إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

افخر ببلدك يا مصرى ملفات تم الافراج عنها من المخابرات العامة المصرية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • افخر ببلدك يا مصرى ملفات تم الافراج عنها من المخابرات العامة المصرية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اخوانى اثناء تفقدى لاحد المواقع المختصة بلامور العسكرية على الشبكة وجدت ملفات تم الافراج عنها من المخابرات العامة المصرية تبين حقيقة معدنا وما تم نشرة لن نستطيع الا ان نقرئة بكل شغف


    اولا نبزة عن المخابرات المصرية ونشئتها
    (ما سيتم عرضة هو حقائق تامة حتى ولو كتبت فى صورة ادبية من اجل التشويق
    اى صور او ملفات كتابية منشورة حقيقية )
    يشاهد على جهتى اليسرى ... الصاغ أركان حرب "السفير السابق" سعد عبدالله عفرة .. وعلى يمينى كل من البكباشى عبدالفتاح ابوالفضل و اللواء أركان حرب فرج محمد فرج عثمان [/COLOR][/SIZE]





    صورة نادرة لضباط قيادة المخابرات العامة فى القاهرة الذين كانوا يقودون ويدعمون "تشكيلات المقاومة السرية فى بورسعيد"

    ويرى فى الصف الأول "اليوزباشى سمير غانم" بينما يشاهد فى الصف الثانى خلفه ، كل من والبكباشى كمال رفعت ، مدير المخابرات العامة ، ونائب رئيس الوزراء فيما بعد

    والبكباشى زكريا محى الدين رئيس المخابرات العامة ، وزير الداخلية ثم نائب رئيس الجمهورية "جمال عبدالناصر" فيما بعد والصاغ أ ح سعد عبدالله عفرة

    والصاغ "اللواء أ ح" محمود عبدالناصر "مدير مكتب رئيس الجمهورية السابق "أنور السادات" ويشاهد واقفا البكباشى عبدالفتاح ابوالفضل .... !!!













  • #2
    ما سبق هو بعض التشيكلات والافراد الذىن اعلن عنهم


    والان مع قصص الصفعات المصرية على الموساد

    ذللك الملف سنتحدث فيه عن اقوى الصفعات التي دوت في الصراع الخفي بين المخابرات العامه المصريه والموساد الاسرائيلي
    ومازالت الصفعات تدوي في الخفاء
    سنبدا اول حلقه مع جاسوس فريد
    سمي في مخابراتنا باسم عين النقب
    الصفعه الاولى
    يعقوبيان

    نتناول هنا رواية إسرائيلية لها حبكتها المخابراتية الخاصة كما رواها يوسي ميلمان أحد المختصين في شئون الجاسوسية الإسرائيلية عن قبورق يعقوبيان المصري الأرمني الذي زرعته المخابرات المصرية في إسرائيل.
    ولا نعرف عنه شيئاً سوي أنه عاد إلي مصر يوم 29 مارس 1966 بموجب اتفاقية تبادل أسري أشرفت عليها الأمم المتحدة في حينه.
    لا نبغي هنا تصديق الرواية الإسرائيلية عن يعقوبيان، إنما نكتفي بنقلها وتكذيبها طالما أن المخابرات المصرية لم تكشف حتي الآن عن شخصية الرجل.
    يروي ميلمان بالمشاركة مع ايتان هابر في كتابهما الجواسيس والصادر عن يديعوت احرونوت في العام 2003، حكاية يعقوبيان كما حصلا عليها من ملفات المخابرات الإسرائيلية وقد خصصا لها فصلاً كاملاً ، تقول الرواية الإسرائيلية عن يعقوبيان أنه ولد في العام 1938 لعائلة أرمنية عاشت في القاهرة وسط البلد، ولم يكن ناجحا في دروسه. أكمل دراسته الثانوية وتوفي والده وهو في العشرين من عمره. تحمّل متاعب الحياة، وعمل في التصوير من الصباح حتي المساء، لكن أجرته كانت بالكاد تكفيه هو وأمه الأرملة، الأمر الذي جعله يستعمل أساليب النصب والاحتيال لكسب المال، وفي النهاية ألقي به في السجن. وحكمت علية المحكمة بالسجن لمدة ثلاثة شهور. وخلال فتره مكوثه في السجن في ديسمبر العام 1959، وبعد أن قضي شهراً في السجن جندته المخابرات المصرية مقابل شطب إدانته، لم تحك له المخابرات المصرية في حينه عن مهماته المستقبلية .. وافق يعقوبيان فوراً وبدون شروط.
    إعتبرت المخابرات المصرية يعقوبيان شخصية ملائمة للتجسس في إسرائيل، كانت له قدرة فائقة وموهبة غير عادية في تعلم اللغات، تكلم الانكليزية والفرنسية والعربية والاسبانية والتركية.
    تدرب يعقوبيان سنة كاملة لانجاز مهمته، حيث تعلم أسس العمل السرى.
    ويصبح يعقوبيان حسب خطة المخابرات المصرية ابن عائلة يهودية جاءت من تركيا إلي اليونان ومن ثم إلي مصر. وفي الشهادات التي استصدرت له كتب أنه من مواليد سالونيكي في اليونان في العام 1935 وأن اسمه هو اسحاق كوتشوك. ترك والده البيت إلي مكان مجهول وسافرت الأم إلي مصر وماتت هناك ليبقي كوتشوك وحيداً.
    في ربيع 1961 هاجر كوتشوك-يعقوبيان إلي البرازيل بعد أن انتظر طويلاً. ليصل إلي جينوا عن طريق الإسكندرية ومن هناك أبحر بسفينة كوسان روكي الاسبانية إلي البرازيل. وفي السفينة التقي شابا إسرائيليا يدعي ايلي ارغمان من مستوطنة في النقب.
    قدم كوتشوك نفسه لارغمان كيهودي من مواليد تركيا، يتيم بعد أن رحلت أمه من الدنيا، قرر الرحيل ليبني مستقبلاً في إحدي دول أمريكا اللاتينية، بعد أن وصل إلي قناعاته انه لا يوجد مستقبل لليهود في مصر. تصاحب كوتشوك وارغمان وقضيا وقتاً جميلاً علي متن السفينة. وخلال اللقاءات بينهما أخرج كوتشوك -يعقوبيان صورة قبر أمه وكشفها لارغمان، فتعاطف الاخير معه، ولم يكشف كوتشوك لصديقه الجديد عن نواياه السفر لاسرائيل. إذ انتظر الاقتراح من ارغمان وهذا ما حصل فعلاً، فقد قال له هذه فرصة أن تعود إلي أرض الآباء في الذكري ال13 لاستقلال إسرائيل.
    هناك في البرازيل واصل الحياة في أوساط الجالية اليهودية وتعرف أكثر علي ارغمان وعندما غادر ارغمان ريو دي جينيرو عائدا إلي إسرائيل، جاء جاكي ليودعه. بعدها التقي يعقوبيان بسالم عزيز السعيد ممثل الغرفة التجارية في مصر والذي كان بالفعل ممثلاً لإدارة المخابرات المصرية، وبناء علي تعليماته غير يعقوبيان عنوانه إلي سان باولو وحصل علي بطاقة هوية برازيلية. وكتب في بطاقة الهوية أن ديانته يهودية، وعاد بعدها إلي ريو ليعمل في ستوديو للتصوير.
    أواخر العام 1961 تقدم جاكي كوتشوك بطلب إلي مكاتب الوكالة اليهودية للهجرة إلي إسرائيل. لم يمض وقت طويل ووافقت الوكالة علي طلبه. حزم يعقوبيان أمتعته متوجها إلي جينوا في ايطاليا ليلتقي مرة أخري سالم عزيز السعيد الذي وصل خصيصا من القاهرة. وكانت تنص التعليمات علي أن يعمل يعقوبيان بالتدريج وببطء كي يتجند في الجيش الإسرائيلى.
    في نوفمبر العام 1962 تجند جاكي يعقوبيان في صفوف الجيش الإسرائيلى. هناك أرسل إلي سلك النقل، فخاب ظنه، إذ أراد أن ينضم إلي سلاح أكثر أهمية وإفادة لمهمته. تعلم القيادة وأصبح سائقاً شخصياً لضابط كبير برتبة جنرال في قيادة الجيش يدعي شمعيا بكنشتين. كان ينقله من حي افيكا شمال تل ابيب إلي يافا . بعد فترة وجيزة وبالتحديد في اكتوبر من العام 1963 ترك الجيش بعد أن اكتشفت المخابرات المصرية أن مهنته كسائق لهذا الجنرال لا تفيد بشئ. فراح يبحث عن عمل جديد كمصور، وهناك في عسقلان -اشكولون عمل في فوتو موني الذي كان مالكه من أصول مصرية أيضا.
    ولكن جاسوسنا استطاع خلال فترته تصوير كل شيى من الاستعدادات الاسرائيليه في النقب وطرق تحرك المدرعات المعاديه وصار من تللك الفئه التي يطلق عليها جاسوس جيد وهي المرتبه الثانيه للجاسوس

    في ديسمبر العام 1963 حضرت الشرطة ومعها وحدة مخابرات خاصة برئاسة ابراهام شالوم الذي أصبح فيما بعد رئيسا للشاباك، أجروا تفتيشاً دقيقاً ووجدوا رسائل كتب عليها بالحبر السري وأقلاماً مخابراتية ترسل الشفرات.
    وفي اوائل العام 1964 حكمت المحكمة المركزية في القدس الغربية بالسجن 18 عاماً علي قبورق يعقوبيان. وفي اكتوبر من العام 1965 استأنف للمحكمة العليا وردّت استئنافه. بقي في السجن حتي اوائل 1966 وعاد إلي مصر بموجب اتفاقية تبادل أسري مع إسرائيليين اعتقلتهم مصر بعد أن اجتازوا الحدود.
    بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد حاول بعض الصحفيين الإسرائيليين الوصول إلي يعقوبيان ليكشفوا حكايته كما يرويها هو، إلا أن المخابرات المصرية أخفته عن عيونهم ليسدل الستار عليه .

