إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تأصيلُ القواعد القانونيّةِ في الآيات القرآنيّةِ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #46

    المطلب السادس

    الطعن في الحكم القضائي
    معنى الطعن في الحكم القضائي: إبطال العمل بالحكم القضائي الأول، والعمل بالحكم الذي يراه حقا سواء كان ذلك حكمه أم حكم قاضٍ سبقه.
    مصطلحات قانونية
    الطعن: إبطال العمل بالحكم القضائي الأول، والعمل بالحكم الذي يراه حقا سواء كان ذلك حكمه أم حكم قاضٍ سبقه، وله عدة طرق منها الطرق العادية وهي المعارضة في الحكم أو الاستئناف أو بالنقض أو التماس إعادة النظر.
    والاستشكال: هو الاعتراض على تنفيذ حكم قضائي مشمول بالصيغة التنفيذية إما بعريضة أو أمام المحضر وقت التنفيذ وقد يكون من المنفذ ضده الحكم أو ومن الغير.
    والاستئناف: هو إعادة نظر الدعوى الجزئية أو الابتدائية أمام دائرة استئنافية.
    إن وظيفة الاستئناف لا تقف عند مراقبة صحة الحكم المستأنف، إنما يؤدى إلى إعادة الفصل في القضية من جديد من حيث الوقائع والقواعد الشرعية والنظامية أمام محكمة الدرجة الثانية " الاستئناف ".
    والنقض: هو الطعن على حكم محاكم الاستئناف إذا شابها مخالفة في القانون أو خطأ في تطبيقه أو تأويله أو إذا وقع بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر ذلك الحكم. ولا يترتب على الطعن بالنقض وقف تنفيذ الحكم ولكن يجوز لمحكمة النقض أن تأمر بوقف تنفيذه مؤقتاً إذا طلب ذلك في صحيفة الطعن وكان يخشى من التنفيذ وقوع ضرر جسيم يتعذر تداركه.
    واستئناف الأحكام القضائية بعد الحكم للحكم مرة أخرى قبل تنفيذها سنّة ماضية لتصحيح الحكم متى ما كان خطأ، ولا تبرأ الذمّة إلا به، سواء كان من قاضِ آخر أو رجوعاً من نفس القاضي الذي أصدر الحكم أولاً ، ومن أدلّة مشروعيّة النقض ما يلي :
    1- في سورة يوسف نرى قضية الاستئناف واضحة بجلاء وذلك في قوله تعالى:
    (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ) سورة يوسف: 50 - 52
    ففي الآية دليل على جواز الدفاع في أي وقت سواء اثناء النظر في القضية او بعدها فقد دافع يوسف عليه السلام عن نفسه عند القاء التهمه عليه قال تعالى : قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي .......(26).
    وعندما ظن نجاة ساقى الملك قال تعالى : وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ......(42).
    ودافع عن نفسه ايضا حينما ارسل له الملك قال تعالى : وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ .........(50).
    فنقول هذا حق لا مرية فيه، ففي الشريعة الإسلامية ادله كثيره على مشروعية الدفاع عن النفس او العرض او المال او النسل او الدين .
    كقوله صلى الله عليه وسلم من مات دون عرضه فهو شهيد ومن مات دون ماله فهو شهيد..... الى اخر الحديث.
    وعليه فإن ما يفعله المستأنف في المحاكم المصرية اليوم هو نفسه ما فعله يوسف عليه السلام .
    2 ـ نقضُ سليمان لحكم داود عليهما السلام قبل تنفيذه وحكمُ سليمان بحكم آخر ، وقد أقرّ الله ذلك في كتابه فقــــال : ( وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ *فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) الأنبياء: 78-79.
    قال ابن حجر: ( وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن مسروق قال : كان حرثهم عنباً نفشت فيه الغنم ، أي رعت ليلاً ، فقضى داود بالغنم لهم ، فمرّوا على سليمان فأخبروه الخبر ، فقال : لا ، ولكن أقضي بينهم أن يأخذوا الغنم فيكون لهم لبنها وصوفها ومنفعتها ، ويقوم هؤلاء على حرثهم حتى إذا عاد كما كان ردّوا عليهم غنمهم ) ( فتح الباري 13/148 ).
    وقال ابن العربي عند تفسيره للآية الوارد فيها نقض سليمان لحكم داود عليهما السلام في ( أحكام القرآن 3/266 ) : ( في هذه الآية دليل على رجوع القاضي عمّا حكم به إذا تبيّن أنّ الحقَّ في غيره ).
    3 ـ وقد يؤيد قاضي الاستئناف حكم الدرجة الأولى مثل ما حدث في قصّة الزُبْيَة – وهي الحفرة التي تُغطّى ليُصاد بها الأسد - ، فعن علي رضي الله عنه قال : (لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ حَفَرَ قَوْمٌ زُبْيَةً لِلْأَسَدِ ، فَوَقَعَ فِيهَا الْأَسَدُ ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى الزُّبْيَةِ فَوَقَعَ فِيهَا رَجُلٌ وَتَعَلَّقَ بِآخَرَ ، وَتَعَلَّقَ الْآخَرُ بِآخَرَ ، حَتَّى صَارُوا أَرْبَعَةً ، فَجَرَحَهُمُ الْأَسَدُ فِيهَا فَهَلَكُوا ، وَحَمَلَ الْقَوْمُ السِّلَاحَ وَكَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ ، قَالَ فَأَتَيْتُهُمْ فَقُلْتُ : أَتَقْتُلُونَ مِائَتَيْ رَجُلٍ مِنْ أَجْلِ أَرْبَعَةِ إِنَاسٍ! تَعَالَوْا أَقْضِ بَيْنَكُمْ بِقَضَاءٍ ، فَإِنْ رَضِيتُمُوهُ فَهُوَ قَضَاءٌ بَيْنَكُمْ ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ رَفَعْتُمْ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ . فَجَعَلَ لِلْأَوَّلِ رُبُعَ الدِّيَةِ، وَجَعَلَ لِلثَّانِي ثُلُثَ الدِّيَةِ ، وَجَعَلَ لِلثَّالِثِ نِصْفَ الدِّيَةِ ، وَجَعَلَ لِلرَّابِعِ الدِّيَةَ ، وَجَعَلَ الدِّيَاتِ عَلَى مَنْ حَفَرَ الزُّبْيَةَ عَلَى قَبَائِلِ الْأَرْبَعَةِ ، فَسَخِطَ بَعْضُهُمْ وَرَضِيَ بَعْضُهُمْ ، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَقَالَ : أَنَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ ، فَقَالَ قَائِلٌ : إِنَّ عَلِيًّا قَدْ قَضَى بَيْنَنَا . فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَضَى عَلِيٌّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْقَضَاءُ كَمَا قَضَى عَلِيٌّ . فِي رِوَايَةٍ : فَأَمْضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَاءَ عَلِيٍّ ). روا أحمد وغيره ، وصحّحه أحمد شاكر برقم 573 ، وساق الحديث محتجاً به ابن القيّم كما في ( زاد المعاد 5/13، وإعلام الموقعين 2/58) ، والمجد كما في المنتقى (2/699).
    4- واستندوا أيضا على الدليل النقلي الآتي : ( إن عمر أتى بامرأة زنت، فأقرت، فأمر برجمها، فقال علي : لعل لها عذرا؟ ثم قال لها : ما حملك على الزنا ؟ قالت كان لي خليط ـ أي راع ترافقه إذا رعت إبلها، وفي إبله ماء ولبن، ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن، فظمئت فاستسقيته، فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي، فأبيت عليه ثلاثا، فلما ظمئت وظننت أن نفسي ستخرج، أعطيته الذي أراد فسقاني، فقال علي : الله أكبر (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم)). الإمام القرافي ، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والأمام ، ط2 ، مكتب المطبوعات الإسلامية ، حلب ، 1995م، هامش ص55..
    يستدل من هذه الرواية بأن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه نقض الحكم القضائي الذي أصدره عمر، وهذا دليل عملي على جواز الطعن بالحكم القضائي.
    لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله



    تعليق


    • #47

      المطلب السابع
      تكييف الواقعة
      أو ما يعرف بالحيل الفقهية ومشروعيتها
      وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (70) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ (71) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (73) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (74) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)
      تفسير المفردات
      آوى إليه: أي ضم إليه، والابتئاس: اجتلاب البؤس والشقاء، والسقاية (بالكسر) وعاء يسقى به، وبه كان يكال للناس الطعام ويقدر بكيلة مصرية 1 \ 12 من الإردب المصري، وهو الذي عبر عنه بصواع الملك، وأذن مؤذن: أي نادى مناد، من التأذين وهو تكرار الأذان والإعلام بالشيء الذي تدركه الأذن، والعير: الإبل التي عليها الأحمال والمراد أصحابها، زعيم: كفيل أجعله جزاء لمن يجىء به، الكيد: التدبير الذي يخفى ظاهره على المتعاملين به حتى يؤدى إلى باطنه المراد منه، ودين الملك: شرعه الذي يدين الله تعالى به.
      الإيضاح
      (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ) أي ولما دخلوا عليه في مجلسه الخاصّ بعد دخولهم باحة القصر من حيث أمرهم أبوهم، ضم إليه أخاه الشقيق بنيامين، وقد حصل ما كان يتوقع يعقوب أو فوق ما كان يتوقع من الحدب عليه والعناية التي خصه بها.
      (قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ) يوسف الذي فقد تموه صغيرا.
      (فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي فلا يلحقنك بعد الآن بؤس أي مكروه ولا شدة بسبب ما كانوا يعملون من الجفاء وسوء المعاملة بحسدهم لي ولك.
      روي أنهم قالوا له: هذا أخونا قد جئناك به، فقال لهم أحسنتم وأصبتم، وستجدون أجر ذلك عندي، فأنزلهم وأكرمهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقى بنيامين وحده فبكى وقال لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه، فقال يوسف بقي أخوكم وحيدا، فأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله، وقال أنتم عشرة فلينزل كل اثنين منكم بيتا (حجرة) وهذا لا ثاني له فيكون معى، فبات يوسف يضمه إليه ويشمّ رائحته حتى أصبح وسأله عن ولده، فقال لي عشرة بنين اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي هلك فقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال من يجد أخا مثلك؟ ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وقال له: إني أنا أخوك إلخ.
      (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ) أي فلما قضى لهم حاجتهم ووفاهم كيلهم جعل الإناء الذي يكيل به الطعام في رحل أخيه.
      وفي قوله: جعل السقاية، إيماء إلى أنه وضعها بيده ولم يكل ذلك إلى أحد من فتيانه كتجهيزهم الأول والثاني لئلا يطلعوا على مكيدته.
      (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) أي وقد افتقد فتيانه السقاية، لأنها الصواع الذي يكيلون به للممتارين فلم يجدوها، فأذن مؤذنهم بذلك أي كرر النداء به كدأب الذين ينشدون المفقود في كل زمان ومكان قائلا:
      (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) أي يا أصحاب العير قد ثبت عندنا أنكم سارقون، فلا ترحلوا حتى ننظر في أمركم.
      (قالُوا: وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ؟) أي قال إخوة يوسف للمؤذن ومن معه: أي شيء تفقدون، وما الذي ضل عنكم فلم تجدوه؟.
      (قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ) أي نفقد الصواع الذي عليه شارة الملك.
      (وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) أي ولمن أتى به حمل جمل من القمح، وفى هذا دليل على أن عيرهم كانت الإبل لا الحمير.
      (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) أي قال المؤذن وأنا كفيل بحمل البعير، أجعله حلوانا لمن يحىء به، سواء أكان مفقودا أم جاء به غير سارقه.
      (قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ) أي قالوا لقد علمتم بما خبرتموه من أمرنا وسيرتنا من حين مجيئنا في امتيارنا الأول وحين عودتنا إذ رددنا بضاعتنا التي ردت إلينا مع غيرها، أننا ما جئنا لنفسد في أرض مصر بسرقة ولا غيرها مما فيه تعدّ على حقوق الناس.
      (قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) أي قال فتيان يوسف لهم فما جزاء سارقه إن كنتم كاذبين في جحودكم للسرق وادعائكم البراءة والنزاهة؟.
      (قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) أي جزاؤه أخذ من وجد في رحله وظهر أنه هو السارق له وجعله عبدا لصاحبه، وقوله:
      (فَهُوَ جَزاؤُهُ) تقرير للحكم السابق وتأكيد له بإعادته، كما تقول حق الضيف أن يكرم، فهو حقه، والقصد من الأول إفادة الحكم، ومن الثاني إفادة أن ذلك هو الحق الواجب في مثل هذا، وقد كان الحكم في شرع يعقوب أن يسترقّ السارق سنة.
      (كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) أي مثل هذا الجزاء الأوفى نجزى الظالمين للناس بسرقة أمتعتهم وأموالهم في شريعتنا، فنحن أشد الناس عقابا للسراق.
      وهذا تأكيد منهم بعد تأكيد لثقتهم ببراءة أنفسهم.
      (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ) أي فبدأ يوسف بتفتيش أوعيتهم التي تشتمل عليها رحالهم ابتعادا عن الشبهة وظن التهمة بطريق الحيلة.
      (ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ) أي ثم إنه بعد أن فرغ من تفتيش أوعيتهم فتش وعاء أخيه فأخرج السقاية منه.
      (كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ) أي مثل هذا الكيد والتدبير الخفي كدنا ليوسف، وألهمناه إياه، وأوحينا إليه أن يفعله.
      ذلك أن الحكمة الإلهية اقتضت تربية إخوة يوسف وعقابهم بما فرطوا في يوسف واستحقاقهم إتمام النعمة عليهم يتوقف على أخذه بطريق لا جبر فيه ولا تقتضيه شريعة الملك، وبه يذوقون ألم فراق بنيامين ومرارته، فيما لا لوم فيه على أحد غير أنفسهم، ولن يكون هذا الحكم منهم إلا بوقوع شبهة السرقة على بنيامين من حيث لا يؤذيه ذلك ولا يؤلمه، وقد أعلمه أخوه يوسف به وبغايته. وفى هذا إيماء إلى جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما ظاهره الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف شرعا ثابتا.
      ثم علل ما صنعه الله من الكيد ليوسف بقوله:
      (ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) أي وما كان له ولا مما تبيحه أمانته لملك مصر أن يخالف شرعه الذي فوض له الحكم به وهو لا يبيح استرقاق السارق، فما كان بالميسور له أخذ أخيه من إخوته ومنعه من الرحيل معهم إلا بحكمهم على أنفسهم بشريعة يعقوب التي تبيح ذلك.
      ولما كانت هذه الوسيلة إلى تلك الغاية الشريفة منكرة بحسب الظاهر، لأنها تهمة باطلة، وكان من شأن يوسف أن يتباعد عنها ويتحاماها إلا بوحي من الله - بين أنه فعل ذلك بإذن الله ومشيئته فقال:
      (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) أي إنه فعل ذلك بإذن الله ووحيه، لا أنه هو الذي اخترع هذه المكيدة.
      وليس من التقوى التحايل على إسقاط الواجبات، أو فعل المحرمات، بحجة إخراج الناس من الضيق، بل قد يكون التحايل على الأحكام الشرعية سببًا في الوقوع في المضايق.
      وبناء عليه لابد للحيل الجائزة أو المخارج الشرعية من ضوابط تضبطها حتى تؤدي دورها، وحتى لا يقع المسلم في الحيل المحرمة، وهذه الضوابط هي:

      1- أن تكون الحيلة متوافقة مع مقصد الشارع، وفيها تحقيق مصلحة شهد الشرع باعتبارها، وألا تهدم أصلًا شرعيًا، قال الشاطبي:"فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلًا شرعيًا، ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها؛ فغير داخلة في النهي". المرجع السابق 3/ 124.

      2- أن يكون النظر في تقرير مصالح الحيل وموافقتها لمقصود الشارع للعلماء الشرعيين؛ "ليكون الناظر متكيفًا بأخلاق الشريعة، فينبو عقله وطبعه عما يخالفها"،. ولا يفتح المجال لغيرهم؛ لأن من كان جاهلًا بالأصول يكون بعيد الطبع عن أخلاق الشريعة، فيقع في مخالفتها بقصد أو دون قصد .نفائس الأصول في شرح المحصول، للقرافي 9/ 4092.

