بعد. وذات الأمر إذا كان المار شابًّا أمام أعين النساء. والقول بعدم حدوث ذلك هو مغالطة سافرة تخالف واقع البشر في كل مكان وزمان وخاصة الشباب من الجنسين.

              وإذا نجح البعض في غض بصره وتجاهُل مرور الجنس الآخر أمامه فإنه سوف ينشغل نفسيًّا وذهنيًّا - ولو لثوانٍ - بالضيق والغضب من تلك أو ذلك المار أمامه الذي أفسد عليه صفاء ونعيم القرب من الله ومناجاته والتذلل بين يديه.

              وهكذا يتَّضح أن الحديث الشريف ليس فيه أي انتقاص للنساء، بل هو إرشاد نبوي كريم للجنسين بمراعاة خصوصية الصلاة، ووجوب توفير الهدوء والروحانية اللازمة لأدائها، وعدم التشويش على المصلى بأية وسيلة مثل المرور بين يديه
              .
              (ب) هل النساء أكثر أهل النار؟!!


              يثير الحاقدون شبهة حول الحديث الشريف الذي عند البخاري باب: كفران العشير، وقال فيه عن النار "ورأيت أكثر أهلها النساء..." وعلَّله بإنكارهن حسن العشرة.

              ونقول أولاً: الله سبحانه وتعالى حكم عدل لا يظلم أحدًا بسبب جنسه أو لونه أو أية مقاييس أخرى من هذا القبيل.. ﴿ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ[ق: 29]. وعلى ذلك فإن أية امرأة سوف تدخل الجنة أو النار جزاء ما قدمت في الحياة الدنيا من خير أو شر، وهو ذات المعيار الذي يحاسب الله به الرجال أيضًا. ويقينًا فإن من يدخل النار سوف يكون مستحقًّا لذلك بسوء عمله - ذكرًا كان أم أنثى - إلا أن يشمله الله برحمته وكرمه وإحسانه.

              ثانيًا: سياق الحديث الشريف في الرواية الأخرى الصحيحة أيضًا يدل بوضوح على أنه جاء على سبيل التحذير للنساء من أخطاء شائعة بينهن مثل إنكار معروف الزوج وحسن عشرته بمجرد أن تغضب منه لأي سبب ولو كان تافهًا.

              كما أن أمره الشريف لهن في ذات الحديث بالصدقة يثبت بوضوح أنهن يستطعن الإفلات من النار بالإكثار من الأعمال الصالحة وخاصة الصدقة، فالأمر ليس قدرًا محتومًا عليهن، وإلا لما كان للأمر بالصدقة هنا أية فائدة. وصدقة السرِّ تطفئ غضب الرب كما ورد في حديث آخر صحّحه الشيخ الألباني - رحمه الله - بمجموع طرقه وشواهده، وهناك حديث ثالث: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" رواه البخاري وغيره. إذًا يمكن للنساء تجنب النار بالإكثار من الصدقة.

              وهكذا يتَّضح بجلاءٍ أن الأمر لا يعدو كونه تحذيرًا لهن من المعاصي.. بل إن هذا الحديث الشريف ذاته يعتبر دليلاً على حرص الإسلام الشديد واهتمامه بالنساء، فإنك لا تُحَذِّر أحدًا من خطر يُهَدِّدُه إلا إذا كنت تُحبُّه وتحرص عليه وتهتم بأمره، وهكذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحذيره للنساء من النار في هذا الحديث. وقد فهمت صحابيات جليلات هذا المعنى فقلن في حديث البيعة: "الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا".

              ثالثًا: إن اللفظ الذي استخدمه النبي - عليه السلام - هنا هو "أكثر"، والأكثرية قد تتحقق بالنصف +1. فيحتمل أن يكون النساء 51% من عدد أهل النار، بينما يكون الرجال 49% وبذلك فإن الفارق بينهما يكون ضئيلاً رغم أن الأكثرية من النساء. ولو كان المقصود غير ذلك لاستخدم الرسول - وهو الذي أوتى جوامع الكلم - لفظًا آخر مثل: كل أهل النار أو الأغلبية الساحقة من أهل النار أو غير ذلك. إذًا فاستخدام لفظ: "أكثر أهل النار" يشير إلى أن الفارق لن يكون هائلاً بين أعداد الرجال والنساء؛ لأن الأكثرية كما أشرنا قد تتحقق لهن بفارق ضئيل.

              رابعًا: نُجدِّد هنا الإشارة إلى ضرورة فهم النصوص مجتمعة، فهي كلها مع بعضها البعض تشكل نظامًا تشريعيًا متكاملاً. ومن الخطأ الفادح اقتطاع نص واحد أو جزء من آية أو حديث ثم إثارة الشكوك والغبار حوله مع تجاهل باقي النص أو النصوص التي توضح المقصود وتلقى الضوء على المعاني الحقيقية للنص.

              والمثال واضح هنا أيضًا، فهناك حديث صحيح آخر عند البخاري ومسلم وغيرهما يثبت أن أعداد الرجال في تناقص مستمر، وأعداد النساء في تزايد مطَّرد، وسوف يكون من العلامات الصغرى للساعة أن يتسع الفارق الهائل بين أعداد الرجال وأعداد النساء - بسبب الحروب وغيرها - حتى تكون النسبة العددية هي 1 إلى 50، أي رجل واحد مقابل خمسين امرأة. وعلى هذا الأساس فمن الطبيعي أن تكون أعداد النساء في النار أكثر من أعداد الرجال، وكذلك أعدادهن في الجنَّة أيضًا. وهكذا فإن حديث علامات الساعة الصغرى كاف تمامًا لتفسير سبب زيادة أعداد النساء في النار على أعداد الرجال؛ لأن هذا هو الحال في الحياة الدنيا، فلا غرابة أن يكون الأمر على ذات المنوال في الآخرة.

              وقد تنبه إلى هذا بعض علماء السلف - رضي الله عنهم - رغم عدم وجود وسائل حديثة للإحصاء في زمانهم، ومنهم القاضي عياض - رضي الله عنه - الذي قال: "النساء هم أكثر ولد آدم". وقال كثير من علماء السلف أيضًا أن أكثر أهل الجنة من النساء، فلماذا لا يذكرون هذه كما ذكروا الأخرى؟!!

              خامسًا: ولماذا يُصر الحاقدون والجهلة على النظر دائمًا إلى نصف الكوب الفارغ؟! ولماذا يتجاهلون العديد من النصوص الأخرى التي تنص صراحة على وجوب الجنة للنساء الصالحات.. ألم يضرب الله مثلاً للذين آمنوا باثنتين من النساء هما السيدة مريم والسيدة آسيا وهما امرأتان في الجنة، بينما فرعون وهامان وقارون رجال لكنهم في النار؟!! ألم يُبشِّر الله السيدة خديجة بنت خويلد ببيت في الجنة وهى امرأة؟! أَوَلَيْسَ الجزاء واحدًا للجنسين ثوابًا أو عقابًا؟!

              ولدينا الكثير من الأحاديث التي نصت صراحة على أن المرأة تدخل الجنَّة مثل الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان الذي أوجب الجنَّة للمرأة التي تصلى فرضها وتصوم شهرها وتطيع زوجها وتحصن فرجها، فهي تدخل الجنة من أي الأبواب شاءت. وكذلك حديث آخر أوجب الجنَّة للمرأة التي يموت عدد من أولادها فتصبر وتحتسب، رواه البخاري وغيره. والمرأة التي تموت في أثناء الولادة تكون من الشهداء طبقًا لما رواه أحمد والنسائي وأبو داود، والشهداء كما هو معلوم في مرتبة عليا في الجنة. وهناك حديث رابع أوجب الجنة للأرملة التي تصبر على محنة موت زوجها وتجاهد لتربية أطفالها الأيتام وتأديبهم حتى يكبروا والحديث رواه أبو داود. وهناك الحديث الشريف الذي أكد أن كل زوجة تموت أو يموت زوجها وهو راضٍ عنها تدخل الجنَّة، وهو حديث رواه الترمذي وحسّنه ونصه: "أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنَّة".

              ولو شئنا لأوردنا الكثير من النصوص ولكن يكفى هذا القدر لمن أراد الحقيقة بإخلاص وتجرد عن الحقد والهوى..


              (ج) حظر زواج المسلمة بغير المسلم


              يتساءل كثير من غير المسلمين: لماذا أباح الإسلام للرجل المسلم أن يتزوج من نصرانية أو يهودية بينما يمنع المرأة المسلمة من الزواج برجل غير مسلم؟ والجواب على هذا السؤال يأتي على ضوء الفارق الهائل في العقيدة بين المسلم وغيره. فمن ناحية يؤمن المسلم بكل الرسالات والكتب السماوية الأخرى، ويفرض عليه الإسلام الاحترام الكامل والمحبة الخالصة لعيسى وموسى وغيرهما من الأنبياء والرسل - على نبينا وعليهم جميعًا الصلاة والسلام - وكذلك يمنعه الإسلام من فرض عقيدته على زوجته - إن كانت نصرانية أو يهودية - بالقوة، لأنه: ﴿ لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغىِّ[البقرة: 256]. وعلى الزوج أن يسمح لها بممارسة طقوس عبادتها، ولا يملك منعها من الذهاب إلى الكنيسة أو المعبد إن أرادت ذلك. ثم إن إيمانه برسالة عيسى وموسى سوف يجعله لا يذكر أيًّا منهما إلا بكل تقدير واحترام وأدب، وبذلك لن تتأذَّى زوجته الكتابية أبدًا.. ونلاحظ أيضًا أن الإسلام يعطى الزوجة غير المسلمة ذات الحقوق التي كفلها للزوجة المسلمة من نفقة وحسن معاشرة وغير ذلك. وأخيرًا فإن الزوجة الكتابية لن ينعقد زواجها بالمسلم إلا برضاها وموافقتها، كما أنها تملك المطالبة بالطلاق أو الخلع في أي وقت إن لم ترغب في البقاء مع زوجها.. وعلى ذلك يكون زواج الكتابية من المسلم مصدر خير وسعادة لها من كافة الأوجه، ولا توجد فيه أية أضرار على عكس الحالة الأخرى وهى زواج مسلمة من غير المسلم.

              إن غير المسلم لا يؤمن بنبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا يؤمن بأن القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية التي أنزلها الله - تعالى - كما أنه يستبيح شرب الخمر وأكل لحم الخنزير وهما محرَّمان في الإسلام، وغالبًا لن يقبل أن ترتدي زوجته الحجاب. ولو تزوَّج هذا الرجل بمسلمة، فلا شك أن كثيرًا من المشاكل الطاحنة سوف تُدَمِّر حياتهما معًا.. يكفى أن تبدر منه كلمة أو تعليق ساخر على صلاتها أو حجابها أو تلاوتها للقرآن الكريم أو نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - فيصيبها بأذًى وضرر نفسي بالغ، ولا شكَّ أيضًا أن تكرار هذه المواقف والكلمات من جانبه سوف يُنشىء حاجزًا نفسيًّا بينهما، وإذا استمر الشقاق والخلاف والأذى والإيلام النفسي للزوجة على هذا النحو فهل يظن أحد أن تنجح تلك الزيجة أو أن تستمر؟! هل يمكن لمنزل كهذا أن تحل به السعادة والاستقرار والسكينة اللازمة لأسرة ناجحة وأطفال أسوياء؟!

              إن الإسلام العظيم يؤسس العلاقة الزوجية السعيدة على المودة والرحمة وأن يسكن كلاهما إلى الآخر.. فأية مودة وأي سكن يمكن أن يوجد بين مسلمة تحب رسولها وقرآنها وتحب وتحترم أيضًا عيسى وموسى، بينما زوجها غير المسلم يَسُب و يَسْخَر من دينها وكتابها ونبيها إن لم يكن صراحة فبالتلميحات الخبيثة والإشارات الجارحة المؤذية لمشاعر تلك المسكينة؟
              !

