التأدب مع الله (مباحث جد خطيرة!)
ونبدأ في تناولنا لآيات "اللهم" لنبين للقارئ أن ما أُمرنا به لخطاب الله هو "اللهم", وكيف انحرفنا عنها, وكيف أن البديل الخاطئ عسّر علينا اكتشاف الأصل والتزامه!:
إذا نظرنا في كتاب الله تعالى وجدنا أنه سبحانه تحدث عن نفسه "الله" بصيغة الغائب أو المتكلم كثيرا, بينما لا نجد أن الله تعالى قد ذكر آية واحدة تعرض صيغة المخاطبة (الدعاء) مع الله! فلم نجد آية تحكي قول من يقول: يا الله! أو: الله! اغفر لي أو آتني .... إلخ.
وعلى العكس من ذلك وجدنا الكثير والكثير من الآيات التي تعرض دعاء الأنبياء والمرسلين والمؤمنين ربهم, فعلى سبيل المثال:
وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَرَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود : 45]
إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً [مريم :3- 4]
رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْآمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ [آل عمران : 193]
وغير ذلك كثير من الآيات! ونلاحظ أنه على الرغم من كثرة هذه المخاطبات في القرآن, بصيغها المختلفة: رب, ربنا, إلا أنها كذلك لم تسبق ب "يا", فلم نجد:
"يا رب" أو "يا ربنا" أو: " يا ربي!"
إلا في موضع واحد, وهو شكوى النبي الكريم قومه لربه في اليوم الآخر:
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان : 30]
(وسنناقش الحرف "يا" هذا بعد سطور قلائل!)
وهنا نتوقف ونتساءل:
إذا كان المرء لا يريد أن يدعو الله بصيغة الرب, فلا يريد أن يقول: رب! وإنما يريد أن يدعوه باسمه, فماذا يقول, إذا كان قول "يا الله" إساءة أدب؟!
نقول:
يقول, ما أمر الله به نبيه, وما عرفنا أنه دعاء أهل الجنة, وهو: اللهم! فهي الصيغة التي أمر الله تعالى بها نبيه, وأمرنا بها تباعا, وننظر في الآيات لنبصر بأعيننا:
وردت كلمة "اللهم" خمس مرات في كتابه العزيز في معرض مخاطبة الله عز وجل, إما أمراً بقولها, كما في قوله تعالى:
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران : 26]
قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الزمر : 46]
وإما إخبارا عن استعمال الناس لها في الدعاء, في الماضي والحاضر (في زمن النبي) والمستقبل في الجنة, كما في قوله تعالى:
"قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المائدة : 114]
وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال : 32]
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس : 10]"
والآيتان الأول دليل على وجوب استعمال هذه الصيغة "اللهم", فلقد أمر الله النبي الكريم بأن يدعوه قائلا: اللهم .....!
ثم يحكي أن سيدنا عيسى استعملها في دعاءه (وحكايته سبحانه لاستعمال سيدنا عيسى -عليه الصلاة وله السلام- لها, دليل على أن بني إسرائيل كانوا يستعملونها, ومرجح لقولنا أن "ألوهيم" هي اللهم!)
ثم يحكي المولى استعمال العرب في زمن النبي الكريم لها! ولم يقل أنهم قالوا: يا الله!
وأهل الجنة دعواهم فيها سبحانك اللهم! وليس: سبحانك يا ألله! كما يقولها مؤلفو الأدعية في زماننا هذا!!
ولست أدري أي دليل أكبر من الأمر بها والحكاية عن استعمالها! وأما من يجادل ويدافع عن: يا ألله! بهمزة القطع! فندعوه إلى ترك المألوف والتفكر فيما يقول! وأنه يخاطب الرب القدير هكذا مباشرة!!!
فإذا تركنا هذه النقطة وانتقلنا إلى النقطة المترتبة عليها, وهي:
ما هي هذه الميم الزائدة في "اللهم"؟!
