إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الإسرائيليات في كتب التفسير

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    اشتملت بعض كتب التفسير على أحاديث موضوعة في فضائل السور والآيات القرآنية ، وكذلك : فيما يتعلق بأسباب النزول وفيما يتعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم كقصة الغرانيق وتزوجه ببعض أزواجه ، وهي : السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها.
    ومن هذه الموضوعات : ما هو خفي دقيق لا يدركه إلا الحفاظ المتقنون العارفون بقواعد الجرح ، والتعديل ، وتواريخ الرجال ، وهذا النوع راجَ على بعض الكتاب وأهل العلم ، وتداولوه في كتبهم ، وأحاديثهم ، وخطبهم ، ووعظهم وتذكيرهم للناس.
    ومنها : ما يدركه من ليس له قدم ثابتة في حفظ الحديث ، ونقده والعلم برجاله وأحوال رواته لمصادمته للمعقول ، ولما أجمع عليه العلماء من عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن مثله فقد ردوا بعض هذه المكذوبات من جهة العقل والنظر ، ولم يتوسعوا في نقده من جهة ا لنقل ، والرواية ، فكان على أن أستدرك ما فاتهم ، وأن أتوسع في نقده من جهة السند والمتن ، أو بعبارة أخرى : من جهة النقد الداخلي ، والنقد الخارجي ، وبذلك لا تبقى هناك أية شبهة في التمسك بهذه المرويات الواهيات الساقطات عن درجة الاعتبار.
    ومن هذه المرويات المختلقة ما أجمع العلماء على الحكم بوضعه ، واختلاقه ، ولكن الوقوف على كلامهم وكتبهم ليس متيسرا ، ولا سهلا على كل قارئ لهذه التفاسير ، فمن ثم وقع فيما وقع فيه الكثيرون من الاغترار بهذه المرويات ، وأمثالها ، وزعمهم أن لها أصلًا ، فكان علي أن أبحث ، وأنقب ، وأضع بين يدي القارئ ما قاله الأئمة ، حتى يكون على حذر منها ، ومنها ما اختلف فيه أئمة كبار : منهم من حكم بزيفه ، ومنهم من حكمت عليه الصنعة الحديثية ، فانتصر لها ، وجعل لها أصلا ، ولكنه ركب الصعب في بيان المراد منها ، وذلك كقصة الغرانيق ، فكان لزاما عليَّ أن أرد عليهم بمقتضى القواعد الحديثة أيضا التي أخذناها من كتب الأئمة ، وعليها تتلمذنا.
    لذلك : رأيت إتماما للفائدة ، وإكمالا للبحث أن أتعرض لما وصله إليه علمي من الموضوعات بعد الفراغ من الإسرائيليات ، وأكشف عما قاله العلماء في تزييف هذه الموضوعات ، ومن الله أستمد العون والتوفيق فاللهم أَعِنْ وسدِّدْ.