    تعليق


    • #3
      لصفعه الثانيه

      منذ ظهر أدب الجاسوسية - بمفهومه الحالي - إلى الوجود، في عالمنا العربى، مع بدايات ستينيات القرن العشرين، وعَبْر ما يزيد قليلاً عن أربعين عاماً، طالعتنا قصص وعناوين مختلفة، تدور كلها -أو معظمها- عن عمليات قامت بها أجهزة المخابرات، المصرية والعربية، أو حتى العالمية، وتردَّدت في العقول والأذهان، من خلال أوراق الصحف أو الكتب، أو شاشات السينما أو التليفزيون، أو الشبكات الإذاعية، أسماء العديد من الشخصيات، التي ساهمت في كتابة تاريخ المخابرات، سلباً أو إيجاباً. مثل (هبة سليم)، تلك الجاسوسة المثقفة، ذات الطابع الخاص جداً، والتي لم تنجح مصريتها في كبت أحلام وتطلُّعات طموحاتها المتفجِّرة، فاندفعت بكل عقلها ونشاطها، ومواهبها المتعدِّدة، نحو طريق الخيانة، وطرحت هويتها تحت أقدام المخابرات الإسرائيلية، التي أوهمتها بأحلام التفوّق والقوة والنجاح، والتي لم تستيقظ منها، إلا وحبل المشنقة يلتفّ حول عنقها الجميل. قبل حتى أن يعرف العامة قصتها، ويتابعون خيانتها، على شاشة السينما، من خلال أوَّل وأقوى فيلم عن عمليات المخابرات (الصعود إلى الهاوية)، والذي قدَّمها فيه الراحل المبدع (صالح مرسى)، تحت اسم (عبلة كامل)، مع تلك العبارة الشهيرة، التي انحفرت لروعتها في كل الأذهان: (هي دي مصر يا عبلة).. أيضاً أتحفنا التليفزيون المصرى، في بداية التسعينيات، بقصة (أحمد الهوَّان)، ذلك المصري البسيط، الذي لعب دوراً مزدوجاً مدهشاً، لخداع المخابرات الإسرائيلية، وانتزاع واحد من أفضل وأحدث أجهزة الاتصال -أيامها- من بين أنياب ذئابها، في مسلسل حمل طابعاً فريداً، في ذلك الحين، باسم (دموع في عيون وقحة)، منح خلاله الأستاذ (صالح مرسى)، لبطل القصة الحقيقى، اسماً يتناسب معه إيقاعياً كعادته (جمعة الشوَّان).. ولكن، ومع كل ما ظهر إلى الوجود -عربياً- عبْر هذا النوع من الأدب، لم يحظ جاسوس واحد، بكل ذلك الاهتمام، وكل تلك الشهرة، المحلية والعالمية، أكثر من (رفعت علي سليمان الجمَّال)، ذلك المصري الشاب، الذي وصفه من التقطوه في بداياته بأنه أقرب إلى المحتال، منه إلى رجل الأعمال، مع كل ما يجيده من مهارات وخبرات، وقدرة مدهشة على اجتذاب من حوله، والتأثير فيهم، وإقناعهم بأية رواية يُحِيكُها ذهنه، أو يتدرَّب عليها بإتقان.. ومنذ ظهور قصة (رفعت الجمَّال) إلى الوجود، كرواية مسلسلة، حملت اسم (رأفت الهجَّان)، في 3 يناير 1986م، في العدد رقم (3195) من مجلة (المصوِّر) المصرية، جذب الأمر انتباه الملايين، الذين طالعوا الأحداث في شغف مدهش، لم يسبق له مثيل، وتعلَّقوا بالشخصية إلى حد الهوس، وأدركوا جميعاً، سواء المتخصصين أو غيرهم، أنهم أمام ميلاد جديد، لروايات عالم المخابرات، وأدب الجاسوسية، وأمام بوَّابة جديدة فريدة، تنفتح لأوَّل مرة، على هذا النحو من القوة، أمام القارئ العادي.. وتحوَّلت القصة إلى مسلسل تليفزيوني، سيطر على عقل الملايين، في العالم العربي كله، وأثار جدلاً طويلاً، لم ينقطع حتى لحظة كتابة هذه السطور، في منطقة الشرق الأوسط بأكملها، بما فيها، أو لعل على رأسها، (إسرائيل) نفسها.. ولأن الأمر قد تحوَّل، من مجرَّد رواية في أدب الجاسوسية، تفتح بعض ملفات المخابرات المصرية، إلى صرعة لا مثيل لها، ولهفة لم تحدث من قبل، وتحمل اسم (رأفت الهجان)، فقد تداعت الأحداث، وانطلق الخيط بلا حدود، وراحت عشرات الصحف تنشر معلومات جديدة في كل يوم، عن حقيقة ذلك الجاسوس المدهش، الذي زرعته المخابرات المصرية في قلب (إسرائيل)، لينشئ ويدير واحدة من أقوى شبكات الجاسوسية، ويبرع في خطة خداع عبقرية، ومنظومة مخابراتية رفيعة المستوى، عبر ثمانية عشر عاماً كاملة، دون أن ينكشف أمره لحظة واحدة، على عكس ما يدّعي الإسرائيليون الآن.. ومن بين كل المقالات، والأحاديث، والكتب العديدة، التي تحدَّثت عن (رفعت الجمَّال)، وحاولت كشف حقيقته، وهويته، وأسرار حياته، وبداياته، ومغامرته المذهلة، في قلب المجتمع الإسرائيلى، لن تجد أفضل، أو أقوى، أو أكثر جذباً للانتباه، وإطلاقاً للفكر، من هذا الكتاب، الذي نستعرضه هنا اليوم (18 عاماً خداعاً لإسرائيل - قصة الجاسوس المصري- رفعت الجمَّال).. في الأوَّل من يوليو 1927م، لأب ( علي سليمان الجمّال)، تاجر فحم بالجملة، وأم (رتيبة علي أبو عوض)، من أسرة راقية، تتحدَّث الإنجليزية والفرنسية، اللتين تعلمتهما في إحدى المدارس الخاصة.. وفي بداية مذكراته، يتحدَّث (رفعت علي سليمان الجمَّال) عن أخيه غير الشقيق (سامي)، وعن شقيقه (لبيب) و(نزيهة)، ويؤكِّد احترامه وتقديره الشديدين للأخ غير الشقيق (سامي)، الذي تولَّى شئون الأسرة كلها، بعد وفاة الأب عام 1936م، والذي كان مدرساً خصوصياً للغة الإنجليزية، لأخوي الملكة (فريدة)، مما يعني أنه كان يتمتَّع بمكانة محترمة للغاية.. وفي (مصر الجديدة)، نشأ (رفعت) وترعرع، تحت رعاية (سامي)، الذي نقل الأسرة كلها إلى (القاهرة)، بعد وفاة الوالد، والتحق (رفعت) هناك بمدرسة للتجارة المتوسِّطة، وهو في الرابعة عشرة من عمره، بناءً على ضغط الأسرة، التي رأت أن طبيعته غير المسؤولة، لن تساعده على النجاح في التعليم الجامعى.. وفي مدرسته التجارية المتوسِّطة، انبهر (رفعت) بالبريطانيين، الذين كانوا يقاومون الجيوش النازية باستماتة، مما دفعه إلى التحدُّث بالإنجليزية، بلكنة بريطانية، كما تعلَّق كثيراً بأستاذه الباريسي، الذي علَّمه أن يتحدَّث الفرنسية بلكنة الفرنسيين، حتى أجاد اللغتين، وبرع في التحدُّث بهما، مما كان له أبلغ الأثر في مستقبله فيما بعد.. وفي تلك الفترة أيضاً، كان للسينما سحر كبير، في نفوس الشباب، في كافة أنحاء العالم، مما جذب انتباه (رفعت)، وغرامه، وطموحه، إلى الحد الذي جعله يحلم بالعمل في السينما ذات يوم، حتى أنه، وأثناء رحلة مدرسية إلى ستوديوهات السينما، تسلَّل إلى حجرة الفنان (بشارة واكيم)، وراح يقلِّد أدواره، حتى ضبطه الممثل الكبير متلبساً، وراق له ما يفعله، فسأله عن اسمه وأسرته، ثم نصحه بالاهتمام بدارسته أوَّلاً، والعودة بعد الانتهاء منها، للبحث عن دور في عالم السينما.. وفي ذلك اليوم، شعر (رفعت) الصبي بنشوة غامرة، وقرَّر أن يكمل دراسته، ليصبح ممثلاً.. وفي بدايات عام 1943م، تزوَّجت شقيقته (نزيهة) من الملازم أوَّل (أحمد شفيق)، وانتقلت الأم إلى (دكرنس)، واستعد (سامي) للزواج من ابنة (محرم فهيم)، رئيس نقابة المحامين - آنذاك - وأصبح من الضروري أن ينتقل (رفعت) مع شقيقه (لبيب)، الذى أصبح محاسباً في بنك (باركليز)، إلى شقة أخرى، استأجرها لهما (سامي)، بالقرب من ميدان (لاظوغلي).. ووفقاً لمذكراته، التقى (رفعت) بالممثل (بشارة واكيم) مرة أخرى، في عام 1945م، فتذكَّره الرجل، ومنحه دوراً صغيراً في أحد أفلامه، لتتغيِّر بعدها حياته تماماً؛ فمع الزهو الذى شعر به، مع عرض الفيلم، على الرغم من صغر دوره، بدأ زملاء الدراسة يعاملونه كنجم سينمائي، وأحاطوه باهتمامهم، وأسئلتهم، وغيرتهم أيضاً، مما ضاعف من إحساسه بالثقة، وساعده على إنهاء دراسته، في صيف 1946م، ليعمل مرة أخرى، في أفلام الفنان (بشارة واكيم)، ويلتقي بأوَّل حب في حياته.. (بيتي).. وعلى الرغم من أن مذكرات (رفعت) تحمل اسم (بيتي)، التي وصفها بأنها راقصة شابة، مراهقة وطائشة، وتكبره بعام واحد، إلا أن بعض الآراء تعتقد أن المقصود هنا هو الراقصة (كيتي)، اليهودية الشابة، التي تورَّطت فيما بعد، مع شبكة جاسوسية أخرى، وفرَّت تحت جنح الظلام من (مصر) كلها، ولم تُسمع أخبارها بعدها قط.. المهم أن (رفعت) لم يرتبط بالراقصة الشابة عاطفياً فحسب، وإنما جنسياً أيضاً، وانتقل للعيش معها، مما أثار غضب (لبيب)، وتسبَّب له في مشكلات عائلية عديدة، جعلته يتخلَّى فى النهاية عن (بيتي)، وعن العمل فى السينما، ليتقدَّم بطلب وظيفة لدى شركة بترول أجنبية، على ساحل البحر الأحمر، ويفوز بها بجدارة؛ بسبب إجادته للفرنسية والإنجليزية بطلاقة.. ولقد نجح (رفعت) فى عمله إلى حد كبير، وبالذات لأنه يعمل في (رأس غارب)، على مسافة تقرب من مائتي كيلو متر، بعيداً عن (القاهرة)، التي فر من مشاكله العديدة بها، ورفض بإصرار العودة إليها، عندما تم نقله إلى الفرع الرئيسي بها، كنوع من الترقية.. ورفض (رفعت) الترقية، ورفض الوظيفة كلها، وتحيَّن فرصة لقائه برجل أعمال سكندري، ربطته به علاقة وثيقة أثناء عمله، ليطلب منه العمل لديه، ولينتقل بعدها بالفعل إلى (الإسكندرية).. وارتبط (رفعت) برجل الأعمال السكندري هذا ارتباطاً وثيقاً، وشعر في منزله بدفء الأسرة، الذي افتقده طويلاً، بل وخفق قلبه هناك بحب (هدى)، ابنة رجل الأعمال، الذي لم يعترض على نمو هذه العلاقة، بعد أن اعتبر أن (رفعت) بمثابة ابنه، الذي لم ينجبه أبداً.. وكان من الممكن أن ينمو هذا الحب، ويزدهر، وينتهي بزواج، واستقرار، وأسرة بسيطة وسعيدة، و… ولكن القدر كان يدخر مفاجأة كبيرة لبطلنا، هي بالضبط ما رأيناه وتابعناه جميعاً، على شاشة التليفزيون، في المسلسل الشهير.. مهمة متابعة، لفرع الشركة في (القاهرة)، تحوَّلت إلى عملية احتيال، من مدير الفرع الخبيث، وانتهت باتهام (رفعت) بالاختلاس والسرقة.. وعلى الرغم من أن رجل الأعمال السكندري كان يدرك أن (رفعت) قد سقط في فخ محكم، إلا أنه اضطر لفصله من وظيفته، تجنباً لإجراء أية تحقيقات رسمية، في نفس الوقت الذي أوصى فيه بتعيينه كمساعد ضابط حسابات، على متن سفينة الشحن (حورس).. وأثناء عمله على السفينة، وتوقفها فى (ليفربول) البريطانية، التقى (رفعت) بالفاتنة (جودي موريس)، التى ذكَّرته بحبيبته السابقة (بيتي)، مما دفعه إلى الارتباط بها، ودفعها إلى التعلُّق به، حتى أنها حرضته على التظاهر بالإصابة بالتهاب الزائدة الدودية، حتى لا يرحل مع السفينة (حورس)، عندما يحين موعد مغادرتها لميناء (ليفربول).. وقضى (رفعت) بعض الوقت مع (جودي) بالفعل، بعد رحيل (حورس)، ولكنه لم يلبث أن سئم الأمر كله كعادته، فاستعاد عمله على سفينة الشحن، عند عودتها إلى (ليفربول)، وعاد إلى (مصر)، في مارس 1950، إلا أنه لم يلبث أن عمل على متن سفينة شحن فرنسية، سافر معها إلى (مرسيليا)، ثم هجرها إلى (باريس)، حيث أجاد اللغة الفرنسية إجادة تامة، واستثمرها فى إقامة بعض العلاقات النسائية هناك، والتي كان يرغب في استمرارها إلى الأبد، لولا أنه واجه خطر الطرد من البلاد؛ لأنه لم يكن يحمل تأشيرة إقامة رسمية.. ومرة أخرى، وبتأشيرة زيارة قصيرة، سافر (رفعت) إلى (بريطانيا)، بحجة استشارة الطبيب، الذي أجرى له عملية الزائدة، واستقر ليعمل هناك في وكالة للسفريات، تحمل اسم (سلتيك تورز).. وفي هذه المرة أيضاً، ومع النجاح الذي حققه في عمله، كان من الممكن أن يستقر (رفعت) في (لندن)، وأن يحصل على إقامة رسمية بها، بل وأن يصبح من كبار خبراء السياحة فيها، لولا أنه، وأثناء قيامه بعقد صفقة لحساب الشركة في (نيويورك)، تلقَّى عرضاً من صاحب شركة أمريكية، بدا له مناسباً للغاية، فقبله على الفور، ودون تفكير، وقرَّر الإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية لبعض الوقت، دون تأشيرة عمل رسمية، أو بطاقة ضمان اجتماعي خضراء.. ولعل هذا أسوأ قرار اتخذه (رفعت الجمَّال) في حياته، أو أن القدر كان يدخر له بالفعل ذلك الدور، االذي صنع منه حالة فريدة في عالم الجاسوسية، ويدفعه إليه دفعاً بلا هوادة.. فمنذ اتخذ قراره هذا، اضطربت حياة (رفعت) تماماً.. إدارة الهجرة بدأت تطارده، وصاحب العمل تخلّى عنه، وتم وضع اسمه فى القائمة السوداء في (أمريكا)، مما اضطره للهرب إلى (كندا)، ومنها إلى (فرانكفورت) في (ألمانيا)، التي حصل على تأشيرة ترانزيت بها، باعتبارها مجرَّد محطة، للوصول إلى (النمسا).. ولكن عبثه أيضاً صنع له مشكلة ضخمة في (فرانكفورت)، حيث قضى ليلة واحدة، مع فاتنة شقراء، استيقظ ليجد نفسه بعدها دون نقود، ودون جواز سفر أيضاً.. ففي تلك الفترة بالذات، كان الكثيرون من النازيين السابقين، يسعون للفرار من (ألمانيا)، ويشترون، في سبيل هذا، جوازات سفر أجنبية.. ولقد اتهمه القنصل المصري هناك بأنه قد باع جواز سفره، ورفض أن يمنحه وثيقة سفر بدلاً منه، ثم لم تلبث الشرطة الألمانية أن ألقت القبض عليه، وتم سجنه لبعض الوقت، قبل أن يرحل قسراً، على متن أوَّل طائرة، عائداً إلى البلد الذي جاهد للابتعاد عنه.. إلى (مصر).. مع عودة (رفعت) إلى (مصر)، بدون وظيفة، أو جواز سفر، وقد سبقه تقرير عما حدث له في (فرانكفورت)، وشكوك حول ما فعله بجواز سفره، بدت الصورة أمامه قاتمة إلى حد محبط، مما دفعه إلى حالة مؤسفة من اليأس والإحباط، لم تنته إلا مع ظهور فرصة جديدة، للعمل في شركة قناة (السويس)، تتناسب مع إتقانه للغات.. ولكن الفرصة الجديدة كانت تحتاج إلى وثائق، وأوراق، وهوية.. وهنا، بدأ (رفعت) يقتحم العالم السفلي، وتعرَّف على مزوِّر بارع، منحه جواز سفر باسم (علي مصطفى)، يحوي صورته، بدلاً من صورة صاحبه الأصلي.. وبهذا الاسم الجديد، عمل (رفعت) في شركة قناة (السويس)، وبدا له وكأن حالة الاستقرار قد بدأت.. ولكن هيهات… لقد قامت ثورة يوليو1952م، وشعر البريطانيون بالقلق، بشأن المرحلة القادمة، وأدركوا أن المصريين يتعاطفون مع النظام الجديد، فشرعوا في مراجعة أوراقهم، ووثائق هوياتهم، مما استشعر معه (رفعت) الخطر، فقرَّر ترك العمل، في شركة قناة (السويس)، وحصل من ذلك المزوِّر على جواز سفر جديد، لصحفي سويسري، يُدعى (تشارلز دينون).. والمدهش أن (رفعت) قد قضى بعض الوقت، في أحد الفنادق الدولية الكبرى، منتحلاً شخصية (دينون)، دون أن ينكشف أمره لحظة واحدة، أو يُدرك مخلوق واحد، ممن يتعامل معهم يومياً، أنه ليس صحفياً، بل وليس حتى سويسرياً، بل مجرَّد شاب مصري، يحمل شيكات سياحية، قيمتها اثنا عشر ألف دولار أمريكي، هى نتاج عمله في شركة (سلتيك تورز) البريطانية، مما يثبت مدى براعته، وقدرته المدهشة على إقناع وخداع كل من حوله، وتمكُّنه المدهش من اللغات ولكناتها أيضاً.. وبسبب بعض المتغيرات السياسية، في عام1953م، بدأت عملية مراجعة لأوراق الأجانب في (مصر)، مما اضطر (رفعت) إلى إنهاء إقامته في ذلك الفندق الدولي، الذى لم يُسدِّد فاتورته على الأرجح؛ لأنه قرَّر أن يغيِّر هويته مرة أخرى، وحصل بالفعل على جواز سفر جديد، باسم البريطانى (دانيال كالدويل).. وبأسلوب إيقاف السيارات (الأوتوستوب)، اتجه (رفعت) نحو حدود (ليبيا)، وقد وقر في نفسه أنه لم يعد أمامه سوى أن يغادر (مصر) كلها.. ولقد سار كل شيء على ما يرام، حتى بلغ نقطة الحدود نفسها، وقدَّم للضابط البريطاني عندها جواز سفره البريطاني، بمنتهى الثقة والبساطة، وهو يتحدَّث معه بلكنة بريطانية صرفة.. ولكن الأمور لم تكن تسير لصالحه هذه المرة.. ففي ذلك الحين، كان الكثيرون من الجنود البريطانيين يفرون من وحداتهم في (الإسكندرية)، ويحاولون عبور الحدود إلى (ليبيا)، كما كان العشرات من اليهود يسعون لتهريب أموالهم، عبر الحدود نفسها، مما جعل الضابط البريطاني يطالبه بإفراغ كل ما تحويه جيوبه أمامه، فلم يتردَّد (رفعت) لحظة واحدة، وبدا شديد الهدوء والثقة، وهو يفرغ جيوبه أمام البريطاني، الذي التقط الشيكات السياحية، وفحصها في اهتمام بالغ، قبل أن يسأله عما يعنيه كون الشيكات محرَّرة لاسم (رفعت الجمَّال)، في حين أن جواز السفر يحمل اسم (دانيال كالدويل).. وهنا، ارتكب (رفعت) أكبر حماقة في حياته، عندما قال: إنه سيوقَّع تلك الشيكات باسم (رفعت الجمَّال)، مما اعتبره البريطاني بادرة شك، فألقى القبض عليه، وأعاده إلى (القاهرة) مع تقرير يشير إلى أنه لا يبدو مصرياً، أو حتى بريطانياً، وأنه على الأرجح (دافيد أرنسون) آخر.. و(دافيد أرنسون) هذا ضابط يهودي، كان مستشاراً للقائد التركي (جمال باشا) في (دمشق) يوماً ما، ضمن شبكة تجسُّس يهودية، انتشر أفرادها في الإمبراطورية العثمانية.. ولكن سلطات التحقيق في (مصر) لم تكن لديها خلفية تاريخية مناسبة، لتستوعب هذا الأمر، لذا فقد اتهمت (رفعت) بأنه يهودي، يحمل اسم (دافيد أرنسون)، وجواز سفر باسم (دانيال كالدويل)، وشيكات سياحية باسم (رفعت الجمَّال)، ولقد زاد هو الطين بلة -حسبما قال في مذكراته- عندما تحدَّث بالعربية، ليثبت التهمة على نفسه، مما جعلهم يرسلونه إلى (القاهرة)، وإلى (مصر الجديدة) بالتحديد؛ لأنها الجهة الوحيدة، التي عثروا فيها على اسم (رفعت الجمَّال).. إلى هنا، والمذكرات لم تبتعد كثيراً عن تلك الأحداث، التي تابعناها جميعاً، في المسلسل الشهير، على شاشة التليفزيون، فقد أعيد استجواب (رفعت) في قسم (مصر الجديدة)، وحار الكل في شأنه، وافترض بعض الجنود، والضباط، وحتى المساجين، أنه بالفعل يهودي مصري، و… وفجأة، زاره ذلك الرجل.. وفي هذا الجزء بالتحديد، أعتقد أنه من الأفضل أن ننقل الحدث، كما رواه (رفعت علي سليمان الجمَّال) بنفسه، باعتباره أهم وأخطر نقطة تحوّل، في مسار حياته كلها، حيث يقول: رأيت في انتظاري رجلاً ضخم البنية، يوحى بالجدية، يرتدي ملابس مدنية، هادئ الصوت في ود حين يلقي أوامره. وجه كلامه للحارس الذى اصطحبني قائلاً: - يمكن أن تتركنا الآن وحدنا. واتجه ناحيتي وطلب مني الجلوس. جلست. وفي داخلي قلق حقيقي. يسيطر عليَّ مزاج عنيد وملل وضيق مما سيأتي، فقد سئمت وضقت ذرعاً من القيود التي وضعوني فيها. وعندما قدم لى الجالس قبالتي سيجارة ثنيت يدي في هدوء فانسلتا خارج القيد الحديد. تردد الرجل لحظة، ولكنه لم ينطق بشيء، ولم يستدع الحارس. فقط جلس خلف مكتبه، الذي أجلس قبالته، وقد رسم على شفتيه ابتسامة وهو يتطلع إلىَّ. قدّم لي نفسه قائلاً: - اسمي حسن حسني من البوليس السياسي. قفزت إلى رأسي علامة استفهام كبيرة: ما علاقتي أنا بالبوليس السياسي؟ إن المباحث الجنائية هي وحدها المسؤولة عن الجرائم التي يحاولون اتهامي بها. استطرد الرجل قائلاً: - لا أستطيع أن أخاطبك باسمك لأنني لا أعرف أي اسم أستخدم من أسمائك الثلاثة. يجب أن تعرف أن قضيتك صعبة جداً. ليس المسألة خطورة جرائمك، بل لأننا ببساطة لا نعرف من أنت. إن الثورة في بلدنا لا تزال حديثة عهد، بلا خبرة أو استعداد. ونحن لا نستطيع إصدار وثائق إثبات الشخصية للجميع لأننا لا نملك الوسائل اللازمة ولا العاملين اللازمين لذلك. وكما ترى فإنني صريح معك. وحيث إنك حتى هذه اللحظة مجرد مشتبه فيه، فالواجب يقضي بأن لا تبقى في الحجز أكثر من يومين. بعد هذا لابد من عرضك على قاض أو إطلاق سراحك. ولكن يجب أن نتحفظ عليك حتى تفصح لنا عن حقيقة هويتك. نحن في ثورة ولسنا على استعداد لتحمل أية أخطاء في هذه المرحلة. أنصت إليه بانتباه محاولاً تصور ما يرمى إليه. واستطرد قائلاً: - أود أن أغلق قضيتك. لا يوجد أي بلاغ عن سرقة جواز سفر بريطاني باسم (دانييل كالدويل). ولا أستطيع أن أفسر كيف ظهر في ملفك أنك يهودي باسم (ديفيد آرونسون). ثم إن (رفعت الجمَّال) لا توجد اتهامات ضده ولا أبلغ هو عن سرقة أى شيكات سياحية. سأدعك تخرج إلى حال سبيلك شريطة أن أعرف فقط من أنت على حقيقتك. والآن ما قولك؟ قلت له : - ألا تريد أن تخبرني لماذا أنت مهتم بي؟ واضح أنني لست هنا بسبب اتهام ما. وكان رده: - أنا معجب بك. إجابتك أسرع مما توقعت. تصورت أنه ما دام من البوليس السياسي، وهو ما أصدقه، فليس من المنطقي أن يعرفني باسمه مع أول اللقاء إلا إذا كان على يقين من أمري. كان البوليس السياسي في ذلك الوقت نوعاً من المخابرات. وعلى الرغم من ادعائه أنهم لا يملكون الإمكانيات إلا أنهم كانوا يعملون بدأب شديد. استطرد قائلاً: - أنا مهتم بك. فقد تأكد لنا أنك قمة في الذكاء والدهاء. لقد أثرت حيرة الرسميين إزاء الصور التي ظهرت عليها حتى الآن. قد تكون إنجليزياً أو يهودياً أو مصرياً. غير أن ما أثار اهتمامي كثيراً بشأنك هو أن أحد رجالنا الذين دسسناهم بينكم في حجز الإسكندرية أفاد بأن جميع النزلاء اليهود الآخرين اعتقدوا عن يقين أنك يهودي. دهشت للطريقة التي يعملون بها. لقد وصل بهم الأمر إلى حد وضع مخبرين داخل السجن للتجسس على الخارجين على القانون. وواصل حسن حسني حديثه قاصداً مباشرة إلى ما يرمي إليه فقال: - يجب التزام الحذر. أعداء الثورة في كل مكان ويريدون دفع مصر مرة ثانية إلى طريق التبعية للأجانب وكبار الملاك الزراعيين. بيد أن هذا موضوع آخر. فأنت كإنجليزي لا يعنيك هذا في كثير أو قليل. وأنا على يقين من أنك لا تضمر كراهية للشعب المصري. انفجرت فجأة قائلاً: - هذه إهانة أنا مصري، وحريص كل الحرص على مصر وشعبها. صحت وصرخت بأعلى صوتي لهذه الإهانة التي وجهها لي. وما أن انتهيت من ثورتي الغاضبة حتى أشعل سيجارة وابتسم ابتسامة المنتصر.. وعرفت أنني وقعت . عندئذ عرفت أنني وقعت في المصيدة التي نصبها لي. عرفت أنه انتصر عليّّ. فقد استفزني إلى أقصى الحدود ليجعلني أظهر على حقيقتي، واستطاع ببضع كلمات عن أعداء مصر أن يجعلني أكشف الستر عما أخفيته. وهنا قال: - (رفعت) أنا فخور بك. أنت مصري أصيل. أطلب منك أن تخبرني شيئاً واحداً وبعدها سأعترف لك بالسبب في أنك هنا، وفي أني مهتم بك أشد الاهتمام. كيف نجحت في جعل اليهود يقبلونك كيهودي؟ أجبت قائلاً: - هذه قصة طويلة، وأنا واثق من أنك لا تريد سماعها. وكانت إجابته: - جرَّب. عندي وقت طويل. سألته: - وفيم يهمك هذا؟ قال هادئاً: -لأنني بحاجة إليك، وعندي عرض أريد أن أقترحه عليك. ربما كنت أنتظر هذه اللحظة. إذ سبق لي أن عشت أكاذيب كثيرة في حياتي، وبعد أن قضيت زمناً طويلاً وحدي مع أكاذيبي، أجدني مسروراً الآن إذ أبوح بالحقيقة إلى شخص ما. وهكذا شرعت أحكي لـ(حسن حسني) كل شيء عني منذ البداية. كيف قابلت كثيرين من اليهود في ستوديوهات السينما، وكيف تمثلت سلوكهم وعاداتهم من منطلق الاهتمام بأن أصبح ممثلاً. وحكيت له عن الفترة التي قضيتها في (إنجلترا) و(فرنسا) و(الولايات المتحدة الأمريكية)، ثم أخيراً في (مصر). بسطت له كل شيء في صدق. إنني مجرد مهرج، ومشخصاتي عاش في التظاهر ومثل كل الأدوار التي دفعته إليها الضرورة ليبلغ ما يريد في حياته. بعد أن فرغت من كلامي اتسعت ابتسامة (حسني) أكثر مما كانت وقال لي: - (رفعت الجمَّال)، أنت إنسان مذهل. لقد اكتسبت في سنوات قليلة خبرة أكبر بكثير مما اكتسبه شيوخ على مدى حياتهم. أنت بالضبط الشخص الذي أبحث عنه. يمكن أن نستفيد منك استفادة حقيقية. وكان سؤالي هذه المرة: - ما الذي تريدني من أجله؟ أجاب قائلاً: - كما قلت لك من قبل هناك مشكلات خارجية كثيرة تواجه مصر. وتوجد في مصر أيضاً رؤوس أموال ضخمة يجري تهريبها. والملاحظ أن كثيرين من الأجانب وخاصة اليهود هم الذين يتحايلون لتهريب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد. يمكنهم تحويل مبالغ بسيطة فقط بشكل قانوني، غير أنهم نظموا فرقاً تخطط وتنظم لإخراج مبالغ ضخمة من مصر. واليهود هم الأكثر نشاطاً في هذا المجال. إن إسرائيل تأسست منذ خمس سنوات مضت، وهناك كميات ضخمة من الأموال تتجه إليها. ونحن ببساطة لا نستطيع تعقب حيلهم، ومن ثم فنحن نريد أن نغرس بينهم شخصاً ما، يكتسب ثقتهم ويطمئنون إليه وبذا يكتشف حيلهم في تهريب أموالهم إلى خارج البلاد، كما يكشف لنا عمن وراء ذلك كله. نريد أن نعرف كيف تعمل قنوات النقل التي يستخدمونها وكل شيء آخر له أهمية. وأنت الشخص المثالي لهذا العمل. الشخص الذي نزرعه وسطهم لابد وأن يكون يهودياً. ولقد استطعت إقناعهم بأنك كذلك. ما رأيك؟ هل أنت على استعداد لهذه المهمة؟ حدقت فيه كأنه نزل إليّ من السماء. لم أشعر بالاطمئنان، ولم تكن لديّ فكرة عما أنا مزمع عمله. أوضح لي أنني أفضل فرس رهان بالنسبة له. وأضاف أنهم سوف يتولون تدريبي، وإيجاد قصة جيدة الإحكام لتكون غطاء لي، ثم يضعونني وسط المجتمع اليهودي في (الإسكندرية). سألته: - وماذا يعود عليَّ أنا من هذا؟ - سيتم محو ماضي (رفعت الجمَّال) تماماً، ويجري إسقاط جميع الإجراءات القضائية الأولية لإقامة الدعاوي ضدك بسبب جوازات السفر المزورة، والبيانات الشخصية عن (علي مصطفى)، و(شارلز دينون)، و(دانييل كالدويل)، وأي أسماء أخرى سبق لك أن استعملتها، كما سيتم إسقاط أي اتهامات أخرى ضدك. وسوف تستعيد قيمة شيكاتك السياحية، أو تكتب بالاسم الذي تتخذه لنفسك وتعيش به كيهودي. هل نعقد الصفقة معاً؟ عدت لأسأله: - هل لي حق الاختيار؟ - من حيث المبدأ لك الخيار. فإذا كنت قد اعتدت على حياة السجن، فمن المؤكد أنك تستطيع اختيار هذا لأن السجن سيكون هو مكانك ومآلك زمناً طويلاً ما لم تسقط الاتهامات ضدك. - وكيف نبدأ إجراءاتنا من هنا إذا ما قبلت عرضك؟ - سنشرع في تدريبك على الفور. سيكون تدريباً مكثفاً ويحتاج إلى زمن طويل. وسوف تكون لك شخصية جديدة وتنسى ماضيك تماماً. وما أن توضع في مكانك الجديد حتى تغدو مسؤولاً عن نفسك. لن يكون لنا دور سوى دعمك بالضرورات، ولن نتدخل إلا إذا ساءت الأمور، أو أصبح الوضع خطراً. جلست في مكاني أفكر في الفرص المتاحة لي، مدركاً ألا خيار آخر أمامي إذا لم أشأ دخول السجن، لقد أوقع بي (حسن حسني) حيث أراد لي، ولا حيلة لي إزاء ذلك. وقفت وبسطت يدي لأصافحه موافقاً وأنا أقول له: - حسن، أظنك أوقعت بي حيث تريد لي أن أكون. إذن لنبدأ. أجاب وعلى شفتيه ابتسامة: - أنا سعيد جداً أن أسمع هذا منك. وبدأت فترة تدريب مكثف. شرحوا لي أهداف الثورة وفروع علم الاقتصاد، وتعلمت سر نجاح الشركات متعددة القوميات، وأساليب إخفاء الحقائق بالنسبة لمستحقات الضرائب، ووسائل تهريب الأموال، وتعلمت بالإضافة إلى ذلك عادات اليهود وسلوكياتهم. وتلقيت دروساً مكثفة في اللغة العبرية كما تعلمت تاريخ اليهود في مصر وأصول ديانتهم. وعرفت كيف أمايز بين اليهود الإشكانز(*) والسفارد(**) والشازيد(***). وحفظت عن ظهر قلب الشعائر اليهودية وعطلاتهم الدينية حتى أنني كنت أرددها وأنا نائم. وتدربت أيضاً على كيفية البقاء على قيد الحياة معتمداً على الطبيعة في حالة إذا ما اضطرتني الظروف إلى الاختفاء فترة من الزمن. وتدربت بعد هذا على جميع عادات الشرطة السرية للعمل بنجاح متخفياً. وأخيراً تقمصت شخصيتي الجديدة. وأصبحت منذ ذلك التاريخ (جاك بيتون) المولود في 23أغسطس عام1919 في المنصورة، من أب فرنسي وأم إيطالية. وأن أسرتي تعيش الآن في (فرنسا) بعد رحيلها عن مصر، وهي أسرة كانت لها مكانتها وميسورة الحال. وديانتي هي يهودي إشكنازي. وتسلمت وثائق تحمل اسمي الجديد والتواريخ الجديدة. هكذا ذكر (رفعت) الأمر، في مذكراته الشخصية.. وهكذا انتهى (رفعت الجمَّال) رسمياً، ليولد (جاك بيتون)، الذي انتقل للعيش في (الإسكندرية)، ليقيم في حي يكثر به اليهود، ويحصل على وظيفة محترمة، في إحدى شركات التأمين.. ورويداً رويداً بدأت ثقته في نفسه تزداد، وبدأ يتعايش كفرد من الطائفة اليهودية، التي قدمه إليها زميل الحجز السابق (ليفي سلامة)، والذي قضي معه بعض الوقت، عندما تم إلقاء القبض عليه، عند الحدود الليبية.. وفي مذكراته هذه، يكشف لنا (رفعت الجمَّال) جانباً لم يتطرَّق إليه المسلسل التليفزيوني على نحو مباشر أبداً، إذ تباغتنا المفاجأة بأنه قد انضمّ، أثناء وجوده في (الإسكندرية)، إلى الوحدة اليهودية (131)، التي أنشأها الكولونيل اليهودي (إفراهام دار)، لحساب المخابرات الحربية الإسرائيلية (أمان)، والتي شرع بعض أفرادها في القيام بعمليات تخريبية، ضد بعض المنشآت الأمريكية والأجنبية، على نحو يجعلها تبدو كما لو أنها من صنع بعض المنظمات التحتية المصرية، فيما عرف بعدها باسم (فضيحة لافون)، نسبة إلى (إسحق لافون)، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك.. وفي الوحدة (131)، كان (رفعت الجمَّال) زميلاً لعدد من الأسماء، التي أصبحت فيما بعد شديدة الأهمية والخطورة، في عالم المخابرات والجاسوسية، مثل (مارسيل نينو)، التي أقام علاقة معها لبعض الوقت، و(ماكس بينيت)، و(إيلي كوهين)، ذلك الجاسوس الذي كاد يحتلّ منصباً شديد الحساسية والخطورة، بعد هذا بعدة سنوات، في الشقيقة (سوريا)، وغيرهم.. ومذكرات (رفعت)، في هذا الجزء بالذات، تبدو مدهشة بحق، إذ أنها تخالف كل ما قرأناه أو تابعناه، بشأن عملية (سوزانا)، أو (فضيحة لافون)؛ إذ أنها توحي بأن كل شيء كان تحت سيطرة جهاز مكافحة الجاسوسية منذ البداية، وأن (حسن حسني)، ومن بعده (علي غالي)، الذي تولَّى أمر (رفعت)، في مرحلة تالية، كانا يتابعان نشاط الوحدة (131) طوال الوقت، وأن معلومات (رفعت)، التي كان ينتزعها، من قلب الوحدة، كانت سبباً أساسياً في إحباط العملية كلها، وإلقاء القبض على كل المشتركين فيها.. على الرغم من التعارض الواضح، في مذكراته، مع مانشر عن تفاصيل سقوط جواسيس فضيحة (لافون)، فأنا -شخصياً- أكثر ميلاً لتصديق قصة (رفعت)، بل وأعتقد أن الهدف من نشر الأمر، على نحو مختلف، كان حمايته بالدرجة الأولى بعدما انتقل عمله من الشرطة والبوليس السياسي إلى عالم الجاسوسية، وتطوَّر الهدف من وجوده، في مرحلة تالية من العملية.. ولقد تم إلقاء القبض على (رفعت) و(إيلي كوهين)، كأفراد في الوحدة (131)، ثم أطلق سراحهما فيما بعد، لعدم وجود ما يدينهما، فاختفى بعدها (إيلي)، في حين بقي (رفعت)، ليواصل الحياة لبعض الوقت، باسم (جاك بيتون)، الذي لم يتطرَّق إليه الشك حتماً، بدليل أن الإسرائيليين قد اتهموا عضواً آخر، من الوحدة (131) بكشف أسرارها، وهو (بول فرانك)، الذي حوكم بالفصل، فور عودته إلى (إسرائيل) وصدر ضده الحكم بالسجن لاثني عشر عاماً.. وحتى ذلك الحين، وكما يقول (رفعت) في مذكراته، كانت مهمته تقتصر على التجسُّس على مجتمع اليهود في (الإسكندرية)، ولكن عقب نجاح عملية الوحدة (131) تم استدعاؤه إلى (القاهرة)، ليلتقي بضابط حالته الجديد (علي غالي)، الذي واجهه لأوَّل مرة بأنه قد نجح تماماً في مهمته، وأن الخطة ستتطوَّر، لتتم الاستفادة به أكثر خارج الحدود، خاصة وأن سمعته، كفرد سابق في الوحدة (131)، ستخدع الوكالات اليهودية، وستدفعها للتعامل معه كبطل.. وهنا أيضاً، أعتقد أنه من الأروع أن نقرأ تفاصيل تلك اللحظات الحاسمة من مذكرات (رفعت) مباشرة، عندما يقول: مرة أخرى وجدت نفسي أقف عند نقطة تحول خطيرة في حياتي. لم أكن أتصور أنني ما أزال مديناً لهم، ولكن الأمر كان شديد الحساسية عندما يتعلق بجهاز المخابرات. فمن ناحية روعتني فكرة الذهاب إلى قلب عرين الأسد. فليس ثمة مكان للاختباء في (إسرائيل)، وإذا قبض عليَّ هناك فسوف يسدل الستار عليَّ نهائياً. والمعروف أن (إسرائيل) لا تضيع وقتاً مع العملاء الأجانب. يستجوبونهم ثم يقتلونهم. ولست مشوقاً إلى ذلك. ولكني كنت أصبحت راسخ القدمين في الدور الذي تقمصته كما لو كنت أمثل دوراً في السينما، وكنت قد أحببت قيامي بدور (جاك بيتون). أحببت اللعبة، والفارق الوحيد هذه المرة هو أن المسرح الذي سأؤدي عليه دوري هو العالم باتساعه، وموضوع الرواية هو الجاسوسية الدولية. وقلت في نفسي أي عرض مسرحي مذهل هذا؟... لقد اعتدت دائماً وبصورة ما أن أكون مغامراً مقامراً وأحببت مذاق المخاطرة. وتدبرت أمري في إطار هذه الأفكار، وتبين لي أن لا خيار أمامي. سوف أؤدي أفضل أدوار حياتي لأواجه خيارين في نهاية المطاف: إما أن يقبض عليَّ وأستجوب وأشنق، أو أن أنجح في أداء الدور وأستحق عليه جائزة أوسكار. وكنت مقتنعاً أيضاً بأني أعمل الصواب من أجل مصر وشعبها. قلت لغالي: - إذا كنت تعتقد أنني قادر على أداء المهمة فإني لها. ثم كان السؤال الثاني: - كيف نبدأ من هنا؟ - سوف يجري تدريبك على العمل على الساحة الدولية. كل ما تتعلمه يجب أن يسري في دمك. هذا هو سر اللعبة. أنت مخرج عرضك المسرحي وإما أن تنجح فيه بصورة كاملة، أو تواجه الهلاك. تصافحنا علامة الموافقة وبدأت جولة تدريب مكثف. ودرست تاريخ اليهود الأوروبيين والصهيونية وموجات الهجرة إلى فلسطين. تعلمت كل شيء عن الأحزاب السياسية في (إسرائيل) والنقابات و(الهستدروت) أو اتحاد العمال، والاقتصاد والجغرافيا والطوبوغرافيا وتركيب (إسرائيل). وأصبحت خبيراً بأبرز شخصيات (إسرائيل) في السياسة والجيش والاقتصاد عن طريق دراسة أفلام نشرات الأخبار الأسبوعية. وأعقب هذا تدريب على القتال في حالات الاشتباك المتلاحم والكر والفر والتصوير بآلات تصوير دقيقة جداً، وتحميض الأفلام وحل شفرات رسائل أجهزة الاستخبارات والكتابة بالحبر السري، ودراسة سريعة عن تشغيل الراديو، وفروع وأنماط أجهزة المخابرات والرتب والشارات العسكرية. وكذلك الأسلحة الصغيرة وصناعة القنابل والقنابل الموقوتة. وانصب اهتمام كبير على تعلم الديانة الموسوية واللغة العبرية. واعتدت أن أستمع كل يوم ولمدة ساعات إلى راديو إسرائيل. بل وعمدت إلى تعميق لهجتي المصرية في نطق العبرية لأنني في نهاية الأمر مولود في مصر. بعد التدريب تحددت لي مهنة. تقرر أن أكون وكيل مكتب سفريات حيث إن هذا سيسمح لي بالدخول إلى (إسرائيل) والخروج منها بسهولة، وتقرر أن أؤدي اللعبة لأطول مدة ممكنة. لم يكن ثمة حد زمني، وكان لي الخيار بأن أترك الأمر كله إذا سارت الأمور في طريق خطر. وسوف نرى إلى أين تمضي بنا الأمور. وقيل لي إنني أستطيع بعد ذلك العودة إلى (مصر) وأستعيد شخصيتي الحقيقية. وتسلمت مبلغ 3000 دولار أمريكي لأبدأ عملي وحياتي في (إسرائيل). وفي يونيو1956 استقللت سفينة متجهة إلى (نابولي) قاصداً في الأصل أرض الميعاد. ودعت (مصر) دون أن أدري ما سوف يأتي به المستقبل. واعتباراً من هذه المرحلة، تنقلنا مذكرات (رفعت الجمًّال)، التي تركها لزوجته بعد وفاته إلى تلك المرحلة الجديدة تماماً من حياته، والتي سافر خلالها إلى (نابولي)، حيث التقطته الوكالة اليهودية هناك، وبذلت جهدها لإقناعه بالسفر إلى (إسرائيل)، (أرض الميعاد)، كما كانت تقول دعاياتهم بمنتهى الإلحاح أيامها.. وفي هذا الجزء بالذات، وربما دون أن يدري (رفعت) نفسه، تتبدّى عبقرية العملية كلها، إذ لم يبد هو أية لهفة، على السفر إلى (إسرائيل)، إلا أنه لم يمانع بشدة في الوقت نفسه، وإنما جعلهم يعتقدون أنهم قد نجحوا في إقناعه، وتركهم يدفعونه إلى ظهر سفينة، حملته إلى (إسرائيل)، التي استقبله فيها رجل مخابرات يُدعى (سام شواب)، واستجوبه بعض الوقت، ثم منحه تأشيرة إقامة، وجواز سفر إسرائيلي فيما بعد، مما يؤكِّد أن عملية المخابرات المصرية قد نجحت بالفعل.. وبمنتهى القوة.. ويتحدَّث (رفعت الجمَّال)، في تلك المرحلة من مذكراته، عن إنشائه لمكتب سفريات (سي تورز)، في 2 شارع (برينر) في (تل أبيب)، وصداقته مع (موشي دايان)، ومحاولات (سام شوب)، التقرُّب إليه، ودفعه الفاتنة (راكيل إبشتين) في طريقه، ومحاولاته هو لاكتساب ثقة (دايان) و(شوب)، و(عزرا وايزمان)، ثم ينتقل بنا فجأة إلى حدث شديد الأهمية والخطورة.. فمع اقترابه من مواقع الأحداث، علم (رفعت) بأمر العدوان الثلاثي قبل وقوعه، وعرف الكثير من تفاصيله، وسافر إلى (روما) و(ميلانو) بالفعل، بعد ترتيبات دقيقة؛ ليلتقي برئيسه، ويخبره بكل ما لديه.. ولكن أحداً لم يصدّق، أو يقتنع بأهمية وخطورة تلك المعلومات، التي أتى بها (رفعت)، من قلب (إسرائيل)... ووقع العدوان الثلاثي.. وحدث ما حدث.. وتساءل (رفعت): لماذا لم يصدق أحدهم تحذيره!… ولكنه لم يحصل على الجواب أبداً.. وفي عام 1957م، فوجئ (رفعت) بزيارة من (إيلي كوهين)، زميله السابق، في الوحدة (131)، الذي سعى إليه، واستعاد صداقته معه، قبل أن يبدأ مهمته، التي سافر من أجلها إلى (أمريكا الجنوبية)، للاندماج بمجتمع المهاجرين السوريين، تمهيداً لزرعه في (سوريا) فيما بعد، والتي ساهم (رفعت) نفسه في كشف أمرها، عندما أبلغ المخابرات المصرية، أن صورة (كامل أمين ثابت)، التي نشرتها الصحف، المصرية والسورية، إنما هي لزميله السابق، الإسرائيلي (إيلي حوفي كوهين).. وفي مذكراته يمضي (رفعت) في سرد حياته في (تل أبيب)، ويروي قصة اختيار مكتبه السياحي لإقامة الجسر الجوي؛ لنقل يهود (بيروت) إلى (إسرائيل)، مما يؤكِّد ثقة السلطات الإسرائيلية البالغة فيه، ويمرّ خلال هذا برواية رحلته السرية إلى (مصر)، في صيف 1958م، وبقصة الرحلة، التي أهداها إلى (إيلي كوهين) وزوجته، بمناسبة زفافهما، ثم يتوقَّف بعض الوقت؛ ليروي صداقاته وعلاقاته الوثيقة، بقادة (إسرائيل) في ذلك الوقت، ليقول في هذه الفقرة: (كثفت اتصالاتي بكل من (ديان)، و(وايزمان)، و(شواب)، ونظراً لصلة (ديان) الوثيقة بـ(بن جوريون)، فقد استطعت أن أكسب ثقة (بن جوريون) أيضاً، وأصبحت عضواً في مجموعة الشباب المحيطين به، إذ كان يحب أن يحيط به الشباب ويستمع لآرائهم وأفكارهم. أما (جولدا مائير) فكانت تتميَّز بأنها امرأة عطوف، وأبدت وداً شديداً نحوي، وكثيراً ما تساءلت بيني وبين نفسي ماذا عساهم أن يقولوا عني لو اكتشفوا حقيقتي وعرفوا أني استخدمتهم)... والواضح أيضاً، في هذه المرحلة من المذكرات، أن الفترة من 1959م، وحتى 1963م، لم تحمل متغيرات قوية، تستحق الإشارة إليها، إذ قفز (رفعت) بالأحداث دفعة واحدة، ليروي كيف أبلغ (مصر) باعتزام (إسرائيل) إجراء تجارب نووية، واختبار بعض الأسلحة التكنولوجية الحديثة، أثناء لقائه برئيسه (علي غالي) في (ميلانو)، قبل أن يطرح أوَّل مطلب له، منذ فترة طويلة.. أوّل وأخطر مطلب.. على الإطلاق. طوال فترة عمله، في قلب إسرائيل، لحساب المخابرات المصرية، لم يتقدّم (رفعت الجمّال) بمطلب واحد للمسؤولين.. حتى كان مطلبه هذا.. أن يعود إلى (مصر)، ويدفن إلى الأبد شخصية (جاك بيتون).. حدث هذا في يونيو1963م، قبل لقائه الأوَّل بزوجته فيما بعد (فلتراود)، أي أن رغبته هذه كانت تعكس حالة الإجهاد التي وصل إليها، ورغبته الحقيقية في استعادة (رفعت الجمَّال)، بهويته، وجنسيته.. وديانته أيضاً.. ولكن العودة لم تكن بالبساطة التي توقَّعها (رفعت)؛ إذ لم يكن من السهل بالتأكيد، أن يختفي (جاك بيتون) هكذا فجأة، من قلب (إسرائيل)، ليظهر (رفعت الجمَّال) مرة أخرى في (القاهرة)؛ فهذا كفيل بكشف كل ما فعله طوال حياته.. ليس هذا فحسب، ولكن ستكشف -أيضا- شبكات التجسُّس التي تركها خلفه أيضاً.. وفي عالم المخابرات تعتبر هذه كارثة.. وبكل المقاييس.. كان عليه –إذن- أن يحتفظ بشخصية (جاك بيتون) لبعض الوقت، وإن كان باستطاعته أن يغادر (إسرائيل)، ويرحل إلى بلد ثالث، بحجة العمل أو الارتباط، حتى يفقد (الموساد) اهتمامه به، بعد فترة من الوقت، مما يسمح له بالعودة إلى (مصر).. وعند هذا الحد، تمتزج، على نحو ما، مذكرات (جاك بيتون) بمذكرات زوجته (فلتراود)، فيروي هو نفس ما روته هي من قبل، حول لقائهما، في أكتوبر 1963م، ووقوع كل منهما في حب الآخر، وزواجهما. ولكن هناك فقرة مهمة جداً، في المذكرات التي تركها (رفعت) لزوجته بعد وفاته، تستحق حتماً أن نتوقَّف عندها، وأن ننقلها هنا نصاً؛ لأنها تؤكِّد نجاحه البالغ: (وعدنا إلى إسرائيل في أوائل يناير1964م، قدمتك إلى "جولدا مائير"، وأحبتك كثيراً، ثم اصطحبتك في زيارة إلى "بن جوريون"، في الكيبوتز الخاص به. رافقنا "ديان" في هذه الزيارة، وبعد أن استقبلك "بن جوريون" العجوز مرحباً، طلبت منك التجول في الكيبوتز إلى أن نفرغ من حديثنا أنا و"بن جوريون" و"ديان". لم يتناول نقاشنا شيئاً له أهمية كبيرة، ولكن كان لابد وأن أكون متابعاً لمسرح الأحداث).. إلى هذا الحد إذن كان (رفعت الجمّال) متوغّلاً، في قلب عالم الكبار في (إسرائيل)!!! أي نجاح يمكن أن يفوقهذا!! والنقطة المهمة جداً، التي ينبغي التوقف عندها، في هذه المذكرات أيضاً، هي إصرار (رفعت) الشديد، على ألا يولد ابنه في (إسرائيل)، وعلى أن تسافر زوجته لتنجبه في (ألمانيا)، حتى لا يحمل إلى الأبد الجنسية الإسرائيلية.. ورويداً رويداً، راح (رفعت) يتحلَّل من أعماله والتزاماته في (إسرائيل)، ويقوي روابطه وأعماله في (ألمانيا)، وبدأ في دراسة كل ما يتعلَّق بالنفط، الذي قرَّر أن يجعل من تجارته مصدر رزقه الأساسي، خاصة وأنه قد تقدَّم بطلب للحصول على الجنسية الألمانية، التي ستتيح له السفر بيسر أكثر، ودون تعقيدات أمنية عديدة، إلى (مصر)، في أي وقت يشاء، كرجل أعمال ألماني، وتاجر نفط عالمي.. وفي فقرة مؤسفة، يؤكِّد (رفعت) أنه، باتصالاته التي لم تكن قد انقطعت بعد، بالمسؤولين الإسرائيليين، أمكنه معرفة أن (إسرائيل) تستعد للهجوم على (مصر)، في يونيو1967م، وأنه أبلغ المسؤولين في (مصر) بهذا، إلا أن أحداً لم يأخذ معلوماته مأخذ الجد، نظراً لوجود معلومات أخرى، تشير إلى أن الضربة ستنصب على (سوريا) وحدها!!.. ووقعت نكسة1967.. وانهزمنا هزيمة منكرة.. وعلى الرغم من حالة الإحباط وخيبة الأمل، التي أصابته بسبب هذا، واصل (رفعت) ارتباطه بالمخابرات المصرية، وظلّ يرسل إليها كل ما يقع تحت يديه من معلومات، من خلال صداقته مع رجل المخابرات الإسرائيلي (سام شواب)، حتى توافرت لديه فجأة بعض المعلومات بالغة الخطورة، (لم يفصح عنها أيضاً في مذكراته)، والتي أرسلها فوراً إلى (مصر)، وصدقها المصريون، وكان لها تأثير واضح، في حرب 1973م.. وبعد الحرب والانتصار، عاد (رفعت) يطلب العودة إلى (مصر)، ولكن المخابرات المصرية أخبرته أنه لا يستطيع العودة مع أسرته، إذ يستحيل أن تتم حماية الأسرة كلها طوال الوقت، من أية محاولات انتقامية إسرائيلية، إذا ما انكشف أمره.. كان على الطير أن يواصل التحليق إذن، بعيداً عن وطنه، وأن يحمل حتى آخر العمر جنسية (جاك بيتون)، اليهودي الإسرائيلي السابق، ورجل الأعمال الألماني المحترم، الذي نجح في إقامة مشروع نفطي كبير في (مصر)، ظلّ يزهو به، حتى آخر لحظة في حياته، ويروي في مذكراته كيف حصل على امتياز التنقيب عن البترول المصري، في عام 1977م، ليعود أخيراً إلى (مصر)، التي عشق ترابها، وفعل من أجلها كل ما فعله.. وفي نهاية مذكراته، يتحدَّث (رفعت الجمَّال) عن إصابته بمرض خبيث، وتلقيه العلاج الكيمائي، في أكتوبر1981م، وتفاقم حالته، ثم يبدي ارتياحه، لأن العمر قد أمهله، حتى أكمل مذكراته، وأن زوجته وابنه (دانيال)، وابنته بالتبني (أندريا) سيعرفون يوماً ما حقيقته، وهويته، وطبيعة الدور البطولي الذي عاش فيه عمره كله، من أجل وطنه.. من أجل (مصر).. وهنا ينتهي الجزء الثاني من الكتاب، ليبدأ الجزء الثالث، وهو الأقل أهمية، بالنسبة للقارئ، نظراً لأنه يحوي تطورات حياة (فلتراود)، بعد رحيل (رفعت)، ومحاولاتها السيطرة على الأمور، ومعرفتها بأمر زوجها، على لسان ابن شقيقه (محمد سامي الجمَّال)، في نفس يوم الوفاة، وكيف أنها لم تصدّق ماسمعته، وأنكرته، واستنكرته.. ثم تتحدّث عن المفاجأة التي تلقَّتها، مع قراءتها لمذكراته، بعد ثلاث سنوات من وفاته، وتأكُّدها مما أخبرها به (محمد الجمَّال) قديماً.. ويالها من مفاجأة!! ثم تروي (فلتراود) قصة لقائها بالفنان (إيهاب نافع)، وارتباطها به، والدور الذي قام به، لإجراء الاتصال بينها وبين المخابرات المصرية؛ للتيقن من حقيقة ما جاء في مذكرات زوجها الراحل، ثم زواجها من (إيهاب نافع) فيما بعد.. والأحداث الأخيرة تختلف إلى حد ما، عما قدَّمه المسلسل التليفزيوني، وتبدو طويلة ومضجرة، وخاصة بعد خروجك من مذكرات (رفعت الجمَّال) نفسه، ولكن اختلافها لن يصنع فارقاً كبيراً، بالنسبة للقارئ أو المتابع؛ إذ أن كل ما يعنينا من الأمر هو أن الاتصال قد تم.. وأن العالم كله يعرف الآن أن المخابرات المصرية قد نجحت، في صفع الإسرائيليين، طوال ثمانية عشر عاماً كاملة، وزرع جاسوس مصري في قلب قياداتهم.. وقلب مجتمعهم.. بل وقلب كيانهم الأساسي كله.. وأنها كانت واحدة من أروع وأكمل العمليات، التي تم نشر (بعض) تفاصيلها، في تاريخ المخابرات كله.. عملية، برع وتألّق خلالها جاسوس يعد الأشهر في عالمه، حتى لحظة كتابة هذه السطور.. بل أشهر الجواسيس.. على الإطلاق. رأفت الهجان مات جمال عبدالناصر! هزت وفاته رأفت الهجان حتى الأعماق! أحس وكأن يداً تعتصر قلبه فى قسوة مروعة.. وفى البداية رفض أن يصدق سيرينا أهارونى وظن انها تمازحه مزاحا سياسيا، يرمى الى معنى لم يصل اليه، لكن الحقيقة جاءته عبر صوت تلك السيدة الذى اكتسى بحزن لم تحاول اخفاءه.. رفض كل محاولاتها للقائه فى تلك الليلة، قالت إن الامر فى حاجة الى مناقشة هادئة بعيدا عن هوس الذين كانوا يرون فى الرجل شبحا يؤرق جشعهم... ظل طوال الليل يحرك مؤشر الراديو ملتقطا كل اذاعات العالم، يستمع - وقلبه ينفطر حزنا- للعدو قبل الصديق وهم يذيعون النبأ بحزن أو شماتة... حاول فى تلك الليلة أن يبكى لكنه لم يستطع، أراد أن يبكى لعله يزيح ذلك الصخر الذى حط فوق صدره، فكاد يكتم انفاسه.. قال: إنه لم يشعر بوفاة ابيه الا فى ذلك اليوم الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970... قال: إن مشكلة عبدالناصر معه أنه احتل فى نفسه مكان الاب.. قال: إنه بعد زيارته لمصر عقب هزيمة 1967، وعثوره على الأسباب الحقيقة لتلك الحرب الضاربة التى ووجهت بها مصر، اكتشف انه اهتم - مع انغماسه فى مهمته الكبري- بإسرائيل ومشكلات إسرائيل وما كان يدور فيها، دون ان يهتم بوطنه وما كان يحدث فيه... قال: إنه اكتشف ان عليه- إن أراد ان يقوم بواجبه على الوجه الاكمل - الالمام بالصورة من كل جوانبها، فى مصر، كما فى إسرائيل، كما فى العالم العربى المحيط بهما.. لذلك، فإنه بعد عودته إلى إسرائيل، وضع نصب عينيه أن يعرف كل ما كان يدور فى مصر وما يحدث فيها من تطورات... ولقد كان، كلما أمعن فى القراءة والدراسة، يهوله الأمر... أدرك انهم كانوا لابد أن يضربوه، ويهزموه، كما أدرك بوضوح، ان واجبه اصبح اكثر ثقلا، ومسئولياته أكثر جسامة! كانت نيران الأحداث تنضج رأفت الهجان على مهل فراح يمارس واجبه بوعى من يدرك حقائق الأمور... فى تلك الأيام راح يرقب ما حوله من فرح وحشى من البعض، وحزن حقيقى من الذين كانوا يرون فى عبدالناصر عقبة امام جنون البعض وبغيهم.... وهناك من كانوا يرون أن العداء السياسى شيء، والتقدير الشخصى لزعيم مثل جمال عبدالناصر شيء آخر. ولكن، كان هناك اجماع براحة عميقة، فلقد تخلصت إسرائيل، بضربة حظ لا تتكرر فى الدهر مرتين، من ألد اعدائها وأكثرهم ضراوة وفهما لحقائق الأمور! أما هو، فلقد لزم الصمت، والزم نفسه به، وامتنع عن مناقشته وتجنب الإدلاء برأيه فيه! .................... ..... .................... ..... كان لابد للحزن ان ينحسر، وللحياة أن تأخذ مجراها! ووجد رأفت الهجان نفسه أمام واجبات كانت تمتص كل وقته. كان القتال قد توقف على جانبى القناة بعد قبول مصر لمبادرة روجرز.... وكما قبل جمال عبدالناصر تلك المبادرة كى يعطى الفرصة لدفاعه الجوى ان يتحرك إلى أماكن متقدمة من الجبهة، استغلتها إسرائيل كى تدعم تحصيناتها العسكرية فى سيناء... وكذا، كان لابد لذراع الفتى ان تمتد الى كل شبر فى شبه الجزيرة المصرية، وكان هذا يحتاج الى تجنيد المزيد من الجنود، أو القيام برحلات كان بعضها يمثل خطرا حقيقيا! على الضفة الأخرى من القناة، بدأ رأفت يلمح بوادر ذلك الصراع السياسى الذى نشب عند قمة السلطة فى وطنه... والذى بلغ ذروته فى اليوم الرابع عشر من مايو عام 1971، وبدا له الامر فى لحظة ضيق- وكانت نفسه تقطر مرارة- أن الناس فى مصر نسوا واجبهم المقدس وتفرغوا لصراعهم السياسى... وعندما احتدم ذلك الصراع ووصل الى ذروته، أحس وكأنه يقف فى الميدان وحده!!!!

