الإسلام دين السلام

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

رد شبهة:نبيُّ يقول : إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ،وينظر للنساء... » آخر مشاركة: أكرم حسن | == == | فشل ذريع لمسيحية أرادت ان تجيب على أخطر تحدي طرحه ذاكر نايك للنصارى في مناظراته » آخر مشاركة: فداء الرسول | == == | قيامة يسوع الإنجيلي من بين الأموات حقيقة أم خيال! ــــ (وقفات تأملية في العهد الجديد) » آخر مشاركة: أبو سندس المغربي | == == | صفحة الحوار الثنائي مع العضو المسيحي Nayer.tanyous » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | الخروف اصبح له زوجة » آخر مشاركة: محمد حمدان 99 | == == | المسيح : من ترك زوجة لأجل الإنجيل فسيأجذ 100 زوجة » آخر مشاركة: محمد حمدان 99 | == == | التفسير الوحي او المجازي للكتاب المحرف للذين لا يعقلون . » آخر مشاركة: محمد حمدان 99 | == == | التجسد الإلهي فى البشر وتأليه البشر عادة وثنية عندكم يا نصارى » آخر مشاركة: محمد حمدان 99 | == == | خـــالد بن الوليــد Vs يســوع الناصـــري » آخر مشاركة: الظاهر بيبرس | == == | خراف يسوع ترعى عشب الكنيسة » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == |

مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع الدعوة الإسلامية
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

الإسلام دين السلام

النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: الإسلام دين السلام

  1. #1
    الصورة الرمزية الشهاب الثاقب.
    الشهاب الثاقب. غير متواجد حالياً حَسبُنا اللهُ ونعم الوكيل
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    المشاركات
    1,150
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    02-12-2016
    على الساعة
    07:14 PM

    افتراضي الإسلام دين السلام

    بسم الله الرحمن الرحيم
    و به نستعين





    السلام من الأسماء الحسنى

    إن (السلام) من أسماء اللـه الحسنى، قال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 24 ) ) سورة الحشر





    السلام في شريعة القرآن
    ومن اللازم هنا: أن نبيِّن أن الإسلام -على خلاف ما يتصوَّره أو يصوِّره بعض الناس- يرغِّب في السلام، ويحرص عليه، ويدعو إليه، ويعتبره هدفا أصيلا لدعوته، كما يتجلى ذلك في تعاليمه وأحكامه وآدابه.
    وهو أيضا يكره الحرب، وينفر منها، ويحرص على أن يتفاداها ما استطاع، وإذا وقعت حاول أن يضيِّق دائرتها، وأن يقلِّل خسائرها، ويخفِّف من آثارها، ما وجد إلى ذلك سبيلا.


    الإسلام والسلام من مادة واحدة:
    فالإسلام والسلام -أو السلم- من الناحية اللغوية مشتقان من مادة واحدة، هي: (س ل م)، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)[البقرة:208]، وقد فسرت كلمة (السِّلْمِ) في الآية بـ (السلام) المقابل للحرب، كما يفيده ظاهرها، وبهذا تكون الآية دعوة للمؤمنين أن يدخلوا في السلام جميعا، ولا يعرضوا عنه إذا دُعوا إليه. وفسرت أيضا كلمة (السِّلْمِ) بـ(الإسلام) أيْ ادخلوا في شُعَب الإسلام كافة: عقائده وعباداته وأخلاقياته وتشريعاته، فتدخلوا بذلك في السلم الحقيقي، السلام مع أنفسكم، ومع أُسركم، ومع مجتمعاتكم، ومع الناس كافة.


    إشاعة كلمة السلام في المجتمع وجعله تحية الإسلام:
    ومن روائع التوجيه والتربية هنا: أن الإسلام يُحبِّب إلى المسلم كلمة السلام، ومفهوم السلام بأساليب شتى، لا توجد في دين آخر، أو أيديولوجية أخرى.
    فالسلام من أسماء الله تعالى الحسنى، التي يدعو المسلم ربه بها، ويتقرب إلى الله بذكرها، كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)[الأعراف:180].
    والمسلم يقرأ في القرآن: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ) [الحشر:23].
    والمسلمون هم الأمة الوحيدة التي يوجد فيها اسم (عبد السلام) أي عبد الله.
    والجنة التي يتوق إليها كل مؤمن، ويعمل حثيثا ليكون من أهلها، تسمى (دار السلام)، كما قال تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[الأنعام:127].
    وأكثر ما يسمع في هذه الجنة كلمة السلام، فهي تحية المؤمنين في الآخرة: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ)[الأحزاب:44]، (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ)[يونس:10]، (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً) [الواقعة:25،26].
    وكما أن السلام تحية المؤمنين في الآخرة، فهو تحيتهم في الدنيا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. و(إفشاء السلام) من أفضل خصال الإسلام. وقد جاء في جملة أحاديث: "أفشوا السلام"[1]


    المسلم لا يتمنى الحرب ويسأل الله العافية:

    والمسلم إذا جلس في صلاته للتشهد: يلقي السلام على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى نفسه وأمته: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"[2]. ثم يخرج من الصلاة: بإلقاء تحية السلام عن يمينه وعن يساره، إيذانا بأنه كان في الصلاة في حالة سلام، فإذا انصرف من الصلاة استقبل الناس والحياة من حوله بالسلام. فهو سلام في عبادته، سلام في معاملته.
    والمسلم لا يتمنى الحرب ولا يحرص عليها لذاتها، بل يتمنى السلام والعافية، ولكن إذا فرضت عليه الحرب في سبيل الله خاضها بقوة وجسارة وصبر، مُوقنا أن له إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.
    يقول تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة:216].
    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عبد الله بن أبي أوفى: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"[3]. (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ):
    والقرآن ُيعقِّب على غزوة الأحزاب، التي هاجمت جموع المشركين فيها من قريش وغطفان وأحابيشهما: الرسول والمؤمنين معه في عُقر دارهم بالمدينة بأعداد هائلة، يبتغون إبادتهم وتصفيتهم جسديا وماديا، حتى لا تبقى لهم باقية. لولا أن عين الله لم تغفل عن النبي صلى الله عليه وسلموأصحابه، ويده سبحانه لم تتركهم وحدهم، ولا سيما أن يهود بني قريظة انضموا إلى المهاجمين، ونقضوا عهد الرسول في أحلك الأوقات وأحوجها إلى مساعدتهم: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً)[الأحزاب:9-11].
    والمقصود هنا: ما عقب به القرآن على هذه الغزوة حين قال: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ)[الأحزاب:25].
    فانظر إلى هذه الكلمة المُعبِّرة: (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ)، يذكرها تعالى في معرض الإنعام والامتنان على النبي والمؤمنين: أن المعركة انتهت بغير قتال، وبغير دماء، فقد كفى الله المؤمنين القتال. وهي نعمة جليلة تستحق الشكر لله تعالى. ولا يتصور أن يقول هذا دينٌ يتعطش للقتال، وإراقة الدماء.


    القرآن يسمي صلح الحديبية (فَتْحاً مُبِيناً):
    وفي غزوة الحديبية التي بايع الصحابة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الموت، أي القتال حتى الموت، وعدم الاستسلام بحال، ثم شاء الله تعالى أن يتفاوض المسلمون والمشركون، وأن ينتهوا إلى الصلح المعروف بـ(صلح الحديبية) والذي يتضمن هدنة مدتها عشر سنوات، تُغمد فيها السيوف، ويكف كل فريق يده عن الآخر: ينزل هنا قرآن يُتلى، يسمي هذه الهدنة أو هذا الصلح: (فَتْحاً مُبِيناً)، وتنزل في ذلك سورة تسمى سورة (الفتح) تبدأ بقوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)[الفتح:1]، ويسأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفتح هو يا رسول الله؟ فيقول: "نعم هو فتح"[4]. استبعدوا أن يكون فتح بغير حرب، ولكن الله تعالى سمَّاه فتحا، بل فتحا مبينا، وامتنَّ به على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنزل في ذلك سورة سميت (سورة الفتح).
    وقال تعالى في هذه السورة مُمتنًّا: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ)[الفتح:24]، فهو هنا لا يمتن بكف أيدي المشركين عن المؤمنين فقط، بل يمتن أيضا بكف أيدي المؤمنين عن المشركين أيضا: (وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ)، فهذا هو التعبير الحقيقي عن حب السلام الذي يسود الطرفين معا.
    وإذا اضطر المسلمون أن يخوضوا معركة فرضت عليهم، فإنهم مأمورون أن يُقلِّلوا من خسائرها البشرية والمادية ما أمكنهم، فلا يقتلون إلا مَن يقاتل: لا يقتلون امرأة ولا طفلا، ولا شيخا فانيا، ولا راهبا ولا فلاحا ولا تاجرا، إنما يقتلون مَن يقاتل فحسب. كما أنهم لا يقطعون شجرا، ولا يهدمون بناء، ولا يفسدون في الأرض، ولا يقومون إلا بما تقتضيه ضرورة الحرب، وللضرورات أحكامها، وهي تقدر بقدرها. فقد قيَّد القرآن ارتكاب الضرورة بعدم البغي والعدوان، حين قال بعد تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [البقرة:173].


    الجنوح للسلم إذا جنح العدو إليها:

    ومع هذا كله، يأمر القرآن المسلمين أن يستجيبوا لدعوة السلم إذا دُعُوا لها، ولو بعد وقوع الحرب، واشتعال وقودها، يقول تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)[الأنفال:62،61].
    حتى مع احتمال إرادة الخداع منهم، لا ينبغي أن تُرفض دعوة السلم بإطلاق، وإنما يجب أن نجنح لها كما جنحوا. على أن يتم ذلك بشروطه وضوابطه الشرعية.
    فليس من الجنوح للسلم بحال: أن تغتصب أرضي بالسيف، ثم تفاوضني على أن أترك لك بالصلح ما أخذته مني بالسيف، وتسمِّي ذلك جنوحا للسلم، فهذا أبعد ما يكون عن الجنوح للسلم، كما يفعل ذلك الصهاينة اليوم[5]! والشرط أن يتوافر من العدو الجنوح للسلم، وأن تظهر دلائل ذلك في مواقفه.
    وهذا ما طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم بالفعل، حين جنحت قريش إلى السلم يوم الحديبية، ولم يكن ذلك عن ضعف منه، ولا تقاعس من أصحابه، فقد بايعوه على الموت، ولكنه جنح للسلم، حين لمس من خصومه الجنوح إليها، فكان الصلح الشهير، والصلح خير. وقد تحقق من ورائه خير كثير لدعوة الإسلام، ودخل الكثيرون من القرشيين في دين الله، من أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وغيرهما.


    كراهة التسمية بـ(حرب):

    ومن دلائل حرص الإسلام على السلم، ونفوره من الحرب: هذا الحديث النبوي الذي يقول: "أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدق الأسماء: حارث وهمام، وأقبح الأسماء: حرب ومرة"[6].
    حتى لفظة (حرب) من المفردات التي يكره الإسلام تكرارها على ألسنة الناس، ولهذا يكرهها محمد صلى الله عليه وسلم، ويراها أقبح اسم يُسمَّى به إنسان، وقد كان العرب في الجاهلية يسمون أبناءهم بـ(حرب) مثل حرب بن أمية، والد (أبي سفيان بن حرب) وغيره.
    وروى الإمام مالك في (الموطأ) عن يحيى بن سعيد –مرسلا- أن رسول الله قال لِلَقْحَةٍ[7] (ناقة) تُحلب: "مَن يحلب هذه؟". فقام رجل فقال: "ما اسمك؟". قال: مرّة، قال: "اجلس". ثم قال: "مَن يحلب هذه؟". فقام رجل، فقال: "ما اسمك؟". قال: حرب. قال: "اجلس". ثم قال: "مَن يحلب هذه؟". فقام رجل، فقال: "ما اسمك؟". قال: يعيش! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احلب"[8].
    وروى الإمام أحمد في مسنده، وروى البخاري في الأدب المفرد، وغيرهما عن على رضي الله عنه قال: لما ولد الحسن سمَّيتُه حربا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أروني ابني ما سمَّيتموه؟". قال: قلت: حربا. قال: "بل هو حسن". فلما ولد الحسين سمَّيتُه حربا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أروني ابني ما سميتموه؟". قال: قلت: حربا. قال: "بل هو حسين". فلما ولد الثالث سمَّيتُه حربا، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أروني ابني ما سميتموه؟". قلت: حربا. قال: "بل هو محسن"[9].
    وفي إحدى الروايات: أن عليا قال: كنت أحب أن أكتنى بـ(أبي حرب)[10].
    فهل يقول هذا إنسان متعطش للدماء، عاشق للحروب، كما تُصوِّره أقلام المتعصبين من المُنصِّرين والمُستشرقين وأمثالهم، ممَّن يقولون على الله وعلى رسله الكذب وهم يعلمون؟!


    ثلث العام هدنة إجبارية:

    ومن حرص الإسلام على السلم: أنه فرض على المسلمين هدنة إجبارية يمتنعون فيها عن القتال لمدة أربعة أشهر، أي ثلث العام، وهي الأشهر المعروفة بـ(الأشهر الحرم) وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب: ثلاثة سرد، وواحد فرد. أي ثلاثة متتابعة، وواحد منفرد عنها. قال تعالى في سورة المائدة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) [المائدة:2].
    وقال تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ) [المائدة:97]. وسياق الآية يجعل الشهر الحرام كالكعبة قياما للناس، فله من الثبوت ما للبيت الحرام، هذا في المكان، وهذا في الزمان.
    وقال تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ...)[البقرة:217]. فأقرَّ بأن القتال في الشهر الحرام ذنب كبير، وإن كان المشركون قد ارتكبوا ما هو أكبر منه عند الله.
    ولكن إذا قوتل المسلمون في الشهر الحرام قاتلوا فيه ردا للعدوان، وتأديبا للمعتدين، حتى لا يجترئوا على المسلمين، مستغلين تعظيمهم للشهر الحرام، يقول تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ )[البقرة:194].
    وقد ذهب الأئمة الأربعة والجمهور إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ. وذهب عطاء وغيره إلى أنه ثابت غير منسوخ. وكان عطاء يحلف بالله: ما يحل القتال في الشهر الحرام، ولا نسخ تحريمه شيء!
    وقد ردَّ العلامة ابن القيم على كل الأدلة التي استدل بها مَن قال بالنسخ، مُبيِّنا أن كل ما قيل فيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاتل في الشهر الحرام، أنه كان قتال دفاع لما بدأه العدو من عدوان على المسلمين. قال ابن القيم: ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو، وإنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء.
    وذكر ابن القيم آية [البقرة:217]، (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ...)، وآية [المائدة:2] (لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ)، ثم قال: فهاتان آيتان مدنيتان، بينهما في النزول نحو ثمانية أعوام. وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ناسخ لحكمهما، ولا أجمعت الأمة على نسخه. ومَن استدل على نسخه بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً)[التوبة:36]، ونحوها من العمومات، فقد استدل على النسخ بما لا يدل عليه. ومن استدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عامر في سرية إلى أوطاس في ذي القعدة، فقد استدل بغير دليل، لأن ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال، ولم يكن ابتداء منه لقتالهم في الشهر الحرام[11] اهـ.


