المطلب العاشر
●الشبهة الثامنة:
قالوا: قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين)). هنا حرم الله الزانية على المؤمن وهذا يدل على بقائها حية من بعد إقامة الحد عليها وهو مائة جلدة، ولو كان الحد هو الرجم لما كانت قد بقيت من بعده على قيد الحياة. وقوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) لا يميز بين بكر وثيب إذ قوله (من نسائكم) يدل على عموم المسلمين، وقوله (أو يجعل الله لهن سبيلاً) يؤكد عدم الرجم ويؤكد عدم التمييز بين البكر والثيب في الحد. وإن تابت الزانية أو الزاني فيندرجا تحت قوله: (فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما). فالتوبة تجب ما قبلها.
●الجواب عنها:
إن قولهم : (هنا حرم الله الزانية على المؤمن وهذا يدل على بقائها حية من بعد إقامة الحد عليها وهو مائة جلدة، ولو كان الحد هو الرجم لما كانت قد بقيت من بعده على قيد الحياة). خطأ، فهذه الآية تخص الزاني البكر الذي حدّه الجلد وليس الثيب… قال صلى الله عليه وسلم: (لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله)- صحيح أبي داود للعلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله ج6 ص293 ح1791 – ط: مؤسسة غراس، الكويت – حديث صحيح -، طبعاً إلا إذا تاب عن الزنا فيجوز نكاحه… فها هي السنة بينّت لنا الآية ولا سيما أن الكاتب رحمه الله يُقر بأن السنة مبينة للقرآن الكريم.
أما قوله (وقوله تعالى: (( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم )) لا يميز بين بكر وثيب إذ قوله (( من نسائكم )) يدل على عموم المسلمين).
فهو فعلاً يدل على عموم نساء المسلمين، لكن كما تقدم معنا في الرد على الدليل السابع أن هذا كان في أوّل الإسلام، ثم جعل الله لهن سبيلاً كما صحّ عن رسول الله عليه الصلاة والسلام – الحديث الذي تقدم معنا – وعن الصحابي ابن عباس رضي الله عنه. فقد قال رضي الله عنه: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم إلى أو يجعل الله لهن سبيلا، فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) [سورة النور: 2]، فإن كانا محصنين رجما. فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما.) جامع البيان في تأويل القرآن للإمام الطبري ج8 ص74 – ط: مؤسسة الرسالة – ت: أحمد شاكر.
فهذا ترجمان القرآن وإمام المفسرين ومعاصر الوحي يثبت حد الرجم ويُفرق بين الثيب والبكر فكيف لا نفرق بينهما نحن ؟.
المطلب الحادي عشر
●الشبهة التاسعة:
وقالوا – غفر الله لنا ولهم -: يقول العلماء: إن الخاص مقدم على العام. ثم يقولون: والقرآن عام. ثم يقولون: وفي القرآن آيات تخصص العام. ثم يقولون: وفي الأحاديث النبوية أحاديث تخصص العام. أما قولهم بأن العام في القرآن يخصص بقرآن فهذا هو ما اتفقوا عليه وأما قولهم بأن الأحاديث تخصص عام القرآن فهذا الذي اختلفوا فيه لأن القرآن قطعي الثبوت والحديث ظني الثبوت وراوي الحديث واحد عن واحد عن واحد ولا يصح تخصيص عام القرآن بخبر الواحد.
وعلى ذلك فإن قوله تعالى: ((الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)) حكم عام يشمل الجميع محصنين أو غير محصنين. فهل يصح تخصيص العام الذي هو الجلد بحديث يرويه واحد عن واحد في الرجم؟!. إن قلنا بالتخصيص والخاص مقدم على العام يلزم تفضيل كلام الراوي على كلام الله أو يلزم مساواة كلام الراوي بكلام الله وهذا لا يقول به عاقل، وعليه يتوجب أن حكم الرجم ليس تخصيصاً لحكم الجلد.
يقول شيخ الإسلام فخر الدين الرازي عن الخوارج الذين أنكروا الرجم: ((إن قوله تعالى: ((الزانية والزاني فاجلدوا)) يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة. وإيجاب الرجم على البعض بخبر الواحد يقتضي تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد وهو غير جائز لأن الكتاب قاطع في متنه بينما خبر الواحد غير قاطع في متنه والمقطوع راجح على المظنون)).
