إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حقيقة الحياة الدنيا كتاب رائع جدا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16


    ونفهم من هذه الآية أن تنشئة الإنسان وتربيته على ضوء هذه الحقائق تعتبر من المهام الأصيلة. ولكن إن تمت تنشئة الطفل على أسس دنيوية وما توفره من فوائد ومنافع مؤقتة وزائلة, فستكون كالأعمال الدنيوية الزائلة الأخرى التي لا تحمل هدفاً نبيلا ولا غاية فاضلة. وعلاوة على هذا فإن الشخص الذي يربي أولاده من أجل كسب رضى الله تعالى لن يخسر شيئا حتى وإن لم يلتزم أولاده بالأسس الأخلاقية الإسلامية وبأخلاق المؤمنين الصالحين. لأنه إنما يقوم بأداء ما عليه ويترك الباقي لرب العالمين. وبما أن الله تعالى ولي أمر الناس جميعا، فإن الشخص الذي يقوم بتربية أولاده حسب ما يرضاه الله تعالى فإنه سيحصل في النهاية على أجر ويكتب له في حسانته.

    أما الذي يكون جل تفكيره محصورا في الدنيا ويربي طفله على هذا الأساس فإنه إضافة إلى أنه لن يجد في ولده ما كان يطمح إليه في الدنيا, فإنه في الآخرة لن تكون له أي فائدة لولده، ولا أي فائدة لولده له. ويشير القرآن الكريم إلى هذه المسألة بقوله تعالى :

    فإذا جَاءَتْ الصَّاخَّة يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيه وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (سورة عبس 33 – 37 )

    فكما ذكرنا سابقا فإن الإنسان خلق فقط من أجل أن يؤدي فروض العبودية الحقة لله رب العالمين, و جميع مظاهر الزينة التي وفرت له في الحياة الدنيا ليست سوى وسيلة اختبار له فيما إذا كان سيقوم بفروض العبودية إذاء الله تعالى أو فيما إذا كان سيعيش حياة مناسبة من أجل كسب رضى الله تعالى أم لا.

    لهذا لاشك أن الإنسان بعد موته سوف يحاسب على العبادات التي أداها في الحياة الدنيا أو على ما اقترفه من عصيان وجحود وتمرد, وعلى حسب هذه الأفعال فإنه سوف يكافأ مكافأة سخية بأن يفوز بالسعادة الأبدية ويدخل الجنة أو أن يخسر خسراناً مبينا ويدخل عذاب جهنم.

    ولهذا السبب, فإن كل أنواع هذه الزينة والتي تخلب لُباب البشر لا تحمل أي قيمة تذكر عند الله تعالى. إن الذي يقرب الإنسان من الله تعالى ويجعله ينجو من عذاب جهنم يوم الحساب ليس ما يمتلكه من أولاد وأموال، بل ما يملكه من تقوى وإيمان ثابت لا يتزحزح, وهذا هو ما توضحه الآيات الكريمة بشكل واضح :

    وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أو لَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ( سورة سبأ 37 )

    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أولادهم مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( سورة آل عمران 116 )

    لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أولادهم مِنْ اللَّهِ شَيْئًا أولئك أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(سورة المجادلة 17 )

    الكوارث

    إن الدنيا التي نعيش فيها هي مليئة بالكثير من الأخطار الداخلية والخارجية وإن كنا لا نعي ذلك كثيرا مثل النيازك والثقوب السوداء والنجوم المذنبة, وهذا يمثل جزأً صغيراً من تلك الأخطار. و إذا نزلنا إلى أعماق الأرض نصادف وجود طبقة سائلة تصل درجة حرارتها إلى آلاف الدرجات المئوية, وليس من الغريب أن نقول بأن هناك كرة نارية تغلي تحت أقدامنا، وبالإضافة إلى هذا, فإن هناك غلافا جويا يحيط من كل جهة بكرتنا الأرضية وتقوم بوظيفة الحماية. وبالإضافة إلى وظيفة الحماية التي يقوم بها الغلاف الجوي, فإن هناك حوادث جوية يكون مصدرها الغلاف الجوي والتي تحمل تأثيراً قويا جداً مثل العواصف والأعاصير.

    كل عناصر التهديد هذه تكون فعالة بين الحين والآخر, وتكون هناك خسائر مادية وبشرية نتيجة لهذه الحوادث والتي تسمى باسم الكوارث الطبيعية, وتأتي الزلازل وانفجارات البراكين والفيضانات والأمواج البحرية العملاقة والعواصف والأعاصير والحرائق الكبيرة في مقدمة هذه الحوادث حيث أن كل من هذه الآفات الطبيعية لها تاثيرات مختلفة. والعامل المشترك لكل هذه الآفات الطبيعية هو أنه في زمن قصير يمكنها أن تدمر مدناً ومافيها من أناس ومخلوقات حية, وتكون هذه الخسائر فادحة وجسيمة. والإنسان لايملك أي إمكانية وقوة تجعله يحول دون وقوع هذه الحوادث, وما دام الإنسان لا يواجه هذه الكوارث فإنه لا يريد التفكير فيها مع علمه بإمكانية حدوثها في كل لحظة.

    إن الحياة على وجه الأرض تسير وفق ميزان دقيق جداً, لهذا فإن هذه الأشكال من الحوادث الكبيرة لا تكون فعالة على مساحات شاسعة, وبأخذ جميع أنواع الأحياء على وجه الأرض ومن ضمنها الإنسان فإن هناك حماية خاصة لهم, لكن الله تعالى يريد تبصرة الإنسان من حين إلى آخر إلى إمكانية كون المكان الذي يعيش عليه غير آمن. كما أن الله تعالى يدفع الإنسان لكي يدرك من خلال هذه الكوارث التي استعرضناها فقدان القدرة على التحكم في الكوكب الذي يعيش عليه, ويجعلهم يشهدون عجزهم وضعفهم بأنفسهم, وأن يأخذ وا العبر والعظات من خلال تفكيرهم بعدما شهدوا كل هذه الكوارث. حسناً, فيما عدا هذا, ترى أي نوع من أنواع العبر والعظات يكون الإنسان قد استفادها من كل هذا ؟

    كما استعرضنا في بداية الكتاب بأن هذه الدنيا هي المكان الذي خلقه الله تعالى لكي يمتحن به الإنسان ولكي يميز بين الصالح والطالح, وأن الله تعالى قد بين هذه الحقيقة بقوله تعالى :

    وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض فِي سِتَّةِ أيام وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( سورة هود 7 )

    إن هذا الامتحان الخاص بالدنيا قد هيئ بشكل كامل خالي من أي نقص إلى درجة أن كل أمر وكل حادث يحدث في هذه الدنيا يعود إلى سبب معين. وكل تفصيل من تفاصيل هذه الحوادث يقع ضمن قاعدة السبب – النتيجة. فمثلا إن إمكانية وقوف الإنسان وسيره على وجه الأرض يعود إلى قانون الجاذبية الأرضية والتي تمنحه هذه الإمكانية وتساقط الأمطار تحدث نتيجة الغيوم والرياح والموت والحوادث و الأمراض لابد وأن تحدث لسبب ما.

    ومما لاشك فيه أنه يمكن ملء صفحات عديدة تزخر بأمثلة توضح علاقات السبب – النتيجة, ولكن المهم هنا هو كون هذا النظام غاية في الكمال والاتساق, وإحدى خصائص هذا النظام كونه في كل حادثة يساير منطق البشر. فالله تعالى يحذر وينذر البشر بين الحين والآخر بإرساله الكوارث الطبيعية ولنأخذ مثلا ً لإحدى هذه الكوارث, ففي الزلازل, تموت أعداد كبيرة من البشرمن شيوخ وشباب، رجال ونساء وحتى أطفال صغار. فكثير من الناس الذين تغلب عليهم الغفلة ينظرون إلى هذه الكوارث ويعتبرونها شيئاً طبيعياً, ولا يفكرون في أن كل هذا قد خلق من أجل غاية معينة. والآن لنتأمل جيدا ماذا كان سيحدث لو أن هذه المصيبة قد حلت فقط بالذين اقترفوا الآثام والذين هم خارجون عن الطريق الذي رسمه الله تعالى للبشر ؟

    لاشك أن مفهوم الامتحان يكون قد انتهى تماما, ولكن الله تعالى لم يكن ليسمح بهذا. وكما ذكرنا أعلاه فجميع الحوادث التي تحدث على وجه الأرض قد هيئت إلى حد كبير بشكل طبيعي ضمن ميزان دقيق لا يقبل الخطأ. والإنسان المؤمن الذي يدرك وجود الله والذي يكون صاحب فهم عميق يدرك أن هذه الحوادث والتي تحمل هذا الشكل الطبيعي قد حصلت لحكمة معينة, وكما ورد في الآية الكريمة:

    كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ( سورة الأنبياء 35)

    فإن الله تعالى قد أشار إلى أنه يمتحن بني البشر بين الحين والآخر بحوادث سيئة وطيبة. فقد يقع حدث ما يذهب ضحيته كثير من الناس، فيحزن أناس لكثرة هؤلاء الضحايا، لكن ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أن الله تعالى صاحب العدالة الأبدية سوف لن يحرم يوم القيامة أحدا من أخذ حقه.

    إن كل ما يواجه الإنسان في هذه الدنيا من حوادث هو بمثابة التجربة والامتحان, وسوف يلاقي الجميع يوم القيامة جزاءهم وما كسبت أيديهم سواء أكانوا من الصابرين, أم كانوا من الغافلين عن هذا الامتحان. لذا نرى أن الذين يدركون عظمة الله حق الإدراك, والمرتبطين من أعماق قلوبهم بالله تعالى هم المدركون لسر هذه الدنيا. فإذا أصابتهم مصيبة يهرعون إلى الله تعالى تضرعا وخيفة ويطلبون عفوه ومغفرته, لأنهم يعرفون أن الله تعالى قد وعدهم في قرآنه الكريم بقوله تعالى :

    وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَ الأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إليه رَاجِعُونَ أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ( سورة البقرة 155- 157 )

    فكما ورد في الآية الكريمة، فإن جميع البشر, المؤمنين وغير المؤمنين سيتم اختبارهم من خلال بعض الحوادث, فبعضهم من خلال الآفات الطبيعية, وبعضهم من خلال حوادث تقع في حياتهم اليومية, والبعض الآخر من خلال بعض الأمراض والمحن وهي حقائق ليست ببعيدة في هذه الدنيا عن الإنسان. وهذه المصائب التي تلحق ببعض الأفراد يمكن أن يشمل تأثيرها نواحي مادية ونواحي معنوية من حياة الإنسان.