    الحج تدريب للمسلم على السلام:

    ومن عناية الإسلام بالسلام: أنه فرض على كل مسلم في العمر مرة عبادة خاصة، وهي حج البيت الحرام، وهي عبادة يتدرَّب المسلم فيها على السلام، فهي تتم عادة في الشهر الحرام في ذي الحجة، وفي البلد الحرام مكة المكرمة، وفي حالة الإحرام، فتحوطه حرمة الزمان، وحرمة المكان، وحرمة الحال، حال الإحرام، الذي يحظر عليه فيه كل قتل حتى قتل الصيد، كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ...) [المائدة:95].
    فالمسلم في هذه الرحلة: سلام لكل مَن حوله، وكل ما حوله، حتى الأشجار والحشائش يحرم عليه أن يقطعها.
    وكل مسلم عليه أن يقوم برحلة السلام هذه مرة في عمره فرضا من الله، وله أن يحج ويعتمر تطوعا ما يسَّر الله له ذلك، ابتغاء مرضاة الله.
    ولو كان قتال جميع الكفار -أو غير المسلمين- في العالم فرضا على المسلمين، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ما رأينا أحاديث تأمرنا بترك الأعداء ما تركونا، والكف عنهم ما كفوا عنا.
    كما في حديث ابن عمر وغيره: "اتركوا الحبشة ما تركوكم"[12].
    وفي حديث آخر: "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم"[13].


    واقعية الإسلام في الإقرار بسنة التدافع:

    لا يرغب الإسلام في الحرب لذات الحرب، ولا يخوضها إلا إذا فرضت عليه كرها، كما قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ)[البقرة:216].
    إنما يخوض المسلمون الحرب والقتال إذا أجبرتهم عليها (سنة التدافع) وهي من السنن الكونية والبشرية العامة، التي أقام الله عليها هذا العالم. وإلى هذه السنة -أو هذا القانون العام- أشار القرآن الكريم في آيتين من آياته، ففي سورة البقرة: عقَّب القرآن على قصة طالوت، ومقاومته لجالوت الجبار، رغم قلة عدد المؤمنين المقاتلين مع طالوت، وكثرة عدد الكافرين المحاربين مع جالوت، ورغم عدم تكافؤ القوة بين الطرفين، انتصرت القلة المؤمنة الصابرة على الكثرة الكافرة المتجبرة. يقول تعالى عن طالوت ومجاوزته للنهر: (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة:249-251].
    بهذا التدافع -دفع الله الناس بعضهم ببعض- يحفظ الله الأرض ومَن عليها وما عليها من الفساد. وإلا لطغى الجبارون والمتكبرون في الأرض بغير الحق، وأصبح العالم غابة يفترس فيها القوي الضعيف.
    وفي هذه القصة -قصة طالوت- التي ذكرها القرآن عن بني إسرائيل، كان طالوت ومَن معه يدافعون عن ديارهم وأبنائهم. قالوا: (وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ) [البقرة:246]. فهيَّأ الله (دَاوُدُ) الشاب المؤمن ليقتل (جَالُوتَ) الطاغية المتجبر، وبهذا اندفع عن الأرض شر مستطير.
    والآية الثانية التي قرَّر القرآن فيها سنة التدافع في سورة الحج، حين أذن الله للجماعة المؤمنة المضطهدة أن تقاتل دفاعا عن نفسها وحرماتها وحريتها في التدين، بل عن حرمة الأديان الأخرى، قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)[الحج:39،40].
    وبهذا كان الإسلام (واقعيا) حين أقرَّ بشرعية القتال أو شرعية الحرب لضرورة التدافع، وبعبارة أخرى: دفاعا عن الدين والحق والحرمات والحريات، وعلى رأسها: حرية التدين، في مواجهة الطغاة الذين يصادرون حق الناس في الإيمان، ويفتنون المؤمنين عن دينهم. ولهذا لم يكن دفاع الإسلام عن المساجد وحدها، بل عنها وعن الصوامع والبِيَع والصلوات، أي عن معابد اليهود والنصارى، حتى لا يُمنع أحد من إقامة شعائر دينه، أو يُكره على تغيير دينه.
    وبعض النصارى يتهمون الإسلام بأنه (دين السيف) وأنه (دين الحرب) وأن رسول الإسلام حارب وقاتل، ولم يكن كالمسيح الذي دعا إلى السلام، وقال في تعاليمه: (من ضربك على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر)[14]!
    ونسي هؤلاء أو تناسوا ما سجله التاريخ: أن أتباع الديانة المسيحية -للأسف الشديد- هم أكثر أصحاب الأديان صراعا وحروبا فيما بين بعضهم وبعض، وفيما بينهم وبين غيرهم، فطالما أوقدوا نار الحرب أحيانا بدوافع دينية كما حدث بين الكاثوليك والبروتستانت من مذابح تشيب لهولها الولدان[15]، وأحيانا بدوافع قومية أو وطنية أو مصلحية. والتاريخ حافل بهذه الحروب، ولا سيما بين البلدان الأوربية بعضها وبعض، وآخرها الحربان العالميتان الشهيرتان التي قتل المسيحيون بعضهم من بعض: عشرات الملايين.
    حتى قال أحد الكتاب الأوربيين: ما صدقت بنبوءة من نبوءات المسيح، كما صدقت نبوءته حين قال: (ما جئت لأُرسي سلاما على الأرض، ما جئت لأرسي سلاما، بل سيفا)[16].
    وما ذكره المسيح في إدارة الخد الأيسر لمَن ضربك على الأيمن: يمثل درجة (الفضل) التي تصلح في بيئة محدودة، ولجماعة مثالية، ترنو إلى المُثُل العليا، ولكنها لا تصلح أن تكون قاعدة عامة للتعامل مع جميع الناس، في كل الأقطار، وفي كل الأعصار، ومع جميع الأصناف والطبقات، وفي كل الظروف والحالات. إنما الذي يصلح لعموم الناس في جميع الأمصار والأعصار والأحوال: هو إيجاب مبدأ (العدل)، والترغيب في مبدأ (الفضل)، وهو ما جاء به الإسلام، حيث قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى:40]، (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[الشورى:41-43].
    إن البشرية منذ فجر التاريخ، ومنذ كانت أسرة واحدة: آدم وبنوه: وُجِد فيها الشرير المعتدي، وبإزائه الخيِّر الطيِّب، وُجد فيها قابيل وهابيل، كما تسميهما (الإسرائيليات). وقد قصَّ علينا القرآن قصة الأخوين اللذين قتل أحدهما الآخر ظلما وعدوانا، بلا جُرم اقترفته يداه، ولم يكن هناك مجتمع أثَّر فيه -كما يقال اليوم- بل طاوع نفسه الأمارة بالسوء التي سولت له قتل أخيه فقتله. اقرأ هذه الآيات: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [المائدة: 27-30].
    ماذا يفعل الناس إذا كثر أتباع قابيل الشِّرير، وكان لهم قوة وسلطان؟ هل يُتركون ليطغوا في البلاد، ويُكثروا فيها الفساد، دون أن يردعهم رادع، أو يقول لهم أحد: كفُّوا أيديكم، وقفوا عند حدِّكم؟
    هل يمكن أن يقف الناس جميعا موقف الأخ الطيِّب هابيل؟ ويَدَعوا لقابيل المُجرم فرصته ليمارس هوايته في القتل والتدمير؟
    إن مَن يستقريء واقع الناس، يتبين له أن كثيرا من الناس -بل ربما أكثرهم- هو من صنف قابيل، الذي يستخدم قوته في الشر. حتى قال بعض الفلاسفة: الإنسان ذئب مُقنَّع.
    بل وجدنا من الأدباء مَن يقول: الإنسان حيوان محارب! وقال مناحم بيجن في كتابه (الثورة) الذي ألَّفه قبل قيام دولة الكيان الصهيوني: أنا أحارب، إذن أنا موجود!
    وأبو الطيب المتنبي يقول:
    والظلم من شِيَم النفوس، فإن تجد ذا عفة، فلعلَّة لا يظلــم!
    فكيف يمكن تجاهل مثل هذه الفلسفات والنظريات التي تؤمن بمنطق القوة لا بقوة المنطق. وهؤلاء لا بد أن يُواجَهوا بنفس منطقهم. فالشر بالشر يحسم، والبادئ أظلم. ولله در شوقي حين قال في نهج البردة:
    قالوا: غزوتَ، ورسل الله ما بعثوا بقتل نفس ولا جاؤوا بسفـك دم

    إفك وتضليل أحـلام وسفسطـة فتحتَ بالسيف بعـد الفتح بالقلم!

    والشر إن تلــقه بالخير ضقت به ذرعـــا، وإن تلقه بالشر ينحسم
    وقال آخر:
    والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السلم
    وقد أرشد القرآن إلى أن الله أنزل مع رسله: الكتاب والميزان، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، فكأنه يشير إلى أن مَن لم ينفع في هدايته الكتاب والميزان، قُوِّم بالحديد. يقول تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)[الحديد:25].
    والواقع أن الحياة لا تستقيم بغير القوة، تحمي الحق، وتقاوم الباطل، وتفرض العدل، وتحارب الظلم، وتمنع قابيل من التعدي على هابيل. وهذه هي الواقعية المثالية التي جاءت بها أخلاق الإسلام[17]، وتشريعات الإسلام، وتوجيهات القرآن: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)[النحل:126].

    وقد عبَّر عن ذلك الشاعر العربي بقوله:
    لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
    ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
    فمن رام تقويمي فإني مقوم ومن رام تعويجي فإني معوج
    وما كنت أرضى الجهل خِدنا وصاحبا ولكنني أرضى به حين أحرج





    [1]- رواه مسلم في الإيمان (54)، وأحمد في المسند (9084)، والترمذي في الاستئذان والآداب (2688)، وابن ماجه في المقدمة (68).
    [2]- متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (831)، ومسلم في الصلاة (402)، وأحمد في المسند (3622)، وأبو داود في الصلاة (968)، والترمذي في الصلاة (289)، والنسائي في الافتتاح (1170)، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها (899)، عن ابن مسعود.
    [3]- سبق تخريجه.
    [4]- رواه أحمد في المسند (15470)، وقال محققوه: إسناده ضعيف، يعقوب بن مجمع بن جارية والد مجمع -وإن كان حسن الحديث- انفرد به، وأبو داود في الجهاد (2359)، والطبراني في الأوسط (4/120)، وفي الكبير (19/445)، عن مجمع بن جارية، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (587).
    [5]- راجع فتوانا بتحريم الصلح مع إسرائيل والرد على القائلين بذلك، في كتابنا: فتاوى معاصرة جـ3 صـ465 وما بعدها.
    [6]- رواه أحمد في المسند (19032)، وقال محققوه: إسناده ضعيف لجهالة عقيل بن شبيب، فقد تفرد بالرواية عنه محمد بن مهاجر وهو الأنصاري، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان، وأبو داود في الأدب (4950)، والبيهقي في الكبرى كتاب الضحايا (9/306)، عن أبي وهب الجشمي، وصححه الألباني في الصحيحة (1040).
    [7]- اللقحة: هي الناقة الحلوب القريبة العهد بالولادة.
    [8]- ذكره ابن حجر في الإصابة في ترجمة (حرب) غير منسوب (2/319) وانظر: الموطأ ص 973 الحديث رقم: (1540) طبعة الحلبي بتحقيق عبد الباقي. قال: وهو مرسل أو معضل، وصله ابن عبد البر من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة إلى يعيش الغفاري، رواه الطبراني في الكبير (22/277)، عن يعيش الغفاري، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني وإسناده حسن (8/93)*.
    [9]- رواه أحمد في المسند (769)، وقال محققوه: إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير هانئ بن هانئ، فقد روى له أصحاب السنن، والبخاري في الأدب المفرد (823)، والبزار في المسند (2/314)، وابن حبان في صحيحه كتاب إخباره عن مناقب الصحابة (15/409)، والطبراني في الكبير (3/96)، والحاكم في المستدرك كتاب معرفة الصحابة (3/180)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الكبرى كتاب الوقف (6/166)، عن علي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح، غير هانئ بن هانئ وهو ثقة (8/102).
    [10]- رواه الطيالسي في المسند (1/19)، والبزار في المسند (2/315)، والطبراني في الكبير (3/79)، عن علي ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه البزار والطبراني بنحوه بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح (8/102)، ولم يذكر فيها الولد الثالث.
    [11]- زاد المعاد (3/339-341). طبعة الرسالة. بيروت.
    [12]- رواه أبو داود في الملاحم (4309)، والبزار في المسند (6/346)، والحاكم في المستدرك كتاب الفتن والملاحم (4/500)، والبيهقي في الكبرى كتاب السير (9/176)، عن عبد الله بن عمرو، وصححه الألباني في الصحيحة (722)، ورواه أحمد في المسند عن زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن رجل من أصحاب رسول الله .
    [13]- سبق تخريجه.
    [14]- انظر: إنجيل متَّى الفقرات (38-43)، وإنجيل لوقا (6/29،30).
    [15]- طالع بعض ذلك فيما نقله الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه (إظهارالحق) وسننقله عنه بعضه في فصل (الجهاد بين شريعة التوراة وشريعة القرآن) في هذا الباب.
    [16]- انظر: إنجيل متى (10/34-37) وتتمة الفقرة: (فإني جئت لأجعل الإنسان على خلاف مع ابنه، والبنت مع أمها، والكنّة مع حماتها، وهكذا يصير غداء الإنسان مع أهل بيته) وانظر: لوقا (12/51-53). و(14/27،26). وفيه يقول: (جئت لألقي على الأرض نارا، فكم أود أن تكون مشتعلة! أتظنون أني جئت لألقي السلام على الأرض؟ أقول لكم: لا، بل الأحرى: الانقسام). أقول: ولكن الإنصاف يقتضي ألا نحكم على المسيحية كلها من هذا النص، بل لا بد من نظرة شاملة للنصوص، بحيث يرد متشابهها إلى محكمها. كما نفعل في النصوص الشرعية عندنا.
    [17]- لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع راجع ما كتبناه في كتابنا (الخصائص العامة للإسلام) فصل (الواقعية) صـ144 طبعة مكتبة وهبة القاهرة، وكذلك فصل (الواقعية) من كتابنا (مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية) صـ119 طبعة مكتبة وهبة القاهرة.