      تعليق


      • #4
        الصفعه الثالثه
        فى يونيو 1961 بدأت محاكمته ولم تتمكن المخابرات الإسرائيلية من معرفة الطريقة التى استطاع بها نقل المعلومات والأسرار الحربية الى موسكو. وبالتالى الى المخابرات المصرية عن طريق ريناتا التى عاشت فى باريس واقتربت من الرجل الغامض للحصول على مافى جعبته من أوراق ومستندات عسكرية إنه إسرائيل بيير الذى اختاره بن جوريون رئيس الوزراء الإسرائيلى مستشاراً للأمن القومى بعد ان ظل يخدم لفترة فى الجيش الإسرائيلى، وبعد اكتشاف دوره مع المخابرات السوفيتية صرخ بن جوريون: ألهذه الدرجة كنت مغفلاً! اطلع الرجل الغامض على الخطط العسكرية وحصل على أدق الأسرار وكان يلقى بها بمجرد دخوله شقة صديقته ريناتا التى كانت تقدم له الخمور ليسكر حتى الثمالة فتبدأ فى تصوير المستندات ونقل الأسرار الى المخابرات المصرية، من بينها قوائم المنشأة العسكرية الإسرائيلية والأسلحة وحجم المساعدات الأمريكية ل إسرائيل بل ومفكرة بين جوريون الشخصية التى حصل عليها بيير من صديقه بحجة كتابة مسيرة بن جوريون! ولنقرأ التفاصيل: فى ركن من اركان الملهى الليلى الشهير بباريس جلس رجل اصلع الرأس طويل القامة، ذو ملامح أوروبية يشرب الخمر بنهم شديد وبين الفينة والاخرى ينظر حوله كمن يبحث عن شى محدد لكنه لا يعرف عن اى شيء يبحث بالضبط وان كان يبدو انه ينتظر أحدا حيث لفت انتباهه حركة اولئك الذين كانوا يتوافدون على الملهى بين وقت وآخر.
        وكان رغم سكره الشديد ثابتا فى مكانه ولا يتحدث كثيرا ولا يأتى بحركات كذلك التى يقوم بها السكارى الثملون وعلى مقربة منه جلست امرأتان بدت احداهما كما لو كانت فتاة ليل وقد انشغلت بالحديث مع السيدة الاخرى التى كانت شديدة الجمال تشى ملابسها وهيئتها بأنها احدى سيدات الاعمال الثريات اللاتى يفدن على باريس لعقد صفقاتهن. كانت فتاة الليل تحاول ان تلفت نظر الرجل الاصلع الغامض الذى يجلس على مقربة منهما مع حرصهما على ان يبدو الامر بصورة طبيعية لا توحى بسعيها الى التعرف اليه أو مجالسته.. لذلك ارتفع صوتها ليسمعها الرجل المقصود ماذا تقولين؟! ثلاثة ملايين فرنك! نعم وماذا فى ذلك؟ انها اقل صفقة عقدتها هذه السنة.
        - وهل هذه التجارة مربحة الى هذا الحد.
        - نعم... انها تعادل تجارة المخدرات ولكنها بالطبع ليست مثلها بل اكثر امنا.
        - وأين ستذهب هذه الصفقة؟
        إلى إسرائيل.
        التفت الرجل الاصلع فجأة نحو السيدتين.. وقال عفوا هل ناديتمانى؟
        ردت فتاة الليل: يسعدنا ان نناديك ولكن كنا نتحدث عن عملية تجارية ستتم فى إسرائيل ضحك الرجل السكران وقال لم تذهبا بعيدا.. فانا اسمى إسرائيل واعيش فى إسرائيل.
        صرخت المرأة ووجهت حديثها إلى صديقتها هل تصدقين هذا ياريناتا.. يالها من مصادفة؟!
        اقترب إسرائيل بيير او بارائيل كما يطلق عليه فى إسرائيل من السيدتين قائلا... اذا لم تمانع سيدتاى فيسعدنى ان استضيفكما الليلة.
        كان هذا الرجل هو الهدف المحدد لعمليتى المخابرات المصرية لانه ببساطة كان مستشار بن جوريون للأمن القومى، ولكن قبل هذا اللقاء الحميم الذى تم بين العميلة ريناتا وصديقتها بسنوات وتحديدا فى خريف العالم 1950 كان مجلس وزراء الدولة اليهودية الوليدة قد دعا من قبل رئيس الوزراء ديفيد بن جوريون لاجتماع عاجل حضره ايسر هاريتل رئيس جهاز الموساد وبقية اعضاء مجلس الوزراء بما فيهم موشيه ديان وزير دفاع الدولة العبرية وكان ضمن الذين شملتهم الدعوة المحلل السياسى والضابط السابق إسرائيل هارنيل وكان هذا امرا غريبا استنكره بشدة موشيه ديان عندما مال على ايسر هارئيل قائلا له: ما الذى اتى بهذا الرجل إلى هنا؟!
        نظر الجميع لبعضهم بعضا يستطلعون الحدث قبل وقوعه وقطع نظرات الدهشة احد الوزراء عندما هم بالكلام وقبل ان يكمل كلمته الاولى اكمل بن جوريون قائلا: انه ليس تعارفا بالمعنى الذى فهمتموه ولكنى اود ان اقول لكم اننى أصدرت صباح اليوم قبيل هذا الاجتماع مباشرة قرارا بتعيين السيد إسرائيل بيير مستشارا للامن القومى الإسرائيلى ومساعدا فى الشئون الامنية.

        وصرخ ديان: تقول من ياسيدى الرئيس؟
        قال بن جوريون فى حزم: صديقى ومستشارى إسرائيل بيير.
        لم يخجل ديان من الوقوف منتصبا وكأنه يهم بالخروج من المجلس قائلا لبن جوريون: سيدى هذا الرجل الذى تريد ان تسلمه خزائن امن إسرائيل، مجهول الهوية تماما كيف يحدث هذا.. انا غير موافق على تعيينه فى هذا المنصب.
        ضحك بن جوريون ورد على ديان وهو ينظر باتجاه الرجل الاصلع بيير قائلا: هذه مشكلتك ديان اذا لم تكن تعرفه. اما انا فأعرفه جيدا وأثق فيه تماما. لقد خدم هذا الرجل إسرائيل بجدية ونشاط منذ ان هاجر اليها من النمسا عام 1935، ورأيته فى جيش الهاجاناه السرى ورأيته وهو يخدم فى جيش الدفاع الإسرائيلى بنشاط فائق كما انه متميز سياسيا ولديه قدرات تفتقر انت شخصيا إليها.. ارجوك اصمت ولست هنا بصد أخذ رأيك.. ثم اردف: انا اعلم تماما ان الغيرة لها مكان فى صراخك هذا..

        لم يكن بن جوريون مصيبا فى كل المعلومات التى ذكرها عن صديقه الحميم إسرائيل بيير فهو بالفعل رجل مجهول السيرة وصل إلى فلسطين فى اعقاب الحرب العالمية الثانية وقدم اوراقه على انه يهودى نمساوى ثم التحق بالجيش السرى للحركة الصهيونية واستمر يترقى فى هذه الحركة حتى قامت الدولة العبرية عام 1948 فانضم للجيش بصفته إسرائيليا يهودى الاصل، وقدم اوراقا تفيد انه تدرب تدريبا عسكريا عاليا طيلة اقامته فى النمسا وظل يترقى فى الجيش الاسرائيلى حتى وصل الى رتبة عقيد وتم اختياره فى اعقاب حرب 1948 التى اطلق عليها الاسرائيليون حرب التحرير لرئاسة قسم العمليات والتخطيط من مقر قيادة الجيش ومنذ هذا الوقت توطدت صلته برئيس الوزراء الاسرائيلى ديفيد بن جوريون شخصيا، ولكن بعد عامين اخرجه بن جوريون من الجيش وعقد اجتماعه الوزارى ليعلم الوزراء بقراره تعيين بيير مستشارا للأمن القومى الإسرائيلى.

        بعد انتهاء الاجتماع العاصف الذى شهد اعلان تعيين اسرائيل مستشارا للامن القومى الإسرائيلى خرج ديان من مكتب رئيس الوزراء ليسير بمحاذاة أيسر وكل منهما ينظر نحو الاخر نظرات صامتة ذات مغزى.
        وفى المساء طلب ايسر من ديان ان يزوره فى مكتبة أو ان ينتظره ليحضر هو اليه، ودون ان يسأله ديان عن سبب اللقاء ادرك ان ايسر يريد ان يتحدث معه بشأن المستشار الجديد للأمن القومى للإسرائيل.
        فى الثامنة مساء كان ايسر يستقبل ديان بمكتبه بمبنى الموساد فى تل ابيب و الذى فاجأه بسؤال حاسم وحازم: أيسر اريد ان اعرف كل شيء عن هذا الرجل.

        نظر اليه ايسر نظرة استخفاف وقال له: اليوم وبعد كل هذه السنوات تأتى لتسألنى من هو هذا الرجل؟!
        قال ديان: فى الماضى لم يكن مهما ان يلتحق بالجيش ولكن اليوم سيضطلع بمهام تمس أمن إسرائيل فى الصميم.
        خرج بيير من قاعة الاجتماعات منتشيا بالنتائج التى حصل عليها خلال هذا الاجتماع فقد كان هذا المنصب هو أكبر مما كان يطمح اليه فى هذا الوقت وفى مثل هذه الظروف خاصة بعد ان عمد موشيه ديان الى الاساءة لسمعته فضلا عن ملاحقة ايسر هارئيل له ومتابعته متابعة حثيثة اثناء لقائه بإحدى عشيقاته.
        وخلال الطريق الذى قطعه من غرفة الاجتماعات وحتى الباب الخارجى كان يتلقى التهانى من كل العاملين بمجلس الوزراء وقبيل ان يخرج من بوابة المجلس ليستقل سيارته فوجئ بأحد الحراس يعدو خلفه طالبا موافاة بن جوريون فى مكتبه.

        عاد بيير منزعجا لهذا الاستدعاء السريع بعد هذا الاجتماع الصاخب ودخل مكتب رئيس الوزراء.. سيدى ماذا هناك لقد كنت خرجت بالفعل من المقر رد بن جوريون عزيزى بيير.. أرجو ان تسمعنى جيدا.. اليوم بالطبع ادركت كم يكرهك ديان وكم يكرهك ايسر ايضا وهما اخطر شخصيتين فى المجلس، فكان حذرا ولا تفسح لهما المجال لان يمسكا عليك موقفا يحسب عليك لانك انت إسرائيل بيير محسوب على. فى المساء كان لابد لاسرائيل بيير ان يحتفل بهذه المناسبة فاتصل بإحدى عشيقاته وكان اسمها حنه وطلبها ان تلتقيه فى حانة أتوم فى شارع بن يهودا الصاخب فى تل ابيب وقال لها لا تتخلفى فلدى هدية رائعة لك ومفاجأة ستسعدك بلا شك؟

        فى التاسعة مساء كان إسرائيل بيير يقدم هديته لعشيقته - وهى زوجة لاحد ضباط وزارة الدفاع الإسرائيلية وكان زوجها شديد الغيرة عليها ودائم الشك فيها لشدة جمالها. وبعد نصف ساعة بالضبط من وصولها لحانة أتوم ولقائها بيير فوجئ الاثنان بشالوم زوجها يقف على رأسيهما وقبل ان ينطق احدهما بكلمة نهال الضابط بالكلمات والصفعات الشديدة على وجه إسرائيل ببير حتى وقع سنان من اسنان بيير واخذ ينزف وقام بعض العاملين بالحانة بنقله لمستشفى تل ابيب.
        وبعد ايام عندما سأله بن جوريون عن اسنانه المفقودة قال له: لقد فقدتها يا سيدى فى حادث سيارة.. بينما ضحك كل من ديان وايسر عندما وصلهما الخبر. واصل ديان بأيسر قائلا له: لا اعتقد انك بعيد عما حدث لهذا المارق

        فى إسرائيل يطلق الاسرائيليون على حرب عام 1948 حرب الاستقلال وهى تسمية شائعة فى إسرائيل حتى يومنا هذا ولا يعرف احد ماذا يعنون بكلمة استقلال فمن الذى كان يحتلهم؟ وهل كانت فلسطين فى الاصل موطنهم ام وطن وهب لهم ممن لا حق له فى الهبة، المهم ان بن جوريون استدعى مستشاره الأمين عام 1955 وطلب منه كتابة التاريخ الرسمى والتأريخ لحرب الاستقلال وخصص له من أجل ذلك غرفة بوزارة الدفاع ليقوم بأبحاثه فيها.. وكان هذا التاريخ الذى كتابه من الأعمدة الرئيسية فى تعزيز مركز وموقف بيير لدى المجتمع الإسرائيلى وبن جوريون شخصيا. لم يترك ايسر هاركيل بيير بعد قرار تعيينه بعيدا عن عينيه او بعيدا عن اعين رجاله ورصد فى السنوات التى تلت هذه الواقعة حركة إسرائيل بيير رصدا دقيقا فقد اكتشف انه كثير العلاقات الغرامية يعيش حياته على هواه وينفق ببذخ شديد على عشيقاته وبنات الهوى كما توصل الى ان علاقته بزوجته رفقه سيئة للغاية وان الخصام بينهما يدوم اياما واسابيع طويلة، كما لاحظ انه يقوم بجمع معلومات عسكرية لا تتصل بعمله فى شيء وانه زار موسكو وبرلين ووارسو وبوخارست اكثر من مرة وهذه عواصم دول شيوعية ليست على وفاق كبير مع إسرائيل الدولة الحديثة، كما جاءته تقارير تفيد بأنه على علاقة وثيقة بكثير من الدبلوماسيين الروسى العاملين فى تل ابيب ويلتقى بهم كثيرا. كان ايسر يرى فى هذا الرجل الفساد كله، فهو على عكسه حيث ان ايسر كان يهوديا متدينا ومتشددا بعكس إسرائيل بيير ولذا فإنه كان يخشى على إسرائيل الدولة من وجود رجل كهذا يسهل تجنيده بأبسط الطرق حتى ولو كان عن طريق امرأة غانية.
        ذات مساء رن هاتف بيير فى مكتبه، كانت المكالمة من خارج إسرائيل وكان الصوت المتصل من الأصوات المحببة لبيير ولذلك عندما سمع صوت المتصلة هلل فرحا كفرحة طفل صغير بلعبة، فقد كانت المتصلة صديقة باريس التى التقاها مؤخرا.
        وبعد أسبوع بالضبط كان إسرائيل بيير وصديقته ريناتا يلهوان فى كل ملاهى باريس ولم يتركا شيئا لم يفعلاه حتى نفدت أموال بيير تماما وقرر العودة إلى إسرائيل وعندها طلب من صديقته أن تستعد للعودة معه.

        تركته ريناتا بحجة ترتيب أمورها وتوجهت على الفور إلى محل للعطور المشهورة فى باريس وكانت مديرته فتاة مصرية وأخبرتها بأنها تريد مقابلة الضابط ف من المخابرات المصرية..

        أقول له من أنت

        أخبريه بأننى صديقة بيير

        كانت هاتان الفتاتان من العاملات مع جهاز المخابرات المصرى وهما اختان من الأب وكانت التى تمتلك محل العطور أمها فرنسية بينما الأخرى وهى تعمل مضيفة بالشركة الوطنية، من أم مصرية.

        وكانت المضيفة تتولى توصيل المعلومات والوثائق التى تطلبها المخابرات إلى مصر أو إلى الضابط ف.
        طلب ف من ريناتا السفر مع بيير إلى إسرائيل والحصول منه على كافة الوثائق التى توجد بحوزته وتصويرها وتسليمها لصاحبة محل العطور والباقى تعرفه هذه بدورها.. سافرت ريناتا مع إسرائيل إلى تل أبيب وعاشت معه قرابة شهر فى بيت استأجره لها بيير بعيدا عن تل أبيب.. وكان يقضى أياما طويلة معها بعيدا عن زوجته، فهذا الرجل شديد الثقة بنفسه وشديد الاهتمام فى نفس الوقت رغم أنه موظف مهم فى الدولة العبرية.. وكان بحكم عمله يطلع على وثائق ومستندات مهمة خاصة بالخطط العسكرية الإسرائيلية إلا أنه كان يلقى بمجرد دخوله شقة صديقته، بالأوراق دونما اهتمام ويترك أهم وأخطر المستندات العسكرية قريبة من يدى ريناتا التى اعتمدت طريقة ذكية فى الحصول على ما تريد حيث كانت تجعله يسكر تماما فلا يستطيع أن يرى ما يحدث أمامه ثم تجذبه إلى غرفة النوم فتجهز على ما تبقى منه وتقوم بعد تأكدها من استغراقه فى نوم عميق إلى غرفة المكتب وتفتح حقائبه وتجمع المستندات وتصورها تصويرا دقيقا
        وتحتفظ بالأفلام لحين موعد سفرها.

        واستمرت على هذه الحال قرابة الشهرين وهى تعيش معه وتحصل منه على كل المستندات التى يحوزها بصقته الوظيفية فتأخذ نسخا منها ومن تلك التى يحتفظ بها فى خزانة خاصة فقد استطاعت أيضا أن تصل إليها وإلى ما فيها وتأكدت من خلال هذه الوثائق والمذكرات التى كتبها بخط يده أنه عميل لجهاز الكى جى بى السوفيتى!.

        بعد هذين الشهرين سافرت ريناتا إلى باريس وهناك سلمت الفتاة المصرية الباريسية الأفلام التى وصلت فى النهاية إلى المخابرات المصرية التى تمكنت من أن تخدع إسرائيل وجهاز الموساد باستخدام عميل للسوفيت ليعمل لصالحها دون أن يدرى العميل ودون أن تدرى المخابرات السوفيتية وبطبيعة الحال دون أن يدرى الموساد ورجاله.
        كانت من ضمن الأوراق والمستندات التى حصلت عليها ريناتا المفكرة الشخصية لديفيد بن جوريون شخصيا وكان بيير حصل على هذه الفكرة من صديقه بحجة أنه سيكتب كتابا عن سيرته وسيحتاج لمعرفة بعض الأمور الخاصة عن حياة بن جوريون ليستكمل كتابه وكم كانت مفاجأة ضابط المخابرات المصرى عندما وجد بين يديه مفكرة تضم أخطر أسرار إسرائيل والموساد ومكتوبة بخط يد بن جوريون نفسه، وهكذا توصلت مصر إلى حقائق ومعلومات خطيرة كثيرة من تلك التى كانت تدور فى كواليس وأروقة مجلس الوزراء الإسرائيلى والموساد والقوات العسكرية الإسرائيلية.

        كانت الساعة قد جاوزت الثامنة مساء فى الثامن والعشرين من مارس عام 1961 وفى الثامنة ودقيقتين تحديدا خرج رجل من شقته فى 67 شرع برانديس فى تل أبيب وهو يزر أزرار معطفه وبيده حقيبة جلدية تضم مجموعة ضخمة من الأوراق. أسرع الرجل الذى كان يسير وحيدا تقريبا فى الشارع الخالى وأخذ يتلفت حوله كمن يريد التأكد من أن أحدا لا يراقبه واستدار نحو شارع جانبى ثم دخل كابينة هاتف من هواتف الشوارع وكانت لا تبعد عن منزله أكثر من ثلاثمائة متر وتوقف يلتقط أنفاسه اللاهثة ثم تلفت حوله مرة أخرى وعندما اطمأن أنه غير مراقب انطلق متجها إلى شارع منخفض قليلا نحو مقهى صغير يقبع فى إحدى زوايا الشارع.
        طلب الزبون زجاجة خمر وأخذها وانزوى فى ركن بعيد من المقهى ليتحاشى أضواء الشارع الشديدة ووضع الحقيبة التى كانت بيده جانبا ثم اشعل سيجارة وأخذ ينظر بقلق لساعته يتابع الوقت بين دقيقة وأخرى.
        بعد خمس دقائق أخرى دخل المقهى رجل آخر وكان يرتدى بدلة سوداء وقبعة ذات حافة عريضة وأشار بيده نحو الجالس فى زاوية المقهى ثم اقترب منه وجلس على المقعد المواجه له.. وبعد لحظات جلس الرجلان صامتين تناول الضيف الحقيبة ومضى خارجا وكأن شيئا لم يحدث.. وبعد دقائق قليلة نهض الرجل ذو المعطف ودفع الحساب وخرج صامتا كأنه ميت بعث لتوه إلى الحياة!.

        عندما ظهر فى الشارع أخذ يتفحصه مرة أخرى ثم مضى فى طريقه ولكن كانت يداه خاويتين هذه المرة.. وبعد أن صعد الدرج متجها إلى شقته اتجه إلى مكتبته العامرة بالكتب بكل اللغات وجلس وكأنه ينتظر شيئا ما.. لعله كان ينتظر هاتفا أو زائرا!!.

        فى حوالى الساعة الثانية عشرة وقفت سيارة أمام البناية رقم 67 وصعد الرجل الذى تسلم الحقيبة إلى شقة لم يكن بابها موصدا وترك السيارة تعمل، وعندما دخل لم يمكث طويلا حيث وضع حقيبة الأوراق التى كانت بحوزته.
        فى هذه اللحظة دق هاتف منزل أيسر هارئيل الذى كان قريبا من الهاتف ويتوقع مكالمة فى هذا التوقيت رغم بدء مراسم عيد الفصح.
        قال المتحدث على الجانب الآخر.. التقى صاحبنا برجل المخابرات الروسى للمرة الثانية هذه الليلة وسلمه حقيبة الأوراق ثم افترقا، وبعد ساعات عاد إليه فى بيته وهو الآن بالداخل معه..
        هل أنت متأكد من العنوان والشخص؟.
        نعم أنا الآن بالضبط أمام 67 شارع برانديس، نعم هذا هو محل إقامة بيير.
        طلب أيسر من محدثه استخراج أمر من النيابة بتفتيش شقة إسرائيل بيير ثم أغلق السماعة ليطلب بن جوريون مرة أخرى.. لم تستغرق المحادثة أكثر من عشر دقائق وفى نهاية المكالمة قال السير ل بن جوريون سألقى القبض اليوم على إسرائيل، رد بن جوريون عليه وهو شبه مصدوم؟
        قم بواجبك!!

        عندما هم ضيف بيير بالانصراف بعد أن أدى مهمته دخلت ريناتا من الخارج بينما كان الضيف قد تجاوز المنطقة ما بين غرفة مكتب بيير والباب الخارجى حيث تبادلت النظرات مع ضيفه وأومأت إليه بتحية سريعة وبعدها ألقت نفسها بين ذراعى صديقها وسألته فى براءة من هذا يا بيير؟.
        أجاب إجابة مقتضبة وسريعة توحى بأنه لا يريد الدخول فى تفاصيل ما دار بينه وبين صديقه..
        أدركت ريناتا أن بيير ليس فى حالة طبيعية فلم تشأ أن تواصل أسئلتها لكنها لاحظت أن هناك كومة كبيرة من الأوراق والمستندات إضافة إلى الحقيبة التى أحضرها الزائر منذ قليل.

        وبعد حوالى ساعة كان بيير قد أكمل رحلة السُكر اليومية وبدأ يترنح حيث ساعدته ريناتا حتى وصل إلى السرير وتركته على الفور لتبدأ مهمتها حيث استطاعت تصوير أفلام خبأتها على الفور وتظاهرات بالنوم بجواره وعند الساعة الرابعة فجرا أفاق بيير لما سمع صوت اصطدام شديد فهب مذعورا ليجد عشرة عناصر من الموساد داخل شقته وقد خلعوا باب الشقة بضرباتهم وأصبحوا فى لحظات داخل غرفة نومه.
        كان كل شيء فى مكانه الأوراق والحقيبة التى تركها ضيفه فى زيارته الثانية ولم يزد على الشقة شيئا سوى وجود ريناتا فى غرفة نومه.

        تحدث كبير القوة التى هاجمت شقة بيير وقال له: أنت معتقل الآن ولدينا تعليمات بتفتيش الشقة.
        عقدت الصدمة لسان بيير الذى تجمد فى موضعه ولم يقل أكثر من نفس العبارة التى قالها منذ قليل بن جوريون لأيسر.. قم بواجبك..!
        فتح الضباط ورجال الموساد الحقيبة التى كانت تضم عددا من الوثائق السرية جدا ومن ضمنها وثيقة لقائمة مفصلة لمصانع الأسلحة الكبرى فى إسرائيل والأخطر من هذا كانت مفكرة بن جوريون ضمن المستندات والأوراق التى عثروا عليها بشقة إسرائيل بيير منذ أن استعارها المحلل الكبير من صديقه رئيس الوزراء لتساعده فى كتابة عدد من المقالات ومؤلف خاص عن فلسفة بن جوريون فى الحكم وقيادة إسرائيل..!

        تم القبض على إسرائيل وصديقته ريناتا التى وجهت إليها التهمة نفسها، ولكنها دافعت عن نفسها بأنها لا تعلم عنه أكثر من كونه موظفا كبيرا بوزارة الدفاع وأنها كانت مجرد صديقة لا علاقة لها بأعماله الأخرى كما برأها إسرائيل نفسه وبالتالى خرجت بعد أيام قليلة من السجن لتطير إلى باريس وتسلم الأفلام التى صورتها فى تلك الليلة للمصرية الباريسية التى سلمتها لشقيقتها المضيفة التى سلمتها بدورها للمخابرات المصرية. وظل الموساد زمنا طويلا لا يعلم أن المرأة التى قبض عليها مع إسرائيل كانت عميلة للمخابرات المصرية وأنها حصلت على كل الوثائق والمستندات التى حصل عليها السوفييت عن طريق إسرائيل بيير.

