معادلة السلم والحرب فى الإسلام

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

معادلة السلم والحرب فى الإسلام

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: معادلة السلم والحرب فى الإسلام

  1. #1
    الصورة الرمزية الشهاب الثاقب.
    الشهاب الثاقب. متواجد حالياً حَسبُنا اللهُ ونعم الوكيل
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    المشاركات
    1,288
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    13-12-2017
    على الساعة
    02:30 PM

    افتراضي معادلة السلم والحرب فى الإسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم
    و به نستعين




    إذا كان الإسلام، على النحو الذي أوضحنا في المباحث السابقة، يحث أفراد المجتمع الإسلامي، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، على التعايش بتسامح، فإنه مع أفراد مجتمع آخر غير إسلامي يدعو إلى سلوك سبيل السلم ؛ إذ هو - كما لا يخفى إلا على بعض المتحاملين عليه - دين التوحيد والوحدة، ودين العدل والمساواة، ودين الحق والخير، ودين الهداية والرحمة، ودين الأمن والطمأنينة والاستقرار، ودين التساكن والتسامح. ولهذا فهو دين السلم.[1]

    والسِّلم أو السَّلم هو الصلح والسلامة وضد الحرب. وهو بفتح السين وكسرها، حسب القراآت التي وردت عليها آيات القرآن - على حد ما سنرى بعد - وإن ذهب بعض العلماء إلى أن من قرأ بالفتح - كنافع وابن كثير - قصد معنى الصلح ؛ ومن قرأ بالكسر - كأبي عمرو بن العلاء - عنى الإسلام، حملاً على قول الراجز:[2]
    "في جاهليات مضت أو سلم"

    والحقيقة أن عمق معناهما واحد، سواء في مدلول الصلح أو الإسلام. واللفظ في الحالتين بتسكين اللام، إذ السلم (بفتح السين واللام) معناه الاستسلام، كما في قوله تعالى: "فإن اعتزلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً".[3]
    ويطلق كذلك على الخاضع والمستسلم، فرداً كان أو جماعة، مذكراً أو مؤنثاً، كما في قوله عز وجل: "ضرب الله مثلا رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلما لرجل".[4]

    وقد وردت لفظة (السلم) باشتقاقات لغوية لها كثيرة في عدة مواطن من القرآن الكريم،[5] كقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين".[6]

    وإتباع الدعوة إلى الدخول في السلم بالنهي عن إتباع خطوات الشيطان، يعني أن عكس السلم - وهي الحرب - من إيعازه ؛ ما لم يكن هذا الدخول عن ضعف في ظل العزة ونصر الله، مما نهى عنه الحق سبحانه في قوله: "فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم".[7]

    وتتضح الدعوة إلى السلم كذلك في قوله عز وجل: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله"،[8] أي إن مالوا إلى السلم عن رغبة صادقة وإيمان حق.

    ويكفي لإبراز أهمية السلم في الإسلام أن نعرف أن لفظ الإسلام نفسه مشتق منه، إذ هو يعني الانقياد لأمر الله والإخلاص لعبوديته وعبادته ؛ ويطلق عليه السلم كذلك.
    كما ينبغي أن نعرف أن الإسلام من أسماء الله الحسنى، يقول تعالى: "هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المومن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون".[9]

    ثم إنه عز وجل يدعو إلى دار السلام، على حد قوله الكريم: "والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم"،[10] والمقصود دار الأمن والاستقرار والطمأنينة والسعادة، وإن ذهب بعض المفسرين إلى أنها الجنة.

    والمسلمون لا يخرجون من الصلاة قبل التلفظ بالسلام. وهم مطالبون فيما بينهم ومع غيرهم بتبادل تحية السلام، يقول رسول الله (ص): "لا تدخلوا الجنة حتى تومنوا ولا تومنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم".[11]

    والسّلم لا يعني الاستسلام أو التنازل أو الضعف، ولكن يعني أخذ الحق وتبادل العلاقات والمصالح، على أساس المساواة والمعاملة بالمثل، وعلى أساس عهود ومواثيق تكون ملزمة لجميع الأطراف، مهما تكن الظروف والأحوال. يقول تعالى: "براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين"،[12] ويقول سبحانه: "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيْمان بعد توكيدها".[13]

    وقد بلغ الالتزام بالعهود والمواثيق في الإسلام أن الرسول (ص) رد من جاء من المشركين مسلما بغير إذن وليه، وفق ما جاء في صلح الحديبية.
    ***
    لماذا يدعو الإسلام للسلم ؟