    منقول
    من كتاب نحن والغرب

    يُتبع
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    هل الله يُعذب نفسه لنفسههل الله يفتدى بنفسه لنفسههل الله هو الوالد وفى نفس الوقت المولوديعنى ولد نفسه سُبحان الله تعالى عما يقولون ويصفون

    راجع الموضوع التالي


  2. #2
    الصورة الرمزية الشهاب الثاقب.
    الشهاب الثاقب. غير متواجد حالياً حَسبُنا اللهُ ونعم الوكيل
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    المشاركات
    1,150
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    02-12-2016
    على الساعة
    07:14 PM

    افتراضي أهداف القتال في الإسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم
    و به نستعين


    أهداف القتال في الإسلام
    لقد كان من الخير أن تعترف المثالية الإسلامية والشريعة الإسلامية بإمكان وقوع الحرب والقتال بين البشر، وإذا كان وقوع الحرب غير مستبعَد، فلا بد أن نستعد لها حتى لا يستباح حِمانا، ولا بد أن نحوط هذه الحرب بسياج من التشريعات القانونية والتوجيهات الأخلاقية، حتى لا تخرج عن قوانين العدل والرحمة، ولا تحكمها غرائز الغضب وحدها، أو (القوة السبُعية) في الإنسان، ولا بد أن نحدد أهدافها بوضوح، حتى نقف عندها، ولا نسمح لأطماعنا أو مخاوفنا أو انفعالاتنا أن تتعدى حدودها. ولا نستطيع أن نُحدِّد هذه الأهداف حقا، إلا من خلال مُحكمات النصوص، التي لا يملك المؤمن إزاءها إلا أن يقول: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) [البقرة:285]. فلنتحدَّث عن هذه الأهداف.
    1ـ رد الاعتداء:
    أول أهداف القتال والحرب في الإسلام: دفع الاعتداء وردُّه بالقوة، سواء كان هذا الاعتداء واقعا على الدين أم على الوطن والأرض.
    فأما الاعتداء على الدين، فيتمثل في فتنة المسلمين عن دينهم، واضطهادهم من أجل عقيدتهم، أو الوقوف في وجه الدعوة ومنعها، والصد عنها، والتعرض لدعاتها بالأذى إلى حد القتل.
    ومثل ذلك: الاعتداء على أرض الإسلام، ووطن المسلمين، وما يتضمن ذلك من عدوان على دماء الناس وأموالهم وممتلكاتهم وحرماتهم ومقدساتهم. والإسلام يعتبر بلاد المسلمين كلها وطنا واحدا، أو دارا واحدة، هي (دار الإسلام)، فالاعتداء على جزء منها اعتداء على جميعها، ومسؤولية الدفاع عنها تقع على الأمة كلها: المقصودين بالأصالة، والآخرين بالمساندة والمشاركة عند اللزوم.
    وكذلك الاعتداء على حرمات الأفراد: في أنفسهم، أو في أموالهم وممتلكاتهم، أو في أهليهم وذراريهم.
    كما يعتبر الإسلام الاعتداء على (أهل الذمة) من غير المسلمين اعتداء على المسلمين أنفسهم، فهم من أهل دار الإسلام، وحرمتهم من حرمة المسلمين. وعقد الذمة يوجب على المسلمين الدفاع عنهم، وبذل الأنفس والأموال لحمايتهم، كما يدافعون عن المسلمين، سواء بسواء[1].
    ونحو ذلك العدوان على حلفاء المسلمين، لأن الحلف يقضي بالتعاون في السراء والضراء، والتضامن في السلم والحرب. ولهذا حينما غدرت قريش بقبيلة خزاغة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعتبر الرسول ذلك نقضا لعهده، واعتداء عليه وعلى أصحابه، ولأجله جيش الجيوش لفتح مكة.
    وهنا يوجب الإسلام على المسلمين: أن يقفوا في وجه الاعتداء، أيا ما كان المعتدون أو المعتدى عليهم، ويتصدوا له ليدفعوه عنهم، ويردوه عن حرماتهم بسيف القوة، وقوة السيف.
    يقول تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ * الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)[البقرة:190-194].
    قرَّرت هذه الآيات جملة أحكام:
    1. الأمر بقتال الذين يقاتلون المسلمين، أي يبدأونهم بالقتال، على أن يكون قتالهم في سبيل الله، أي لتكون كلمة الله هي العليا.
    2. النهي عن الاعتداء بصفة مطلقة، وتعليل ذلك بأن الله لا يحب المعتدين، وهذا دليل على أنه حكم مُستقر مُحْكم غير قابل للنسخ. كما أن فيه تنفيرا للمسلم منه، فإن كل مسلم حريص على أن يكون ممَّن يحبهم الله، لا ممَّن لا يحبهم الله.
    3. تشريع معاملة هؤلاء المعتدين على المسلمين بمثل أعمالهم من القتل والإخراج.
    4. تقرير أن الفتنة في الدين أشد من القتل، لأن القتل اعتداء على الكيان المادي للإنسان: الجسد، والفتنة اعتداء على الكيان المعنوي: الروح والعقل والإرادة.
    5. تقرير حرمة المسجد الحرام الذي مَن دخله كان آمنا، والنهي عن قتالهم فيه، ما لم يبدأوا هم بالقتال، فإن فعلوا، فحرمة المؤمنين أهم من حرمة المسجد الحرام، وجاز قتالهم وقتلهم فيه، حتى ينتهوا.
    6. تقرير غاية القتال، وهو: اتقاء الفتنة، وتوطيد حرية الإيمان للناس، بكسر شوكة المتجبرين في الأرض الذين يفتنون الناس عن دينهم. وبهذا يكون الدين لله، يدخله مَن شاء بإرادته، لا يُكره عليه، ولا يُصَدّ عنه من أحد.
    7. شرعية مقابلة العدوان بمثله، وقد سمَّاه القرآن اعتداء، من باب المشاكلة اللفظية، وإلا فالرد على الاعتداء في الحقيقة ليس اعتداء.
    2ـ منع الفتنة أو تأمين حرية الدعوة:
    ومن أهداف القتال التي نصَّ عليها القرآن: منع الفتنة في الدين، وهذا ما صرَّح به القرآن الكريم في آيتين من كتاب الله، إحداهما في سورة البقرة في قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)[البقرة:193].
    والثانية في سورة الأنفال في قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[الأنفال:39].
    فقد حدَّدت الآيتان كلتاهما غاية القتال بأنها: منع الفتنة: (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)، وهذه نكرة في سياق النفي تعمُّ كل فتنة يمكن أن تتصوَّر هنا: فتنة الإنسان في نفسه، أو في أهله، أو فيمَن يحب من الناس.
    والفتنة في اللغة: الاختبار والامتحان[2]، مثل قولهم: فتن الذهب: أي وضعه على النار ليعرف خالصه من زيفه. فالفتنة تعني: الاضطهاد والإيذاء والتعذيب لمَن دخل في الإسلام حتى يرجع عن دينه. وفي هذا يقول القرآن: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا)[النحل:110].
    وحينما اشتد الأذى والتنكيل بالمؤمنين في مكة، نزل القرآن ليواسيهم ويثبتهم، كما تجلَّى ذلك في أوائل سورة العنكبوت: (ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)[العنكبوت:1-3]. فبيَّن القرآن أن فتنة المؤمنين بالإيذاء والتنكيل: سنة ماضية في الأمم من قبلنا.
    وفي السورة نفسها يقول تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ)[العنكبوت:10].
    وهذا الأسلوب -فتنة المؤمنين عن دينهم بالأذى والعذاب حتى يرتدوا عنه- أسلوب قديم اتَّبعه الكفرة والطغاة مع أهل الإيمان، كما حكى القرآن ذلك في سورة البروج، التي حدثتنا عن الجبابرة الذين خدُّوا الأخاديد، وملأوها نارا، وألقوا فيها كل مؤمن أصرَّ على عقيدته. يقول تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)[البروج:4-10]، فواضح كل الوضوح من الآيات الكريمة: أن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات هم الذين عذَّبوهم بالنار.
    ومن هنا كانت هذه (الفتنة في الدين) أشد شيء خطرا على الإنسان، وعلى حرية اختيار الإنسان، فأن أهل القوة والجبروت يريدون أن يتحكموا في ضمائر الناس، فليس لهم حق الإيمان بما اقتنعت به عقولهم، أو اطمأنت إليه قلوبهم، إلا بإذن الجبابرة وموافقتهم، كما قال فرعون من قديم مُنكرا على السحرة من أبناء مصر: إيمانهم برب موسى وهارون: (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ)[طـه:71، الشعراء:49، الأعراف:123]، معنى ذلك: أنه لا يجوز لعقل أن يقتنع بفكرة، ولا لقلب أن يؤمن بعقيدة إلا بإذن فرعون!!
    فإذا خالف وآمن، تعرَّض لبطش فرعون، وتهديده بالتنكيل والتصليب في جذوع النخل، وغيره من ألوان العذاب.
    ولا غرو أن اعتبر القرآن الـ(فِتْنَةٌ): أشد من القتل، وأكبر من القتل، فإذا نظرنا إليها من ناحية (الكيف) فهي: {أَشَدُّ} أومن ناحية (الكم) فهي: {أَكْبَرُ}.
    يقول تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)[البقرة:217].
    ضخَّم المشركون واقعة قَتَلَ فيها بعضُ المسلمين واحدا من المشركين خطأ في الشهر الحرام، وأبْدأوا وأعادوا وزادوا في القول، والقرآن أقرَّ بأن القتال في الشهر الحرام ذنب كبير، ولكن ما فعلوه من الصد عن سبيل الله والكفر به، وبحرمة المسجد الحرام، وإخراج أهله منه: أكبر عند الله مما وقع من المسلمين. ثم قال: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ): أيْ والفتنة التي يوقعها المشركون عمدا بالمؤمنين الجُدد بالإسلام: أكبر وأعظم إثما من القتل الذي وقع من المسلمين خطأ في الشهر الحرام.
    ومن البيِّن الواضح: أن الفتنة في الآيتين هي الاضطهاد في الدين، وتعذيب المؤمنين، كما وضَّحناه في الآيات السابقة، وكما يدل عليه السياق بجلاء. فهم الذين آذوا المؤمنين طوال ثلاثة عشر عاما في مكة، وأنزلوا بهم صنوف العذاب، وحاصروهم اقتصاديا واجتماعيا، حتى أكلوا أوراق الشجر، وعذَّبوا المستضعفين منهم، حتى مات بعضهم تحت التعذيب، واستمر هذا التنكيل حتى اضطروهم للخروج من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله. فهاجر بعضهم مرتين، ثم هاجروا جميعا -إلا مَن عجز- إلى يثرب. ومن المتفق عليه: أن أفضل ما يفسر القرآن بالقرآن. وهذا معنى الفتنة في القرآن.
    وإنما كانت الفتنة: (أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) و (أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)، لأن القتل جناية على (جسم) الإنسان وحياته المادية، أما الفتنة، فهي جناية على (ضمير) الإنسان، وحياته الروحية والفكرية. والجناية الثانية أعظم بلا ريب من الجناية الأولى.
    والخلاصة هنا: أن القتال مشروع لغاية، وهي منع الفتنة والاضطهاد في الدين، ورفع أساليب الضغط والإكراه المادي والأدبي عن الناس، وتأمين الحرية للدعوة والدعاة، ليؤمن مَن آمن بحريته، ويكفر مَن كفر باختياره، إذ (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)[البقرة:256]، (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) [يونس:108].
    وأما ما ورد عن بعض مفسري السلف، الذين فسروا الفتنة بأنها: (الشرك) أو (الكفر)، فهو خروج عن ظاهر المعنى الذي يؤدِّيه اللفظ، وهو تفسير
    ُ غيرِ معصوم، ولا حجة في قول أحد إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يوجد عنه نص في ذلك. ولعل مرادهم: أن الشرك في ذلك الوقت وفي أرض العرب خاصة، كان مرتعا للشر، ومباءة للإثم والعدوان، وأن بقاء الشرك بقوته: مُهدِّد للإسلام الناشئ، وللمسلمين الجُدد بطبيعته العدوانية. فمعنى (حتى لا يكون شرك): أيْ شرك متجبِّر في الأرض، أي حتى تقلَّم أظفار العدوان، وتخلع أنيابه المفترسة، ولا يبقى مَن يفتن الناس. وذكر في (تفسير المنار) ما قاله بعض المفسرين القدامى: أن الفتنة هي الشرك. قال: وردَّه الأستاذ الإمام (محمد عبده) بأنه يُخرج الآيات عن سياقها. وذكره البيضاوي هنا بصيغة التضعيف (قيل)[3].
    وقال في معنى قوله تعالى:(حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ): أي حتى لا تكون لهم قوة يفتنونكم بها ويؤذونكم لأجل الدين، ويمنعونكم من إظهاره أو الدعوة إليه.
    ومعنى قوله
    (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)، وفي سورة الأنفال: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ): أي يكون دين كل شخص خالصا لله، لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يُفتن لصدِّه عنه، ولا يؤذَى فيه، ولا يحتاج فيه إلى المداهنة والمداراة، أو الاستخفاء أو المحاباة، وقد كانت مكة إلى هذا العهد قرار الشرك، والكعبة مستودع الأصنام، فالمشرك فيها حر في ضلالته، والمؤمن مغلوب على هدايته[4].