    على سبيل المثال, قد يلحق الإفلاس بشخص كان في يوم ما يعيش حياة مرفهةً، وقد تفقد إمراة حسناء جمالها إلى غير رجعة أو أن يتعرض الإنسان إلى مرض ليس له دواء أو علاج, ومثال ذلك أيضا تعرض بعض المدن بين الحين والآخر إلى عاصفة مفاجئة تسبب دمارا واسعا غير متوقع، وهذا يكشف أن حياة الإنسان مرهونة ببعض اللحظات القصيرة. المهم من كل هذا أن يستوعب الإنسان الدروس اللازمة ويستنتج منها العبر والعظات. والله تعالى يريد أن يرسل رسالة إلى بني البشر من خلال هذه الكوارث التي تحدث كل هذه الأضرار المادية والمعنوية لكي يعوا ما هم فيه وأن يعودوا عن ضلالهم وانحرافهم إلى الطريق المستقيم الذي رسمه الله تعالى لجميع البشر في هذه الدنيا.

    وكما هو الحال بالنسبة لبقية الأشياء التي لم يخلقها الله عبثا ً في هذه الدنيا, فإن الله تعالى الذي ابتلى البشر بهذه الكوارث كي تكون لهم إحدى وسائل الإنذار والتنبيه. وبين الله تعالى قد بين في قرآنه الكريم بأن ليس هناك أي شيء يمكن أن يحدث في هذا الكون من دون إذن من الله بقوله تعالى:

    مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (سورة التغابن 11)
    وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( سورة آل عمران 145 )

    وإلى جانب جميع هذه الكوارث والصعاب فإن هناك حكمة ً وغاية ً وراء كل هذا:

    إن الإنسان الذي يرى نفسه في هذه الدنيا صاحب قوة وجبروت، سيدرك مدى عجزه وضعفه أمام الكوارث التي يمكن أن تحدث في أي لحظة بمشيئة الله, فيكون بلا حول ولا قوة لكي يساعد نفسه أو حتى يقدم المساعدة للآخرين, ولأن كل شيء بيد الله تعالى فليس هناك قوة غير الله سبحانه وتعالى الذي يمكن أن تقدم الفائدة أو الضرر. وهذه الحقيقة تبينها الآية التالية:

    وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( سورة الأنعام 17 )


    في هذا القسم سوف نقوم باستعراض جميع أنواع الكوارث, والآفات الطبيعية, وتأثيراتها والتي وقعت إلى الآن على سطح الأرض, لكي يدرك الذين يرتبطون بهذه الدنيا ارتباطا كليا أنها ليست المكان الذي يستحق كل هذا الاهتمام, والتذكير بأهمية كون حياة الآخرة هي المكان المثالي الذي يستحق العيش فيه.

    فالذي نستعرضه أمام أنظار القراء الكرام هي حقائق تظهر كيفية وقوع الإنسان في حالة من العجز المطلق أثناء وقوع هذه الكوارث وحتى بعد انتهائها. إن هذا العجز الذي يعيش فيه الإنسان آية تعبير على أن قوة الإنسان ليست لها أية أهمية أمام قوة وعظمة رب العالمين, وأن الله وحده هو الذي يجب اللجوء إليه لطلب الحماية والمساعدة


    اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

    تعليق


    • #17
      الزلازل

      وهي تمثل أكبر الحوادث الطبيعية تدميراً، فعند وقوعها تخلف أضراراً فادحة, وهي أكثر ما تهدد بني البشر بالمقارنة مع بقية الكوارث الطبيعية الأخرى, وحسب الإحصاءات الرسمية المتوفرة فإنه يحدث يحدث زلزال واحد في كل دقيقتين على الكرة الأرضية, وإذا قمنا بحساب عدد هذه الزلازل الواقعة خلال السنة الواحدة على الكرة الأرضية نجد أن الأرقام تصل إلى ملايين الهزات الأرضية، فمن بين 300000 هزة أرضية تكون 20 هزة منها مدمرة, حيث إن قوتها التدميرية يمكن أن تدمر مدينة بكاملها، وهذه الزلازل لا تقع باستمرار في أماكن آهلة بالسكان, لذا فإن نتائج مثل هذه الهزات الأرضية لا تكون دوماً مصحوبة بخسائر بشرية. ومجموع الزلازل السنوية فإن هناك مايقارب الخمس هزات التي تقع في مختلف انحاء الكرة الأرضية تحمل معها الموت والدمار.

      ومن خلال إلقاء الضوء على المعطيات العلمية السابقة نفهم أن الناس لايواجهون الزلازل بشكل مستمر, حيث تقع في كل دقيقتين هزة أرضية في بقاع متفرقة من الكرة الأرضية ولكن أغلبية البشر لايحسون حتى بوقوعها, لأن شدة هذه الزلازل محسوب بدقة كبيرة. هذا لاشك يمثل دليلاً واضحا على الحماية التي يوفرها الله تعالى لجميع البشر، ففي أيامنا هذه إذا وقع زلزال ما فإن المدينة وأطراف المدينة التي تعرضت لزلزال يمكنها أن تحس بوقوع هذا الزلزال. ويمكن لله تعالى إن شاء، وبكل سهولة أن يرسل زلزالاً تكون قوته التدميرية تلف جميع أنحاء الكرة الأرضية وأن تقضي على جميع معالم الكرة الأرضية. وطبقا للأبحاث العلمية فإن التركيبة الجويولوجية للكرة الأرضية تجعلها من الطبيعي أن تتعرض لهذا الزلزال, فتكون خطوط الزلزال والفراغات المتكونة بين الطبقات الأرضية. . . . إلخ تجعل حقيقة وقوع الزلزال شيئا طبيعيا لامفر منه. وبالاطلاع على أحد المصادر العلمية الذي يتناول احتمالية وقوع الزلزال نراه يورد مايلي:

      إن القوة الكامنة في أعماق الكرة الأرضية تستطيع كسر الطبقة الصلبة من القشرة الأرضية, وعندما لاتستطيع صخور القشرة الأرضية مقاومة هذه القوة فإنها تتكسر مولدة بذلك طاقة تدميرية كبيرة, ونتيجة لهذه الهزة العنيفة فإنه يمكن أن تكون النتيجة هو دمار شامل لجميع مباني تلك المدينة مخلفة أنقاضاً ضخمة تدفن تحتها إلى غير رجعة جميع سكان تلك المدينة.
      (الكوراث الطبيعية, Readers Digest,1996)

      مما لاشك فيه أنه لو أراد الله تعالى إحداث هزة أرضية في مكان ما فليس من الشرط أن تكون ظروف الطبقات الأرضية مناسبة أو غير مناسبة لحدوث مثل هذه الهزة. فلو شاء الله تعالى لأحدث هذه الهزة وفي أي وقت يشاء, وإن كانت مغايرة لكافة القوانين الطبيعية. لكن الله تعالى يجعل الظروف الطبيعية على وجه الأرض في غاية عدم الأمان والاستقرار كي يذكر الإنسان بأن حياته في هذه الدنيا مرتبطة بخيط رفيع جداً, وعلى هذا الأساس فإن القرآن الكريم يحذر البشر فيما يتعلق بموضوع الكوارث بقوله تعالى :

      أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأرض أو يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

      أَوْ يَأخذ هُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِين أو يَأخذ هُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فإن رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ
      ( سورة النحل 45 – 47 )

      فلو شاء الله لجعل هذه الهزات التي تستمر بضع ثوان متواصلة لساعات أو حتى لمدة أسابيع ويمكن أن يجعلهم يعيشون في خوف مستمر. لكن الله تعالى يحمي البشر برحمته, وبهذا الشكل فإن الله تعالى يذكر البشر بعظمته وعدم إمكانية تحدي مشيئته, ويذكر الإنسان أيضاً بأن انشغالهم بهذه الدنيا سوف لن يكون جزاءه أي مكافاة وفوز, ومن الأهمية بمكان أن نذكر بالهزات الأرضية التي وقعت في القرن العشرين

      اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

      تعليق


      • #18
        عبر من التاريخ

        إن التاريخ البشري مليء بالكثير من الحوادث التي يمكن اعتبارها عبراً لمن كان يثق بما يملكه من قوة وتقدم علمي متناسيا قدرة الله تعالى وعظمته. وكل واحدة من هذه الحوادث تحمل في طياتها أهمية كبرى بتذكير الإنسان أنه لا الغنى ولا القوة ولا العلم ولا المعرفة، وباختصار كل شيء يمكن أن يقف ضد إرادة وتقدير الله تعالى وقوته وعظمته التي هي فوق كل شئ في هذا الكون.

        ويمكن ذكر عدد لا يحصى من هذه الحوادث ولكن يمكن الإشارة إلى إحدى أهم هذه الحوادث والتي وقعت لسفينة تحمل اسم تايتانك قبل قرابة 86 عاما في المحيط الاطلسي والتي تعتبر من أكبر الكوارث البحرية إلى حد الآن.

        فقد كانت تايتانك هذه السفينة العملاقة المدهشة والتي صممت لنقل المسافرين عبر المحيطات هي ثمرة جهود 15 ألف عامل، حيث كانت تعتبر في ذلك التاريخ من أعظم وأكبر سفن نقل المسافرين، إذ صممت لكي تكون بطول 275 مترا وارتفاع 55 مترا.

        فقد جعلوا يصدقون أنفسهم أنهم ببناء هذه السفينة وفق أحدث تكنلوجيا ذلك العصر ستكون تماما بمأمن عن الغرق مهما كانت الظروف. ولكن كانت هناك حقيقة مهمة يبدوا أنها قد غابت عن بال هؤلاء الناس ألا وهي أنه ليس هناك أي حد يمكن أن يقف ضد ماقدره الله تعالى.

        وهكذا فإن ثقبا ً صغيراً قد تسبب على نحو لم يكن في الحسبان في إغراق هذه السفينة وفي وقت قصير, حيث لم تستطع كل هذه التكنولوجيا أن تنقذها من مصيرها المحتوم. وقد ذكر الذين نجوا من هذه الحادثة أنه بعدما تأكد للجميع بأن السفينة على وشك الغرق، توجه الركاب إلى مقدمة السفينة وأخذوا يتضرعون بالدعاء.

        وقد ذكر القرآن في كثير من آياته كيف أن الإنسان إذا وقع في مصيبة توجه بالدعاء إلى الله تعالى لكي ينقذه, ولكن حال زوال هذه المصيبة عنه ينسى ما قام به من دعاء ورجاء لله تعالى :

        رَبُّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَ إذا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إلى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنسان كَفُورًا أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أو يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ( سورة الإسراء 66 – 69 )

        فيجب على الإنسان أن لاينسى ربه سواء تعرض لمثل هذه الحوادث أو لم يتعرض لها. فكل شئ في هذه الدنيا زائل, وإن القوة جميعا ًهي لله تعالى، لأن الإنسان عندما يواجه مثل هذه الحوادث والمصائب فإنه لايملك فرصة لتلافي أخطائه السابقة لأن الله تعالى قد يفاجئه بالموت في أية لحظة:

        أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ والأرض وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( سورة الأعراف 185 )

        رحمة من الله تعالى

        فَكُلًّا أخذ نَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أرسلنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أخذ تْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أنفسهم يَظْلِمُونَ (سورة العنكبوت 40 )

        كانت غايتنا إلى حد الآن بيان حقيقة مهمة حول الغاية من خلق الإنسان. فكل شئ له علاقة وارتباط بالله سبحانه وتعالى.