نقول: قدم علماء اللغة الأقدمون العديد من التوجيهات التي لا تستحق إلا أن توصف بالعجيبة! –إلا إنه لا عجب في نحو قائم على التقديرات! وعلى تقدير محذوفات لا عدد لها!- ولقد ذكر الإمام الفخر الرازي هذه التوجيهات في تفسيره, عند تناوله لآية آل عمران, حيث قال:
" اختلف النحويون في قوله {اللهم} فقال الخليل وسيبويه { اللهم } معناه:
يا الله، والميم المشددة عوض من يا! (مع إنه لا استعمال لها في القرآن ولا في السنة الصحيحة ولا في كلام العرب! ولم تظهر إلا متأخرة! –عمرو-)
وقال الفرّاء : كان أصلها: يا الله أم بخير! فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء، وحذفوا الهمزة من: أم ، فصار { اللهم } ونظيره قول العرب : هلم! والأصل : هل ، فضم : أم إليها .
حجة الأولين على فساد قول الفرّاء وجوه:
الأول : لو كان الأمر على ما قاله الفراء لما صحّ أن يقال: اللّهم افعل كذا إلا بحرف العطف ، لأن التقدير: يا الله أمنا واغفر لنا، ولم نجد أحداً يذكر هذا الحرف العاطف.
والثاني: وهو حجة الزجاج أنه لو كان الأمر كما قال ، لجاز أن يتكلم به على أصله ، فيقال ( الله أم ) كما يقال ( ويلم ) ثم يتكلم به على الأصل فيقال ( وَيْلٌ أُمُّهُ )
الثالث : لو كان الأمر على ما قاله الفراء لكان حرف النداء محذوفاً ، فكان يجوز أن يقال: يا اللّهم ، فلما لم يكن هذا جائزاً علمنا فساد قول الفراء بل نقول: كان يجب أن يكون حرف النداء لازماً ، كما يقال: يا الله اغفر لي.
وأجاب الفراء عن هذه الوجوه، فقال :
أما الأول فضعيف، لأن قوله ( يا الله أم ) معناه: يا الله اقصد، فلو قال : واغفر لكان المعطوف مغايراً للمعطوف عليه فحينئذ يصير السؤال سؤالين أحدهما : قوله { أمنا } والثاني : قوله { واغفر لَنَا } [ البقرة : 286 ] أما إذا حذفنا العطف صار قوله : اغفر لنا تفسيراً لقوله : أمنا . فكان المطلوب في الحالين شيئاً واحداً فكان ذلك آكد ، ونظائرهكثيرة في القرآن.
وأما الثاني فضعيف أيضاً ، لأن أصله عندنا أن يقال : يا الله أمنا . ومن الذي ينكر جواز التكلم بذلك ، وأيضاً فلأن كثيراً من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة الفرع مقام الأصل ، ألا ترى أن مذهب الخليل وسيبويه أن قوله : ما أكرمه ، معناه أي شيء أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل هذا الكلام الذي زعموا أنه الأصل في معرض التعجب فكذا هاهنا.
وأما الثالث : فمن الذي سلم لكم أنه لا يجوز أن يقالّ : يا اللّهم, وأنشد الفرّاء :
وأما عليك أن تقولي كلما ... سبحت أو صليت يا اللّهما
وقول البصريين : إن هذا الشعر غير معروف ، فحاصله تكذيب النقل، ولو فتحنا هذا الباب لم يبق شيء من اللغة والنحو سليماً عن الطعن، (والمشكلة أنهم قعدوا قواعد غريبة, ولما لم يجدوا لها دليلا من القرآن اختلقوا لها أبياتا شعرية يستدلون بها على تخريجاتهم التي لم تعرفها العرب!! –عمرو-)
وأما قوله : كان يلزم أن يكون ذكر حرف النداء لازماً فجوابه أنه قد يحذف حرف النداء كقوله { يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا } [ يوسف : 46 ] فلا يبعد أن يختص هذا الاسم بإلزام هذا الحذف." اهـ </B></I>
إذا نظرنا في كتاب الله تعالى وجدنا أنه سبحانه تحدث عن نفسه "الله" بصيغة الغائب أو المتكلم كثيرا, بينما لا نجد أن الله تعالى قد ذكر آية واحدة تعرض صيغة المخاطبة (الدعاء) مع الله! فلم نجد آية تحكي قول من يقول: يا الله! أو: الله! اغفر لي أو آتني .... إلخ.