      3- ألا تتضمن إسقاط حق، أو تحريم حلال، أو تحليل حرام، قال ابن القيم:"وهكذا الحيلة في جميع هذا الباب، وهي حيلة جائزة؛ فإنها لا تتضمن إسقاط حق، ولا تحريم حلال، ولا تحليل حرام إعلام الموقعين، لابن القيم 4/ 17.. وقد ذكر ابن القيم من هذه الحيل الجائزة مئة وستة عشر مثالًا. المرجع السابق 3/ 261-4/ 37.

      الآيـــــات ذات الأحـــكام القانونيّة في السورة
      بسم الله الرحمن الرحيم
      } وقال يا بَنِيّ لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ وادخلوا من أبوابٍ متفرقةٍ وما أُغني عنكم من الله من شيء إنْ الحكمُ إلا لله عليهِ توكلتُ وعليهِ فليَتَوَكَّل المتوكلون * ولمّا دخلوا من حيثُ أمرهُمْ أبوهم ما كان يُغْني عَنْهُم من الله من شيء إلاَّ حاجةً في نفسِ يعقوبَ قَضاهَا و إنّهُ لذو علمٍ لِّما علمناهُ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون * فلمَّا دخلوا على يُوسُفَ آوى إليهِ أخاهُ قال إنِّي أنا أخوك فلا تبتئِس بما كانوا يَعْمَلون * فلَّما جَهَّزَهُم بِجَهازِهم جَعَلَ السِقايَةَ في رَحلِ أخيه ثُمَّ أذّن مُؤذِّنٌ أيَّتُها العيرُ إنَّكُم لسارقون * قالوا وأقبَلُوا عَلَيْهِم ماذا تَفْقِدون * قالوا نَفْقِدُ صُواعَ الملِك ولمن جاء به حِمْلُ بعيرٍ وأنا به زعيم * قالوا تالله ما جِئْنا لنُفْسِدَ في الأرض وما كنَّا سارقين * قالوا فما جَزَاؤُهُ إنْ كُنْتُم كاذبين * قالوا جَزاؤهُ منْ وُجِدَ في رَحْلِهِ فهو جَزاؤهُ كذلك نَجْزي الظَّالمينْ * فبدأ بأوعِيَتِهِم قبلَ وِعاء أخيه ثمَّ استَخْرَجَها من وِعاء أخِيه كذلك كِدْنا ليُوسُفَ ما كان لِيَأخُذَ أخاهُ في دين المَلِك ألاَّ أن يَشاء الله نرفعُ دَرَجاتٍ من نَّشاءُ وفوق كلِّ ذي علمٍ عليم * قالوا إنْ يَسْرِق فقد سَرَقَ أخٌ لَّهُ من قبلُ فأسَرَّها يُوسفُ في نَفْسِهِ ولمْ يُبْدِها لهُمْ قالَ أنتُم شرٌّ مكاناً والله أعلمُ بما تَصِفُونَ * قالوُا يا أيُّها العزيزُ إنَّ له أباً شيخاً كبيراً فَخُذْ أحَدَنَا مَكانَهُ إنَّ نَراكَ من المُحسنين * قالَ معاذَ اللهَّ أنْ نأخُذَ إلاَّ من وَجَدْنا مَتاعَنا عندهُ إنَّا إذاً لَظالمونْ * { . يوسف / 67 إلى 76 .
      ويقول تعالى :
      } ولقد همَّتْ بِهِ وهمَّ بها لوْلا أنْ رأى بُرهانَ ربِّهِ كذلك لنَصرِفَ عنْهُ السوُءَ والفَحشاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَاِدنَا المُخْلَصِيِنْ * واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وألْفَيَا سيَّدَهاَ لدى البابْ قالتْ ما جَزاءُ مَنْ أرادَ بأهْلِكَ سُوُءاً إلاَّ أن يُسْجنَ أو عَذَابٌ أليم * قالَ هيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهدٌ مِنْ أهلِها إنْ كان قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهُوَ مِنَ الكاذبِين * وإنْ كان قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهُوَ مِنَ الصَادِقِين * فلَمَا رأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قال إنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عظِيم * { يوسف / 24 إلى 27 .
      إنَّ في هذه الآية من الأمور القانونية والفقهيَّة، أمور منها :
      1- [ احتيال] سيّدنا [ يوسف عليه السلام ] ، بجعل السقاية في رحل أخيه ، تمهيداً لاتّهامه بالسرقة ، ومن ثم تنفيذ بقية ما رسمه في ذهنه !!..
      2- [ احتياله ] بانتزاع رضاهم بتحكيم شريعة أبيهم [ يعقوب ] !..
      3- [ احتياله ] بإبعاد الظنِّ منهم في كون الأمر مدبَّرٌ ، فيبدأ تفتيشه برحالهم .
      فهل: [ الاحتيال ] جائز للأنبياء فقط ؟ أم هو جائز لنا ؟.
      وهل : جوازُهُ أصلاً وابتداءً ؟ ، أم عن طريق الرجوع إلى شَرْعِ مَنْ قَبْلَنا ؟.. هذا هو موضوع المبحث الآتي
      ونستطيع هنا أن نتكلم - بفضلِ الله - عن جملةٍ من مسائل القانون والشرع، في هذه الآيات، وكالآتي :شــرائعُ مَنْ قَبــْلَنا
      مما لا شك فيه أنَّ الاستدلال بالآية لِمَا أردنا الاستدلال له، متوَقِّفٌ على الأخذ :
      (بشرائع منْ قَبْلنا، إذا ذكرت في قرآننا ، من غير تصريح باعتداد أو إلغاء) . وهذا ما سنعود إليه بعد حين.
      ويقول القرآن الكريم:
      (ولمّا دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إنّي أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون )
      فهذا مجرد تطمين لأخيه حتى لا تذهب به الظنون كلّ مذهب بالنسبة لما هو آتٍ من الأحداث ، ليتحول بعدئذ القرآن العظيم في روايته لأحداث قصة [ يوسف ] عليه وعلى نبينا السلام ، إلى منعطف خطير، وهو الاحتيال، للوصول الى المطلوب .
      بيان الحيل، وأنواعها ، وشروطها ..
      الحيل الشرعيَّةِ ومشروعيتها
      وهي على مبحثين:
      لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله



      تعليق


      • #48
        المبحث الأول
        الحيل التي اتَّبعها [ يوسف ] مع اخوته .!.
        إن ّ[ احتيال ] سيّدنا يوسف لأجل أخذ أخيه عنده ، دون أمرٍ سلطوي ، أو إشعارٍ لهم بحقيقةِ شخصه .
        و [ احتياله ] لإبعاد الشكِّ عن تدبيراته من أجل أخذ أخيه .
        و [ احتياله ] لهم حتى يقبلوا بشريعة أبيهم لكي يُبقي أخاه عنده.
        كلُّ ما تقدَّم ، أمرٌ يستحق التوقف والتأمل الفقهي ، لأجل الوصول الى حُكمٍ في مسألةٍ هي من أخطر المسائل حسَّاسيَّةً ، ألا وهي مسألة ما أطلق عليه ، أو قل ما اصطُلِح عليه:( بالحيل الشرعيَّة).
        إنّ الاصطلاح لا مناقشة فيه ..إذ: [ لا مشَّاحة في الاصطلاح ] ، فالعبرة بحقيقة الأشياء لا بأسمائها ، فاختلاف الأسماء لا يُغيِّرُ مِن حقيقة المسميَّات ، وإن كان الأفضل تجنُّب الألفاظ المثيرة للإبهام والإيهام .
        إنَّ لفظ [ الاستحسان ] أثار ما أثار بسبب الفهم المتعجل لمعناه ، ولو رجعنا إلى مقصود أصحابه منه لَما قيل الذي قيل فيه وفي المتَّخذين له دليلا، وما زال ذلك غُصَّةً في حلوق الطرفين : القائلين به ، والمنكرين له .
        فلو اختار أصحابُهُ غيْرَ هذا الاسم لَمَا توَلَّد الالتباس ، ولو تأنى مُنْكِرُه لما لِيِمَ على حُكمهِ ، والله سبحانه وتعالى يقول : (فتبينوا ... ) .
        بعد هذا ينبغي أن نُشَخِّص ( الحيلة ) التي استعملها سيِّدُنــــا [ يُوسف ]عليه السلام ، حتى نستطيع الحكم عليها بمقبوليَّةٍ أو رفضٍ ، لكي يكون الكلام بعدئذٍ في مدى إمكان الأخذ بها في شريعتنا ، رغم أنَّها وردت في قرآننا العظيم ، على أنّها مِن تطبيقات الشرائع السابقة لشريعة نبيِّنا عليه أفضل الصلاة والتسليم .
        لقد احتال لهم أول مرَّة :
        (فلمّا جهّزهم بِجَهازِهِم جَعَلَ السقاية في رحْل أخيه ثمَّ أذنّ مؤذّن أيتها العيرُ إنّكم لسارقون )[15]فقد فعل هذا تمهيداً لاتِّهامهم بالسرقة.
        ثم احتال لهم ثانيةً حين سألهم :
        ( .. فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ..)
        فلما أراد أن يستبقي عنده أخاه ، ولم يكن له من سبيلٍ في قانـــــون [ الملك ] ، سألهم عن شريعة أبيهم [ يعقوب] في مثل هذه الحالات ، فأخبروه باسترقاق المسروق منه للسارق ، إن ثبتت السرقة .
        فاحتال لهم ثالثة :
        (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعـاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ) .
        فإبعاداً للظن والتُهمة ، بدأ بالتفتيش في غير رحل أخيه ، أو وِعاء السارق المجازي ، وهو أخاه . وهذا نوع [ احتيال ] .
        إنّ هذا الاحتيال امتدحه الله سبحانه وتعالى بكونه هو فعل الذين رفع الله سبحانه وتعالى درجتهم بالعلم :
        (..نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ) .
        فكان ( الكيد ) - أي التدبير - من الله سبحانه وتعالى ، هو الذي ألهم سيِّدنا يوسف ما فعل ، ولولا فعل سيِّدنا يوسف لما أخذ أخاه ، فهو ممن رفع الله درجته بهذا العلم !! ..
        ********
        إنَّ في هذه الآية من الأمور القانونية والفقهيَّة ، أمور منها :
        1- [ احتيال] سيّدنا [ يوسف عليه السلام ] ، بجعل السقاية في رحل أخيه ، تمهيداً لاتّهامه بالسرقة ، ومن ثم تنفيذ بقية ما رسمه في ذهنه !!..
        2- [ احتياله ] بانتزاع رضاهم بتحكيم شريعة أبيهم [ يعقوب ] !..
        3- [ احتياله ] بإبعاد الظنِّ منهم في كون الأمر مدبَّرٌ ، فيبدأ تفتيشه برحالهم .
        فهل : [ الاحتيال ] جائز للأنبياء فقط ؟ أم هو جائز لنا ؟.
        وهل : جوازُهُ أصلاً وابتداءً ؟ ، أم عن طريق الرجوع إلى شَرْعِ مَنْ قَبْلَنا ؟.. هذا هو موضوع المبحث الآتي. ..
        لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله



        تعليق


        • #49
          المبحث الثاني
          معنى الاحتيال .. وشروط الأخذ بها ..
          والأدلة الشرعية لجوازها