              أليس واجبًا على التشريع الإسلامي أن يحميها من كل هذا الأذى والعناء والاضطراب النفسي والعائلي، وأن يحمى أطفالها كذلك بمنع قيام تلك الزيجة الفاشلة، والوقاية خير من العلاج كما يقولون؟!!

              إن ما يحدث الآن في الغرب خير دليل على عظمة تشريع الإسلام الذي منع زواج غير المسلم من امرأة مسلمة.. فكما هو معروف تبلغ نسبة من يعتنقن الإسلام في الغرب أربعة أخماس المسلمين الجدد.. وكثير ممن أسلمن هن من المتزوجات بغير مسلمين، ومعظم المسلمات الجدد يلقين من الأذى واضطهاد الأزواج غير المسلمين ما الله به عليم.. وانتهت أغلب الزيجات بالطلاق أو الانفصال، وبعضهن استشهدن نتيجة إقدام أزواجهن الحاقدين على قتلهن، وكثيرات تعرضن لجراح خطيرة أو ضرب مُبِّرح بسبب إسلامهن!! فأية حياة تلك لمسلمة مع حاقد كافر؟
              !!


              (د) هل هي شؤم؟!



              هناك شبهة أخرى حول حديث شريف ورد في "صحيح البخاري" و"سنن أبى داود" وغيرهما حول الشؤم في الدار والفرس والمرأة. والحديث رواه رجال السُنَّة بروايات عديدة.

              وينبغي لفهم الحديث على الوجه الصحيح أن يدرس الباحث كل الروايات ولا يركز فقط على رواية واحدة للحديث الواحد لإثبات وجهة نظره كما يفعل الخصوم. وكذلك ينطبق هنا أيضًا ما قلناه من قبل عن ضرورة دراسة أي حديث على ضوء النصوص الأخرى المرتبطة بموضوعه، فلا يجوز اقتطاع حديث واحد بمعزل عن باقي الأحاديث وآيات القرآن الكريم التي تتناول ذات الموضوع. وحكاية شؤم المرأة هذه خير دليل على ما نقول.. فقد عمد المضلِّلون إلى رواية واحدة يتصايحون حولها ويتعمدون عدم ذكر روايات أخرى لذات الحديث، وكذلك أحاديث أخرى مرتبطة بالموضوع؛ لأنها سوف تفضح أكاذيبهم وافتراءاتهم. مثلاً لا يذكرون رواية أخرى لذات الحديث في "صحيح البخاري"
              نصها: عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ذكروا الشؤم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي: "إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس"، والرواية التي تليها عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن كان في شيء ففي الفرس والمرأة والمسكن". كما يتجاهلون أيضًا الرواية التي في "سنن أبى داود" ونصها: عن سعد بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "لا هامة ولا عدوى ولا طيرة، وإن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار" والطيرة هي التشاؤم. ونصوص الروايات الثلاث تفيد نفى وقوع ذلك؛ لأن كل من له أدنى إلمام باللغة العربية يدرك أن استخدام تعبير "إن تكن في شيء" أو "إن كان في شيء" يثبت بوضوح أن هذا الكلام مجرد افتراض وليس بواقع.

              أنه مجرد توضيح منه - عليه السلام - بذكر أمثلة لما يعكر صفو الحياة ويقلل راحة الرجل، ومنها ألا تكون المرأة صالحة، أو تكون الدار ضيقة، أو تكون وسيلة المواصلات مرهقة. وذات الأمر بالنسبة للمرأة إذا كان زوجها فاسدًا سيئ الخلق فلا شك أنه سوف يُنَغِّص عليها حياتها ولن تشعر معه بسعادة أو راحة، وهذا هو المعنى المقصود هنا وليس التشاؤم الذي حرَّمه عليه السلام في أحاديث أخرى.

              ومن هذه الأحاديث صدر رواية أبى داود التي أشرنا إليها: "لا هامة ولا عدوى ولا طيرة..." والطيرة وهى التشاؤم منهي عنه بهذا النص. وهناك حديث آخر عند البخاري بروايات مختلفة منها: عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، والكلمة الحسنة". فهل يُعقل أنه عليه السلام - وقد أتاه الله كل الفصاحة وجوامع الكلم ينفى شيئًا ويثبته - التشاؤم - في ذات الحديث أو في أحاديث أخرى؟! بالقطع لا.

              وعلى ذلك يتعين فهم التعبير "إن كان في شيء" أو "إن تكن الطيرة في شيء" على أساس أنها مجرد افتراض أو تعبير مجازى لبيان أهمية صلاح المرأة والدار ووسائل المواصلات لراحة الإنسان وسعادته، ولا يفيد الكلمة بمعناها اللغوي أو الحرفي.ومعروف أنه من أساليب اللغة الفصيحة استخدام الاستعارات اللفظية والتصريحية والكنايات وغيرها.

              وهناك تعليق بالغ الروعة للدكتور موسى شاهين لاشين أستاذ الحديث حول حديث الطيرة قال فيه: "الطيَرة هي التشاؤم، وأصله أنهم كانوا في الجاهلية يهيِّجون الطير الذي يقابلهم، فإذا طار يمينًا استبشروا خيرًا وتفاءلوا ومضوا في طريقهم، واستمروا في تنفيذ مشروعهم، وإن طار الطائر يسارًا تشاءموا وتراجعوا عن تنفيذ ما يريدون. فالطِّيَرة تشمل التفاؤل والتشاؤم، ثم غلب اللفظ على التشاؤم دون التفاؤل، فنفاه الإسلام لا نفى الوقوع وإنما يعنى أنه لا يبغى للمسلم أن يتشاءم، فإذا حدث وتشاءمت لا تستجيب لهذا بل عليك المضي في مشروعك". انتهى[1].

              وفى تعليق آخر حول حديث شؤم الدار والفرس والمرأة يقول الدكتور موسى شاهين: "الإسلام ينهى عن التطيُّر والتشاؤم، لأنه يصيب الإنسان بالضعف والخوف وتعطيل المصالح لا عن حقيقة، بل عن خيال وتوهم. ومن هنا كان الحديث المثبت للتشاؤم في الدار والمرأة والفرس مُعبَّرًا عن عادة الناس وليست الشريعة الإسلامية. وخُصَّت هذه الثلاثة باعتبارها ألزم المعايش وأكثر الأمور علاقة بالإنسان، المسكن والزوجة ووسيلة الانتقال. ولمَّا كانت هذه الأمور تلامس خير الإنسان وشره نسب إليها ما يُصيبه من خير أو شر.

              ومن هنا فسَّر العلماء الحديث بتفسيرات:
              الأول: أن الحديث ينفى الشؤم فيها - المرأة والسكن والفرس - إذ معناه: إن كانت هناك إمكانية التشاؤم بشيء فأولى به هذه الثلاثة، لكنه لا شؤم في شيء أصلاً، فلا شؤم في هذه الثلاثة خلافًا لعُرف الناس وتشاؤمهم منها.

              التفسير الثاني: أن المراد من الشؤم هنا: الأذى والمتاعب، فالمعنى إن كانت هناك متاعب فسببها هذه الثلاثة.

              التفسير الثالث: أن في الحديث حذفًا وأصله: إن كان الأذى أو السعادة في شيء ففي هذه الثلاثة، فهي سبب شقاء الإنسان أو سبب راحته" انتهى[2].

              وما قاله الدكتور موسى شاهين كافٍ تمامًا لإيضاح المعنى وإبطال شبهات الخصوم.

              ويشهد لهذا الفهم السديد من علماء السلف والخلف للحديث حديث آخر رواه الإمام أحمد والحاكم وابن حبان ونصه: "من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء". فلماذا لا يذكر المضلِّلون هذا الحديث الذي يُثبت أن المرأة الصالحة هي سبب من أسباب سعادة الرجل، أم أنهم يريدون تصيُّد حديث واحد وتحريف معناه للطعن به في الإسلام فقط؟!!

              وأخيرًا نورد حديثًا آخر يثبت أهمية المرأة الصالحة وأنها سبب سعادة الرجل وهو الحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه عن أبى أُمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سَرَّته، وإن أقسم عليها أَبَرَّتَه، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله" وقد ورد الحديث أيضًا في "الجامع الصغير".


              (هـ) هل تسجد المرأة لزوجها؟!


              ويثير الخصوم شبهة حول حديث آخر يزعمون أنه ينتقص من كرامة المرأة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يصل بخضوعها لزوجها إلى درجة السجود له!! وهو زعم واضح البطلان لكل من شمَّ رائحة الإسلام؛ لأن أول وأعظم وأهم قواعد الإسلام هي عقيدة التوحيد، فلا عبادة ولا عبودية لغير الله الواحد الأحد - جلَّ في عُلاه.

              ولمَّا كان السجود واحدًا من أهم أفعال العبادة، فإن جوهر الإسلام قاطع في تحريم السجود لغير الله - سبحانه وتعالى - ومناسبة الحديث الشريف الذي يثيرون الشبهة حوله وكافة رواياته تقطع بحظر السجود لغير الخالق وحده لا شريك له.

              فقد ورد بكتب السنن أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - رجع من الشام، وعندما التقى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - سجد له، فرفض الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا التصرف، وسأل معاذً عن السبب الذى دفعه إلى فعل ذلك، فأخبره معاذ بأنه زار الشام فرآهم - نصارى الشام - يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم - رجال الدين عندهم - فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن فعل ذلك مرة أخرى. وقال - عليه السلام - في رواية الترمذي والنسائي وابن ماجه: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". وفى رواية ابن حبان "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها".

              ورواية الحاكم فى المستدرك أكثر وضوحًا فى نفى جواز السجود لغير الله: "لو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها إذا دخل عليها" وفى رواية أخرى: "من عظيم حقه عليها".

              ورواية الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه في مسنده حاسمة في نفى وتحريم السجود لغير الله - تعالى - إذ أورد الحديث بالنص التالي: قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها".

              وهكذا فإن القصد من الحديث هو بيان عظيم حق الزوج على زوجته وضرورة احترامه وطاعته، ولا عجب فهو كافلها وراعيها وحاميها والمنفق عليها وأبو أطفالها الذى يلزمه الإسلام بالدفاع عنها وبذل دمه وحياته من أجل حمايتها.

              ثم هل من المعقول أن ينهى الرسول - وهو سيد البشر - عن السجود له شخصيًّا ثم يطلب من النساء السجود لأزواجهن؟! وماذا يبقى من عقيدة التوحيد إذا أجاز الإسلام السجود لأي شخص كائنًا من كان سوى رب العالمين لا شريك له؟!!

              إنها مغالطة الخصوم المعهودة، أو جهلهم بقواعد اللغة العربية، أو سوء القراءة والفهم لنص الحديث، واقتطاع بعضه من السياق، وتجاهل باقي الكلام أو الروايات الأخرى التي توضح المقصود!! وهى لعبة قديمة مكشوفة ومفضوحة أيضًا!!


              (و) هل تلعنه الملائكة مثلها؟!



              تصرخ نساء كافرات أو علمانيات: كيف يقول رسولكم: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأتِه - وفى رواية فتأبى عليه - فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح"؟؟

              والحديث متفق عليه أى رواه الشيخان البخاري ومسلم، فهو حديث صحيح بلا جدال. لكن الجهل أو الغرض مرض كما قيل بحق.

              فالشخص ذو القصد الخبيث أو الجهل الفاضح لا يحاول قراءة النص على ضوء مقاصد الشريعة وقواعدها العامة التى توضحها نصوص أخرى يؤدى الجهل بها أو تجاهلها إلى الخروج بنتائج خاطئة تمامًا.. وهذا واضح فيما يتعلق بهذا الحديث الشريف. فالهدف من الحديث هو تحذير المرأة من خطورة حرمان زوجها من حقه فى الجماع بدون عذر شرعي.