        وكما تشير الآية الكريمة الآتية فإنه لاتوجد أية قوة تستطيع أن تتحدى ما قدره الله تعالى وما قضى به:

        وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ( سورة يوسف 21 )

        ولكن، وكما بينت الآية الكريمة فإن أغلب البشر لايعرفون هذه الحقيقة, فهم يعيشون في هذه الدنيا ظناً منهم أنه سوف لن تصيبهم أية مصيبة حتى أنه لايدور في خلدهم أنهم قد يواجهون في يوم ما إحدى هذه الكوارث التي تحيط بهم, ولكنهم يرون أن تلك الحوادث بعيدة عنهم كل البعد إذ أنها لا تمسهم بشكل مباشر. فهم عند سماعهم لإحدى هذه الكوارث يتأثرون لفترة قصيرة بهذه الحادثة ولكنهم ينسونها بعد فترة قصيرة.

        نحن نعلم من تذكير الله تعالى لنا أنه من الخطإ الاعتقاد بأن عد الأيام الجديدة القادمة ستكون على نفس منوال اليوم الحالي. وبالإضافة إلى مااستعرضناه سابقا، فعلى الأشخاص الذين عاشوا تجارب كارثية، أن لايغيب عن بالهم بأن الأيام التي يعيشونها الآن لن تكون مختلفة عن باقي الأيام التي عاشوها, ولكن الفرق الوحيد هنا أن الله تعالى قد جعلهم يواجهون حادثة فقدوا من خلالها وفي لحظة واحدة جميع ما كانوا يملكونه.

        هناك عدد غفير من الناس يعيشون في غفلة عن هذه الحقيقة فهم يتناسون كون الدنيا دار مؤقتة للبقاء، ويغفلون كذلك عن حقيقة كونهم سوف يحاسبون أمام الله تعالى. فهم بضلالهم هذا ينشغلون في حياتهم الدنيا بأشياء لن تجلب لهم أي نفع بدلا من العيش من أجل كسب رضى الله تعالى.

        ومن هذه الناحية فإن الصعاب التي تحل بالإنسان تمثل رحمة من الله تعالى للذين يعيشونها وكذلك الذين يشهدون هذه الصعاب. وإن الله تعالى يحث البشر من أجل السعي في الطريق الذي رسمه الله تعالى لهم, وأن يجعلهم يشهدون بأن هذه الدنيا الزائلة عبارة عن خدعة كبيرة.

        ولهذا السبب فإن الله تعالى في الحقيقة يقدم الفرصة للبشر من خلال ما يتعرضون له من مصائب ومحن, وهذه المصائب تمنحهم الفرصة كي يتوبوا ويعدلوا من تصرفاتهم.

        وقد بين الله تعالى من خلال قرآنه الكريم مايجب أخذه من دروس وعبر من كل هذه الحوادث بقوله تعالى:

        أو لَا يَرَوْنَ أنهم يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (سورة التوبة 126 )



        الحضارات البائدة

        وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أو تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (سورة مريم 98 )

        لقد اختار الله تعالى الدنيا كمكان خاص لكي يختبر فيه الإنسان وأسكنه إياها. وطوال التاريخ أرسل الله تعالى كتب الحق بواسطة رسله لكي يدعوا البشر إلى طريق الحق, وأيضاً لكي ينذرهم ويخيفهم فيما إذا انحرفوا عن هذا الطريق. واليوم يوجد لدينا كتاب الحق يرشدنا إلى الهداية، وقد أرسله الله تعالى للمؤمنين، وهذا الكتاب يدعى القرآن الكريم وهو يفرق بين الخطإ والصواب والحلال والحرام ويخبرنا عما أصاب الأقوام الغابرة نتيجة لكفرهم وضلالهم. وينذرنا بأننا سوف نلقى المصير نفسه إذا سلكنا طريق الضلال.

        وقد ذكر الله تعالى في قرآنه الكريم أنه أرشد جميع الأقوام عبر التاريخ للطريق الصحيح مذكراً إياهم بواسطة رسله بأن دار الآخرة هي دار البقاء الحقيقي, وأن هذه الدنيا زائلة لامحالة. ولكن، ورغم ذلك نرى أن القرآن يخبرنا بأن أكثرية البشر ضلوا في عنادهم وعدم استجابتهم لنداء هؤلاء الرسل, ونتيجة لهذا فإن الله تعالى قد سلط عليهم عذاباً لم يكونوا يتوقعونه أبدا ومحى بعضهم تماما من خارطة الوجود كما ذكر في القرآن الكريم بقوله تعالى :

        وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (سورة الفرقان 38 - 40 )

        إن الدروس والعبر التي يجب أن نستقيها من خلال مراجعة ما حل بمصير الأقوام الغابرة قد عبر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى:

        أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهم فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأرسلنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ سورة الأنعام 6 )

        وهناك آية أخرى في هذا الموضوع تحذر الناس وتخوفهم وتعظهم:

        وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أشد مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيص إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (سورة ق 36 – 37 )

        وكما رأينا في الآيات السابقة فمن أهم أسباب نقل أخبار ما عاشته المجتمعات الغابرة هو تحذير الإنسان اليوم حتى لا يقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من أخطاء.

        من الخطإ النظر إلى المصائب وإلى الكوارث وآثارها التي حلت بالأمم السابقة من الزاوية التاريخية فقط:

        فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (سورة البقرة 66 )

        وهذه الحوادث التي كما وردت في الآية الكريمة بمثابة عبرة وتذكرة للآخرين. ولكن من المفيد أيضاً القول هنا : إن الله تعالى بدلاً من أن يرسل العذاب فورا على الذين يظلون على كفرهم وضلالهم, فإنه يرسل المنذرين لعل تلك الأقوام ترجع عن غيها وفسادها.

        بالإضافة إلى هذا أشار القرآن الكريم إلى حقيقة الذين يلاقون الصعاب في الدنيا إذ هي ليست سوى تذكرة إلى ما سيلاقيونه من عذاب أليم في الآخرة بقوله تعالى:

        وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (السجدة 21 )

        ولكن الهلاك سيصيب تلك الأقوام والذين لم ينتهوا من خلال ماجاءهم من نذير ووعيد, والذين استمروا وازدادوا في طغيانهم. ولقد عاقب الله تعالى الأقوام التي نشرت الفساد بأن أزالهم وجاء بأقوام آخرين لأنهم قضوا أعوامهم وأشهرهم وأيامهم في السعي خلف أهداف فارغة بعدما منحهم الله تعالى الغنى والعيش داخل بيوت جميلة, فلم يكونوا يدركون أن كل مالديهم من أغراض سيصيبها التلف والبلى, ولم يكونوا يعقلون بأن الذي يملكونه بين أيديهم سوف يزيل يوما ويختفي, فهم عاشو يومهم من دون التفكير في غدهم، وعاشوا دنياهم دون الاستعداد لآخرتهم, فقد ظنوا أن حياتهم الدنيوية دائمة لا تنتهي على الرغم من كون حياتهم الأبدية التي تبدأ بعد وفاتهم قريبة جداً منهم. وهذه الخديعة لم تمنحهم أي فائدة حيث أصبحت هذه الكوارث التي حلت بهم,عبرا لاتنسى على الرغم من مرور آلاف السنين حيث انتقلت من جيل إلى آخر.

        قوم ثمود
        قوم ثمود هو أحد الأقوام التي دمرها الله تعالى لكفرهم وطغيانهم والصد عن سبيل الله
        .
        اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

        تعليق


        • #19
          [COLOR="Navy"]وكما أشار القرآن الكريم فقد كان أهل ثمود وقومه أغنياء وأقوياء, وكانوا يشتهرون كثيراً بأعمال الحرف الفنية, وقد بينت الآيات الكريمة مهارة قوم ثمود حيث قال الله تعالى:



          وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ (الأعراف 74 )

          وآية أخرى تبين حال معيشة قوم ثمود :

          أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (سورة الشعراء 146 – 149)

          وقد بعث الله تعالى سيدنا صالح عليه السلام رسولا لكي ينذر قوم ثمود ويخيفهم من عذاب الله الشديد حيث ملكهم الغرور نتيجة عيشهم حياة مرفهة ومريحة.

          وكان سيدنا صالح عليه السلام شخصا معروفا بين قومه, وقد ذهلوا حين دعاهم لكي يبتعدوا عما هم فيه من ضلال وانحراف. فالأكثرية من قومه لم يقبلوا دعوته لهم إلا قلة من قومه أذعنوا لما دعاهم إليه, ولقد اتخذ الأغنياء وأصحاب النفوذ والقوة عند قوم صالح عليه السلام موقفا عدائياً إذاء دعوته حيث كان هؤلاء الأشخاص هم الأكثر عنادا وإنكاراً لسيدنا صالح عليه السلام ولدعوته, وقد عمد هؤلاء المعاندون والمنكرون إلى الضغط على الذين أذعنوا لرسالة سيدنا صالح عليه السلام من خلال التضييق عليهم وعرقلة مسعاهم. وحينما كان سيدنا صالح عليه السلام يدعوهم لعبادة الله تعالى كانوا يظهرون غضبهم الشديد. وفي الحقيقة فإن هذا الصد والغضب لم يكن شيئا خاصا بقوم ثمود, بل هم وقعوا في الخطإ نفسه الذي وقع فيه قبلهم كل من قوم نوح وقوم عاد.

          والقرآن الكريم أشار إلى الأقوام الثلاثة هذه بقوله تعالى :

          أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أيديهم فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أرسلتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إليه مُرِيبٍ[/COLOR(سورة إبراهيم 9 )

          وقد كانوا قوما جادين في الوقوف ضد صالح عليه السلام بل وضعوا الخطط لقتله. وقد حذرهم نبي الله صالح عليه السلام من خلال ما ورد في الآيات التالية:

          أَتُتْرَكُونَ فِيمَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلِ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيوتًا فَارِهِينَ (سورة الشعراء الآية 146_149)

          حيث خاطب أشراف ثمود الذين كانوا يظنون بأن هذا النعيم الذي هم فيه سوف لن يزول أبدا, بعدما خدعوا بالمظاهر الدنيوية الكذابة وزينتها الزائلة وقد ازداد طغيان قوم ثمود وظلمهم لأنهم كانوا غير مؤمنين بأن هناك عذابا شديدا سيلحق بهم. وقد وصل الأمر بمكابرة قوم ثمود وضلالهم بأن تحدوا سيدنا صالح عليه السلام وقالوا له:

          فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أمر رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ( سورة الأعراف 77 )

          ومقابل هذا أخبرهم نبي الله صالح عليه السلام بعدما أوصى الله تعالى له بأن الهلاك واقع بهم لامحالة خلال ثلاثة أيام:

          فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أيام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ( سورة هود 65 )

          وهكذا هلك قوم ثمود وتحقق إنذار سيدنا صالح عليه السلام:

          وَأخذ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِين كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُوداَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ ( سورة هود 67 – 68 )

          ومن هنا يتبين أنه ما من قوم عاشوا على وجه الأرض عاندوا وتكبروا إلا أصابهم الله تعالى بالعذاب غير آبه بماكانوا يملكونه من عظمة وثروة.