          نقول : الاحتيال هنا بمعنى التدبير ، وهو المسمى [ بالمُخْرِج ]الشرعي. وجمعه : مخارج ، ومفرده على صيغة اسم الفاعل .
          ولقد سميَّت المخارج كذلك ، لأنَّها :
          تُخرج من الضيق الذي فيه المكلَّف ، إلى السعة التي يبتغيها .
          أمَّا الحيلة : فجمعها [ الحِيَل ] .
          وهي : الحذق في التدبير، وتقليب الفكر للوصول إلى المقصود .
          وفي الشرع ، لم يتعرض العلماء لوضع تعريفٍ اصطلاحي لها ، ولذلك فقد عرفناها بأنَّها هي :
          الطريق لوصول المكلف إلى مُبتغاه ، من غير وقوعٍ في الحرام أو شبهته ، ومن غير إبطالٍ لواجبٍ ، أو خروجٍ على المقاصد العامَّة للشريعة ، أو الأصول العامَّةِ المعتبرة .
          يقول شمس الأئمة السرخْسي في المبسوط :
          [ .. فإنّ الحيل في الأحكام المُخرجةُ عن الآثام جائز عند جمهور العلماء رحمهم الله ، وإنما كَرِه ذلك بعض المُتقشِّفة لجهلهم ، وقلَّة تأملهم في الكتاب والسنة ] .
          نقلاً من : [ ملحق كتاب الحيل لمحمد بن الحسن ، طبعة ليبسك 1930 ، وأعادته بالأوفست مكتبة المثنى ببغداد ] .
          وجوازه ممّا ورد ذكره في هذه الآية ، وفي مواضِعَ قبْلَها ، ممّا يدل على جوازه في شرائع مَنْ قبلنا ، وقد أوضحناها قبلاً بالتفصيل.
          ويؤيده ما ورد في قصة سيدنا [ أيوب ]عليه وعلى نبيّنا السلام،حيث حلف في أشد حالات مرضه وشدته :
          إن أحياه الله لَيَضْرِبَنَّ امرأته مائة جلدة !! ..
          وذلك لأمر ما عدّة كبيراً ، ويستدعي منه الذي نذره ، مِنْ وجهة نظره !! ، رغم أنَّها الوحيدة التي بقيت معه في محنته !!..
          فلمّا أنجاه الله ، وقع في محنةٍ بين أمرين :
          الأول : البِّر بيمينه ، وهو نبيٌّ لا يُخالف ، خصوصا بعد أن منَّ الله عليه بالشفاء ، وزيادة المال والولد .
          يقول تعالى : ( وأيّوب إذ نادى ربَّهُ أنِّي مسَّنيَ الضُرُّ وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضُرٍّ وآتيناهُ أهله ومثلهم معهم رحمةً مِن عِندِنا وذكرى للعابدين ).
          الثاني : الوفاء لزوجه التي صاحبته في محنته ، بعد تخلى الجميع .. فأخرَجَهُ الله من ذلك [بحيلة ]علمَّها إياهُ ، أو قل هو :[ مُخْرِجٌ شرعيٌّ ].
          يقول تعالى :( واذكُر عَبْدَنا أيُوبَ إذ نادى ربَّه أنِّي مسَّنيَ الشيطانُ بنُصْبٍ وعذاب * أُركُض بِرجْلِكَ هذا مغتسَلٌ باردٌ وشرابْ * ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمةً منَّا وذكرى لأولي الألباب * وخذ بيدك ضِغْثاً فاضرب به ولا تحنَث إنَّا وجدناهُ صابراً نِعْمَ العبـدُ إنَّه أوَّاب) .
          أي : خُذ عُرجوناً قديماً ذا مائة شِمراخ ، فاضرب زوجتك بخفةٍ،ضربةً واحدةً تعوّض عن المائة ، فلا تُعدّ حينئذٍ حانثاً ، بل بارّاً بقسمك، ولا تعُد متنكِّراً لمن فاض جميلُها عليك في وقت محنتِك. !!..
          والحيل الشرعيَّة .. للأخذ بها شروطاً، وهي :
          1- أن تُخرج من الضيق الى السعة .
          2- ألاّ تُؤدى الى ضياع حقّ من حقوق الله ، أو العباد .
          3- ألا تُعارض أمراً قامت الحُجة على اعتباره في شريعتنا ، أو قاعدةٍ من القواعد المعروفة في الشريعة ، أو أصلاً من الأصول .
          فمن ضياع الحقوق : أنْ يعلِّم بعض الماجنين من المفتين ، من وجبت عليهم الزكاة ، وبقي بينهم وبين شرط [ حولان الحـول ] أيام ، يعلّمون أولئك بالتصدّق بجزء يسير يَثْلِم النصاب ، مقابل سقوط الكثير .
          فمن ملك عشرين مثقالاً من الذهب ، فعليه نصف مثقال ، فلو تصدّق [ بحبةٍ ] ، فإنّ النصاب سوف يقلُّ عن حدِّه الأدنىِّ ، وبالتالي فلا زكاة .. والفرق بين الحبة ونصف المثقال كثير!! ..
          وما قامت الحجة على مراعاته في شريعتنا : حرمة الربا ، فقيام بعض الماجنين بتعليم المُقرضِين أن يبيع المقترض سلعةً نقداً ، ثم يشتريها بثمن أعلى مُنَسَّئاً ، فتعود له سلعتُهُ و يكونُ مديناً بالفرق بين الصفقتين ، وهو في حقيقته ربا الاقتراض ، المعروف بربا النسيئة .
          فكل هذا و ذاك هو من: [ العلم الذي يُعلَم ولا يُعَلَّم ] .
          وهو احتيال مرفوض ، ويكون اُلمفتي من هذا القبيل ، مستحقـاً للحَجْر.. أي : [ المنع ] ، باعتباره واحداً من ثلاثة جوّز الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، الحجر عليهم ، استثناءً من مبدئه في عدم الحجر بعد سن الخامسة والعشرين ، وهم :
          أ. [ المفتى الماجن ] الذي : يعلِّم الناس الحيل .
          ب.[ والمتطبب الجاهل ] الذي : يؤذي الناس بجهله .
          ج.[ والمُكاري المفلس ] الذي: لا يستطـيع الإيفاء بالتزامـاته ، ويكتفي بأخذ المال مع عدم القدرة على الوفاء .
          فالأخذ [بالحيل ] أو المخارج ، بشروطها ، كان استدلالاً بفعل سيِّدينا : [ يوسف ، وأيوب ] عليهما السلام .
          وكلّ هذا من شرع من قبلنا الذي سكت عنه قرآننا ، فأخذنا به لعدم مخالفته قاعدةً شرعيةً ، أو نصاً من النصوص ، أو أمراً معلوماً من الدين بالضرورة .
          ولهذا فقد استدلّ الأحناف لجواز[ الحيل ] ، بما يأتي :
          أ. من القرآن الكريم :
          1. ما ورد عن سيِّدنا أيوب ، وقد تقدم .
          2. ما ورد عن سيِّدنا يوسف ، مما نحن بصدده .
          3. ما ورد على لسان سيِّدنا موسى ، حين قطع وعداً للرجل الصالح ، حيثُ قال :
          ( قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمرا ).
          فقد احتال سيِّدنا موسى لنفسه ، خشية عدم قدرته على الصبر، فأتى بالاستثناء ، وهو قول : [ إن شاء الله ] .
          ولم يُعاتَبْ على ذلك ، لأنه استعمل مُخْرِجاً صحيحا .. فلا يُعدُّ حانثا إن لم يَسْتطع الصبر !! ..
          ومن السنة النبوية الشريفة :
          1. روي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ، قال يوم الأحزاب لعروة بن مسعود في شأن بني قريظة :
          (فلعلَّنا أمرناهم بذلك ) .
          فلما قال له عمر رضي الله عنه في ذلك ، قال عليه السلام:
          ( الحرب خدعة ) .
          وكان ذلك منه صلى الله عليه وسلم اكتساب حيلة ، ومُخرج من الإثم ، بتقييد الكلام [ بلعلَّ ] .
          2. أتى رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبره أنَّه حلف بطلاَّق امرأته ثلاثاً أنْ لا يُكلِّم أخاه ، فقال له رسول الله عليه السلام :
          ( طلِّقها واحدةً فإذا انقضت عدَّتها فكلِّم أخاك ، ثم تزوجها )
          وهذا تعليمٌ للحيلة صادر عن رسول الله عليه السلام !! .
          قال السَرَخْسي : [.. والآثار فيه كثيرة ] .
          ثم أورد السرخسي جملةً من الأمور المشَّرعة في شريعتنا ، وحقيقتها حيلٌ توفرت فيها الشروط التي أوردناها ، فيقول :
          [ ومن تأملَّ أحكامَ الشرعِ ، وجد المعاملات كُلَّها بهذه الصفة ...
          فإنَّ من أحبَّ امرأةً ، إذا سأل فقال : كيف لي أنْ أصِل إليها ؟.
          يقال له : تزوجها .
          وإذا هوى جاريةً ، فقال : ما الحيلة لي في أن أصل إليها ؟.
          يقال له : اشْتَرِها .
          وإذا كره صحبة امرأةٍ ، فقال : ما الحيلة لي في التخلص منها ؟ .
          قيل له : طلِّقها .
          وبعد ما طلقها إذا ندم ، وسأل الحيلة في ذلك ؟ .
          قيل له : راجعها .
          وبعد ما طلَّقها ثلاثاً ، إذا تابت من سوء خُلُقِها ، وطلبا حيلةً .
          قيل لهما: الحيلة في ذلك ، أن تتزوج بزوجٍ آخر ، ويدخل بها ].
          . ثم قال : [ فمن كره الحيل في الأحكام ، فإنَّما يكره في الحقيقة أحكام الشرع ، وإنَّما يوقع في مثل هذا الاشتباه ، من قلَّة التأمل .
          فالحاصل أنَّ ما يتخلص به الرجل من الحرام ، أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل ، فهو حسن . وإنَما يكره من ذلك :
          أن : يحتال في حقٍّ لرجل حتَّى يُبطله .
          أو : في باطل حتَّى يُموِّهه .
          أو : في حقٍّ حتى يُدخل فيه شُبْهةً.
          فما كان على هذا السبيل فهو مكروهٌ. وما كان على السبيل الذي قلنا أولاً ، فلا بأس به. لأن الله تعالى قال :
          (وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ).
          ففي النوع الأوَّل معنى التعاون على البر والتقوى .
          وفي النوع الثاني معنى التعاون على الإثم والعدوان ] .
          ثمَّ أورد أدلةً أخرى ، تجدها مبسوطةً في المبسوط ، ولو استوفيناها لخرجنا عن المقصود .
          لقد أكثر الأحناف من استعمال [ الحيل ] ، حتى ظنَّ الظانُّون أنهـم في أحكام الدين متساهلون !! ، وليس الأمر كما يُخيل للبعض ، بل هو استعمالٌ للمخـارج توسعةً على المكلفين ، على النحو الذي بينَّاه ، وليس من السهل أن يتضح الأمر لكل أحدٍ ، خصوصاً بعد شيوع استعمال لفظة [ الحيلة ] في غير الممدوح من الأمور .
          ومن شدة اهتمامهم بهذا الفن من فنون الفقه ، وهي متنوعةٌ ، فقد أفرده بالتأليف الإمام : محمد بن الحسن الشيباني ، تلميذ الإمام أبي حنيفة ، والذي حفظ أصول مذهبه وفروعه ، بكثرة مدوَّناته المتداولة ، وسمَّى كتابه ذاك [ المخارج في الحيل ] .
          لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله



          تعليق


          • #50

            المطلب الثامن
            حق المتهم في الدفاع عن نفسه
            إن قاعدة افتراض براءة المتهم حتى تثبت إدانته، قد وُجدت في الشريعة الإسلامية من مدة تزيد على أربعة عشر قرناً، حيث جاءت بها نصوص القرآن والسنة، وبهذا فقد امتازت هذه الشريعة على القوانين الوضعية التي لم تعرف هذه القاعدة إلا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، حيث أدخلت في القانون الوضعي الفرنسي كنتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وقُررت لأول مرة في المادة 9 من إعلان حقوق الإنسان الصادر عام1789م، ثم انتقلت القاعدة من التشريع الفرنسي إلى التشريعات الوضعية الأخرى، حتى أصبحت قاعدة عالمية في القوانين الوضعية كلها.
            وتطبيقاً لهذه القاعدة في الشريعة الإسلامية فإن عبء الإثبات يقع على عاتق المدعى، فعليه أن يثبت وقوع الجريمة من المدعى عليه (المتهم) ومسؤوليته عنها، عملاً بقوله -صلى الله عليه وسلم-:”البينة على من ادعى”، ولا يوجد أي التزام على المتهم من حيث المبدأ لإثبات براءته، فهو في نظر الجميع يعتبر بريئاً حتى يُدان، غير أنه ليس هناك ما يمنع المتهم من المساهمة في إثبات براءته بتقديم الأدلة والبيانات للقضاء التي من شأنها نفي التهمة ودرء المسؤولية الجنائية عنه، أو التعبير عن قيام سبب من أسباب الإباحة، أو انعدام المسؤولية أو أي عذر من الأعذار الشرعية.
            وبناء عليه فإن حق الفرد الذي اتهم في دينه وعرضه وسلوكا ظلما كيوسف عليه السلام أن يدافع عن نفسه تجاه من ظلمه، ويرفع صوته جاهزا بالحق مثل قول يوسف عليه السلام (هي راودتني عن نفسي) في مواجهة الحاكم، بل أباح الله تعالى له ما لم يبح لغيره، رعاية لظرفه، وذودا عن حرمته، حين قال الله تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم}(النساء:148)، ولا يجوز لأحد منع التهم من الدفاع عن نفسه، فهذا حق طبيعي وشرعي، وقد أعطى الله الحرية لإبليس اللعين ليجادل عن نفسه أمام رب العالمين، ويقول عن آدم:"أنا خير منه" كما جعل من حق كل نفس يوم القيامة أن تجادل عن نفسها.
            فحق المتهم في الدفاع عن نفسه من أهم المبادئ المقررة في الشريعة الإسلامية لتحقيق العدالة بين الخصوم، كما ان مبدأ حق المتهم في سماع مقاله أمام القضاء، وهو حق أصيل يجب ألا يصادر تحت أي مصوغ، لأن لكل صاحب حق مقالاً، والأصل في ضرورة تمكين المتهم من سماع مقاله قبل الحكم عليه، حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعلي بن أبي طالب عندما بعثه إلى اليمن قاضياً، فعن علي -كرم الله وجهه- قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن قاضياً فقلت: يا رسول الله تُرسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء..؟ فقال :”إن الله سيهدي قلبك ويُثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، أحرى أن يتبين لك القضاء” قال: مازلت قاضياً، أو ما شككت في قضاء بعد.
            من هذا الحديث يتضح لنا أنه يجب على القاضي ألا يصدر حكماً على المتهم حتى يسمع مقاله، وإذا ما حكم القاضي دون سماع أقوال المتهم كان حكمه باطلاً، لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عن الحكم قبل سماع حجة المتهم، والنهي يُفيد فساد المنهي عنه، فحضور المتهم لإبداء دفاعه شرط لصحة القضاء، ففي القضية التي تسور فيها الخصمان المحراب على نبي الله داود -عليه السلام- ليحكم بينهما بالعدل، وكان المدعي قوي الحجة، إذ قال فيما نص عليه القرآن على لسانه:(إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب) وأمام هذه الحجة الظاهرة حكم له النبي داوود دون سماعه لحجة المدعى عليه(المتهم)، كما جاء في قوله تعالى:(قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات….).
            ولما كان هذا الحكم قد صدر بدون سماع حجة طرفي الخصومة، فإن داود قد شعر بخلل حكمه فسارع إلى الاستغفار والتوبة، كما قال تعالى:( وظن داود إنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب) وكان هذا من الله توجيهاً لنبيه داود، وإنذاراً لمن يتولى القضاء بين الناس في الأمة الإسلامية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بأن الحكم بظاهر حجة خصم دون سماع حجة الخصم الآخر، هو ميل عن الحق وإتباع للهوى يترتب عليه العذاب الشديد يوم القيامة، كما قال تعالى في كتابه الكريم:(يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيُضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب).

            التعديل الأخير تم بواسطة المهندس زهدي جمال الدين محمد; الساعة 12-04-2020, 07:09.
            لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله



            تعليق


            • #51
              المطلب التاسع
              قضيتي الثبوت والتحاكم

              الفرع الأول
              هذه القضية من أهم القضايا الجنائية..ولنأخذ الأمثلة التالية:
              امرأة العزير مع يوسف عليه السلام
              فال هي راودتني عن نفسي:
              واقعة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز عندما راودته عن نفسه لم تكتمل فيها أركان التحاكم الرئيسية فكانت:
              امرأة العزيز وزوجها (طرف) ويوسف عليه السلام (طرف).
              أي متنازعان فلم ترتقع القضية لجهة ثالثة لكي تفصل فيها.
              إن شرف المرأة وعرضها هو عرض لزوجها يدافع عنه، وهو تبع له ولهذا فإن العزيز هو خصم يوسف في هذا الموضوع وليس طرفا ثالثا لأن الأمر يخص عرضه وشرفه، ومما يُدل على ذلك ما قبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام قوله: ( ما بال رجالٌ يؤذونني في أهلي..) في حديث الإفك الشهير. فقد نسب الأذى على نفسه مع أن الكلام كان عن زوجته رضي الله تعالى عنها.
              فيوسف عليه السلام قد حكم عليه العزيز خصمه بالسجن لأنه كان في مركز قوة ولم تحكم عليه جهة ثالثة رفع إليها الخصمان القضية للفصل فيها بل الذي أمر بسجن يوسف هي امرأة العزيز لا زوجها وما جاء في نص الآية واضح وصريح (ما جاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم). وقوله تعالى ( (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) وقول العزيز في ذلك (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ)..
              فسبحان الله ما أوضح البيان وكيف عمت عنه العينان ولكنها (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).
              فلم يحكم العزيز عليه أصلا بشيء فضلاً أنه لا يمكن أن يكون حكما في قضية هو خصم فيها.
              ثانيا: قصية يوسف عليه السلام قضية ثبوت وليست قضية حكم والفرق بين الثبوت والحكم واضح فكل حكم ثبوت وليس كل ثبوت حكم، إذ أن الحكم يحتاج إلى حاكم وإلا لم يكن حكما. أما الثبوت فلا يشترط فيه وجود الطرف الثالث (الحاكم).
              قال ابن القيم رحمه الله : في الطرق الحكمية ج5 ص 1بعنوان ( دعوى قتل أبي جهل).
              ومن ذلك أن معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل مسحتما سيفكما؟.
              قالا :لا
              قال: فأرياني سيفيكما فلما نظر فيهما قال:
              لأحدهما هذا قتله وقضى له بسلبه وهذا من أحسن الأحكام وأحقها بالاتباع والدم في النصل شاهد عجيب) ص 762 برقم 4020 كتاب المغازي، وصحيح مسلم ص748 برقم 1800، كتاب الجهاد والسر، باب قتل أبي جهل.
              فقوله صلى الله عليه وسلم : هل مسحتما سيفيكما..إلى أن قال. هذا قتله..هذه هي قضية الثبوت التي يكون الرجوع فيها إلى خبير أو عالم ولو كام مشركا.
              وقوله : وقضى له بسلبه هذا هو الحكم أو القضاء الذي لا يجوز الرجوع فيه إلا لحاكم يحكم بشرع الله ويشترط فيه الإسلام.
              والناظر المنصف لحادثة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز يجد أنها قضية ثبوت وليست قضية تحاكم.
              وقد يطلق على الثبوت حكم من ناحية لغوية..
              أما من حيث الاصطلاح هو أن الثبوت يحتاج إلى خبير أو حكيم..
              فالمرجع في الغالب الخبرة والفطنة والدراية..
              أما الحكم فهو يشترط فيه الرجوع فيه لحكم الله سبحانه وتعالى والمحكم فيه مسلم.
              فمن لم يفرق بين التحاكم وبين النزاع معه وبين قضية الثبوت اختلطت عليه الأمور ووقع في المحظور.
              فمرحلة الثبوت تسبق مرحلة الحكم وليست منها وإن كانت من لوازمها.
              1- مرحلة الثبوت
              (وتشمل تحرى القرائن والبينات وسماع الشهود وإعذار المتهم أيضا , مثل قول القاضى هل هناك من يشهد معك بهذا ؟ وغير ذلك).
              2- ثم مرحلة الحكم.
              3- ثم مرحلة التنفيذ.
              وقد يسمى كل ذلك حكما مجازا ولكن الحقيقة أن مرحلة الثبوت ليست حكما وإن كانت غالبا ما تفعل كمقدمة له وقد تنتهى به.
              ومن أمثلة إطلاق لفظ الحكم عليها مجازا بالرغم من أنها ليست حكما، تفسير العلماء لقوله تعالى( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا )بقولهم وحكم حاكم من أهلها فجعلوا ذلك حكما باعتبار أنه يظهر الحق ويجلوه لا من باب أنه كان حكما فعلا لأن هذا كان في مرحلة الثبوت وليس في مرحلة الحكم.
              الفرع الثاني
              ومن أمثلة محاولة إثبات البراءة بالبينات في مرحلة الثبوت سواء أمام المسلمين أو الكفار:
              قوله تعالى " واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها " وكان ذلك من إخوة يوسف عليه السلام دفعا لتهمة متوقعة يتهمون بها لرجوعهم بدون أخيهم وكان ذلك منهم أمام نبي الله يعقوب عليه السلام .
              وقوله تعالى " قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ " وكان ذلك من إخوة يوسف عليه السلام واستخدموا لإثبات ذلك القسم دفعا للتهمة منهم أمام يوسف عليه السلام بالرغم من أنهم يظنون أنه عزيز مصر وعلى دين قومها .
              وقوله تعالى : " وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا " وكان هذا بينة منه أظهرها الشاهد للعزيز لكى يمكنه من الوصول إلى الحقيقة .
              وقوله تعالى " قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ " وكانت مخاطبة الملك لهن بالإدانة رغبة منه في مباغتتهن بالحقيقة ليعترفن بها , وكان ذلك منه بالرغم من أنه كان كافرا على الراجح من كلام أهل العلم , وقد فعل ذلك لأنه كان موقنا ببراءة يوسف عليه السلام وصدق وصفه لما سجنوه من أجله أنه من كيدهن وهذا بديهي بعد أن صدقه في تأويله رؤياه .
              و مرحلة الثبوت هذه مثل إظهار البينة أو التحقق من التهمة تشمل كل ما يحاول به القاضي أو من يقوم قبله بذلك من سؤال الشهود و المتهم والبحث عن قرائن وبينات أو استخلاصها أو إعذار المتهم بطلب شهود النفي منه .
              ومثل ما تقوم به حاليا النيابة ويسمى التحقيق وما يقوم به الخبراء وغيرهم من الهيئات التي تختص بإظهار القرائن والبينات و ليست على الحقيقة هيئات حكم وقضاء .
              وذلك حتى يتمكن القاضي من الحكم بما يرى أنه الحق بحسب دينه في مرحلة الحكم، فإن كان دينه الإسلام فسيحكم بالأحكام الشرعية حيث هو يتعبد الله بذلك، وإن كان دينه غير الإسلام فسيحكم بما يوافق دينه من قوانين وأحكام بلده.

