الفرع الثالث
الشروع في الجريمة
قال تعالى: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ يوسف:23.
﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ يوسف:24.
وفي مقام آخر في السورة يقول تعالى: ﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)﴾ يوسف: ٣٢
تعرض هذه الآيات الكريمة لواقعة مراودة امرأة العزيز لسيدنا يوسف عن نفسه، وسعيها لإغوائه ودفعه لارتكاب الفاحشة، ويفيد النص القرآني بأن امرأة العزيز شرعت في التحضير لجريمتها فغلقت الأبواب ودعته لنفسها وذلك بإلحاح يظهره سياق السورة في مواضع مختلفة، ولكنه أمتنع عن تلبية طلبها وحاول الهرب منها حتى لا تنال منه، أو يضعف بآدمته أمام إغرائها (الصابوني، محمد على ورضا، صالح أحمد" مختصر تفسير الطبري"، عالم الكتب، بيروت، 1985، ص588-559. 2).
والمؤكد من صريح نص الآيات أن سيدنا يوسف حافظ على عصمته بعون من الله، ولم يقع في الزنا بمفهومة المادي والقانوني، فباء- عليه السلام- بالرضوان وباءت امرأة العزيز بالفضيحة والخسران لشروعها في اقتراف فعل محرم منهي عنه شرعا، معاقب عليه قانونا.
فالجريمة في القانون إذا ارتكبت بإتيان الفاعل لركنها المادي المؤدي -وفق المجرى العادي للأمور- إلى النتيجة الجرمية فإنها تقع جريمة كاملة مستحقة العقوبة المحددة لها.
أما إذا اقتصر نشاط الفاعل على البدء في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة المؤذية إلى ارتكاب الجريمة ولم يتمكن من إتمام الأفعال اللازمة لحصول تلك الجريمة لحيلولة أسباب لا دخل لإرادته فيها، فإن ما قام بها الفاعل لا يعدو كونه شروعا في الجريمة يعاقب عليها القانون عادة بعقوبات أخف من العقوبة المفروضة في حال ارتكاب الجريمة كاملة، كما أن العقاب على الشروع في قانون العقوبات المصري يقتصر على الجرائم التي اعتبرها القانون جنايات، وعلى بعض الجنح التي ورد نص صريح يعاقب على الشروع فيها.
وفي إطار تحديدها لمفهوم لشروع في الجريمة الشروع بوجه عام نموذج خاص لجريمة تتخلف نتيجتها، أو سلوك غير مفض إلى النهاية التي كان الجاني يسعى إلى بلوغها، متى كان عدم تحقق تلك النتيجة راجعاً إلى سبب غير إرادي. فالجاني في هذا النموذج قطع شوطاً ملموساً على طريق إتمام الجريمة، ولكن ذلك الإتمام لم يحدث لسبب خارج عن إرادته: فمن يطلق رصاصة على الغير بقصد قتله فتطيش رصاصته، أو لا تصيبه إلا بأذى طفيف، أو يضع أخر يده على سلاحه فيمنعه من إطلاق الرصاصة، يعد قد استوفى بنشاطه نموذج الشروع في الجريمة المستهدفة أصلاً والتي حال دون تمامها عامل بعيد عن إرادة الجاني لولاه لتحققت النتيجة. ويراجع في هذا الأمر:
1-دكتور/ أحمد عوض بلال، مبادئ قانون العقوبات المصري، طبعة 2011 -2012، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 324.
2- الدكتور محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات-القسم العام، الطبعة السادسة، دار النهضة، رقم 370، ص 353.
3-الدكتور جلال ثروت، نظم القسم العام في قانون العقوبات، الجزء الأول، نظرية الجريمة، رقم 303 ص 355.
4-الدكتور مأمون سلامة، قانون العقوبات-القسم العام، دار النهضة العربية، الطبعة الرابعة، ص 378.
وقد عرفت المادة 45 من قانون العقوبات الشروع بأنه:
»البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها. ولا يعتبر شروعاً في الجناية أو الجنحة مجرد العزم على ارتكابها ولا الأعمال التحضيرية لذلك. «
اركان الشروع في القانون المصري
تقوم الجريمة في صورة الشروع على ثلاثة عناصر رئيسية، وذلك حسبما يبين من نص المادة 45 من قانون العقوبات، وهي:
1- موضع البدء في التنفيذ في مسار الجريمة: لا مجال للشروع في الجريمة إلا إذا قطع الجاني، على طريق الجريمة، مسافة يمكن معها القول بأنه قد بدأ في تنفيذها. ولكن تحديد ذلك ليس بالأمر اليسير. ويرجع هذا إلى أن المشروع الإجرامي، في الجرائم الكبرى على وجه الخصوص، يمر بمسار طويل يبدأ بالمرحلة النفسية الخالصة، ثم التحضير لارتكاب الجريمة، ثم البدء في تنفيذها، ثم تنفيذها كاملة.( دكتور/ أحمد عوض بلال، مبادئ قانون العقوبات المصري، طبعة 2011 -2012 ، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 332).