    على أن هناك من المفسرين مَن أبقى لفظ الـ
    (فِتْنَةٌ) على معناه الأصلي المتبادر منه، ولم يَمِل به عن أصله.
    ذكر الإمام فخر الدين الرازي في تفسير معنى الـ(فِتْنَةٌ) في قوله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ): وجوها، فكان الوجه الثاني منها: أن الفتنة أصلها عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش. ثم صار اسما لكل ما كان سببا للامتحان تشبيها بهذا الأصل. والمعنى: أن إقدام الكفار على الكفر وعلى تخويف المؤمنين، وعلى تشديد الأمر عليهم، بحيث صاروا مُلجَئين إلى ترك الأهل والوطن، هربا من إضلالهم في الدين، وتخليصا للنفس مما يخافون ويحذرون: فتنة شديدة، بل هي أشد من القتل الذي يقتضي التخلص من عموم تلك الفتنة[5].وفي تفسير قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)، قال: في المراد بالفتنة هنا وجوه: أحدها: أنها الشرك والكفر، ثم فسَّر ذلك فقال: قالوا: كانت فتنتهم أنهم كانوا يضربون ويؤذون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، حتى ذهبوا إلى الحبشة، ثم واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ذهبوا إلى المدينة، وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة: أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفارا. فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: قاتلوهم حتى تظهروا عليهم، فلا يفتنوكم عن دينكم، فلا تقعوا في الشرك[6]
    3ـ إنقاذ المستضعفين:
    ومن أهداف القتال في الإسلام: إنقاذ المستضعفين من خلق الله، من ظلم الجبَّارين، وتسلُّط المستكبرين في الأرض بغير الحق، الذين يستخفُّون بحرمات الضعفاء، ويسومونهم سوء العذاب، ويُهْدرون إنسانيتهم، لأن في أيديهم القوة المادية التي تمنع الأيدي أن تُدافع، وتُخرس الألسنة أن تتكلم، وتُكره الناس على أن يسكتوا عن الحق أو ينطقوا بالباطل.فعلى المسلمين واجب النَّجدة لتحرير هؤلاء المستعبدين، وإغاثة هؤلاء الملهوفين، وإنقاذ هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، ولا يملكون إلا الدعاء إلى الله تعالى أن يُنجِّيهم من عدوهم، ويُهيِّئ لهم مَن ينصرهم ويأخذ بأيديهم.يقول تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً * وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) [النساء:74،75].فانظر إلى هذا الأسلوب التحريضي البليغ الذي يستثير الهمم، ويحرِّك العزائم، (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ)؟فجعل القتال في سبيل المستضعفين قرين القتال في سبيل الله، إذ عطفه عليه بالواو بلا فاصل. بل هو عند التأمل جزء من القتال في سبيل الله، لأن القتال إنما يكون في سبيل الله إذا كانت الغاية: أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله هي كلمة الحق الذي يواجه الباطل، والعدل الذي يواجه الظلم. وإنقاذ المستضعفين إنما هو لإقامة عدل الله في الأرض. ولهذا قالت الآية التالية لهذه الآية: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) [النساء:76]، فقرَّرت الآية أن شأن الذين آمنوا: أن يكون قتالهم في سبيل الله، هكذا بإطلاق وتعميم، وإن كان من أجل المستضعفين، فهو أيضا في سبيل الله. بخلاف الذين كفروا، فإن لهم غاية غير غاية المؤمنين، وهي أنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت. وهو: كل ما يُعظَّم ويعبد ويطاع طاعة مطلقة من دون الله، وهو مصدر كل شر وطغيان. ولهذا بعث الله رسله لتحرير الأمم من عبادة الطاغوت أيا كان اسمه ونوعه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل:36].والظاهر: أن المسلمين مدعوون لإغاثة الملهوفين، وإنقاذ المستضعفين في الأرض من خلق الله، وإن لم يكونوا مسلمين، لأن رفع الظلم والأذى عن جميع الناس مطلوب من المسلم إذا كان قادرا عليه، ما لم يكونوا محاربين للمسلمين.بل المسلم مطلوب منه أن يرفع الأذى عن الحيوان الأعجم إذا قدر عليه، سواء كان هذا الأذى ناشئا عن ظلم إنسان له، أو أسباب طبيعية أخرى، كأن يصيبه العطش أو غيره من ألوان الأذى.


    [1]- انظر: كتابنا (غير المسلمين في المجتمع الإسلامي) تحت عنوان (الحماية من الاعتداء الخارجي) صـ10،9. نشر مكتبة وهبة. القاهرة.
    [2]- النهاية في غريب الحديث والأثر (3/411).
    [3]- قال البيضاوي في تفسير: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ): أي المحنة التي يفتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن: أشد من القتل، لدوام تعبها، وتألم النفس بها، وقيل: معناه: شركهم في الحرم، وصدهم إياكم عنه، أشد من قتلكم إياهم فيه. انظر: تفسير البيضاوي (2/285)، وقال الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي: قيل لبعض الحكماء: ما أشد من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت! ومنه أخذ المتنبي قوله: (وحسبُ المنايا أن يكنّ أمانيا!) وجعل الإخراج من الوطن: من الفتن التي يُتمنى عندها الموت، كما قال الشاعر:
    لقتل بحد السيف أهون موقعا على النفس من قتل بحد فراق!
    انظر: حاشية الشهاب على البيضاوي (2/285)، يؤكد هذا قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) [النساء:66]، فقرن قتل النفس بالخروج من الديار، دلالة على أنهما متكافئان أو متقاربان.
    [4]- تفسير المنار (2/210،211) طبعة المنار الثالثة.
    [5]- التفسير الكبير للفخر الرازي (5/143).
    [6]- المصدر السابق (5/145).

    منقول
    من كتاب نحن والغرب

    يُتبع
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    هل الله يُعذب نفسه لنفسههل الله يفتدى بنفسه لنفسههل الله هو الوالد وفى نفس الوقت المولوديعنى ولد نفسه سُبحان الله تعالى عما يقولون ويصفون

    راجع الموضوع التالي


  3. #3
    الصورة الرمزية الشهاب الثاقب.
    الشهاب الثاقب. غير متواجد حالياً حَسبُنا اللهُ ونعم الوكيل
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    المشاركات
    1,150
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    02-12-2016
    على الساعة
    07:14 PM

    افتراضي الجهاد بين شريعة التوراة وشريعة القرآن

    بسم الله الرحمن الرحيم
    و به نستعين


    الجهاد بين شريعة التوراة وشريعة القرآن
    ومن أراد أن يعرف فضل ما جاء به الإسلام من إصلاح وتجديد وتهذيب في أحكام الجهاد والقتال، وإقرار السلام في الأرض، بالنسبة لما كان عليه الوضع في الشرائع القديمة، والأمم السابقة، فعليه أن ينظر -ولو نظرة سريعة عاجلة- إلى ما اشتملت عليه (التوراة) الحالية، التي يؤمن بها اليهود والنصارى جميعا، على أنها الكتاب الإلهي الذي أنزله الله على موسى عليه السلام، وأعلن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: أنه ما جاء لينقض الناموس (الذي جاء به موسى)، بل جاء ليتممه[1].
    ولا أدري أقرأ الغربيون -المسيحيون في جملتهم- الذين يتهمون الإسلام بأنه (دين السيف)، والذين يزعمون أنهم يؤمنون بـ(الكتاب المقدس) ومنه التوراة: هذه النصوص التي سأوردها أقرأوها أم لم يقرأوها؟ وإذا قرأوها فهل وَعَوْها أو لم يعوها؟
    والآن أود أن نقف قليلا عند ما تقوله التوراة -التي نعتقد نحن المسلمين: أنها حُرِّفت وبُدِّلت لفظيا ومعنويا- والتي يؤمن بقدسيتها وإلهيتها: اليهود والمسيحيون جميعا، ومنهم المبشرون والمستشرقون المتحاملون، الذين شنوا الغارة على شريعة الجهاد في القرآن، وفي سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وبالمقارنة والموازنة تتبيَّن الحقائق، وبضدِّها تتميَّز الأشياء.
    فأنصت أخي القارئ المنصف لما تقوله التوراة في أمر الحرب والقتال.
    شرائع حصار وفتح المدن البعيدة:
    تقول التوراة في (سفر تثنية الاشتراع) في (الإصحاح العشرين) تحت عنوان (شرائع حصار وفتح المدن البعيدة) -وأعتقد أن هذا العنوان من وضع ناشري التوراة- في الفقرة العاشرة وما بعدها:
    (وحين تتقدمون لمحاربة مدينة فادعوها للصلح أولا. فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم، فكل الشعب الساكن فيها يصبح عبيدا لكم. وإن أبت الصلح وحاربتكم فحاصروها، فإذا أسقطها الرب إلهكم في أيديكم، فاقتلوا جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة من أسلاب، فاغنموها لأنفسكم، وتمتعوا بغنائم أعدائكم التي وهبها الرب إلهكم لكم. هكذا تفعلون بكل المدن النائية عنكم التي ليست من مدن الأمم القاطنة هنا. انتهى.
    هذا أمر التوراة الصارم لبني إسرائيل، أو لليهود المؤمنين بشريعة موسى في شأن حصار المدن البعيدة وفتحها: إذا أجابت دعوة السلم والصلح، فجميع أهلها عبيد لهم بلا استثناء! وإذا لم تُسلِّم لهم فليحاربوا، وإذا سقطت في أيديهم، فعليهم أن (يقتلوا جميع ذكورها بحد السيف)، هكذا أمرهم (الرب الإله). ولم تقبل شريعة التوراة من هؤلاء بديلا لقتلهم بحد السيف: أن يدخلوا في دين اليهودية مثلا، أو يدفعوا لهم جزية، أو غير ذلك. ولم يستثن أمر (الرب الإله) أحدا من الذكور: لا شيخا كبيرا، ولا طفلا صغيرا.
    وقد قال القرآن هنا: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)[محمد:4]، فاكتفى القرآن في قتال الأعداء: أن يُثخِنوهم، أي يُضعِفوهم، وفي هذه الحالة عليهم أن يشدوا الوَثَاق. أي: يأسروا بدل أن يقتلوا.
    وقال القرآن أيضا: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)[التوبة:29]، فجعل للأعداء المحاربين فرصة تُنجِّيهم من القتل، ومن الدخول في الإسلام جبرا، وهي إعطاء الجزية (عَنْ يَدٍ): أي عن قدرة، وهي مبلغ زهيد في مقابل التكفُّل بحمايتهم والدفاع عنهم. وهذه الجزية يدفعها القادرون على القتال، والقادرون على الدفع، فلا تدفعها النساء ولا الصبيان ولا العَجَزة ولا العميان، ولا الرهبان، وأمثالهم.
    شرائع حصار وفتح مدن أرض الموعد:
    أما شعوب المنطقة التي يطلق عليها (أرض الميعاد) فتقول التوراة في شأنها: (أما مدن الشعوب التي يهبها الرب إلهكم لكم ميراثا، فلا تَسْتَبْقوا فيها نَسَمَة حية، بل دمروها عن بكرة أبيها، كمدن الحثِّيِّين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، كما أمركم الرب إلهكم، لكي لا يعلِّموكم رجاستهم التي مارسوها في عبادة آلهتهم، فتغووا وراءهم وتخطئوا إلى الرب إلهكم)[2] انتهى.
    هذه الشعوب الستة، يجب أن تباد إبادة تامة، دون أن يُبدأوا بالدعوة، أو تُقبل منهم جزية، أو يُعقد معهم صلح أو هدنة. ليس هناك إلا السيف، والسيف وحده. والموت والدمار الكامل هما نصيب هذه الشعوب المسكينة، ولا ذنب لها إلا أنها سكنت ما سمَّوه (أرض الميعاد) قبلهم.
    ويعلق شراح التوراة على هذه الفِقرة فيقولون: (كيف يمكن لإله رحيم أن يأمر بإهلاك كل المراكز الآهلة بالسكان؟ لقد فعل ذلك لحماية بني إسرائيل من عبادة الأوثان، التي كانت، ولا بد، ستجلب الخراب عليهم (20:18) وفي الحقيقة، لأن بني إسرائيل لم يقضوا تماما على هذه الشعوب الشريرة كما أمرهم الله، تعرضوا باستمرار لاضطهادهم، وإلى الكثير من سفك الدماء والتخريب، أكثر مما لو كانوا أطاعوا توجيهات الله قبل كل شيء)!! اهـ.
    وهكذا ترى هؤلاء الشراح برَّووا هذه الإبادة الكاملة لهذه الشعوب؛ بأمر الرب الإله! بل أظهروا الأسف على نجاة الشعوب التي لم يبدها سيف إسرائيل!
    فأين ما جاءت به التوراة هنا مما جاء به القرآن من أحكام؟
    إن البلاد القريبة -التي يطلق الشراح عليها (أرض الموعد)- (لا تُستبقى فيها نَسَمَة حية!) يعني: إبادة كاملة، الاستئصال لأهل هذه البلاد! فلا تستبعد ما صنعه الأوربيون النصارى حين نزلوا بأرض أمريكا الشمالية، من محاولة استئصال الهنود الحمر، أهل البلاد الأصليين!! ولا تستغرب ما صنعه البريطانيون وغيرهم حينما ذهبوا إلى (استراليا) واكتشفوها، وقضوا على سكانها الأصليين. وقد استخدم هؤلاء وأولئك في إبادة السكان الأصليين وسائل وأساليب لا تمت إلى الأخلاق، ولا إلى الإنسانية بصلة، ووصفها بـ(الوحشية) ظلم كبير للوحوش، لأن الوحوش لا تقتل من الحيوانات الأخرى إلا ما تحتاج إليه لأكلها. فإذا شبعت كفَّت. وهؤلاء لا يشبعون من قتل، ولا يرتوون من دماء، وإن سالت مدرارا.
    إن فكرة استئصال الأمم والشعوب والأخرى وإبادتها: (فكرة توراتية) أصيلة توارثها قراء التوراة من اليهود والنصارى. وهي فكرة مرفوضة تماما في الإسلام، ولقد رأينا القرآن الكريم كيف شدَّد النكير على فرعون في ظلمه لبني إسرائيل، لأنه أراد إبادتهم بطريق بطيء، حيث أمر بتذبيح أبناءهم واستحياء نسائهم. ومعنى تذبيح الذكور من المواليد وتقتيلهم: أن يباد الجنس بعد عقود من الزمان. قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)[القصص:4].
    وهي فكرة مرفوضة تماما في الإسلام، لا بالنسبة إلى (الأمم البشرية) فحسب، بل بالنسبة إلى (الأمم الحيوانية) أيضا. فلم يُجِز الإسلام إبادة نوع أو أمة من العجماوات لسبب من الأسباب، وقال في ذلك رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم، لأمرت بقتلها"[3]، أي بإبادتها وتخليص الناس من أذاها.
    ولكن صلى الله عليه وسلمنظر إلى الأمر نظرة أعمق، فرأى أن هذه الكلاب -بتعبير القرآن- (أمة) لها خصائصها وصفاتها التي ميزتها عن غيرها من الأجناس التي خلقها الله، وإنما خلقها لحكمة، علمها مَن علمها، وجهلها مَن جهلها. وقد قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ) [الأنعام:38].
    وبهذه النظرة المتسامية سبق الإسلام بنحو أربعة عشر قرنا: ما تنادت به البشرية اليوم من ضرورة الحفاظ على الأجناس الحية من الانقراض، وهو ما يسمونه (مبدأ نوح) عليه السلام[4].
    فانظر إلى هذا الأفق الرفيع الذي ارتقى الإسلام بالبشرية إليه، في المحافظة على أجناس الدواب والطيور وغيرها، واعتبارها (أمما أمثالنا) وقارن بينه وبين ذلك الحضيض الذي انحدر إليه الغربيون الذين رضعوا فكرة التوراة الاستئصالية مع لبان أمهاتهم. فاقترفوا من جرائم الإبادة ما يندى له جبين التاريخ.
    وقد رأينا بأعيننا ماذا فعلت العصابات اليهودية الصهيونية بأهل فلسطين، وشعب فلسطين؟ لقد قاموا بجملة مذابح بشرية رهيبة، من قتل النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين العزل، بلا هوادة ولا رحمة، ولا مراعاة لأي اعتبار إنساني، كما فعلوا في (دير ياسين) وغيرها، حتى بقروا بطون الحوامل، وأخرجوا الأجنة من أحشائها، وعبثوا بها بسنان أسلحتهم، وهم يتضاحكون! وقتلوا الابن أمام عين أبيه، وعين أمه الوالهة! وذبحوا الأب والأم أمام أعين أبنائهما وبناتهما، وبهذه الوحشية أدخلوا الرعب في قلوب الفلسطينيين، ففروا من ديارهم مذعورين، وتركوها لهؤلاء السفاحين الإرهابيين.
    لقد كان هؤلاء المجرمون السفاحون يطبقون شريعة التوراة التي لُقِّنوها: ألا تدعوا فيها نَسَمَة حية!!
    هذه هي شريعة التوراة بالنسبة لهذه الشعوب: دمِّروها عن بكرة أبيها! لا تُبقوا فيها نَسَمَة حية! هكذا أمر الرب الإله موسى وقومه وأتباعه: أن يفعلوا بهذه المدن وأهلها حين تقع في أيديهم، وقد أُمروا أمرا ملزما: أن يبدأوا بقتالهم وقتلهم. لا يدعونهم إلى دين يعتنقونه، أو يقبلون منهم جزية يدفعونها، فليس لهم خيار إلا السيف.
    فأين هذا مما جاء به القرآن من قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ)[البقرة:190،191].
    وأين هذا مما جاء به القرآن -حتى بعد ما سموه (آية السيف) من سورة التوبة- من قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ)[التوبة:6]؟
    وأين هذا من قوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)[الآية:62،61].
    إن من يقرأ ما جاء في نصوص الكتابين (التوراه والقرآن) عن السلام والحرب: لا يسعه إلا أن يقرأ قول البوصيري رحمه الله:
    الله أكبر! إن دين محمـــــد وكتابه: أقوى وأقوم قيـــــلا!