              وقد صَرَّح علماء السلف - رضي الله عنهم - مثل النووي بأن التحريم أو لعن الملائكة يقتصر على المرأة التى تمتنع عن تلبية رغبة زوجها فى قضاء شهوته بدون عذر قهرى مثل المرض أو الإرهاق الشديد[3]؛ لأنها في هذه الحالة تُعَرِّضُه للفتنة، وتساعد الشيطان عليه. فإذا استطاع بعض الرجال التحكم في النفس والصبر، فإن رجالاً آخرين قد يؤدى تمرُّد زوجاتهم وامتناعهن عن الجماع معهم إلى تطلع هؤلاء إلى الزنا - والعياذ بالله - فهل مثل هذه الزوجة العاصية لربها وزوجها لا تستحق اللعن والعقاب الشديد على فعلتها النكراء تلك إذا لم يكن لها عذر في ذلك؟!

              وماذا يبقى من الزواج إذا حرمنا الزوج - وهى تحرم نفسها أيضًا بذلك - من الحق في الجماع كُلما ثارت دواعى الشهوة واشتعلت نيران الغريزة؟!

              إنه لا رهبانية في الإسلام ولا تبتل - انقطاع عن الزواج - ولا خِصَاء، بل هو دين يُلبى الاحتياجات الفطرية للبشر بالطرق المشروعة. ثم إن الجماع هو عمل يثيب الله عليه الطرفين كما ورد فى حديث آخر رواه مسلم: "وفى بضع أحدكم صدقة"، وهو السبيل الوحيد لإنجاب الذرية الصالحة التي تعبد الله - تعالى - ويكفل استمرار البشرية والعمران في الأرض.. أفليس منع الجماع ذنبًا عظيمًا يستحق مرتكبه اللعن؛ لأنه يتسبب في تعطيل سنن الله فى الكون ودفع صاحبه إلى الرذيلة؟!!

              وتجدر الإشارة إلى أن الحكم الوارد بهذا الحديث ينطبق أيضًا على الرجل الذى يمتنع عن مجامعة زوجته بلا عذر شرعي. فالقاعدة الأساسية هي: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ[البقرة: 228]. وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: إني لأتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لى عملاً بهذه الآية[4].

              وروى البخاري قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو: "و إن لزوجك عليك حقًّا". ونضيف إلى ذلك أن الزواج هو عقد يبيح استمتاع كلا الطرفين بالآخر، فللزوجة ذات حق الاستمتاع بالجماع مثل الزوج، ولا يجوز له مطلقًا حرمانها من هذا الحق، كما أن العلة فى التحريم وهى خطورة تعريض الزوج للفتنة والرذيلة موجودة حتمًا بالنسبة للزوجة المحرومة من الجماع بدون عذر قاهر للزوج. وتكرار امتناع الزوج عن مجامعتها بدون عذر يعطيها الحق فى طلب الطلاق للضرر أو الخلع كما سبق[5].

              ثم إن السُنَّة المطهّرة عَلَّمَت الرجل ألا يقضى حاجته ثم ينصرف عن زوجته، بل لابد أن ينتظر حتى تقضى شهوتها بدورها. عن طلق بن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جامع أحدكم أهله فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها كما يحب أن يقضي حاجته" أخرجه ابن عدي في الكامل وأبو يعلى في مسنده، وفيه ضعف وله طرق أخرى يتقوى بها.

              ومن اللهو المباح طبقًا للسُّنَّة أيضًا ملاعبة الرجل أهله كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم:" هلاًّ بكرا تلاعبها وتلاعبك؟".

              ونلاحظ أن الحديث الشريف حصر اللعن أو سخط الملائكة فى حالة واحدة هى إذا بات الزوج غاضبًا. أمَّا إذا نجحت - بلباقتها ومهارتها الفطرية - في إقناعه بعذرها أو ترضيته قبل أن ينام فإنها لا تتعرض لهذا اللعن، بل تؤجر - بإذن الله -على ترضيتها لزوجها وتطييب نفسه. وحتى لو بات غاضبًا عليها فإنه لا عقاب عليها ولا لعن في حالة وجود عذر قاهر كالمرض أو الإرهاق الشديد.

              وأخيرًا يثور التساؤل: ولماذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التى تمتنع ولم يذكر الزوج الذى يتجاهل رغبة زوجته في الفراش؟!
              والرد على هذا يسير: فالغالب الأعم في معظم الحالات أن الرجل هو الذى يدعو زوجته إلى الجماع. بل هو المشاهد في كل الكائنات الحية، فالذكور هي التي تبدأ بمغازلة الإناث وهى التى تسعى إليها وتبدأ الممارسات الجنسية معها، ونادرًا ما تطلب الزوجة من زوجها - بشكل صريح - أن يجامعها، فالحياء يعقد لسانها.

              ومن المعلوم أن الأحكام الشرعية تُبْنَى على الغالب من أحوال الناس، وأن النادر لا حكم له. ولهذا ذكر الحديث المرأة التى ترفض دعوة زوجها إلى الفراش، ولم يذكر حالة الرجل الذي يرفض دعوة زوجته لندرة حدوث ذلك.


              (ز)- ضلع أعوج



              يثير الخصوم الغبار حول حديث شريف آخر هو ذلك الذي رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - ونصه عند البخاري: "واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا". والحديث رواه مسلم عن أبى هريرة أيضًا، لكنه يزيد عمَّا في البخاري جملة: "وكسرها طلاقها".

              ومن المهم أن نتناول أولاً شرح الحديث عند بعض العلماء، و تعليقات حوله ثم رأينا في الموضوع.

              قال الصنعانى - رضي الله عنه -: "أي : اقبلوا الوصية فيهن، والمعنى: أنى أوصيكم بهن خيرًا، أو المعنى: يوصى بعضكم بعضًا فيهن خيرًا. والمراد أن حواء خلقها الله من ضلع أدم، وأخرج ابن إسحاق من حديث ابن عباس: "أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر الأقصر وهو نائم". والحديث فيه الأمر بالوصية بالنساء والاحتمال لهن والصبر على عوج أخلاقهن، وأنه لا سبيل إلى إصلاح أخلاقهن بل لا بُدَّ من العوج في طباعها، وأنه من أصل الخلق ". انتهى[6].

              ويعلق الدكتور موسى شاهين لاشين أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر على الحديث قائلا: "المقصود به الاختلاف في طبيعة النساء عن طبيعة الرجال وليس إنقاصًا من مقام المرأة، وإلا ما جاء الحديث النبوي: "الزمها فان الجنَّة تحت أقدامها"، و حديث أنها الأَوْلَى بحسن الصحبة ثلاث مرات قبل الأب، ثم الحديث القائل: "خيركم خيركم لأهله"، والمقصود بالأهل هنا الزوجة، ثم الوصية بهن في هذا الحديث وغيره كثير". انتهى[7].

              وشرحًا لمعنى الحديث يقول فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوى - رحمه الله - في سياق تفسيره لقوله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء: 1]:
              "الحق يقول: ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا ﴾، فإن كانت مخلوقة من الضلع فـ"مِنْ" للتبعيض، فالخالق - عز وجل - قبل أنْ يخلق يعلم ما يخلق، ويعلم المهمة التي سيؤديها؛ لذلك يخلق - سبحانه - على مواصفات تحقق هذه الغاية، وتؤدي هذه المهمة. وقد يُخيَّل لك أن بعض المخلوقات لا مهمةَ لها في الحياة، أو أن بعضها كان من الممكن أنْ يُخلَق على هيئة أفضل مما هي عليها.ونذكر هنا الرجل الذي تأمل في كون الله فقال: ليس في الإمكان أبدعُ مما كان.

              والولد الذي رأى الحدّاد يأخذ عيدان الحديد المستقيمة، فيلويها ويُعْوِجها، فقال الولد لأبيه: لماذا لا يترك الحدّاد عيدان الحديد على استقامتها؟ فعلَّمه الأب أن هذه العيدان لا تؤدي مهمتها إلا باعوجاجها، وتأمَّل مثلاً الخطَّاف وآلة جمع الثمار من على الأشجار، فإنها لو كانت مستقيمة لما أدَّتْ مهمتها.

              وعلى ضوء هذا نفهم الحديث النبوي الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النساء: "خُلِقْنَ من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإنْ ذهبتَ تقيمه كسرته، وإنْ تركته لم يَزَلْ أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا".

              حين تتأمَّل الضلوع في قفصك الصدري تجد أنها لا تؤدي مهمتها في حماية القلب والرئتين إلا بهذه الهيئة المعْوَجَّة التي تحنو على أهم عضوين في جسمك، فكأن هذا الاعوجاج رأفة وحُنُو وحماية، وهكذا هي مهمة المرأة في الحياة. ألاَ تراها في أثناء الحمل مثلاً تترفق بحملها وتحافظ عليه، وتحميه حتى إذا وضعتْه كانت أشدَّ رفقاً، وأكثر حناناً عليه؟

              إذًا: هذا الوصف من رسول الله ليس سُبَّة في حق النساء، ولا إنقاصًا من شأنهن؛ لأن هذا الاعوجاج في طبيعة المرأة هو المتمِّم لمهمتها؛ لذلك نجد أن حنان المرأة أغلب من استواء عقلها، ومهمة المرأة تقتضي هذه الطبيعة، وهذا مناسب لمهمتها سواء خلال فترة الحمل، أو خلال فترة تكوين النشء، فهي هنا تتعامل مع مَن لا يستطيع أن يبيِّن موضع آلامه.. وتلك مهمة صعبة. أما الرجل فعقله أغلب ليناسب مهمته في الحياة، حيث يُنَاط به العمل وترتيب الأمور فيما وُلِّي عليه. ولنأخذ مثلاً يتكرَّر في حياتنا، فالرجل يرى في بكاء الطفل إزعاجًا وإفسادًا لنومه وهو في ذلك يستخدم منطق العقل.. أما المرأة الأم فتذهب إلى الطفل تهدهده وتخفف ألمه، فالعاطفة الفيّاضة هي لغة الحوار بين الأم والطفل". انتهى[8].

              وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - تعليقًا على هذا الحديث:
              "هذا أمر للأزواج والآباء والإخوة وغيرهم أن يستوصوا بالنساء خيرًا،وأن يحسنوا إليهن، وأن لا يضربوهن، وواجب على الرجال من الآباء، والإخوة والأزواج أن يتقوا الله في النساء، وأن يعطوهن حقوقهن. ولهذا قال: "استوصوا بالنساء خيرًا".

              وينبغي أن لا يمنع من ذلك كونها قد تسيء إلى زوجها أو إلى أقاربها بلسانها، أو بغير ذلك؛ لأنهن خلقن من ضلع كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه"، فمعلوم أن أعلاه ما يلي منبت الضلع، و يكون في الضلع اعوجاج، وهذا المعروف فيه، فالمعنى أنه لا بُدَّ يكون في خلقها شيء من العوج والنقص".[9] انتهى.

              تعليق من المؤلف:
              وإذا كان لكاتب هذه السطور أن يضيف شيئًا فأقول - وبالله التوفيق -: إن هذا الضلع الذي خلق الله - تعالى - منه حواء مصدره جسد اّدم، فلو كان القصد من الحديث هو الذم لشمل الذم آدم من باب أَوْلَى؛ لأن جسده هو أصل ومنشأ هذا الضلع، كما أن بجسده أضلاعًا عوجاء أخرى، فالعيب يكون أكثر في جسده هو لو أن المقام مقام نقد وذكر للعيوب لكنه ليس كذلك أبدًا.

              إن هذا الحديث الشريف يخبر فقط عن حقيقة وواقع الخلق، ويشرح للرجال الأسباب التي تفرض عليهم رعاية النساء والعطف عليهن والرفق بهن.

              والله - تعالى - قد أحسن كل شيء خلقه. ولا يتصور أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعيب خلق الله. وهو يعلم أيضا أنه لا حيلة لحواء ولا لأحد غيرها في أمر الخلق. فهل يذمُّها لأمرٍ لا ذنب لها فيه؟!!

              ثم أن طبيعة خلقها تناسب الوظائف العظمى التي خلقها الله لأجلها كما تقدم. وهل يتصور عاقل أن صاحب الخلق العظيم - عليه السلام - يوصى بهن خيرا ويذمّهن في وقت واحد و في حديث واحد؟!!