    لأسباب كثيرة منها:

    أ- أنه يقوم على التعارف والتعاون، سواء بين الأفـراد أو الجماعات. وهـذا لا يمكن أن يتحقـق في جو التنافر والحرب والخراب والدمار، وإنما يتحقق في جو السـلم الذي يتيح التعايش والـتفاهم وتبادل المصالح والمنافع، يقول تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقـناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا".[14] ولو لم يكن هذا التعارف، لما تسـنى للدول الإسلامية أن تنشئ تلكم الحضارة والثقافة اللتين أشعت بهما على العالم، واللـتين أنتجهما أبناء الإسلام من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق حيث توجد إلى جانب الأقطار العربية بلدان عظيمة خدمت الإسلام وما زالت تخدمه في آسيا وإفريقيا وسائر القارات.

    ب- أنه يدعو إلى الحوار الذي يسعى إلى تبادل وجهات النظـر وإبـداء الرأي والإقناع به في حل جميع المشكلات، يقول تعالى: "ادع إلى سـبيل ربـك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.[15]

    وإن هذه الدعوة لتنطلق من اعتبار أحد الطرفين الـمتحاورين على حـق أو باطل وفق قول الله عز وجل: "وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين.[16] كما أنها تنطلق من قبول الاختلاف المرتبط بحرية الاختيار وما ينتج عنه من تعددية وتنوع، مما يكفي لإبرازه التذكير بقوله تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة"،[17] وقوله سبحانه: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين"،[18] إذ "لا إكراه في الدين"،[19] والرسول (ص) مطالب بالتذكير وليس بالإجبار: "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر".[20]

    ج- أنه يحث على تجنب الخصومات والنزاعات لأنهـا لا تفـضي إلا إلى الخسران. يقول سبحانه لدا ذكر قصة ابني آدم وقتل قابيل أخاه هابيل بسبب الحسد الذي نشأ عن قبول قربان أحدهما دون الآخر: "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين".[21]

    ولهذا عقب القرآن الكريم بإبراز مدى خطر الاعتداء بالقــتل ومدى أهـمية الحفاظ على الحياة فقال عز وجل: "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قـتل نفـساً بغير نفـس أو فساد في الأرض فكأنما قـتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".[22] ثم إن الخصومات والنزاعــات تؤدي إلى الفتن التي قد تهلك كل شيء، يقول تعالى: "واتقوا فتـنة لا تُصيـبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة".[23]

    إن جماع هذه الأسباب ينم عن رؤية تربط السلام بوجود الأمة، أي بوجود مجتمع متماسك في قيادته وقاعدته، تسوده روابط اجتماعية قوية هو واع بها وبضرورتها وأهميتها، بعيداً عن تحكم الفردية، لأن الفردية أنانية، والأنانية قد تستولي على القيادة فتعلن الحرب ولو بالمغامرة أو المجازفة بالأمة ومصالحها. كما أن الأنانية قد تستبد بالمواطن فيتحول إلى شخص لا مبال، واللامبالاة غالباً ما تكون مشحونة بعدوانية داخلية، فيتمنى الحرب أو يتحمس لها، سواء ظن أنه سيبقى بمعزل عن نتائجها، أو كان واعياً بأخطارها وبأنها قد تأتي على كل شيء.

    إن الجنوح للسلم بهذه الرؤية يعني وجود حس حضاري ووعي ثقافي، وإدراك للواقع ومعرفة بحقيقته دون تزييف أو اصطناع، في غير تضخيم للذات أو تحجيم الآخرين. وهو يعني كذلك الميل إلى الجانب العملي بموضوعية تنأى عن الوهم والخيال والظن، وعن الحماس المنفعل الذي لا يضبطه العقل. ثم هو بعد هذا يعني القدرة على تحمل المسؤولية في تكامل لا مجال فيه للتخلي أو الإسقاط على الغير. وهي كلها جوانب تعني في النهاية أن الجنوح للسلم يرتبط بالأصالة الحضارية والثقافية.

    ***
    قد يقول معترض: كيف يكون الإسلام دين السلم على هذا النحو، وهو يدعو إلى الجهاد ويحث عليه ؟

    يجاب بنقطتين:

    أ- أن مفهوم الجهاد لغوياً هو استفراغ الوسع وبذل الطاقة، وهو يعني جوانب كثيرة ومتعددة، فهناك الجهاد بالعمل السياسي، والجهاد بإنفاق المال، وجهاد النفـس الذي هو أعلى مراتب الجهاد وسماه رسول الله (ص) "الجهاد الأكبر"، ثم هناك الجهاد بمدلول القتال.