    لا تذكروا الكتب السوالف عنده طلع الصباح فأطفئ القنديــلا!
    فما قول البابا بنديكت فيما أرينا من نصوص التوراه: هل ينكرها؟ كيف وهو يؤمن بقول المسيح: ما جئت لأنقض الناموس (التوراة)؟

    وأين يجد البابا (العنف حقا)؟ أيجده في نصوص التوراة التي جاء بها موسى في زعمهم، أم يجده في نصوص القرآن؟

    نصوص مُعبِّرة من أسفار القوم:
    وأضيف إلى هذه الفقرات التي نقلناها من التوراة، فقرات أخرى من التوراة وملحقاتها من أسفار العهد القديم، نقلها العلامة الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه الشهير: (إظهار الحق):
    1. في الباب الثالث والعشرين من (سفر الخروج) هكذا: (23) وينطلق ملاكي أمامك، فيدخلونك على الأموريين والحيثانيين والفرزانيين والكنعانيين والحوايين واليابوسيين الذين أنا أخرجهم (24) لا تسجدن لآلهتهم ولا تعبدها، ولا تعمل كأعمالهم، ولكن خربهم تخريبا، واكسر أوثانهم).
    2. في الباب الرابع والثلاثين من (سفر الخروج) في حق الأمم الست هكذا: (12) فاحذر أن تعاهد مطلقا سكان تلك الأرض الذين تأتيهم لئلا يكونوا لك عثرة (13) ولكن اهدم مذابحهم، وكسر أصنامهم، واقطع أنساكهم).
    3. في الباب الثالث والثلاثين من (سفر العدد): (51) مر بني إسرائيل وقل لهم: إذا عبرتم الأردن وأنتم داخلون أرض كنعان (25) فأبيدوا كل سكان تلك الأرض، واسحقوا مساجدهم، واكسروا أصنامهم المنحوتة جميعها، واعقروا مذابحها كلها (55) ثم أنتم إن لم تبيدوا سكان الأرض، فالذين يبقون منهم، يكونون لكم كأوتاد في أعينكم، ورماح في أجنابكم، ويشقون عليكم في الأرض التي تسكنونها (56) وما كنت عزمت أني أفعل بهم سأفعله بكم).
    4. في الباب السابع من سفر التثنية هكذا: (1) إذا أدخلك الرب إلهك الأرض التي تدخل لترثها، وتبيد الشعوب الكثيرة من قدامك: الحيثي والجرحيثاني والأموراني والكنعاني والفرراني والحواني واليبوساني، سبعة أمم أكثر منكم عددا وأشد منكم (2) وسلمهم الرب إلهك بيدك، فاضربهم حتى إنك لا تبقي منهم بقية، فلا تواثقهم ميثاقا ولا ترحمهم (3) ولكن فافعلوا بهم هكذا: خربوا مذابحهم، وكسروا أصنامهم، وقطعوا مناسكهم، وأوقدوا أوثانهم).
    قال صاحب (إظهار الحق):
    فعلم من هذه العبارات أن الله أمر بإهلاك كل ذي حياة من الأمم السبع، وعدم الشفقة عليهم، وعدم المعاهدة معهم، وتخريب مذابحهم، وكسر أصنامهم، وإحراق أوثانهم، وقطع مناسكهم، وشدَّد في إهلاكهم تشديدا بليغا، وقال: إن لم تهلكوهم أفعل بكم ما كنت عزمت أن أفعله بهم! ووقع في حق هذه الأمم السبعة (أنهم أكثر منكم عددا وأشد منكم). وقد ثبت في الباب الأول من (سفر العدد): أن عدد بني إسرائيل الذي كانوا صالحين لمباشرة الحروب، وكانوا أبناء عشرين سنة وما فوقها، كان: ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين رجلا (603550)[5]، وأن اللاويين مطلقا ذكورا كانوا أو إناثا، وكذا إناث سائر الأسباط الإحدى عشر مطلقا، وكذا ذكورهم الذين لم يبلغوا العشرين سنة خارجون عن هذا العدد، ولو أخذنا عدد جميع بني إسرائيل، وضممنا المتروكين والمتروكات كلهم بالمعدودين، لا يكون الكل أقل من ألفي ألف وخمسمائة ألف، أعني مليونين ونصف مليون (2500000)، وهذه الأمم السبعة إذا كانت أكثر منهم عددا وأشد منهم، فلا بد أن يكون عدد هذه الأمم أكثر من عددهم.
    ونقل العلامة الشيخ رحمة الله من التوراة والعهد القديم من المذابح البشرية التي ارتكبها أنبياء بني إسرائيل تطبيقا لأحكام التوراة: ما تقشعر منه الأبدان، وتشيب له الولدان. ننقل بعضه هنا للموازنة والاعتبار.
    5. في الباب الثاني والثلاثين من سفر الخروج في حال عبادة العجل هكذا: (25) فنظر موسى عليه السلام العشب أنه صار عريانا إنما عراه هارون لعار النجاسة، وجعله عريانا بين الأعداء (26) فوقف في باب المحلة، وقال: من كان من حزب الرب فليقبل إليَّ، فاجتمع إليه جميع بني لاوي (27) وقال لهم: هذا ما يقول الرب إله إسرائيل: ليتقلد كل رجل منكم سيفه، فجوزوا في وسط المحلة من باب إلى باب، وارتدوا وليقتل الرجل منكم أخاه، وصاحبه، وقريبه (28) فصنع بنو لاوي كما أمرهم موسى عليه السلام، فقتلوا في ذلك اليوم من الشعب نحو ثلاثة وعشرين ألف رجل). فقتل موسى عليه السلام على عبادة العجل ثلاثة وعشرين ألفا.
    6. وفي الباب الخامس والعشرين من سفر العدد، أن بني إسرائيل لما زنوا ببنات المؤاب، وسجدوا لآلهتهن، أمر الرب بقتلهم. فقتل موسى أربعة وعشرين ألفا منهم.
    7. من طالع الباب الحادي والثلاثين من سفر العدد، ظهر له أن موسى عليه السلام لما أرسل اثني عشر ألف رجل مع فنيحاس بن العازار لمحاربة أهل مديان، فحاربوا وانتصروا عليهم، وقتلوا كل ذكر منهم، وخمسة ملوكهم وبلعام، وسبوا نساءهم، وأولادهم، ومواشيهم كلها، وأحرقوا القرى والدساكر والمدائن بالنار، فلما رجعوا غضب عليهم موسى عليه السلام، وقال: لم استحييتم النساء؟ ثم أمر بقتل كل طفل مذكر، وكل امرأة ثيِّب، وإبقاء الأبكار، ففعلوا كما أمر، وكانت الغنيمة من الغنم: ستمائة وخمسة وسبعين ألفا، ومن البقر: اثنين وسبعين ألفا، ومن الحمير: واحدا وستين ألفا، ومن الأبكار: اثنتين وثلاثين ألفا، وكان لكل مجاهد ما نهب من غير الدواب، والإنسان، وما بين مقداره في هذا الباب. غير أن رؤساء الألوف والمئين، أعطوا الذهب لموسى والعازار: ستة عشر ألفا وسبعمائة وخمسين مثقالا. وإذا كان عدد النساء الأبكار اثنتين وثلاثين ألفا، فكم يكون مقدار المقتولين من الذكور مطلقا، شيوخا كانوا أو شبانا أو صبيانا، ومن النساء الثيبات؟!
    8. عمل يوشع عليه السلام بعد موت موسى عليه السلام بالأحكام المندرجة في التوراة، فقتل (الملايين) الكثيرة، ومن شاء فليطالع هذا في كتابه من الباب الأول إلى الباب الحادي عشر، وقد صرَّح في الباب الثاني عشر من كتابه: أنه قتل واحدا وثلاثين سلطانا من سلاطين الكفار، وتسلط بنو إسرائيل على ممالكهم.
    9. في الباب الخامس عشر من سفر القضاة في حال شمشون هكذا: (ووجد فكًّا، أعني: خد حمار، فمد يده وأخذه، وقتل به ألف رجل)!
    10. في الباب السابع والعشرين من سفر صموئيل الأول: (8) وصعد داود ورجاله، وكانوا ينهبون أهل جاسور وجرز وعمالق، لأن هؤلاء كانوا سكان الأرض من الدهر من حد سورا حتى حد مصر (9) وكان يخرب داود كل الأرض، ولم يكن يُبقي منهم رجلا، ولا امرأة، ويأخذ الغنم، والبقر، والحمير، والجمال والأمتعة، وكان يرجع ويأتي إلى أخيس). انظروا إلى فعل داود عليه السلام: إنه كان يخرب الأرض، وما يُبقي رجلا، ولا امرأة من أهل جاسور، وجرز وعمالق، وينهب دوابهم وأمتعتهم!
    11. في الباب الثامن من سفر صموئيل الثاني: (2) وضرب المؤابيين وجرهم بالحبال، وأضجعهم على الأرض، وأعد حبلين للقتل، وحبلا واحدا للاستحياء، وكان المؤابيون عبيدا لداود يؤدون إليه الخراج (3) وضرب داود أيضا هدر عازار بن راحوب ملك صوبا ... إلخ (5) فأتت أرام دمشق، ليعينوا هدر عازار ملك صوبا، وضرب (أي بالسيف) داود من أرام اثنين وعشرين ألف رجل). فانظروا إلى فعل داود عليه السلام بالمؤابيين، وهدر عازار، وجيشه وجيش أرام.
    12. الآية الثامنة عشر من الباب العاشر من سفر صموئيل الثاني هكذا: (وهرب السريانيون من بين يدي إسرائيل، وقتل داود من السريانيين سبعمائة مربك، وأربعين ألف فارس، وسوباك رئيس الجيش ضربه فمات في ذلك المكان).
    13. وفي الباب الثاني عشر من سفر صموئيل الثاني هكذا: (19) فجمع داود جميع الشعب، وسار إلى راية فحارب أهلها، وفتحها (30) وأخذ تاج ملكها عن رأسه، وكان وزنه قنطارا من الذهب، وكان فيه جواهر مرتفعة، ووضعوه على داود، وغنيمة القرية أخرجها كثيرة جدا (31) والشعب الذي كانوا فيها أخذهم ونشرهم بالمناشير، وداسهم بموارج حديد، وقطعهم بالسكاكين، وأجازهم بقمين الأجاجر، كذلك صنع بجميع قرى بني عمون، ورجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم). ونقلت هذه العبارة لفظا لفظا، عن الترجمة العربية المطبوعة سنة 1831م، وسنة 1844م. فانظروا كيف قتل داود عليه السلام بني عمون قتلا شنيعا، وأهلك جميع القرى بمثل هذا العذاب العظيم الذي لا يتصور فوقه[6] انتهى.
    هذا بعض ما نقله العلامة الشيخ رحمة الله في كتابه (إظهار الحق) من كتب القوم المقدسة، بنصوصه وحروفه، على ما فيها من ركاكة، وهو غيض من فيض، وقليل من كثير. وكل نص منها ينضح بالقسوة البالغة، والوحشية القاسية، التي لا تعرف الرحمة إليها سبيلا، بل إن الوحوش لا تقتل إلا ما تحتاج إليه لأكلها، أما تذبيح الألوف، وعشرات الألوف، بل مئات الألوف من البشر، بهذه الاستهانة والسهولة، كأنما تبيد صراصير، أو نملا، لا لسبب ولا لجرم إلا لأنهم مخالفون في الدين، أو لأنهم سكان أرض معينة، وأن يتم ذلك من رسل وأنبياء لهم مقام عند الله، مثل موسى ويوشع وداود وغيرهم، فهذا هو الذي يذر الحليم حيران[7]!
    ولا غرو أن تؤثر هذه القصص الإسرائيلية، والأخبار الدينية، المنقولة من أسفار التوراة، وملحقات التوراة، من أسفار الأنبياء، في نفوس قراء هذه النصوص المقدسة عندهم من اليهود والنصارى على السواء، وأن تنشئ فيهم تلك (النفسية المتوحشة) التي لا ترحم ولا ترق لضعيف ولا مسكين، وتستحل قتل النساء والولدان والشيوخ، الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلا، ولا عجب أن وصف القرآن بني إسرائيل بهذا الوصف المعبر، فقال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [البقرة:74].
    وفي مقام آخر قال تعالى عن بني إسرائيل بعد أن أخذ عليهم الميثاق أن يعملوا الصالحات، حتى يستحقوا مثوبة الله سبحانه وتعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) [المائدة:13].