              ولماذا يتجاهلون قوله - عليه السلام -: "فاستوصوا بالنساء" مرتين في ذات الحديث؟!! ثم نهيه عن كسرهن - أي: طلاقهن - في هذا الحديث أيضًا طبقًا للرواية التي عند مسلم؟!!

              وهل من المعقول أنه - صلى الله عليه وسلم - يعيب أو ينتقص من قدر أمه السيدة آمنة وبناته الأربع وعماته وخالاته وزوجاته أمهات المؤمنين وكلهن من النساء؟!!

              وننبّه أيضًا إلى أن النص على خلق حواء من ضلع آدم قد جاء في الفصل الثاني من سفر التكوين من التوراة الموجودة لدى اليهود، كما أوردته الأناجيل المتداولة بين النصارى اليوم. فلم يكن الإسلام إذًا هو وحده الذي قرَّر هذا، لكنهم -كالعادة - تجاهلوا ما أوردته كتبهم، وحاولوا توجيه سهامهم الطائشة نحو الحديث الشريف وحده!!

              ومن أجمل ما قرأت تعليقًا على هذا الحديث ما كتبته سيدة مسلمة بموقع من مواقع الانترنت وجاء فيه: "ثابت علميًّا أن الضلع الأعوج هو الذي يحيط بالقلب، ولاعوجاجه حكمة بالغة هي حماية القلب من أية ضربات.

              فالمرأة لأنها خلقت من هذا الضلع، فهي للرجل بمثابة الضلع الأعوج الذي يحيط بقلبه، لئلا يلحقه أذى، وإن حاولت تقويم الضلع انكسر، وأصبح قلبك عرضة للإيذاء.

              وهكذا المرأة. فهي للرجل حصنه ورفيقة عمره الذي يضحي بالكثير من أجله، ويعمل لإسعاده، وهي القلب الذي يفيض حبًّا وعاطفة على زوجها". انتهى[10].

              وهناك مَن لاحظ بذكاء أن المرأة لا ترضع طفلها إلا وهى منحنية عليه لتحتضنه وتدفئه وهى تطعمه، ولا تستطيع أن تفعل هذا وهى واقفة مستقيمة ومنتصبة القامة!!

              فسبحان الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
              [1] الدكتور موسى شاهين لاشين - تيسير صحيح البخاري - الجزء الثالث - ص 264 - طبعة مكتبة الشروق الدولية - القاهرة.
              [2] الدكتور موسى شاهين لاشين - المرجع السابق - الجزء الثالث - ص 149.
              [3] انظر صحيح مسلم بشرح الإمام النووي - رضي الله عنه - وأيضًا الحديث في كتابه الشهير رياض الصالحين ص87 - طبعة دار المنار - القاهرة - مصر.
              [4] انظر تفسير الآية 228 من سورة البقرة عند القرطبى و ابن كثير والطبرى والنسفى والرازى والشوكانى وغيرهم.
              [5] راجع ما سبق ذكره فى فصل "أبغض الحلال" من هذه الدراسة.
              [6] سبل السلام - الصنعانى - ط دار الكتب العلمية -بيروت - ص567-568.
              [7] تيسير صحيح البخاري- د.موسى شاهين لاشين - طبعة مكتبة الشروق الدولية -القاهرة- الجزء الثالث - ص 166.
              [8] تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوى لأول سورة النساء، وانظر أيضا كتاب: الشيخ محمد متولي الشعراوي وقضايا العصر- إعداد عبده مباشر.
              [9] فتوى بالموقع الرسمي لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.


              يتبع إن شاء الله...
              قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

              قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

              قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

              تعليق


              • #22
                الفصل السادس عشر

                شاهدات من الغرب


                ليس أدل على إنصاف الإسلام للمرأة من أن ملايين النساء في كل أنحاء العالم يعتنقن الإسلام سنويًّا. وتلك حقيقة ساطعة كالشمس في كبد السماء تعترف بها حتى وسائل الإعلام الحاقدة في الغرب، وإن كانت تحاول التقليل من الأعداد بلا جدوى. فقد اعترفت كبريات الصحف ومحطات التلفاز في أوروبا وأمريكا بأن الإسلام هو أسرع الأديان انتشارًا في العالم. واعترف الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون صراحة بأن الإسلام هو أكثر وأسرع الأديان انتشارًا داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها. والغريب أن يعترف الجميع هناك بأن أكثر من 80% ممن يسلمون هن من النساء، ثم يُصرون في ذات الوقت على أن الإسلام يظلم المرأة!! ألا يعقلون أو على الأقل يقولون كلامًا تستسيغه العقول؟! إن هذا التناقض الصارخ بين أكاذيبهم وبين الواقع الملموس في دنيا الناس هو وحده دليل قاطع ضدهم ولصالح الإسلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه حقًّا من عند الله - تعالى - وما كان من عند الله فلا سبيل إلى إنكاره أو تبديله أو الانتقاص منه. ويكفينا في هذا المقام أن نستعرض بعض شهادات المسلمات الجدد في الغرب، وكذلك شهادات أخرى لباحثات وكاتبات من غير المسلمات لم يمنعهن عدم الانتماء إلى الدين الحنيف من الجهر بكلمات منصفات للإسلام وجدت سبيلها إلى النشر وسط سيول الأكاذيب والافتراءات والمغالطات المفضوحة.

                قصة إسلام إيفون:
                ثارت ضجة في وسائل الإعلام العالمية عندما اعتقلت حركة طالبان الصحفية البريطانية المعروفة "إفون رادلي" أثناء محاولتها التسلُّل داخل الأراضي الأفغانية متنكرة في ملابس امرأة أفغانية تغطى كل جسمها ووجهها. واستمر احتجاز إيفون عشرة أيام، وعندما تأكَّدوا من عدم تورُّطها في أعمال تجسس أطلق مقاتلو الحركة سراحها. وبعد شهور من عودتها إلى لندن ثارت الضجة في وسائل الإعلام من جديد، ولكن هذه المرة بسبب إشهار إيفون رادلى إسلامها لله رب العالمين.

                وسارعت كبريات الصحف والمجلات ومحطات التلفاز إلى إجراء حوارات مع السيدة إيفون حول أسباب دخولها في الإسلام. ويتلخص ما قالته في مناسبات ومقابلات صحفية وما كتبته بنفسها في أنها فوجئت أولاً بالمعاملة الكريمة التي نالتها خلال فترة احتجازها لدى مقاتلي حركة طالبان. فلم يحدث ولو مرة واحدة أن شتمها أو ضربها أو عذَّبها أحد رغم أنها بصقت في وجه أحدهم، وكانت تثور عليهم وتُسبهم ولم يرد عليها أحد، ولاحظت أنهم كانوا يَغُضون أبصارهم عندما تكون مرتدية ثيابًا قصيرة أو كاشفة. وأحضروا لها شيخًا متخصصًا في علوم الإسلام دعاها إلى اعتناق الدين الحق، فامتنعت لكنها وعدتهم بأن تتفرغ لدراسة الإسلام بعد إطلاق سراحها وعودتها إلى بلادها. وَوَفَّت إيفون بالوعد وأقبلت بكل قواها على قراءة تفسير لمعاني القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة باللغة الانجليزية وبعض كتب الفقه والسيرة. ولم يَطُل بها الوقت لتكتشف أنها في سبيلها من الظلمات إلى النور، وأن الله تعالى أراد بها كل الخير عندما أوقعها في قبضة رجال طالبان ليكون هذا سببًا في بدء معرفتها ودراستها للدين الحنيف، ثم دخولها فيه عن علم واقتناع ويقين. وقالت إيفون إنها ذُهلت وهى تقرأ نصوصًا أنزلها الله منذ 14 قرنًا تتحدث بالتفصيل عن حقوق النساء المختلفة على نحو لا يستطيع أن يأتي بمثله أبرع المحامين عن المرأة في عصرنا. وأتى أمر القرآن باحترام هذه الحقوق النسائية في وقت عمت فيه الظلمات حالكات السواد كل العالم، وخاصة أوروبا التي كانت تعامل النساء معاملة الجواري. وتضيف إيفون: "لقد أذهلني أن أكتشف أن القرآن قد أعلن بوضوح أن النساء متساويات تمامًا مع الرجال في الأمور الروحية وفي التعليم والقيمة.

                وتضيف ريدلي: إن ما وهب الله للمرأة من نعمة إنجاب الأطفال وتربيتهم، هو أمر ينظر إليه المسلمون كمنزلة رفيعة وصفة مميزة، وإن المرأة المسلمة تقول ومِلْؤُها الفخر: إنها ربة منزل وراعية البيت. إضافةً إلى ذلك، أوصى النبي محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - بركن البيت الركين وهو الأم، ثم الأم، ثم الأم. وأكد أيضًا أن الجنة تحت أقدام الأمهات.

                إن الأفضلية في الإسلام هي على أساس التقوى، وليس الجمال أو الثروة أو القوة أو المركز الاجتماعي أو الجنس. ويقول لي الإسلام: إنني أملك الحق في التعليم، وأن أخرج طلبًا للعلم، سواءٌ كنت غير متزوجة أو متزوجة.

                وفي الشريعة الإسلامية لم يُذكَر في أي مكان أننا كنساء يجب علينا أن نقوم بأعمال النظافة أو غسل الملابس أو الطبخ للرجال، لكن الرجال المسلمين ليسوا هم وحدهم الذين في حاجة إلى تقدير المرأة في بيوتهم".

                وأعجبها كذلك أمر الإسلام بحسن معاملة حتى الأسرى من الأعداء - ولمست هذا واقعيًّا خلال تجربة الأسر - وإكرام الضيف والاحتشام وتجنب الفواحش وغيرها. وقد نشرت إيفون عشرات المقالات عن الإسلام في كبريات الصحف العالمية، مثل مقالها الرائع عن الحجاب في جريدة الواشنطن بوست، وحوارها المثير مع شبكة بي بي سي ومجلة دير شبيجل الألمانية وغيرها[1].

                ماري داعية ألمانية:
                الدكتورة آنا مارى شيمل عالمة ألمانية شهيرة أنجزت عددًا كبيرًا من الكتب والأبحاث الجادة المنصفة عن الإسلام، وتتميز بالأمانة العلمية والدقة والموضوعية. وكان هذا هو دأبها أيضًا في كل المحاضرات التي ألقتها في جامعات ألمانيا، وجامعة هارفارد الأمريكية سنوات طوال، وتُرْجمت كُتبها إلى العديد من اللغات منها الانجليزية والعربية فضلاً عن لغتها الأصلية الألمانية.

                وتحظى آنا مارى باحترام وتقدير كل المستشرقين في أوروبا وأمريكا- رغم أن منهم من يتحامل على الإسلام - لكنهم جميعًا أشادوا بأمانتها العلمية ومعرفتها الموسوعية بالإسلام وباقي الأديان. وهناك قرائن تدل على أنها قد اعتنقت الإسلام، منها أنها كانت تتصدى بشجاعة نادرة لكل الحملات الإعلامية في أوروبا ضد الدين الحنيف.

                وفى إحدى المرات سألها الصحفيون عن رأيها في فتوى إهدار دم المرتد سلمان رشدي صاحب "الآيات الشيطانية" فردت بذكاء وشجاعة نادرين: "إن التحريض على القتل أمر فظيع، لكن الأفظع منه هو إهانة أُمَّة كاملة".

                وكانت ترتدي دائمًا سلسلة تتدلى منها قلادة مكتوب عليها لفظ الجلالة باللغة العربية. وكانت تطلب من مرافقها أن يدعو الله بالفرج عند حدوث أية مشكلة ولو بسيطة في الحياة اليومية. لهذا ساد الاعتقاد بأنها أسلمت رحمها الله وأكرم مثواها.