ولو أن رواة الأحاديث قد اتفقوا على الرجم والنفي (التغريب) لأمكن أن يُقال إن إجماعاً من المسلمين موجود عليهما. ولأنهم لم يتفقوا وقع الريب في قلوب المسلمين من جهة الرجم والنفي. وفي الحديث: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) ففي حديث: ((خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه به وخلوا سبيله)) أمر بالجلد ولم يأمر بالتغريب. وفي حديث الأمَة: ((إذا زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بطفير)) ولو كان النفي ثابتاً لذُكِر هنا مع الجلد. وروى الترمذي أنه عليه السلام جلد وغرّب، وهذا تناقض.
الرجم عقوبة جاهلية توارثها العرب والمسلمون وما كان لها بالقرآن صلة. فلقد ذكرت كلمة رجم خمسة مرات في الكتاب المقدس عن شعوب سلفت نزول التحكيم الإسلامي وهو كالآتي: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ }هود91 {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً }الكهف20 {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً }مريم46 {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ }يس18 {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ }الدخان20
كل هذه الآيات الكريمة القرآنية تثبت أن الرجم غير مقبول في الإسلام كوسيلة ردع للمنحرف عن شريعة الله ومن تكبَّده أو هُدِّد به عبر التاريخ البشري قبل نزول القرآن وبعده كان تسلطا وطغيانا كما تنص الآيات الصريحة!.
●الجواب عنها:
إن قولهم بخصوص مسألة تخصيص القرآن الكريم بالسنة فيها خلاف فهذا مما لا نعلمه، والسنة تدل على أنها فعلاً تخصصه، فمثلاً قال عز وجل: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} سورة النساء الآية 11. إلا أن السنة خصت القاتل والكافر بمنعهما، قال صلى الله عليه وسلم: (القاتل لا يرث) صحيح الجامع الصغير وزيادته للعلامة محمد ناصر الدين الألباني ج2 ص817 ح4436 – ط: المكتب الإسلامي. ، وقال أيضاً: (لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج36 ص100 ح21766 – ط: مؤسسة الرسالة – ت: شعيب الأرناؤوط وغيره – حديث صحيح. والأدلة على تخصيص السنة للقرآن الكريمة كثيرة، فلا عبرة لمن خالف في ذلك.
كما أنّنا لم نثبت حد الرجم بالسنة بل أثبتناه بالقرآن الكريم – الآية التي نُسخ لفظها -. كما أنّ الرجم ثابت بتواتر السنة – أي قطعي الثبوت وليس ظني -.
كما أن المسألة مُجمع عليها، والإجماع نقله غير واحد من أهل العلم، قال ابن كثير رحمه الله: (قال ابن عباس: كان الحكم كذلك، حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد، أو الرجم.
وكذا روي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء الخراساني، وأبي صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك: أنها منسوخة. وهو أمر متفق عليه.) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير ج2 ص233 – ط: دار طيبة.
أما استدلال بحديث: (خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه به وخلوا سبيله).. لا يدل لا من قريب ولا من بعيد على نفي التغريب، إذ أن هذا خاص، ألا ترى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال (مائة شمراخ) ولم يقل (جلدة) ؟!! فهذا رأفة به ومراعاة لضعفه.
أما قولهم : أن الرجم حكم جاهلي فهذا خطأ شنيع، فالرجم ثابت في التوراة وهو حكم الله عز وجل الذي أثبته في القرآن الكريم كما بيّنا آنفاً.
قال الشنقيطي في أضواء البيان (1/ 370): " قوله تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} لم يبين هنا شيئا من ذلك الكثير الذي يبينه لهم الرسول صلى الله عليه وسلم مما كانوا يخفون من الكتاب، يعني التوراة والإنجيل، وبين كثيرا منه في مواضع أخر. فمما كانوا يخفون من أحكام التوراة رجم الزاني المحصن، وبينه القرآن في قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون}".