        تعليق


        • #5
          هنا قصة خرجت بالدراما

          مسلسل كتبة د/نبيل فاروق ومثلة مصطفى شعبان

          لكن الحقيقة دائما لاتستطيع الاقلام كتابتها

          الصفعه الرابعه
          الاسم الحقيقي : عمرو طلبه
          الرمز الكودي : 1001
          الاسم المستعار : موشي زكى رافئ
          تاريخ بدا العملية تقريبا : 1969
          تاريخ استشهاد البطل : 1973

          اخر ماتم الافراج عنه من ملفات المخابرات العامة المصرية
          *مهدي الي ارواح كل من بذل قطرة دم في سبيل رفعة هذه الامه وهذا الوطن من المحيط الي الخليج
          *القصة التالية تؤرخ لاحداث عملية حقيقية خلف خطوط العدو الاسرائيلي استمرت حتي ظهر العاشرمن رمضان الموافق تمام الثالثة وخمس عشرة دقيقة بعد ظهر السادس من اكتوبر لعام 1973
          *جميع الاسماء الواردة هنا تم تعديلها حفاظا علي سرية البعض وعلي مشاعر البعض الاخر لكن جميع الاحداث والاماكن والتواريخ والوقائع صحيحة تماما
          الجزء الاول:

          صناعة عميل
          في صباح يوم بارد ممطر من ايام شتوية يناير 68 داخل مبني عتيق في حدائق القبة بة بجوار القصر الجمهوري تماما وفي قاعة خافتة الاضاءة تحملق ثلاثة رجال يرتدون ملابس مدنية غارقين في سحب من دخان السجائر من نوع شعبي منتشر وتناثرت حولهم اقداح قهوة فارغة ولفافة طعام لم تمس غارقين بين ملفات خضراء يتصفحونها بدقة واهتمام

          المكان هو ادارة متابعة الجالية اليهودية في مصر والرجال الثلاثة ماهم الا الضابطين المسؤلين عن هذه الادارة واحد قادة الجهاز

          الهدف:انتخاب شخص من الجالية اليهودية في سن المراهقة وعلي اعتاب الشباب(من 17 الي 19 سنة) كي يكون عينا لمصر في عمق الجيش الاسرائيلي

          قبل اسبوع واحد فقط من هذا الموقف كان ضابط العمليات المعروف داخل جنبات الجهاز باسم صقر يتقدم بتؤدة نحو غرفة رئيسه المباشر مقدما اقتراحا جنونيا من اربعة صفحات فحسب يقتضي ضرورة زرع عميل مصري في قلب الجيش الاسرائيلي بدأ من اصغر رتبة ممكنه وان يكون هذا العميل يهودي صميم يمتلك هوية يهودية وتاريخا يهوديا مسبقا

          كان ضربا من الجنون ان يتقدم ضابط مخضرم بمثل هذا الاقتراح بعد الاجتياح الاسرائيلي لكامل مساحة شبه جزيرة سيناء قبل سبعة اشهر فحسب

          وبعد ان اصبحت الجالية اليهودية في مصر محط انظار الجميع مصريين وجهات دولية بعدما اصبحو منبوذين داخل مصر وفر نصفهم الي اسرائيل عبر الصليب الاحمر بدعوي الاضطهاد وتيبقي حفنه منهم يعانون الارق والخوف

          سلم صقر اقتراحه الي السيد زاهر رئيسه المباشر عالما انه لن يعلم ماسوف يتم بشأنه الا انه كان واثقا من انه سيتم دراسه اقتراحه بالتفصيل ووضع الحل له

          بمجرد مغادرته لمكتب السيد زاهر نفض عن رأسه تماما كل شيء عن التقرير وانصرف الي قسم الاستماع منتظرا موعد الرسالة الجديده من عميله العتيد في تل ابيب 313

          ومنذ ميلاد الاقتراح حتي انتهت العمليه لم يعلم السيد صقر ابدا مالذي حدث بخصوصه

          لكن السيد فؤاد احد قادة الجهاز ادخل تعديلا بسيطا الا وهو ان من المستحيل ان تجد يهوديا واحدا ولائه لمصر مهما كان لان الطبع هو الغدر

          ولذلك فالحل هو عميل مصري يتم منحه اسما وهويه يهودية بالكامل وتخليق تاريخ عائلي له

          في الاحوال الطبيعية ان تصنع شخصية مثل هذه امر علي قدر من الصعوبه لكن ليس مستحيلا

          اما ان تكون هذه الشخصية بعمر بين 17 الي 19 عاما فقط فهو الجنون بعينه لان التدريبات وحدها تستغرق 3 سنوات علي الاقل قبل الوصول الي المرحلة المرضية التي يمكن ان يخترق بها العميل الوسط المعادي مع خبرة كافية حتي لايتم اكتشافه

          رغم ذلك عكف قسم متابعة الجالية اليهودية علي فرز ملفات افراد هذه الجالية

          حتي وقعت مفاجئة مذهلة

          صورة صغيرة لشاب يهودي من اصل مغربي والصورة له في سن ال16 عام

          نظر لها السيد فؤاد بدهشة شديده قبل ان يطلب من زميليه انهاء البحث والتركيز علي هذا الشاب بالذات

          فهو شخصيا يعرف مواطنا مصريا حتي النخاع ويكاد ان يكون الاخ التؤأم لهذا اليهودي من ناحية الشكل

          ونشطت التحريات عن تاريخ هذا الشاب لمدة اسبوع كامل ليل نهار

          صموئيل بن نون

          الابن الاكبر لتاجر ملابس متجول يهودي يسكن حارة اليهود بالسكاكيني
          عائة يهودية من اصل مغربي يعود الي الجد استقرت في القاهرة في اوائل القرن وهي عائلة شبه معدمة

          هو الابن الاكبر وله اخت واحده صغيرة

          كان يتنقل مع والده بين قري ونجوع لبيع تجارتهم البخسة من الاقمشة الرديئة ومالي ذلك بالاجل

          اختفي ذات يوم قبل عامين وقيل هربا من ظروف النشأة القاسية او تمردا علي نظرة الاحتقار في عيون الناس له كيهودي

          وقضي والده بعده باقل من شهر

          ولم يمضي شهور حتي احترقت الام الكفيفة وابنتها في دارهم نتيجه لمبة جاز صغيرة احرقتهما

          ظروف مثالية لتخليق شهادة نسب لعميل

          بقي الاهم

          اين صموئيل بن نون؟

          عثرت عليه فرق البحث يحتضر في مستشفي الصدر بالعباسية واخبرهم الطبيب المعالج انه لن يتبقي له اكثر من يومين فقط

          كان هذين اليومين كافيين تماما لمعرفة اين اختفي طوال عامين وكيف هرب للاسكندرية ليعمل علي فلوكة صغيرة صيادا ومعاونا مع الريس عبد الله طامعا ان يتمكن يوما في الفرار الي اليونان

          ثم مرض بالصدر وبدا ينزف دما ولم يعد من الممكن الاستمرار في توظيفه فمنحه اريس عبد الله مبلغا صغير من المال جعله يقرر العوده للموت وسط اهله

          لكنه لم يعلم ابدا مااصابهم فقط اغشي عليه في القطار ونقل الي المستشفي ومنها الي مستشفي الصدر حيث مات

          وتم دفنه بسرعه وعلي عجل بمعرفة المخابرات المصريه باسم وهوية مختلفين ولم يعلم بوفاته سوي افراد مكتب متابعه الجالية اليهودية

          الجزء الثاني:
          الشبيه
          لماذا هذا الشخص فقط من لفت انظار السيد فؤاد؟

          من هو العميل الذي يمكن زرعه محله وعمره لايتجاوز ال18 عاما ويكون متطابقا في الشكل معه؟

          هلي يقدر لهذه العملية النجاح في هذا الوقت الحرج حيث لاوقت للتدريب او التمويه او الاعداد؟

          هل عنصر لايتجاوز الثامنة عشرة يمكنه ان يتدبر امره بالكامل خلف خطوط العدو حتي يصل الي موقع حساس في قيادة الجيش الاسرائيلي بدون ان يشتبه به احد؟

          كل هذه التساؤلات دارت في ذهن رئيس التخطيط والعمليات وهو يقطع الردهة الطويلة ويخرج من الباب الخارجي ويدلف سيارته تحت امطار هذا اليوم ويسير بها في شوارع القاهرة الحزينه متجها الي منزله

          في نفس اللحظة في داخل منزل السيد فؤاد ترفع زوجته السيدة رئيفة اطباق الغداء من امام زوجها السيد فؤاد وابنه الكبير عمرو بمعونة من خطيبته نجلاء عن المائدة.

          عمرو الطالب في اعدادي هندسة المليء بالطموح المتفجر بالعزم والوطني حتي النخاع البطل الرياضي المتفوق وخطيبته وجارته في نفس الوقت نجلاء طالبة الاداب

          بعد نهايه الغداء قال طلب الاب من ابنه توصيل خطيبته حتي منزلها والعودة لمحادثته علي انفراد لأمر هام

          فابتسم الابن ملبيا طلب والده ووعدة بسرعة العودة

          وبينما اغلق عمرو غرفة المكتب وراءه جيدا نظر الي ابيه السيد فؤاد بتساؤل

          السيد فؤاد:بتحب مصر ياعمرو؟
          عمرو:مين مبيحبش مصر يابابا!!!
          السيد فؤاد:تتمني تخدمها؟
          عمر
          و:بروحي يابابا
          السيد فؤاد:مهما كانت التضحيات؟
          عمرو:مهما كانت التضحيات
          ايه الموضوع بابا انت قلقتني







          الجزء الثاني

          السيد فؤاد: ممكن مكونش اتكلمت معاك قبل كده عن طبيعة شغلي الدقيقة

          السرية هي اساس عالمنا وبدونها كل شيء ينهار

          انا باسم مصر هكلفك بمهمة

          بس هتكون صعبة ياعمرو

          هتتخلي عن كل حاجه

          هتنسي كل لحظة في حياتك وتندمج في حياة جديده وتعيشها بكل جوارحك

          هطلب منك تقلب كل حاجه في حياتك وتتخلي عن كل حلم حلمته في يوم عشان بلدك

          تقدر ياعمرو؟

          عمرو::بابا ...انت ربيتني علي حب ديني وبلدي

          علمتني ان التضحية عشانها شرف لايناله الا من يدفع مهره مهما كان

          لما ييجي اليوم الي مصر تطلب فيه ابن من ابنائها عشان يكون طوبه في جدار حريتها وسور امنها ويجبن مهما كانت التضحيات ميستحقش انو يكون مصري

          السيد فؤأد: هتتخلي عن كل حاجه ياعمرو
          هتنسي اهلك وهتنسي انك مصري وانك مسلم

          هتنسي ان ليك اب وام علي قيد الحياة
          هتنسي نجلاء وهتنسي دراستك وهتنسي العربي

          موش هتصلي وموش هتصوم

          هتكون مطالب تشيل السلاح في وش ولاد بلدك وتستحمل انها تتشتم قدامك وتضحك

          هتكون مطالب ان كل الحقيقة اللي جواك متخرجش ابدا علي وشك

          هتعتبر عمرو نصار مات واندفن فعليا من يوم بداية مهمتك

          مات وموش هيرجع تاني ياعمرو

          (يالله.... هلي يمكن ان تصل التضحية الي هذا الحد بانسان ؟)

          عمرو: ايا كانت المهمه دي وايا كانت التضحية... موش ده عشان مصر يابابا؟

          (لست ادري وانا اقرأ هذا الجزء لماذا تذكرت سيدنا ابراهيم وهو يقول لولده الاثير اسماعيل اني رايت في المنام اني اذبحك فيرد اسماعيل برباطة جأش:نفذ ماامرت به ابتي وستجدني ان شاء الله من الصابرين!!!)


          --------------------------------------------------------------------------------



          صبيحة اليوم التالي في اجتماع مغلق ضم ثمانية اشخاص منهم السيد فؤاد والسيد زاهر

          السيد زاهر بدهشة وعدم تصديق:ابنك يافؤاد!!!!

          السيد فؤاد:كل شيء في سبيل مصر يهون وهو اولا واخيرا مصري

          انقضي الاجتماع علي الانتقال الي الخطوات التنفيذية مباشرة
          رغم كل مايتعارض مع اساس عملهم ورغم القاعدة التي تقول :لاتقع في حب العميل
          وكيف يمنع السيد فؤاد نفسه من حب ابنه الوحيد!!!!!

          كان لابد من اخفاء عمرو فؤاد عن الحياة تماما واجراء جراحة تجميله بسيطة لتعديل حاجز انفه وتضييق عيناه الواسعتين قليلا ليتحول الي صورة طبق الاصل من صموئيل بن نون

          لاداعي لتعليمه العبرية لان صموئيل بن نون لم يكن يتحدثها اصلا لكن لابد من تدريب مكثف وعشرات الساعات مع خبراء الجانب الاخر لاعادة رسم وتكوين الشخصية الهادئة الصموت لصموئيل بن نون مكان شخصية عمرو فؤاد الحقيقية

          كل هذا تحت طائلة النجاح او الفشل

          كل هذا قبل ان يتم زرعه فعليا في المجتمع اليهودي مره اخري

          بعد هذا بأقٌل من اسبوع وقع حادث عنيف في منطقة مصر الجديدة عندما اصطدم لوري نقل جنود عسكري بسيارة مصرية صغيرة شائعة الانتشار وادي الي احتراقهما كليا وتحويل من كان في السيارة الصغيرة الي فحم محترق

          كانت هذه السيارة هي السيارة التي اهداها السيد فؤاد لابنه الوحيد عمرو لتفوقه في دراسته

          واعلن رسميا وفاة المواطن عمرو فؤاد عن عمر ثمانية عشر عاما متأثر بالحروق التي اصابته في الحادث

          انهارت الام المسكينه والخطيبة المكلومة

          وارتسم الحزن علي وجه الاب الذي كان يعلم ان الحادث ملفق وان الذي احترق في السيارة هو مجرد حثة لمتوف مجهول الهوية مات قبل ايام

          وصدر نعي الشاب المتفوق في اليوم التالي مجللا بالسواد لينعاه كل من عرفوه من اصدقاء وزملاء في كليته وحيه

          واستمر العزاء ثلاثة ايام وسط الام الجميع

          واكثرهم الما الاب الذي كتب الله عليه ان يكون ابنه ميتا وحيا في ان

          كل هذا يدور بينما عمرو يرقد داخل احدي قاعات الافاقة لعمليات مابعد الجراحه في مستشفي وادي النيل في زمن كانت الجراحات التجميلية فيه ضربا من خيال

          كان يعلم انه وصل الي نقطة اللاعودة
          كان يعلم انه من الان لن يعود عمرو نصار بل هو صموئيل بن نون اليهودي مغربي الاصل مصري الجنسية

          كان قد قضي ايام الاسبوع المنصرم بالكامل مع فريق من خبراء الجانب الاخر الذين عملو علي تأهيله ليصبح صموئيل بن نون

          والان هذه هي الخطوة الاخيرة
          لقد اصبح يمتلك وجه صموئيل بن نون
          لقد اصبح هو صموئيل بن نون..........







          تحركت سيارة سوداء صغيرة بلوحات سيارة اجرة صبيحة احد الايام تنهب الطريق نهبا بعد صلاة الفجر بقليل باتجاه اخر نقطة شوهد فيها صموئيل بن نون

          محطة سكك حديد مصر

          داخل السيارة وفي هذه الرحلة القصيرة التي لاتستغرق اكثر من عشرة دقائق جلس قائد السيارة السيد زاهر وفي المقعد الخلفي جلس عمرو فؤاد يرتدي ملابس صموئيل بن نون والي جواره حقيبة قديمة بها ماتبقي من متعلقات صموئيل

          قال السيد زاهر:صموئيل .. دقائق ومهمتك تبدأ .. انا هنزلك في اخر مكان صموئيل اتشاف فيه

          هتتقمص شخصية صموئيل تماما..هتخرج من محطة القطار وتتجه الي منزل صموئيل وتدور علي اهلك

          وخلال الفتره القادمة كل الاجراءات والتصرفات الي هتتخذها في مصر هتكون بدون ادني معونه منا

          بدون ادني اتصال بينا

          وممكن تصادف عراقيل ومتنتظرش مننا اننا نتدخل لان في يوم من الايام اللي هيتحري عن ماضيك هيعرف كل ده

          كل ده عشان العمه روز ياصموئيل
          (مصطلع العمة روز مصطلح حقيقي كانت المخابرات لمصرية تستخدمه كاسم كودي لمصر مع عملائها في فترة من الفترات)

          تراقصت ابتسامه سرعان ماتلاشت علي شفتي عمرو ورد قائلا بصوت اختلط فيه الحزن بالتحدي:عشان العمه روز ياسيد زاهر

          توقفت السيارة في ركن مظلم من باب الحديد في توقيت متزامن تماما مع وصول القطار القادم من الاسكندرية وقفز منها عمرو بسرعه فيما تمتم السيد زاهر بصوت خافت:ربنا معاك ياعمرو

          اندمج عمرو مع افواج الناس الخارجين من الباب الامامي للمحطة متدثرا بمعطفه الاسود القديم من البرد القارص الذي صاحبته الامطار صبيحه ذلك اليوم

          وبدأ المشي من امام محطة سكك حديد مصر وحتي حارة اليهود بالسكاكسني كما كان يفعل صموئي دوما

          وصباح ذلك اليوم استيقظ الجيران علي صوت الطرقات علي الباب الحديدي للمنزل العتيق الذي كان يسكنه صموئيل مع اسرته

          فتحت الجارة العجوز الباب تفرك عيناها بدهشة قائلة:صموئيل..انت كنت فين يابني بقالك سنين..اهلك داخو يدورو عليك

          رد صموئيل:هم اهلي فين ياام فوزي؟

          ردت ام فوزي بارتباك:اهلك؟اهلك ياضنايا تعيش انت

          اتقن عمرو تمثيل دوره عندما صرخ بانهيار:ايه!!!!!!!!!!ماتو ازاي ؟ازاي ماتو وسابوني ياام فوزي

          احتضنته العجوز الطيبة وهو يبكي منهارا بعدما اجتمع الجيران الطيبون حوله يواسونه فيما قال احدهم :يابني ابوك مات وهو بيدور عليك بعد مااختفيت انت بشهور وامك وراشيل مكملوش ياضنايا بعد ابوك بكام شهر

          اتقن عمرو دور الانهيار واغمي عليه وحمله الاهالي الي منزل الجارة العجوز ام فوزي يحاولون افاقته والتخفيف عنه

          (لم يمنع كون صموئيل الجار المصري اليهودي جارته العجوز ام فوزي ان تعاونه رغم ان ابنها مجند علي خط النار في جبهة القتال يحارب الاسرائيليين اليهود ايضا)

          في الايام التالية اتقفن عمرو اللعبة تماما وغاص حتي النخاع في كونه صموئيل بن نون عندما استأجر ببطاقته الشخصية غرفة في بنسيون قديم متهالك تمتلكه سيدة يونانية في شارع كلوت بك وبدأ في النضال للحصول علي ماتبقي من اوراق ومستندات تثبت شخصيته وفي زياره الحاخام المسؤول عن المعبد الهودي في شارع احمد سعيد للصلاة علي ارواح اهلة

          وناضل نضالا مريرا في قسم شرطة الوايلي كي يحصل علي بقايا متعلقات اهله التي تم تحريزها والتحفظ عليها بعد وفاتهم جميعا والتي لم تخرج عن بضع صور قديمة وساعة جيب تعود لابوه وسلستين ذهبيتين وشهادتي ميلاده هو واخته وبطاقة والده الشخصية

          واستخرج نسخه من شهادة مؤهله الدراسي

          كما تم اعتقاله تحفظيا لمدة 12 يوما في قسم الشرطة ذاته وسط المجرمين واللصوص

          وتم رفضه في العمل في كل جهة تقدم لها لانه يهودي وبدأ المال القليل الذي كان بحوزته في النفاذ

          كل هذا بدون ادني تدخل او مساعدة من مشرفي العملية وان كان الامر يقتضي مراقبته من بعيد

          حتي قام احد مسؤلي الامم المتحدة بزيارته في قسم شرطة الوايلي اثناء اعتقاله تحفظيا والحصول علي بياناته في اطار حصر بقايا اليهود المتواجدين في مصر خاصة بعدما شنت اسرائيل حملة شعواء تدعي فيها ان مصر تعتقل اليهود المصريين كلهم وتسيء معاملتهم لانهم يهود

          كان هذا مقدمة كي تقوم الوكالة اليهودية متخفية في زي الامم المتحدة بتدبير الامور لتهريبه خارج مصر كلاجيء سياسي بعدما اشيع ان مصر تنتوي اعتقاله لاجل غير محدد لانها تشتبه في قيامه بتهريب العديد من اليهود الي اليونان اثناء فتره عمله علي مركب الريس عبد الله العام المنصرم

          عندما بدأ شهر مارس يحل بالدفء علي ربوع مصر كانت كل اجراءات تسفير صموئيل بن نون الذي حاربت الوكالة اليهودية من اجله حربا مريره هو و 8 اخرين من اليهود المصريين لاخراجه من مصر قد تكللت بالنجاح وتمكنت الوكالة اليهودية من تدبير تأشيرات سفر الي الارجنتين معقل عمليات الموساد في امريكا اللاتينية خلال ايام

          عندها بدأ صموئيل بن نون او عمرو فؤاد في المجاهرة علنا بالعداء لمصر وبدأ في الحديث انه سيعود الي القاهرة مره اخري لكن مع جيش اسرئيل



          صباح احد ايام منتصف مارس تحركت طائرة شارتر صغيرة تحمل شعار ايراليتاليا علي مدرج مطار القاهرة تحمل عددا من الدبلوماسيين في الامم المتحدة واعضاء الصليب الاحمر الدولي وتسعه يهود سلمو قبل دقائق وثائق جنسيتهم المصرية وغادرو ارض مصر

          التمعت نظرة الحزن في عيني صموئيل وهو يري ارض مصر والطائرة تبتعد عنها

          قد لايكون احدنا كان الي جواره في هذه اللحظة الا انني اكاد اجزم انه تمني لو تحطمت الطائرة علي الارض حتي يموت علي ارض مصر

          هبطت الطائرة في بيونس ايرزلمدة 48 ساعة جري خلالها نقلهم الي فندق بسيط قبل ان تصل طائرة اخري تابعة للعال لتقلهم مع عدد من مندوبي سفارة الكيان الصهيوني الي تل ابيب


          صموئيل كان اصغرهم

          المفترض انه لايتحدث الا العربية وقليل من الانجليزية(علي عكس عمرو الذي كان يجيد الانجليزية بطلاقة مع الفرنسية بحكم دراسته في كوليدج دي لاسال ويجيد القليل من الروسية بحكم الفترة التي قضاها مع والدة في وقت من الاوقات في موسكو)

          كانت الوكالة اليهودية تعمل في نشاط محموم لااعادة نقل اليهود في الخارج الي ارض الميعاد كما تشير دعاياتهم المتناثرة وقتئذ في شوارع اوروبا وكانت اعادة صموئيل ومن معه رغم انهم قله الا انها ضربة كبري فهم يهود مصريون يمكن اعادة استخدامهم اعلاميا وحتي عسكريا

          فهم اولا كانو مصريين

          (قد يتذكر البعض حاييم مرزوق -الكولونيل الاسرائيلي فيما بعد- الذي كان احد قادة معسكر اعتقال اسرائيلي والذي كان صديقا صدوقا لعدد من المثقفين المصريين فترة وجوده في مصر )

          كما ان التاريخ الزائف الذي صنعته المخابرات المصرية باتقان لنسب بطولة صموئيل بن نون علي صغر سنه انه كان يقوم بتهريب اليهود واموالهم الي المياه الدولية والي بعض الجزر اليونانية اثناء عمله علي مراكب صيد الريس عبد الله قد ابلت بلاء حسنا حيث عومل صموئيل كبطل اعلامي وقتئذ في وسط العائدين مما حدا بأحد قادة حزب الماباي الاسرائيلي واحد رؤساء الوكالة اليهودية وقتئذ الي تبنيه ماليا (كجزء من الدعاية الانتخابية ايضا التي كانت تصفياتها الاولية علي الابواب) وبدفع خاص من احد كبار اعضاء حزب الماباي وقتئذ وهو المحترم جاك بيتون رجل الاعمال والصناعه الاسرائيلي الشهير(رافت الهجان فيما بعد)والذي يعتبر الي اليوم الاسرائيلي الوحيد الذي رفض رئاسة الحكومة الاسرائيلية (معلومة واقعية فقد كان رأفت الهجان مرشحا بقوة لرئاسة حزب الماباي الذي كن يسيطر علي الحكومة الائتلافية الاسرائيلة في وقت من الاوقات وكان رئيس الحزب هو رئيس الحكومة الا ان رافت الهجان رفض المنصب في اللحظة الاخيرة لاعتبارات لاتزال طي الكتمان)


          اصبح صموئيل بن نون رسميا سكرتيرا للسياسي الشهير الذي تبناه فكريا وقام بدفعه لتعلم اللغة العبريية مع دراسته بالانتساب الي كلية الاداب في احد الجامعات ااسرائيلة

          وقام بتوفير عمل له في احد مكتباته التي يمتلكها مع راتب وسكن ملائمين

          كانت هذه هي البداية الحقيقية لانتقال صموئيل بن نون الي الحياة في اسرائيل وكان هذا في منتصف عام 1968

          كان الشاب الهاديء الصموت مجتهد التحصيل في دراسته للغة العبرية ولتحصيلة في كليته الي جانب الكتب التي يقرأها في عمله في فرع دار النشر الشهيرة حيث انه ينتمي الي اليهود الشرقيين (السفردييم) الذين حتمت ظروفهم عدم تعلم اللغة العبرية

          ولم يحدث اي نوع من انواع الاتصال او حتي محاولة الاتصال بين المخابرات المصرية وبينه فيما عدا كارت تهنئة رقيق ارسله الي روما الي العمة روز والتي كان لايمل من الحديث عنها باعتبارها اخر من تبقي من اقرباءه علي وجه الارض

          وكان الكارت بمناسبه عيد الكابالا اليهودي مع عبارة ارجو لك الصحة الوفيرة والعمر المديد

          ابنك صموئيل

          وهي رسالة شفرية بسيطة تشير الي انه قد استقر اخيرا وان العنوان علي الظرف هو عنوان مراسلاته المأمون في اسرائيل

          وظلت حياته رتيبة مستمرة علي نفس المنوال حتي ظهيرة احد ايام شهر نوفمبر الباردة عام 1968



          هذه هي قصة زرع الجاسوس عمرو طلبة الذي كانت له ولعمليته اثر كبير علي نفوس جميع العامليين بجهازالمخابرات العامة المصرية حيث استطاع بعد ذلك ان يتطوع رغم ارادته في الظاهر في الجيش الاسرائيلي ونتيجة شجاعته وفتوته الشبابية جعلوه يكون في صفوف الجيش في حصون خط بارليف وهناك استطاع التحرك بحرية فيما بين الخطوط والقلاع الحصينة والدوريات العسكرية ليرسم كل ذلك بدقة متناهية للمخابرات المصرية وهنا نجد ان تدريب عمرو طلبة في الكلية الحربية المصرية وبعض اقسام المخابرات ليتعلم تخصصات تفيده استطاع بذلك ان يثبت جدارة وتفوق واثناء عمله في اهم الاماكن التي كان يعدها الجيش الاسرائيلي من اقوي الاماكن سرية وتحصين ولايعلم بها احد كان والده فؤاد طلبة ضابط المخابرات حزينا في مصر لان ابنه اضاع مستقبله وهنا كانت المخابرات في صف والده بجعله متخرجا من الكلية الحربية برتبة ملازم اول وكل ذلك سرا وتم اعلامه بذلك حتي يسعد ويطمئن ان مستقبله لم يضع وظل عمرو في عمله نشيطا وقويا من اكفاء الجواسيس في اسرائيل كلها في هذه الفترة وحتي حرب اكتوبر المجيدة التي استبسل في الاخبار عن كل معلومة تقع في يده حتي يوم 9 اكتوبر الذي استلم فيه من القيادة العسكرية للمخابرات الحربية امرا بالعودة والانسحاب من موقعه الذي تقريبا اصبح تحت السيطرة المصرية ولكنه رفض واصر علي اكمال مهامه ولكن تحت الاصرار قبل ان يقف في النقطة المتفق عليها لمقابلة طائرة هيليكوبتر مصرية من المخابرات العسكرية لالتقاطه والرجوع به الا انه في انتظار الهليكوبتر فتح جهاز الراديو بغير حرص وهنا استمر في الارسال لكافة المعلومات العسكرية الهامة التي كانت لديه ومنها معرفة شفرات الارسال اللاسلكي العسكري لاغلب فروع القيادات البرية الاسرائيلية العسكرية وقد حقق ذلك عظيم الفائدة لمعركة الدبابات الباسلة التي بدات بعد وفاته شهيدا من طلقات مدفعية خاطئة من الجانب المصري الذي اعتقد انه يمهد نيرانيا لهيلكوبتر هامة من القيادة لمهمة سرية لايعلمها وكانت هذه البطارية غير معلمة بوقف اطلاق النار المؤقت حتي انقاذ الظابط عمرو الذي رقي شهيدا الي رتبة رائد وقد تم انتشال جثمانه والعودة به الي مصر

          وبفضله انتصرت مصر في معركة الدبابات ومعارك مشاه عديدة نتيجة معلوماته العسكرية القيمة .

          هذه هي قصة البطل الجاسوس الفذ عمرو فؤاد طلبة

          ولعل أفضل ختام لهذه الملحمه البطوليه الرائعه هو ما جاء على لسان ضابط المخابرات المصري : ماهر عبد الحميد " رحمه الله " والذى روى هذه العمليه :

          " ولقد حملناه عائدين دون أن نزرف عليه دمعه واحده فقد نال شرفا لم نحظى به بعد ".

          لاولا ان شرف الشهادة يستحقة ما اعطاة الله لة ابدا

          فهو نام مغمض العينين مطمئن البال بين فكى ثعلب حقير يغدر بمن حولة

          ومات بيد اخ!!!
          لينال الشهادة ان شاء الله تعالى

          تعليق


          • #6
            طبعا لن انوة انى ناقل (لانى مش ظابط مخابرات طبعا)


            ادى استراحة قبل كتابة الباقى
            لسة عندى كتتتتيييييررررررر

            رحم الله شهدائنا
            وجازا كل من عمل الحق والخير وسهر يحرس امة الاسلام وهم نيام

            تعليق


            • #7
              راااااائع حفظ الله أرض الكنانة

              تعليق


              • #8
                موضوع شيق جداً وحقائق تغيب عن معظم الناس
                أكمل بارك الله فيك
                "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ"

                تعليق


                • #9
                  كانت مفاجأة ضابط المخابرات المصرى عندما وجد بين يديه مفكرة تضم أخطر أسرار إسرائيل والموساد ومكتوبة بخط يد بن جوريون نفسه، وهكذا توصلت مصر إلى حقائق ومعلومات خطيرة كثيرة من تلك التى كانت تدور فى كواليس وأروقة مجلس الوزراء الإسرائيلى والموساد والقوات العسكرية الإسرائيلية.
                  وبفضله انتصرت مصر في معركة الدبابات ومعارك مشاه عديدة نتيجة معلوماته العسكرية القيمة
                  .
                  دى العمة روز أخي عبد الله

                  جزاك الله خيرا

                  تعليق


                  • #10
                    الصفعه الخامسه


                    خطة الخداع الاستراتيجي الكامله لحرب اكتوبر

                    الزمان الاول من يونيو عام 1971
                    المكان كوبري القبه جهاز المخابرات العامه المصريه
                    الحدث
                    زيارة الرئيس المصري انور السادات الى الجهاز
                    الهدف
                    امر بتنفيذ وتهية الوضع للحرب
                    الخطه
                    اولا
                    معدات العبور
                    السؤال كيف نستطيع ان نحضر معدات العبور الى الجبهه دون علم العدو
                    الجواب
                    استيراد ضعف الكميه
                    وتركها في مينا اسكندريه ملقاه ليومين كاملين بالقرب من عربات شركة اساسات تقوم بنقل مهمات وبعد يومين تنقلها عربات الجيش الى ضاحية حلوان وتغطيتها بشباك التمويه
                    الاسلوب
                    عربات الجيش تنقل الكميه الزائده فقط في حين نقلت عربات شركة المقاولات الكميه الازمه للعبور بالفعل
                    ثانيا
                    المعدات الناقصه كيف تورد
                    امثال زخيرة المدفعيه انواع معينه من سلاح ار بي جي
                    قنابل معينه للطائرات صواريخ الارض ارض سكود دي
                    صواريخ القاذفات التي يوم 16
                    الجواب
                    بالنسبه للمدفعيه
                    تم اخدها من الجيش الجزائري اثنا مناوره بين مصر والجزائر عقدت هنا
                    فكان التوريد للجزائر وتركتها الجزائر بتعاون خاص مع مصر
                    صواريخ سكود دي
                    تم نقلها من روسيا بتعاون خاص مع الكي جي بي وبدون علم اصقم السفن بما تحويه مخازنهم غير انها بعض المهمات الاداريه المدنيه
                    قنابل الطائرات وتم تصنيع القنبلهىالفسفوريه محليا في مصانع القوات المسلحه وبتعتيم خاص على المشروع من قبل جهاز المخابرات الحربيه والامن الحربي المصري
                    ثالثا
                    المستشفيات
                    كيف نخلي المستشفيات قبل الحرب لاستيعاب جرحى الموجه الاولى
                    الجواب
                    بدا بتسريح ضابط طبيب من الخدمه واعادته لحيته المدنيه ولانه كفء فقد اكتشف ان المستشفى ملوث بميكروب التيتانوث
                    فما كان منه الا الابلاغ اللذي تم الكشف على المستشفى ليكتشف الجميع تلوث معظم العنابر بالميكروب
                    وتخرج الصحف المصريه التي تحب الفضائح بتتلك المعلومه ثم تساءولات عن اذا تم تلوث مستشفيات اخرى
                    فتم الكشف على كل المستشفيات لتاتي النتائج بان هناك 12 مستشفى ملوثه
                    وجدير بالذكر ان التقارير كانت كلها من صنع جهاز المخابرات العامه المصريه
                    رابعا
                    الاضائه ومصابيح اليد الكهربيه
                    مع المعارك وانتشار الاظلام الاجباري كان يجب تواجد مصابيح يد وكان السؤال كيف نوفر تللك المصابيح
                    فلو علم العدو نيتنا او استوردناها على نحورسمي فسيكشف العدو هدفنا
                    وكان الجواب
                    التقى احد المهربين بشاب اعرابي على درايه تامه بطرق الصحرا وتم تهريب كميه من قطع غيار السيارات واتفقوا على تهريب شحنه ضخمه من المصابيح اليدويه وعلى الرغم من الحرص الرهيب بينهم فقد كشفت الشرطه العمليه وقامت بمصادرة الشحنه ولكن الشاب تمكن من الهرب في ظروف غ\امضه بينما تم القبض على المهرب وجدير عن الذكر ان هذا الشاب لم يكن سوى احد رجال المخابرات العامه
                    خامسا
                    المواد التموينيه
                    كم ستقضي مخزوناتنا من الموادةالتموينيه في حالة دخول حرب طويله
                    وكان الجواب بدراسة كل المواد التموينيه على نحو كامل وباسلوب معلن لم يجعل العدو بيشك في نوايانا ابدا
                    سادسا
                    الدبابات
                    كيف نقلنا الدبابات الى الجبهه بدون علم العدو
                    الجواب
                    نقل الورش الرئيسيه للاصلاح الى خلف الخطوط الاماميه لتعبر قوافل الدبابات علنا وكانها ذاهببه للورشه
                    مع اختيار اوقات عبور اقوال اخرى في غير ميعاد نمرور القمر الصناعي فوق المناطقث التي تمر منها الدبابات

                    وعليه فهذه مجموعه من الخداع التي وهبت النصر لمصر
                    وتللك كانت اضخم واقوى خطه في تاريخ المخابرات المصريه من اول انشا الجهاز الى زمن حرب اكتوبر

                    تعليق


                    • #11
                      راااااائع حفظ الله أرض الكنانة
                      ان شاء الله محفوظة من كل سوء

                      موضوع شيق جداً وحقائق تغيب عن معظم الناس
                      أكمل بارك الله فيك
                      وبارك فيكم اخى سعد

                      دى العمة روز أخي عبد الله

                      جزاك الله خيرا
                      وجزاكم يا اسد الجهاد

                      تعليق


                      • #12
                        الصفعه السادسه

                        الشوان يروي محطات اختراقه للموساد، مقابلة مع عبد الناصر أرخت لبدء العملية
                        لا ينافس قصة (رأفت الهجان) الشهيرة الذي زرعته المخابرات المصرية في قلب (اسرائيل) سوى قصة (جمعة الشوان) وهو عميل آخر وليس أخيرا تم تجنيده كعميل مزدوج اخترق جهاز المخابرات الاسرائيلي ومرح في جسده كيفما حلا له او حلا للمخابرات المصرية آنذاك, في تلك الفترة الناصعة من تاريخ الامة العربية في ذروة الصراع العربي الاسرائيلي .