          واليوم نرى بأنه ليس هناك أي أثر لقوم ثمود وماكانوا يملكونه من مال وقوة, والذين تمادوا في طغيانهم وكفرهم حتى أنهم كانوا مستعدين لقتل رسول الله صالح عليه السلام. لقد كان مصير هؤلاء البشر الذين لم تعرف حتى أسماءهم مثل مصير بقية الكفار والمعاندين، نار جهنم خالدين فيها, وهذه النهاية هي عبرة ينبغي على البشر أن يتدبروها ويفكروا فيها.

          أهل سبأ
          تناول القرآن الكريم أهل سبأ :


          لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آية جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُور فَأَعْرَضُوا فَأرسلنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ( سورة سبأ 15 – 17)

          فوفقا لهذه الآية الكريمة فإن أهل سبأ كانوا يعيشون حياة مرفهة، حدائق وبساتين وافرة, وكل ما كان الله تعالى يطلبه من قومه هو أن يشكروه على هذه النعم التي أسبغها عليهم, ولكن هؤلاء كذبوا بذلك وحسبوا بأنهم يملكون القوة والقدرة الكبيرتين, واغتروا بما لديهم, فكان العذاب هو مصيرهم الحتمي.

          السومريون العظماء


          عندما نبتعد عن شواطئ دجلة والفرات في جنوب العراق تمتد أمامك قفار شبيهة بالصحراء, تبدوا هنا وهناك تلال عديدة في هذه القفار الواسعة, لأن بقايا وآثار مدن كبيرة توجد تحت التلال المغطاة بالرمال, وقد أنشئت قبل 45 قرنا، وكانت تنبض بالحياة, محاطة بالقنوات والجداول والبساتين والحدائق الغناء. ولم يتبق من هذه المدن الآن سوى الرمال التي تنثرها العواصف وتاوى إليها بنات آوى والعقبان, ويخيم عليها صمت الموت. بينما كان يعيش فيها في يوم ما مجتمع حقيقي وحياً كمجتمعاتنا المعاصرة. وقد عاش أناس ذلك الزمان كما نعيش نحن في هذا العصر, وأسسوا وبنوا مدنا عظيمة ومدهشة.

          هذه الجمل تعود إلى عالم الآثار الشهير "Guy Rachet".


          لقد كانت الجنازة التي تم إعدادها لملكة ذلك العهد، وتدعى بوابي حقا ملفتة للنظر. فقد تم نقل معلومات من مصادر مختلفة فيما يخص هذه الجنازة. فقد تم تزيين جسم الملكة الميت بشكل مدهش لامثيل له, فقد تم تزيين فالقسم العلوي من جسدها زين بغطاء وقلائد مصنوعة من الفضة والحجر الأزرق والعقيق الأحمر وعشرات الأنواع المختلفة من الأحجار الثمينة, بالإضافة إلى طبقة إضافية من أحجار اللؤلؤ الثمينة والعقيق الأبيض، بينما القسم الأسفل للجسد وحسب ما نقلت عنه المصادر التاريخية فقد كانت مغطاة بغطاء وأهداب هذا الغطاء كانت تحوي على أحجار اللؤلؤة المحفورة, وكذلك نفس مجموعة الأحجار الثمينة والتي كانت تغطي القسم العلوي من الجسد. وكذلك كانت هناك باروكة شعر ثقيلة تغطي رأس الملكة وفوقها تاج على شكل ورود وأوراق من الذهب الخالص, وتزين أذنيها بأقراط تحوي أحجارا ثمينة وكانت توضع قرب راس الملكة مجوهرات ثمينة لها خاصية اللمعان الشديدة عند سقوط الضوء عليها حسب ما نقلته لنا المصادر التاريخية(11).

          ولكن رغم دخول الملكة قبرها مع كل هذه الكنوز, فإنها لم تحفظها من أن لا تتحول في النهاية إلى هيكل عظمي حالها حال كل البشر الذين دفنوا تحت التراب.

          فقد دفنت تحت التراب حالها حال الفقير والضعيف والذي اعتبرته حقيرا لايعني عندها شيئا فإن بدنها قد أصبح غذاء تتغذى عليها الحشرات الأرضية والبكتيريا حيث تتعفن شيئا فشيئا, وينتهي بها الأمر إلى أن تكون هيكلاً عظمياً.

          إن هذا المشهد المثير يمثل عبرة لنا, ومفاده أنه مهما كانت درجة الغنى ومهما عاش الإنسان حياة مملؤها الأبهة والعظمة فإن كل هذه سوف لن توفر له أي فائدة تذكر


          .
          اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

          تعليق


          • #20
            حضارة كريت

            هذه الحضارة التي اختفت فجأة كانت تمثل أولى أكبر الحضارات في القارة الأوروبية التي كانت مهدها مدينة كريت القرن الرابع عشر قبل الميلاد. فقد أنشأ القادمون من آسيا واليونان الذين سكنوا فيها قبل 2000 سنة قبل الميلاد, القصور الفخمة والعظيمة. ولكن أهم ماكان ما يلفت النظر عند هذا الشعب هو مفهوم الهوى المنحرف.

            لذلك فقد كان الله تعالى يرسل لهم بين الحين والآخر هزات أرضية خفيفة الشدة كي ينذرهم وينبههم لكي يبتعدوا عن هذا الانحراف ولكي يتذكروا يوم القيامة. ولكن في النهاية حدثت كارثة كبيرة. فقد انفجر بركان في جزيرة ثيرا التي هي جزء من مجموعة جزر كيكلادس التي تقع في شمال جزيرة كريت، ونتيجة لهذا الانفجار الهائل حدثت هزة أرضية عنيفة(12) دمرت القصور العظيمة في جزيرة كريت، وقد غطت السحب البركانية الرمادية سماء المدينة وغرقت المدينة في ظلام دامس, كما أن الرماد غطى أنقاض القصور المتهدمة. فقد حدث في البحر هيجان عظيم لم يشهد له مثيل من قبل, فقد دفن ميناء كانوسوس تحت مياه البحر. لقد كان انهيار قصور كريت شيئاً يبعث على الرعب, فقد غطت الأمواج البحرية العملاقة في وقت واحد جميع المدن الساحلية ودفنتها تحت المياه.

            لم تكن حضارة كريت التي كانت في العديد من النواحي من أهم الحضارات في تلك الفترة أن تعتقد بأن نهايتها ستكون على هذه الشاكلة المرعبة، حيث أن هذه الكارثة المرعبة كانت السبب الرئيسي في هلاك أغلبية سكانها وتدمير قصورها العظيمة, فمن ورائهم لم يبق هناك أناس يتباهون بغناهم, وكذلك لم يبق ما كانوا يحلمون به من حياة خالدة. وما تبقى هو مجرد أطلال حضارة اندثرت ومجرد أبنية متهدمة متناثرة هنا وهناك. ويشير القرآن الكريم إلى وجوب اتخاذ مصير مثل هذه الحضارات القديمة عبرة للإنسان المعاصر بقوله تعالى :

            أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (سورة السجدة 26 )

            كارثة بومبي
            حسب ما تورده المصادر التاريخية فقد كانت مدينة بومبي ( تقع الآن في إيطاليا ) قبل 2000 عام من أكثر المدن التي تتمتع بحياة رغيدة. وقد كانت المدن في العصور القديمة تعرف من خلال ما تشتهر به من ترف وبهجة لا تعرف الحدود، لذلك كانت مدينة بومبي إحدى هذه المدن. والزائر الآن لايجد في هذه المدينة سوى خرائب هنا وهناك حيث كانت في يوم ما محلا تنتشر فيه محلات بيع الخمور وبيوت الدعارة, وكانت هذه المدينة التي كان يقصدها الأغنياء من أهل روما ويفضلونها تقع في وسط تحدها من جهة غابات جبال فينوس والبحر من جهة أخرى. ولكن نتيجة لانفجار إحدى أهم براكينها في التاريخ أدت إلى طمس معالم هذه المدينة الجميلة، ويمكن اليوم رؤية جميع تفاصيل حياة أهل روما بعدما تحولوا إلى أحجار بفعل الحمم البركانية التي انبعثت نتيجة ذلك الانفجار الهائل.

            لقد وقعت الكارثة في صباح 24 آب من سنة 79 ميلادية حيث جاء أغنياء الرومان لقضاء الصيف في القصور الفخمة المبنية على سفوح جبل فيزرف في مدينة بومبي(13). فقد بدأت في بادي الأمر بهزة أرضية انطلقت بعدها أصوات انفجارات مدوية منطلقة من الجبل هزت السماء. وحسب مانقلته المصادر التاريخية فإن أعمدة من النيران كانت تنطلق باتجاه السماء والتي كان يعقبها دخان عظيم. وفي الوقت نفسه كانت السماء ترتج بفعل الانفجارات الجديدة, وبدأت وابل من الأحجار والرماد والتراب والحمم البركانية في التساقط على المدينة على شكل قطع صلبة. وقد تملك سكان مدينة بومبي الرعب الشديد لكونهم كانوا أقرب من جبل فزوف البركاني فأخذوا في الفرار بعدما تملكهم الخوف الشديد نتيجة لتقدم سيل من الطين الحار الملتهب والذي تحرك باتجاه المدينة على شكل أمواج متدفقة, وأما الذين لم ينجحوا في الهرب فقد دفنوا تحت أنقاض البنايات المتهدمة وتحت الحمم البركانية المنصهرة ولكن الشئ الذي يبعث على الحيره بل ويجب أن يتخذ عبرة هو ماوجده وماشاهده علماء الآثار من معلومات نتيجة الحفريات التي أجروها هو تردد أكثرية أهالي المدينة في ترك المدينة خلال الكارثة. فقد لجأ الأغنياء والذين لم يفكروا في ترك أموالهم وممتلكاتهم إلى بيوتهم كي يحتموا من تساقط الرماد الحارق عليهم إحساسا منهم بإمكانية ان يجدوا الملاذ الآمن, ولكن الوقت قد فات لكي يفروا وماتوا.