    قصة الغرانيق موضوعة :
    ومن ذلك : ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ، لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(الحج 52-54.).
    فقد ذكر بعض المفسرين في سبب ذلك ما قاله السيوطي : أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير ، وابن المنذر ، من طريق بسند صحيح : "كما زعم" عن سعيد بن جبير ،
    قال : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بمكة : {وَالنَّجْمِ} فلما بلغ : {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ، فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجدوا وسجد ، فنزلت ، وأخرجه البزار ، وابن مردويه ، بوجه آخر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، فيما أحسبه وقال : لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد ، وبعد أن ذكر له طرقا كثيرة قال : وكلها إما ضعيفة ، وإما منقطعة ، سوى طريق سعيد بن جبير الأولى وهذا الطريق وطريقان آخران مرسلان عند ابن جرير هم معتمد المصححين للقصة ، كابن حجر والسيوطي(أسباب النزول للسيوطي على هامش تفسير الجلالين ج2 ص 14-16.
    ).
    وهذه القصة غير ثابتة : لا من جهة النقل ، ولا من جهة العقل والنظر. أما من جهة النقل : فقد طعن فيها كثير من المحققين والمحدثين ، قال البيهقي ؛ وهو من كبار رجال السنة : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ، وقال القاضي عياض في : "الشفاء" : إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل ، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون ، والمولعون بكل غريب ، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم ، ومن حكيت عنه هذا المقالة من المفسرين والتابعين ، لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صحابي ، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية ، والمرفوع منها حديث شعبة ، عن أبي البشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -فيما أحسب- "الشك في وصل الحديث" : "أن النبي كان بمكة وذكر القصة" قال أبو بكر البزار : هذا الحديث لا نعرفه يروى عن النبي بإسناد متصل ، إلا هذا ، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد ، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير ، وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، فقد بيَّن أبو بكر أنه لا يعرف عن طريق يجوز ذكره سوى هذا ، وفيه من الضعف ما نبه عليه ، مع وقوع الشك فيه ، الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه ، وأما حديث الكلبي : فمما لا يجوز الرواية منه ، ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه. ا. هـ. وكذا أنكر القصة القاضي أبو بكر ابن العربي وطعن فيها من جهة النقل ، وسئل محمد بن إسحاق بن خزيمة ، عن هذه القصة ، فقال : هذا من وضع الزنادقة ، وصنف في ذلك كتابا(*) وذهب إلى وضعها الإمام : أبو منصور الماتريدي ، في كتاب "حصص الأتقياء" حيث قال : الصواب أن قوله : تلك الغرانيق العلى من جملة إيحاء الشياطين إلى أوليائه من الزنادقة ، حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقَّاء الدين ؛ ليرتابوا في صحة الدين ، والرسالة بريئة من مثل هذه الرواية.
    فها نحن نرى أن من أنكرها وقضى بوضعها أكثر مما صححها اعتمادا على روايات مرسلة.
    اضطراب الرواية :
    ومما يقلل الثقة بالحديث : اضطراب الروايات اضطرابا فاحشا ؛ فقائل يقول : إنه كان في الصلاة ، وقائل يقول : قالها في نادي قومه ، وثالث يقول : قالها وقد أصابته سنة ، ورابع يقول : بل حديث نفسه فَسَهَا. ومن قائل : إن الشيطان قالها على لسانه ، وإن النبي لما عرضها على جبريل قال : ما هكذا اقرأتك ؟ وآخر يقول : بل أعلمهم الشيطان أن النبي قرأها كما رويت : تلك الغرانيق العلى على أنحاء مختلفة ، وكل هذا الاضطراب مما يوهن الرواية ، ويقلل الثقة بها ، والحق أبلج والباطل لجلج.
    القصة لم يخرجها أحد ممن التزموا الصحيح :
    والقصة لم يخرجها أحد ممن التزموا الصحاح ، ولا أحد من أصحاب الكتب المعتمدة ، والذي روي في البخاري عن ابن عباس : "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : النجم وهو بمكة ، فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس" ، وفي رواية ابن مسعود : "أول سورة أنزلت فيها سجدة : والنجم ، قال : فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه ، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا"(فتح الباري ج 8ص 498.). أما سجود المسلمين : فاتباعا لأمر الله ، وأما سجود المشركين : فلما سمعوه من أسرار البلاغة الفائقة ، وعيون الكلم الجوامع ، مع التهديد والإنذار ، وقد كان العربي يسمع القرآن ، فيخر له ساجدا ، أضف إلى ذلك ما فيه من موافقة الجماعة ، والشخص إذا كان في جماعة يندفع إلى موافقتها من غير ما يشعر ، ولو كان الأمر على خلاف ما يهوى ويحب ، وهذا أمر مشاهد ، وفي علم النفس ما يؤيده ، وذكر البخاري في تفسير سورة الحج قال : وقال ابن عباس : {إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه} : إذا حدَّث ألقى الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان ، ويحكم آياته ويقال : أمنيته قراءته ، فقد حكى الثاني بصيغة التمريض ، التي تدل على الضعف ، وليس في هذا ولا ذاك ما يشير إلى ما يزعمون.
    المعتمدون للقصة :
    ومع ما ذكرنا من قول المحققين في القصة : فقد حكمت الصنعة والقواعد الاصطلاحية على الحافظ ابن حجر ، فصحح القصة وجعل لها أصلا ، قال في "الفتح" في تفسير سورة الحج ، بعد ما ساق في الطرق الكثيرة ، وكلها سوى طريق سعيد بن جبير ؛ إما ضعيف وإما منقطع لكن كثرة الطرق تدل على أن لها أصلا ، مع أن لها طريقين مرسلين آخرين ، رجالهما على شرط الصحيح ؛ أحدهما : ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، حدثني أبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فذكر نحوه ، والثاني : ما أخرجه أيضا من طريق المعتكمر بن سليمان ، وحماد بن سلمة ، فرقهما عن داود بن أبي هند ، عن أبي العالية ، وبعد أن ذكر كلام القاضي أبي بكر ابن العربي ، وعياض قال : وجميع ذلك لا يتمشى مع القواعد ؛ فإن الطرق إذا كثرت وتبينت مخارجها : دل ذلك على أن لها أصلا ، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح ، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل ، وكذا من لا يحتج لاعتداد بعضها ببعض ، وإذا تقرر ذلك : تعين تأويل ما فيها مما يستنكر وهو قوله : ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلا ، فإنه لا يجوز حمله على ظاهره ؛ لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس منه ، وكذا سهوا إن كان مغايرا لما جاء به من التوحيد ، لمكان عصمته ، وقد سلك العلماء في ذلك مسالك ، وبعد أن ذكر الكثير منها ، ولم يرتضه ، ارتضى لتصحيح القصة هذا التأويل ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتل القرآن ترتيلا ، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمة محاكيا نغمته ، بحيث سمعها من دنا ، فظنه من قوله ، وأشاعها بين الناس : قال : وهو الذي ارتضاه القاضي عياض وأبو بكر ابن العربي. ا. هـ ، والقاضيان : عياض وأبو بكر رأيهما البطلان نقلا وعقلا ولكنهما ارتضيا ذلك تنزلا على تسليم الصحة.
    الذي أجيب به على ما ذكره الحافظ : .
    1- أن جمهور المحدثين لم يحتجوا بالمرسل ، وجعلوه من قسم الضعيف ؛ لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي ، وحينئذ يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة ، وعلى الثاني : فلا يؤمَن أن يكون كذابا( نزهة النظر شرح نخبة الفكر للحافظ ص 27 ط الاستقامة) ، والإمام مسلم قال في مقدمة كتابه : والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار : ليس بحجة. وقال ابن الصلاح في مقدمته : "وذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه ، هو الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث ، وتداولوه في تصانيفهم" ، والاحتجاج به مذهب مالك ، وأبي حنيفة والشافعي ، بشروط ذكرها في رسالته ، ونقلها العراقي في شرح ألفيته ، وقد قالوا في مراسيل أبي العالية : إنها كالريح كما في "التدريب" وإني لأذكر الحافظ بما ذكره من البلاء في الاحتجاج بالمراسيل في مقدمة كتابه لسان الميزان(@).
    2- الاحتجاج بالمرسل إنما هو في الفرعيات التي يكفي فيها الظن ، أما الاحتجاج به على إثبات شيء يصادم العقيدة وينافي دليل العصمة فغير مسلم ، وقد قال علماء التوحيد : إن خبر الواحد لو كان صحيحا لا يؤخذ به في العقائد ؛ لأنه لا يكتفى فيها إلا باليقين ، فما بالك بالضعيف.
    3- هذا التأويل الذي ارتضاه ما أضعفه عند النظر والتأمل ، فهو يوقع متأوله فيما فر منه ، وهو تسلط الشيطان على النبي ، فالتسلط عليه بالمحاكاة ، كالتسلط عليه بالإجراء على لسانه ، كلاهما لا يجوز ، وفتح هذا الباب خطر على الرسالات ، وإذا سلمنا أن الشيطان هو الذي نطق في أثناء سكوت الرسول ، فكيف لا يسمع ما حكاه الشيطان ؟ وإذا سمعها ، فكيف لا يبادر إلى إنكارها ؟ والبيان في مثل هذا واجب على الفور ، وإذا لم يسمع النبي ، ألم يسمع أصحابه ؟ وإذا سمعوا ، فكيف يسكتون ؟ وإذا لم يسمعوا فهل بلغ من تسلط الشيطان أن يحول بينهم وبين السماع ؟.
    ومثل هذا : ما ذكره موسى بن عقبة في مغازيه : من أن المسلمين ما سمعوها ، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين ، فهل كان الشيطان يسر في آذان المشركين دون المؤمنين ؟ ثم كيف يتفق هذا وما روي من أن النبي حزن حزنا شديدا ، وأن جبريل قال له : ما جئتك بهذا.
    الحق : أن نسج القصة مهما تأول فيه المتأولون فهو مهلهل متداعٍ لا يثبت أمام البحث.
    مصادمة القصة للقرآن المتواتر :
    فقد أفادت القصة : "تسلط الشيطان على النبي بالزيادة في القرآن ما ليس منه ، وهو مخالف لقوله تعالى : {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان} وأي شخص أحق بهذه العبودية من الأنبياء بله رسول الله ؟ وقال تعالى : {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وأي بشر أصدق إيمانا وأقوى توكلا من رسول الله ؟ وقد صدق الشيطان ذلك ، كما حكاه الله تعالى عنه بقوله : {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} بفتح الللام وكسرها ، ومن أحق من الأنبياء بالأصطفاء ، أو من أشد إخلاصا منهم ؟.
    وأما بطلان القصة من جهة العقل والنظر :
    فقد قام الدليل وأجمعت الأمة على عصمته ، عليه الصلاة والسلام من مثل ما روي إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا ، من مدح آلهة العرب وهو كفر ، أو أن يتسور عليه الشيطان ، ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ، ويعتقد النبي ذلك ، حتى ينبهه جبريل ، وذلك ممتنع في حقه أن يقوله من قبل نفسه عمدا وهو كفر ، أو سهوًا وهو معصوم ، وقد ثبت بالبراهين والإجماع عصمته من جريان ذلك على لسانه ، أو قلبه ، لا عمدا ولا سهوا ، أو يكون للشيطان سبيل عليه في التبليغ ، ولو جوزنا ذلك لذهبت الثقة بالأنبياء ، ولوجد المارقون سبيلا للتشكيك في الأديان(الشفاء للقاضي عياض).
    ووجه آخر لفساد هذه القصة : وهو أن الله تعالى ذم الأصنام في هذه السورة ، وأنكر على عابديها ، وجعلها أسماء لا مسمى لها ، وما التمسك بأذيالها إلا أوهام وظنون ، فلو أن القصة صحيحة : لما كان هناك تناسب بين ما قبلها وما بعدها ، ولكان النظْم مفككا ، والكلام متخاذلا ، وكيف يقع مدح بين ذمين ؟ بل كيف يجوز هذا ممن كمل عقله على كل العقول ، واتسع في باب البيان ومعرفة الفصيح علمه ؟ وكيف يطمئن إلى مثل هذا التناقض السامعون ، وهم أهل اللسان والفصاحة ، ومنهم أعداؤه الذين يتلمسون له الزلات والعثرات ؟ ولو أن ما روي كان واقعا لشغب المعادون ، وارتد الضعفاء من المؤمنين ، ولقامت قيامة مكة ، كما حدث في الإسراء ، ولكن شيئا من ذلك لم يكن.
    ووجه ثالث : وهو أن بعض الروايات ذكرت أن فيها نزلت : {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا}(الإسراء الآيتان : 73 ، 74.)، وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه ؛ لأن الله ذكر : أنهم كادوا يفتنونه ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم ، ومفاده : أن الله عصمه من أن يفتري ، وثبته ، حتى لم يكد يركن إليهم ، فقد انتفى قرب الركون فضلا عن الركون ، لمكان العصمة والتثبت ، وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون ، بل افترى بمدح آلهتهم وهذا ضد مفهوم الآيتين ، وهو تضعيف للحديث لو صح ، فكيف ولا صحة له ؟ ولقد طالبته قريش وثقيف ؛ إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ، ووعدوه الإيمان به إن فعل ، فما فعل ، ولا كان ليفعل ، فكيف يدعي المتخرصون أنه مدح أصنامهم ؟ ومما يدل على افتعال القصة : ما ذكره الأستاذ الإمام الشيخ : محمد عبده في رده هذه الفرية ، وهو أن وصف العرب لآلهتهم بالغرانيق لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم ، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم ، إلا ما جاء في : "معجم ياقوت" من غير سند ولا معروف بطريق صحيح ، والذي تعرفه اللغة : أن الغرنوق والغرانيق : اسم لطائر مائي أسود أو أبيض ، ومن معانيه : الشاب الأبيض الجميل ، ويطلق على غير ذلك "راجع القاموس" ، ولا شيء من معانيه اللغوية يلائم معنى الإلهية والأصنام ، حتى يطلق عليها في فصيح الكلام الذي يعرض على أمراء الفصاحة والبيان ، ولا يجوز أن يكون هذا من قبيل المجاز ، بتشبيه الأصنام والآلهة بالغرانيق ؛ لأن الذوق الأدبي العربي يأبى ذلك.
    زعم مردود :
    وقد حاول أحد أعداء الدين ، وهو "سيرموير" المستشرق ؛ الذي طبل لهذه القصة وزمر ، أن يدعمهما بما يزعم أنه صحيح ، وهو ما روي أن النبي لما قال ذلك ، تهادن المسلمون والمشركون ، وترامى الخبر إلى مهاجري الحبشة ، فرجعوا إلى وطنهم ، وهو باطل ، والسبب في رجوع مهاجري الحبشة ، هو إسلام السيد الهمام : عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد أعز الله به الإسلام ، وقوى شوكة المسلمين ، فخفف المشركون من غلوائهم مما رغب مهاجري الحبشة في الرجوع إلى وطنهم ، وانضم إلى ذلك : حدوث ثورة في بلاد النجاشي ، كان اعترافه بأن ما جاء به القرآن في عيسى وأنه عبد الله ورسوله حق مصدق لما جاء به الإنجيل ، وإيواؤه المسلمين بعض أسبابها ، فآثر المسلمون العودة على المقام بالحبشة ، خشية أن يتطاير إليهم بعض الشرر والضرر.
    وإذا كانت القصة غير ثابتة من جهة النقل ، وهي مخالفة للقرآن المتواتر ، ومناقضة لما ثبت بالعقل ، مع تعذر التأويل ، فلا جرم أن التحقيق يدعوني إلى أن أصدع بأن حديث الغرانيق مكذوب مختلق وضعه الزنادقة ، الذين يحاولون إفساد الدين والطعن في خاتم الأنبياء.
    وإذ قد انتهينا إلى هذه النتيجة الموفقة : فما معنى الآية حينئذ ؟ وللإجابة عن ذلك : أذكر خلاصة ما ذكره الأستاذ الإمام في تفسيرها ، وفي تفسيرها وجهان : الأول ، أن.
    التمني بمعنى القراءة1. إلا أن الإلقاء لا بالمعنى الذي ذكره المبطلون ، بل بمعنى إلقاء الأباطيل والشبه مما يحتمله الكلام ، ولا يكون مرادا للمتكلم ، أو لا يحتمله ، ولكن يدعي أن ذلك يؤدي إليه ، وذلك من عمل المعاجزين ، الذين دأبهم محاربة الحق ، يتبعون الشبهة ، ويسعون وراء الريبة ، ونسبة الإلقاء إلى الشيطان حينئذ ؛ لأنه مثير الشبهات بوساوسه ، و يكون المعنى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا حدث قومه عن ربه ، أو تلا وحيا أنزل الله فيه هداية لهم ، قام في وجهه مشاغبون يتقولون عليه ما لم يقله ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، وينشرون ذلك بين الناس ، ولا يزال الأنبياء يجالدونهم ويجاهدون في سبيل الحق ، حتى ينتصر ، فينسخ الله ما يلقي الشيطان من شبه ، ويثبت الحق ، وقد وضع الله هذه السنة في الخلق ليتميز الخبيث من الطيب ، فيفتتن ضعفاء الإيمان الذين في قلوبهم مرض ، ثم يتمحص الحق عند أهله ، وهم الذين أوتوا العلم ، فيعلمون أنه الحق من ربهم ، وتخبت له قلوبهم.
    ثانيا : أن التمني : المراد به تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما كان ويكون ، والأمنية من هذا المعنى : وما أرسل الله من رسول ، ولا نبي ليدعو قومه إلى هدى جديد ، أو شرع سابق إلا وغاية مقصوده ، وجل أمانيه ، أن يؤمن قومه ، وكان نبينا من ذلك في المقام الأعلى : {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} ، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين} ، ويكون المعنى : وما أرسلنا من رسول ولا نبي ، إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ، ألقى الشيطان في سبيله العثرات ، وأقام بينه وبين مقصده العقبات ووسوس في صدور الناس ، فثاروا في وجهه ، وجادلوه بالسلاح حينا وبالقول حينا آخر ، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها ، ونالوا منه وهو قليل الأتباع ، ظنوا أن الحق في جانبهم ، وقد يستدرجهم الله جريا على سنته ، يجعل الحرب بينهم وبين المؤمنين سجالا ، فينخدع بذلك الذين في قلوبهم شك ونفاق ، ولكن سرعان ما يمحق الله ما ألقاه الشيطان من الشبهات ، وينشيء من ضعف أنصار الآيات قوة ، ومن ذلهم عزة ، وتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ليعلم الذين أوتوا العلم أن ما جاء به الرسل هو الحق ، فتخبت له قلوبهم ، وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ، هذا هو ا لحق ، وما عدا ذلك فهو باطل.
    -------------------------------------------------