    [1]- في إنجيل متى: الإصحاح (5): (لا تظنوا أني جئت لألغي الشريعة أو الأنبياء، ما جئت لألغي، بل لأكّمل) الفقرة (17)، وانظر: إنجيل مرقص: 9/50، لوقا: 14/35،34.
    [2]- انظر: الكتاب المقدس (التوراة ) سفر التثنية: الأصحاح العشرين: 10-18 صـ392،393.
    [3]- رواه أحمد في المسند (16788)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأبو داود في الصيد (2845)، والترمذي في الأحكام والفوائد (1486)، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الصيد والذبائح (4280)، وابن ماجة في الصيد (3205)، عن عبد الله بن مُغَفَّل، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5321).
    [4]- انظر: كتابنا (رعاية البيئة في شريعة الإسلام) فصل: المحافظة على الموارد صـ91-95 .
    [5]- ناقش العلامة ابن خلدون في مقدمته هذه الأرقام، التي ذكرتها التوراة عن أعداد بني إسرائيل، وبين بالمنطق التاريخي: أنها غير صحيحة على الإطلاق، وأنها لا تتفق مع المدة الزمنية التي قضاها بنو إسرائيل في مصر، وما أصابهم فيها من تذبيح وتقتيل. وهو تحقيق في غاية الصواب. وقد سبقه إلى شيء من ذلك: الإمام ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) (1/261-263) فصل: تخبط كتب اليهود في عدوهم حين خروجهم من مصر. طبعة عكاظ للنشر والتوزيع، ولكن العلامة رحمة الله في (إظهار الحق) يؤاخذهم بما سجلوه في كتبهم المقدسة على أنفسهم.
    [6]- انظر: كتاب إظهار الحق (2/496-504) طبعة إحياء التراث الإسلامي في قطر.
    [7]- وإن كنا نحن المسلمين -بحكم تعظيمنا لرسل الله وأنبيائه- نبرئهم من هذه التهم الشنيعة، والجرائم الفظيعة، ونعتقد أن هذه الفظائع المروِّعة مما أضيف إلى التوراة وملحقاتها، أو على الأقل بولغ فيها.




    منقول
    من كتاب نحن والغرب

    يُتبع
    التعديل الأخير تم بواسطة الشهاب الثاقب. ; 14-01-2014 الساعة 11:44 PM
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    هل الله يُعذب نفسه لنفسههل الله يفتدى بنفسه لنفسههل الله هو الوالد وفى نفس الوقت المولوديعنى ولد نفسه سُبحان الله تعالى عما يقولون ويصفون

    راجع الموضوع التالي


  4. #4
    الصورة الرمزية الشهاب الثاقب.
    الشهاب الثاقب. غير متواجد حالياً حَسبُنا اللهُ ونعم الوكيل
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    المشاركات
    1,150
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    02-12-2016
    على الساعة
    07:14 PM

    افتراضي أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف

    بسم الله الرحمن الرحيم
    و به نستعين





    أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف
    أشاع البابا بنديكت السادس عشر: أن الإسلام لم ينتشر في العالم إلا بحد السيف، وإخضاع الناس لعقيدته بالقوة العسكرية، ولولا هذا ما انفتحت له القلوب، ولا اقتنعت به العقول، ولكنها أكرهت عليه إكراها تحت بريق السيوف، فخيَّرهم بين الإسلام والقتل، فإما أن يسلم وإما أن يطير عنقه!
    وهذه فرية تكذبها تعاليم الإسلام القطعية، وتكذبها وقائعه التاريخيه، ويكذبها المنصفون من المؤرخين المستشرقين أنفسهم.
    فأما تعاليم الإسلام فهي تنفي الإكراه في الدين نفيا مطلقا عاما، بقوله تعالى في القرآن المدني: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)[البقرة:256].
    وهو يؤكد ما جاء في القرآن المكي من قوله تعالى بصيغة الاستفهام الإنكاري: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)[يونس:99]، وقوله تعالى على لسان نوح: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)[هود:28].
    وأما دعوى تخيير الناس بين الإسلام والسيف، فهي كذبة أخرى: فالثابت بالنصوص الشرعية، والوقائع التاريخية: أن المسلمين كانوا يخيرون مَن يقاتلونهم -إذا كتب عليهم القتال- بين أمور ثلاثة: الإسلام أو دفع الجزية أو القتال. والجزية مبلغ زهيد يطلب من الرجال القادرين على القتال، ولا يؤخذ من امرأة، ولا صبي، ولا زَمِن، ولا أعمى، ولا فقير، ولا راهب في صومعته، وتتفاوت بتفاوت قدرات الناس، فكل على قدر طاقته، وطلب مثل هذا المبلغ -في مقابلة حمايته وكفالته والدفاع عنه- ليس شيئا باهظا يكره صاحبه على ترك دينه والدخول في الإسلام.
    كما تقول وقائع التاريخ أيضا: إن المسلمين حينما فتحوا البلاد، لم يتدخلوا قط في شؤون دينها، ولم يُرغموا أحدا قط على تغيير عقيدته، ولم يثبت التاريخ واقعة واحدة أكره فيها فرد غير مسلم، أو أسرة غير مسلمة، أو بلدة غير مسلمة، أو شعب غير مسلم، على الدخول في الإسلام.
    كما أثبت التاريخ أن كثيرا من البلاد الإسلامية التي نعرفها اليوم: لم يدخلها جيش مسلم، ولكنها دخلت في الإسلام بتأثير التجار وغيرهم من الناس الذين لم يكونوا علماء ولا دعاة محترفين، وإنما أحبهم الناس لما رأوا فيهم من صدق الإيمان، وحسن الخلق، وحب الخير للناس، فكانوا أسوة حسنة، فأحب الناس دينهم بحبهم، ودخلوا فيه أفرادا وجماعات. هكذا دخل الإسلام في ماليزيا وإندونيسيا والفلبين وغيرها: بوساطة تجار حضرموت وأمثالهم ممَّن جاءوا من جنوب اليمن، ضاربين في الأرض، مبتغين من فضل الله.
    وهناك بلاد كثيرة في إفريقيا انتشر فيها الإسلام عن طريق الطرق الصوفية، وعن طريق الاحتكاك بالمسلمين، والتأثر بسلوكياتهم وآدابهم وأفكارهم.
    وحتى البلاد التي دخلتها الجيوش: كان وجودها محصورا في العواصم والثغور، لا في كل المدن والقرى.
    لم تدخل الجيوش الإسلامية التي فتحت الهند الكبرى، إلا في دائرة محدودة، ولكن انتشار الإسلام في القارة الهندية، كان أبعد وأوسع بكثير مما دخلته الجيوش، وامتدت دعوته شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا، حتى كان من تأثيرها: وجود دولتين إسلاميتين كبيرتين هما: باكستان وبنجلاديش، ووجود أكبر تجمع إسلامي للمسلمين في الهند بعد إندونيسيا، برغم شكوى كثير من العلماء والناقدين من تقصير المسلمين خلال حكمهم الطويل للهند، من توصيل الدعوة للهندوس، ولا سيما دعوة طائفة (المنبوذين) للإسلام دين الأخوة والعدالة والمساواة.
    السيف لا يفتح قلبا:
    ولقد اتخذ المبشرون والمستشرقون من الفتوح الإسلامية: دليلا على أن الإسلام إنما انتشر بهذه القوة والسرعة، نتيجة لأنه قهر الناس بالسيف، فدخل الناس تحت بريقه مذعنين طائعين.
    ونقول لأصحاب دعوى انتشار الإسلام بالسيف: إن السيف يمكنه أن يفتح أرضا، ويحتل بلدا، ولكن لا يمكنه أن يفتح قلبا. ففتح القلوب وإزالة أقفالها: تحتاج إلى عمل آخر، من إقناع العقل، واستمالة العواطف، والتأثير النفسي في الإنسان.
    بل أستطيع أن أقول: إن السيف المسلط على رقبة الإنسان، كثيرا ما يكون عقبة تحول بينه وبين قبول دعوة صاحب السيف. فالإنسان مجبول على النفور ممَّن يقهره ويُذلُّه.
    ومَن ينظر بعمق في تاريخ الإسلام ودعوته وانتشاره: يجد أن البلاد التي فتحها المسلمون، لم ينتشر فيها الإسلام إلا بعد مدة من الزمن، حين زالت الحواجز بين الناس والدعوة، واستمعوا إلى المسلمين في جو هادئ مسالم، بعيدا عن صليل السيوف، وقعقعة الرماح، ورأوا من أخلاق المسلمين في تعاملهم مع ربهم، وتعاملهم مع أنفسهم، وتعاملهم مع غيرهم: ما يحببهم إلى الناس، ويقربهم من دينهم، الذي رباهم على هذه المكارم والفضائل.
    وانظر إلى بلد كمصر، وقد فُتحت في عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب، ولكن ظلَّ الناس على دينهم النصراني عشرات السنين، لا يدخل فيه إلا الواحد بعد الواحد. حتى إن الرجل القبطي الذي أنصفه عمر، واقتص لابنه من ابن والي مصر: عمرو بن العاص، لم يدخل في الإسلام، رغم أنه شاهد من عدالته ما يُبهر الأبصار.
    وقد فنَّد الكاتب الكبير الأستاذ عباس العقاد هذه التهمة الباطلة في أكثر من كتاب له، ومما قاله:
    (شاع عن الإسلام أنه دين السيف، وهو قول يصح في هذا الدين إذا أراد قائله: أنه دين يفرض الجهاد ومنه الجهاد بالسلاح، ولكنه غلط بيِّن إذا أريد به أن الإسلام قد انتشر بحد السيف، أو أنه يضع القتال في موضع الإقناع.
    وقد فطِن لسخف هذا الادعاء كاتب غربي كبير، هو (توماس كارْلَيل) صاحب كتاب (الأبطال وعبادة البطولة) فإنه اتخد محمدا صلى الله عليه وسلم مثلا لبطولة النبوة، وقال ما معناه:
    (إن اتهامه بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم. إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا لدعوته! فإذا آمن به مَن يقدرون على حرب خصومه، فقد آمنوا به طائعين مصدِّقين، وتعرضوا للحرب من أعدائهم قبل أن يقدروا عليها).
    قال العقاد:
    (والواقع الثابت في أخبار الدعوة الإسلامية: أن المسلمين كانوا هم ضحايا القسر والتعذيب، قبل أن يقدروا على دفع الأذى من مشركي قريش في مكة المكرمة، فهجروا ديارهم، وتغربوا مع أهليهم، حتى بلغوا إلى الحبشة في هجرتهم، فهل يأمنون على أنفسهم في مدينة عربية قبل التجائهم إلى (يثرب) وإقامتهم في جوار أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، مع ما بين المدينتين (يعني: مكة ويثرب) من التنافس الذي فتح للمسلمين بينهما ثغرة للأمان؟ ولم يكن أهل يثرب ليرحبوا بمقدمهم لولا ما بين القبيلتين الكبيرتين فيها (قبيلتي الأوس والخزرج) من نزاع على الإمارة فتح بينهما كذلك ثغرة أخرى يأوي إليها المسلمون بعد أن ضاق بهم جوار الكعبة، وهو الجوار الذي لم يضق من قبل بكل لائذيه في عهد الجاهلية.
    ولم يعمد المسلمون قط إلى القوة إلا لمحاربة القوة التي تصدُّهم عن الاقتناع، فإذا رصدت لهم الدولة القوية جنودها حاربوها؛ لأن القوة لا تحارب بالحجة والبينة، وإذا كفوا عنهم لم يتعرضوا لها بسوء.
    وقد بيَّن الأستاذ العقاد أن المسلمين سالموا الحبشة ولم يحاربوها، وإنما حاربوا الفرس، وحاربوا الروم؛ لأنهم هم الذين بدأوا بالعدوان على المسلمين.
    قال: ولم يفاتح النبي صلى الله عليه وسلمأحدا بالعداء في بلاد الدولتين. وإنما كتب إلى الملوك والأمراء يبلغهم دعوته بالحسنى، ولم تقع الحرب بعد هذا البلاغ بين المسلمين وجنود الفرس والروم، إلا بعد تحريضهم القبائل العربية في العراق والشام على غزو الحجاز، وإعدادهم العدة لقتال المسلمين. وقد علم المسلمون بإصرارهم على اغتنام الفرصة العاجلة لمباغتتهم بالحرب من أطراف الجزيرة، ولولا اشتغال كسرى وهرقل بالفتن الداخلية في بلادهما لبوغت المسلمون بتلك الحرب قبل أن يتأهبوا لمدافعتها والتحصن دونها)[1] اهـ.

    [1]انظر: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه صـ220،219.



    منقول
    من كتاب نحن والغرب

    يُتبع
    التعديل الأخير تم بواسطة الشهاب الثاقب. ; 23-01-2014 الساعة 10:38 PM
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    هل الله يُعذب نفسه لنفسههل الله يفتدى بنفسه لنفسههل الله هو الوالد وفى نفس الوقت المولوديعنى ولد نفسه سُبحان الله تعالى عما يقولون ويصفون

    راجع الموضوع التالي


  5. #5
    الصورة الرمزية الشهاب الثاقب.
    الشهاب الثاقب. غير متواجد حالياً حَسبُنا اللهُ ونعم الوكيل
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    المشاركات
    1,150
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    02-12-2016
    على الساعة
    07:14 PM

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    و به نستعين



    قدرة الإسلام على الانتشار السلمي

    ومن مآثر تاريخنا: أنه سجَّل لديننا قدرته على الانتشار السريع، ودخول الأمم فيه أفواجا، بأدنى دعوة إليه، وإن لم يَقُم بهذه الدعوة أناس محترفون متخصصون في التبشير به، متفرغون له.