                وأثارت مواقف آنا مارى أحقاد أعداء الإسلام فطالبوا الرئيس الألماني - قبل سنوات مضت - بعدم تسليمها جائزة السلام التي منحها لها اتحاد الناشرين الألمان، كما طالبوا اتحاد الناشرين ذاته بسحب الجائزة منها.

                لكن الله جلت قدرته أخزى كيدهم، فرفض الرئيس الألماني كل الضغوط، ورفض اتحاد الناشرين الإرهاب الإعلامي، وتم منح السيدة آنا مارى الجائزة التي تعتبر أعلى وأرقى جائزة تمنح للمُفكِّرين والمُبدعين في ألمانيا.

                وقد لقيت السيدة آنا مارى ربها في يونيو من عام 2003م عن عمر يناهز الثمانين عامًا بعد أن أثرت المكتبات العالمية بعشرات من الكتب والأبحاث والمقالات عن الإسلام العظيم يعجز آلاف الرجال عن إنجاز بعضها أو القليل منها. ويكفى أن نعرض هنا فقرات من كتابها الرائع: "الإسلام دين الإنسانية". ومضمون الكتاب بل مجرد عنوانه يظهر بوضوح أن تلك السيدة العظيمة قد آمنت بالله ورسوله وكتابه، وجاهدت حتى آخر لحظة في حياتها لإنصاف الإسلام ودعوة الناس في الغرب إلى الدين الحق.

                وفيما يلي بعض ما قالته عن المرأة في الإسلام:
                "مما يثير الاهتمام في الأحكام الشرعية وموادها القانونية الشكل الإنساني الجديد الذي يميز أحكام الميراث؛ حيث نص القرآن الكريم على منح المرأة قدرًا مناسبًا من الميراث بالمقارنة مع أحكام الميراث المألوفة لدى العرب قبل الإسلام، إذ كان الميراث يوزع على الأقارب الذكور فقط. وتحصل بنات المورث على قدر أقل من أبنائه الذكور؛ لأنهم يقومون بالإنفاق على عائلاتهم، ويسمح بتوريث النساء من أزواجهن وإن تعدَّدن حتى أربع نساء. فإذا مات الزوج وكانت له أمة أنجبت له ابنًا فإنها تصبح امرأة حرّة. وأمور الإنفاق المتساوية على الزوجات تعتبر من الإشكاليات التي لا يستطيع ذوو الدخول المتوسطة الوفاء بها، إلا أنه من المعتاد في القرى أنه قد يتزوج المسلم من زوجة ثانية أحيانًا، خاصة في حالة مرض الزوجة الأولى أو عدم قدرتها على الإنجاب. وتعتبر الشريعة الإسلامية في موضوع حقوق المرأة - بالمقارنة مع كل القوانين السابقة على الإسلام - بمثابة خطوة إنسانية هائلة تسمح للمرأة بمزاولة حقوقها والتصرف التام في شؤونها المالية. والحق أن وضع المرأة لم يكن سيئًا في عصر صدر الإسلام. ومع مرور الوقت ازداد اهتمام المرأة بالمنزل وشئونه.

                والحقيقة أن تقوقع المرأة يقتصر على الطبقات المتوسطة في المدن، أما في المناطق الريفية فتلعب المرأة دورًا مهمًا؛ حيث عليها التواجد في الحقول والقيام بالأعمال الزراعية أيضًا. وقد تأثر الطراز المعماري للمنازل في فارس بنظام حجب المرأة في المنزل، ويوجد باب خاص للنساء يدخلن منه للمنزل بدون أن يراهم الرجال.

                وبالرغم من هذا فالتاريخ الإسلامي زاخر بقصص النساء البارزات اللاتي لمعن لنبوغهن و استقلاليتهن، ومنهن على سبيل المثال: السيدة عائشة زوج الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأم المؤمنين، وحاكمات الدولة الهندية بهوبال في القرن التاسع عشر.

                وتحتاج المرأة إلى وكيل في حالة الزواج. ومن المألوف زواج الأقارب من أبناء الأعمام والأخوال. وتجيز كل المذاهب الشرعية للمرأة الطلاق من الرجل في حالات متعددة، ويسمح لها بكتابة شروطها في عقد الزواج، الذي يُحدد فيه أيضًا قيمة مهر الزوجة ومؤخر صداقها" انتهى[2].

                نبي لزماننا:
                ومن المستشرقات المنصفات الكاتبة البريطانية كارين أرمسترونج التي بلغ من انبهارها بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أن قامت بتأليف كتاب رائع عن حياته عنوانه: "محمد نبي لزماننا". والعنوان وحده كافٍ لبيان مضمون شهادتها. ومما قالته: "ترك المسلمون الذين ماتوا في أُحُد خلفهم زوجات وبنات بدون عائل، ونزل الوحي بعد الهزيمة يسمح للمسلمين باتخاذ أربع زوجات. وعلى المسلمين أن يتذكروا بأن الله خلق الناس من نفس واحدة، فالذكر والأنثى متساويان أمام الله: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا * وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُم إِلَى أَمْوَالِكِمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا * وَإِن خِفْتُم ألاَّ تُقْسِطُوا في الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمِْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا ﴾ [النساء: 1- 3].

                وكثيرًا ما تعرض تعدد الزوجات للنقد - بزعم أنه السبب في معاناة النساء - ولكن في وقت نزول الآيات كان يعتبر تقدمًا اجتماعيًّا، لأنه قبل ظهور الإسلام كان كل من الرجال والنساء يتَّخذ عدة أزواج، فكان يمكن للمرأة بعد الزواج أن تظل في بيت العائلة، حيث يمكن لكل أزواجها أن يزوروها. كان ذلك في واقع الأمر دعارة مقننة، ولذلك لم يكن النسب مؤكدًا، وكان الأطفال في العادة يُنْسَبون لأمهاتهم، ولم يكن الرجال مضطرين للإنفاق على زوجاتهم، ولم يتحملوا مسؤولية أطفالهم[3]، ولكن كانت تلك فترة تحول في بلاد العرب، وأدت فترة الفردية الجديدة إلى أن يصبح الرجال أكثر اهتمامًا بأولادهم وبأملاكهم الشخصية، وأرادوا أن يرثها أولادهم. شجع القرآن الاتجاه إلى مجتمع أكثر أبوية، وطَبَّقَ محمد - صلى الله عليه وسلم - ذلك عمليًّا بأن جمع زوجاته في بيوته، وأنفق عليهن، وضمنت آيات تعدُّد الزوجات في سورة النساء أن يفعل رجال المسلمين ذلك. كان القرآن مدركًا للمشاكل الاجتماعية التي خاطبتها تلك الآيات.

                لم تكن النساء قبل الإسلام تستطيع أن تمتلك شيئًا في بلاد العرب، فكل الثروات لدى ذكور العائلة، إلا في مكة حيث كان الناس مختلفين قليلاً عن بقية الجزيرة، فاستطاعت بعض النساء الحصول على بعض المواريث والاحتفاظ بالثروات وإدارتها بالتجارة وغير ذلك، وكانت خديجة مثالاً على ذلك، وإن كان نادرًا في مكة، وليس له مثيل في المدينة. سخر معظم الرجال من فكرة أن ترث المرأة، أو تدير أموالها، إذ ليس للنساء حقوق شخصية، كيف يكون لهن؟! وباستثناءات قليلة لم يفعلن شيئًا لمصلحة الاقتصاد، ولم يشاركن في الغزو، فهن لم يجلبن أي ثروات للمجتمع. تقليديًّا كانت المرأة جزءًا من أملاك الرجل، وبعد وفاته تؤول زوجاته وبناته إلى وريثه الذكر، والذي عادة ما يبقيهن بدون زواج، حتى يتحكم فيما لديهن، ويغتني على حساب فقرهن.

                وجاء نظام تعدد الزوجات - طبقًا للقرآن - بمثابة قانون اجتماعي، ليس بغرض مكافأة الشهية الجنسية للرجال، ولكن لرفع الظلم عن الأرامل واليتامى، وبصفة عامة عن النساء اللاتي كن مُعَرَّضات للظلم. كثيرًا ما يستحوذ بعض الأنانيين على كل شيء على حساب الضعفاء. كذلك كان كثير من النساء يتعرَّضن للاعتداء الجنسي ممن يُفترض أن يكونوا حماتهن من الوارثين الذكور، أو حتى يتحوَّلن إلى أملاك تباع في سوق العبيد، وكان ابن أُبّى على سبيل المثال، يجبر إماءه على الدعارة لحسابه، ورفض القرآن ذلك بحسم، وضمن للمرأة نصيبًا في الميراث.

                كان الهدف من تعدد الزوجات ضمان حماية المرأة لتتزوج بكرامة، وحدد التعدد الذي كان مفتوحًا سائبًا بأربع زوجات، مع وجوب معاملتهن بالعدل، وفرض الإسلام على الرجال التعفف عن سلبهن ممتلكاتهن[4].

                وقد أعطى القرآن النساء حقوقًا لم تتمتع ببعضها نساء الغرب إلا في القرن التاسع عشر. واحتاج تعدد الزوجات المسئول في ذلك المجتمع قليل الموارد إلى كثير من الشجاعة والحب، ليتحمل الرجل مسؤولية أربع زوجات بأطفالهن. انتهى[5].

                عارضة أزياء تدافع عن النقاب:
                سارة سيدة أمريكية هداها الله إلى الإسلام، وتحوَّلت من عارضة أزياء ترتدي أقصر وأكثر الملابس الفاضحة إثارة إلى مسلمة طاهرة ترتدي النقاب. وهى الآن داعية من أنشط الداعيات إلى الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكية. تحكى سارة قصتها قائلة: أنا فتاة أمريكية وُلدت في قلب أمريكا. لقد نشأت - مثل أي فتاة أخرى - أعيش بهجة الحياة في "مدينة كبيرة"، وانتقلت إلى ولاية فلوريدا وعلى الشاطئ إلى الجنوب من ميامي، حيث توجد بؤرة للذين يسعون "للبريق في الحياة"، وبطبيعة الحال، فعلت ما تقوم به معظم الفتيات في أمريكا. رَكَّزت على شكلي ومظهري.

                قبل سنوات مضت، أدركت السعادة الذاتية والثقة من خلال العمل في الحركات النسائية ولكنى كنت أَسيرة َ لخطوط الموضة، و جارية مستعبدة لمظهري الخارجي.

                وأخذت الفجوة تتسع تدريجيًّا بين شعوري الداخلي وأسلوبي في الحياة، فهربت من الكحول والحفلات ولجأت إلى التأمل والإيجابية والأديان البديلة. كانت تلك محاولات لمكافحة القلق والشعور بالضياع. لكنني أدركت في نهاية المطاف أن هذا لا يعدو كونه مُسَكِّنًا للألم لا علاجًا فعالاً.

                وبعد 11 أيلول / سبتمبر 2001. شاهدت سيلاً وابلاً من الشتائم للإسلام والقيم والثقافة الإسلامية، وإعلان "حرب صليبية جديدة"!! لقد بدأت أسمع بشيء يسمى إسلام. حتى تلك اللحظة، كانت كل معرفتي بالإسلام - كما يشيع الإعلام - أنه دين يقمع المرأة ويدعو إلى ضرب الزوجات وأنه يدعو للإرهاب!!

                كنت ناشطة في حركة نسائية تحررية، أسعى لعالم أفضل، وأعمل مع آخرين من الناشطين لتعزيز الإصلاح والعدالة للجميع. انضممت إلى الحملات الجارية التي شملت - في ذلك الوقت - انتخاب أعضاء للإصلاح والحقوق المدنية، ضمن أمور أخرى. مثل العدالة، والحرية، والاحترام. بدلاً من "انتقائية" العدالة، والعمل على أن تكون قِيَمًا عالمية. كنت أعرف أن "كل الناس خُلِقُوا متساوين"، ولكن الأهم من ذلك هو الإيمان برؤية العالم بوصفه وحدة في الخلق.