            فقد انمحت من التاريخ خلال يوم واحد جميع أشكال الحياة في كل من مدينة بومبي وبعض القرى المحيطة بها. وقد ذكر القرآن الكريم أخبار الذين لاقوا حتفهم على هذه الشاكلة بقوله تعالى :

            ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (سورة هود 100)

            بعد إجراء الحفريات والبحوث تبين أن سكان بومبي كانوا وكأنما قد تجمدوا فجأة , فقد ظهر شكل الأهالي وهم متحجرون أثناء لفظهم أنفاسهم الأخيرة,فقد دهمتهم الكارثة فجأة. وحسب ما أخبر عن ذلك القرآن الكريم :

            وَكَذَلِكَ أخذ رَبِّكَ إذا أخذ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أخذ هُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (سورة هود 102 )



            لقد دمرت مدينة بومباي ذات العشرين ألف نسمة وقتل معظم سكانها مع جميع ما كانت تمتلكها من آثار فنية جميلة. ولقد دمر الزلزال هذه المدينة الجميلة وقضى على آثارها الجميلة.



            إن ما نشاهده اليوم من آثار تعود إلى حضارات عاشت قبل مئات الآلاف السنين تظهر بوضوح أنه على الرغم من كل ما كانوا يتمتعون به من غنى, فإن هذا لم يمنحهم أي فائدة تذكر. وإن كل شئ تركوه من خلفهم أضحى ميراثا للذين أتوا من بعدهم, وتجدر الإشارة هنا إلى أن أكبر وهم وقع فيه أولئك الذين عاشوا في مثل هذه المجتمعات واندثروا هو اعتقادهم بأنهم سيملكون النعم الدنيوية إلى الأبد, وماصنعوه من أبنية سوف تجعلهم مخلدين إلى الأبد، وهذا الوهم نراه واضحاً في يومنا هذا، فالملاحظ أن الإنسان يحاول أن يجعل ذكراه تعيش إلى الأبد بقيامه بعمل مختلف الآثار الفنية لترسيخ هذه الفكرة, والقسم الآخر منهم من يضحي بالكثير كي يقوم بجمع المزيد من الأموال ظناً منه أنها ستعود عليهم بالفوائد الكبيرة.

            وهؤلاء قد تجاوزوا الذين سبقوهم من قبل لما أبدوه من الزيغ والضلال وحتى عدم اكتراثهم لجميع أنواع الإنذارات التي أرسلها الله تعالى لهم ليكفوا عن ما هم عليه. ولكن هناك حقيقة مهمة جدا ً يجب على هؤلاء الأشخاص أن لاينسوها, وهي أخذ عبرة خلفتها شواهد وآثار عظيمة لمجتمعات وجدت من قبل ثم اندثرت فلم يبق في هذه الدنيا أحد منهم مخلدا. والذين سعوا إلى تخليد ذكراهم قبل موتهم في هذه الدنيا بما قام به من أعمال وما تركه من آثار لم تجلب لأجسامهم المتآكلة أي منفعة تذكر, ولكن بقايا الآثار الموجودة تمثل عبرة للذين يريدون أن يستخلصوا العبر والدروس من هذه الدنيا, ولكي لا ينسوا ويتذكروا ما سيحل بهم من عذاب إلهي أليم. ولهذا فإن الله تعالى من خلال هذه الأمثلة ينذر الذين يتعلقون برغبة شديدة بهذه الدنيا. ومما لاشك فيه أن الذين يتدبرون ويأخذون الدروس من هذه الحوادث سيعلمون أن الله تعالى قد أوجد هذه الحوادث, وأنه قادر في أي لحظة أن يمتحن البشر بإرسال أشد أنواع العذاب. إن الدنيا هي فقط مكان الاختبار والامتحان. فالذي يؤدي هذا الامتحان حسب ما يطلب منه فإنه سيكون رابحا. أما الذين يرون هذه الدنيا دار بقاء، فإنهم سيواجهون خسارة مماثلة كما هو الحال بالنسبة للأقوام التي مر ذكر أحوالها في الأمثلة السابقة. وهذا بالتأكيد ناتج عما جنته أيديهم وأنهم في الآخرة سيحاسبون على ما اقترفته أيديهم وماقاموا به من الأعمال ولاشك أن الله تعالى هو الذي يعرف المحسن من المخطئ


            .
            اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

            تعليق


            • #21
              الجنة : الوطن الحقيقي للمؤمنين

              لقد وعد الله الجنة لعباده المؤمنين. ووعد الله حق لاريب فيه أبداً. والذين يؤمنون بأن هذا الوعد سيتحقق حتما، لايحملون في جوانحهم أي شبهة أو قلق أو ريبة. وعندما يسلمون أرواحهم كمؤمنين يعلمون بأن ذنوبهم ستغفر لهم وبأن أبواب الجنة ستفتح لهم وسيدخلونها

              جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ( مريم /61 )

              وأخيرا تقبل تلك اللحظة المرتقبة، وتكون الجنة – التي هي الدار الحقيقة للمؤمن ودار القرار له التي تمناها المؤمن طوال حياته وعمل كل ما في جهده للفوز بها ونيلها - قد تهيأت للمؤمنين. والقرآن الكريم يرسم صورة رائعة لدخول المؤمنين الجنة.

              جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ( الرعد 23 -24 )



              صور الجمال في الجنة

              مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ( الرعد 35 )

              قبل الولوج في الموضوع هناك نقطة مهمة يجب بيانها: إن الفكرة الشائعة من أن الجنة تحتوي فقط على مناظر طبيعية جميلة وعلى بساتين وأنهار جارية. . . هذه الفكرة ليست فكرة قرآنية. لاشك أن جمال الطبيعة والبساتين والأشجار والأنهار تكمل الجو الساحر للجنة. وهذه هي الحكمة من وجود القصور في الضلال والبساتين التي تجري من تحتها العيون والأنهار. ولكن هذه البساتين والمساحات الخضراء لا تكفي لتعريف الجنة تعريفا شاملا وكافيا.

              إن صور الجمال في الجنة ونعمها خارج نطاق كل التصورات وخيالات الإنسان وخارج قدرة الإنسان في التعبير عنها فقسم منها تذكر بما كان موجودا في الدنيا وقسم منها جديد كل الجدة ولم يعرفه الإنسان من قبل:

              ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ( الرحمن / 48 )

              ويجب أن يكون معلوما لدينا بأن صورا عديدة من الجمال ومن المفاجات أعدها الله تعالى بعلمه اللانهائي للمؤمنين في الجنة وجعلها في انتظارهم، وفي الآية الآتية يخبرنا الله تعالى بأن كل شيء سيتحقق حسب مشيئة المؤمن وإرادته وطلبه للجنة.

              تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ ( الشورى / 22 )

              أي أن قوة خيال الإنسان ستؤدي بإذن الله ولطف منه إلى تشكيل صور جمال عديدة في الجنة علاوة على صور الجمال الموصوفة في القرآن الكريم.

              الجو الذي سيعيش فيه المؤمنون في الجنة

              وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( التوبة 72 )

              البيوت التي عاش فيها المؤمنون في الحياة الدنيا هي بيوت طاهرة.
              فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ
              ( النور 36 )

              وستكون بيوت الجنة مشابهة لهذه البيوت يذكر فيها المؤمنون الله سبحانه وتعالى ويشكرونه على أفضاله ونعمه. فكما أن المساكن الجميلة الطاهرة التي يعيش فيها المؤمنون من قصور ومنازل يمكن أن تكون ضمن جو الجمال الذي ذكرناه في السابق، كذلك يمكن أن تكون ضمن مدن حديثة جدا ذات هندسة معمارية راقية، وتملك لمسات جمالية عديدة.

              المساكن المذكورة في القرآن مقامة ضمن أجواء من الجمال الطبيعي، فمثلا تذكر إحدى الآيات القرآنية:

              لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ( الزمر 20 )

              قد يكون لهذه المساكن العالية المذكورة في هذه الآية نوافذ واسعة للإشراف على هذه المناظر، فيها صالونات واسعة تحيط بها النوافذ من جهاتها الأربع. وهكذا يتمتع المؤمن بمساكن موثثة بأجمل ديكور يتمناه الإنسان، وعندما يسترخي على كراسي ناعمة ويرزق بأطيب الفواكه والأشربة يتطلع من مكانه العالي على أجمل المناظر التي تخلب الألباب.

              يكون تصميم هذه القصور وتأثيثها بأفضل الأثاث وأجوده وبألوان متناغمة، فيها كراسي مريحة وأسرة متقابلة يذكرها القرآن الكريم في عدة آيات:

              عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ( الواقعة 15 – 16 )

              مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهم بِحُورٍ عِينٍ ( الطور 20 )

              وكما يتبين من هذه الآيات فالسرر هنا رمز للغنى والعظمة والقدرة. والله تعالى رأى المؤمنين مستحقين لمثل هذه النعم في الجنة. والمؤمنون - وهم متكئون على هذه السرر – يذكرون الله ويشكرونه ويحمدونه:

              وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ( فاطر33 –35)

              والشئ الغالب في مواد الجنة أنواع عديدة من عناصر الأناقة وصور الجمال التي هي انعكاس للفن وللعلم اللا محدود لله تعالى, مثلا ً فالأسرة المحلاة بالجواهر موضوعة في أماكن عالية ومرتبة ومؤثثة بعناية، والملابس من الحرير ومن الاطلس مزينة بقلائد من الفضة والذهب. ومع ورود تفاصيل عديدة فالله تعالى استعمل في وصف الجنة عبارات تترك مجالاً للخيال أيضاً. وبإمكان المؤمن أن يختار ما يعجبه من أنواع الزينة والأثاث. ولاشك أن الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين الذين استحقوا الفوز بالجنة مفاجآت عديدة لا يمكن أن تخطر على بال أحد ولا على خياله.

              الجنة تفوق جميع الخيالات

              يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( الزخرف 71 )

              إن الشروح الواردة في القرآن حول الجنة وتصويرها وتقديم الأمثال عنها تنطلق من كونها ليست غريبة تماما عن الموجود في الدنيا بل تحمل بصمات من الشبه بها لذا يقول الله تعالى:

              وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ( محمد 6 )

              لذا نستطيع بإذن الله معرفة الحياة في الجنة ونحن لا نزال في الحياة الدنيا، وأن نملك حولها المعلومات، وهذه المعلومات هي المعلومات التي علمها الله لنا لكي تكون وسيلة للتفكر في الجنة والشوق إليها. ولكن لا يمكننا القول بأن هذه المعلومات تصف الجنة تماما ومن جميع جوانبها وأوجه النعم فيها، ففي بعض الآيات تمت الإشارة إلى نقطة مهمة وهي أن أوصاف الجنة هذه هي لتحريك قوة الخيال عندنا. وقبل تقديم هذه الآيات علينا أن نذكر أمرا مهما وهي أن آيات مثل:

              مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ( محمد / 15 )

              فهذه الآية تشير إلى أن الجنة مكان يفوق الخيال الإنساني، وإلى أنها دار المفاجآت التي لا تخطر على قلب أحد. والآية الآتية تصور الجنة كمكان ضيافة واحتفال:

              لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ( آل عمران 198 )

              ولاشك أن الفوز في امتحان الحياة الدنيا والوصول إلى دار المقامة حسب تعريف القرآن للجنة أي إلى الموطن الحقيقي والباقي للمؤمن أمر يستحق الاحتفال به. ولاشك أن مثل هذا الاحتفال سيكون من العظمة ومن الأبهة بحيث لا يمكن قياسه بأي احتفال لأي قوم في الدنيا منذ خلقها وحتى فنائها.