وعلى العكس من ذلك وجدنا الكثير والكثير من الآيات التي تعرض دعاء الأنبياء والمرسلين والمؤمنين ربهم, فعلى سبيل المثال:
وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَرَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود : 45]
إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً [مريم :3- 4]
رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْآمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ [آل عمران : 193]
وغير ذلك كثير من الآيات! ونلاحظ أنه على الرغم من كثرة هذه المخاطبات في القرآن, بصيغها المختلفة: رب, ربنا, إلا أنها كذلك لم تسبق ب "يا", فلم نجد:
"يا رب" أو "يا ربنا" أو: " يا ربي!"
إلا في موضع واحد, وهو شكوى النبي الكريم قومه لربه في اليوم الآخر:
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان : 30]
(وسنناقش الحرف "يا" هذا بعد سطور قلائل!)
وهنا نتوقف ونتساءل:
إذا كان المرء لا يريد أن يدعو الله بصيغة الرب, فلا يريد أن يقول: رب! وإنما يريد أن يدعوه باسمه, فماذا يقول, إذا كان قول "يا الله" إساءة أدب؟!
نقول:
يقول, ما أمر الله به نبيه, وما عرفنا أنه دعاء أهل الجنة, وهو: اللهم! فهي الصيغة التي أمر الله تعالى بها نبيه, وأمرنا بها تباعا, وننظر في الآيات لنبصر بأعيننا:
وردت كلمة "اللهم" خمس مرات في كتابه العزيز في معرض مخاطبة الله عز وجل, إما أمراً بقولها, كما في قوله تعالى:
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران : 26]
قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الزمر : 46]
وإما إخبارا عن استعمال الناس لها في الدعاء, في الماضي والحاضر (في زمن النبي) والمستقبل في الجنة, كما في قوله تعالى:
"قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المائدة : 114]
وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال : 32]
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس : 10]"
والآيتان الأول دليل على وجوب استعمال هذه الصيغة "اللهم", فلقد أمر الله النبي الكريم بأن يدعوه قائلا: اللهم .....!
ثم يحكي أن سيدنا عيسى استعملها في دعاءه (وحكايته سبحانه لاستعمال سيدنا عيسى -عليه الصلاة وله السلام- لها, دليل على أن بني إسرائيل كانوا يستعملونها, ومرجح لقولنا أن "ألوهيم" هي اللهم!)
ثم يحكي المولى استعمال العرب في زمن النبي الكريم لها! ولم يقل أنهم قالوا: يا الله!
وأهل الجنة دعواهم فيها سبحانك اللهم! وليس: سبحانك يا ألله! كما يقولها مؤلفو الأدعية في زماننا هذا!!
ولست أدري أي دليل أكبر من الأمر بها والحكاية عن استعمالها! وأما من يجادل ويدافع عن: يا ألله! بهمزة القطع! فندعوه إلى ترك المألوف والتفكر فيما يقول! وأنه يخاطب الرب القدير هكذا مباشرة!!!
فإذا تركنا هذه النقطة وانتقلنا إلى النقطة المترتبة عليها, وهي:
ما هي هذه الميم الزائدة في "اللهم"؟!