    ب- أن الجهاد بمعنى القتال لا يكون إلا عند الضرورة، لأن الإسـلام يعتـبر الحرب جريمة وخرقا للسـلام، لا يقـبلها إلا إذا كانت لها دواع عادلـة مشروعة.

    هذا، ومما ينبغي لفت الانتباه إليه أن أول آية شرعت الجهاد، ربطته برد الظلم. يقول تعالى: "أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله"،[24] والمعنى مقدر فيه محذوف هو القتال، أي أُذن القتال.

    وهذا ما يؤكده سبحانه في قوله الكريم: "كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون".[25] ولهذا عظم الإسلام شأن الجهاد واعتبره تجارة رابحة: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تومنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المومنين".[26] كما اعتبر من يقتل في الساحة الجهادية حياً غير ميت ؛ وسماه شهيداً، إذ تشهده الملائكة وتحضره ويشهد هو ما أعد الله له من نعيم: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون".[27]

    وبهذا، يمكن أن نفرق بين الإرهاب والجهاد على النحو الآتي:

    الإرهاب اعتداء، والجهاد رد للاعتداء
    الإرهاب يكون بباطل، والجهاد يكون بحق
    الإرهاب يعاقب عليه، والجهاد يثاب عليه

    ثم إن الإسلام نظم الحرب[28] ووضع لها ضوابط وقوانين، وركز في معاملة العدو على مجموعة من المقاييس السلوكية، نذكر منها:

    أ- ضرورة إعلانها حتى لا يؤخذ العدو بها على غرة، وحتى لا تصبح غدرا.
    ب- النهي عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ والمتعبدين.
    ج- عدم التمثيل بالقتلى أو ما إلى ذلك مما تهدر به حرمة الإنسان.
    د- معاملة الأسرى بما يحفظ لهم إنسانيتهم وكرامتهم.
    ه- عدم العبث بالممتلكات وإفساد البيئة بقطع الأشجار وإتلاف الزروع والثمار.
    و- الالتزام بالمواثيق والعهود.

    ومما يبرهن به على الدعوة إلى بعض هذه الآداب المثالية التي تضبط النظام السلوكي في الحرب، هذا الحديث الذي يقول فيه رسول الله (ص): "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالدين ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع".[29] ومثله: "...اغزوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً" ؛[30] وكذلك قوله عليه السلام: "لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة".[31]

    وإن هذه الضوابط لتشمل مرحلة ما بعد الحرب، مما يتعلق بالأسرى وحسن معاملتهم، وفق ما يقول النبي الكريم: "أنا رسول الرحمة أنا رسول الملحمة".[32]

    وهذا باب واسع فصل القول فيه فقهاء الإسلام.[33]
    وعلى هذا النهج النبوي سار الخلفاء الراشدون من بعده، وأولهم أبو بكر الصديق (ض) الذي أوصى يزيد بن أبي سفيان قائد جيش الشام بقوله: "... إني أوصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً، ولا تفرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن".[34]

    إن السلم هي الأصل، وإنما الحرب ضرورة يلجأ إليها المسلمون حين يستعصي الأمر، أي حين تكون هي الإمكانية الأخيرة لحل الخلافات والنزاعات. والإسلام بهذا - أي بإقراره للحرب في هذا الإطار - دين الحياة والواقع، يتعامل مع طبيعة البشر وما قد تنزع إليه من ظلم وعدوان.

    إن الحرب شر حين تكون اعتداء وتسلطا وفساداً، ولكنها تصبح خيرا حين تكون أداة لابد منها لمواجهة الاعتداء ورد التسلط وردع الفساد. ولهذا أباح الإسلام الحرب للدفاع عن النفس والأهل والمال والوطن والدين، إذ يقول تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"،[35] ويقول سبحانه: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم".[36]
    ولهذا اعتبر الحرب جهادا يحتاج إلى عدة دعا إليها في قوله الحكيم: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم".[37]

    والإرهاب هنا لا يعني المفهوم الذي يتداوله الغرب اليوم في مهاجمته للإسلام والمسلمين، والذي يريد أن يجعله مرادفا لــ = Terrorisme بالفرنسية و Terrorismبالإنجليزية، ولكن يعني تخويف الخصم ومنعه من الاجتراء على الاعتداء.[38]