    1 هذا التفسير ورد في صحيح البخاري تعليقا إلا أنه جعله مرجوحا لا راجحا وكذلك أشار إلى الوجه الثاني وهو تفسير التمني بالتشهي ، وجعله هو الراجح "صحيح البخاري ، كتاب التفسير ، باب تفسير سورة الحج".
    (*)هكذا قال الرازي في تفسيره ، إنه محمد بن إسحاق بن خزيمة ، وفي الآلوسي نقلا عن تفسير البحر : إنه محمد بن إسحاق جامع السيرة وقد بحثت فتبين لي أن ابن إسحاق جامع السيرة ممن ذكرها في سيرته فاستبعدت معه أن يكون هو الذي فندها ورجحت الأول. وابن خزيمة من الحفاظ الكبار توفي سنة 311 هـ.
    (@)قال الحافظ ابن حجر في مقدمة "لسان الميزان" : روي عن شيخ من الخوارج أنه قال بعدما تاب : "إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا" قال الحافظ : "وهذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل ؛ إذ بدعة الخوارج كانت في الصدر الأول ، والصحابة متوافرون ، ثم في عصر التابعين ، ومن بعدهم ، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثًا ، وأشاعوه ، فربما سمعه الرجل السني فحدث به ، ولم يظهر من حدث به فيحمله عنه غيره ، ويجيء الذي يحتج بالمقاطيع ، فيحتج به ، ويكون أصله ما ذكرت" وهو كلام من الدقة والنفاسة بمكان ، وأنا لا أؤاخذ الحافظ إلا بما قال.
    التعديل الأخير تم بواسطة mosaab1975; الساعة 26-12-2009, 20:02.