              وهذه الاحتفالات في الحياة الأبدية، والتمتع بأنواع لاتعد ولاتحصى من النعم والمسرات سمة خاصة بالجنة التي لا يصاب فيها المؤمن بأي نوع من أنواع التعب أو الملل أو النصب، لذا نرى المؤمنين يقولون وهم يحمدون الله تعالى:

              الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ( فاطر 35)

              ولاشك أن التعب الذهني أو النفسي أو المعنوي يندرج في هذه الآية.

              الإنسان في ظروف الحياة الدنيا يتعب بسرعة لأنه خلق ضعيفاً. وعندما يتعب يتكدر ذهنه ويضعف عنده التركيز، ويضعف عنده التفكير السليم. بينما لايوجد هذا الأمر في الجنة، فذهن المؤمن يكون هناك صافياً وشعوره حاداً على الدوام لكي يستطيع إدراك نعم خالقه تمام الإدراك ودون أي نقص. ونظراً لانتفاء الشعور بالتعب في الجنة، هذا التعب الذي يعد من نقائص الحياة الدنيا يكون بإمكان المؤمن هناك الاستفادة القصوى ودون أي حدود من النعم اللانهائية الموجودة في الجنة. ويكون الشعور باللذة هناك دون أي انقطاع، بل يكون هناك انتقال من نعمة إلى أخرى، ومن لذة لأخرى. وقد تم التعهد من قبل الله تعالى على عدم حدوث أي ملل أو سأم هناك.

              والله تعالى يسبغ على المؤمنين في الجنة نعمه في جو يخلو من التعب ومن النصب ومن السأم ومن الضجر، فيخلق لهم كل ما يشتهونه:

              لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ( ق / 35 )

              أي أن الله تعالى يهب لهم حتى ما لا يخطر على بالهم ولا يبلغه خيالهم، فيحصل المؤمنون هناك على أضعاف وأضعاف ما كانوا يتمنونه.

              ويجب ألا ينسى أحد بأن أهم نعمة في الجنة – التي هي دار المقامة – هو الصيانة والحفظ من نار جهنم. ( أنظر سورة الدخان / 56 ) فلا يسمعون حسيسها ( سورة الأنبياء / 102 ) ولكنهم يستطيعون مشاهدة أهل جهنم والتحدث معهم أن شاؤا وهذا الأمر يكون وسيلة لحمد وشكر عظيمين.

              قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ( الطور 26 – 28 )

              الجنة مكان في الذروة من العظمة والفخامة حتى إن القرآن يقول عنها:

              وَ إذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ( الإنسان 20 )

              ولا يوجد في الجنة مكان يمكن أن تقع عليه العين ولا يثير الإحساس بالجمال وبالنشوة، ففي كل شبر في الجنة ترى نعما منعكسة عن العلم اللانهائي لله تعالى، وهي نعم مهداة من الرحمة الإلهية وخاصة للمؤمنين في الجنة:

              وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ( الحجر 47 )

              خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ( الكهف 108 )


              اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

              تعليق


              • #22
                أعظم نعمة في الجنة
                وافضلها : رضوان الله تعالى


                وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( التوبة 72 )

                أشرنا في الصفحات السابقة إلى نعم الجنة التي تبهر الأبصار، وكانت النتيجة التي خلصنا إليها أن الله تعالى أفاض على المؤمنين في الجنة أنواعا ًعديدة من النعم تخاطب حواسه الخمسة.

                ولكن هناك نعمة تفوق كل النعم وتفضلها وهي: رضوان الله تعالى. وهي السعادة العظمى التي يشعر بها المؤمن في الجنة عندما يعلم أنه نال رضوان الله تعالى، وهي سعادة ما بعدها سعادة. وهذه السعادة نابعة من إحساس المؤمن بأنه في موضع شكر لكل نعمة يهبها له الله تعالى. وعندما يصف القرآن الكريم أهل الجنة يقول:

                قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أبدا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( المائدة 119 )

                والحقيقة أن رضوان الله تعالى هو الذي يهب القيمة للنعم الأخرى للجنة. لأن هذه النعم يمكن أن توجد في الدنيا وإن كانت بمقياس أقل كثيراً. ولكن إن لم تكن ضمن رضوان الله تعالى فلا تحمل أي أهمية بالنسبة للمؤمن.

                هذه النقطة الأخيرة مهمة جدا ويجب التفكير فيها جيدا، والقاعدة الأساسية هي:

                إن الذي يجعل النعمة شيئا ذا بال ليس ما تحمله من لذة، بل هو شيء وراء هذا بكثير. القيمة الحقيقة تكمن في ان تلك النعمة " هبة " من قبل الله تعالى. والمؤمن الذي يستعمل تلك النعمة ويحمد ويشكر الله يعلم أنه مخاطب من قبل الله وأنه تعالى يحبه ويحفظه ويصونه، ويذيقه من رحمته، وهذا هو سر اللذة الأصلية والحقيقية للمؤمن.

                لذا فقلب الإنسان لا يشبع تماما الا بالجنة. فقد خلق الإنسان لكي يعبد الله تعالى ، لذا فلا يتلذذ الا بهباته وأفضاله. وهو لا يجد الأمن والطمأنينة إلا في الأجواء التي تذكره بالجنة، أي أن الأجواء التي تستعمل فيها هذه الأفضال والهبات في شكر الله تعالى والإحساس بكرمه. أما أمنية " المدينة الفاضلة " في الدنيا والتي جالت في أذهان المنكرين فهي مستحيلة لهذا السبب. فلو قمت بجمع كل صور الجمال المادية الموجودة في الجنة فلا تساوي شيئا إن لم يكن هناك رضوان الله تعالى. لأن الله قد يمحق كل تلك النعم وكل صور الجمال تلك وكل اللذات المصاحبة لها.

                والخلاصة أن الجنة نعمة وفضل وكرم من الله تعالى ولهذا السبب فلها قيمة كبيرة. وكما ورد في سورة(الأنبياء 26) فلكون الجنة هي مكافأة لأهلها فإنهم سيعيشون بسعادةٍ وفرح ٍ أبدي.وأن أحكم ما يمكن قوله هنا هو ما ورد في القرآن الكريم : تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ( الرحمن 78)

                جهنم هي ماوى الكافرين

                إن جهنم هي المكان الخاص الذي خلقه الله ليكون مثوى أبدياً للكافرين لكي يذوقوا فيها العذاب بدنياً وروحياً. ولأن الكفار هنا مذنبون, فإن العدالة الإلهية تقتضي أن يعاقب كل شخص اقترف ذنبا. إن من أكبر الذنوب وأقبحها في هذا الكون على الإطلاق هو قيام الإنسان بالعصيان والجحود بحق الله تعالى الذي خلقه ومنحه الحياة. ولكون هذا الذنب المقترف بحق رب العالمين يعتبر ذنبا كبيرا فإن ذلك يقتضي بالمقابل جزاءً كبيرا ً. لهذا فإن جهنم قد وجدت لتحقيق هذه العدالة والاقتصاص من المذنب. لقد خلق الله تعالى الإنسان لكي يقوم بحقوق العبودية الحقة تجاه رب العالمين. لذا فإنه سوف يواجه عواقب إنكاره. والله تعالى يقول في إحدى آياته:

                وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ( غافر 60 )

                فما دام أكثر البشر سوف يدخلون جهنم وليس هناك أي ضمان أكيد حول خروجهم من جهنم، لذا فيجب أن يحتل هذا الموضوع لدى الناس كلهم الأولوية الكبرى. ولاشك أن أكبر تهديد يواجهنا هو جهنم, وليس هناك شيء أهم من محاولة حماية أنفسنا منها, وليس هناك عمل أهم على وجه الأرض من العمل على تفادي الوقوع في نار جهنم. وأمام هذه الحقيقة الواضحة نرى غالبية البشر وكأنهم سكارى, فهم يشغلون أنفسهم بمشاكل أخرى, وينشغلون حيث يعملون أشهر وسنين من أجل تحقيق تلك الغايات الفانية ويتناسون أكبر خطر يهددهم ألا وهو عذاب جهنم.

                فهم عمي لدرجة أنهم لا ينتبهون للنار التي هي قرب رؤوسهم. والقرآن الكريم يتناول حال هؤلاء الغارقين حتى أذقانهم في الضلالة فيقول:

                اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُون مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( الأنبياء 1 – 3 )

                إن الإنسان ينغمس غالبا في رغباته وأهوائه، ويستهلك عمره كله في أشياء تافهة. فمنهم من يجري خلف مناصب عالية, ومنهم من يحاول أن يؤسس عائلة سعيدة, وغيره يدافع عن أيديولوجيات فارغة, والبعض يصرف جلٌ وقته في كسب المزيد من الأموال. وهكذا يحاولون أن يجعلوا هدفهم في الحياة تحقيق هذه الأشياء, ولا يقدرون حجم الخطورة الماثلة أمامهم. بل يرى معظمهم أن جهنم تصور لمكان وهمي. لكن جهنم هي أكثر حقيقة من هذه الدنيا التي يرتبطون بها بكل هذه الشدة. فجهنم ستظل إلى الأبد, بينما الدنيا زائلة. فالله تعالى خالق جهنم ويوم الآخرة هو خالق السماوات والأرض والبشر حسب موازين في غاية الدقة، يكشف عظمة الله تعالى وقدرته, وأن جهنم قد أعدت لتكون مأوى الكافرين والمشركين والمنافقين. وهذا المكان المخيف الذي لا يكاد يستوعبه العقل يمثل مصدراً مرعباً للعذاب ومصدراً مخيفًا للآلام يعادل أضعاف أضعاف أكبر الآلام الموجودة في الدنيا. وقد خلقت لكي تتناسب مع عظمة وجلال الله تعالى. وهناك حقيقة ثانية تصدم الإنسان ألا وهي استمرار العذاب لجميع الذين يدخلون نار جهنم إلى ما لا نهاية. هناك قول شائع ينتشر بين أفراد مجتمع الجاهلية مفاده إن الذين سيدخلون جهنم سيعذبون إلى أجل مسمى، وبعدها يتم العفو عنهم ويخرجون منها. وهذا الاعتقاد ينتشر بالأخص بين من يعتبرون أنفسهم مسلمين، ولكن لا يقومون بأداء فروض العبادات بالشكل التام والصحيح. فهم يظنون أنهم سيبقون في جهنم لفترة ما ثم يتم العفو عنهم بعدها بعدما عاشوا حسب أهوائهم في الدنيا. ولكن ما سوف يلاقونه من مصير سيكون مؤلماً أضعاف أضعاف ما كانوا يتخيلونه. لأن جهنم هي المكان الذي يستمر العذاب فيه إلى ما لا نهاية. والقرآن الكريم لم يتطرق في أي آية من آياته إلى دخول أناس إلى جهنم وتعرضهم إلى عذاب قليل، ومن ثم أخذهم إلى الجنة. بل على العكس، فإن جميع الآيات القرآنية الكريمة تتطرق إلى حقيقة كون عذاب جهنم يستمر إلى ما لانهاية، وإن جهنم قد خلقت لتكون مثوى خاصا بالكافرين, ولا مجال هناك للخلاص منها. وسيستحق العذاب الأبدي أولئك الذين أظهروا لله تعالى جحوداً وعصياناً بعدما منحهم الله تعالى من النعم والخيرات الشيء الكثير. يقول تعالى :

                وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( سورة النحل 78 )

                لن تكون هناك أي فائدة للذين يقدمون المغالطات والمقاييس الفاسدة لإلهاء أنفسهم، فالحكم قد تحقق وصدر في حق هؤلاء الذين قضوا حياتهم الدنيا في الجحود والضلال، وما أظهروه من حقد دفين وعدم مبالاة تجاه دين الله تعالى, وسيتم مخاطبة أولئك الذين كانوا يتكبرون على الله تعالى:

                فَادْخُلُوا أبواب جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( سورة النحل 29 )

                وإحدى أهم الصفات المخيفة لجهنم هي عدم انقطاع عذابها أبداً. فليس هناك مجال للعودة والخروج منها بعد الدخول إليها، فهناك حقيقة واحدة هي استمرار عذاب نار جهنم إلى الأبد. ومن أهم صفات الله تعالى في الأسماء الحسنى صفة( القهار ) وتتجلى في هذه النقطة. وسيلاقي الذين سيكونون وجهاً لوجه مع هذه الحقيقة انهياراً نفسياً، لأنه لن يبق لهم أي أمل في النجاة, والقرآن الكريم يشرح لنا الوضع البائس لأصحاب النار فيقول:

                وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَ أهم النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( السجدة 20 )

                بيئة العذاب في جهنم

                فبعد محاسبة الكفار أمام الله تعالى يستلمون كتب أعمالهم بشمالهم، وهذا يمثل لحظة سوقهم إلى جهنم التي سيبقون فيها إلى الأبد، حيث لن يجد الكفار وسيلة للهرب، فلن يوفر تجمع المليارات من البشر يوم الحساب الفرصة لهؤلاء الكفار كي يهربوا ويختفوا عن الأنظار، ولا يستطيع أحد الاستفادة من هذا الأزدحام كي يختفي أو يجعل نفسه شخصا منسيا. وكل فرد من أفراد أهل النار سيرافقه سائق وشاهد من الملائكة:
                وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ( سورة ق 20 – 26 )

                وهكذا فإن الكفار سيتم سحبهم على وجوههم باتجاه ذلك المكان المخيف. وكما أفاد القرآن الكريم فإن هؤلاء الكفار سيساقون زمراُ زمراً إلى جهنم, وقبل وصولهم إلى هذا المكان وهم في الطريق إلى جهنم سيصاب هؤلاء الكفار بالخوف وبالرعب الشديد وبالهلع، حيث يسمعون ومن مسافات بعيدة أصوات شهيق جهنم وهي تتلظى بالنار:.

                إذا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُور تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( سورة الملك 7 – 8 )

                وكما تبين الآية الكريمة, فإن إحساس الكفار بما سيصيبهم من عذاب جهنم سيكون واضحاً حال بعثهم من الموت حيث سيدركون أي عاقبة ستكون بانتظارهم فتكون أعناقهم مطأطأة من شدة الخجل والمذلة.

                فهم بعد انكسار كبريائهم سيكونون في حالة انهيار تام، حيث تكون رؤوسهم منحنية, فقد أصبحوا دون حول ولا قوة، وبلا مساعدة وبلا صديق. وهم لشدة خجلهم لا يرفعون رؤوسهم، بل يكتفون بالنظر من طرف أعينهم, وفي آية كريمة تتوضح لنا هذه الحالة:

                وَتَرَاهم يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنفسهم وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ ( سورة الشورى 45 )

                إن جهنم مكان تنبض بالكراهية الشديدة, فهي متعطشة لتعذيب البشر ولا تشبع أبدا من التهام الكافرين:

                يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ( سورة ق 30 )

                عندما تتلقف جهنم أحد الكفار من أهل جهنم فإنها تبقيه فيها إلى الأبد. والقرآن الكريم يصف لنا جهنم بقوله تعالى:

                سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَر لَا تُبْقِي وَلَا تَذَر لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ( سورة المدثر 26 – 29
                )
                اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                تعليق


                • #23
                  الحياة الأبدية خلف الأبواب المغلقة

                  سيجابه الكفار الذين سيدخلون جهنم بعد غلق الأبواب عليهم منظراً مخيفاً للغاية. فهم سيدركون أنهم بعد قليل سوف يتم رميهم في نار جهنم إلى الأبد. فغلق الأبواب من خلفهم سيجعلهم يدركون أنه ليس هناك مفر ولا خروج من هذا المكان المخيف. ويخبر الله تعالى عن وضع الكفار هذا فيقول:

                  وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُوصَدَةٌ( سورة البلد / 19 – 20 )
                  وحسب الآيات الكريمة
                  ( عذاب كبير ) سورة آل عمران 176 ) و
                  ( عذاب شديد ) ( سورة آل عمران 40 ) و
                  ( عذاب أليم ) ( سورة آل عمران 77 )
                  وهكذا يبين القرآن الكريم العذاب المرعب والأليم الذي سيواجهه الكفار.

                  إن المقياس الذي يملكه الإنسان في الحياة الدنيا لا يستطيع فهم واستيعاب عذاب جهنم بشكل كامل.

                  فالإنسان الذي لا يتحمل التعرض إلى الماء الحار أو النار لثوان معدودات لا يستطيع تجسيم منظر عذاب النار في ذهنه والذي سيستمر إلى الأبد ولا حتى تخيله. لأن شدة الألم في نار جهنم لا يمكن مقارنتها بأي ألم ناتج من أي نار موجودة على الأرض, لأنه ليس هناك شبيه لعذاب الله تعالى:

                  فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَد وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ( سورة الفجر 25 – 26 )

                  وكما يوضح القرآن الكريم فإن في جهنم حياة بمعنى الكلمة, ولكن هذه الحياة يملؤها العذاب في كل آن ومن كل جهة, والحياة في جهنم تحوي مختلف صنوف الإهانة والخزي والمهانة والذل. وكذلك فهناك عذاب جسدي وعذاب نفسي، ولا يمكن مطلقا قياس أي عذاب واقع في الأرض مع العذاب الحاصل في جهنم. فأهل النار سيحسون بعذاب جهنم بحواسهم الخمسة. فعيونهم ستشاهد أفظع وأقذر المناظر وآذانهم ستسمع أفظع الأصوات وأكثرها رهبة من دمدمات وضجيج وصياح وتآوهات وصراخ. وستملأ أنوفهم روائح قذرة وكريهة لا يمكن تحملها, وستذوق ألسنتهم أفظع المذاقاتً وأكثرها إيلاماً. وستحترق جلودهم وجميع أجزاء أجسامهم بحيث لا ينجو من هذا الحرق حتى خلية واحدة من خلايا جسده, وسيتلوون من شدة هذا العذاب. فهم لا يموتون ولا يفنون ليتخلصوا من هذا العذاب. وهذا العذاب سيستمر إلى ما لانهاية، لأن جلودهم ستتجدد, ولن يخفف العذاب عنهم ولن ينقطع عنهم أبداً. وكما جاء في القرآن الكريم:

                  أولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( سورة البقرة 175 )

                  وسيقال للكفار حسب التعبير القراني:

                  اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أو لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( سورة الطور 16 )

                  وهناك عذاب نفسي شديد ومؤلم بجانب العذاب الجسدي, فهم يهانون ويحقرون، فيندمون, وكلما فكروا في وضعهم اليائس وعدم وجود أي بصيص من الأمل أمامهم ستبكي قلوبهم دماً, وكلما خطر ببالهم أن وضعهم سيستمر إلى الأبد تضاعفت آلامهم إلى درجة أنه لو يعلمون بأن هذا العذاب سينتهي بعد مليون سنة أو بليار سنة أو حتى بعد مليارات من السنين فسيشكل هذا لهم مصدر أمل كبير, ولكن علمهم بأن العذاب لن ينتهي بل سيستمر إلى أبد الآبدين سيولد عندهم شعوراً شديدا بالاحباط واليأس لا يمكن مقارنتهما بأي شعور بالاحباط واليأس في هذه الدنيا. وحسب التصوير القرآني لجهنم فهي مكان قذر، تفوح بمختلف صنوف الروائح الكريهة، ضيقة يعلوها الضوضاء، مظلمة،كريهة، كل زاوية وحجرة تغلي من شدة وهول الحرارة، تحتوي على أمقت المأكولات والمشروبات. وملابس من نار يلبسونها تظل عليهم إلى الأبد، إضافة إلى مختلف صنوف العذاب. كل هذا وأكثر من هذا يشير إلى نوع المكان الأبدي الذي سيكون مأوى الكافرين والضالين من أهل النار, ويمكن تصوير بيئة جهنم من خلال مايمكن رويته في بعض الأفلام التي تصور انفجار قنبلة نووية وما تخلفها من ظلمة، وقذارة إلى أبعد ما يمكن تصورها، وسط ممقوت, وسط ملؤه الذهول. وطبعا ومما لاشك فيه أن هناك حياة تتلاءم مع هذه البيئة. فأهل جهنم يكونون في وعيهم التام حيث يسمعون، ويتكلمون، ويتناقشون، ويحاولون الهرب، يحرقون في النار، يتضرعون ويطلبون تخفيف العذاب عنهم، يعطشون، يجوعون، يحسون بالندم القاتل. لهذا فإن أهل جهنم يعيشون في بيئة قذرة ممقوته كالحيوانات. فهم يجدون فقط شجرة الزقوم كمأكل لهم وأشواك الأشجار، أما شرابهم فمن دم وصديد ومن ماء مغلي لا غير. وفي هذه الأثناء فإن النار تحيط بهم من كل جانب. حيث تبدل جلودهم المحترقة بأخرى جديدة وهكذا. حيث يستمر هذا العذاب من دون تخفيف من حدتها وشدتها. وهم علاوة على تساقط جلودهم ولحومهم المحترقة، واندفاع وخروج أعضائهم الداخلية إلى الخارج، واحتراق كامل جسدهم, وعلى الرغم من كونهم في وسط يملؤه الدم والصديد فأنه يتم ضربهم وجلدهم بسلاسل من حديد. ويتم ربطهم من أعناقهم وربط أيديهم إلى أعناقهم حيث يتم جرهم ورميهم في أماكن ضيقة من جهنم. ويمددون من قبل زبانية جهنم على أسرة من نار. حيث يقومون بتغطيتهم بأغطية من نار. فلن تكون هناك آذان صاغية لصراخهم ولجميع توسلاتهم المستمرة. فهم يطلبون أن يخفف عنهم العذاب ولو ليوم واحد ولكن العذاب والإهانة سيكون الجواب الموجه إليهم, فاليوم الواحد لهم من أيام جهنم لا يشبه بأي شكل من الأشكال يوما من أيام الدنيا.