                        جمعة الشوان او احمد الهوان, والثاني اسمه الحقيقي, ابن السويس الطيب يحكي للاجيال الجديدة محطات من اختراقه لجهاز المخابرات الاسرائيلية, حيث يكشف ان نشاطه كان بمعرفة ومباركة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. يكشف كذلك في حكايته المثيرة كيف وضع الموساد في طريقه 111 من اجمل الفتيات على اطباق حمراء لاغوائه وذلك قبل ان يغدق عليه الاموال طيلة عشر سنوات قضاها في اوروبا لكن رغم كل الاغراءات عجز الموساد عن شراء وطنية احد ابناء هذا الوطن الطيب الممتد من المحيط الى الخليج الذي اختار بدلا من الخيانة الطريق الاصعب وهو تضليل عملاء الموساد وايقاعهم في حبائل المخابرات المصرية شارعا في رسم ملامح ملحمته الوطنية الخاصة. في شقته بوسط القاهرة التي كانت غرفة عمليات لأقوى عملية تجسس مزدوج لصالح مصر.. كان اللقاء مع الشوان. بادرناه بالسؤال عن كيفية قيام المخابرات العامة المصرية بالكشف عن شخصيته بعد خداع عشر سنوات للموساد الاسرائيلي.. وكيف كان رد فعلهم؟ فأجاب: وكأنه مبرمجا.. بل لنتحدث عن البداية. يعتدل الهوان وكأنه يستعد للقيام بمهمة.. وتتغير ملامحه فيبدو مزهوا: البداية كانت هناك في السويس. بلد الشهداء والشجعان. نشأت في اسرة مكونة من سبعة ابناء واب وام كان ترتيبي الخامس بين اخواتي ومع انني لست الكبير.. الا انني تحملت مسئولية رعاية الاسرة مع ابي وانا في الرابعة عشرة وبعد حصولي على الشهادة الاساسية.. وفي فترة قصيرة اصبحت من الافراد الهامين في مجال اعمال الميناء والبحر, وعرفني الاجانب واختلطت بهم حتى تعلمت عدة لغات في سنوات قليلة, واطلق علي السوايسة في الميناء: الشاطر.. وكنت صاحب ومدير شركة سياحية ولم اكمل بعد عامي التاسع عشر. وبعد قرارات التأميم التي شملت شركتي تم تعييني رئيسا لقسم الاشغال براتب كبير في ذلك الوقت هو 48,75 جنيها مصريا. يتابع هذا الكلام هام جدا لمعرفة الخلفية التاريخية لقصة التجسس التي لا أتردد في وصفها برحلة الموت. المهم, لم اطق العمل الحكومي ورحت اجتهد حتى استطعت ان انظم عدة رحلات ترفيهية لاطقم السفن التي كانت ترسو على ميناء السويس, ومدها بالمواد التموينية.. ولكن الشركة فتحت فرعا في بور توفيق وعينوني مديرا لادارته. وحتى لا نطيل, فلنقفز الى يونيو 1967 وهذه الحرب الشرسة التي حولت السويس الى مدينة اشباح بسبب الغارات التي دمرت كل شيء واخذت في طريقها اللانش الذي بنيته بعرقي ودمي, ولم تترك سيارتي وبيتي. واصبحت لا املك شيئا, وكان التهجير, هذا اللفظ الذي مازال يرعبني ويتعسني حتى اليوم.. وفي القاهرة راحت الايام تقذف بي, وانا الهث وراء لقمة العيش دون جدوى.. وفي احدى الليالي وانا جالس محطم محبط تذكرت مبلغا من المال كنت ادين به لصاحب شركة البحر الاحمر في اليونان كنت قد امددته بقيمته مواد تموينية لاحدى سفنه, وكان مبلغا كبيرا 2000 جنيه استرليني. ويعيد الهوان الجملة بطريقة اخرى 2000 جنيه استرليني لدى الخواجه (باماجاكوس) في اليونان.. تستحق السفر.. فقد كان هذا المبلغ في ذلك الوقت ـ في عام 1968 ـ يساوي ثروة كبيرة يمكن ان يبدأ بها الانسان مشروعا ليس صغيرا. يلتقط الهوان انفاسه ويرشف قليلا من الماء ويستمر في الحديث: سافرت الى اليونان مع صديق لي.. ولم نكن نملك سوى 22 دولارا لكل منا 11 دولارا وهذا كل ما كان يسمح به للمصريين المسافرين للخارج وحين وصلنا اليونان وسألنا عن باماجاكوس كانت الصدمة.. انه ليس بالبلاد, ولكنه سيأتي بعد اسبوعين دارت بنا الدنيا, فما نملكه من مال لا يكفي (عيش حاف). وكنا نقيم في فندق متواضع. ولكنه التهم كل ما نملك في اقل من اسبوع وبعده سرنا نستدين من الفندق حتى يأتي الفرج ومعه (باماجاكوس) وكدنا نساق للشرطة التي هددتنا ادارة الفندق بها, وذهبنا هائمين على وجوهنا نبحث عن فتات العيش في القمامة, واذا بأحد الافراد يسألنا عن كوكايين, ووجدت الفرصة, فاشتريت اسبرينا وفلفلا ابيض وطحنتهما واعطيته هذا المسحوق الذي اشتراه بستمئة جنيه كانت كفيلة بأن ترد ديننا ونأكل منها حتى عودة الخواجة باماجاكوس, وبعد الاسبوعين جاء الخواجة الذي لطمني بقوله انه لا يملك المال لأنه تعرض لهزة كبيرة. فقد غرقت احدى سفينتيه, والاحوال ليست على ما يرام, ووعدني بأن يرد لي بعض الدين مع ضمان العمل على السفينة, ولم يكن امامي سوى الاستجابة ويستطرد الهوان: ما باليد حيلة..: وللأسف لم يوافق على الحاق صديقي بنفس العمل بل الحقه بعمل آخر.. وافترقنا ولم اره حتى اليوم.
                        نا كانت بداية الرحلة.. والتجنيد؟!

                        - فعلا .... انطلقت السفينة حتى وصلنا الى بريستون في اول رحلة من اليونان وانا في العمل. واصدقك القول انني كنت سعيدا جدا لأنني طالما حلمت بالسفر الى اوروبا بلاد الاجانب الذين كنت اقابلهم كثيرا.. تعرفت على شاب يوناني على السفينة يدعى ديموس اصطحبني لشوارع بريستون بعدما رفض القبطان اعطائي اية نقود (لأنني حديث) على السفينة. فاعطاني ديموس عشرة جنيهات استرليني مقابل قيامي بالترجمة له اثناء حديثه مع الاجانب فلم يكن يعرف سوى اليونانية؛ وذهبنا الى احد البارات.. وجلسنا واذا بشاب اسمر يرمقني بطريقة ملفته.. لدرجة انني اعتقدت انني ربما اشبه احد معارفه, وقبل ان ابادره بالسؤال سألني عن اسمي في محاولة للتعارف فتعرفت عليه واعطيته بطاقة هوية مكتوبا عليها اسمي وعملي كمدير شركة ابوسنبل السياحية, فأبدى الشاب مزيدا من الاهتمام وسألني ولكن ماذا تفعل هنا, فقلت له بقليل من الحرج: حال الدنيا فانا عامل على احدى السفن اليونانية, فاستنكر الشاب هذا وعرض علي وظيفة بـ الف جنيه استرليني مع الاقامة والطعام باحدى الشركات وودعني على امل اللقاء في اليوم التالي. يقول الهوان: لم اذق طعم النوم في هذه الليلة ورحت انسج من خيالي قصصا.. اذ ان مبلغا كبيرا كهذا كفيل بأن يعيد اليّ كل ما فقدت من ثروة ومركز. وفي الصباح الباكر اسرعت الى ديموس ليصحبني الى نفس البار لنلتقي بالشاب الاسمر الذي لم يأت رحت انتظر ساعة وراء ساعة دون جدوى.. واثناء شرودي واحباطي اذا بالجرسون يقدم لنا كأسين من الويسكي واشار بيده الى فتاتين تجلسان على المائده المجاورة.. احداهما ذات جمال, لا يوصف لم اره من قبل, ولكنني قرأت عنه فقط.. قرأت عن الحوريات وهي قطعا منهن.. ابتسمت لي واشارت بكأسها ولكنني لم اكن اشرب الخمر, ولم اكن في حالة نفسية على ما يرام كما انني لم اكن املك سوى عشرة جنيهات استرليني لا تكفي لشيء, وحين لمحت (الفتاتان عدم شربي الويسكي انتقلتا للانضمام لمائدتي ومعي ديموس, قالت الاولى انا (جوجو) وصديقتي (ماري) وسألتني لماذا لا تشرب هذه دعوة.. فقلت لها ولكنني لا املك ما ادعوك عليه.. فاطلقت ماري ضحكة عالية وقالت هذه جوجو ابنة اشهر رجل اعمال ومليونير في مانشستر, وانا امتلك اربعة محلات سوبر ماركت.. قلت لها بحمية الشرقيين ولكنني لابد ان اقدم لكما الشراب.. فتدخلت (جوجو) بخفة تخلب العقول لنخرج من هذا المكان.. ولكن قبل ذلك لننزل الى الدور الاسفل. ذهبت معها انا وديموس.. واذا بي ارى الشاب الاسمر الذي تجاهلني تماما.. ورأيته يعطي جوجو حقنة مخدرات.. فاقتربت منه وسألته, ولكنه اسرف في تجاهله لي.. مما اشعرني بدهشة وغيظ في نفس الوقت.. وفي هذه الاثناء جذبتني جوجو من يدي بعدما وضعت في جيبي كمية من النقود لم اتبين عددها, وقالت بضحكة عالية: حتى لا تغضب, يلتقط الهوان انفاسه ويقول اذا حكيت الاحداث التي مرت بنا وجوجو منذ هذا اللقاء لا تكفي الدفاتر ولكن باختصار.. تطورت العلاقة بيننا وصارت قوية جدا لدرجة انها عرضت عليّ الزواج.. بل حددت موعدا للقاء مع والدها في مانشستر, واحضرت لي حقيبتين مليئتين بأفخر الملابس منها بدلة انيقة تليق بلقاء مليونير وعلمتني اصول البروتوكول في مثل هذه المناسبات. لم تستغرق مقابلتي لأبيها اكثر من نصف ساعة كانت الخلاصة انه موافق من حيث المبدأ على الزواج شريطة ان تقيم معه في فيلته وان اعمل باحدى شركاته براتب شهري الف جنيه استرليني.. فكان عليّ ان اقول انني متزوج ولدي ابنة وابن فقال ومن قال لك انك ستتركهم, سوف ترسل لهم نقودا وكل ما يحتاجون اليه.. يضحك الهوان بسخرية قائلا: كم كان كريما!! ويكمل حديثه: ثم سألني والد جوجو عن اتجاه السفينة التي اعمل عليها قلت له الى روسيا ولكنه قال: بل الى كوبنهاجن, وكم اندهشت حين اتجهت السفينة فعلا الى كوبنهاجن. وهناك وجدت جوجو تنتظرني على رصيف الميناء, واخذتني لنقضي الوقت معا حتى ابحار السفينة, وفي كل رحلة كانت تكرر الحكاية تماما, كل ميناء اصل اليه اجدها في انتظاري ونقضي اليوم معا. حتى وصلنا في احدى المرات الى ميناء بلفاست بأيرلندا الشمالية وكانت مشتعلة بالحرب الاهلية ومحظور التجول في شوارعها. فلم ابرح السفينة وشوقي الى جوجو يكاد يقتلني فاهتديت الى الاتصال بها تلفونيا. واذا بصوت يأتيني قائلا: انا شقيقة جوجو.. لقد ذهبت الى امريكا للزواج (يتلون وجه الهوان وكأنه يسترجع الحوادث وردود افعالها ايضا ومشاعره) ويقول بصوت هادئ: لقد دارت الدنيا بي فلم ابال بالبرد القارس وقفت على ظهر السفينة كالمجنون لماذا خدعتني. لماذا كان ابوها متجاوبا واعطاني هذا الامل الكبير.. ولم اشعر بنفسي الا وقد اصابتني الحمى.. حمى البرد والحزن.. ولم افق من غيبوبتي إلا بحقنة الطبيب.. وصوت جوجو وصورتها أمامي بشحمها ولحمها, وقالت معتذرة: هذه السيدة ليست شقيقتي بل صديقة وقد أخطأت, ولكنني لم أصدقها إلا حين صممت على مغادرتنا السفينة والذهاب رأسا لعقد قراننا.. صدقتها وقمت من فراشي سعيداً وقضينا اليوم معاً.. ثم اعادتني إلى السفينة وقالت لي: سوف تتجه السفينة إلى بلجيكا وهناك سنلتقي على الرصيف وإذا لم تجدني سنلتقي في اليوم التالي في هذا البار وأعطتني بطاقة بالاسم والعنوان. .. يبلل الهوان ريقه بقليل من الماء ليستكمل الحديث: شعرت في ذلك الوقت أنه لابد من الارتباط بجوجو التي أحببتها جداً ولم أستطع الاستغناء عنها وكان قراري الذي عقدت العزم عليه هو الزواج والاقامة معها بمانشيستر كما قال والدها.. وصلت السفينة إلى بلجيكا؛ ولكنني لم أجد (جوجو) على الرصيف كما عودتني دائماً وتذكرت اننا سنلتقي في اليوم التالي في البار... بحثت عن البطاقة المكتوب عليها العنوان.. رفعتها بحنان ورفق ووضعتها تحت الوسادة.. وفي الصباح الباكر ذهبت إلى هناك ورغم أن الموعد كان عصراً.. رحت استحلف الساعة أن تمر.. وتسكعت في الشوارع حتى جاء الموعد.. طرت إلى البار ابحث عن جوجو كطفل يبحث عن أمه.. وكانت الصدمة حين لم اجدها.. ومرت الساعات وأنا أكاد افقد عقلي.. ولأول مرة اطلب خمراً لأشرب لعلني أنسى هذا الشعور المميت بالاحباط والتعاسة والحزن, وفي هذه الاثناء إذا بالمقعد يهتز بسبب اصطدام, أحد الشباب به والذي راح يعتذر لي مسرفاً في أدبه.. فاندهشت لأن ما حدث لا يستحق كل هذا الاعتذار.. ولكنه بادرني بالقول وبطريقة فيها من الود ما زاد من دهشتي: أنا وصديقي راهنا عليك.. صديقي قال أنك من باكستان.. قلت له تخسرا انتما الاثنين فأنا من مصر... فضحك وقال اذن أنت الرابح فهيا لتأخذ ماربحت فسألته على أي شيء كان الرهان, قال: على سهره حمراء. يتابع الهوان: أعرف أن في الحديث بعض الاحراج, ولكنه أسلوب الموساد في اصطياد فرائسه: ـ المال والنساء بمعنى أدق, وأنا شاب وقتذاك في الثالثة والعشرين.. ويستطرد الهوان: لا أحد يصدق أن ما قدمه لي الموساد من نساء طوال سنوات عملي معهم وصل إلى 111 فتاة كانت جوجو أقلهن جمالاً

                        وهل ذهبت معهم؟


                        ـ طبعاً بعدما تعارفنا حيث قال لي: أنا جاك وصديقي أبراهام واعطيتهما نفس البطاقة التي أحملها بأسمى ووظيفتي كمدير لشركة أبي سنبل السياحية. وتحدثت معهما عن ظروفي وكيف وصل بي الحال لعامل على إحدى السفن اليونانية, فبادرني جاك بعرض لم يخطر على بال أحد حيث قال لي: أبي يمتلك شركة للحديد والصلب وأنا مديرها العام.. فما رأيك بوظيفة في هذه الشركة براتب خمسة آلاف جنيه استرليني شهرياً.؟ يضحك الهوان قائلا: كان هذا العرض طبعاً كفيلا بأن يجعلني أقع مغشياً علي, وأن ينسيني جوجو وما حدث منها, واتفقنا على اللقاء في اليوم التالي للاتفاق على التفاصيل ووضع الاتفاق في الصيغة النهائية وكيفية التخلص من العمل على السفينة والحصول على جواز سفري للالتحاق بالعمل الجديد. وفي اليوم التالي وجدتهما على الرصيف الذي ترسو عليه السفينة فاستضفتهما, وأثناء انشغالي بغسل أكواب القهوة لمحت ابراهام يضع يده في جيب البالطو الخاص بي.. تجاهلت الموقف وكأنني لم ألحظ شيئاً ومضيت في استضافتهما, ثم دعيانني على العشاء في أشهر مطعم.. وهناك أصر على جلوسي في مكان على المائدة في مواجهة فتاة جميلة جداً.. أخذت هذه الفتاة تغازلني بشكل جريء.. ولكن حيائي منعني من النظر إليها, ويضحك الهوان قائلاً: لكن (أزاي) فقد كانت في مواجهتي تماماً... وهنا تدخل جاك وسألني فاشرت إلى الفتاة, فأشار علي أن ادعوها للانضمام إلينا, وفعلا قمت لأدعوها, وانضمت إلينا, وفي أثناء انشغالي بها إذا بجاك يبشرني بموافقة الشركة على انضمامي للعمل بها شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة بي مثل مستندات شركة السياحة... ولكنني أجبته موضحاً أن الحرب أتت على كل شيء ولولا هذا ما كنت هنا أصلاً.. وقلت له: كل ما أملك هو جواز سفري وليس معي بل مع القبطان, فقال جاك يمكن أن يضمنني لدى الشركة ولكن بشرط أن أكتب أسماء وعناوين وتلفونات أقاربي, وبعد ذلك أفتعل مشاجرة على ظهر السفينة حتى تتدخل الشرطة ويتم فصلي واستلم جواز السفر.. ثم يتم تدخل جاك وأبراهام لاستلامي من الشرطة.. يقول الهوان موضحاً: هكذا كانت خطتهم التي رسماها ونحن نتناول العشاء.. وبعد الانتهاء من العشاء أشار على أبراهام اصطحاب الفتاة التي تعرفت عليها ـ وكانت تدعى راشيل ـ وذلك لقضاء الليلة في أحد الفنادق الكبرى وقد تم حجز جناح لي وطلب مني أن أكتب أسماء وعناوين أهم الشخصيات من الأقارب والمعارف وأتركها مع راشيل.. * أتدخل بالسؤال: وهنا ألم تلحظ أن هناك شيئاً غريباً؟ ـ ويستكمل قائلاً: طبعاً الضوء الأحمر بدأ يضيء داخلي وبدأت الشكوك والاستفسارات العديدة تقفز إلى ذهني: ما هي علاقة الضمانات بأسماء وكبار الشخصيات من الأهل؟ وما علاقة جوجو بهذا المكان الذي أعطتني عنوانه والتقيت فيه بأبراهام وجاك؟ ولماذا حاول ابراهام أن يتسلل بيده في جيب البالطو الخاص بي؟ وما قصة هذا العمل والعرض المغري المفاجئ؟ وأخيراً لماذا طلبوا مني أن اترك الأسماء مع راشيل وهي التي من المفروض ان تعرفنا عليها بالصدفة. * كيف تصرفت وما رد فعلك؟ ـ جلست على منضدة صغيرة وبدأت في كتابة أسماء حقيقية عن عائلتي ومعارفي وتعمدت كتابة أسماء بعض العسكريين من بينهم لواء يشغل مركزاً مرموقاً بإحدى محطات الصواريخ المصرية وتركت الورقة مع راشيل وعدت إلى السفينة وأنا على يقين من أنني وقعت فريسة لإحدى دوائر التجسس أو أجهزة المخابرات وطبعا لم أكن أعرف ولم أسمع عن شيء اسمه (الموساد) ولكن كل هذه الأحداث وأسماء ابراهام وجاك تشير إلى أنهم يهود..

                        ألم يكن أمامك فرصة للهرب؟

                        ـ إلى أين أهرب والغربة صعبة.. ثم أن جواز سفري مع القبطان ولابد حتى أعود لبلدي أن أحصل على الجواز, ولم يكن أمامي إلا تنفيذ ما اتفقت عليه مع ابراهام وجاك, وصعدت إلى ظهر السفينة وافتعلت خلافاً مع أحد أفراد الطاقم وضربته ضرباً مبرحا, ولكن القبطان الذي كان يحبني لم يستدع الشرطة, ولم تفلح الحيلة, فسألت القبطان مباشرة أن يسلمني جواز سفري لأتمكن من مغادرة السفينة. ولكن أجابني بأن السفينة ستتجه إلى النرويج وهناك سيكون البديل ويمكن أن تتسلم جواز سفرك.. هكذا قال لي القبطان, وذهبت محبطاً لاحكي لأبراهام وجاك. فقال ابراهام ان السفينة ستتجه إلى الدنمارك.. وهنا بدأت ش******************** تتحول إلى يقين عندما رست السفينة في أحد موانئ الدنمارك. وهناك نزلت إلى رصيف الميناء لأجد ابراهام يستقبلني بحرارة, وأخبرته أن القبطان قال لي أن البديل لم يتوفر فأخرج ابراهام من جيبه خطابا عليه طابع مصري بخاتم مصري ومكتوبا عليه اسم الراسل (أم الهوان) يقول الهوان: أدركت الخدعة وأخذت الخطاب وذهبت إلى القبطان منهاراً وقلت له أمي بين الحياة والموت ولابد أن أسافر لأراها... ويستدرك الهوان قائلاً: أمام هذه الحالة الانسانية وافق القبطان على تسليمي جواز سفري والسماح لي بمغادرة السفينة. وما أن امسكت بالجواز حتى طرت إلى ابراهام, وفي إحدى السيارات قريباً من الميناء جلسنا وهنأني على تسلمي جواز سفري وفوجئت به يخرج من جيبه لفة نقود. قلت له.. ما هذا.. قال خمسة الاف استرليني راتب شهر مقدماً.. وطلب مني أن أستقل القطار من كيلي إلى بريمن.. وهناك ـ الكلام لابراهام ـ ستجد في مواجهة محطة القطار فندق كولومبس وجناحاً محجوزاً باسم مسيو عبدالرحمن.. انتظرني هناك... ويمضي الهوان في كلامه قائلا: ودعني ابراهام وخرجت ابحث عن سيارة أجرة تصحبني لمحطة القطار فوجدت سائق تاكسي يقف أمامي ويسألني عن وجهتي فقلت إلى محطة القطار فعاد وسألني إلى أين ستسافر قلت له إلى بريمن فقال ماذا لو أوصلتك مقابل مائة دولار, وكنت أعرف أن تذكرة القطار قيمتها 120 دولارا فوافقت, وفي الطريق راح يدعوني على مشروبات ومأكولات بأكثر من مائة دولار.. ولم يكن هناك أدنى شك أن هذا السائق تابع لأبراهام. ويمضي الهوان في سرد الأحداث وصلت الفندق وسألت عن الجناح المحجوز لي باسم مسيو عبدالرحمن, فاصطحبني عامل الفندق إلى جناحي وإذا بي لا أجد أي أثاث وقبل ان أبدي دهشتي وجدت العامل يمسك بريموت كنترول ويقوم باخراج الاثاث من الحائط.. ويقول الهوان: رغم انبهاري الشديد إلا أن التوتر كان مسيطرا على كل حواسي من هذا المجهول الذي ينتظرني.. وعدم تمكني من الفكاك مما وقعت فيه.. ويكمل الهوان: في اليوم التالي استيقظت على طرق ابراهام وجاك على باب غرفتي ومعهما العامل يحمل ما لذ وطاب من طعام.. فاستقبلتهما بشعور غريب جداً ولكنني حاولت جاهدا أن أكون طبيعياً.. ورحنا نتناول الافطار ولم أستطع منع نفسي من الشرود.. الذي قطعه جاك بقوله بالعربية الركيكة: (عشان يبقى فيه عيش وملح) رغما عني لم أستطع التجاوب معه بل ذهبت بفكري الى السويس حيث القتلى والخراب والدمار ووجدتني اقول في نفسي عيش وملح معكم يا سفاحين! كيف ومرة اخرى يقطع شرودي ابراهام الذي بادرني بالقول: لابد أنك تفتقد الاسرة وهنا افقت وخشية ان يقرأ احدهما افكاري.. قلت له متصنعا الاسى: فعلا وحشوني قوي فهذه اول مرة ابعد عنهم.. فتدخل جاك قائلا: سوف تراهم يا هوان, وقبل ان ابدي دهشتي او اتساءل كيف اكمل قائلا: انت تعرف اننا نمتلك شركة للحديد والصلب ونرغب في افتتاح فرع لها في مصر.. وستتولى انت ادارته, نريدك ان تفتح مكتبا في ارقى شوارع القاهرة بطاقم سكرتارية يجيد اللغات.. كما تعلم فان الراتب الشهري خمسة الاف استرليني ومصاريف للمكتب ألف استرليني للعام كله..

                        * وكيف استقبلت هذا العرض؟

                        ـ كنت انتظر منهما الافصاح عن حقيقتهما, ولكن الذي حدث انهما لهم يعطياني فرصة لمجرد التعليق اذ راحا يتكلمان بشكل متواصل كل واحد يلتقط من الاخر الكلمة ويكمل.. فبعدما تحدث جاك عن مكتب القاهرة.. تدخل ابراهام قائلا هناك العديد من السفن المحتجزة في البحيرات سيتم بيعها في مزاد علني عالمي.. نريد كل شيء عن هذه السفن, الاطوال والاحجام, وما تقوم بشحنه. وكل التفاصيل الخاصة بها.. لاننا ننوي الدخول في المزاد وشراءها, والتقط جاك الكلمة مشيرا الى حقيبة وقال: في هذه الحقيبة (185) الف دولار مصاريف فتح المكتب وتأثيثه, كما اشار الى حقيبتين كبيرتين قائلا: وهذه الحقائب بها ملابس وهدايا لزوجتك وابنائك, واختتم جاك كلامه قائلا: هل أنت مستعد للقيام بأول مهمة فمسألة السفن هامة جدا.. اجبته متظاهرا بالزهو والسعادة: يا عزيزي بالتليفون تكون كل التفاصيل لدي منطقة القناة كلها تحت امري. * يصمت الهوان برهة مسترجعا تلك الاحداث, فابادره بالسؤال: هل تحاول التذكر!؟ ـ يطلق الهوان ضحكة كلها مرارة ويقول: كيف انسى؟! ان هذه الاحداث التي مر عليها اكثر من ثلاثين عاما لم تتركني لحظة, بل لم انس منها اي تفصيلة وكأنها حدثت بالامس.. ويعتدل الهوان في جلسته ويسترسل مستكملا ما حدث قائلا: لقد تركاني ـ يقصد ابراهام وجاك ـ يومين لانعم باجازة اقضيها في مرح وسهر.. ولكنني لم انعم حتى بنوم هادئ لدقائق فقد بات كل شيء واضحا وضوح الشمس. في اليوم الثالث حضر ابراهام وجاك واوصلاني للمطار وقالا لي سنراك في فرانكفورت حيث ترانزيت الطائرة.. وفعلا وصلت الطائرة لمطار فرانكفورت وهناك تقابلت معهما ليبديا مزيدا من التأكيد والاهتمام على مهمتي

                        ويستدرك الهوان قائلا: لقد كانت رحلتي من فرانكفورت الى القاهرة من اسرع ما يمكن فقد شرد ذهني وراحت تتراقص امامي العديد من الاحداث متشابكة معقدة بداية من السويس وايام الرغد قبل الحرب, ثم هذه الحرب المدمرة وهؤلاء الصهاينة المتوحشون الذين اتوا على كل اخضر ويابس وقتلهم الاطفال والنساء قبل الرجال.. وفي غمرة تفكيري وشرودي سمعت المضيفة تعلن عن وصول الطائرة لمطار القاهرة وتطلب ربط الاحزمة.. ولم أكن اصلا فككت هذا الحزام منذ ركوب الطائرة. نزلت من الطائرة مسرعا.. وفي الدائرة الجمركية تم تفتيشي وتفتيش حقائبي.. والغريب انهم لم يجدوا الـ (185) الف دولار فقد قام ابراهام باخفائها بطريقة جهنمية. استقليت (تاكسي) من المطار واسرعت لاولادي وزوجتي الذين جمدتهم المفاجأة السعيدة بقدومي دون اخبارهم مسبقا.. وفي اليوم التالي زرت ابي وامي في الصعيد حيث استقروا فيه بعد التهجير, وكنت اشعر بالعبء الثقيل الذي احمله على صدري, ورحت افكر كيف اتخلص من هذا العبء الجاثم فوق قلبي ويشل تفكيري حتى اهتديت الى الاجابة: لابد من الذهاب الى الزعيم الاب فحتما هناك سأجد الراحة والامان والسكينة ـ وقبل ان اسأله عمن يقصد.. قال: جمال عبد الناصر طبعا.. ولكن المشكلة الكبرى كانت.. كيف اصل؟! وقضيت ليلة مؤرقة, لم يغمض لي جفن.. افكر في السبيل الى الرئيس.. حتى اهتديت الى فكرة ربما افلحت, وهي الذهاب الى مبنى المباحث العامة وفي الصباح الباكر اخذت الحقيبة ذات الـ (185) الف دولار وذهبت الى احد المقاهي وسألت عن مكان المباحث العامة وعرفت انها بوسط المدينة وهناك على البوابة سألت عن رئيس المباحث العامة.. وبالطبع لم يكن الوصول اليه سهلا.. بل استغرق ساعات حتى سمحوا لي بمقابلته, وهناك سألني ماذا تريد؟ قلت له اريد مقابلة الرئيس جمال عبدالناصر فضحك ساخرا وامطرني سبابا ولماذا؟ فتمالكت نفسي وقلت له لدي معلومات تهم البلد اريد ان ابلغها لسيادته شخصيا. فقال الضابط الكبير وهل الرئيس متفرغ لامثالك.. قل لنا ماهي هذه المعلومات وسوف نتصرف فأصريت على موقفي.. فما كان من رئىس المباحث الا ان سلمني لمرؤوسيه ليقوموا بالواجب معي.. ويضحك الهوان بأسى قائلا: وامضيت معهم ثلاثة ايام في ضيافتهم.. ولم انطق سوى بكلمتين: اريد مقابلة الرئيس.. حتى أعياهم ألحاحي واصراري فاتصلوا بمكتب الرئيس وكان رئيسه وقتذاك سامي شرف, فطلب منهم ارسالي للرئاسة, فذهبت في حراسة من المباحث ومعي الحقيبة التي لم يكتشف احد ما فيها, وهناك سألني سامي شرف عن سبب طلبي الملح في مقابلة الريس, فأجبته لقد حاولوا معي ثلاثة ايام بلياليها ولم اقل شيئا.. واذا حاولت سيادتك ثلاث سنوات لن أقول شيئاً الا امام الرئيس فذهب شرف للرئيس جمال عبدالناصر يستأذنه في مقابلتي.. وجاءني شرف ليقول باحترام تفضل يا سيد هوان.
                        أصعب المواقف التي واجهتك أثناء قيامك بتلك المهمة الصعبة؟


                        في عام 1968 سافرت إلى هولندا لمقابلة بعض رجال الموساد في بداية عملي معهم.. لم أكن أعلم أنهم سيضعونني في اختبار صعب للتأكد من ولائي لهم.. زعموا أنهم شاهدوني في مبنى المخابرات العامة المصرية في القاهرة وحبسوني في حجرة بأحد مزارع أمستردام وأحضروا 12 رجلا قوي البنيان قسموهم إلى ثلاث مجموعات كل مجموعة 4 أفراد وتناوبوا الاعتداء علي حتى أعترف بالحقيقة، كان يغمي علي من شدة الضرب وصمدت رغم شدة الألم بعدها تأكدوا من سلامة موقفي ونجحت في خداعهم..كما ان هناك موقفا لن أنساه عندما كنت واقفا على خط بارليف في الضفة الشرقية من قناة السويس التي كانت في هذا الوقت محتلة بقوات اسرائيلية وشاهدت بيتي ومكتبي في الضفة الغربية في مدينة السويس يقصف بالدبابات وذلك أثناء حرب الاستنزاف... حاولت تمالك نفسي وخشيت أن تسقط دمعة من عيني حزنا على الدمار الذي لحق ببلدي وبيتي فينكشف أمري أمام الإسرائيليين.. وقتها دعوت الله أن يلهمني الصبر والصمود فكان الله في عوني وبدلا من أن تتساقط الدموع من عيني فتفضحني.. سقطت من فمي وكان طعمها علقم فمسحتها وحمدت الله.