    وفي هذا السياق تفهم الآية الكريمة التي يقول فيها عز وجل: "ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"،[39] وكذلك الآية التي يقول فيها سبحانه: "ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صَوامع وبيَع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا".[40]

    ***

    وليس يخفى أن الفكر السياسي الإسلامي وقف طويلاً عند هذه المعادلة الصعبة، بين السلم والحرب، مما يكفي أن نمثل له بما ورد عند أبي بكر الحضرمي المرادي (ت 783 هـ)، لسبقه وأهميته، وكذلك لاستفادة من جاء بعده منه. فقد انطلق فيه من واقع تجارب التاريخ والظروف المحيطة بها، وتأملها من خلال الرؤية الإسلامية وموازاتها بالمنظور اليوناني، فيما يتعلق بالإنسان والمجتمع والسلطة والدولة وتدبير الرئاسة.

    فبعد أن تحدث عن أدب النفس، انتقل إلى سياسة الملك، ثم إلى أخلاق الملك الشخصية وتأثيرها على السلوك السياسي. وفيها تعرض لكيفية التعامل مع العدو. وفي هذا الصدد، يقول حاثاً على السلم ما لم تدع الضرورة إلى الحرب، وداعياً إلى الحذر والحيطة في جميع الأحوال:

    "ينبغي للملك أن يبدأ عدوه باللين والمسالمة والبذل وطلب المواصلة والسكون. فإن لم يفعل، أو كان في الحال ما يقتضي خلاف ذلك، رجع معه إلى الفعل. ولا يصل معه إلى الحرب حتى تعوزه الحيل كلها. وإن الحكماء قالوا:أكيس القوم من لم يلتمس الأمر بالقتال ما وجد إلى ذلك سبيلاً ؛ فإن الحرب ينفق فيها من الأعمار، وغيرها ينفق فيها من الأموال. وقد قالت الحكماء: إن العدو مثل الخراج الذي يبتدأ في علاجه بالترطيب والتحليل والتسكين، فإن لم ينجح بذلك رجع فيه إلى الكي وهو آخر العلاج. والحرب آخر ما يجب استعماله. واعلم أن العاقل وإن وثق بقوته ومنعته وفضله لا يجب أن يحمله ذلك على أن يجني عداوة وبغضة هو عنها في غنى، اتكالاً على ما عنده من الرأي، وثقة بما لديه من القوة. فإنه في ذلك بمثابة الطبيب الماهر الذي عنده الترياق الفائق، لا يحسن معه أن يشرب السم القاتل، اتكالاً على ما عنده من الدواء النافع. واعلم أن الصلح أحد الحروب التي تدفع بها الأعداء عند المضرة. فإذا كثر أعداءك فصالح بعضهم، وأطمع بعضهم في صلحك، واستقبل بعضهم بحربك. وإذا ابتليت بحرب فلا تأمن عدوك وإن كان حقيراً ؛ فإن العدو كالنار التي تتربى من الشرارة، والنخلة التي تنبت من النواة. وربما نال العدو بصغره ما يعجز عنه عدوه مع كثرة، كالسيف الذي يقد الهامة ويعجز عن فعل الإبرة. ويجب على العاقل إذا بعد عدوه أن لا يأمن معاودته، وإذا انهزم أن لا يأمن كرته، وإذا قرب لم يأمن مواثبته، وإذا رآه وحيداً لم يأمن مكره، وإذا رأى عسكره قليلاً لم يأمن كمينه. ويجب على العاقل أن يكون متأهباً للحرب في حال سلمه، خائفاً من العدو في حال صلحه، فإن العدو الذي يصالحك لأمر يضطر إليه لا يخرج بالصلح عن طبعه، وإنما مثلته الحكماء بالماء الحار الذي تضطره النار إلى حرارته، فإذا زايلته رجع إلى طبعه وما كان عليه من برده".[41]

    ***
    بهذا يتبين أن الحرب في المنظور الإسلامي تعتبر خرقاً للسلام الذي هو الأصل والأساس، لا يلجأ إليها - وبضوابط دقيقـة وآداب مثالية - إلا للضرورة وباضطرار، كالدفاع عن النفس ورد الظلم وما إليهما من قضايا عادلة يبررها الشرع ويبيحها القانون كذلك ؛ مما يدخل في سياق "الجهاد" كما سلفت الإشارة.