2- القصد الجنائي:يعد القصد الجنائي (الركن المعنوي) هو الركن الثاني الذي يفترضه الشروع. وقد أشارت إليه صراحة المادة (45) من قانون العقوبات وهو يتطلب أن يكون الجاني قد أرتكب الفعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة معينة في صورة تامة. والمشرع لا يعاقب على الشروع في جميع الجرائم، مما يعني أن اتجاه قصد الجاني إلى ارتكاب جريمة معينة يتيح التعرف على حكم القانون في الشروع فيها. (الدكتور محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات-القسم العام، الطبعة السادسة، دار النهضة، رقم 370، ص360).
3- عدم تمام الجريمة لسبب غير إرادي:يفترض النموذج القانوني لجريمة الشروع ليس فقط تخلف النتيجة الإجرامية التي كان الجاني يسعى إليها، وإنما كذلك أن يكون التخلف راجعًا إلى أسباب خارجة عن إرادته. ويثير هذا الشرط الأخير ثلاثة تساؤلات فرعية يتعلق أولها بالتمييز بين البدء في التنفيذ والتنفيذ الكامل، وثانيهما بماهية العدول الذي يحول دون قيام الشروع، وثالثهما بالحالة التي يكون من المستحيل فيها تحقق النتيجة الإجرامية. (دكتور/ أحمد عوض بلال، مبادئ قانون العقوبات المصري، طبعة 2011 -2012، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 349).
ثمة صورتان أساسيتان للشروع أولاهما:
الشروع التام، ويعرف كذلك بالجريمة الخائبة، وفيها يستنفد الجاني نشاطه الإجرامي كاملاً وتتخلف النتيجة لسبب خارج عن إرادته، ومن ذلك أن يضرب شخص امرأة أو يعطيها مادة بقصد إسقاطها فلا يتحقق ذلك، أو أن يطلق رصاصته تجاه المجني عليه فلا يصيب هذا الأخير، أو أن يكسر خزينة لسرقة مستند معين فلا يجده بها. ويدخل في صورة الشروع التام كذلك ما يعرف بالجريمة المستحيلة، وفيها يستنفد النشاط الإجرامي في ظروف كان يستحيل فيها تحقق النتيجة لعامل كان الجاني يجهله، كمحاولة السرقة من جيب خال، أو قتل شخص فارق الحياة بالفعل أو بسلاح غير محشو برصاص، أو إسقاط امرأة غير حبلى. مبادئ قانون العقوبات القسم العام، دكتور أحمد عوض بلال، طبعة 2011-2012، الناشر دار النهضة العربية، ص324
والصورة الثانية للشروع هي الشروع الناقص أو ما يعرف بالجريمة الموقوفة، وفيها لا يسنفد الجاني نشاطه الإجرامي حتى نهايته، وإنما يوقفه أو يحبطه عامل خارجي فلا يستكمل النشاط ولا تتحقق النتيجة، كما لو تأهب «أ» لإطلاق عيار ناري تجاه «ب» وتدخل «ج» فأمسك بيده وحال دون إطلاق العيار؛ أو تسلق «أ» سور منزل بقصد السرقة ولم يتم مشروعه على أثر رؤية رجل الشرطة قادمًا نحوه، وهكذا.
وليس ثمة فارق من الناحية القانونية بين صورتي الشروع فيما يتعلق بالتجريم والعقاب: فكل منهما يستكمل عناصر الشروع، ولكل منهما يتقرر ذات العقاب.
والحكمة من معاقبة الشروع بعقوبة نقل عن عقوبة الجريمة الكاملة واضحة في أن الجريمة لم تقع، وبالتالي فمعاقبة الفاعل عن جريمة كاملة فيه مجافاة للعدالة، كما أن في تخفيض عقوبة المفروضة على الشروع في جريمة ما قد يشجع الفاعل على مراجعة نفسه قبل إكمال جريمته طمعا في الحصول على عقوبة مخففة وهو ما أخذ به المشرع في حالة العدول الاختياري حيث أعفي من العقوبة المقررة للشروع إذا عدل باختياره عن إتمام الجريمة تشجيعا له على العدول.