وقال الشنقيطي أيضا في أضواء البيان (1/ 403): " قوله تعالى: {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} في هذه الآية الكريمة إجمال; لأن المشار إليه بقوله: (هذا)، مفسر الضمير في قوله: (فخذوه)، وقوله: (لم تؤتوه)، لم يصرح به في الآية ولكن الله أشار له هنا، وذكره في موضع آخر. اعلم أولا أن هذه الآية نزلت في اليهودي واليهودية اللذين زنيا بعد الإحصان، وكان اليهود قد بدلوا حكم الرجم في التوراة، فتعمدوا تحريف كتاب الله، واصطلحوا فيما بينهم على أن الزاني المحصن الذي يعلمون أن حده في كتاب الله التوراة: الرجم، أنهم يجلدونه ويفضحونه بتسويد الوجه، والإركاب على حمار، فلما زنى المذكوران قالوا فيما بينهم: تعالوا نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم في شأن حدهما، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه ذلك واجعلوه حجة بينكم وبين الله تعالى، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم فيهما بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المراد بقوله: (هذا)، وقوله: (فخذوه)، وقوله: (وإن لم تؤتوه)، هو الحكم المحرَّف الذي هو الجلد والتحميم كما بينا، وأشار إلى ذلك هنا بقوله: (يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا) يعني المحرَّف والمبدَّل الذي هو الجلد والتحميم (فخذوه وإن لم تؤتوه) بأن حَكَم بالحق الذي هو الرجم (فاحذروا) أن تقبلوه. وذكر تعالى هذا أيضا في قوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله} يعني التوراة ليحكم بينهم، يعني في شأن الزانيين المذكورين، {ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون} أي عما في التوراة من حكم رجم الزاني المحصن، وقوله هنا: {ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون} هو معنى قوله عنهم: {وإن لم تؤتوه فاحذروا}".
وقال أيضا في أضواء البيان (5/ 368- 372): "اعلم أن رجم الزانيين المحصنين دلت عليه آيتان من كتاب الله، إحداهما نسخت تلاوتها، وبقي حكمها، والثانية: باقية التلاوة والحكم. أما التي نسخت تلاوتها، وبقي حكمها فهي قوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) ، وكون الرجم ثابتا بالقرآن ثابت في الصحيح، فروى البخاري (6830) ومسلم (1691) في صحيحيهما من طريق ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس وقال في خطبته: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. وفيه: أن الرجم نزل في القرآن في آية من كتاب الله، وكونها لم تقرأ في الصحف، يدل على نسخ تلاوتها، مع بقاء حكمها.
●الشبهة الثامنة:
قالوا: قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين)). هنا حرم الله الزانية على المؤمن وهذا يدل على بقائها حية من بعد إقامة الحد عليها وهو مائة جلدة، ولو كان الحد هو الرجم لما كانت قد بقيت من بعده على قيد الحياة. وقوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) لا يميز بين بكر وثيب إذ قوله (من نسائكم) يدل على عموم المسلمين، وقوله (أو يجعل الله لهن سبيلاً) يؤكد عدم الرجم ويؤكد عدم التمييز بين البكر والثيب في الحد. وإن تابت الزانية أو الزاني فيندرجا تحت قوله: (فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما). فالتوبة تجب ما قبلها.
●الجواب عنها:
إن قولهم : (هنا حرم الله الزانية على المؤمن وهذا يدل على بقائها حية من بعد إقامة الحد عليها وهو مائة جلدة، ولو كان الحد هو الرجم لما كانت قد بقيت من بعده على قيد الحياة). خطأ، فهذه الآية تخص الزاني البكر الذي حدّه الجلد وليس الثيب… قال صلى الله عليه وسلم: (لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله)- صحيح أبي داود للعلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله ج6 ص293 ح1791 – ط: مؤسسة غراس، الكويت – حديث صحيح -، طبعاً إلا إذا تاب عن الزنا فيجوز نكاحه… فها هي السنة بينّت لنا الآية ولا سيما أن الكاتب رحمه الله يُقر بأن السنة مبينة للقرآن الكريم.
أما قوله (وقوله تعالى: (( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم )) لا يميز بين بكر وثيب إذ قوله (( من نسائكم )) يدل على عموم المسلمين).
فهو فعلاً يدل على عموم نساء المسلمين، لكن كما تقدم معنا في الرد على الدليل السابع أن هذا كان في أوّل الإسلام، ثم جعل الله لهن سبيلاً كما صحّ عن رسول الله عليه الصلاة والسلام – الحديث الذي تقدم معنا – وعن الصحابي ابن عباس رضي الله عنه. فقد قال رضي الله عنه: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم إلى أو يجعل الله لهن سبيلا، فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) [سورة النور: 2]، فإن كانا محصنين رجما. فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما.) جامع البيان في تأويل القرآن للإمام الطبري ج8 ص74 – ط: مؤسسة الرسالة – ت: أحمد شاكر.