                        وأين كنت وقت معركة 6 أكتوبر؟


                        بعد نجاح القوات المصرية في عبور قناة السويس وتحرير التراب المصري وإلحاق الهزيمة بالجيش الإسرائيلي كنت وقتها في أجازة قصيرة بمصر وبعد العبور بثلاثة أيام وتحديدا يوم 9 أكتوبر 1973 وصلتني رسالة من الموساد تطلب مني الحضور فورا إلى البيت الكبير (تل أبيب) تملكني الخوف وشعرت بأن أمري انكشف وأنهم طلبوا حضوري للانتقام مني وقتلي هناك.. وبعد مشاورات مع رجال المخابرات المصرية وتدخل الرئيس الراحل أنور السادات الذي تولى وقتها رئاسة مصر خلفا للراحل جمال عبد الناصر وافقت على السفر إلى تل أبيب. سافرت إلي ايطاليا ومنها إلى تل أبيب.. استمرت الرحلة 12 ساعة وصلت بعدها إلى مطار بن جوريون بتل أبيب. وفور وصولي إلى تل أبيب تقابلت مع شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، وعايزرا وايتسمان، والياعاذر الذين أكدوا لي أن أمريكا لن تسكت على ما حدث وأن هناك ترتيبات أخرى سوف نعد لها سويا.. وقد تظاهرت أمامهم بالحزن العميق بسبب الهزيمة باعتباري إسرائيليا كما أبديت لهم حزني على ضياع منصب محافظ السويس الذي وعدوني به عندما يدخلون القاهرة منتصرين في الحرب.


                        اصطحبوني إلى داخل احدى قاعات العرض السينمائي وبواسطة شاشة عرض كبيرة شاهدت دبابات وطائرات ومدافع.. وتكرر هذا العرض عدة مرات أمامي حتى أحفظ شكل تلك الأسلحة حتى إذا ما عدت إلى مصر وشاهدت هذه الأسلحة هناك أبلغهم بها على الفور وبمكان تواجدها.. قاموا أيضا بتدريبي على جهاز إرسال خطير يعتبر أحدث جهاز إرسال في العالم يبعث بالرسالة خلال 5 ثوان فقط.. وحصلت على الجهاز بعد نجاحي في اختبارات أعدوها خصيصا لي قبل تسليمي الجهاز.. الذي تم إخفاؤه داخل فرشاة أحذية بعد وضع مادة من الورنيش عليها حتى تبدو الفرشاة وكأنها مستعملة.. وقام شيمون بيريز بمسح حذائي بتلك الفرشة عدة مرات إمعانا في الإخفاء.. وعدت إلى مصر بأخطر جهاز إرسال في العالم أطلقت عليه مصر ( البطة الثمينة).


                        وماذا كان رد فعل الاسرائيليين عندما اكتشفوا خداعك وبأنك تعمل لحساب المخابرات المصرية؟


                        - كانت أول رسالة ابعثها إلى إسرائيل بواسطة الجهاز الجديد هي "من المخابرات المصرية إلى رجال الموساد الإسرائيلي.. نشكركم علي تعاونكم معنا طيلة السنوات الماضية عن طريق رجلنا جمعة الشوان وإمدادنا بجهازكم الانذاري الخطير.. والى اللقاء في جولات أخرى".. علمت بعد ذلك بأمر انتحار 6 من أكفأ رجال الموساد الإسرائيلي فور اكتشاف أمري وهم الذين كانوا يتولون تدريبي طلية فترة عملي معهم.


                        ومتى اعتزلت الجاسوسية .. وما هي أسباب الاعتزال؟


                        اعتزلت في عام 1976 بعد إصابتي في قدمي في حادث عابر بطريق السويس ولم أعد أقوى على التحرك ففضلت الاعتزال وقد وافقت مصر على طلبي واعتزلت.


                        هذه قصه البطل المصرى (احمد الهوان) الشهير بجمعه الشوان .

                        كما فجر الشوان مفاجأة أخرى، عندما أكد أن ضابطة المخابرات الإسرائيلية جوجو التي تعرف عليها في اليونان واستطاع تجنيدها في المخابرات المصرية تقيم في مصر منذ عام 1973م، وأشهرت إسلامها واختارت فاطمة الزهراء ليكون أسمًا لها.
                        من جهة أخرى، تحدث الشوان بحزن عن الفنان عادل أمام الذي جسد شخصيته في مسلسل "دموع في عيون وقحة"، بعد أن قال إنه أهانه في أول مقابلة بينهما في عام 1988م، عندما قدم نفسه له، فما كان منه إلا أن ضحك بسخرية، قائلاً: "أنا اللي جمعة الشوان...أنا اللي عرفت الناس بيك....أنت لاشيء.. .أنا السبب في شهرتك"، فأخبرته أني قدمت عيني وقدمي للوطن، فماذا قدمت أنت؟.
                        وقال إنها كانت المرة الأولى والأخيرة التي قابل فيها عادل إمام، وأشار إلى أنه عرف منذ تلك اللحظة أن "المشخصاتي" لابد أن يضع له دور يظهر به أمام معجبيه. وفي ختام الحوار، قال الشوان إنه يقوم حاليًا بتدوين هذه الأسرار التي لم يفصح عنها من قبل لبيعها لإحدى القنوات الفضائية بعد أن رفضها التلفزيون المصري .

                        تعليق


                        • #13
                          الصفعه السابعه
                          اسمه سيظل دائماً بقائمة الخونة
                          رجب عبد المعطي . .
                          هل انتحر قبل إعدامه. .؟
                          جواسيس الاسكندرية . . حفلت بالكثيرين منهم ملفات المخابرات والجاسوسية . . وكانت ظاهرة لافتة ومحيرة ألقت ظلالاً من الدهشة حول تباين ظروف سقوطهم في مصيدة الموساد .. ويمثل كل جاسوس منهم حالة مختلفة عن الآخر. فبعضهم كان بمقدوره ألا يسقط .. ولكن النفوس الوضيعة والضعيفة .. والطمع، والنمو المبكر لبذور الخيانة، أمور معقدة لا ترتبط مباشرة بقيم أو مفاهيم أو شرف، فهناك مردودات أخرى وترسبات تتفاعل وتنسجم وتصنع في النهاية جاسوساً. . ويظل سؤالنا يتردد:
                          لماذا كثر جواسيس الإسكندرية؟
                          المضطهد المطارد
                          في الأول من أكتوبر 1937 .. امتلأ منزل الحاج عبد المعطي بلفيف من الأهل والأصدقاء جاءوا يباركون مقدم مولوده الأول "رجب". ولأن الحاج عبد المعطي تاجر مشهور في حي القباري بالاسكندرية فقد انهالت عليه الهدايا من حيث لا يدري. فالمولود جاء بعد انتظار طويل مليء بالقلق والصبر والترقب. وتجارب لا حصر لها مع الأطباء والأدوية. وفي شهر رجب – جاء رجب.
                          وبعد عدة أشهر حمل الرجل وزوجته أمتعتهما وحطا الرحال بأطهر أرض ورفعا أيديهما عند الكعبة يطلبان من الخالق جل شأنه أن يبارك لهما في رجب ويشكرانه على "عطيته". وشب الوحيد نبتاً طرياً يأكل بملعقة من ذهب كما يقولون. . فقد وفر له أبوه كل أسباب الرغد، وجعل منه شاباً خنوعاً مدللاً كان مدعاة لأن يخفق إخفاقاً ذريعاً في الحصول على الثانوية العامة .. ومع عدة محاولات أثمرت جميعها عن خيبة أمل للأب اغتر الابن وأوهم نفسه بأن له من العقل ما لم يملكه غيره. . ويستطيع – بدون شهادات – أن يصبح رجل أعمال مشهوراً ينافس عمالقة السوق والميناء . . ووسوس له الشيطان أنه فقط بحاجة الى فرصة يثبت من خلالها أنه عبقري زمانه الملهم.
                          حاول الحاج عبد المعطي إفاقة ابنه من سكرة الغرور وإعادته الى طريق الصوات ففشل. إذ سيطرت على رجب عبقرية كاذبة نشأت من فراغ العقل والثقافة. وصار يحلم ليل نهار بشركة رجب للخدمات البحرية.
                          ولما امتنع والده عن إمداده بالمال اللازم حتى يتحصن بالخبرة .. مضطراً وافق رجب على العمل في وظيفة كاتب حسابات بميناء الاسكندرية . . إرضاء لوالده. واستغرق في عمله الجديد حتى توسعت مداركه واستوعب الكثير من الخبرة بعد الاحتكاك الفعلي في الحياة.
                          وبعد ثلاث سنوات من العمل في الميناء .. لم ينس حلمه الكبير ففاتح أباه . . وهذه المرة كان عنده إصرار عنيد على ألا يرجع. فلما عارضه والده بشدة غادر المنزل غاضباً.. وتحت ضغوط الأهل والأصدقاء.. رضخ الأب أخيراً أمام رغبة ابنه وأمده بعدة آلاف من الجنيهات وهو على ثقة من فشله وخسارته. وغمره للمرة المليون إحساس بندم شديد لأنه دلل ابنه وفتح له منذ الصغر خزينة أمواله بسحب منها كفيما يشاء. .وتمنى بينه وبين نفسه لو أن الزمن عاد به الى الوراء فيقوم على تربيته بالشكل الصحيح .. وينشئه فتى معتمداً على ذاته فيشب رجلاً يعرف قيمة العلم والقرش .. ويدرك جيداً أن للحياة ألف وجه ووجهاً.. ولكن . .فات الأوان وحسم الأمر . . !!
                          من ناحية أخرى كان رجب يدرك ما يدور بعقل والده، وأراد أن يؤكد له كذب ظنه واعتقاده.. فتوسع في أعماله دون خبرة كافية بمنحنيات السوق وتقلباته. وكانت النتيجة المؤكدة خسارة جسيمة مُني بها وفشلاً ما بعده فشل .. وديوناً تزاحمت بأرقامها دفاتره.
                          وجاءت نكسة يونيو 1967 وتعم حالة كساد ازدادت معها الأمور سوءاً، وحاول رجب باستماتة أن يقوم التيار القوي فخارت قواه وغرق في ديونه. . وقام بتصفية الشركة وحزم حقائبه ووجد نفسه على ظهر مركب يشق مياه البحر الى ميناء "بيريه" في اليونان.
                          (1) نزل ببنسيون "بروتاجوراس" وحاول جاهداً أن يعثر على عمل لكنه باء بالإخفاق .. فلجأ الى بحار يوناني يدعى "زاكوس" ربطتهما معاً إحدى سهرات الاسكندرية.. وكذب عليه مدعياً أنه ينجز إحدى صفقاته التجارية واستولى منه على خمسمائة دراخمة وهرب الى "أثينا" العاصمة حيث ضاقت به المدينة الساحلية الساحرة. ووجد في أثينا أن الحياة بها أكثر ضجيجاً وحركة.
                          (2) وفي بنسيون "زفيروس" جلس يفكر فيما وصل اليه من حال سيئة: لقد مر به شهر تقريباً ولم يعثر على عمل بعد. إنه الآن عاطل ينفق ليعيش. . وعما قريب ستنفذ دراخماته فماذا سيعمل؟ هل ضاقت به الحياة أيضاً في أثينا؟
                          مئات من المصريين جاءوا الى اليونان يعملون في أي شيء وكل شيء.. لكنه يبحث عن عمل من نوع آخر يتناسيب وعبقريته. وكثيراً ما حدث نفسه قائلاً "لا أحد يفهمني في هذا العالم". . لقد صور له خياله أنه مضطهد .. ومعظم عباقرة العالم اضطهدوا أيضاً قبله وها هو يواجه قوى الاضطهاد التي تطارده أينما حل وعليه بالصبر حتى يكتب له النجاح.
                          (3) وبينما هو يتجول في شارع "سوفوكليس" التقى بشاب مصري من برديس جنوبي سوهاج يعمل في مصنع للعصائر .. عرض عليه أن يعمل معه في قسم التغليف لكنه أبى بشدة أن يعمل بوظيفة تافهة كهذه.. واستعرض له سيرة حياته السابقة في مصر. . فما كان من الشاب الصعيدي الى أن نصحه بالعودة الى الاسكندرية لكي لا يقع فريسة سهلة في قبضة المخابرات الاسرائيلية. . التي تتصيد الشباب المصري العاطل في اليونان وتغريه بالعمل معها مقابل مبالغ كبيرة. ***ر رجب في داخله من نصيحة الشاب له بالعودة. . فقد كان والده يعاني الأمرين من حجم الديون التي خلفها له ومن مطاردة الدائنين في المتجر كل يوم.


                          المال والحسان
                          تزاحمت الأفكار في رأسه وغمرته إحساسات اليأس من صلاح أمره في أثينا .. والخوف من العودة يجر أذيال الخيبة والفشل .. وداهمه شعور بالضآلة وقال لنفسه "لن أيأس .. لن أستسلم أبداً مهما حدث".
                          أيقظته دقات الباب من أفكاره. وكان الطارق موظف حسابات البنسيون. فطلب منه إمهاله عدة أيام .. وما كانت جيوبه تحوي سوى دراخمات قليلة لا تكفي لأسبوع واحد إلا بالكاد.
                          هرب منه النوم واختنق صدره واهتزت أمامه الرؤى وعندما تذكر مقولة الشاب الصعيدي "المخابرات الإسرائيلية تدفع الكثير" قال لنفسه "لن أخسر أكثر مما خسرت" وأمسك بالقلم ليكتب:
                          السيد المبجل / سفير دولة إسرائيل في أثينا
                          أنا موظف مصري أقيم في بنسيون زفيروس. ضاقت بي الدنيا وظلمتني في الاسكندرية وفي أثينا. قال لي البعض إنكم تمدون يد المساعدة لكل من يلجأ إليكم وأنتم الملجأ الأخير لي. فأرجو أن أنال عطفكم واهتمامكم.
                          رجب عبد المعطي أثينا 27/12/1967
                          ولم تكد تمر ثلاثة أيام – حتى فوجئ بمندوب من السفارة الإسرائيلية ينتظره في صالة الاستقبال .. فاصطحبه الى السفارة وهناك قابلوه بود وقالوا له:
                          وصلتنا رسالتك ولم نفهم منها ماذا تريد بالضبط؟
                          أجاب بصوت يغلفه الرجاء:
                          أريد أن أعمل في أثينا.
                          سلمهم جواز سفره وتركوه ثلاث ساعات بمفرده .. ثم جاءوا له باستمارة من عدة صفحات . . تحمل اسم السفارة وشعار دولة إسرائيل .. وطلبوا منه أن يملأها ويكتب سيرة حياته وأسماء أصدقائه وأقاربه ووظائفهم.
                          وبعدما تبين لهم أنه أمضى ثلاث سنوات في العمل داخل ميناء الاسكندرية. . طلبوا منه أن يكتب تقريراً مفصلاً عن الميناء وأهميته الاقتصادية والعسكرية ففعل. واستعرض ما لديه من مظاهر "العبقرية" الفذة في شرح كل شيء عن الميناء بتفصيل مطول. . فأذهلتهم المعلومات التي كتبها عن الميناء . . وأدرك ضابط الموساد الذي شرع في استجوابه بأنه وقع على كنز ثمين عليه أن يعمل على استثماره و"حلْب" ما لديه من معلومات.
                          وفي الحال سددوا حسابات البنسيون كافة ونقلوه الى فندق "أورفيوس". . وهو ابن ربة الفن الإغريقية .. وأعطوه مائتي دولار أمريكي وتركوه عدة أيام يمر نهاره وهو يغط في سبات عميق . . وفي الليل يتذوق طعم السهر في حانات وكباريهات أثينا المتحررة . . ويصاحب أجمل فتياتها وداعراتها في شارع "ارستيديس" الشهير. وعندما نفدت نقوده تماماً ود لو عاد إليه مندوب السفارة الإسرائيلية ببعض المال ليكمل مسيرة اللهو والسكر.
                          وحدث ما توقعه وجاءه المندوب بمائتي دولار أخرى. . فاستغرق في مجونه وتمنى لو استطاع أن يفعل أي شيء في سبيل أن يحيا حياة مرفهة في أثينا. أغرقته المخابرات الاسرائيلية بالمال حتى اطمأن الى رجالها.. وكلما نفدت نقوده ذهب بنفسه لمقابلة أبو ابراهيم في السفارة الاسرائيلية يعرض عليه خدمات مقابل الدولارات التي يأخذها. فيؤجل ضابط الموساد الحديث في هذا الأمر لوقت آخر . . وينصرف رجب بالنقود فيرتع بين الحسان عاريات الظهر والنهود هو بينهن يختال اختيالاً.
                          إن المال والنساء أهم أسلحة أجهزة المخابرات. بل هما الأساس الذي تبني عليه عملية صنع جاسوس أو اصطياد عميل. وأجهزة المخابرات ليست بالسذاجة التي تجعلها تنفق الملايين لاصطياد ضعاف النفوس والخونة الذين يسهل شراؤهم بالمال والفساد. . ولذلك أقامت فروعاً لها ومكاتب في الخارج تحمل أسماء شركات وهمية لا نشاط حقيقي لها سوى البحث عن الخونة. ويعمل بهذه الفروع ضباط مخابرات على أعلى مستوى من الخبرة والكفاءة. . وتخول لهم سلطات واسعة .. وتحت أيديهم مئات الآلاف من الدولارات. . وطابور طويل من السكرتارية والمساعدين الأكفاء . . بخلاف أجمل الفتيات اللاتي اخترن الطريق الصعب وخطون خطوات طويلة من الخبرة والحنكة. فهن يعرفن عملهن جيداً ويبدعن فيه وطريقهن الى الإبداع يبدأ وينتهي بالجسد. إنه السلاح السحري الذي يقتل مقاومة الهدف. . ويحرك فيه غريزته المجنونة التي تحيله الى إنسان بلا عقل أو إرادة.
                          (1) والمخابرات الإسرائيلية – الموساد – تفوقت كثيراً في هذه الأمور. . وأصبحت أكثر أجهزة المخابرات خبرة في استخدام لغة الجسد. . تلك اللغة التي يفهمها الجميع ولا تحتاج الى مترجم أو قواميس تفسر مفرداتها.. ولكن الذي لا يعرفه أحد. . أن الخونة الذين يسقطون في براثن الموساد .. يتحولون في لحظة ما الى مجرد بهائم تدور في الساقية . . تطاردهم سياط الأوامر والطلبات التي لا تنتهي أبداً.. وأنها تقدر ما تدفع تريد المقابل أضعاف ما دفعته. وعندما يجف معين عميلها تنبذه كال*** الأجرب وتلقي به في زوايا الذل والنسيان. . وتعامله ك**** باع وطنه وأهله ولا قيمة لإنسان فقد انتماءه، وسلك كل المسالك نحو المال واللذة
                          في المصيدة
                          لم يدرك رجب عبد المعطي هذه الحقائق بل اندفع بكل ثقله باتجاه المخابرات الاسرائيلية . . وصادق الكثير من ضباطها في أثينا ظناً منه أنهم سينقذونه من شبح الإفلاس الذي تعلق بتلابيبه ولا يود مفارقته. ورحب كثيراً بضابط الموساد – ابو ابراهيم – الذي فوجئ به يزوره في حجرته بالفندق الفخم . . ويحدثه طويلاً عن أزمة الشرق الأوسط والوضع المتفجر في المنطقة بسبب الحروب مع العرب . . وحقهم في أن يعيشوا فوق أرض الميعاد في سلام وأمان . . وأنهم ليسوا شعباً يحب سفك الدماء بل أمة مشردة ضعيفة تسعى الى العيش في هدوء بلا حروب أو صراعات.
                          واستعرض ابو ابراهيم في سرد اساطير وأحاجي اللص الذي يبرر مشروعية سرقاته ثم سأل رجب فجأة:
                          هل ترحب بالعمل معنا لصالح السلام؟
                          والابتسامة تملأ وجهه ..
                          بالطبع . . ولكن .. أي عمل بالتحديد؟
                          أخرج ضابط الموساد الخبير أربع ورقات ذات المائة دولار ودسها في يد رجب وهو يقول:
                          أنت كثير الأسئلة . . هل تعتقد أننا نريدك سفيراً لنا في مصر؟
                          إذن .. ما هو المطلوب مني؟
                          ألا تسأل كثيراً لكي لا أغضب منك .. عليك فقط أن تعرف أننا أصدقاء .. وأن لكل حديث أوان. هز رجب رأسه علامة على الرضوخ والطاعة ولحقه ابو ابراهيم بسؤال ذا مغزى:
                          هل لك صديقة في أثينا؟
                          أجابه على استحياء:
                          هجرتني فتاة تدعى انكسيميندرا لأنني لا أعرف اللغة اليونانية وقد ضاقت بإنجيلزيتي الركيكة.
                          أوه . . أتقصد تلك الفتاة التي يملأ النمش وجهها؟ دعك منها وسوف أعرفك بفتاة رائعة تتحدث بالعربية وستكون معك ليل نهار في أثينا.
                          تهلل وجهه وارتفع حاجباه دهشة وقال:
                          أين هي؟ أريدها حالاً. .
                          ستكون الى جوارك في الطائرة أثناء رجوعك من تل أبيب.
                          بهت رجب ووقف فجأة كالملسوع وقال بصوت متلعثم: تل أبيب؟
                          نعم . . !!
                          بسرعة قالها ضابط الموساد بلغة الواثق، وأضاف كأنه يأمره بتنفيذ قراره الذي لا رجعة فيه:
                          ستسافر إسرائيل بعد عدة أيام .. وفي الغد عليك أن تحضر اجتماعاً مهماً في السفارة لمناقشة خطوات تنفيذ هذا الأمر فهل عندك اعتراض؟
                          هربت الكلمات وغاصت في قرار عميق . . وأجاب رجب الذي بدا كالأبله لا يضبط خلجاته:
                          لا . . لا . . أنا لا أعترض . . إنها مفاجأة لي.
                          عندما كتبنا تقريراً عنك وأرسلناه الى إسرائيل. . طلبوا منا أن نأخذك في رحلة سريعة الى هناك ليتعرفوا عليك أولاً. وثانياً هناك مفاجأة سارة تنتظرك. وثالثاً: لتختار صديقتك بنفسك من بين أجمل فتياتنا وتصحبها معك الى أثينا.
                          سكت رجب ولاحقه أبو ابراهيم:
                          المخابرات الاسرائيلية إذا أعطت فهي سخية بلا حدود. وإذا غضبت ومنعت فطوفان من الهلاك قادم. وثق يا رجب أننا ودودون معك الى أقصى درجة .. أعطيناك أكثر من ألف وخمسمائة دولار حتى الآن ولم نطلب منك أدنى شيء. ألا يدل هذا على كرم منا أيها المكار؟
                          وربت كتف رجب الغارق في ذهوله وهو يقول في لغة ظاهرها الثقة وباطنها التهديد والبطش:
                          عليك ألا تضيع هذه الفرصة .. انتهزها. . واركب قارب النجاة تنج نفسك من الطوفان والهلاك.
                          وعندما قام ضابط الموساد منصرفاً لم يستغرق رجب في التفكير كثيراً. لقد ثبتت لديه النية واتخذ قراره. .ولم يذهب الى سريره لينام بل خرج ينزف دولارات الموساد على الخمر وجسد داعرة صحبها الى شقتها وهو يمني نفسه بالجارية الاسرائيلية التي ستكون تحت إمرته. وفي الصباح الباكر كان يقف أمام باب سفارة إسرائيل تعلوه سحابة انكسار وبعينيه بريق خنوع ديّوث باع لحمه لمزايد !!
                          استغرق الاجتماع به نحو الساعة .. كانوا أربعة من ضباط الموساد في أثينا وخامساً جاء من فيينا كان يبدو أنه أكبرهم دراية بالتعامل مع الخونة وتطويع الجواسيس. طلب من رجب أن يرسم له خريطة الميناء في الاسكندرية وأين يقع مكتبه بالضبط؟!! وفوجئ رجب بماكيت مصغر للميناء دخل به موظفان ووضعاه على منضدة تتوسط الحجرة
                          أخذ رجب يشرح بتفصيل أكثر معلوماته عن الميناء. بل ويحدد أماكن مخازن التشوين التجارية . . ورصيف الميناء الذي يستقبل السفن الحربية السوفيتية. . وسفن الشحن التي تجيء بالأسلحة المختلفة من ميناء أوديس السوفييتي على البحر الأسود . . ومخازن تشوين السلاح المؤقتة .. وبوابات التفتيش والمداخل والمخارج.
                          وهكذا استمر يشرح لهم أسرار الميناء الحيوي، ولم يتركوا أدق التفاصيل إلا وسألوه عنها ثم طلبوا منه الانصراف والعودة صباح اليوم التالي ومعه أربع صور فوتوغرافية وجواز سفره. وبعد أن سلمهم الصور تسلم منهم وثيقة سفر إسرائيلية ذكر بها أنه إسرائيلي من تل أبيب واسمه "دافيد ماشول". . تسلم كذلك تذكرة سفر بالدرجة السياحية – أثينا تل أبيب على شركة العال الإسرائيلية – وأوصله مندوب من السفارة الى المطار وتأكد من صعوده الى الطائرة المتجهة الى إسرائيل.
                          وعندما جلس رجب في مقعده بالطائرة كان جسده يرتجف بشدة .. وتشوشت أفكاره للدرجة التي أصبح فيها كالمخمور الذي فقد تركيزه واتزانه . . وسرعان ما استعاد ثقته بنفسه وهو يرسم في خياله أحلام الثراء الذي ينتظره . . ووجه الفتاة المليحة التي سيختارها في إسرائيل . . وخطرت بباله فجأة فتاة من بورسعيد اسمها مايسة كانت قد هاجرت مع أهلها الى المنصورة وتعرف عليها في إحدى الحفلات العائلية وأحبها بسرعة إيقاع عجيبة وافترقا أيضاً بلا وداع. لماذا خطرت بباله في تلك اللحظة بالذات؟ ضحك بصوت مسموع فرمقته سيدة تجلس بالقرب منه بنظرة تعجب وابتسمت .. وأغمض عينيه ثم نام.. واستيقظ والطائرة تحوم فوق مطار بن جوريون تنتظر الإذن بالهبوط.