    تعليق


    • #17
      حديث : أنا "ابن الذبيحين" :
      ومن ذلك : ما ذكره الزمخشري في كشافه ، وتبعه النسفي في تفسيره ، وغيرهما ، عند قوله تعالى : {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين} الآيات(الصافات 101-107.) فقد ذكرا في الاستدلال على أن الذبيح : إسماعيل ؛ ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "أنا ابن الذبيحين" يعني جده الأعلى : إسماعيل ، وأباه : عبد الله بن عبد المطلب.
      وهذا الحديث لا يثبت عند المحدثين ، قال الإمامان : الزيلعي ، وابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف : لم نجده بهذا اللفظ ، وقال الحافظ العراقي : إنه لم يقف عليه ، ولا يعرف بهذا اللفظ ، وأما حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم طالبا العطاء : فقال فيما قال : "فعد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه" ، فهو حديث حسن ، بل صححه الحاكم ، وقد ورد من طرق عدة يقوي بعضها بعضا(كشف الخفاء ومزيل الإلباس ج 1 ص 199).


      - تفسير شيعي :
      ومن ذلك ما ذكره بعض المفسرين : كابن جرير في تفسيره ، والسيوطي في : "الدر المنثور" ومفسروا الشيعة في تفاسيرهم ، عند تفسير قوله تعالى : {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}(الرعد : 7.) فقد فسروا المنذر : بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والهادي بأنه علي رضي الله عنه ، والجمهور من المفسرين سلفا وخلفا على أن المنذر والهادي هو رسول الله وكذلك ما روي عند تفسير قوله تعالى : {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَة}(الحاقة : 12.) من أن المراد بها : أذن علي ، فقد رووا : أن النبي صلى الله عليهوسلم لما نزلت الآية أخذ بأذنه وقال : "هي أذنك يا علي" ، وفي رواية : "اللهم اجعلها أذن علي" ، وهما موضوعان كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ، وغيره من الأئمة.