                في أحد الأيام قرأت كتابًا هو الأكثر وصفًا بطريقة سيئة نمطية في الغرب، وهو القرآن الكريم. وكان أول ما جذبني الأسلوب والنهج في القرآن، وأُخذت بنظرته للحياة والخلق والعلاقة بين الخالق والخلق. لقد وجدت القرآن ثاقب الرؤية ينفذ مباشرة وبسهولة تامة إلى الأعماق لمعالجة القلب والروح بدون حاجة إلى مترجم أو قس.

                في نهاية المطاف وصلت إلى لحظة الحقيقة. والأمر لم يكن أكثر من اعتناق عقيدة الإسلام بالنطق بالشهادتين، و حينها يشعر المرء بسعادة لا يعرف مذاقها إلا من خاض تلك اللحظة الخالدة.

                اشتريت رداءً جميلاً طويلاً وغطاءً للرأس وارتديت زى المرأة المسلمة. سرت في نفس الشوارع والأحياء التي كنت قد سرت فيها بالسراويل، والبيكينى، والملابس الغربية المتأنقة.

                ورغم أن الناس، وجميع المتاجر هي ذاتها، إلا أن شيئًا واحدًا هو الذي تغير - كوني امرأة مسلمة تلبس الحجاب - فلأول مرة شعرت كما لو أن السلاسل كُسرت و أنني أخيرًا أصبحت حرّة. يظهر العجب على وجوه الناس مكان النظرات الطامعة في فريسة. العبء قد رُفع من على الأكتاف. أنا لم أعد أنفق كل وقتي في التسوق، والمكياج، وتصفيف شعري. لقد أصبحت حُرَّة فعلا.

                بعد الحجاب أصبحت أكثر شغفًا بالسؤال عن النقاب، لرؤية عدد متزايد من النساء المسلمات يلبسنه. وسألت رجلي المسلم - الذي تزوجته بعد رجوعي إلى الإسلام - عما إذا كان ينبغي لي ارتداء نقاب، فأبلغني زوجي ببساطة أنه يعتقد أن الحجاب إلزامي بينما النقاب ليس كذلك. (لاحظ أن المسلمة الجديدة أكثر ورعًا وفهمًا للإسلام من زوجها المولود في أسرة مسلمة)!!! بعد سنة ونصف قلت لزوجي أريد ارتداء نقاب. السبب - هذه المرة - هو أنه سيكون أكثر إرضاءً لله الخالق، ويتزايد شعوري بالسلام الداخلي، كما أنه أكثر إظهارًا للطهارة، وأعرب عن تأييده لقراري.

                ثم بدأت حملة السياسيين ورجال الدين والفاتيكان والتحرريين وما يسمى بأنصار حقوق الإنسان لإدانة الحجاب والنقاب، بزعم أنه يضطهد المرأة، ويمثل عقبة أمام الاندماج الاجتماعي. ومنذ عهد أقرب ذكر مسئول مصري - فاروق حسنى - أنه "علامة على التخلف"!! (وهو مسئول علماني التوجه، مشبوه الأهداف والنوايا، ويكفيه خزيًا وعارًا أن بعض المسلمات الجدد رددن عليه وأفحمّنه دفاعًا عن دينهن وحجابهن)!!.

                وتواصل سارة: وأجد النفاق الفاضح عند الحكومات الغربية وما يسمى جماعات حقوق الإنسان؛ حيث الاندفاع للدفاع عن حقوق المرأة عند بعض الحكومات التي تفرض بعض قواعد اللباس على المرأة، ومع ذلك فإن هؤلاء "الذين يقاتلون من أجل الحرية" يتصرفون بطريقة أخرى عندما تكون المرأة محرومة من حقها في العمل والتعليم فقط لأنها اختارت ممارسة حقها في ارتداء نقاب أو الحجاب. وأعداد النساء المقبلات على الحجاب أو النقاب تتزايد، وهن يُمنعن من العمل والتعليم ليس فقط في ظل الأنظمة الشمولية مثلاً في تونس، والمغرب، ومصر، وإنما أيضًا في الديمقراطيات الغربية مثل فرنسا وهولندا وبريطانيا!!! فهل هذه ديمقراطية؟!!

                إنني ما زلت نسائية - ولكن مسلمة - وأدعو المرأة المسلمة لتتحمل مسئوليتها في توفير كل الدعم لزوجها ليكونا نماذج جيدة من أجل تربية أطفالهم المسلمين حتى يكونوا منارات للبشرية جمعاء مرة أخرى.

                وعلينا أن نناضل من أجل حقنا في ارتداء النقاب أو الحجاب، ونختار بكل حرية الطريقة التي نُعبِّر بها للخالق عن عبوديتنا له. وبنفس القدر من الأهمية لننقل تجربتنا مع النقاب أو الحجاب إلى النساء اللاتي لا يعرفنه أبدًا.

                معظم النساء اللاتي أعرفهن من الغربيات اللاتي أسلمن و يرتدين النقاب، وبعضهن لسن حتى متزوجات، وأخريات يرتدين النقاب بدون الدعم الكامل سواء من الأسرة أو البيئة المحيطة. وما لدينا جميعًا - المشترك هنا - هو أن هذا هو اختيارنا الشخصي، وأننا لسنا على استعداد للاستسلام أبدًا. وتضيف سارة قائلة: عن طيب خاطر أو بدون قصد، المرأة هي ضحية لوابل من أساليب الموضة "ثياب" إلى "قليل منها" إلى "لا شيء" تقريبًا في كل وسائل الإعلام في كل مكان في العالم. وكامرأة غير مسلمة سابقًا أصر على حق المرأة على قدم المساواة في معرفة الحجاب، والفضائل، والسلام، والسعادة التي يجلبها الإسلام إلى حياة المرأة كما فعل معي.. أمس كان البيكينى رمزًا للحرية عندي، وأرى الآن أنه تحرر من الروحانية والقيمة الحقيقية للإنسان.

                لم أستطع أن أسعد بارتداء البيكينى في شاطئ جنوبي، و"ببريق" الحياة الغربية الذي يحرمني من العيش في سلام مع الخالق.. ولهذا السبب اخترت ارتداء النقاب، وهو كذلك ذات السبب في أنني سوف أموت دفاعًا عن حقي غير القابل للنقاش في ارتدائه. وأقول أن النقاب اليوم يُمثل رمزًا جديدًا لتحرير المرأة.

                وأقول للنساء اللاتي يسلمن أنفسهن إلى الصورة النمطية البشعة ضد الحجاب الإسلامي: إنكن لا تعرفن ماذا فقدتن!! انتهى حديث سارة الذي يثبت قدرة الله - عز وجل - على هداية مَن يشاء إلى صراطه المستقيم، وأن يُبَدِّلها من "البيكينى" إلى "النقاب" الكامل، ومن عرى الرذائل إلى ستر الفضائل والعفَّة والإسلام. جدير بالذكر أن سارة أبو بكر هي عارضة أزياء سابقة ومدرِّبة لياقة بدنية، وتعمل حاليّا ً مديرة الاتصالات في منظمة "مسيرة من أجل العدالة" وهى إحدى المؤسسات لموقع "الأخوات على الشبكة العالمية" بارك الله فيهن وأكثر من أمثالهن.


                الحب والمساواة:
                وتقول مهتدية أخرى هي إيفلين كوبولد: "الحق أقول إن الحب - كما يفهمه الغربيون - ما يزال قريبًا من الغريزة الجنسية ومقصورة دائرته أو تكاد على ما تلهمه هذه الغريزة.. فأما المناطق العليا التي يرتفع الحب المهذب إليها، وأما تصور الحب بمعناه الإنساني السامي، أي: على أنه عاطفة إنسانية سامية أساسها إنكار الذات والرقى النفسي إلى عالم الخير والجمال والحق فهذا ما لا يفكر فيه أحد أو يتصور وجوده إنسان غربي. لكن ذلك كله موجود في الإسلام، منطو في هذه الأخوة الإسلامية التي تجعل من الفرد عبدًا يعمل لخير الجميع، وفردًا قصارى همه أن يعمل للإحسان والإحسان أبدًا".

                ولم تكن النساء (المسلمات) متأخرات عن الرجال في ميدان العلوم والمعارف فقد نشأ منهن عالمات في الفلسفة والتاريخ والأدب والشعر وكل مجالات الحياة. ولما جاء الإسلام رد للمرأة حرياتها، فإذا هي قسيمة الرجل، لها من الحق ما له وعليها ما عليه، ولا فضل له عليها إلا بما يملكه من قوة الجَلَدِ وبَسْطَةِ اليد واتساع الحيلة، فيلي رئاستها لذلك، ليحوطها برعايته، ويزود عنها بدمه، وينفق عليها من كسب يده. فأما فيما سوى ذلك فهما في السرَّاء والضرَّاء على السواء. ذلك ما أجمله الله بقوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْل الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ [البقرة: 228]. وهذه الدرجة هي الرعاية والحماية لا يتجاوزها إلى قهر النفس وجحود الحق، وكما قرن الله - سبحانه - بينهما في شؤون الحياة، قرن بينهما في حسن التوبة وادخار الأجر وارتقاء الدرجات العليا في الدنيا والآخرة. وإذا احتمل الرجل مشقات الحياة ومتاعب العمل، وتناثرت أوصاله، وتهدم جسمه في سبيل معاشه ومعاش زوجه، فليس ذلك بزائد مثقال حبة عن المرأة إذا وَفَّت لبيتها، وأخلصت لزوجها، وأحسنت القيام في شأن دارها.

                كتبت الليدى مارى مونتكاد، زوجة السفير الإنجليزي في تركيا إلى شقيقتها تقول: "يزعمون أن المرأة المسلمة في استعباد وحجر معيب، وهو ما أود تكذيبه، فإن مؤلفي الروايات في أوروبا لا يحاولون معرفة الحقيقة ولا يسعون للبحث عنها. ولولا أنني في تركيا، وأنني اجتمعت مع النساء المسلمات ما كان إلى ذلك سبيل، ولولا أنى استمع إلى أخبارهم وحوادثهم وطرق معيشتهم من سبل شتى، لكنت أصدق ما يكتب هؤلاء، ولكن ما رأيته يكذب كل التكذيب أخبارهم، ولا أبالغ إذا قررت أن المرأة المسلمة - وكما رأيتها في الآستانة - أكثر حرية من زميلاتها في أوروبا. ولعلها المرأة الوحيدة التي لا تعنى بغير حياتها المنزلية، ثم أنهن يعشن في أماكن جميلة ويستقبلن مَن يردن من الناس".

                إن جهل النساء في الإسلام أمر لا يتفق وأوامر الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - فقد أمر الله ورسوله النساء بطلب العلم، وحظر الإسلام الجهل على المؤمنين به، وشَدَّدَ في ذلك بما لا يدع مجالاً للشبهة والتأويل.انتهى.

                مكانة رفيعة للمسلمات:
                وتشهد المفكرة والكاتبة الألمانية المعروفة زيغريد هونكه بأن احترام العرب للنساء واهتمامهم بهن يظهران بوضوح عندما نرى أنهم خصُّوهن بفيض من العطور وبأنواع الزينة التي وإن لم تكن غير مجهولة قبلهم، إلا أنها فاحت بثروة الشرق العطرية الزكية، وبالأساليب الفائقة في تحضيرها.وتقول:
                قاوم العرب كل التيارات المعادية للمرأة، واستطاعوا القضاء على هذا العداء للمرأة والطبيعة، وجعلوا من منهجهم مثالاً يقلده الغرب ولا يملك الآن منه فكاكًا، وأصبح الاستمتاع بالجمال جزءًا من حياة الأوروبيين شاءوا أم أبوا.

                وظلت المرأة في الإسلام تحتل مكانة أعلى وأرفع مما احتلته في الجاهلية. ألم تكن خديجة - رضي الله عنها - زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - الأولى - التي عاش معها أربعة وعشرين عامًا - أرملة لها شخصيتها ومالها ومكانتها الرفيعة في مجتمعها؟ لقد كانت نموذجًا لشريفات العرب، وأجاز لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن تستزيد من العلم والمعرفة كالرجال تمامًا. وسار الركب، وشاهد الناس سيدات يدرسن القانون والشريعة ويلقين المحاضرات في المساجد ويُفَسِّرن أحكام الدين. فكانت السيدة تنهى دراستها على يد كبار العلماء، ثم تنال منهم تصريحًا -إجازة - لتدريس ما تعلمته، فتصبح الأستاذة الشيخة. كما لمعت من بينهن أديبات وشاعرات, والناس لا ترى في ذلك غضاضة أو خروجًا على التقاليد.