    وسر ذلك: أن هذا الدين -بعقائده وعباداته وأخلاقياته وتشريعاته- تتوافر فيه: موافقة الفطرة، وملاءمة العقل، وتزكية النفس، وسمو الروح، وصحة الجسم، وتماسك الأسرة، وترابط المجتمع، وتحقيق العدل، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وإشاعة الخيرات، ومكافحة الشرور بقدر الإمكان.
    وأبرز ما في هذا الدين سهولة عقائده التي ليس فيها غموض ولا التواء ولا تناقض، تقبلها الفطرة السليمة، ويسلم لها العقل المستقيم.
    فلا غرو أن انتشر دين الإسلام انتشار أضواء الصباح، فملأ الآفاق، ومحا الظلام، واستنارت به الأبصار والبصائر، ورحب الناس به في عامة الأقطار.
    لم يكن (السيف) هو الذي أدخل الناس في الإسلام، كما زعم بعض خصوم الإسلام، فإن السيف قد يفتح أرضا للاحتلال، ولكنه لا يفتح قلبا للهداية.
    بل إن الإنسان -بطبعه- يأبى أن يدخل في دين مَن يقهره عليه بالسيف.
    على أن الإسلام ذاته ينكر إكراه الناس على الإيمان، ففي القرآن المكي يخاطب الله رسوله فيقول: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس:99].
    وفي القرآن المدني يقول: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)[البقرة:256].
    بل إن القرآن لا يعتدُّ بإيمان مَن لم يؤمن عن طواعية واختيار حر، لا تشوبه أي شائبة من ضغط أو إكراه، ولهذا لم يقبل إيمان فرعون ساعة الغرق، (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس:90]، فكان الجواب الإلهي عليه: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس:91].
    وقال عن قوم مكذبين نزل عليهم عذاب الله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) [غافر:84،85].
    الحق أن سهولة تعاليم الإسلام، وسمو أخلاق المسلمين: هما اللذان مهدا السبيل لدخول الأمم في الإسلام، وليس السيف، كما تقوَّل المتقولون.
    انتشار الإسلام بفضائله وقوته الذاتية:
    ولقد ألَّف المؤرخ المعروف الدكتور حسين مؤنس كتابا أسماه (الإسلام الفاتح)، وقال عنه: أنه دراسة في تاريخ البلاد التي فتحها الإسلام بفضائله وقوته الذاتية، دون أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب . وقد تتبَّع انتشار الإسلام في هذه البلاد، وبيَّن كيف دخل الإسلام إليه، بما يقطع كل شك، ويردُّ على كل تخرُّص بأن المسلمين استخدموا القوة في نشر دينهم . يقول د. مؤنس رحمه الله:
    (لم يسبق فيما مضى أن كانت للمسلمين سياسة موضوعة لنشر الإسلام، يقوم عليها رجال متخصصون يجرون في أعمالهم على مناهج مقررة، كما هي الحال في النصرانية مثلا، حيث نجد البابوية الكاثوليكية، وما تبعها من منظمات كهنوتية كالفرنشسكية والدومينيكية والجزويت، وكذلك يما تنظمه الهيئات البروتستانتية من حملات تبشير، تعد رجالها في معاهد متخصصة، وتنفق عليها المال الوفير، ثم ترسلهم إلى البلاد البعيدة لدعوة الناس إلى أديانها بأساليب علمية مدروسة، لإقناع من يصادفونه من الناس بصدق ما يدعون إليه، وإدخالهم في العقيدة، ويبلغ الأمر أن يطلّق أولئك الدعاة الدنيا، ليخلصوا للدعوة خلوصا تاما، كما نعرفه في جماعات الرهبان المسيحية والبوذية أحيانا.
    في الإسلام لا نجد شيئا من هذا إلا في عصرنا اليوم، عندما تزايدت تيارات التبشير غير الإسلامية، ولم يعد هناك مناص من أن يُعنَى المسلمون بالدعوة وتنظيمها، وإعداد الرجال القادرين عليها، فيما عدا ذلك كان الإسلام هو الذي نشر نفسه بنفسه: هو الذي دعا لنفسه واجتذب قلوب الناس؛ فاسلموا حبا في الإسلام وإعجابا به والتماسا لرحمة الله وهداه.
    وإنه لمما يستوقف النظر أن قوة الإسلام الذاتية قد غلبت تنظيمات الدعاة، وأثبتت أنها أفعل وأبعد أثرا من المال الذي أنفقه الآخرون على دعاواهم، فانتشر واتسع مداه، ودخلت فيه الأمم بعد الأمم، من تلقاء نفسها بمجرد وصول الدعوة إليها. ولقد كان العرب يفتحون البلد من البلاد، ويعرضون الإسلام على أهله، ثم يدعونهم وشانهم ؛ حتى يقتنعوا بفضائله الإنسانية في تمهل ، حتى لقد ذهب بعض الشانئين للعرب إلى أنهم لم يكونوا يهتمون بنشر دينهم ، وأن الجزية كانت أحب إليهم من الإسلام ، وما إلى ذلك مما نجده مسطورا في كتب أعداء الملة.
    وما كان ذلك عن عدم حرص من العرب على نشر الإسلام ، وإنما كان سيرا على أسلوب الدعوة في عهدها الأول: أسلوب عرض الدين على الناس ، وتركهم بعد ذلك أحرارا إلى أن يهدي الله منهم من يشاء.
    ومن غريب ما حدث في بلاد مصر والأندلس: أن كان مسلك العرب هذا أدعى إلى دخول الناس في الإسلام، لأنهم تعودوا ممن يتغلب على بلادهم: أن يكون شديد الحرص على إدخالهم في دينه، فما بال أولئك العرب لا يلحون على الناس في الدخول في الإسلام، ولا يستخدمون القوة في ذلك، كما كان رجال دولتي الرومان والروم يفعلون؟.
    قال يولوج الراهب القرطبي المبغض للإسلام: " فكان من مكر العرب أن تظاهروا بأنهم لا يهتمون بدخول الناس في الإسلام ، فتطلعت نفوس الناس إلى ذلك الإسلام يتعرفون عليه، لعلهم يعرفون السبب في اختصاص العرب أنفسهم به، وضنهم به على غيرهم، فما زالوا يفعلون ذلك ، ويسألون عن الإسلام ويستفسرون، حتى وجدوا أنفسهم مسلمين دون أن يدروا".
    ولقد قال الراهب القبطي يوحنا النقبوس شيئا من ذلك، وكان متأسفا: لأن العرب لم يلجئوا إلى القوة في فرض الإسلام ، إذ لو أنهم فعلوا ذلك لزاد تمسك الأقباط بعقيدتهم على مذهب العناد وإباء كل ما يفرض بالقوة ، ولما وجد الإسلام هذا الطريق السهل الميسر إلى القلوب في مصر والأندلس.
    وإنك لتحاول أن تدرس كيف أسلم أقباط مصر ، وكانوا من أشد الناس استمساكا بعقيدتهم، حتى لقد استشهدت في سبيلها منهم جماعات بعد جماعات، على أيدي عتاة الرومان من أمثال دقلديانوس، وطغاة الروم من أمثال قيرس، فلا تجد لتساؤلك جوابا؛ لأن التحول إلى الإسلام في هذين البلدين –مصر والأندلس- تم في هدوء وسكون: انسابت العقيدة في قلوب الناس ، كما ينساب الماء في أرض الزرع، فتخضر وتزهر وتثمر بإذن ربها.
    وفي بلاد المغرب أسلمت قبائل البربر مبهورة بما رأت من روعة إيمان عقبة بن نافع وأصحابه، فهذا الرجل الفريد في بابه ، الذي وهب نفسه للإسلام، كان يلقى رئيس القبيلة ، ويحدثه ، ثم يدعوه إلى الإسلام؛ فيسارع إلى الإيمان ليكون من قوم عقبة، ثم يتبعه بعد ذلك قومه.
    إن مداخل الإسلام إلى القلوب ، هي سماحته وبساطته وإنسانيته. إنه يقدم للمؤمن به الاطمئنان وهدوء البال، ويفتح له إلى الله سبحانه بابا واسعا للمغفرة والأمل وثواب الآخرة ، وكل ذلك دون مقابل. في أديان أخرى تفرض عليه أموال وهدايا وقرابين ، ويلزم بطاعة رهبان وقساوسة ، ويراقب ويعاقب ويحرم من نعمة الله بقرار.. لا شيء من هذا في الإسلام، من هنا كان مدخله إلى النفوس سهلا ذلولا.
    أما مسالك الإسلام، فهي ضروب الأرض جميعا: لقد انتشر الإسلام بالبر والبحر ، بالحرب والسلم، لقد اخترق الجبال والشعاب، وأوجد لنفسه طرقا ومسالك لا تخطر على بال أحد. لقد اشترك في نقل الإسلام حتى الكفار، ومن بين المستشرقين رجل -سنتحدث عنه – نصح حكومته بترك الإسلام ينتشر، حتى يشتغل به الناس ، ويتركوا التجارة والأموال للهولنديين، وأخذت الدولة بكلامه.
    وانساح الإسلام في إندونيسيا حتى عمها كلها. وحدث أن دخلت الإسلام قبيلة من قبائل الونقارة في غرب أفريقية على سبيل العناد مع جارتها ، فلما دخلت فيه سعدت وارتقت وسادت وتبعتها خصمتها الأولى… بفضل هذه العداوة –التي أصبحت صداقة- اخترق الإسلام مائتي كيلومتر من الغابات الاستوائية التي لا يخترقها أحد إلا بمشقة، وهذه القبيلة –وتسمى الونقارا آيا- تعتبر في مقدمة قبائل داهومي، منها اليوم أطباء ومهندسون ومدرسون وقضاة. لقد دخلت الإسلام دون أن تدري أي حظ كتبه الله لها عن طريق هذا الدين.
    الإسلام دين طيار:
    والخلاصة أن داعية الإسلام الأكبر هو الإسلام نفسه، فقد تضمنت عقيدته وشريعته من الفضائل ما يجعل الناس يحرصون أشد الحرص على أن يدخلوا فيها، ثم إن الإسلام يعطي الداخل فيه كل شيء ولا ينتقصه شيئا، فإن الإنسان يكسب الصلة المباشرة بالله سبحانه ونتعالى، ويجد الطريق إليه فيقف بين يديه خمس مرات في اليوم، ويدعوه دون حجاب، ويكسب الأمل في حياة أسعد وأرغد في هذه الحياة الدنيا، ثم حياة الخلود في دار البقاء، ولا يكلفه ذلك إلا النطق بالشهادتين، واتباع شريعة الإسلام، وكلها خير ومساواة وعدل، في حين يتقاضاه رجال الدين في الأديان الأخرى-كما قلنا- الإتاوات في كل مناسبة، فهو يؤدي مالا إذا تزوج ، ويؤدي مالا كلما أنجب ولدا، ويؤدي مالا ليعمِّد الطفل الوليد، ثم مالا آخر ليثبته في الجماعة المسيحية إذا ضرب في مداخل الشباب، بل يؤدي مالا إذا مات له ميت لكي تصلى عليه صلاة الجنازة، وبالإضافة إلى ذلك يظل عمره كله تابعا لرجل الدين في كل ما يتصل بالله سبحانه، فإذا أراد الصلاة صلى عنه القس، ووقف هو يسمع ولا يملك إلا أن يقول: آمين، ولكن المسلمين وحدهم من دون أهل الأديان هم الذين يقوم كل واحد منهم بصلاته بنفسه، حتى لو كانت صلاة الجماعة، وفي غير الإسلام يصلى القس مع مساعديه نيابة عن الناس.
    والحق أن أصدق وصف يطلق على الإسلام في هذا المقام، أنه( دين طيار) ينتقل من إنسان إلى إنسان ومن أمة لأمة في سهولة ويسر ، كأن له أجنحة قدسية تحمله وتجري به مجرى الريح! وإنك لتنظر إلى خريطة الأرض، وتتأمل مدى انتشار الإسلام ، فتتعجب من سعته، ويزداد عجبك عندما تتبين أن ثلث هذه المساحة فحسب هي المساحة التي فتحتها الدول وأدخلت الجيوش فيها الإسلام. أما الباقية فقد دخلها الإسلام ، وملأ قلوب أهلها دون جيش منظم ، أو سياسة مرسومة لذلك!!، إنما هو الإسلام نفسه ، جعله الله خفيفا على القلوب، قريبا إلى النفوس ، ما تكاد كلمة الحق تصافح أذن الرجل حتى يصل الإيمان إلى قلبه، فإذا استقر في قلبه لم يكن هناك قط سبيل إلى إخراجه منه، فهو الريء الذي تظمأ إليه النفوس وتستقي منه، وهو الأمل الذي يخفف على الإنسان وطأة المسير في هذه الدنيا، ويهون عليه الموت، فالموت ليس آخر رحلة الإنسان مع الحياة بل هو المدخل إلى الحياة فحسب، وبعد هذه الحياة حياة هي أسعد وأبقى لمن صدق إيمانه واتقى.
    ولعل أكبر أسباب خفة الإسلام على القلوب هو: وضوحه وصدقه، فإنك إذ تؤمن بالإسلام لا تؤمن بأسرار أو أمور لا يقبلها عقلك، كما ترى في الأديان الأخرى، حتى الغيب الذي تؤمن به في الإسلام حقيقة ، فإن الإنسان لا يرى الله بالعين المبصرة، وإنما يحس به في نفسه، وفي كل ما حوله بالبصيرة المنيرة، والحقيقة الكبرى في هذا الكون هي خالقه، فهو الحق ولا حق غيره، وأنت لا تؤمن بالله ؛ لأن داعيك إليه يأتي بمعجزات أو خوارق، وإنما هو يلفت نظرك إلى عجائب الخلق، وكلُّ ما فيه معجز وخارق، وأنت تراه رأي العين في شخصك الذي يعيش ويتحرك ويفهم، لا تدري كيف ، فإذا لم تؤمن بالله فكيف فكيف تعلل حياتك، وحركة حسدك ، ونبض قلبك ؟ فإذا آمنت بالله لم يكن لك مفر من أن تؤمن بنبيه الذي حمل إليك رسالته ، فالله سبحانه حق، ونبيه صدق، وكل ما يعدك به القرآن حق وصدق، ولست تحتاج إلى من يشرح لك حقيقة الإسلام حتى في نفسك، وغاية ما تحتاج إليه من يذكرك بها ، وهذا معنى من معاني تسمية الله سبحانه للقرآن بالذكر والذكر الحكيم[1] . أ.هـ .
    شهادة غوستان لوبون:
    هذه شهادة مؤرخ كبير مثل الدكتور حسين مؤنس ، ولكن قد يقال: إنها شهادة مسلم لدينه. فهذه شهادة من مؤرخ غير مسلم ، وهو المؤرخ الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي الشهير (غوستان لوبون) في كتابه (حضارة العرب) الذي نقله إلى العربية الأستاذ عادل زعيتر.
    فلسفة القرآن وانتشاره في العالم:
    يقول لوبون تحت عنوان (فلسفة القرآن وانتشاره في العالم):
    إذا أرجعنا القرآن إلى عقائده الرئيسة: أمكننا عدُّ الإسلام صورة مبسطة عن النصرانية، ومع ذلك فإن الإسلام يختلف عن النصرانية في كثير من الأصول، ولا سيما في التوحيد المطلق الذي هو أصل أساسي، وذلك أن الإله الواحد ، الذي دعا إليه الإسلام ، مهيمن على كل شيء ، ولا تحفّ به الملائكة والقديسون وغيرهم ممن يفرض تقديسهم . (أي كما في النصرانية) وللإسلام وحده أن يباهي بأنه أول دين أدخل التوحيد إلى العالم.
    ويشير لوبون إلى يسر الإسلام، وسهولته البالغة والتي تتمثل في عقيدة التوحيد الخالص، وفي هذه السهولة سر قوة الإسلام ، وهي التي تجعل إدراك الإسلام سهلا على كل إنسان، فليس في الإسلام غموض ولا تعقيد، مما نراه في الأديان الأخرى وتأباه الفطرة السليمة، من المتناقضات والغوامض.
    قال: ولا شيء أكثر وضوحا، وأقل غموضا ، من أصول الإسلام القائلة بوجود إله واحد ، وبمساواة جميع الناس أمام الله . وببضعة فروض يدخل الجنة من يقوم بها ، ويدخل النار من يعرض عنها . وإنك ، إذا ما اجتمعت بأي مسلم من أية طبقة ، رأيته يعرف ما يجب عليه أن يعتقده، ويسرد لك أصول الإسلام في بضع كلمات بسهولة . وهو بذلك على عكس النصراني الذي لا يستطيع حديثا عن التثليث ، والاستحالة، وما ماثلهما من الغوامض، من غير أن يكون من علماء اللاهوت الواقفين على دقائق الجدل!
    وساعد وضوح الإسلام البالغ: ما أمر به من العدل والإحسان كل المساعدة، على انتشاره في العالم ، ونفسر بهذه المزايا سبب اعتناق كثير من الشعوب النصرانية للإسلام، كالمصريين الذين كانوا نصارى أيام حكم قياصرة القسطنطينية، فأصبحوا مسلمين حين عرفوا أصول الإسلام ، كما نفسر السبب في عدم تنصر أية أمة ، بعد أن رضيت بالإسلام دينا، سواء أكانت هذه الأمة غالبة أم مغلوبة.
    ويجب على من يرغب في الحكم بفائدة كتاب ديني: ألا ينظر إلى قواعده الفلسفية الضعيفة على العموم، بل إلى مدى تأثير عقائده . والإسلام إذا ما نظر إليه من هذه الناحية: وجد أنه من أشد الأديان تأثيرا في الناس، وهو- مع مماثلته لأكثر الأديان في الأمر بالعدل والإحسان والصلاة ، إلخ- يعلِّم هذه الأمور بسهولة يستمرئها الجميع، وهو يعرف ، فضلا عن ذلك، أن يصبّ في النفوس إيمانا ثابتا لا تزعزعه الشبهات.
    ولا ريب في أن نفوذ الإسلام السياسي والمدني كان عظيما إلى الغاية، فقد كانت بلاد العرب قبل محمد مؤلفة من إمارات مستقلة وقبائل متقاتلة دائما ، فلما ظهر محمد، ومضى على ظهوره قرن واحد، كانت دولة العرب ممتدة من الهند إلى إسبانية ، وكانت الحضارة تسطع بنورها الوهاج في جميع المدن التي خفقت راية النبي فوقها.
    والإسلام من أكثر الديانات ملاءمة لاكتشافات العلم ، ومن أعظمها تهذيبا للنفوس، وحملا على العدل والإحسان والتسامح ، والبُدّهِيةُ ، وإن فاقت جميع الأديان السامية فلسفة، تراها مضطرة أن تتحول تحولا تاما لتستمرئها الجموع، وهي، لا شك ، دون الإسلام في شكلها المعدّل هذا.
    وجرت حضارة العرب ، التي أوجدها أتباع محمد ، على سنة جميع الحضارات التي ظهرت في الدنيا: نشوء فاعتلاء فهبوط فموت، ومع ما أصاب حضارة العرب من الدُّثور ، كالحضارات التي ظهرت قبلها، لم يمس الزمن دين النبي الذي له من النفوذ ماله في الماضي، والذي لا يزال ذا سلطان كبير على النفوس، مع أن الأديان الأخرى التي هي أقدم منه تخسر كل يوم شيئا من قوتها.
    ويدين بالإسلام في الوقت الحاضر أكثر من مائة مليون شخص[2] ، واعتنقته جزيرة العرب ومصر وسورية وفلسطين وآسية الصغرى وجزء كبير من الهند وروسية والصين، ثم جميع إفريقية إلى ما تحت خط الاستواء تقريبا.
    وتجمع بين مختلف الشعوب التي اتخذت القرآن دستورا لها وحدة اللغة والصلات التي يسر عنها مجيء الحجيج إلى مكة من جميع بلاد العالم الإسلامي.
    وتجب على جميع أتباع محمد تلاوة القرآن باللغة العربية بقدر الإمكان ، واللغة العربية هي لذلك أكثر لغات العالم انتشارا على ما يحتمل ، وعلى ما بين الشعوب الإسلامية من الفروق العنصرية ترى بينها من التضامن الكبير ما يُمكِن جمعها به تحت علم واحد في أحد الأيام.
    وقضى أعداء الإسلام من المؤرخين العجب من سرعة انتشار القرآن العظيمة، فعزوها إلى ما زعموه من تحلل محمد وبطشه، ويسهل علينا أن نُثبت أن هذه المزاعم لا تقوم على أساس، فنقول: إن من يقرأ القرآن يجد فيه ما في الأديان الأخرى من الصرامة ، وإن ما أباحه القرآن من تعدد الزوجات لم يكن غريبا على الشعوب المسلمة التي عرفته قبل ظهور محمد، وإن هذه الشعوب لم تجد نفعا جديدا في القرآن لهذا السبب.
    وما قيل من دليل حول تحلل محمد نقضه العلامة الفيلسوف (بيل) منذ زمن طويل. وقال بيل، بعد أن أثبت أن ما أمر النبي بالتزامه من قيود الصيام وتحريم الخمر ومبادئ الأخلاق هو أشد مما أمر به النصارى:
    " إن من الضلال ، إذن ، أن يُعزى انتشار الإسلام السريع في أنحاء الدنيا إلى أنه يلقي عن كاهل الإنسان ما شق من التكاليف والأعمال الصالحة، وأنه يبيح له البقاء على سيئ الأخلاق، وقد دوَّن (هوتنجر) قائمة طويلة بالأخلاق الكريمة والآداب الحميدة عند المسلمين، فأرى مع القصد في مدح الإسلام- أن هذه القائمة تحتوي أقصى ما يمكن أن يؤمر به إنسان من التحلي بمكارم الأخلاق ، والابتعاد عن العيوب والآثام"[3].
    ومما نبه إليه العلامة (بيل ): أن ملاذ الجنة التي وعد بها المسلمون لا تزيد على ما وعد به النصارى في الإنجيل . جاء في الإنجيل: "لم تر عين ، ولم تسمع أذن ، ولم يخطر على قلب إنسان: ما أعده الله للذين يحبونه".
    وسيرى القارئ ، حين نبحث في فتح العرب وأسباب انتصاراتهم: أن القوة لم تكن عاملا في انتشار القرآن ، فقد ترك العرب المغلوبين أحرارا في أديانهم ، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام ، واتخذوا العربية لغة لهم ، فذلك لما رأوا من عدل العرب الغالبين ما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل.
    وقد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة ، فلما قهر النصارى عرب الأندلس فضل هؤلاء القتل والطرد عن آخرهم على ترك الإسلام.
    ولم ينتشر القرآن بالسيف إذن، بل انتشر بالدعوة وحدها ، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند ، التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل ما زاد معه عدد المسلمين على خمسين مليون نفس فيها[4]، ويزيد عدد مسلمي الهند اليوم يوما فيوما، مع أن الإنجليز ، الذين هم سادة الهند في الوقت الحاضر ، يجهِّزون البعثات التبشيرية ويرسلونها تباعا إلى الهند لتنصير مسلميها على غير جدوى.
    ولم يكن القرآن أقل انتشارا في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة الإسلامية فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليونا[5] في الوقت الحاضر.
    وليس فيما يوصم به الإسلام من الجَبْرية ما يزيد خطرا على ما رددنا عليه، وليس في آي القرآن التي ذكرناها آنفا من الجَبْرية ما ليس في كتب الأديان الأخرى كالتوراة مثلا[6]. وهناك فلاسفة وعلماء لاهوت يعترفون بأن مجرى الحوادث تابع لسنة لا تتبدل، قال المصلح الديني القدير لوثر: "يحتج على اختيار الإنسان وإرادته بنصوص الكتاب المقدس التي لا تحصى ، وإن شئت فقل بكل ما ورد في الكتاب المقدس".
    وكتب جميع الأمم الدينية مُفَعَّمَة بالجَبْرية التي يسميها القدماء بالقدر، ووضع القدماء القدر، الذي لا راد لحكمه ، على رأس كل أمر، عادِّين إياه سلطة مطلقة لا مناص للناس والآلهة من إطاعتها، وحاول (إديب) على غير جدوى ، أن يضرع إلى هاتف الغيب الذي أخبره بأنه سيقتل أباه ويتزوج أمه ، فلم يستطع ردا لحكم القدر الجبار.
    ولم يكن محمد ، إذن جَبْريا أكثر من مؤسسي الأديان الذين ظهروا قبله ، ولم يسبق محمد في جبريته علماء الوقت الحاضر الذين أيدوا مع العلامة لابلاس رأي الفيلسوف ليبنتز في القول: " إنه إذا وجد ذكاء يعرف ، لوقت ، جميع قوى العالم، ومواضع ما فيه من الموجودات ، ويستطيع أن يحللها ، ويحيط بمحركات أعظم أجرام العالم وأصغر ذراته ، فإنه لا يبقى عنده شيء غير معين، ويصبح الماضي والمستقبل حالا في نظره ".
    والجَبْرية الشرقية التي قامت عليها فلسفة العرب، ويستند إليها كثير من مفكري العصر الحاضر هي نوع من التسليم الهادئ الذي يعلم به الإنسان كيف يخضع لحكم القدر من غير تبرٌّم وملاومة، وتسليم مثل هذا هو وليد مزاج أكثر من أن يكون وليد عقيدة، وقد كان العرب جبريين في مزاجهم قبل ظهور محمد، فلم يكن لجربيتهم تأثير في ارتقائهم ، كما أنها لم تؤد إلى انحطاطهم.[7] أ. هـ.
    توماس أرنولد ينصف الإسلام:
    وإذا كان غوستاف لوبون الفرنسي قد أنصف الإسلام وتاريخ المسلمين في كتابه، فقد جاء بعده المستشرق البريطاني البحاثة الشهير(توماس أرنولد) الذي كان يعرف العربية والفارسية وعددا من اللغات الأوربية ، والذي أصدر كتابه القيم (الدعوة إلى الإسلام: بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية) وكان ذلك في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، (1896م).
    وقد طبع الكتاب بالإنجليزية عدة طبعات ، ونقله إلى العربية د. حسن إبراهيم حسن وزميلاه ، ونشر عدة مرات ابتداء من سنة 1947م .
    والكتاب جدير بأن يقرأ ، لما فيه من وقائع وأحداث مأخوذة من مصادر عدة وموثقة ، ومكتوبة بلغات شتى ، عكف الرجل عليها، حتى استخرجها من مظانها وحشدها في كتابه العلمي الموثق.