      تعليق


      • #18
        ما ذكره بعض المفسرين في تأييد رأي أو بيان معنى : "المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء"
        فمن ذلك ما ذكره الزمخشري في كشافه ، وتابعه النسفي في تفسيره ، عند تفسير قوله تعالى : {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}الأعراف : 31.
        ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني ، حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد : ليس في كتابكم من علم الطب شيء ، والعلم علمان : علم الأديان ، وعلم الأبدان ، فقال له : قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه ، فقال : وما هي ؟ قال ، قوله تعالى : {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} ، فقال النصراني : ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب ؟ فقال : قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة ، فقال : وما هي ؟ قال : في قوله : "المعدة بيت الداء ، والحمية(الامتناع أو التقليل من الطعام.) رأس الدواء ، واعط ما ذكره بعض المفسرين في تأييد رأي أو بيان معنى المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء كل بدن ما عودته" فقال النصراني : ما ترك كتابكم ، ولا نبيكم لجالينوس طبا أقول : ولئن أصاب في الآية ، فقد أخطأ في ذكره الحديث ؛ فإنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من "كلام الحارث بن كلدة" "طبيب العرب(كشف الخفاء ومزيل الإلباس ج 2 ص 214.) ، فنسبته إلى النبي كذب واختلاق عليه ، نعم هناك من قول النبي صلى الله عليه وسلم ما أهو أدق وأوفى من هذا ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : "ما ملأ ابن آدم وعاء شراء من بطنه ، بحسب ابن آدم أكلات -أي لقيمات- يقمن صلبه ، فإن كان ولا بد ، فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه" ، رواه الترمذي وقال : حديث حسن.
        وقد كان الإمام البيضاوي على حق حينما ذكر القصة التي ذكرها الزمخشري ، ولكنه اكتفى بالآية ، ولم يذكر الحديث ، فقد علمت أنه ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم.

        تعليق


        • #19
          الإسرائيليات في قصة هاروت وماروت :