العدول الذي يحول دون قيام الشروع
يفترض الشروع أن الجاني يسعى إلى تحقيق النتيجة الإجرامية ولكنه فشل في بلوغها لأسباب خارجة عن إرادته: فإذا كان ثمة عدول عن تحقق النتيجة في هذا الفرض، فهو عدول اضطراري أو غير اختياري من قبل الجاني. (دكتور/ أحمد عوض بلال، مبادئ قانون العقوبات المصري، طبعة 2011 -2012، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 366).
وعلى هذا النحو، يقدم المشرع للجاني وعدًا بصفح تشريعي إن هو ثاب إلى رشده وحال بإرادته دون تحقق النتيجة الإجرامية.
وهذا مسلك حذي بتأييد من جانب الفقهاء لأنه يدعم الدور الوقائي للسياسة الجنائية في مواجهة الإجرام، حيث يتفق والطبيعة البشرية التي تحتاج إلى تدعيم العوامل المانعة من الإجرام في مواجهة العوامل الدافعة إليه؛ هذا فضلًا عن أن مصلحة المجتمع في عدم عقاب من عدل اختيارًا عن إتمام مشروعه الإجرامي تفوق مصلحته في تقرير العقاب رغم العدول. (دكتور/ أحمد عوض بلال، مبادئ قانون العقوبات المصري، طبعة 2011 -2012، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 350).
والعدول الذي يحول دون قيام الشروع في الجريمة المقصودة هو ذلك الذي يتوافر فيه شرطان يتعلق أولهما بطبيعته وثانيهما بتوقيت حدوثه. فبالنسبة للشرط المتعلق بطبيعة الشروع أن يكون العدول عن إتمام المشروع الإجرامي ذا طبيعة اختيارية، أي أن يكون راجعًا إلى إرادة تلقائية من الجاني بالانسحاب من المشروع الجرامي والحيلولة دون إتمامه. أما بالنسبة للشرط المتعلق بتوقيت العدول، يلزم بالإضافة إلى ذلك أن يقع قبل تمام الجريمة بتحقق نتيجتها وقبل قيام الشروع بتحقق أركانه كاملة، فإذا حدث عدول بعد هذا أو ذاك، فلا نكون إلا بصدد (ندم متأخر) أو (توبة إيجابية لاحقة) لا أثر لها في نفي الجريمة أو الشروع.
الشروع في الجريمة
قال تعالى: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ يوسف:23.
﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ يوسف:24.
وفي مقام آخر في السورة يقول تعالى: ﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)﴾ يوسف: ٣٢
تعرض هذه الآيات الكريمة لواقعة مراودة امرأة العزيز لسيدنا يوسف عن نفسه، وسعيها لإغوائه ودفعه لارتكاب الفاحشة، ويفيد النص القرآني بأن امرأة العزيز شرعت في التحضير لجريمتها فغلقت الأبواب ودعته لنفسها وذلك بإلحاح يظهره سياق السورة في مواضع مختلفة، ولكنه أمتنع عن تلبية طلبها وحاول الهرب منها حتى لا تنال منه، أو يضعف بآدمته أمام إغرائها (الصابوني، محمد على ورضا، صالح أحمد" مختصر تفسير الطبري"، عالم الكتب، بيروت، 1985، ص588-559. 2).
والمؤكد من صريح نص الآيات أن سيدنا يوسف حافظ على عصمته بعون من الله، ولم يقع في الزنا بمفهومة المادي والقانوني، فباء- عليه السلام- بالرضوان وباءت امرأة العزيز بالفضيحة والخسران لشروعها في اقتراف فعل محرم منهي عنه شرعا، معاقب عليه قانونا.
فالجريمة في القانون إذا ارتكبت بإتيان الفاعل لركنها المادي المؤدي -وفق المجرى العادي للأمور- إلى النتيجة الجرمية فإنها تقع جريمة كاملة مستحقة العقوبة المحددة لها.
أما إذا اقتصر نشاط الفاعل على البدء في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة المؤذية إلى ارتكاب الجريمة ولم يتمكن من إتمام الأفعال اللازمة لحصول تلك الجريمة لحيلولة أسباب لا دخل لإرادته فيها، فإن ما قام بها الفاعل لا يعدو كونه شروعا في الجريمة يعاقب عليها القانون عادة بعقوبات أخف من العقوبة المفروضة في حال ارتكاب الجريمة كاملة، كما أن العقاب على الشروع في قانون العقوبات المصري يقتصر على الجرائم التي اعتبرها القانون جنايات، وعلى بعض الجنح التي ورد نص صريح يعاقب على الشروع فيها.