فهذا ترجمان القرآن وإمام المفسرين ومعاصر الوحي يثبت حد الرجم ويُفرق بين الثيب والبكر فكيف لا نفرق بينهما نحن ؟.
المطلب الحادي عشر
●الشبهة التاسعة:
وقالوا – غفر الله لنا ولهم -: يقول العلماء: إن الخاص مقدم على العام. ثم يقولون: والقرآن عام. ثم يقولون: وفي القرآن آيات تخصص العام. ثم يقولون: وفي الأحاديث النبوية أحاديث تخصص العام. أما قولهم بأن العام في القرآن يخصص بقرآن فهذا هو ما اتفقوا عليه وأما قولهم بأن الأحاديث تخصص عام القرآن فهذا الذي اختلفوا فيه لأن القرآن قطعي الثبوت والحديث ظني الثبوت وراوي الحديث واحد عن واحد عن واحد ولا يصح تخصيص عام القرآن بخبر الواحد.
وعلى ذلك فإن قوله تعالى: ((الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)) حكم عام يشمل الجميع محصنين أو غير محصنين. فهل يصح تخصيص العام الذي هو الجلد بحديث يرويه واحد عن واحد في الرجم؟!. إن قلنا بالتخصيص والخاص مقدم على العام يلزم تفضيل كلام الراوي على كلام الله أو يلزم مساواة كلام الراوي بكلام الله وهذا لا يقول به عاقل، وعليه يتوجب أن حكم الرجم ليس تخصيصاً لحكم الجلد.
يقول شيخ الإسلام فخر الدين الرازي عن الخوارج الذين أنكروا الرجم: ((إن قوله تعالى: ((الزانية والزاني فاجلدوا)) يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة. وإيجاب الرجم على البعض بخبر الواحد يقتضي تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد وهو غير جائز لأن الكتاب قاطع في متنه بينما خبر الواحد غير قاطع في متنه والمقطوع راجح على المظنون)).
ولو أن رواة الأحاديث قد اتفقوا على الرجم والنفي (التغريب) لأمكن أن يُقال إن إجماعاً من المسلمين موجود عليهما. ولأنهم لم يتفقوا وقع الريب في قلوب المسلمين من جهة الرجم والنفي. وفي الحديث: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) ففي حديث: ((خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه به وخلوا سبيله)) أمر بالجلد ولم يأمر بالتغريب. وفي حديث الأمَة: ((إذا زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بطفير)) ولو كان النفي ثابتاً لذُكِر هنا مع الجلد. وروى الترمذي أنه عليه السلام جلد وغرّب، وهذا تناقض.
الرجم عقوبة جاهلية توارثها العرب والمسلمون وما كان لها بالقرآن صلة. فلقد ذكرت كلمة رجم خمسة مرات في الكتاب المقدس عن شعوب سلفت نزول التحكيم الإسلامي وهو كالآتي: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ }هود91 {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً }الكهف20 {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً }مريم46 {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ }يس18 {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ }الدخان20
كل هذه الآيات الكريمة القرآنية تثبت أن الرجم غير مقبول في الإسلام كوسيلة ردع للمنحرف عن شريعة الله ومن تكبَّده أو هُدِّد به عبر التاريخ البشري قبل نزول القرآن وبعده كان تسلطا وطغيانا كما تنص الآيات الصريحة!.
●الجواب عنها:
إن قولهم بخصوص مسألة تخصيص القرآن الكريم بالسنة فيها خلاف فهذا مما لا نعلمه، والسنة تدل على أنها فعلاً تخصصه، فمثلاً قال عز وجل: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} سورة النساء الآية 11. إلا أن السنة خصت القاتل والكافر بمنعهما، قال صلى الله عليه وسلم: (القاتل لا يرث) صحيح الجامع الصغير وزيادته للعلامة محمد ناصر الدين الألباني ج2 ص817 ح4436 – ط: المكتب الإسلامي. ، وقال أيضاً: (لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج36 ص100 ح21766 – ط: مؤسسة الرسالة – ت: شعيب الأرناؤوط وغيره – حديث صحيح. والأدلة على تخصيص السنة للقرآن الكريمة كثيرة، فلا عبرة لمن خالف في ذلك.