          الإسرائيليات في قصة هاروت وماروت :
          روى السيوطي في الدر المنثور ، في تفسير قوله تعالى : {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوت} روايات كثيرة وقصصا عجيبة رويت عن ابن عمر ، وابن مسعود ،وعلي ، وابن عباس ، ومجاهد ، وكعب ، والربيع ، والسدي ، رواها ابن جرير الطبري في تفسيره ، وابن مردويه ، والحاكم ، وابن المنذر ، وابن أبي الدنيا ، والبيهقي ، والخطيب في تفاسيرهم وكتبهم(الدر المنثور ج 1 من ص2 97-103 ، تفسير ابن جرير ج1 ص 362-367.)
          وخلاصتها : أنه لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيها من المعاصي والكفر بالله ، قالت الملائكة في السماء : أي رب ، هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك ، وطاعتك ، وقد ركبوا الكفر ، وقتل النفس الحرام ، وأكل المال الحرام ، والسرقة ، والزنا ، وشرب الخمر ، فجعلوا يدعون عليهم ، ولا يعذرونهم فقيل لهم : إنهم في غيب ، فلم يعذروهم ، وفي بعض الروايات أن الله قال لهم : لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم ، قالوا : سبحانك ما كان ينبغي لنا ، وفي رواية أخرى : قالوا : لا. فقيل لهم : اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري ، وأنهاهما عن معصيتي ، فاختاروا هاروت ، وماروت ، فأهبطا إلى الأرض ، وركبت فيهما الشهوة ، وأمرا أن يعبدا الله ، ولا يشركا به شيئا ، ونهيا عن قتل النفس الحرام ، وأكل المال الحرام ، والسرقة ، والزنا ، وشرب الخمر ، فلبثا على ذلك في الأرض زمانا ، يحكمان بن الناس بالحق ، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكواكب ، وأنهما أراداها(راودها عن نفسها.) على نفسها ، فأبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها ، وأنهما سألاها عن دينها ، فأخرجت لهما صنما ، فقالا : لا حاجة لنا في عبادة هذا ، فذهبا فصبرا ما شاء الله ، ثم أتيا عليها ، فخضعا لها بالقول ، وأراداها على نفسها ، فأبت إلا أن يكونا على دينها ، وأن يعبدا الصنم الذي تعبده ، فأبيا ، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم ، قالت لهما : اختارا إحدى الخلال الثلاث : إما أن تعبدا هذا الصنم ، أو تقتلا النفس ، أو تشربا هذا الخمر ، فقالا : هذا لا ينبغي ، وأهون الثلاثة شرب الخمر ، وسقتهما الخمر ، حتى إذا أخذت الخمر فيهما وقعا بها( أي فعلا بها الفاحشة)فمر بهما إنسان ، وهما في ذلك ، فخشيا أن يفشي عليهما ، فقتلاه ، فلما أن ذهب عنهما السكر ، عرفا ما قد وقعا فيه من الخطيئة ، وأرادا أن يصعدا إلى السماء ، فلم يستطيعا وكشف الغطاء فيما بينهما ، وبين أهل السماء ، فنظرت الملائكة إلى ما قد وقعا فيه من الذنوب ، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض ، فلما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة ، قيل لهما : اختارا عذاب الدنيا ، أو عذاب الآخرة ، فقالا : أما عذاب الدنيا فينقطع ويذهب ، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له ، فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما بها يعذبان معلقين بأرجلهما ، وفي بعض الروايات ، أنهما علماها الكلمة التي يصعدان بها إلى السماء ، فصعدت ، فمسخها الله ، فهي هذا الكوكب المعروف بالزهرة.
          ويذكر السيوطي أيضًا في كتابه ما رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه( تصحيح الحاكم غير معتدٍّ به ؛ لأنه معروف أنه متساهل في الحكم بالتصحيح كما قال ابن الصلاح وغيره ، وقد صحح أحاديث تعقبها الإمام الذهبي وحكم عليها بالوضع.)
          ، والبيهقي في سننه : عن عائشة ، أنها قدمت عليها امرأة من دومة الجندل ، وأنها أخبرتها أنها جيء لها بكلبين أسودين فركبت كلبا ، وركبت امرأة أخرى الكلب الآخر ، ولم يمض غير قليل ، حتى وقفتا ببابل ، فإذا هما برجلين معلقين بأرجلهما ، وهما هاروت وماروت ، واسترسلت المرأة التي قدمت على عائشة في ذكر قصة عجيبة غريبة.
          ويذكر أيضا : أن ابن المنذر أخرج من طريق الأوزاعي ، عن هارون بن رباب ، قال : دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده رجل قد ثنيت له وسادة ، وهو متكئ عليها ، فقالوا : هذا قد لقي هاروت ، وماروت فقالوا له : حدثنا رحمك الله : فأنشأ الرجل يحدث بقصة عجيبة غريبة(الدر المنثور ص 101 تفسير الطبري ج1 ص 366.)
          وكل هذا من خرفات بني إسرائيل ، وأكاذيبهم التي لا يشهد لها عقل ، ولا نقل ، ولا شرع ، ولم يقف بعض رواة هذا القصص الباطل عند روايته عن بعض الصحابة والتابعين ولكنهم أوغلوا باب الإثم ، والتجني الفاضح ، فألصقوا هذا الزور إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورفعوه إليه ، فقد قال السيوطي : أخرج سعيد ، وابن جرير ، والخطيب في تاريخ ، عن نافع ، قال : سافرت مع ابن عمر ، فلما كان من آخر الليل :قال : يا نافع : انظر : هل طلعت الحمراء ؟ قلت : لا ، مرتين أو ثلاثا ، ثم قلت : قد طعلت ، قال : لا مرحبا بها ، ولا أهلا : قلت : سبحان الله!! نجم مسخر ، ساع ، مطيع!! قال : ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "وإن الملائكة قالت : يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب ؟ قال : إني ابتليتهم وعافيتكم ، قالوا : لو كنا مكانهم ما عصيناك ، قال : فاختاروا ملكين منكم ، فلم يألوا جهدا أن يختاروا فاختاروا هاروت وماروت ، فنزلا ، فألقى الله عليهم الشبق ، قلت : وما الشبق ؟ قال : الشهوة ، فجاءت امرأة يقال لها : الزهرة فوقعت في قلبيهما ، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه ، ثم قال أحدهما للآخر : هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي ؟ قال : نعم ، فطلباها لأنفسهما ، فقالت : لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء ، وتهبطان ، فأبيا ، ثم سألاها أيضا ، فأبتن ففعلا ، فلما استطيرت طمسها الله كوكبا ، وقطع أجنحتها ، ثم سألا التوبة من ربهما ، فخيرهما بين عذاب الدنيا ، وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة ، فأوحى الله إليهما : أن ائتيا "بابل" فانطلقا إلى بابل ، فخسف بهما ، فهما منكوسان بين السماء والأرض ، معذبان إلى يوم القيامة ، ثم ذكر أيضا رواية أخرى ، مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا تخرج في معناها عما ذكرنا(الدر المنثور ج1 ص 97 تفسير الطبري ج 1 ص 364 )، ولا ينبغي أن يشك مسلم عاقل فضلا عن طالب حديث في أن هذا موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم مهما بلغت أسانيده من الثبوت فما بالك إذا كانت أسانيدها واهية ، ساقطة ، ولا تخلو من وضاع ، أو ضعيف ، أو مجهول ؟!! ونص على وضعه أئمة الحديث!!
          وقد حكم بوضع هذه القصة الإمام أبو الفرج ابن الجوزي(اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج1 ص 82.) ، ونص الشهاب العراقي على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما : فهو كافر بالله.
          وكذلك : حكم بوضع المرفوع من هذه القصة : الحافظ : عماد الدين ابن كثير ، وأما ما ليس مرفوعا : فبين أن منشأة روايات إسرائيلية عن كعب وغيره ، ألصقها زنادقة أهل الكتاب بالإسلام ، قال رحمه الله في تفسيره بعد أن تكلم على الأحاديث الواردة في هاروت وماروت ، وأن روايات الرفع غريبة جدا ، وأقرب ما يكون في ذلك أنه من رواية عبد الله بن عمر ، عن كعب الأحبار ، كما قال عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم بن عبد الله بن ابن عمر ، عن كعب ، ورفع مثل هذه الإسرائيليات إلى النبي كذب واختلاق ألصقه زنادقة أهل الكتاب ، زورا وبهتانا" وذكر مثل ذلك في البداية والنهاية.
          ثم هذه من ناحية العقل غير مسلمة ، فالملائكة معصومون عن مثل هذه الكبائر ، التي لا تصدر من عربيد ، وقد أخبر الله عنهم بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ، كما ورد في بعض الروايات التي أشرت إليها آنفا رد لكلام الله ، وفي رواية أخرى : أن الله قال لهما : لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني ، فقالا : لو فعلت بنا يا رب ما عصيناك!! ورد كلام الله كفر ، ننزه عنه من له علم بالله وصفاته ، فضلًا عن الملائكة.
          ثم كيف ترفع الفاجرة إلى السماء ، وتصير كوكبا مضيئا ، وما النجم الذي يزعمون أنه : "الزهرة" وزعموا أنه كان امرأة ، فمسخت إلا في مكانه ، من يوم أن خلق الله السموات والأرض.
          وهذه الخرافات التي لا يشهد لها نقل صحيح ، ولا عقل سليم هي كذلك مخالفة لما صار عند العلماء المحدثين أمرا يقينا ، ولا أدرى ماذا يكون موقفنا أمام علماء الفلك ، والكونيات ، إذا نحن لم نزيف هذه الخرافات ، وسكتنا عنها ، أو انتصرنا لها ؟!!
          ما التفسير الصحيح للآية ؟
          قوله تعالى : {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ}البقرة : 102.
          وليس في الآية ما يدل ولو من بعد على هذه القصة المنكرة ، وليس السبب في نزول الآية ذلك ، وإنما السبب : أن الشياطين في ذلك الزمن السحيق كانوا يسترقون السمع من السماء ، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ، ويُلْقُونها إلى كهنة اليهود وأحبارهم. وقد دوَّنها هؤلاء في كتب يقرؤونها ، ويعلمونها الناس ، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا : هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم ، وبه يسخر الإنس ، والجن ، والريح التي تجري بأمره ، وهذا من افتراءات اليهود على الأنبياء ، فأكذبهم الله بقوله : {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ},,,ثم عطف عليه : {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} فالمراد بما أنزل هو : علم السحر الذي نزلا ليعلماه الناس ، حتى يحذروا منه ، فالسبب في نزولهما هو : تعليم الناس أبوابا من السحر ، حتى يعلم الناس الفرق بين السحر والنبوة ، وأن سليمان لم يكن ساحرا ، وإنما كان نبيا مرسلا من ربه ، وقد احتاط الملكان عليهما السلام غاية الاحتياط ، فما كانا يُعلِّمان أحدا شيئا من السحر حتى يُحذِّراه ، ويقولا له : إنما نحن فتنة أي بلاء واختبار ، فلا تكفر بتعلمه والعمل به ، وأما من تعلمه للحذر منه ، وليعلم الفرق بينه وبين النبوة والمعجزة ؛ فهذا لا شيء فيه ، بل هو أمر مطلوب ، مرغوب فيه إذا دعت الضرورة إليه ، ولكن الناس ما كانوا يأخذون بالنصيحة ، بل كانوا يفرقون به بين المرء وزوجه ، وذلك بإذن الله ومشيئته ، وقد دلت الآية : على أن تعلم السحر لتحذير الناس من الوقوع فيه والعمل به مباح ، ولا إثم فيه ، وأيضا تعلمه ؛ لإزالة الاشتباه بينه ، وبين المعجزة ، والنبوة مباح ، ولا إثم فيه ، وإنما الحرم والإثم في تعلمه أو تعليمه للعمل به ، فهو مثل ما قيل :
          عرفت الشر لا للشر لكن لتوقِّيهِ
          ومن لا يعرف الشر من الناس يقعْ فِيهِ
          واليهود عليهم لعائن الله لما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يعلمون أنه النبي الذي بشرت به التوراة حتى كانوا يستفتحون به على المشركين قبل ميلاده وبعثته ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، ونبذوا كتابهم التوراة ، وكتاب الله القرآن وراء ظهورهم ، وبدل أن يتبعوا الحق المبين اتبعوا السحر الذي توارثوه عن آبائهم والذي علمتهم إياه الشياطين ، وكان الواجب عليهم أن ينبذوا السحر ، ويحذروا الناس من شره ، وذلك كما فعل الملكان : هاروت وماروت من تحذير الناس من شروره ، والعمل به ، وهذا هو التفسير الصحيح للآية ، لا ما زعمه المبطلون الخرفون وبذلك : يحصل التناسق بين الآيات وتكون الآية متآخية متعانقة ، ولا أدري ما الصلة بين ما رووه من إسرائيليات ، وبين قوله : {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} الآية.