وفي إطار تحديدها لمفهوم لشروع في الجريمة الشروع بوجه عام نموذج خاص لجريمة تتخلف نتيجتها، أو سلوك غير مفض إلى النهاية التي كان الجاني يسعى إلى بلوغها، متى كان عدم تحقق تلك النتيجة راجعاً إلى سبب غير إرادي. فالجاني في هذا النموذج قطع شوطاً ملموساً على طريق إتمام الجريمة، ولكن ذلك الإتمام لم يحدث لسبب خارج عن إرادته: فمن يطلق رصاصة على الغير بقصد قتله فتطيش رصاصته، أو لا تصيبه إلا بأذى طفيف، أو يضع أخر يده على سلاحه فيمنعه من إطلاق الرصاصة، يعد قد استوفى بنشاطه نموذج الشروع في الجريمة المستهدفة أصلاً والتي حال دون تمامها عامل بعيد عن إرادة الجاني لولاه لتحققت النتيجة. ويراجع في هذا الأمر:
1-دكتور/ أحمد عوض بلال، مبادئ قانون العقوبات المصري، طبعة 2011 -2012، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 324.
2- الدكتور محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات-القسم العام، الطبعة السادسة، دار النهضة، رقم 370، ص 353.
3-الدكتور جلال ثروت، نظم القسم العام في قانون العقوبات، الجزء الأول، نظرية الجريمة، رقم 303 ص 355.
4-الدكتور مأمون سلامة، قانون العقوبات-القسم العام، دار النهضة العربية، الطبعة الرابعة، ص 378.
وقد عرفت المادة 45 من قانون العقوبات الشروع بأنه:
»البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها. ولا يعتبر شروعاً في الجناية أو الجنحة مجرد العزم على ارتكابها ولا الأعمال التحضيرية لذلك. «
اركان الشروع في القانون المصري
تقوم الجريمة في صورة الشروع على ثلاثة عناصر رئيسية، وذلك حسبما يبين من نص المادة 45 من قانون العقوبات، وهي:
1- موضع البدء في التنفيذ في مسار الجريمة: لا مجال للشروع في الجريمة إلا إذا قطع الجاني، على طريق الجريمة، مسافة يمكن معها القول بأنه قد بدأ في تنفيذها. ولكن تحديد ذلك ليس بالأمر اليسير. ويرجع هذا إلى أن المشروع الإجرامي، في الجرائم الكبرى على وجه الخصوص، يمر بمسار طويل يبدأ بالمرحلة النفسية الخالصة، ثم التحضير لارتكاب الجريمة، ثم البدء في تنفيذها، ثم تنفيذها كاملة.( دكتور/ أحمد عوض بلال، مبادئ قانون العقوبات المصري، طبعة 2011 -2012 ، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 332).
2- القصد الجنائي:يعد القصد الجنائي (الركن المعنوي) هو الركن الثاني الذي يفترضه الشروع. وقد أشارت إليه صراحة المادة (45) من قانون العقوبات وهو يتطلب أن يكون الجاني قد أرتكب الفعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة معينة في صورة تامة. والمشرع لا يعاقب على الشروع في جميع الجرائم، مما يعني أن اتجاه قصد الجاني إلى ارتكاب جريمة معينة يتيح التعرف على حكم القانون في الشروع فيها. (الدكتور محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات-القسم العام، الطبعة السادسة، دار النهضة، رقم 370، ص360).
3- عدم تمام الجريمة لسبب غير إرادي:يفترض النموذج القانوني لجريمة الشروع ليس فقط تخلف النتيجة الإجرامية التي كان الجاني يسعى إليها، وإنما كذلك أن يكون التخلف راجعًا إلى أسباب خارجة عن إرادته. ويثير هذا الشرط الأخير ثلاثة تساؤلات فرعية يتعلق أولها بالتمييز بين البدء في التنفيذ والتنفيذ الكامل، وثانيهما بماهية العدول الذي يحول دون قيام الشروع، وثالثهما بالحالة التي يكون من المستحيل فيها تحقق النتيجة الإجرامية. (دكتور/ أحمد عوض بلال، مبادئ قانون العقوبات المصري، طبعة 2011 -2012، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 349).