                إن النساء في صدر الإسلام لم يكن مظلومات أو مُقيدات، ولكن هل دام هذا طويلاً؟ لقد هبت على قصور العباسيين رياح جديدة قدمت من الشمال فغيرت الأوضاع، وقدم الحريم من الجاريات الفارسيات واليونانيات. وكان أن حُرمت المرأة العربية من مكانتها الرفيعة في المجتمع، وقُيّدت حرياتها حين سيطرت على المجتمع العادات الفارسية القديمة. والإسلام بريء من كل ما حدث، والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر قط بحجب النساء عن المجتمع. لقد أمر المؤمنين من الرجال والنساء على حد سواء بأن يغضُّوا الطرف وأن يحافظوا على أعراضهم، وأمر النساء بألا يظهرن من أجسادهن إلا ما لا مفر من ظهوره، وألا يظهرن محاسن أجسادهن إلا في حضرة أزواجهن.

                وقَدَّس الإسلام الزواج، وطالب بالعدل بين الزوجتين أو الثلاث أو الأربع في المعاملة "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة" من الآية الثالثة من سورة النساء. أليس هذا نصًّا صريحًا يطلب فيه من المؤمنين ألا يتزوجوا بأكثر من واحدة إلا إذا كان في استطاعتهم تحقيق العدل بين النساء؟ والمشكلة لم تكن اقتصادية فحسب، فبعض المؤرِّخين يذكرون أن العربي الأصيل لم يكن يتخذ إلا زوجة واحدة يبقى مخلصًا لها وتبقى هي مخلصة له حتى يفرق بينهما الموت، بينما فشت المخادنة في كل أنحاء الغرب" انتهى[6].

                عفة ظاهرة وباطنة:
                وتقول السيدة روز مارى هاو: الحجاب شيء أساسي في الدين الإسلامي؛ لأن الدين ممارسة عملية أيضًا، والدين الإسلامي حدد لنا كل شيء كاللباس والعلاقة بين الرجل والمرأة. والحجاب يحافظ على كرامة المرأة ويحميها من نظرات الشهوة، ويحافظ على كرامة المجتمع ويكفّ الفتنة بين أفراده. فهو يحمى الجنسين من الانحراف. وأنا أؤمن أن السترة ليست في الحجاب فحسب، بل يجب أن تكون العفة داخلية أيضًا.. وأن تتحجب النفس عن كل ما هو سوء.

                لقد كَرَّمَ الإسلام المرأة وأعطاها حقوقها كإنسانة وكامرأة.

                والواقع على عكس ما يظن الناس من أن المرأة الغربية حصلت على حقوقها.. فالمرأة الغربية لا تستطيع مثلاً أن تمارس إنسانيتها الكاملة وحقوقها مثل المرأة المسلمة. فقد أصبح واجبًا على المرأة في الغرب أن تعمل خارج بيتها لكسب العيش. أما المرأة المسلمة فلها حق الاختيار، ومن حقها أن يقوم الرجل بكسب القوت لها ولبقية أفراد الأسرة.

                فحين جعل الله - سبحانه وتعالى - للرجال القوامة على النساء كان المقصود هنا أن على الرجل أن يعمل ليكسب قوته وقوت عائلته. فالمرأة في الإسلام لها دور أهم وأكبر من مجرد الوظيفة وهو الإنجاب وتربية الأبناء، ومع ذلك فقد أعطى الإسلام للمرأة الحق في العمل إذا رغبت هي في ذلك، واقتضت ظروفها ذلك.

                أنا أفهم أن الإسلام يعتبر الزوج أقرب صديق لزوجته، إذ تكنُّ له كل ما في نفسها؛ لأن الزواج في الإسلام علاقة حميمة مبنية على شريعة الله لا تضاهيها العلاقات العادية الأخرى.

                كاتبة غربية تدافع عن التعدد:
                وتقول الكاتب لورا فيليشيا فاجليرى: فيما يتصل بالزواج لا تطالب السُّنَّة الإسلامية بأكثر من حياة أمينة يسلك فيها المرء منتصف الطريق، متذكِّرًا الله من ناحية، ومحترمًا حقوق الجسد والأسرة والمجتمع من ناحية ثانية.

                ولم يَقُم الدليل حتى الآن بأي طريقة مطلقة على أن تعدُّد الزوجات هو بالضرورة شر اجتماعي وعقبة في طريق التقدم. ولكنا نؤثر ألا نناقش المسألة على هذا الصعيد. وفى استطاعتنا أيضًا أن نصرَّ على أنه ضروري في بعض مراحل التطور الاجتماعي عندما تنشأ أحوال خاصة بعينها، كأن يقتل عدد كبير من الذكور إلى حد استثنائي في الحرب مثلاً، فيصبح تعدد الزوجات ضرورة اجتماعية. والحق أن الشريعة الإسلامية التي تبدو اليوم وكأنها حافلة بضروب التساهل في هذا الموضوع إنما قيدت تعدد الزوجات بقيود مشدَّدة كاشتراط العدل وعدم الزيادة على أربع، وكان هذا التعدد حرًّا قبل الإسلام مُطلقًا من كل قيد. لقد حظر الإسلام بعض أشكال الزواج المشروط والمؤقت التي كانت في الواقع أشكالاً مختلفة للتسري - المعاشرة من غير الزواج - وفوق هذا منح الإسلام المرأة حقوقًا لم تكن معروفة قط من قبل. وفى استطاعتنا - بكثير من اليسر - أن نحشد الشواهد المؤيدة لذلك.

                والقرآن يبيح الطلاق، وما دام المجتمع الغربي قد ارتضى الطلاق أيضًا، واعترف به في الواقع كضرورة من ضرورات الحياة، وخلع عليه في مكان تقريبًا صفة شرعية كاملة، فلسنا بحاجة إلى الدفاع عن اعتراف الإسلام به. ومع ذلك فإننا بدراستنا له وبالمقارنة بين عادات العرب الجاهلية وبين الشريعة الإسلامية نفوز بفرصة نظهر فيها أن القانون الإسلامي قد دشن في هذا المجال أيضًا إصلاحًا اجتماعيًّا.

                فقبل عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان العرف بين العرب قد جعل الطلاق عملاً بالغ السهولة.. أما القانون الإلهي فقد سن بعض القواعد التي لا تجيز إبطال الطلاق فحسب بل التي توصى به في بعض الأحوال.

                وللمرأة حق المطالبة بالطلاق، أو فسخ زواجها باللجوء إلى القاضي، وبوسعها أن تفوز بذلك إذا كان لديها سبب وجيه يبرره. والغرض من هذا التقييد لحق المرأة في المبادرة هو وضع حد لممارسة الطلاق؛ لأن الرجال يعتبرون أقل استهدافًا لاتخاذ القرارات تحت تأثير اللحظة الراهنة من النساء.

                وكذلك جعل تدخل القاضي ضمانًا لحصول المرأة على جميع حقوقها المالية الناشئة عن فسخ الزواج. وهذه هي القاعدة.

                والقاعدة الأخرى التي تَنُصُّ على أنه في حال نشوب خلاف داخل الأسرة يتعيَّن اللجوء إلى بعض الأقارب للإصلاح وابتغاء الوصول إلى تفاهم، تنهضان دليلاً على أن الإسلام يعتبر الطلاق عملاً جديرًا باللوم والتعنيف، والآيات القرآنية تقرِّر ذلك في صراحة بالغة، وثمة أحاديث نبوية كثيرة تحمل الفكرة نفسها.

                اجتنابًا للإغراء بسوء ودفعًا لنتائجه يتعين على المرأة المسلمة أن تتَّخذ حجابًا، وأن تستر جسدها كله ماعدا تلك الأجزاء التي تعتبر حريتها ضرورة كالعينين، وليس هذا ناشئًا عن قلة احترام للنساء، أو ابتغاء كبت إرادتهن، ولكن لحمايتهن من شهوات الرجال.

                وهذه القاعدة العريقة في القدم، القاضية بعزل النساء عن الرجال، والحياة الأخلاقية التي نشأت عنها، قد جعلت تجارة البغاء المنظَّمة مجهولة بالكلية في البلدان الشرقية، إلا حيثما كان للأجانب نفوذ أو سلطان.

                وإذا كان من المستحيل إنكار قيمة هذه المكاسب، فيتعين علينا أن نستنتج أن عادة الحجاب كانت فائدة لا تُقدَّر بثمن للمجتمع الإسلامي[7].

                وإذا كانت المرأة قد بلغت - من وجهة النظر الاجتماعية في أوروبا - مكانة رفيعة فإن مركزها الشرعي على الأقل كان حتى سنوات قليلة جدًّا - ولا يزال في بعض البلدان - أقل استقلالاً من المرأة المسلمة في العالم الإسلامي.

                إن المرأة المسلمة إلى جانب تمتُّعها بحق الوراثة مثل إخوتها - ولو بنسبة أقل - وبحقها في أن لا تُزَفَّ إلى أحد إلا بموافقتها الحرة، وفى أن لا يسيء زوجها معاملتها، وحقها في طلب الطلاق، تتمتع أيضًا بحق الحصول على مهر من الزوج، وبحق إعالتها من ماله، وتتمتع بأكمل الحرية، إذا كانت بالغة عاقلة في إدارة ممتلكاتها الشخصية. وهذا كله لم تحصل النساء في الغرب على بعضه إلا منذ عقود قليلة مضت. انتهى[8].

                وممن هداهن الله أيضا وشهدن بالحق ميليسا كوكينيس المبشرة السابقة التي اعتنقت الإسلام عام 2002 م بعد أن أمضت معظم مراهقتها وشبابها في مجال التبشير الإنجيلي. وقد لبست الحجاب وأسست دارا للنشر والإعلام في مونتريال تعنى بالمواد التي تشرح حقيقة الإسلام، و أجرت "الجزيرة نت" حوارا معها قالت فيه كوكينيس: اسمي ميليسا أثاناسيوس كوكينيس، مولودة في مونتريال-كيبيك من أب يوناني مولود أرثوذكسيا وأم كيبيكية كندية مولودة كاثوليكية، أحمل درجة البكالوريوس في العلوم التمريضية من جامعة مونتريال دفعة عام 2001.

                عملت ممرضة في مستشفى سان جوستين للأطفال لعدة سنوات وولعي الأول كان ولا يزال بمساعدة الأطفال المرضى.

                لغتي الأم هي الفرنسية وأجيد التحدث والكتابة والفهم بالإنجليزية واليونانية وأتحدث بالعربية وأقرؤها ولكني أعاني مشاكل في فهم كل كلماتها بسبب تعدد اللهجات.

                تدربت على الإخراج التلفزيوني والسينمائي (الوثائقي) عبر دروس خاصة وتدربت هاوية مع عدد من الأساتذة. وقدمت عددا من الأفلام الوثائقية القصيرة في السنوات الماضية ولكن هاوية لا محترفة.

                لي كتاب واحد منشور هو "الطريق من أورشليم إلى مكة" وأعمل حاليا على نشره باللغة الإنجليزية، أتابع حاليا تصوير فيلم وثائقي درامي طويل في لبنان، وهو بعنوان "سانتا الإسرائيلي"، وهو يتحدث عن "الهدايا" التي تلقي بها إسرائيل على الشعبين اللبناني والفلسطيني، أي القنابل والصواريخ.

                قبل أن أولد بسنوات تحول والدي من الأرثوذكسية إلى الحركة الإنجيلية المسماة "المولودون من الله"، وكذلك فعلت أمي.