          تعليق


          • #20
            إسرائيليات في المسوخ من المخلوقات

            إسرائيليات في المسوخ من المخلوقات

            ويوغل بعض زنادقة أهل الكتاب ، فيضعون على النبي صلى الله عليه وسلم خرافات في خلق بعض أنواع الحيوانات التي زعموا أنها مسخت ، ولو أن هذه الخرافات نسبت إلى كعب الأحبار وأمثاله ، أو إلى بعض الصحابة ، والتابعين لَهَانَ الأمرُ ، ولكن عظيم الإثم أن ينسب ذلك إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وهذا اللون من الوضع والدس من أخبث وأقذر أنواع الكيد للإسلام ونبي الإسلام.
            فقد قال السيوطي عفا الله عنه بعد ما ذكر طامات وبلايا في قصة هاروت وماروت ، من غير أن يعلق عليها بكلمة ؛ أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات ، وابن مردويه ، والديلمي ، عن علي : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسوخ فقال : هم ثلاثة عشر : الفيل ، والدب ، والخنزير ، والقرد ، والجريث( سمك") ، والضب ، والوطواط ، والعقرب ، والدعموص ، والعنكبوت ، والأرنب ، وسهيل ، والزهر ، فقيل : يا رسول الله وما سبب مسخهن ؟ وإليك التخريف والكذب الذي نبرئ ساحة رسول الله منهما فقال : أما الفيل : فكان رجلًا جبارًا لوطيا ، لا يدع رطبا ، ولا يابسا ، وأما الدب : فكان مؤنثًا يدعو الناس إلى نفسه ، وأما الخنزير : فكان من النصارى الذين سألوا المائدة ، فلما نزلت كفروا ، وأما القردة : فيهود اعتدوا في السبت ، وأما الجريث : فكان ديوثا ، يدعو الرجال إلى حليلته ، وأما الضب : فكان أعرابيا يسرق الحاج بمحجنه ، وأما الوطواط : فكان رجلا يسرق الثمار من رءوس النخل ، وأما العقرب : فكان رجلا لا يسلم أحد من لسانه ، وأما الدعموص(بضم الدال دويبة أو دودة سوداء تكون في الغدران إذا أخذ ماؤها في النضوب) : فكان نَمَّامًا يُفَرق بين الأحبة ، وأما العنكبوت : فامرأة سحرت زوجها ، وأما الأرنب : فإمرأة كانت لا تطهر من حيضها ، وأما سهيل : فكان عشَّارًا باليمن ، وأما الزهرة : فكانت بنتا لبعض ملوك بني إسرائيل افتتن بها هاروت ، وماروت ؛ ألا قبَّح الله من وضع هذا الزور والباطل ، ونسبه إلى من لا ينطق عن الهوى.
            ومما لا يقضي منع العجب : أن السيوطي ذكر هذا الهراء من غير سند ، ولم يعقب عليه بكلمة استنكار ، ومثل هذا : لا يشك طالب علم في بطلانه ، فضلا عن عالم كبير ، وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع ، وقد ذكره السيوطي في اللآلئ ، وتعقبه بما لا يجدي ، وكان من الأمانة العلمية أن يشير إلى هذا ، وبعد هذا الكذب والتخريف ينقل السيوطي ما رواه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف كذا قال : عن عمر بن الخطاب قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غير حينه ، ثم ذكر قصة طويلة في وصف النار ، وأن النبي بكى ، وجبريل بكى ، حتى نوديا : لا تخافا إن الله أمنكما أن تعصياه(الدر المنثور ج1 ص 102 ، 103.) ، وأغلب الظن : أنه من الإسرائيليات التي دست في الرواية الإسلامية.