                          اليهودي الجديد
                          وعلى سلم الطائرة صافحه ثلاثة رجال .. ثم أدخلوه سيارة مسدلة التسائر كانت تنتظر أسفل جناح الطائرة .. سلكت به اتجاهاً آخر بعيداً عن بوابة خروج الركاب والجوازات . . ووجد نفسه في شوارع تل أبيب لا يصدق عينيه. .
                          وفي بيت يشبه الثكنة العسكرية على أطراف تل أبيب أدخلوه إحدى الشقق المخصصة لأمثاله من الخونة .. حيث كانت تنتظرهم بها فتاة رشيقة صافحته بحرارة .. ورحبت به بالعربية فسره ذلك كثيراً وقالوا له إن "زهرة" ستظل على خدمته طوال إقامته في الشقة.
                          وتركوه ليستريح بضع ساعات وعادوا إليه ثانية فصحبهم لمبنى المخابرات الاسرائيلية في شارع الملك شاؤل بوسط المدينة .. وكان في استقباله عدد كبير من كبار رجال الموساد. ولعدة ساعات أخضع لتحقيق واستجواب تفصيلي لكل ما كتبه عن ميناء الاسكندرية.
                          كان الاجتماع مغلقاً على الضباط المختصين والمحللين الذين أدركوا ميوله للنزعة العسكرية .. وكان ذلك واضحاً جداً من خلال إجاباته الحاسمة .. التي تشبه إجابة عسكرية مدعومة بلغة عسكرية بحتة .. وتغلفها تفاصيل استراتيجية دقيقة لا ينتبه اليها الرجل المدني الذي لم يجند بالقوات المسلحة.
                          وفي ختام الاجتماع أعد له حفل استقبال كبير في إحدى القاعات بالمبنى .. حضره عدد أكبر من ضباط الموساد ورؤساء الأقسام . . وتم منح رجب عبد المعطي رتبة "رائد" في المخابرات الاسرائيلية، ولم يضيعوا وقتهم كثيراً في مظاهر الترحيب.. إذ أعدوه لدورة مكثفة بدأها أحد الضباط بمحاضرة طويلة عن "ذراع إسرائيل الطويلة" .. وأنها تجعل العدو يرتجف رعباً، وتمنح الإسرائيليين القدرة على النوم في هدوء. وأن الموساد نجحت في حل الكثير من مشاكل الدولة اليهودية وهي على استعداد للقيام بمهام أخرى.
                          . . وإن عمليات الموساد ليست على درجة أقل أهمية .. بل هي أساس شهرتها.
                          وجاء ضابط آخر كانت مهمته تدريبية فنية تتعلق باستخدام الشفرة والاستقبال بواسطة موجات خاصة بالراديو. . وبعد أيام أجاد رجب استقبال الرسائل المشفرة وترجمتها بسرعة وكان عليه اجتياز دورة أخرى مهمة .. وجاءته هذه المرة ضابطة شابة تتحده العربية بطلاقة شرعت في تدريبه على كيفية استخدام الحبر السري في الكتابة وقراءة الرسائل المرسلة إليه بالحبر السري أيضاً. . وكذلك استعمال شفرة خاصة للمراسلة لا يكتشفها أحد.
                          استمرت برامج الدورة التدريبية المكثفة خمسة عشر يوماً كانت عصيبة ومرهقة. وبعد أن اجتاز الاختبارات بنجاح مذهل . . رافقته زهرة الى منتجع خاص آمن يقع على بحيرة طبرية. . وهناك أذاقته من لدائن أنوثتها ما حار فيه العقل وأذهل الشعور. قالتها له صراحة إنها هدية له لاجتيازه الاختبارات وتعاونه مع المخابرات الاسرائيلية بإخلاص. . بل وأكدت له أنها عبدة له يفعل بها ما يشاء . . وعندما صارحها بأنه يستريح إليها ويود لو صاحبته الى أثينا وعدته بأن تعرض طلبه على رؤسائها..
                          وفي تل أبيب أخبره الضابط المسؤول بأنه سيعود الى الاسكندرية مرة أخرى ليعادو نشاطه السابق في شركة رجب للخدمات البحرية. وأنهم سوف يمدونه بالأموال اللازمة لإحياء شركته وتجديدها. . ولكي يتم تنفيذ ذلك عليه أن يمكث عدة أشهر في أثيناء .. ويشيع بين المصريين العائدين الى مصر بأنه يمارس أنشطة تجارية رابحة جداً في أثينا .. ويجب عليه أن يتأكد من وصول هذه الأقاويل الى مصر والى أهله بالذات.
                          لقد تمكنوا خلال تلك المدة من تدريبه على كيفية إعداد التقارير وتلخيص الجمل واختصار عدد الكلمات. هذه الدورة المكثفة زرعت بداخله إيماناً حقيقياً واهماً بأنه صاحب رسالة مهمة أوكلت اليه. وبرغم أنهم بثوا لديه الثقة في مناعة المخابرات الاسرائيلية ضد كشف عملائها في الدول العربية .. واستماتها في استردادهم حال القبض عليهم ، إلا أنه أحس بالتعاطف معهم بعد عدة محاضرات عن تاريخ اليهود . . واضطهادهم على مر الأحقاب والعصور . . ومحاولات إبادتهم التي أسفرت عن تشريدهم ومقتل الملايين منهم . . وكانت آخر المحاولات تلك التي قام بها أدولف هتلر الذي أقام معسكرات لتجميع اليهود. . ثم حرقهم في محارق خاصة لاستئصال كل يهود أوروبا.. وهكذا حشوه بأكاذيبهم المضللة لكسب عطفه.
                          وعندما عاد رجب الى أثينا برفقته زهرة .. كان بداخله إصرار غريب على التعاون مع الموساد لحماية إسرائيل وأمن إسرائيل . . من التهديد العربي الدائم والذي يدعو إليه جمال عبد الناصر . . وإصراره على إلقاء اليهود في البحر ليتخلص منهم .. وترسب بداخله اعتقاد بأن عبد الناصر ما هو إلا هتلر جديد جاء ليبيد اليهود الذين يدافعون عن أمنهم . . وحقهم في أن يعيشوا في سلام.
                          النجاح الزائف
                          غادر رجب مطار بن جوريون في تل أبيب في طريقه الى أثينا ترافقه "زهرة" .. جميلة الجميلات والعبدة التي تحدثه بلغته وبلغة الجسد الناطقة.
                          لم تكن مهمتها إفراغ ثورات رجولته المشتعلة دائماً بقدر ما كانت رقيبة على سلوكه وتصرفاته.. وتمتحن إخلاصه للمخابرات الاسرائيلية بين آن وآخر. وكلما حاولت تصيد أخطائه وجدته أكثر منها إخلاصاً لليهودية .. وإيماناً بحق الإسرائيليين في القدس وسائر أرض فلسطين.
                          إنها تواجدت بجواره لتدفعه بقوة الى عشقها والذوبان فيها. فكلما ازداد عشقاً لها. . أخلص لإسرائيل .. وتفانى في خدمتها.
                          استأجرت له المخابرات الاسرائيلية إحدى الشقق الصغيرة في حي دميتير الهادئ. . وهيأت له من أسباب العيش والرخاء والإمتاع الكثير .. لتجعله لصيقاً بهم يدور في فلكهم لا يستطيع فكاكاً. وعلموه كيف يتعامل مع المصريين الوافدين الى اليونان للسياحة أو للبحث عن عمل. فالذين جاءوا للسياحة خصص لهم بعض الوقت وصحبهم للمزارات السياحية والأسواق والمتاحف. . وأفاض في خدماته اليهم وحملهم الهدايا الى أهله بالإسكندرية تأكيداً على تيسر أحواله وظروفه المالية في الخارج. وبدون توصية كانت صور حياته المختلفة تنقل الى والده من خلال المصريين العائدين الى مصر.
                          صور وجوانب مشرقة رسمتها المخابرات الاسرائيلية بإحكام شديد.. وأضفت عليها هالة من النجاحات أثلجت صدر أبيه بعدما فقد الأمل في إبنه . . وأرسل رجب خطاباته واضعاً في إسهاب عمله في إحدى الشركات الكبرى .. التي استوعبت مواهبه واكتشفت فيه عبقرية فذة دفعت بها الى الأمام بعد تعثر طويل .. فارتقى في وظيفته واحتل مكانة مهمة في بلاد الإغريق. وأكد ذلك للأب كل من حملوا إليه هدايا ابنه الرقيقة له ولوالدته ولأصحابه. وضمت خطاباته صوراً فوتوغرافية مختلفة في مكتبه وفي مسكنه.. وفي إحدى رحلاته "الى جزر بحر إيجه حيث الشاطئ يموج بالحسناوات يرتدين البكيني. . ويطاردن شبح الملل بالرقص واللهو.
                          لكل هذه المظاهر المزيفة .. صدق الأهل بالإسكندرية ما تبوأه رجب من نجاح .. فأرسل إليه والده يرجوه أن يعود الى وطنه مرة ثانية ليعادو نشاطه من جديد .. وليؤكد نجاحاته على أرض وطنه بعدما صقلت شخصيته. . ودرج على القيام بمهام صعبة أوصلته الى القمة. . فاستمهله رجب بعض الوقت، وانشغل بالعسي مع المصريين القادمين بحثاً عن عمل في أثينا فكان يصحبهم – بترتيب دقيق من الموساد – الى الشركات البحرية في بيريه . . والى شركات تجارية أخرى في أثينا. . على أمل أن يسقط من بينهم شاب آخر في براثن المخابرات الاسرائيلية.
                          لأجل ذلك اختلط العميل ال**** بالمصريين المقيمين باليونان ووطد علاقاته بهم. . وتعددت خدماته ومواقفه تجاه كل من يلجأ اليه فأحبه الشباب المصري هناك .. ووجدوا فيه صورة المصري الشهم النبيل . . في حين أنه كان يدير حوارات سياسية معهم .. ويسجل تقارير مطولة تحمل بين سطورها خسة نياته القذرة في خدمة جهاز مخابرات العدو .. فبدا كما لو كان قد اندرج لسنوات طويلة في صفوف أكاديمية الجواسيس في إسرائيل.. وأعيد مرانه وتدريبه في أثينا على استخدام الحس الأمني والملاحظة والتمويه والخداع. وهذه كلها أمور أسهب في شرحها "فيكتور أوستروفسكي" في كتابه: "الموساد" حيث بين لنا كيفية صنع جاسوس محترف في إسرائيل بواسطة أمهر الخبراء . . وأحدث دراسات علوم المخابرات والجاسوسية في العالم.
                          فقبل أن يخرج الجاسوس من مخبئه ليمارس وظيفته يخضع لبرنامج مكثف لا بد له أن يجتازه بنجاح وهو عن "خداع المراقبة". . ويدرك جيداً إذا ما كان قد "ألقى بظلاله" أم لا. . ومن النافذة يستطيع أن يرى الشخص الذي يقتفي أثره .. وكيف تابعه؟ وعندما يلتقي الجاسوس الظل وخاصة عند الخروج من فندق – مكتب – متجر. سيجري بسرعة لمدة خمس دقائق . . ويسير بعدها في خط متعرج الى أحد المباني ويبحث عن نقطة مراقبة ليراقب . وهذه الطريقة ستعطي الجاسوس الفرصة ليعرف أسلوب المراقبة .. وعليه حينئذ أن يمتنع عن إثارة أية شبهات أو إتمام عمل .. ويركب وسيلة مواصلات الى مكان آخر بالمدينة خلاف الذي كان يقصده.
                          هكذا تدرب الجواسيس وأيقنوا أن هذا التصرف يتعلق بتكتيك السلامة الذي يجب أن يتبعه كل جاسوس. خاصة إذا كانت ظروف عمله معرضة لبعض الشكوك.
                          واتبعت الموساد أيضاً مع رجب ذات النظرية التي شرحها "ديفيد تلبيني" في كتابه: "فرق الرصد" عن كيفية الإثارة التي تتولد لدى الجواسيس والعملاء الصغار من ذوي "الميول المظهرية". . وقد كان ال**** رجب يعشق اللكنة العسكرية في الحديث .. والمرافعات العسكرية في الوصف ولو لم يلتحق بالقوات المسلحة . . وعندما لاحظ خبراء الموساد هذا الاتجاه منحوه رتبة رائد في الجيش الاسرائيلي إشباعاً لغروره.
                          عودة الظافر
                          لم تكن زهرة فتاة فراش للجواسيس الجدد بل إنها عميلة مدربة أخضعت فكرياً ومعنوياً وجسدياً لخدمة الموساد. عميلة تؤدي عملاً مهماً وأساسياً لصالح إسرائيل. وجسدها أحد أركان هذا العمل الأساسية.
                          إنها تستغل جسدها في تطويع الجواسيس وربطهم بها. . حيث درست وتعلمت أن لكل رجل عادات وميولاً.. خاصة تظهر جلية عندما يتجرد من ملابسه أمام امرأة عارية. قد تكون ميوله سوية أو شاذة .. لا يهم .. فإن لديها القدرة على احتواء كل أنواع الرجال وإشباعهم وتأكيد رجولتهم وتضخيم فحولتهم. إن الجنس بالنسبة إليها عمل مهم، وترتقي من خلاله وظيفياً ومهنياً إذا ما أبدعت فيه مع الخونة الذين يجري إعدادهم، وتنال شهادات شكر وتقدير بعد تطويعهم.
                          ولذا . . لم يكن وجود زهرة على مسرح الحدث عملاً ثانوياً يحسب على جهاز المخابرات الاسرائيلي. إنه جزء مكمل لتعمية العميل عن الحقائق والثوابت .. وإخضاعه بتصويره في أوضاع شاذة تظهر مدى ضعفه. . وخلق دفء عاطفي يزيل غمامة الخوف التي قد تؤثر في إقدام العميل فينشط ويبدع ويقوم بعمله خير قيام.
                          مر عام ونيف ولم يزل رجب في أثينا في حضن المخابرات الاسرائيلية يترقب موعد رجوعه الى الاسكندرية. وعندما اعتقد أنه هيأ "الجو" لعودته .. تحدث مع أبو ابراهيم ضابط الموساد في السفارة الاسرائيلية الذي أمهله عدة أيام ليكتب بذلك الى رؤسائه .. ولما جاءت الموافقة .. اشاع رجب خبر عزمه على العودة الى مصر غانماً بآلاف الدولارات التي جمعها من "أعماله الناجحة" في اليونان. وعندما أشار عليه البعض بإكمال مسيرة النجاح دون العودة – مؤقتاً – الى مصر .. تملكته نعرة الوطنية المزيفة .. وأقسم ألا يحرم وطنه من خبرته وعبقريته التي يشهد بهما الأجانب. وأقيم حفل وداع صغير في أحد الفنادق حضره بعض المصريين الذين صادقهم هناك . . وبعد نهاية السهرة حمل حقائبه وتوجه الى المطار في طريقه الى القاهرة.
                          كان الجو قائظاً في سبتمبر 1970 والإسكندرية لا زالت تموج بعشرات الآلاف من المصطافين .. الذين هربوا من لسعة القيظ وحرقة الوهج الى الشواطئ الممتدة الجميلة وفي شقة الحاج عبد المعطي كانت جموع أخرى من البشر تتوافد لتهنئ الرجل بسلامة وصول ابنه الوحيد من اليونان.
                          كان الرجل أسعد الناس على سطح الأرض.. وجهه يتهلل بشراً وسحنته تضحك خطوطها ويرقص قلبه طرباً. وال**** لا يستحي وهو يحكي عن عبقرية مزعومة .. ويختلق اقاصيص الوهم التي لقنته إياها مخابرات العدو .. فأفاض في الحديث والوصف وأضفى على نفسه بطولات وبطولات.
                          وبعدما استقر به المقام عدة أيام، اصطحب مهندس الديكور الى مكتبه القديم حيث كانت لافتة "شركة رجب للخدمات البحرية" قد ضربتها الشمس وتشققت قشرة خشبها. وبالداخل كان العنكبوت قد نسج خيوطه فخيمت على كل شيء وبدا المكتب كمقبرة مهجورة.
                          وبينما كان المهندس يشرح له تصورات وتخيلات الشقة بعد تجديدها. .حدث زلزال هز أعماق مصر كلها وضرب فيها الأمل والأمان .. وزحفت جموع الشعوب العربية لهول الصدمة عندما أعلن موت جمال عبد الناصر.
                          العميل رقم 1041
                          امتلأت الشوارع بفيضان من البشر كالطوفان يجرف أمامه هدأة الحياة وغفلة الزمن زحف من الأحياء يغلي، وكتل ملتصقة من الحناجر تصرخ في هلع وبكاء مرير يمزق القلوب . . وشروخ بدت في الوجوه بفعل الدموع. وتوقفت الحياة ومادت موازين العقل فلا عقل يصدق أن الزعيم رحل.
                          ودون أن يدري . . بكى رجب، وكان لا يدري أيبكي ناصر الأمل؟! أم يبكي بذور الخيانة التي تعملقت بداخله وعظمت فروعها؟
                          وود للحظات لو أن أقدام الباكين الحائرين داسته. لكنه سرعان ما استعظم ذاته وأبى ألا يضع
                          ف. بل سطر أولى رسائله، وكانت هذه الرسالة هي الخطوة العملية الأولى في عالم الجاسوسية. . رداً على رسالة وصلته بطريق الراديو تطلب منه مراقبة حركة ميناء الاسكندرية وعما إذا كانت اسلحة سوفييتية تتدفق على مصر بعد موت زعيمها الأول أم لا ؟ وكانت الرسالة كالتالي:(رقم 2)
                          سطور كتبت باللغة العربية بالحبر السري بين سطور الرسالة.
                          (رقم 1) سطور كتبت باللغة الانجليزية. الاسكندرية 24/1/1970
                          صديقي العزيز باولو:
                          1- خط عادي: وصلتني رسالتكم العزيزة الى قلبي وكم سررت بها.
                          2- حبر سري: لا زالت أعمال التجديدات في مكتبي جارية وبالرغم من.
                          1- خط عادي: وتعجبت من فعل الزمن يفرق دائماً بين الأصدقاء.
                          2- حبر سري: ذلك أقوم بعملي وأراقب الميناء جيداً.
                          1- خط عادي: والمحبين، ولكنك يا صديقي مهما باعدت المسافات بيننا
                          2- حبر سري ومنذ صباح الأمس وأنا أراقب سفينة سوفييتية ضخمة.
                          1- خط عادي: تسكن بأعماق قلبي فالأيام الجميلة التي قضيتها معك.
                          2- حبر سري: ترسو على الرصيف وحولها حراسة مشددة. السفينة.
                          1- خط عادي: في جزر كيكلاديس . لا أستطيع مهما حييت أن
                          2- حبر سري: اسمها ستاليننجراد، وقال لي زميل قديم بالميناء:
                          1- خط عادي: أنسى طعم حلاوتها وروعتها والصور التي التقطت.
                          2- حبر سري: إن السفن السوفييتية تتردد بكثافة هذه الأيام.
                          1- خط عادي: لنا هناك تكاد تنطق بمدى شوقي الى تجديد هذه.
                          2- حبر سري: على الاسكندرية ونادراً ما تظل الأرصفة خالية منها.
                          1- خط عادي: الذكريات الجميلة في جزر بحر أيجه وشوارع ومقاه.
                          2- حبر سري: وعلمت أن بعضها تنزل حمولتها بالليل فقط بواسطة.
                          1- خط عادي: ومتاجر أثينا الساحرة. إن قلبي يرقص طرباً.
                          2- حبر سري: الأضواء الكاشفة. ومنذ أسبوع بالضبط نزل.
                          1- خط عادي: كلما مرت ببالي هذه الأيام الجميلة.
                          2- حبر سري: عدد كبير من الجنود والخبراء السوفييت.
                          1- خط عادي: عزيزي باولو: أرجو أن ترسل لي صورة ابنتك.
                          2- حبر سري: في ذات الوقت الذي تفرغ فيه سفن مصرية أخرى.
                          1- خط عادي: الجميلة بياتريتشي التي لم يسعدني الحظ برؤيتها.
                          2- حبر سري: حمولاتها من القمح المستورد من استراليا ومن.
                          1- خط عادي: خلال زيارتكم القصيرة لليونان. وسوف أحاول.
                          2- حبر سري: البرازيل.. وشاهدت عدداً كبيراً من الشاحنات العسكرية.
                          1- خط عادي: في القريب أن أزوركم في إيطاليا وأرى مدينتكم.
                          2- حبر سري: تنقل صناديق خشبية ضخمة بعضها مغطى بغطاء.
                          1- خط عادي: الرائعة – تريستا – التي تعشقونها. ومن جانبكم.
                          2- حبر سري: أزرق أو كاكي وتتجه الى طريق الاسكندرية.
                          1- خط عادي: لا تدخروا وسعاً في التفكير بجدية في زيارتي.
                          2- حبر سري: القاهرة الصحراوي، وأنزلت سفينتان حمولتهما.
                          1- خط عادي: مع احتفالات الكريسماس حيث المناخ هنا في.
                          2- حبر سري: من الخشب الزان من أسبانيا ورومانيا وتعطلت بالأمس.
                          1- خط عادي: مصر أكثر من رائع، وبالأخص في صعيد مصر حيث.
                          2- حبر سري: شاحنة على الطريق محملة بأجولة السكر المستورد.
                          1- خط عادي: آثار أجدادي الفراعنة تفوح منها رائحة التاريخ.
                          2- حبر سري: من الاتحاد السوفييتي وسأوافيكم بمشاهداتي.
                          1- خط عادي: تحياتي لكم وتمنياتي بالسعادة الدائمة.
                          2- حبر سري: أولاً بأول، وسوف أنتظر رسائلكم.
                          1- خط عادي: رجب
                          2- حبر سري: رقم / 1041
                          تحت الميكروسكوب
                          ومع إطلالة الأيام الأولى في عام 1971 كان رجب قد انتهى من تشطيب مكتبه . . وليس حلة جديدة من بهاء تتفق ورونق أعمال الديكورات الفخمة .. التي تدل على ذوقه الأوروبي ويساره. .
                          افتتح المكتب جمع غفير من الأهل والأصدقاء، وملأت إعلانات الدعاية بالعربية والإنجليزية صفحات الأهرام تعلن عن ميلاد شركة خدمات بحرية متميزة . . قادرة على تحمل مسؤوليات الشحن والتفريغ وما يخصهما من إجراءات مع الجهات المختصة.
                          وساعدته المخابرات الإسرائيلية كثيراً ليحصل على ثقة بعض الشركات البحرية العالمية ليصبح وكيلاً لها في الاسكندرية .. وتحول مكتبه الى خلية نحل اضطر معها الى الاستعانة بعدد كبير من الموظفين والسكرتارية، وازدحم المكتب بالزوار وذوي المصالح، وازدادت الخطابات الواردة اليه من الشركات الملاحية ومن رؤسائه في أثينا يغذونه بالمعلومات . . ويلقون أوامرهم وتوجيهاتهم ويدفعونه ليكبر أكثر وأكثر. فازدهرت أعماله بسبب التوكيلات العالمية التي حصل عليها، وصار اسمه مشهوراً ودخوله الى الميناء بالتصاريح الممنوحة أمراً سهلاً وقويت علاقاته بالموظفين وبالمديرين.
                          ولأنه يعمل في "المهنة" فقد كان سؤاله عن أحوال الميناء يوماً بيوم أمراً عادياً لا يثير ريبة ولا شكوكاً في نياته. . وهذا هو ما كانت تقصده المخابرات الاسرائيلية. . أي زرع جاسوس داخل ميناء الاسكندرية يرصد كل أسراره وأوضاعه دون أن يشك فيه أحد. ومرت الشهور تلو الشهور وهو لا يزال يرتقي سلم النجاح والشهرة، ولم ينس أفضال اليهود عليه للحظة واحدة.
                          إنهم أولى أمره الذين ثبتوا قدميه على طريق النجاح، وهم الذين تسعى مصر ومن خلفها جميع الدول العربية للإضرار بهم رغم قلتهم ومحدودية أرضهم ومواردهم.
                          لقد أكدوا له أنهم لا يريدون حروباً مع العرب.. فهم يدافعون عن رقعة صغيرة من الأرض يعيش عليها أطفالهم وضعافهم. وكلما شن أنور السادات هجماته من خلال خطبه السياسية .. كان رجب يرتعد خوفاً من حماس وعوده بأن هذا العام هو عام "الحسم" لتدمير إسرائيل. . وكثرت الرسائل الى رجب بطريق البريد والراديو .. وتعددت رسائله أيضاً الى "أصدقائه".
                          وانحبس النفس في رئتيه هلعاً يوم السادس من أكتوبر 1973 وجنودنا البواسل يعبرون الهزيمة ويدكون خط بارليف الحصين ويكتبون النصر غالياً بدمائهم.
                          وعندما كانت مصر – بل والأقطار العربية كلها تزغرد للنصر . . كان رجب يبكي في مكتبه وينتفض جسده خوفاً وشفقة على شعب إسرائيل الذي يقتله العرب بلا رحمة مجتمعين. وكثرت في تلك الأثناء زياراته للميناء يستقص الأخبار ويستقي المعلومات بجرأة، دون أن يلفت انتباه أحد، لكثرة أسئلته عن السفن الراسية بالميناء وفي الغاطس تنتظر الدخول.
                          لفتت رسائله المتعددة الى أثينا وروما انتباه ضابط المخابرات المصري المكلف بمراقبة البريد الصادر الى خارج مصر والوارد اليها. واكتشف أمر الرسائل المشفرة. وقام جهاز المخابرات المصرية بمراقبة بريد رجب عبد المعطي . . وجرى الكشف عن كل رسائله وصورت وأعيد إغلاق الرسائل بدقة متناهية.. لكي تكون دليل إدانة ضده أمام النيابة وعند محاكمته.
                          وبينما كان الجاسوس مشحوناً بحماس النصر، وبدأت الخريطة السياسية للمنطقة تتشكل من جديد .. نشط رجب في رصد حركة الميناء المستمرة وأرسل الرسالة التالية الى صديقه "الوهمي" ديميتريوس في اليونان:
                          الاسكندرية 27/11/1974. عزيزي ديمتريوس.
                          1- خط عادي: تهنئتي القلبية بمناسبة عيد ميلادك السعيد، ولعلك .
                          2- حبر سري: سفن شحن متعددة من جنسيات مختلفة تدخل.
                          1- خط عادي: الآن في أحسن حال بعد الوعكة الصحية التي أصبتم.
                          2- حبر سري: الميناء لتفرغ حمولتها من المواد التموينية بكثرة.
                          1- خط عادي: بها منذ ثلاثة أسابيع. فكيف حالكم الآن؟!!
                          2- حبر سري: أيضاً تأكدت من وصول سفينة تشيكوسلوفاكية.
                          1- خط عادي: أحوالي على أحسن ما يرام، وأنوي إجراء بعض.
                          2- حبر سري: تحمل معدات عسكرية في صنادق يصعب الاقتراب.
                          1- خط عادي: أعمال الديكورات الحديثة بمكتبي، على ذلك.
                          2- حبر سري: منها بسبب الحراسة المشددة، ولا زالت.
                          1- خط عادي: فسأتغيب لمدة أسبوعين على الأكثر على شاطئ.
                          2- حبر سري: سفن عربية من الجزائر وليبيا تنزل حمولتها.
                          1- خط عادي: البحر الأحمر ريثما ينتهي مكتب الديكور من عمله.
                          2- حبر سري: من البطاطين والمواد الطبية وسفينة عملاقة.
                          1- خط عادي: ولسوف أعاود بعد ذلك نشاطي بشكل أفضل.
                          حبر سري: تحمل علم بنما اسمها "ليليها مر" [5] محملة بحوالي.
                          1- خط عادي: بعد هذه الإجازة التي أتشوق اليها لأتمكن.
                          2- حبر سري: 200 جرار زراعي ومعدات زراعية وميكانيكية.
                          1- خط عادي: من صيد السمك بعيداً عن زحام العمل والتوتر.
                          2- حبر سري: مختلفة وسفينة سوفيتية تحمل معدات توليد.
                          1- خط عادي: المستمر من جراء المشكلات المتوقعة.
                          2- حبر سري: كهرباء ضخمة وآلاف من الإطارات.
                          1- خط عادي: تهنئتي لك مرة أخرى وتحياتي وأشواقي.
                          2- حبر سري: الكاوتشوك مقاسات مختلفة وموتورات.
                          1- خط عادي: رجب.
                          2- حبر سري: رقم / 1041.
                          قتلته ظنونه
                          . . . وأخيراً .. بعد أن جمعت المخابرات العامة المصرية كل الأدلة التي تدينه . . توجهت قوة من رجال المخابرات صباح 13 يناير 1975 الى مكتبه. . اعتقد رجب أنهم "زبائن شغل" ولكن . . حينما أخبره قائد القوة بأنه ضابط مخابرات . . لم يستطع رجب أن يقف . . ظل ساكناً على كرسيه تتحرك ركبتاه لا إرادياً، واصطكت أسنانه فجأة، وزاغت عيناه في هلع لا حدود له.
                          ومن قبيل الصدف العجيبة أن رجل البريد جاء برسالة من المخابرات الاسرائيلية – مرسلة من الداخل – أثناء وجود المخابرات في مكتبه حيث طلبوا منه حلها . . ووضعوا أمامه كتاب الشفرة التي عثروا عليه في درج سري بالمكتب مع كل أدوات التجسس المزود بها.
                          لم يستطع رجب استيعاب الأمر على حقيقته. فقد كانت نظرات ذهوله تدل على مدى الرعب الذي أصابه. . إنهم أفهموه في تل أبيب وفي أثينا أن المخابرات الاسرائيلية لم يحدث لها أن فشلت مرة واحدة في مهامها.. ولكن الفشل يأتي دائماً من العميل الذي قد يهمل تكتيكات الأمان التي يجب عليه أن يلتزم بها ولا يهملها أبداً. فجهاز المخابرات الاسرائيلي – حسبما اقنعوه – أفضل أجهزة المخابرات في العالم.
                          ابتسم رجب في سخرية عندما تذكر ادعاءاتهم الباطلة، وبينما كانت قافلة السيارات تنطلق به الى القاهرة – كانت المخابرات الاسرائيلية ترسل بالراديو رسالتها الدورية الى عميلها:
                          "ننتظر ردك على الرسالة التي وصلتك .. لا تتأخر، واستعد للسفر خلال شهر مارس الى أثينا".
                          وفي مبنى المخابرات المصرية جرى استجوابه فاعترف تفصيلياً – وهو مذهول – بقصة سقوطه في مصيدة المخابرات الاسرائيلية .. وعقدت له محكمة عسكرية وجهت اليه التهم الآتية:
                          باع نفسه ووطنه للعدو مقابل المنفعة المادية.
                          أمد العدو بمعلومات عسكرية واقتصادية تضر بأمن الدولة ومصلحة البلاد.
                          ارتضى لنفسه أن يحمل اسماً يهودياً وجواز سفر يهودياً ورتبة عسكرية يهودية.
                          التخابر مع دولة معادية "إسرائيل" بقصد الإضرار بالعمليات الحربية لمصر.
                          التخابر مع دولة أجنبية معادية لتسليمها سراً من أسرار الدفاع عن البلاد.
                          وحكمت المحكمة بالإعدام شنقاً. . وصدق المفتي ورئيس الجمهورية على الحكم. وأثناء انتظار التنفيذ . . شعر ال**** بعظم جرمه وفداحة مسلكه. وعامله المجرمون والقتلة في السجن معاملة سيئة، وكادوا أن يفتكوا به عدة مرات كلما سنحت لهم فرصة لقائه. وأنزوى ال**** يجتر ذكرياته فتتقلص عضلات جسده.. ومضت عليه عدة أسابيع، ذاق خلالها مرارة الحسرة والذل والمهانة. . ونحتت بدنه عضات الندم .. حتى عثر عليه ذات يوم ملقى على الأرض بزنزانته وسط بركة من الدم المتجلظ . . وقد عثر على إحدى عدسي نظارته منزوعة ومهشمة. . وتبين أن هناك ثمة قطع غائر بيده اليسرى طال شريانه.
                          ترى .. هل أصابه مس من العقل وأدرك فداحة جرمه فانتحر؟
                          أم أنه استشعر الفارق الشاسع ما بين الرفاهية والحبس؟
                          أو ربما ظن أن الموساد ستنقذه لا محالة فقتلته ظنونه؟ لا أحد يعرف..
                          لكنه حتماً أفاق بعدما خسر الكثير..
                          خسر نفسه وأهله ووطنه . . وكل شيء . . كل شيء ضاع..
                          لكن اسمه سيظل دائماً بقائمة الخونة . . أولئك الذين باعوا عروبتهم بثمن بخس. . ولن يغفلهم التاريخ على مر الأحقاب . .!!

                          تعليق


                          • #14
                            الصفعة الثامنة

                            نبيل نحاس ورحلة الموت الجميل
                            اشرس جواسيس إسرائيل في مصر، ظل يمارس تجسسه وخيانته في الظل لمدة "13 عاماً" متتالية، بعيداً عن أعين جهاز المخابرات المصرية، وعند سقوطه. . أصيبت المخابرات الإسرائيلية بلطمة شديدة أفقدتها توازنها. فقد تزامن سقوطه مع سقوط جواسيس آخرين اكتشف أمرهم، وفقدت الموساد بذلك مصدراً حيوياً من مصادرها في مصر، الذين أمدوها بمعلومات غاية في الأهمية طوال هذه السنوات بلا تعب أو كلل.


                            فقد كانت الجاسوسية عند نبيل النحاس قد وصلت الى درجة الصقل والاحتراف، بعدما تعدت مراحلها الابتدائية الأولى، وتحولت مهنة التجسس عنده الى أستاذية في التخفي والتمويه والبحث عن مصادر المعلومات. ووصلت درجة الثقة في معلوماته عند جهاز الموساد لمدى شاسع من الجدية والتأكيد.

                            جونايدا روتي
                            حوت التحقيقات التي أجريت مع العديد من الخونة بمعرفة المخابرات العربية . . سواء في مصر أو في سوريا أو العراق أسراراً مذهلة عن كيفية انتقاء الجواسيس . . فمراكز المخابرات الاسرائيلية بكافة فروعها – شأنها كشأن كافة أجهزة المخابرات الأخرى – تتخذ من النظرية القائلة بأن لدى كل إنسان نقطة ضعف.. ولكل إنسان ثمن . .نقطة انطلاق للتنقيب عن ضعاف النفوس واصطيادهم .. وتخضع عملية الإيقاع بهم والسيطرة عليهم لخطوات معقدة وشائكة.

                            من هذا المنطلق .. أجاد رجال الموساد استخدام هذه النظرية باتساع . . دون اعتبارات للشرف أو للفضيلة . . وأخذوا يطرقون كل السبل لتجنيد عملاء لها في كل مكان. فمن كان يبحث عن المال وجد ضالته لديهم.. ومن كان يسعى وراء نزواته وشهوته قذفوا اليه بأجمل نسائهم. . ومن ضاقت به الحياة في بلده أمنوا له عملاً وهمياً يقوده في النهاية الى مصيدة الجاسوسية، دون أن يدري.

                            فالملاحظ. . أن "العميل" في الغالب لا يعرف أنه أصبح "عميلاً" في بداية تجنيده. . بل يكتشف ذلك بنفسه بعد انغماسه في التجسس .. وتكون شباك الجاسوسية قد كبلته وأطبقت عليه . . ولم تعد لديه أية وسيلة للفكاك.

                            حينئذ .. كالآلة الصماء يضطر الى العمل دون إدراك للعواقب. .

                            والمثير في الأمر . . أن هناك بعض الجواسيس الذين سقطوا في قبضة المخابرات العربية كانوا يجهلون أنهم عملاء لإسرائيل. . وتبين لهم ذلك فقط عندما ووجهوا بالحقائق والأدلة التي تدينهم وتؤكد تورطهم. . ومن خلال اعترافات بعضهم – فتحي رزق، محمد أحمد حسن، جان ليون توماس، فؤاد محرم، سمير باسيلي. . الخ – نجد حقائق مثيرة عن كيفية اصطيادهم وتجنيدهم . . حيث يستخدم صائدوا الجواسيس كل أسلحة التأثير النفسي والمغريات المختلفة لإذابة تركيزهم واحتوائهم. . فلكل صيد "طعم" خاص به يلقى اليه . . ومن خلال قصص الجواسيس التي بين أيدينا نجد أن بينها تشابهاً كبيراً. . ولا تكاد تختلف إحداها عن الأخرى إلا من ناحية تنوع الأسماء والأماكن والمواقف. ذلك أن صائدي الجواسيس في المخابرات الاسرائيلية لهم ميزة عجيبة وصفة واحدة .. وهي أن لكل منهم أنف كلب الصيد الذي يدرك مكان الفريسة بالشم ويحدد مكانها بدقة . . الى جانب رادار حساس في أذنيه. . يضاف الى ذلك "الكرم" الذي يصل لدرجة البذخ أحياناً. . واتقان شديد للغة العربية وعادات شعوبها.

                            هذه الصفات مجتمعة تؤمن للصياد أن يكتشف مكامن الضعف في الفريسة .. التي تكون على وشك الإفلاس . . أو قد تكون مصابة بانحراف جنسي . . أو تحلم بعلاقات حميمة مع ملكات الفتنة والأنوثة.

                            هذا ما حدث بالضبط مع الجاسوس "نبيل النحاس" الذي عبد الشهوة فأغرقته وأرقته.. وبسببها كان اصطياده سهلاً .. بسيطاً. . وما أسهل تصيد عشاق الجنس وعبدة اللذة.

                            تمتد جذور أسرته الى "حاصبيا" في محافظة لبنان الجنوبية وتقع على نهر الحاصباني وبعد سنوات طويلة انتقلت الأسرة الى "كفر شيما" بمنطقة الشويفات جنوبي بيروت ومن هناك الى مصر وأقام والده بالسويس، وتزوج من فتاة مصرية أنجبت له "نبيل" عام 1936.

                            كان الطفل يحمل ملامح والده الشامي الأشقر وعذوبة أمه المصرية. . وتميز منذ الصغر بذكاء شديد يفوق أقرانه .. فتنبأ له الجميع بمستقبل مضمون ونجاح أكيد. .

                            وتلاحقت السنون سراعاً ونجح نبيل النحاس في الثانوية العامة والتحق بجامعة القاهرة طالباً بكلية التجارة. . وبخطوات واثقة شق طريقه نحو الحياة العملية بعد تخرجه متفوقاً. . تراوده طموحات لا حدود لها. .

                            ولم يطل به الانتظار طويلاً . . إذ سرعان ما عمل سكرتيراً في منظمة الشعوب الأفرو آسيوية التي كان يرأسها الأديب يوسف السباعي . . وكان عمله كتابة محاضر الجلسات والمؤتمرات على الآلة الكاتبة.

                            ومن خلال وظيفته وموقعه.. توسعت علاقاته وتشبعت .. وتبلورت شخصيته الجديدة التي نضجت مع ملاحة ورجولة تلفت انتباه الحسان .. وتجعل منه مأملاً لهن . . فأحطنه بدلالهن ليقطف منهن من يشاء ..

                            وبمرور الشهور استشعر نبيل النحاس ضآلة راتبه الذي تعدى المائة جنيه .. في ذات الوقت الذي كان فيه راتب زميله في مكان آخر لا يتعدى الخمسة عشر جنيهاً في ذلك الوقت عام 1959. . فعمله المرموق كان يتطلب مظهراً حسناً وملابس أنيقة تتناسب ومكانته .. الى جانب حاجته للإنفاق على معيشته وعلى علاقاته النسائية وملذاته.. خاصة .. وقد ارتبط بعلاقة حميمة بفتاة أفريقية من كوناكري في غينيا . . فانجرف معها الى محيطات المتعة يجدف بلا كلل. كان اسمها "جونايدا روتي" .. خيزرانية القوام أبنوسية اللون رائعة الخلقة .. تعمل مراسلة صحفية لعدة صحف أفريقية وعالمية.

                            استطاعت جونايدا أن تمتلك عقله وتنسيه أية امرأة سواها. . فأغدق عليها بالهدايا حتى تعثرت أحواله المالية .. فوجد الحل لديها لإنقاذه من تعثره عندما عرضت عليه أن يطلب إجازة من عمله بالمنظمة .. والانضمام الى إحدى وكالات الأنباء العالمية كمراسل مقابل راتب كبير مغر..

                            وكانت أولى المهام التي أوكلت إليه السفر الى منطقة الصحراء المغربية "ريودي أورو" ومن "فيلاشيز نيروس" و "العيون" يستطيع أن ينقل أخبار الصراع السري الدائر بين المملكة المغربية وموريتانيا . . صراع النفوذ على المنطقة المحصورة بينهما.

                            كانت سعادته بالمهمة الجديدة عظيمة .. حيث ستتاح له فرصة اللحاق بالساحرة الأفريقية – جونايدا – التي سبقته الى كوناكري. . وطار النحاس الى الدار البيضاء تحفه أحلام المغامرة والثقة في الغد.

                            الطريق المختصر
                            هناك – في الدار البيضاء – كانت بانتظاره مفاجأة بدلت مجرى حياته كلها .. إذ تعرف إليه في بهو الفندق رجل مغربي .. يهودي .. عرف منه وجهته .. فعرض عليه مساعدته لدخول ريودي أورو عن طريق أعوان له في "سيدي أفني" أقصى جنوب المغرب .. وكيفية اجتياز "وادي درعة" للوصول الى الحدود.

                            سر نبيل النحاس للصدفة الجميلة التي ما توقعها.. واحتفاء بالمراسل الصحفي الوسيم .. أعد له المضيف وليمة غداء بمنزله في "أزمور" الساحرة. . التي تقع على نهر "أم الربيع" وتشرف على ساحل المحيط الأطلنطي.