                  فكل مايجري في جهنم من حوادث هي حوادث حقيقية، فهي حقيقية بل وأكثر حقيقية من حياتنا هذه والتي نعيشها في هذه الدنيا. وهذا هو أيضا مصير الذين لايعبدون الله كماينبغي بل يؤدون عبادتهم بشكل ناقص:

                  وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فإن أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَ الآخرة ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ( الحج 11 )

                  كذلك فهذا هو مصير الذين يقترفون الآثام ويقولون بأن الله تعالى سيغفر لنا في نهاية الأمر, والذين يحسبون أنهم لن يبقوا في جهنم إلا أياما معدودات:

                  ذَلِكَ بأنهم قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أيام ا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
                  ( آل عمران 24 )

                  والذين يتخذون الهاً غير الله, ولا يهدفون في الحياة إلا الحصول على الثروة وعلى الصيت والشهرة, والذين يغيرون دين الله حسب أهوائهم ورغباتهم, والذين يشوهون تفسير القرآن حسب مصالحهم ومنافعهم الشخصية أو الذين يرتدون من بعد إيمانهم كفاراً. والخلاصة أن جميع الكفار والمشركين والمنافقين سيملؤون جهنم. فهذا الوعد القاطع لله تعالى قد أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى:

                  وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( سورة السجدة 13 )

                  ومقابل هذا، فليس هناك أحد يستطيع أن يتألم لحال أهل جهنم وأن يخلصهم من عذاب النار وحتى أن يساعدهم. والله تعالى لن يكلمهم إلى الأبد. فهم سيقاسون آلام الاهمال والنبذ والنسيان.

                  فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ( سورة الحاقة 35 )

                  وزبانية جهنم، وهم من الملائكة الموكلين بتطبيق أسوإ العذاب وأقساه على واردي جهنم لايملكون ذرة من الرحمة والشفقة سيذيقونهم سوء العذاب ومختلف صنوف الآلام والتعذيب و إلى ما لا نهاية. وهم على درجة عالية من الشدة وعدم الرحمة والقوة ويكونون مخيفين جدا. فهم مكلفون بأن يقتصوا من الكفار والمشركين الذين تجاسروا بكفرهم بالله رب العالمين حيث يقومون بأداء واجبهم على أتم وجه. فليس من الممكن أن يقدموا التماساً وأن يؤدوا بشكل ناقص واجب التعذيب أو أن يجعلوا الكافرين يهربون من أمام أعينهم، ولهذا فإن الإنسان يجابه خطرا حقيقياً. فالإنسان سيعاقب بهذا العقاب إذا قام بجحود وعصيان تجاه رب العالمين، وهذا يعني اقترافه أعظم الذنوب، لهذا فإن الله تعالى ينبه الإنسان كي لا يقع في مثل هذه الأخطار وأن لايقترف تلك الذنوب:



                  يَاأَيُّهَا الذِين آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( سورة التحريم 6 )

                  كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَه سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ
                  ( سورة العلق 15 – 18 )

                  تضرعات يائسة لا طائل من ورائها

                  إن أهل جهنم يعيشون حالة من الإحباط الشديد، فالعذاب المسلط عليهم يكون أبديا من جهة وأيضاً يكون أليماً جداً من جهة اخرى, فالتوسل وإصدار أصوات تنم عن ألم كبير سيكون طريقهم وأملهم الوحيد. فهم يتوسلون لكل من يرونه، يرون أهل الجنة فيطلبون منهم قليلا من الماء والطعام. يتوسلون إلى الله تعالى ويأملون رحمة منه، ولكن كل هذا لا يجدي. وحراس جهنم وهم الزبانية يكونون ضمن الذين يتوسلون بهم، أي يصل الأمر بهم بأن يتوسلوا إلى زبانية جهنم الذين يقومون بإذاقتهم مختلف صنوف العذاب والذين لا يخطر ببالهم أن يقوموا بالتوسط لدى الله تعالى لكي يخفف عن هؤلاء العذاب حيث يكون العذاب شديدا لدرجة أنهم يتوسلون كي يخفف عنهم ولو ليوم واحد فقط. ولكنهم لا يأخذون أي رد.

                  وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍٍ ( سورة غافر 50 – 49 )

                  وهم بجانب هذا يعملون من أجل الحصول على رحمة من الله تعالى ولكن أيضاً تبوء جميع محاولاتهم بالفشل.

                  قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فإن عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِي إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِين فَأتخذتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُون إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أنهم هُمْ الْفَائِزُونَ ( سورة المؤمنون 111 – 106 )

                  ويفهم من هذه الآية الكريمة أن هذا هو الخطاب الأخير الذي يوجهه الله تعالى لأهل جهنم. لأن الله تعالى عندما قال لهم " اخسأوا ولاتكلمون " فلم يعد هناك أي مجال لأي حديث أو كلام بعد. وبعد هذا لن يخاطبهم الله تعالى إلى أبد الأبدين وهذا وضع مؤلم لا يمكن حتى تصوره وتخيله. وبينما يقاسي أهل جهنم العذاب ويصطرخون في النار يكون المؤمنون الفائزون والواصلون إلى السعادة في أحضان النعيم. وهناك عذاب معنوي آخر لأهل جهنم وهو الحوار الذي يجري بينهم وبين أهل الجنة. . فعندما يعاني أهل جهنم من أصناف العذاب المهول ييسر لهم الله إمكانية رؤية الجنة ومشاهدة أنواع النعم الموجودة فيها، حيث يرون المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا في بحبوحة من العيش وفي قصور فخمة ومراتب عالية ومع نساء حسناوات وحور عين يخطف حسنهن الأبصار، يتناولون ألذ أنواع الأطعمة والمشروبات فيقارنون بين العذاب الذي يعيشون فيه والهوان والخزي الذي يلاقونه مع هذه النعم الكبيرة والسعادة اللامحدودة الموجودة هناك في الجنة, وهذا سيزيد من عذابهم أضعافا مضاعفة ويبلغ شعور الندامة عندهم درجة لا يمكن تحملها ويغرقون في بحر من الندامة الممضة الموجعة لأنهم – على العكس من المؤمنين – لم يؤمنوا بالله ولم يخضعوا لأحكام الله, وفي لجة هذه المشاعر يحاولون إجراء حوار مع أهل الجنة وطلب المعونة منهم فيتوسلون إليهم ولكن هيهات هيهات, وفي هذه الأثناء يرى أهل الجنة حال أهل النار فيزدادون سعادة ويزداد شكرهم لله تعالى, ويخبرنا القرآن الكريم عن هذا الحوار الذي سيجري بين أهل النار واهل الجنة:

                  فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِين وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ( سورة المدثر 40 - 48 )


                  اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                  تعليق


                  • #24
                    تذكير من أجل الخلاص من العذاب الأبدي


                    قمنا هنا بتلخيص حال الإنسان ( الذي لم يخلقه الله عبثا ولم يترك حبله على غاربه ) سواء المؤمن منهم بالله تعالى أو المنكر منهم، ولكن يجب أن لا يغرب عن البال بأن الغاية من شرحنا هذا يختلف تماما عن هدف تقديم قصة الجنة وجهنم بالشكل الذي اعتاد الناس على سماعه منذ ولادته. فليس من هدفنا إعطاء معلومات دينية فقط بل التذكير وللمرة الأخيرة بأن مايقاسونه من آلام وضيق في حياتهم الدنيا نتيجة إنكارهم وعدم إيمانهم سيستمر في الآخرة ولن يجدوا منه خلاصا.

                    ولاشك أن الإنسان حر في اختيار نمط عيشه في الحياة الدنيا، ولا يستطيع أي شخص أن يكره شخصا آخرا بأي شكل من أشكال الإكراه. ولكننا كمؤمنين بالله تعالى وبعدالته غير المحدودة نرى أن من واجبنا تنبيه الضالين والغافلين في حياتهم الدنيا عن الحقيقة لكي يخافوا وتخشع قلوبهم لأن الله تعالى يشرح مدى وخامة الوضع الذي يعيش فية هؤلاء فيقول تعالى:

                    أَفَمَنْ أسس بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أسس بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( التوبه 109 )

                    إن الذين يديرون ظهورهم لآيات الله وينكرون الله تعالى دون أي وعي أو شعور، لايوجد لهم أي خلاص في الآخرة ولا أي نجاة. إذن فالواجب على كل إنسان عندما يرى الحقائق التحول عن الطريق المنحرف الذي يسير فيه دون إضاعة أي وقت وتسليم نفسه لله تعالى فإن لم يفعل هذا فسيعيش الندم الكبير الذي تشرحه الآية الآتية:

                    رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( سورة الحجر 2 – 3 )

                    أما طريق الخلاص من العذاب ومن الندم وكسب رضى الله تعالى وجنته فواضح وبين!

                    الإيمان بالله تعالى من صميم القلب ومن دون أي تأخير وإفناء العمر في السعي للحصول على رضا الله تعالى.


                    انتهى



                    منقول عن كتاب / حقيقة الحياة الدنيا / للكاتب هاروون يحيي

                    وأتمنى ان يكون هذا الكتاب القيم قد نال اعجابكم مع تحياتي لكم

                    ملخص لكتاب قيم جدا جدا جدا

                    انا شخصيا قراته مرتين ولم أمل من قرأته اكتسبت الكثير من العملومات والخبرة من هذا الرجل العظيم الكاتب هارون يحيي
                    ارجو أن تقرؤه على مراحل لما فيه من حكمة ونظرة تأملية للحياة وما بعدها وما يقدمه من فائدة قيمة
                    ولك خالص تحياتي


                    اللهم اغفر لأبي وأمي وارحمهما كما ربياني صغيرا

                    تعليق

                    يعمل...
                    X