نقول: قدم علماء اللغة الأقدمون العديد من التوجيهات التي لا تستحق إلا أن توصف بالعجيبة! –إلا إنه لا عجب في نحو قائم على التقديرات! وعلى تقدير محذوفات لا عدد لها!- ولقد ذكر الإمام الفخر الرازي هذه التوجيهات في تفسيره, عند تناوله لآية آل عمران, حيث قال:
" اختلف النحويون في قوله {اللهم} فقال الخليل وسيبويه { اللهم } معناه:
يا الله، والميم المشددة عوض من يا! (مع إنه لا استعمال لها في القرآن ولا في السنة الصحيحة ولا في كلام العرب! ولم تظهر إلا متأخرة! –عمرو-)
وقال الفرّاء : كان أصلها: يا الله أم بخير! فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء، وحذفوا الهمزة من: أم ، فصار { اللهم } ونظيره قول العرب : هلم! والأصل : هل ، فضم : أم إليها .
حجة الأولين على فساد قول الفرّاء وجوه:
الأول : لو كان الأمر على ما قاله الفراء لما صحّ أن يقال: اللّهم افعل كذا إلا بحرف العطف ، لأن التقدير: يا الله أمنا واغفر لنا، ولم نجد أحداً يذكر هذا الحرف العاطف.
والثاني: وهو حجة الزجاج أنه لو كان الأمر كما قال ، لجاز أن يتكلم به على أصله ، فيقال ( الله أم ) كما يقال ( ويلم ) ثم يتكلم به على الأصل فيقال ( وَيْلٌ أُمُّهُ )
الثالث : لو كان الأمر على ما قاله الفراء لكان حرف النداء محذوفاً ، فكان يجوز أن يقال: يا اللّهم ، فلما لم يكن هذا جائزاً علمنا فساد قول الفراء بل نقول: كان يجب أن يكون حرف النداء لازماً ، كما يقال: يا الله اغفر لي.
وأجاب الفراء عن هذه الوجوه، فقال :
أما الأول فضعيف، لأن قوله ( يا الله أم ) معناه: يا الله اقصد، فلو قال : واغفر لكان المعطوف مغايراً للمعطوف عليه فحينئذ يصير السؤال سؤالين أحدهما : قوله { أمنا } والثاني : قوله { واغفر لَنَا } [ البقرة : 286 ] أما إذا حذفنا العطف صار قوله : اغفر لنا تفسيراً لقوله : أمنا . فكان المطلوب في الحالين شيئاً واحداً فكان ذلك آكد ، ونظائرهكثيرة في القرآن.
وأما الثاني فضعيف أيضاً ، لأن أصله عندنا أن يقال : يا الله أمنا . ومن الذي ينكر جواز التكلم بذلك ، وأيضاً فلأن كثيراً من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة الفرع مقام الأصل ، ألا ترى أن مذهب الخليل وسيبويه أن قوله : ما أكرمه ، معناه أي شيء أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل هذا الكلام الذي زعموا أنه الأصل في معرض التعجب فكذا هاهنا.
وأما الثالث : فمن الذي سلم لكم أنه لا يجوز أن يقالّ : يا اللّهم, وأنشد الفرّاء :
وأما عليك أن تقولي كلما ... سبحت أو صليت يا اللّهما
وقول البصريين : إن هذا الشعر غير معروف ، فحاصله تكذيب النقل، ولو فتحنا هذا الباب لم يبق شيء من اللغة والنحو سليماً عن الطعن، (والمشكلة أنهم قعدوا قواعد غريبة, ولما لم يجدوا لها دليلا من القرآن اختلقوا لها أبياتا شعرية يستدلون بها على تخريجاتهم التي لم تعرفها العرب!! –عمرو-)
وأما قوله : كان يلزم أن يكون ذكر حرف النداء لازماً فجوابه أنه قد يحذف حرف النداء كقوله { يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا } [ يوسف : 46 ] فلا يبعد أن يختص هذا الاسم بإلزام هذا الحذف." اهـ </B></I>