                ولدت في عائلة متشددة جدا من ناحية الأفكار الدينية الإنجيلية وقد وعيت وتربيت والكتاب المقدس هو رفيق أيامي وليالي. كنيستنا جزء من مجمع يعرف بـ"الإخوة بلايموث"، وهؤلاء جزء من الحركة الإنجيلية التي تعد العالم أجمع بمن فيه من بشر تحت حكم إبليس والناجون الوحيدون هم المختارون من الله، أي نحن أعضاء كنائس الإنجيليين المعتنقين لفكر عودة المسيح القريبة والواثقين -دون دليل- من فكرة الاختطاف والألفية والمراحل السبع لتاريخ العالم ونهايته (يعتقدون أننا في المرحلة التي تسبق يوم الدينونة).

                وتضيف كوكينيس: طرحت كثيرا من الأسئلة عن أمور متناقضة في الكتاب المقدس وكنت أحظى دوما بجواب واحد، ولم يكن يقنعني ما يقوله والدي أو المبشرون الآخرون الأعلون مرتبة في الكنيسة، ولكني كنت أجبر نفسي على تناسي الموضوع والعودة لتنويم العقل. والجواب الذهبي عندهم على كل تساؤل لا جواب له كان "صلي يا أختاه لأن الرب لا يحب الأسئلة".

                ثم هناك كتاب سلمته إلي كنيستي لكي أفتن به المسلمين عن دينهم وهو مصمم للتلاعب بمعاني الآيات القرآنية وقراءتي للكتاب كانت بقصد الإلمام بدين المسلمين لثنيهم عنه، وهذا الأمر قادني إلى طرح بعض الأسئلة على نفسي حول إيماني وحول الإسلام وحول الأديان. السؤال الأهم الذي خطر على بالي هو: هل هناك مسلمون يكتبون عن الإنجيلية من موقع النقض؟ وقد وصلت عبر الإنترنت إلى كتابات ومواقع تناقش الأناجيل والكتاب المقدس، وصعقت حين وجدت بعضا من الأجوبة على أسئلتي التي كنت قد طرحتها لسنوات خلت على كبار كنيستي ولم أحظ منهم بجواب لها.

                تلك الأجوبة قادتني إلى قرار غيَّر مجرى حياتي، إذ قررت أن أدرس الإسلام من مصادر إسلامية وليس من خلال ما يقوله عنه الإنجيليون. بعد ذلك أعدت قراءة تاريخ كتابة الأناجيل، ودرست التناقضات التاريخية والدينية والعقلية والمنطقية الموجودة في الكتاب المقدس، ووصلت إلى قناعة وهي أن الكتاب المقدس فيه كلام الله وفيه كلام الناس وفيه كلام الأنبياء وفيه كلام الملوك الفاسقين والكتبة المزورين والرواة الخرافيين.

                وقد ترسخت قناعتي الجديدة أكثر حينما قرأت أن مجمع نيقية ومدبره الإمبراطور الوثني قسطنطين هو من حدد أي كتاب نقرأ فيه قصة يسوع وما قاله وهي الكتب المعروفة بالأناجيل، وأي عقيدة دينية علينا أن نتبع وهي العقيدة التي جرى تحديد كنهها بعد ثلاثة قرون وربع قرن (من ميلاد المسيح). وحينما قرر الإمبراطور أن ينحاز إلى المؤمنين بأن المسيح إله ابن إله -ويومها ولدت عقيدة الثنائي المقدس وليس الثالوث المقدس- حيث قال مجمع نيقية الأول إن المسيح ابن الأب، وأما عقيدة الثالوث والأقنوم الثالث أي الروح القدس فقد نزلت على المجتمعين في مجمع عقائدي جرى في عام 385 م.

                الأخطر أني اكتشفت حذفا وزيادات جديدة في الأناجيل بعضها بهدف تأكيد شيء وبعضها بهدف إخفاء شيء، وبعض الترجمات الفرنسية تختلف عن تلك اليونانية، وعن تلك الإنجليزية، بما يخدم تثبيت عقيدة الألوهية للمسيح وعقيدة الثالوث ولكن عبر التحايل على الترجمات لا عبر الالتزام بحرفية الكلمة من مصدرها اليوناني أو اللاتيني. وهناك أشياء كثيرة كشفتها في أبحاثي التي استمرت قرابة العام يضيق الوقت عن ذكر تفاصيلها، ومنها قصص الآباء الأوائل للكنيسة، ومنها قصة بولس الذي لم ير المسيح ولم يرافقه إلا أن 90% من الديانة المسيحية هي تعاليم بولسية لا بطرسية ولا يعقوبية ولا متية، فلماذا إذن كان ليسوع 12 تلميذا إن كان شخص جديد -لم يره ولم يعرفه لا بل حارب أتباعه- هو من سيقوم بالمهمة وحده؟

                عدت إلى كنيستي لأطرح عليهم ما وصلت إليه فمارسوا ضدي الترهيب النفسي وحاصروني باسم الإيمان والمسيح حتى أصبحت رهينة مراقبتهم ومتابعتهم اليومية لي، ونظرت من حولي فاكتشفت أن من كنت أحسبهم أكثر الناس حبا لي لهم وجه آخر هو الوجه المافياوي الذي يمارس المراقبة والتجسس على أعضاء الكنيسة كما تراقب الدول رعاياها المشكوك في ولائهم.

                تركت الكنيسة لأني عرفت حينها أنهم كاذبون حين يظهرون الحب بينما في الحقيقة هم حاقدون سلفا على كل ذي عقل يفكر، وعرفت حينها أنهم يضطهدون من ينتمي إليهم بنعومة الخداع النفسي حتى يخالفهم وحينها يشهرون سيف الترهيب بالكلمة والموقف وبالضغوط النفسية التي قد تدفع ضعاف النفوس ربما إلى الانتحار. وبدأت أرى بعيني ما كان التدين قد أعماني عنه، وهو أني وكل النساء في كنيستنا، وفي المجمع الكنسي الذي تنتمي إليه كنائس تماثلنا في الإيمان، كلنا كنا مضطهدات بوصفنا بشرا من جنس أقل درجة من جنس الرجال بحسب اعتقاد المؤمنين بتعاليم كنيستنا، حيث إن إيمانهم الإنجيلي المتجدد يعلمهم أن المرأة أقل مرتبة من الرجل لأنها مولودة من ضلعه، وأن الرجل يطيع الرب ويخضع له، وأما المرأة فعليها أن تطيع الرجل وتخضع له، أكان زوجا أم أبا أم أخا أم رأس كنيسة.

                كما وعيت حقيقة مذهلة وهي أن عشرة شيوخ هم قادة الكنيسة يتحكمون في تفاصيل الحياة اليومية لمئات البشر في كنيستنا. تصور أن الرجل أو الفتاة إن أرادا الزواج فعليهما أن يطلبا من الشيوخ أن يوافقوا على الزوجة المقترحة أو على الزوج المقترح، وذلك تحت عنوان الصلاة لأجل طلب جواب من الله مباشرة. وكان الشيوخ يستلمون طلبات الصلاة ثم يعودون بعد فترة قد تطول أشهرا ليقولوا لطالب الزواج: الرب قال لا أو الرب قال نعم.

                وهكذا في كل أمورنا الحياتية من عمل وصداقات وتعلم وسفر. معظم أعضاء الكنيسة لم يتزوجوا إلا بعد نيل موافقة الكنيسة. ولسنوات كنت ضحية لسيطرتهم كبقية النساء، فلا صديقة لي مسموحا بالخروج معها إن لم تكن من نفس الناس الذين ينتمون إلى عقيدتنا، ولا أماكن عامة يسمح لنا بزيارتها إن لم تكن مطابقة لمواصفات الأماكن التي تسمح كنيستنا الدينية بزيارتها. ومن ثم اكتشفت بالدليل القاطع أن من تعاليمهم السرية أن يتجسس الأخ على الأخ والأخت على الأخت لأجل نيل مرضاة الرب، أي جماعة الشيوخ واسطة الرب المزعومة.

                التلفزيون مسموح به فقط لمشاهدة القنوات الإنجيلية، واللباس المحتشم له مواصفات خاصة بالكنيسة، ومن يخالف له عقاب هو النبذ ثم الطرد وهو عقاب نفسي شديد لمن يظن أنه طرد من الجنة -أي الكنيسة- إلى مملكة إبليس أي إلى العالم الخارجي بعيدا عن الكنيسة.

                ودعني أوضح أمرا، إن معظم الكنائس الجديدة تحقد على الكنائس التقليدية من أرثوذكسية وكاثوليكية وبروتستانتية تقليدية، تماما كما تحقد على المسلمين وربما أكثر، لأنها تعتبر كل هؤلاء أبناء وأتباعا لإبليس لا أكثر ولا أقل.

                وقد وفقني الله لقراءة الكثير من كتب العلماء والمسلمين المتنورين فقرأت بعض ما كتبوه ثم انتقلت للتعرف على حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) والصحابة (رضي الله عنهم)، ليس من كتب الخرافة التاريخية غير الموثوقة بل من تراجم تراعي التمحيص والتنقيب فلا تقبل ما لا يتقبله عقل، إلا المعجزات الإلهية المعروفة والمشهورة. وقد درست القرآن بتفاسير مختلفة، وقرأت ما قاله مفكرون كانوا مسيحيين واعتنقوا الإسلام عن عقل وعن دراية وليس عن خداع ولا بأساليب غسل الأدمغة كما يفعل الإنجيليون -مع أبناء المسلمين الصغار- فاعتنقت الإسلام بعد سنة من بدء بحثي عن الحقيقة، وكان ذلك عن دراية كاملة وتامة بالفرق بين الإسلام التكفيري وإسلام الرسول (صلى الله عليه وسلم)، بين إسلام الإرهابيين التكفيريين وبين محبة وحنان ورأفة المسلمين الحقيقيين الذين تعلموا حب الناس من كتاب الله (سبحانه) ومن رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

                أنا لم يخدعني مسلم لأعتنق الإسلام بل كنت امرأة كاملة العقل وواسعة الثقافة وكنت في سن الرابعة والعشرين حين أعلنت إسلامي.



                تم الكتاب بحمد الله تعالى وتوفيقه وإحسانه..ونسأل كل قارئ كريم دعوة لنا بظهر الغيب لعلها تكون لنا ذخرًا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

                [1] انظر تفاصيل أخرى في موقع ايفون ريدلى https://www.yvonneridley.org

                [2] البروفيسور آنا مارى شيمل - الإسلام دين الإنسانية - طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - مصر - ص 80-81.

                [3] يبدو أن الكاتبة تتحدث عن انتشار الزنا، وليس الزواج، فالعرب كانوا يقتلون أطفالهم من البنات خوفًا من أن يجلبن عليهم العار عندما يكبرن.

                [4] ليس في نصوص الكتاب المقدس، بعهديه القديم والحديث، ما يحدد عدد الزوجات.

                [5] كارين أرمسترونج - محمد نبي لزماننا - ترجمة فاتن الزلبانى - طبعة دار الشروق الدولية - القاهرة - مصر - ص 134-135. وهناك ترجمة أخرى لذات الكتاب أنجزها الدكتور محمد عناني والدكتورة فاطمة نصر وطبعتها شركة سطور للنشر - القاهرة - مصر.

                [6] انظر كتاب زيجريد هونكة: "شمس العرب تشرق على الغرب" ففيه كل الإنصاف للعرب والمسلمين.

                [7] هناك مئات المواقع بلغات مختلفة تحتوى على عشرات الألوف من قصص إسلام الغربيين وخاصة النساء، ومنها موقع صيد الفوائد باللغة العربية، وموقع طريق الإسلام، وموقع سلطان بالعربية والانجليزية، وكذلك موقع www.turntoislam.com and www.todayislam.com وموقع www.aslamt.com وموقع www.shareislam.com.

                [8] انظر كتاب: "قالوا عن المرأة في الإسلام" للدكتور عماد الدين خليل منشور بمكتبة صيد الفوائد على الانترنت.
                قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)

                قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .

                قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).

                تعليق

                يعمل...
                X