              الفرع الثالث
              وقوله عليه السلام كما ذكره تعالى : " قال هي راودتنى عن نفسى " إنما رد التهمة عن نفسه بما يفيد إنكارها وكان ذلك في مرحلة التثبت من التهمة وهذه مرحله يعرف كل من له علم بكتب القضاء أنها تسبق مرحلة الحكم وليست منها , والآية تدل على أنه يمكنك أن تدفع عن نفسك تهمة في مرحلة الثبوت وهذا من باب إثبات براءة الذمة الأصلية التي تستصحب لكل البشر , بل إن إتهام امرأة العزيز ليوسف ورد يوسف عليه السلام عليها وشهادة الشاهد وهى قرينة ثبوت التهمة , كل ذلك لم يتجاوز مرحلة التثبت من التهمة ,
              أما عن واقعة سجن يوسف عليه السلام نفسها , فكانت من العزيز وامرأته والنسوة في مرحلة لاحقة لتلك الواقعة التي اتهمته فيها إمراة العزيز بمراودتها , وكان ذلك بعد ذيوع وانتشار قصة مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام بين الناس , وهذا لابد وأن يستغرق وقتا لانتشاره , وعندما رأوا سجنه كانوا جميعا خصومه فسجنوه لما رأوا الآيات , فكانوا هم الخصم والفاضي وهذا أيضا ليس صورة من صور التحاكم .

              - ومعلوم أن طلب الحكم بالبراءة غير اشتراط البراءة , ففي الأولى ( طلب الحكم ) خطوات لابد أن تتم كما في كل قضاء , وذلك يكون باستدعاء الخصوم والشهود وسؤالهم في مرحلة الثبوت قبل مرحلة الحكم ويكون القاضي فيها مظهرا الحيدة التامة مع طرفي الخصومة , وهذا لم يكن ليتم ويوسف في السجن , بل لابد للملك أن يحضره إلى مجلس القضاء , ولم يكن لديه ما يمنعه من الحضور بعد أن أمر الملك بإخراجه , ويحضر أيضا امرأة العزيز والنسوة ويبدأ التحقيق في المنازعة , وهذا لم يحدث بل إن الملك أخذ كلاما فيه الكثير من التعريض لا التصريح من يوسف وخاطب به النسوة وامرأة العزيز بينهن بالإدانة وهذا يعد محاباة وليست قضاءا , فما الذى حدث إذن ؟.
              -الذى حدث هو أن الملك أراد يوسف نفسه لا أراد مجرد خروجه , والدليل هو أنه لما رجع إليه الساقى بتأويل رؤياه , أمره بإحضار يوسف إليه لا بمجرد إخراجه من سجنه : " وقال الملك ائتونى به " ثم يبدوذلك أكثر وضوحا بعد أن نفذ الملك ما إشترطه يوسف لخروجه من إظهار براءته , فعاود الملك طلبه بمجرد الإنتهاء منها , وأظهر علة ذلك الطلب هذه المرة :" وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسى " ..
              - كما أن الملك كان يصدق يوسف بعد تأويله رؤياه في كل ما يقوله , فليس بعد تصديقه له في تأويل الرؤيا يمكن أن يكذبه في شيء أو حتى يشك في صدق كلامه , ولذلك لما أرسل له يوسف " قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم " صدقه في أن ذلك كيد منهن وأيقن ببراءته , وجمع النسوة لا ليحقق معهن وهو موقن ببراءة يوسف , بل جمعهن ليواجههن بالإدانة التي هو موقن بها :" قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه " فيبهتهن ويظهرن براءة يوسف عليه السلام .
              وقد كان ما أراده :" قلن حاش لله ما علمن عليه من سوء ".
              وكذلك فعلت امرأة العزيز : " قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ".
              وبتحقق ذلك وكما أراده يوسف واشترطه لخروجه من سجنه , خرج فعلا إلى الملك الذى كان ينتظر ذلك ليستفيد من يوسف في تدبير شئون مملكته في الأزمة المتوقعة طبقا لتأويل يوسف نفسه , والدليل على ذلك قوله تعالى : " وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين " وكان رد يوسف علي السلام دليلا على ما ذكرت أيضا , حيث اختار مخازن الغلال لكى يباشر بنفسه معالجة الأزمة المقبلة : " قال اجعلنى على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " ..
              - فكان تكييف ما حدث هو استعانة من يوسف عليه السلام بالملك لما أحس بحاجته إليه في إظهار براءته وليس أدل على ذلك من أن إظهار براءة يوسف عليه السلام لم تكن بحكم من الملك, بل كانت باعتراف صريح من النسوة وامرأة العزيز:
              " قلن حاش لله ما علمن عليه من سوء "
              " قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين "

              الفرع الرابع
              إثبات البراءة في مرحلة الثبوت لا يلزم منه الإقرار بمرحلة الحكم إذا لم تكن طالبا لها.
              وفى هذه المرحلة - مرحلة الثبوت - يجوز للمتهم أن يحاول إثبات براءته أو إثبات خلو ذمته مما اتهمه به غيره، أي يحاول إثبات بقاء ذمته على البراءة الأصلية.
              مثل قول يوسف عليه السلام : " قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي " " .
              فقوله لا يتعدى ما ذكر في النص من أنه نفى للتهمة عن نفسه في مرحلة الثبوت في تهمة كانت امرأة العزيز هي من أراد أن يحاكمه للعزيز بها بالرغم من أنها لم تتم كمحاكمة فلم تتعد مرحلة الثبوت للآتى :
              أن العزيز لم يحكم ببراءته وانما تأكد من براءته ببينة الشاهد " وشهد شاهد من أهلها " وكان قوله " يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ، " وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ فضا منه للأمر على استحياء بغير فصل , فلا هو حكم ببراءة يوسف لأن الحكم ببراءة البريء يلزم منه معاقبة الجاني الحقيقي وهو لا يريد أن يعاقب زوجته , أو لأن عقابها كان سيفضحه , فلا هو عاقبها ولا هو كابر في الحق بعد ما تبين له وأقر زوجته على اتهامها ليوسف عليه السلام بالباطل لأن ذلك كان يستلزم منه أيضا أن يعاقب يوسف بالسجن كما طلبته زوجته , ولم يفعل ذلك , قيل لأنه كان يحب يوسف ولما تأكد من براءته وعدم خيانته له في زوجته آثر عدم معاقبته , ولذلك انتهى الأمر في صورة توصيات كما ذكرت الآيات " يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا " ، " اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ" " وليس حكما فيه معاقبة أحد الطرفين بدعوى أنه الجاني.
              فأين حكم العزيز المزعوم في هذه المسألة .
              وأيضا في الثانية في قول يوسف عليه السلام كما ذكره سبحانه :
              " قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ " " وهو فتح ملف القضية من جديد للحكم ببراءته.
              فتأويل يوسف عليه السلام لرؤيا الملك خاصة بعد فشل ملئه في ذلك جعله الله سببا لإظهار براءته من عدة أوجه :
              أن الملك علم منها أن يوسف صادق فيما يقول بدلالة ما أخبره الساقي من صدق تأويله قبل ذلك , وبدلالة تصديقه تأويل يوسف لرؤياه والتي علم منها وأيقن تبعا لذلك التأويل بحجم ما هو مقدم عليه هو ومملكته من محنة , وأن الذى يمكن أن يعبر به وبمملكته تلك المحنه هو من أول الرؤيا نفسه , فأرسل في طلبه ولم يرسل بمجرد إخراجه من السجن مكافاة له كما ذكره تعالى " وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ "
              أن يوسف عليه السلام علم من لهفة الملك على طلبه حاجة الملك إليه , فأراد أن يستعين به في إظهار براءته على الملأ.
              " فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم "
              فبمجرد أن أرسل برسالته مع رسول الملك يلمح بأن سبب سجنه كيد النسوة وامرأة العزيز من بينهن معرضا بها غير مصرح حفظا لغيبة سيده , جمعهن الملك وخاطبهن بالإدانة تصديقا ليوسف عليه السلام في مجرد تلميحه وإشارته إلى الكيد منهن " إن ربى بكيدهن عليم " , جمعهن وخاطبهن بالإدانة " قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ " ".
              والذى أعلن براءة يوسف وأثبتها في الواقع ليس حكما من الملك بل هو اعترافا من النسوة بها :
              " قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ".
              و اعترافا أيضا من امرأة العزيز بها :
              " الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ".
              ولم يحكم له الملك بالبراءة لأنه كان يعرف انه بريء وهذا هو السبب في أنه لما جمع النسوة وامرأة العزيز ,خاطبهن بالإدانة ولم يسألهن حتى سؤال المحقق في مرحلة الثبوت" قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ " فهو حتى لم ينصب نفسه قاضيا يريد أن يتثبت من براءة يوسف عليه السلام تمهيدا للحكم بها , لأنه كان موقنا بها , وعلى ذلك لم يفعل ما يفعله الحكام أو القضاة فلم يقم بسؤال طرفي الخصومة مثلا , أو طلب الإعذار (شهود النفي أو الإثبات )منهما أو من أحدهما , بل توجه بالإدانة لأحدهما تصديقا للآخر وعملا بما يريده حتى يخرج إليه تصديقا له و احتياجا له ليصطفيه لنفسه ويجعله من خاصته , ولذلك لما انتهت النسوة وامرأة العزيز من إعلان براءته أخرج الملك إلى أرض الواقع حقيقة ما في نفسه بالنسبة ليوسف فقال كما ذكره عزوجل " وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ".
              يراجع في ذلك:
              كتاب انوار البروق في انواء الفروق للقرافي يمكن تنزيله من الشبكة الدولية من علي محرك بحث ياهو وهو اربعة مجلدات تحتوي علي اقل قليلا من 300 فرق مهم تبدأ من الفرق الأول وهو الفرق بين الشهادة والبينة (وهذا الفرق وحده استغرق من القرافي ثماني سنوات فلتأمل!!!!) وهذه الفروق هامة جدا كي لا يقع الباحث في أي لبس.
              لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله



              تعليق


              • #52


                المطلب العاشر

                أمورٌ إنسانيَّة متكررة يمارسها الناس عند وقوعهم تحت طائلة القانون
                ثم نشاهد حالة لدى الناس متكررة مدى الدهور، تتمثل في:
                1- إنَّ الذي تكون الأمور في غير صالحه، نراه يوزِّع الاتهامات ، ويهذي ويهذر، بكلام لا يقدِّم ولا يؤخِّر، بل قد يسيء الى القائل لا غير ،ظاناً أنَّ ذلك يدفع عنه المساءلة ، أو يُظهِره بمظهر الإنسان الطيِّب ، حتّى لا ينال اللوم من الناس ، زيادة على العقوبة ...
                (قالوا إن يسرِق فقد سرق أخٌ له من قبل فأسرَّها يوسفُ في نفسِهِ ولم يُبْدِها لهم قال أنتم شرٌ مكاناً والله أعلم بما تصفون) يوسف / 77 .
                فأرادوا أن يقولوا أنَّهم صالحون، وأنَّ هذا السارق هو أخوهم من أبيهم، وهذا وأخوه [يقصدون يُوُسُف] هم على هذه الشاكلة!!.
                لكن هل يُغني مثلُ هذا، في مثل هذا الموقف؟
                جوابه هو عين ما نراه في حياتنا العمليَّة، حين يتكلم المحكومون وأقاربُهم بما لا يُجدي، فقد: (سبق السيف العذل ) .
                2- فلما ذهبت السكرةُ ، وجاءت الفكرةُ ، عاودتهم حالةٌ من حالات بني البشر الأخرى ، وهي :
                الرجاء، والاسترحام، وتقديم المعاذير، والمقترحات..
                (قالوا يا أيَّها العزيزُ إنَّ له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدَنا مكانَه إنّا نَراك من المُحسنين ) يوسف / 78 .
                أما الجانب القانوني في هذه المسألة ، فقد عالجه قانونان :
                أ. قانون العقوبات ، ونصوصه التي تخصُّ الموضوع ، هي :
                يعدُّ فاعلاً للجريمة :
                1- من ارتكبها وحده ، أو مع غيره .
                2- من ساهم في ارتكابها إذا كانت تتكون من جملة أفعال ، فقام عمداً أثناء ارتكابها بعملٍ من الأعمال المكوِّنة لها … .
                ويُفهم أنّ غير الفاعل ، أو الشريك لا يُسأل عن أيِّ فعلل جرمي ، لا على سبيل : التطوُّع ، أو المساعدة ولو كانت لسبب إنساني ، ولا حتَّى لسبب قانوني .. .
                2- أ. لا تجوز محاكمة غير المتَّهم الذي أُحيل على المحاكمة .
                ب. في قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة .. فمما ورد فيها :
                إذا اعترف المتهم بالتهمة الموجَّهة إليه…ورأت المحكمة أنَّ اعترافه مشوب ، أو أنَّه لا يقدِّر نتائجه … .
                فالمحكمة تُقدِّر كون الإقرار صحيح ، أم كان مشوباً بأيَّة شائبة ، حتى ولو كانت تحمُّل العقوبة عن: مريضٍ ، أو بِراً بقريبٍ عزيز، وما شاكل ذلك وغير خافٍ أننا لسنا في موضع الاستقصاء ، بل يكفينا التمثيل لكل قاعدة من القواعد ، لندلِّل على التوافق ، أو قل أنَّ ما ورد في السورة هو مما يجري التعامل به قانوناً .. الآن ! ..
                لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله



                تعليق


                • #53



                  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                  التعديل الأخير تم بواسطة المهندس زهدي جمال الدين محمد; الساعة 12-04-2020, 06:57.
                  لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله



                  تعليق

                  يعمل...
                  X