                            وفي منزل تحيطه الحدائق والزهور في بانوراما طبيعية رائعة .. كانت تنتظره المفاجأة .. إنها "مليكة" اليهودية المغربية التي تستحوذ على جمال فتان لم تره عين من قبل . .

                            كانت في الواحدة والعشرين من عمرها .. إذا خطت . . تحركت الفتنة وترجرجت تحت ثيابها . . وإذا تأودت . . أغرقت الدنيا بهاء وحسناً. . وإذا تحدثت .. تموجت الأنغام سكرى على شفتيها. . وأربكت حدود العقل وأركانه.

                            أذهل جمالها المراسل الصحفي الجديد فنسي مهمته في الجنوب .. وذابت جونايدا الى القاع أمام سحر مليكة .. فقد أفقدته "حسناء أزمور" الوعي والرشاد .. وطيرت عقله الى سفوح المتعة. . فأقبل يلعق عناقيد الفتنة بين يديها . . ويتعبد منتشياً في محرابها مسلوب القرار .. فعندما يخوص الجسد بحار النشوة .. يغوس متلذذاً بالغرق لا يرجو خلاصاً من الموت الجميل.

                            الأيام تمر وفتانا نسي مهمته.. وقبع كطفل غرير بين أحضان مليكة التي أحكمت شباكها حوله وسيطرت على مجامع حواسه .. وحولته الى خادم يلبي طائعاً رغباتها.. وينقاد لرأيها ..دون أن يشك ولو للحظة في كونها يهودية تسعى لاصطياده في خطة محبوكة ماهرة أعدتها جونايدا سلفاً في القاهرة.

                            وبعدما فرغت جيوبه . . أفاق على موقفه السيء بلا نقود في بلاد الغربة .. وتمنى لو انه كان يملك الملايين ليظل الى جانب مليكة لا يفارقها أبداً. .

                            ولما قرأت فتاته أفكاره .. طمأنته . . وعرضت عليه السفر معها الى باريس حيث الحرية والعمل والثراء .. وبلا وعي وافقها .. ورافقها الى عاصمة النور والجمال ومأوى الجواسيس .. وهناك لم يفق أو ينتبه الى حقيقة وجوده بين فكي كماشة ستؤلمه عضاتها حتماً ذات يوم. . ولما أيقنت أنه سقط في براثنها بلا قوة تؤازره وتدفعه لمقاومتها. . نبهته – بالتلميح – الى ضرورة إدراك حقيقة لا بد أن يعيها .. وهي أنها يهودية تدين بالولاء لإسرائيل حتى وإن كانت مغربية المولد .. ولغتها عربية فرنسية. .

                            وعندما استقرأ المراسل الصحفي مستقبله معها . . كانت الصورة أمامه مهتزة .. إذ خلقت منه أصابع مليكة الناعمة طفلاً لا يعي .. وأبلهاً لا يقرر .. وأعمى لا يرى تحت قدميه.

                            أقام معها في شقة رائعة .. وكانت تنفق عليه بتوفير فرصة عمل له من خلال أصدقائها في باريس. . واستدعت من أعماقه كل جوانب ضعفه وجنونه . . واستدرجته للحديث في السياسة فأفاض بغزارة ..

                            وأسر إليها بما لديه من معلومات عن المنظمة الأفرو آسيوية . . وعن أشخاص بعينهم يمثلون رموزاً هامة في المجتمع الدولي .. وحدثها عن علاقاته بكبار المسؤولين في مصر .. وكانت كل تلك الأحاديث مسجلة بالصوت والصورة .. الى جانب تسجيلات أخرى أثناء استعراضه لفحولته عارياً بين أحضان عميلة الموساد.

                            كان "باسكينر" ضابط الموساد يراقب كل شيء . . ويدرس شخصية نبيل النحاس باستفاضة . . ولما حانت الفرصة المناسبة .. عرفته مليكة بفتاها .. وقدمته اليه على أنه رجل أعمال إسرائيلي يدير شركة كبرى للشحن الجوي تمتد فروعها في كل القارات .. وكان رد الفعل عند المراسل الصحفي يكاد يكون طبيعياً. . فهو يسعى الى المال أينما وجد .. وسواء تحصل عليه من يهودي أو هندوسي فلا فرق .. المهم هو الكم.

                            استخلص الضابط الامحنك حقيقة مؤداها أن الشاب المصري يريد المال ومليكة معاً. . فتولى أمره . . وتعهده ليصنع منه جاسوساً ملماً بفنون الجاسوسية.. وكانت المناقشات بينهما تبدو طبيعية لا غبار عليها .. ثم تطرق باسكينر شيئاً فشيئاً الى هويته. . وموقف العرب من إسرائيل. . واتجاهات الدبلوماسية العربية إزاء الوجود الإسرائيلي في المنطقة. .

                            في أحاديثه أيضاً تطرق الى عمليات الموساد الخارقة في البلاد العربية .. وكيف أنها تدفع بسخاء الى عملائها . . وتحرص على حمايتهم إذا انكشف أحدهم .. ونوّه – من بعيد – عن التسجيلات الصوتية والأفلام التي بحوزتهم . . والأسرار التي تحويها هذه الشرائط، وأنها قد تهلك أصحابها إذا ما وقعت في أيدي المخابرات العربية.

                            لم يكن نبيل النحاس غبياً بالدرجة التي تجعله يجهل ما يرمي إليه باسكينر . . أو يتجاهله .. إذ استوعب نواياه ومقصده . . وكان تعليقه الوحيد أنه شخصياً يتعاطف مع إسرائيل .. وأن تعاطفه هذا عن قناعة تبلورت من خلال قراءاته في تاريخ اليهود.

                            بذلك . . اختصر نبيل النحاس الطريق الطويل أمام باسكينر .. وخطا أولى خطواته الفعلية على درب الخيانة .. والخسة. .

                            أبقى باسكينر مليكة الى جوار الجاسوس الجديد. . فوجودها مهم للغاية في تلك المرحلة الأولى من الإعداد والتدريب .. ذلك لأن خضوعه كان مرهوناً بوجودها .. الى جانب آلاف الدولارات التي ملأت جيوبه فأسكرته . . وأنسته عروبته. . فقد كانت تمنحه النعيم ليلاً بينما يدربه باسكينر وزملاؤه نهاراً. .

                            كانت أولى دروس الخيانة هي كيفية استدراج ذوي المراكز الحساسة للحديث في أمور يصعب تناولها . . وتتعلق بأسرار الدولة .. واستغلال حفلات الخمر والجنس في الوصول الى أسرار غاية في الأهمية .. الى جانب ضرورة تزويد الموساد بنسخة طبق الأصل من محاضر مؤتمرات المنظمة الأفرو آسيوية التي سيعود لعلمه بها من جديد.

                            علموه أيضاً كيفية قراءة التقارير والأوراق بالمقلوب على مكاتب المسؤولين الكبار عند زياراته لهم . . واختزان الصور والرسوم والمعلومات التي يطلع عليها بذاكرته .. ثم يقوم بتسجيلها كتابة بعد ذلك . . وكيفية مراقبة المواقع العسكرية على الطريق ما بين القاهرة والسويس وكتابة تقارير وافية عن مشاهداته وإن كانت تافهة .. ويقوم بإرسالها – بواسطة الحبر السري – الى أحد العناوين في باريس – مقر الموساد المختص بجواسيس الشرق الأوسط – الذي يقوم بتجميع الأخبار والتقارير التي تفد إليه من قبرص وأثينا وبروكسل وروما فيرسلها بدوره الى تل أبيب.

                            أهلاً بك في وطنك
                            ابتدأ النشاط التجسسي الفعلي لنبيل النحاس في منتصف عام 1960 .. فقد عاد الى عمله بالمنظمة .. وكانت وظيفته ساتر طبيعي يختفي خلفه .. ولا يثير أية شبهات من حوله..

                            واستطاع من خلال علاقاته الهامة استخلاص معلومات لا يتوقف سيلها. . كانت تصل الى المخابرات الاسرائيلية أولاً بأول .. وبالتالي .. يتحصل على مقابل مادي ضخم يتسلمه في القاهرة بطرق ملتوية عديدة..

                            وبعد عامين تقريباً. . استدعى الى باريس في مهمة عاجلة .. حيث كان بانتظاره باسكينر .. الذي عهد به الى ضابط إسرائيلي آخر استطاع تدريبه على كيفية ترويج الإشاعات .. والتأثير سلبياً على الرأي العام من خلال تجمعات الأوساط المختلفة في مصر، ولقنع الكثير من أساليب الحرب النفسية والتأثير السيكولوجي، اعتماداً على لياقته ومقدرته الفذة على الإقناع، الى جانب ترسيخ فكرة الخوف من الإسرائيليين لدى المحيطين به، واستبيان آرائهم تجاه العدو وقدرات الجيوش العربية على مواجهته.

                            وبعد مرور عدة سنوات – كان نبيل النحاس من أنشط جواسيس إسرائيل في مصر. لقد نسي مليكة، ولم يعد يعرف لها وجهاً بعدما أدت مهمتها خير قيام. بينما انشغل هو بجمع أموال الموساد التي هيأت له فرص التعرف بالكثيرات غيرها، فالأموال طائلة والوثائق الهامة تقيم، والنساء على كل الألوان.

                            وفي مرحلة أخرى من مراحل صناعة الجواسيس المحترفين – أعد له برنامج تدريبي أكثر خطورة في بيروت، إذ تم إخضاعه لدورة تدريبية بواسطة خبير متفجرات عميل للموساد، فتعلم كيفية صنع المتفجرات، وتفخيخ الرسائل والطرود والتخفي والتمويه والهرب والتنكر.

                            لقد أرادوا أن يخلقوا منه جاسوساً فاعلاً وخبيراً في الأعمال الإرهابية والتدمير في مصر. وكان الخائن أشد قابلية للتشكل والتمحور وتنفيذ مخططات العدو ولو بقتل الأبرياء، وبعدما فرت من أعماقه دلائل العروبة، وسرت بشرايينه دماء تحوي كرات الخيانة بكل الصور.

                            لذلك .. تعاون بإخلاص مع الموساد في تهديد الخبراء الألمان، الذين يعملون في المصانع الحربية المصرية لإنتاج الصواريخ والأسلحة المتطورة .. بتوجيه الرسائل المتفجرة الى بعضهم، بالاشتراك ضمناً مع "يوهان وولفجانج لوتز" عميل الموساد الشهير في القاهرة الذي ألقى القبض عليه في فبراير 1965 ولم يجر إعدامه.

                            وبرغم عدم اكتشاف أمره – إلا أن نبيل النحاس لم يتوقف بعد سقوط لوتز، واحتل مرتبة الصدارة لدى المخابرات الاسرائيلية في المنطقة. وقام بدور حيوي في نقل أسرار عسكرية وحيوية الى إسرائيل قبل نكسة يونيو 1967 . . ساعدت العدو على اجتياح الأراضي المصرية واحتلال سيناء. واعتبر نبيل النحاس نجاح إسرائيل في هزيمة العرب نتاج تعاونه معهم وإمدادهم بوثائق خطيرة وتقارير تشكل الصورة الواقعية للعسكرية المصرية .

                            وفي عام 1968 أفرجت مصر عن "لوتز" في صقفة مع إسرائيل للإفراج عن عدد كبير من أسرى الحرب لديها. وأحس نبيل بالزهو، فالصفقة منحته قدراً هائلاً من الثقة في مخابرات اسرائيل التي لا تترك جواسيسها وعملاءها نهباً للقلق، إذ تسعى لمبادلتهم وبأي ثمن حماية للجواسيس الآخرين الذين يعملون في الخفاء، ويتملكهم الرعب عند سقوط أحدهم في قبضة المخابرات العربية.

                            لقد اطمأن أخيراً على مستقبله في حالة سقوطه، فسوف تتم مبادلته هو الآخر ليعيش بقية حياته في إحدى الفيلات الرائعة بإسرائيل، ينعم بالأمن وبالأموال الكثيرة.

                            هذا الهاجس الذي عاشه، جعل منه خائناً خطيراً لا يتورع عن بيع أي شيء ذي أهمية لإسرائيل. . وكانت زيارته الى تل أبيب حلماً يراوده، وأملاً ينشده. لقد أراد أن يرى إسرائيل من الداخل ويتجول بين مدنها ويتخير لنفسه بيتاً نماسباً قد يسكنه ذات يوم. وأعدوا له برنامجاً مشحوناً ينتظره قبل زيارته لإسرائيل بعدة أسابيع، وأثناء تواجده في أثينا. . كانت خطة سفره قد اكتملت.

                            ففي غفلة عن الأنظار اختفى نبيل فجأة من فندق "بوزايدون". . وفي المطار كان ثمة رجل أشقر تغطي وجهه نظارة سوداء، ويرتدي معطفاً ترتفع ياقته لتخفي بقية وجهه، يحمل جواز سفر إسرائيلياً باسم "شاؤول ياريف" ولا يتحدث مع أحد. خطواته الواثقة قادته الى السيارة التي أقلته حتى طائرة العال الإسرائيلية الرابضة على الممر، وعن قرب كان يتبعه رجل آخر لا يبدو أنه يعرفه.. إنه باسكينر ضابط الموساد الذي خلق منه جاسوساً محترفاً، وفي مطار بن جوريون كانت تنتظره سيارة ليموزين سوداء ذات ستائر، سرعان ما دلف اليها .. فأقلته الى مكان لا يعرفه سوى قلة من ضباط الموساد الذين استقبلوه بحفاوة بالغة.

                            وفي مكتب "زيفي زامير" رئيس الموساد الجديد كان اللقاء أكثر حرارة، إذ ترك زامير مكتبه وجلس قبالته يتأمل وجهه العربي الصديق، وعرض عليه خدمات الموساد فاختار الخائن أولاً أن يلتقي بالسيدة جولدا مائير، فصحبه الى هناك حيث اصطف أكثر من خمسة وعشرين جنرالاً إسرائيلياً لتحيته، واحتضنه أحدهم قائلاً له "أهلاً بك في وطنك إسرائيل" وصافحته جولدا مائير بحرارة، وأمرت بتلبية كل مطالبه ولو كانت مستحيلة. وقالت لزامير: "شكراً على هديتك الرائعة التي جلبتها لإسرائيل" وعلق الخائن قائلاً:
                            لم أكن أحلم قبل اليوم بأكثر مما أنا فيه الآن. أشعر أنني بين أهلي، ويكفيني هذا الشعور سيدتي.

                            وأمرت له رئيسة الوزراء بمكافأة خاصة وقدرها خمسة وعشرين ألف دولار من مكتبها، بخلاف ما سيحصل عليه من أموال الموساد. .

                            وفي الفيلا التي نزل بها كانت مفاجأة مدهشة .. إنها مليكة .. أجمل النساء اللاتي أسكرنه ، والعميلة المحترفة التي أوقعت به صيداً سهلاً في شرك الجاسوسية لصالح الموساد. فجددت معه ذكرى الأيام الخوالي .. وأغدقت عليه من نبع أنوثتها شلالات من المتعة تمنحها له هذه المرة ليس بقصد تجنيده كما حدث في المغرب، بل لتكافئه على إخلاصه لإسرائيل.

                            لم تكن هناك فروق بين إحساس المتعة في الحالتين. فمليكة أنثى مدربة تعرف كيف تغرقه في بحورها. . وكلما أرادت إنتشاله جذبها مرات ومرات. فما أحلى الغرق في بحور فاتنة مثيرة، وما ألذه من موت جميل !!

                            ستة عشرة يوماً بين ربوع إسرائيل زائراً عزيزاً، عاد بعدها نبيل النحاس الى أثينا بآلاف الدولارات التي كوفئ بها من إسرائيل.. والتي زادته شراهة في الخيانة، وعبقرية في جلب المعلومات. .

                            فالمنطقة العربية تغلي كبركان على وشك الفوران والثورة .. والشعب العربي هديره مطالباً بالثأر يصم الأذان، وحالة ترقب في إسرائيل وانتظار لصحوة المارد العربي . . الذي سقط يتلوى يبغي الوقوف والصمود.

                            بكاء الذليل
                            كانت المهمة بالنسبة لنبيل أشد صعوبة برغم سنوات الخيانة والخبرة، وبرغم احتضان مصر له لم يحفظ لها الجميل بعدما تعهدته طفلاً، ونشأته صبياً، وعلمته شاباً، ونخرت الخيانة عظامه كالسوس يسعى لا علاج له سوى الهلاك والفناء. فبارد على الفور في استكشاف النوايا تجاه إسرائيل، ونشط في جمع أدق المعلومات عن تسليح الجيش، والمعدات الحديثة التي تصل سراً من الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية، وانغمس في ملذاته بصحبة فتيات الليل، يجلب لهن بعض المناصب والعارفين بالأمور العسكرية.

                            ومن خلال حفلات المجون كانت المعلومات تتناثر هنا وهناك، فيلتقطها بعقل واع يقظ ويدونها، ويبعث بها في الحال الى مكتب الموساد في جنيف.

                            وعندما تلقى رسالة مشفرة من رؤسائه تطلب منه معلومات مركزة عن حركة ميناء الاسكندرية، لم يتأخر في تنفيذ الأمر، وأسرع الى الاسكندرية للقاء صديق له يعمل في شركة تمارس نشاطات بحرية، وأغدق عليه بالهدايا الثمينة . . فانتبه صديقه لذلك وتساءل مع نفسه "لماذا"؟ وادعى جهله بأمور تجري بالميناء الحيوي .. فوجد إلحاحاً من الخائن يطلب منه تزويده بما يخفى عنه .. بحجة عمله كمراسل لوكالة أنباء دولية.

                            رلم يكن نبيل يدرك مطلقاً أن صديقه قد انتابته الشكوك .. فبادر على الفور بإبلاغ المخابرات المصرية ووضع العميل تحت المراقبة الشديدة.

                            وبعد نصر أكتوبر 1973 صدم الخائن لهزيمة إسرائيل. وفي روما عنفه ضابط الموساد واتهمه بالإهمال الجسيم الذي أدى لهزيمتهم الساحقة أمام العرب. وأقسم له الخائن أنه لن يقصر، ولكن الضابط كان ثائراً ولم يستطع أن يخفي انفعاله وغضبه.

                            تخوف نبيل من فكرة الاستغناء عن خدماته للموساد.. لذلك عاد الى مصر في الرابع عشر من نوفمبر 1973 حانقاً، وبداخله تصميم قوي على "تعويض" هزيمة إسرائيل، وتملكه بالفعل اعتقاد بأنه أهمل في عمله ولم يكن دقيقاً في نقل نوايا المصريين.. وبنشاط مجنون أخذ يبحث عن مصادر لمعلومات وإجابات يحمل أسئلتها. وفي غمرة جنون البحث .. كانت المخابرات المصرية تلاصقه كظله وتريد ضبطه متلبساً بالتجسس.

                            وفي 24 نوفمبر 1973 – بعد عشرة أيام من عودته من روما – اقتحمت المخابرات المصرية شقته في القاهرة، وضبطت أدوات التجسس كاملة، فلم يستطع الإنكار وإنهار باكياً أمام المحققين. . وأدلى باعترافات تفصيلية ملأت مئات الصفحات، وهو لا يصدق أنه سقط بعد 13 عاماً كاملة في مهنة التجسس التي أجادها واحترفها. وقدم الى المحكمة العسكرية وظل لآخر لحظة ينتظر المفاجأة .. مفاجأة مبادلته والعودة الى "وطنه إسرائيل".

                            لكن خاب ظنه وقتل أمله . . فالجيش المصري كان هو الغالب المنتصر في أكتوبر 1973 .. والأسرى كانوا هذه المرة جنوداً إسرائيليين، وليس هناك أمل لمبادلته على الإطلاق.

                            لقد كانت إسرائيل في محنة ما بعدها محنة. ولا وقت هناك للتفكير في إنقاذ خائن باع وطنه رخيصاً، بحفنة من الدولارات، وبآهات غانية تتلوى بين أحضانه. .

                            وكمثل جواسيس خونة آخرين اكتشف أمرهم. . أنكرت إسرائيل معرفتها به، وتجاهلته ليموت ذليلاً لا ينفعه بكاء الندم .. أو تقيه أموال الموساد من حبل المشنقة.. !!

                            تعليق


                            • #15
                              الصفعه التاسعه


                              التاريخ الاسود للموساد
                              حرب الدهاء بين المخابرات المصرية وجواسيس الموساد


                              بكل المعايير والمقاييس، فشل العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا واسرائيل ضد مصر عام 1956 في تحقيق أهدافه.. والأكثر من ذلك، أن هذا العدوان تحول إلي كارثة دمرت مستقبل رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن ونظيره الفرنسي جي موليه.. وظهرت اسرائيل ربما لأول مرة امام العالم في صورتها الحقيقية كدولة توسعية معتدلة..

                              وأصيب قادة اسرائيل من أمثال دي÷يد بن جوريون وموشي ديان وجولدامائير بالإحباط خاصة وأن جمال عبدالناصر خرج من هذا العدوان الثلاثي زعيما كبيرا للمنطقة العربية وربما لكل الشعوب التي تعاني من الاستعمار..



                              الإحباط!


                              ووسط مناخ الإحباط الذي عاشته اسرائيل في ذلك الحين، إتفق الزعماء الصهاينة علي إحياء أكذوبة اضطهاد اليهود في الحرب العالمية الثانية من خلال شن حملة كبري ضد قادة النازي الهاربين في مختلف انحاء العالم.. وبمعني آخر، كانت اسرائيل تسعي لخوض معركة سهلة تستعيد فيها كرامتها المفقودة في حرب السويس.

                              وهكذا، اختار زعماء الموساد هدفا سهلا يتمثل في بعض الضباط النازيين الهاربين وجرت مطاردة هؤلاء الضباط وسط حملة دعائية كبري صورت هذه المطاردة التي قام بها عملاء الموساد علي أنها عمل بطولي تفخر به اسرائيل..

                              في ذلك الحين كان رئيس الموساد هو أيسير هاريل الذي اختار قائدا ألمانيا سابقا هو أدولف أيخمان ليكون هدفا لأكبر عملية نفذتها المخابرات الاسرائيلية في حملتها ضد قادة النازي الهاربين..
                              كان أنجمان يوصف بأنه الوحش الذي أشرف علي أفران الغاز حيث يزعم الصهاينة أن ملايين اليهود أحرقوا داخلها وهم أحياء..

                              وقد هرب أيخمان الي الأرجنتين بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية وحاول الحياة متنكرا للهروب من ماضيه النازي. وعندما وصلت معلومات إلي رئيس الموساد حول وجود أيخمان في الأرجنتين وضع خطة تحقق لجهاز المخابرات الاسرائيلي شهرة عالمية وفي نفس الوقت تلفت الانظار بعيدا عن الدور الاسرائيلي القذر في العدوان الثلاثي وتعمق عقدة الذنب لدي العالم تجاه اليهود بسبب أسطورة المذابح النازية أو الهولوكوست..

                              وعلي الفور، قرر أيسير هاريل رئيس الموساد تشكيل فرقة خاصة تضم 11 رجلا وامرأة من عملاء الموساد لإختطاف أيخمان إلي اسرائيل..

                              وكانت التعليمات الصادرة لهؤلاء العملاء تقضي بعدم قتل أدولف أيخمان تحت أي ظرف من الظروف وأهمية أن تتم هذه العملية في الارجنتين دون علم السلطات الأرجنتينية..

                              وسافر رئيس الموساد بنفسه الي الأرجنتين لترتيب عملية اختطاف أيخمان علي متني طائرة ركاب تابعة لخطوط الطيران الاسرائيلية (العال).

                              وإختار رئيس الموساد يوم الاحتفال بعيد الاستقلال في الأرجنتين للقيام بهذه العملية علي أساس أن الطائرة ستتوجه إلي هناك لإحضار أبا ايبان وزير خارجية اسرائيل بعد مشاركته في هذا الاحتفال..

                              وبالفعل تم تهريب أيخمان إلي الطائرة التي حملته الي تل أبيب.. وبعد ذلك، تفجرت حملة إعلامية كبري جعلت عملية اختطاف أيخمان تبدو في صورة انتصار تاريخي للموساد.

                              ووصلت الأمور إلي حد أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بن جوريون ألقي خطابا أمام الكنيست في مايو 1960 قال فيه:

                              'يسعدني أن أعلن نجاح أجهزة الأمن الاسرائيلية في القبض علي أحد عتاة المجرمين النازيين وهو أدولف أيخمان الذي يتحمل مع غيره من قادة النازي مسئولية الحل النهائي للمشكلة اليهودية عن طريق ابادة ستة ملايين يهودي، وسوف يتم تقديمه للمحاكمة وفقا للقانون الاسرائيلي.

                              وأصدرت المحكمة الاسرائيلية حكمها باعدام أيخمان وتم تنفيذ حكم الاعدام شنقا..

                              والغريب أن الصهاينة والاسرائيليين واليهود اعتبروا إعدام أيخمان مسألة أخلاقية رغم الانتقادات التي أعرب عنها الكثيرون إزاء العديد من النقاط الهامة في هذه القضية..

                              ومن أبرز هذه النقاط أن أيخمان كان رجلا عجوزا طاعنا في السن وقد إختطفه عملاء الموساد وتم تقديمه للمحاكمة بعد حوالي ربع قرن من الجرائم المنسوبة اليه.

                              كما انتهكت المخابرات الاسرائيلية سيادة دولة المفروض أنها صديقة لاسرائيل هي الأرجنتين دون علم السلطات الأرجنتينية

                              وفي ذلك خرق واضح للأعراف والتقاليد وللقانون الدولي.



                              حرب الجواسيس


                              وقد كان الألمان طرفا في حرب الدهاء بين المخابرات المصرية والاسرائيلية.. وحدث ذلك بالتحديد في واقعة العلماء الألمان الذين حضروا إلي مصر للمشاركة في دعم برنامج التسلح المصري وخاصة في مجال الصواريخ..

                              فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عمل الكثيرون من الضباط والعلماء الألمان مع الأمريكيين والسو÷ييت وتوجه بعضهم ايضا إلي مصر التي كانت اسرائيل تعتبرها مصدر التهديد الرئيسي للدولة اليهودية.
                              وإتفق قادة الموساد علي ضرورة ارسال جاسوس ألماني إلي مصر يعيش وسط هؤلاء العلماء وينقل تفاصيل مهمتهم مع المصريين.. ووقع الاختيار علي ضابط سابق يدعي فولفجانج لوتز وكانت أمه ممثلة يهودية تزوجت من ألماني يعمل مديرا لأحد المسارح ثم هربت من ألمانيا إلي فلسطين عام 1933 والتحق ابنها بالجيش البريطاني في الشرق الأوسط وحصل علي رتبة ضابط.. ونظرا لإجادته اللغة الألمانية فقد تم تكليفه بالتحقيق مع الأسري الألمان من قوات الجنرال روميل ثعلب الصحراء بعد هزيمته في معركة العلمين أمام الجنرال البريطاني مونتجومري.

                              والتحق فولفجانج لوتز بعد ذلك بعصابات الهاجاناه 'جيش اسرائيل السري' ووصل إلي رتبة ميجور في جهاز مخابرات وزارة الدفاع الاسرائيلية.

                              وبسبب ملامحه الالمانية الأرية، لفت فولفجانج لوتز أنظار المسئولين في المخابرات العسكرية الاسرائيلية الذين فكروا في الاستفادة منه كجاسوس بين المهندسين والعلماء الألمان في مصر..

                              وتم وضع الخطة الخاصة بمهمة لوتز وهي التخفي في صورة ضابط سابق بالجيش النازي 'السفيرماخت' خاصة في ضوء خبراته التي اكتسبها أثناء التحقيق مع جنود وضباط الفرقة 115 التابعة للجنرال روميل والذين وقعوا في أسر القوات البريطانية أثناء معركة العلمين..

                              وتظاهر لوتز بأنه خدم مع هذه الفرقة أثناء الحرب وتم تزويده بوثائق وأوراق رسمية تثبت أنه ضابط ألماني سابق والأكثر من ذلك أنه تزوج من سيدة ألمانية تدعي فولدروت نيومان.. كل ذلك بسبب الرغبة في إخفاء هويته اليهودية وعلاقته باسرائيل..

                              وإستغل الموساد أساليب الإبتزاز والإرهاب لإجبار المسئولين الألمان علي التعاون معهم.. وتم تدريب الجاسوس لوتز في مؤسسة تابعة للمخابرات الألمانية بأقليم با÷اريا.. وفي النهاية، سافر إلي مصر متنكرا في شخصية ألماني يتحدث اللغة العربية واستأجر ÷يلا فاخرة في ضاحية مصر الجديدة وتظاهر بأنه من هواة تربية الخيول العربية وإنضم لعضوية نادي الفروسية في الجزيرة..

                              ومن هذا الموقع، استطاع ÷ول÷جانج لوتز الدخول في صداقات عديدة مع هواة الخيول المصريين والأجانب ورحب به الألمان الذين يقيمون في مصر.. وكان ينفق عليهم بسخاء ويقيم لهم الحفلات من أموال المخابرات الاسرائيلية..

                              ونظرا لخبراته الهائلة في المجال العسكري، استطاع لوتز أن يزود الموساد بمعلومات خطيرة عن برامج الصواريخ المصرية.

                              وفي شهر يوليو عام 1962، أطلقت مصر أربعة صواريخ للتجارب أحدها مداه يتجاوز 175 ميلا وتستطيع الصواريخ الأخري الطيران لمسافة 350 ميلا وأعلن الرئيس جمال عبدالناصر أنه يستطيع تدمير أي هدف جنوبي بيروت مما أدي لاثارة الذعر في اسرائيل..



                              عمليات التخريب


                              وطلب الموساد من فولفجانج لوتز تقريرا وافيا حول الصواريخ المصرية الجديدة.. وقام لوتز بالمهمة وسلم التقرير لايسير هاريل رئيس الموساد الذي سلمه بدوره لديفيد بن جوريون، وكتب لوتز في تقريره ان الرئيس عبدالناصر يسعي للحصول علي عدد كبير من الصواريخ يتيح له إطلاق وابل منها علي اسرائيل دفعة واحدة.

                              وفي مواجهة هذا الوضع، قررت أجهزة المخابرات الاسرائيلية تنفيذ عملية في مصر يطلق عليها اسم 'دامو كليس' وكان ذلك في سبتمبر .1962 وملخص هذه الخطة هو تدبير اغتيالات وتفجيرات ضد العلماء الألمان في مصر.. وتم ارسال خمسين خطاب تهديد لهؤلاء العلماء وبعد ذلك، بدأت شحنات الطرود الناسفة تنفجر في العلماء الألمان.

                              وكان المسئولون الاسرائيليون من أمثال ديفيد بن جوريون وجولدامائير حريصون علي ألا تؤدي هذه العمليات إلي إثارة أي أزمة مع ألمانيا التي كانت تقدم مساعدات رهيبة لاسرائيل في إطار ما يسمي بالتعويضات عن مذابح النازي ضد اليهود..

                              أما قادة الموساد وخاصة ايسير هاريل فكانوا يرون ان هناك مؤامرة ألمانية ضد اسرائيل.. وفي النهاية حدث صدام بين دي÷يد بن جوريون وهاريل حول هذه النقطة خاصة وأن المخابرات سربت بعض التقارير للصحف حول هذه المؤامرة الألمانية المزعومة لدعم مصر عسكريا مما أدي إلي اثارة حالة من الذعر في اسرائيل.. ووصلت الأمور إلي حد استقالة رئيس الموساد من منصبه ولكن بن جوريون رفض هذه الإستقالة وطلب منه تقريرا كاملا عن كل شكوكه بشأن الدور الألماني في دعم برنامج التسلح المصري بشرط أن تكون معلوماته حقيقية ومؤثقة ولاتقوم علي الأقاويل والشائعات..

                              وبعد هذا التوبيخ من جانب رئيس الوزراء تمسك رئيس الموساد باستقالته قائلا انه ليس بمقدوره البقاء في منصبه بعد هذا الخلاف العميق مع رئيس الوزراء الاسرائيلي.

                              حتي ذلك الحين، كان الجاسوس ÷ولفجانج لوتز مازال يمارس عمله السري في مصر وهو يشعر بأنه في أمان تام لدرجة جعلته يتجاوز كل حدود الحيطة والحذر..

                              وعندما حصلت مصر علي بعض الأجهزة الإلكترونية المتقدمة من الاتحاد السوفييتي، تمكنت المخابرات المصرية من رصد رسائل الراديو التي كان لوتز يبعث بها لاسرائيل وتم القاء القبض عليه في شهر يوليو 1965 وقدم للمحاكمة حيث صدر الحكم بأدانته وسجنه مدي الحياة.
                              الجدير بالذكر ان في احد احاديث فولف جانج لوتز للصحافه قبل وفاته قال ان ضابط المخابرات المصري قد قام بالذهاب مباشره الى كتاب الشفره مما يعني بان المخابرات العامه قد كشفته من داخل جهاز الموساد نفسه

                              وقضي ÷لوفجانج لوتز عامين في السجن وتم الافراج عنه بعد ذلك في إطار صفقة لتبادل أسري حرب يونيو 67 وعاد إلي اسرائيل مع زوجته الألمانية وحاول اقامة مدرسة للفروسية وركوب الخيل قرب تل أبيب ولكن هذا المشروع باء بالفشل.. فهاجر إلي الولايات المتحدة لاقامة بعض المشروعات الاستثمارية ولكنها لم تنجح ايضا فتوجه إلي ألمانيا عام 1978 وقدمت له المخابرات الاسرائيلية ألف دولار ومعاش شهري لاتتجاوز قيمته 200 دولار ما اضطره للعمل في وظيفة حقيرة كحارس في أحد المخازن وعاش لوتز حياة صعبة في سنواته الأخيرة حتي مات وحيدا فقيرا بائسا رغم كل الخدمات التي قدمها للموساد

                              تعليق

                              يعمل...
                              X