    [1] الإسلام الفاتح لحسين مؤنس: 20-24. نشر الزهراء للإعلام العربي.
    [2] قيل هذا في القرن التاسع عشر، ومع هذا كان المسلمون أكثر ذلك بكثير. وسيأتي من كلام (لوبون) نفسه ما يدل على أن المسلمين أكثر من ذلك.
    [3] وقال الفيلسوف الشهير (كارلابل) في كتابه الأبطال في فصله الذي كتبه عن البطل في صورة نبي ، واتخذ النبي محمدا نموذجا ممثلا للبطولة: (إن دينه ليس بالدين السهل، فإنه بما فيه من صوم قاس، وطهارة، وصيغ معقدة صارمة ، وصلوات خمس كل يوم، وإمساك عن شرب الخمر- لم يفلح في أن يكون دينا سهلا) انظر : الدعوة إلى الإسلام ص460 لتوماس أرنولد.
    [4] هذه إحصائيات قديمة من القرن التاسع عشر، ومع هذا ليست دقيقة.
    [5] إذا كان المسلمون في الهند يزيدون على 50 مليونا، وفي الصين على 20 مليونا، فكيف يكون عدد جميع المسلمين مائة مليون ، كما قال الباحث من قبل؟!!
    [6] بل هناك مئات الآيات من القرآن في سوره المكية والمدنية تثبت بكل وضوح: أن الإنسان مكلف مختار، وأنه هو الذي يقرر مصير نفسه، وإن الله تعالى منحه من القوى والمواهب والملكات : ما يمكنه من صنع مصيره بيده ، كما قال تعالى : (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها) (كل نفس بما كسبت رهينة) (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) إلى آخره .
    [7] أنظر: حضارة العرب.
    التعديل الأخير تم بواسطة الشهاب الثاقب. ; 30-01-2016 الساعة 02:46 PM
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    هل الله يُعذب نفسه لنفسههل الله يفتدى بنفسه لنفسههل الله هو الوالد وفى نفس الوقت المولوديعنى ولد نفسه سُبحان الله تعالى عما يقولون ويصفون

    راجع الموضوع التالي


  6. #6
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,672
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    03-12-2016
    على الساعة
    02:48 PM

    افتراضي

    جزاكم الله خير
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    158
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    08-04-2014
    على الساعة
    01:07 AM

    افتراضي

    جزاك الله خير

  8. #8
    الصورة الرمزية هشيم
    هشيم غير متواجد حالياً مشرف الأقسام غير العربية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    862
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    26-09-2014
    على الساعة
    04:41 PM

    افتراضي

    جزاكم الله كل خير استاذ المحترم الشهاب الثاقب

    موضوع اكثر من رائع بل ثري و بحث عميق ... بارك الله في علمكم
    بسم الله الرحمن الرحيم
    قل هو الله احد * الله الصمد * لم يلد و لم يولد * و لم يكن له كفوا احد
    Dis : " Lui, Dieu, est Un ! * Dieu est le Soutien universel ! * Il n'engendre pas et Il n'est pas engendré, * et Il n'a pas d'égal. "


الإسلام دين السلام

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. مريم عليها السلام في الإسلام
    بواسطة ابوغسان في المنتدى حقائق حول عيسى عليه السلام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 30-01-2016, 02:59 PM
  2. السلام وانتشار الإسلام
    بواسطة فداء الرسول في المنتدى المنتدى الإسلامي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-12-2013, 10:55 PM
  3. عثرتُ على السلام الداخلي في الإسلام
    بواسطة نعيم الزايدي في المنتدى منتدى قصص المسلمين الجدد
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 04-09-2011, 01:30 AM
  4. الرد على:أين السلام في الإسلام؟
    بواسطة جمال البليدي في المنتدى شبهات حول العقيدة الإسلامية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 12-09-2007, 11:03 PM
  5. كيف وصف الإسلام نبي الله عيسى -عليه السلام- ومعجزاته؟
    بواسطة محمد مصطفى في المنتدى حقائق حول عيسى عليه السلام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-12-2005, 02:08 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

الإسلام دين السلام

الإسلام دين السلام