            تعليق


            • #21
              الإسرائيليات في بناء الكعبة : البيت الحرام والحجر الأسود :
              أكثَرَ السيوطي في تفسيره : "الدر المنثور" عند تفسير قوله تعالى : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(البقرة : 127 )، من النقل عن الأزرقي ، وأمثاله من المؤرخين والمفسرين الذين هم كحاطبي ليل ، ولا يميزون بين الغث والسمين ، والمقبول ، والمردود ، في بناء البيت ، ومن بناه قبل إبراهيم : أهم الملائكة أم آدم ؟ والحجر الأسود ومن أين جاء ؟ وما ورد في فضلهما ، وقد استغرق في هذا النقل الذي معظمه من الإسرائيليات التي أخذت عن أهل الكتاب بضع عشرة صحيفة ، لا يزيد ما صح منها أو ثبت عن عُشْرِ هذا المقدار.
              ولو أنه اقتصر على الرواية الصحيحة التي رواها البخاري في صحيحه(صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء باب "واتخد الله إبراهيم خليلا".) ، ورواها غيره من العلماء الأثبات ، لأراحنا ، وأراح نفسه ، ولما أفسد العقول ، وسمم النفوس بكل هذه الإسرائيليات ، التي نحن في غنية عنها بما تواتر من القرآن ، وثبت من السنة الصحيحة ؛ وفي الحق : أن ابن جرير كان مقتصدا في الإكثار من ذكر الإسرائيليات في هذا الموضع ، وإن كان لم يسلم منها ، وذكر بعضها ، وذلك مثل ما رواه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : لما أهبط الله آدم من الجنة قال : إني مهبط معك بيتا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي ، ويصلى عنده ، كما يصلى عند عرشي ، فلما كان زمن الطوفان ، رفع ، فكانت الأنبياء يحجونه ، ولا يعلمون مكانه( ولا أدري كيف يحجونه ولا يعلمون مكانه ؟)، حتى بوأه الله إبراهيم عليه السلام وأعلمه مكانه ، فبناه من خمسة أجبل : من حراء ، وثبير ، ولبنان ، وجبل الطور ، وجبل الخمر.
              وأعجب من ذلك : ما رواه بسنده عن عطاء بن أبي رباح ، قال : لما أهبط الله آدم من الجنة : كان رجلاه في الأرض ، ورأسه في السماء!! يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم ، يأنس إليهم فهابته الملائكة ، حتى شكت إلى الله في دعائها ، وفي صلاتها ، فوجه إلى مكة ، فكان موضع قدمه قرية وخطوه مفازة حتى انتهى إلى مكة وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة ، فكانت على موضع البيت الآن فلم يزل يطوف به ، حتى أنزل الله الطوفان فرفعت تلك الياقوتة ، حتى بعث الله إبراهيم ، فبناه ، فذلك قول الله تعالى : {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ}(تفسير ابن جرير)إلى غير ذلك مما مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وخرافاتهم ، ولم يصح في ذلك خبر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ، ويرحم الله الإمام الحافظ ابن كثير ؛ فقد بين لنا منشأ معظم هذه الروايات التي هي من صنع بني إسرائيل ، ودس زنادقتهم ، فقد قال فيما رواه البيهقي في الدلائل من طرق عن عبد الله بن عمرو ابن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم : "بعث الله جبريل إلى آدم ، فأمره ، ببناء البيت ، فبناه آدم ، ثم أمره بالطواف به ، وقال له : أنت أول الناس ، وهنا أول بيت وضع اللناس".
              قال ابن كثير : إنه من مفردات ابن لهيعة ، وهو ضعيف ، والأشبه والله أعلم أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو بن العاص ، ويكون من الزاملتين(البعير الذي يحمل عليه المتاع.) اللتين أصابهما يوم اليرموك ، من كتب أهل الكتاب ، فكان يحدث بما فيهما(تفسيري ابن كثير والبغوي ).
              وقال في "بدايته" : ولم يجئ في خبر صحيح عن المعصوم : أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام ومن تمسك في هذا بقوله : {مَكَانَ الْبَيْتِ} [u]فليس بناهض ولا ظاهر ، لأن مراده : مكانه المقدر في علم الله تعالى ، المقرر في قدرته ، المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم(البداية والنهاية)

              تعليق


              • #22
                بارك الله فيك أخي الفاضل على هذا النقل وجعل لك فيه أجرا.
                لا أدرى اذا أشرت أنت للمؤلف وفاتني أن أقرأ ذلك أو أنك سهوت عنه سهوا، وفي الحالتين فاني أحب أن أشير اليه لندعو الله أن يجعل له في عمله هذا كل خير وأن يجزيه أحسن الجزاء، والمؤلف هو الشيخ العلامة الدكتور محمد بن محمد أبو شهبه، أستاذ علوم القرآن والحديث بجامعة الأزهر وام القرى رحمه الله تعالى وغفر له وجعل مؤواه الجنه

                لمن يرغب بالاطلاع على كتابه "الاسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" كاملا بصيغة pdf هنا
                https://www.waqfeya.com/book.php?bid=83

                وبصيغة الشامله وورد هنا

                https://saaid.net/book/10/3090.rar


                موفق أخي راجيا منك الاستمرار بالنقل لفائدة من لا يستطيع قراءة الكتاب كاملا
                قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان،‏ سفهاء الأحلام،‏ يقولون من خير قول البرية،‏ يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية،‏ لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ‏(‏صحيح البخاري‏)
                وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشي من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه ‏(‏صحيح مسلم‏).

                تعليق


                • #23
                  المشاركة الأصلية بواسطة يسري أبو زيد مشاهدة المشاركة
                  بارك الله فيك أخي الفاضل على هذا النقل وجعل لك فيه أجرا.
                  لا أدرى اذا أشرت أنت للمؤلف وفاتني أن أقرأ ذلك أو أنك سهوت عنه سهوا، وفي الحالتين فاني أحب أن أشير اليه لندعو الله أن يجعل له في عمله هذا كل خير وأن يجزيه أحسن الجزاء، والمؤلف هو الشيخ العلامة الدكتور محمد بن محمد أبو شهبه، أستاذ علوم القرآن والحديث بجامعة الأزهر وام القرى رحمه الله تعالى وغفر له وجعل مؤواه الجنه

                  لمن يرغب بالاطلاع على كتابه "الاسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" كاملا بصيغة pdf هنا
                  https://www.waqfeya.com/book.php?bid=83

                  وبصيغة الشامله وورد هنا

                  https://saaid.net/book/10/3090.rar


                  موفق أخي راجيا منك الاستمرار بالنقل لفائدة من لا يستطيع قراءة الكتاب كاملا

                  جزاك الله خيرا , وفعلا الاعتماد على هذا الكتاب بشكل رئيسي لأنه من افضل الكتب التي رايتها في مثل هذا الموضوع , ولكن انت تعلم ان ليس الجميع يقرا الكتاب كاملا ولذلك اقتبست ما رايت انه شائع ومهم

                  تعليق

                  يعمل...
                  X