ثمة صورتان أساسيتان للشروع أولاهما:
الشروع التام، ويعرف كذلك بالجريمة الخائبة، وفيها يستنفد الجاني نشاطه الإجرامي كاملاً وتتخلف النتيجة لسبب خارج عن إرادته، ومن ذلك أن يضرب شخص امرأة أو يعطيها مادة بقصد إسقاطها فلا يتحقق ذلك، أو أن يطلق رصاصته تجاه المجني عليه فلا يصيب هذا الأخير، أو أن يكسر خزينة لسرقة مستند معين فلا يجده بها. ويدخل في صورة الشروع التام كذلك ما يعرف بالجريمة المستحيلة، وفيها يستنفد النشاط الإجرامي في ظروف كان يستحيل فيها تحقق النتيجة لعامل كان الجاني يجهله، كمحاولة السرقة من جيب خال، أو قتل شخص فارق الحياة بالفعل أو بسلاح غير محشو برصاص، أو إسقاط امرأة غير حبلى. مبادئ قانون العقوبات القسم العام، دكتور أحمد عوض بلال، طبعة 2011-2012، الناشر دار النهضة العربية، ص324
والصورة الثانية للشروع هي الشروع الناقص أو ما يعرف بالجريمة الموقوفة، وفيها لا يسنفد الجاني نشاطه الإجرامي حتى نهايته، وإنما يوقفه أو يحبطه عامل خارجي فلا يستكمل النشاط ولا تتحقق النتيجة، كما لو تأهب «أ» لإطلاق عيار ناري تجاه «ب» وتدخل «ج» فأمسك بيده وحال دون إطلاق العيار؛ أو تسلق «أ» سور منزل بقصد السرقة ولم يتم مشروعه على أثر رؤية رجل الشرطة قادمًا نحوه، وهكذا.
وليس ثمة فارق من الناحية القانونية بين صورتي الشروع فيما يتعلق بالتجريم والعقاب: فكل منهما يستكمل عناصر الشروع، ولكل منهما يتقرر ذات العقاب.
والحكمة من معاقبة الشروع بعقوبة نقل عن عقوبة الجريمة الكاملة واضحة في أن الجريمة لم تقع، وبالتالي فمعاقبة الفاعل عن جريمة كاملة فيه مجافاة للعدالة، كما أن في تخفيض عقوبة المفروضة على الشروع في جريمة ما قد يشجع الفاعل على مراجعة نفسه قبل إكمال جريمته طمعا في الحصول على عقوبة مخففة وهو ما أخذ به المشرع في حالة العدول الاختياري حيث أعفي من العقوبة المقررة للشروع إذا عدل باختياره عن إتمام الجريمة تشجيعا له على العدول.
العدول الذي يحول دون قيام الشروع
يفترض الشروع أن الجاني يسعى إلى تحقيق النتيجة الإجرامية ولكنه فشل في بلوغها لأسباب خارجة عن إرادته: فإذا كان ثمة عدول عن تحقق النتيجة في هذا الفرض، فهو عدول اضطراري أو غير اختياري من قبل الجاني. (دكتور/ أحمد عوض بلال، مبادئ قانون العقوبات المصري، طبعة 2011 -2012، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 366).
وعلى هذا النحو، يقدم المشرع للجاني وعدًا بصفح تشريعي إن هو ثاب إلى رشده وحال بإرادته دون تحقق النتيجة الإجرامية.
وهذا مسلك حذي بتأييد من جانب الفقهاء لأنه يدعم الدور الوقائي للسياسة الجنائية في مواجهة الإجرام، حيث يتفق والطبيعة البشرية التي تحتاج إلى تدعيم العوامل المانعة من الإجرام في مواجهة العوامل الدافعة إليه؛ هذا فضلًا عن أن مصلحة المجتمع في عدم عقاب من عدل اختيارًا عن إتمام مشروعه الإجرامي تفوق مصلحته في تقرير العقاب رغم العدول. (دكتور/ أحمد عوض بلال، مبادئ قانون العقوبات المصري، طبعة 2011 -2012، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 350).
والعدول الذي يحول دون قيام الشروع في الجريمة المقصودة هو ذلك الذي يتوافر فيه شرطان يتعلق أولهما بطبيعته وثانيهما بتوقيت حدوثه. فبالنسبة للشرط المتعلق بطبيعة الشروع أن يكون العدول عن إتمام المشروع الإجرامي ذا طبيعة اختيارية، أي أن يكون راجعًا إلى إرادة تلقائية من الجاني بالانسحاب من المشروع الجرامي والحيلولة دون إتمامه. أما بالنسبة للشرط المتعلق بتوقيت العدول، يلزم بالإضافة إلى ذلك أن يقع قبل تمام الجريمة بتحقق نتيجتها وقبل قيام الشروع بتحقق أركانه كاملة، فإذا حدث عدول بعد هذا أو ذاك، فلا نكون إلا بصدد (ندم متأخر) أو (توبة إيجابية لاحقة) لا أثر لها في نفي الجريمة أو الشروع.






تعليق