كما أنّنا لم نثبت حد الرجم بالسنة بل أثبتناه بالقرآن الكريم – الآية التي نُسخ لفظها -. كما أنّ الرجم ثابت بتواتر السنة – أي قطعي الثبوت وليس ظني -.
كما أن المسألة مُجمع عليها، والإجماع نقله غير واحد من أهل العلم، قال ابن كثير رحمه الله: (قال ابن عباس: كان الحكم كذلك، حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد، أو الرجم.
وكذا روي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء الخراساني، وأبي صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك: أنها منسوخة. وهو أمر متفق عليه.) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير ج2 ص233 – ط: دار طيبة.
أما استدلال بحديث: (خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه به وخلوا سبيله).. لا يدل لا من قريب ولا من بعيد على نفي التغريب، إذ أن هذا خاص، ألا ترى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال (مائة شمراخ) ولم يقل (جلدة) ؟!! فهذا رأفة به ومراعاة لضعفه.
أما قولهم : أن الرجم حكم جاهلي فهذا خطأ شنيع، فالرجم ثابت في التوراة وهو حكم الله عز وجل الذي أثبته في القرآن الكريم كما بيّنا آنفاً.
قال الشنقيطي في أضواء البيان (1/ 370): " قوله تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} لم يبين هنا شيئا من ذلك الكثير الذي يبينه لهم الرسول صلى الله عليه وسلم مما كانوا يخفون من الكتاب، يعني التوراة والإنجيل، وبين كثيرا منه في مواضع أخر. فمما كانوا يخفون من أحكام التوراة رجم الزاني المحصن، وبينه القرآن في قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون}".
وقال الشنقيطي أيضا في أضواء البيان (1/ 403): " قوله تعالى: {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} في هذه الآية الكريمة إجمال; لأن المشار إليه بقوله: (هذا)، مفسر الضمير في قوله: (فخذوه)، وقوله: (لم تؤتوه)، لم يصرح به في الآية ولكن الله أشار له هنا، وذكره في موضع آخر. اعلم أولا أن هذه الآية نزلت في اليهودي واليهودية اللذين زنيا بعد الإحصان، وكان اليهود قد بدلوا حكم الرجم في التوراة، فتعمدوا تحريف كتاب الله، واصطلحوا فيما بينهم على أن الزاني المحصن الذي يعلمون أن حده في كتاب الله التوراة: الرجم، أنهم يجلدونه ويفضحونه بتسويد الوجه، والإركاب على حمار، فلما زنى المذكوران قالوا فيما بينهم: تعالوا نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم في شأن حدهما، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه ذلك واجعلوه حجة بينكم وبين الله تعالى، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم فيهما بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المراد بقوله: (هذا)، وقوله: (فخذوه)، وقوله: (وإن لم تؤتوه)، هو الحكم المحرَّف الذي هو الجلد والتحميم كما بينا، وأشار إلى ذلك هنا بقوله: (يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا) يعني المحرَّف والمبدَّل الذي هو الجلد والتحميم (فخذوه وإن لم تؤتوه) بأن حَكَم بالحق الذي هو الرجم (فاحذروا) أن تقبلوه. وذكر تعالى هذا أيضا في قوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله} يعني التوراة ليحكم بينهم، يعني في شأن الزانيين المذكورين، {ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون} أي عما في التوراة من حكم رجم الزاني المحصن، وقوله هنا: {ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون} هو معنى قوله عنهم: {وإن لم تؤتوه فاحذروا}".
وقال أيضا في أضواء البيان (5/ 368- 372): "اعلم أن رجم الزانيين المحصنين دلت عليه آيتان من كتاب الله، إحداهما نسخت تلاوتها، وبقي حكمها، والثانية: باقية التلاوة والحكم. أما التي نسخت تلاوتها، وبقي حكمها فهي قوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) ، وكون الرجم ثابتا بالقرآن ثابت في الصحيح، فروى البخاري (6830) ومسلم (1691) في صحيحيهما من طريق ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس وقال في خطبته: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. وفيه: أن الرجم نزل في القرآن في آية من كتاب الله، وكونها لم تقرأ في الصحف، يدل على نسخ تلاوتها، مع بقاء حكمها.



تعليق