    وخارج هذا المجال المشروع، فإن الإسلام في إبرازه أهمية الحفاظ على حياة أي إنسان، وإظهاره مدى خطر الاعتداء عليه بالقتل، يقاوم شتى أنواع العدوان، ويواجهها بالعقوبة الصارمة، ومنها جريمة "الحرابة" التي تتمثل في التعرض للناس بقطع طريقهم أو اغتصاب أموالهم أو القضاء على حياتهم. وهي بهذا أقرب إلى مفهوم الإرهاب المتداول اليوم. وعنها وعن عقوبتها يقول الحق سبحانه: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقَتلوا أو يُصلبوا أو تُقَطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنْفَوْا من الأرض. ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم".[42]

    وفي إدانة لقتل النفس الإنسانية بدون حق، وتأكيداً لجزاء من يفعل ذلك يقول تعالى: "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق".[43] ويقول: "ومن يقتل مومناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً"،[44] ويقول رسول الله (ص) متبرئا ممن يحمل السلاح على أبرياء: "من حمل علينا السلاح فليس منا".[45]

    لذا، وبحكم البعد العالمي الذي أصبح لظاهرة الإرهاب، في غير تمييز بين حق وباطل أو عدل وظلم، وفي استناد إلى كل فكر منحرف أو اعتقاد متطرف مهما يكن مصدره، فإنه غدا واجباً على جميع الدول وسائر المنظمات ومختلف قوى الخير والسلام أن تسعى بكل جهودها وطاقاتها لمحاصرة هذه الظاهرة والتغلب عليها ومكافحتها، لحقن دماء الأبرياء الذين يذهبون ضحية أعمالها الإجرامية، وأن تعمل إلى جانب هذا - إن لم يكن قبله وبعد - على اجتثاث أسبابها والدوافع المفضية إليها.

    وفي طليعة هذه الأسباب والدوافع - وستخصص لها المبحث القادم - ما تعانيه مجتمعات كثيرة - والإسلامية في طليعتها - من فقر وأمية، ومن بطالة وانحراف، ومن ظلم وقهر، ومن غياب الوعي الديني والوطني وما نتج عن ذلك كله من تخلف وانهيار يفضيان إلى إشاعة روح الانهزام واليأس والإحباط، مما قد يؤدي استمراره إلى ردود فعل عنيفة ستفضي بالعالم حتماً إلى الصراع وعدم الاستقرار وتزايد التطرف والإرهاب.

    وغير خاف أن المشكل الفلسطيني يعد من أبرز مظاهر هذه الأزمة التي لا نرى وقفاً لها إلا بإيجاد حل عادل ودائم يعترف للشعب الفلسطيني بالحق في أرضه وإقامة دولته والتمكن من الحياة الآمنة له ومع جيرانه.

    وإنه قد آن الأوان، وقد تكاثرت الأحداث الإرهابية وتعددت مواقعها واتسعت أبعادها، أن يقف العالم لحظة تأمل، عساه يهتدي إلى معرفة مواطن خلله وتعثر مسيرته، ويدرك حقيقة ما يقع، ليس فقط لتفادي استمراره، ولكن لاستيعاب جميع ملابساته وتداعياته، والعمل على جعل حد للعنف، كوسيلة لحل المشكلات مهما تكن مستعصية، بدءاً من قيام مختلف الأطراف - أقوياء وضعفاء - بنقد ذاتي نعتبره ممكناً وإيجابيا إذا خلصت النيات، وتم الانفتاح المتبادل على الآخر، والاعتراف بحقه في الاختلاف وفي الحياة الكريمة الآمنة بعد ذلك، بعيداً عن أية إسقاطات أو أحكام مسبقة.

    وما أحوجنا - نحن المنتمين للديانات الإبراهيمية - أن نستحضر قول الله تعالى في القرآن المجيد يدعو إلى كلمة التوحيد: "قل يا أهل الكتاب تعالَوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله".[46]


    1 ـ يرجع في الموضوع لما كتب صاحب هذا المبحث في الدراسات الآتية:
    أـ كتاب: معالم مغربية (فصل: مدرسة محمد الخامس في سياق الفكر السياسي المغربي من خلال ظاهرة الجنوح للسلم) ط. الأولى ـ الرباط 1411هـ ـ1991م.
    ب ـ كتاب: مفهوم التعايش في الإسلام (ضمن منشورات الايسيسكو بالعربية والفرنسية والإنجليزية ـ 1417هـ ـ 1996م).
    ج ـ كتاب: الحوار من منظور إسلامي ( ضمن منشورات الايسيسكو بالعربية والفرنسية والإنجليزية -1420هـ ـ 2000 م).

    2- انظر: "الحجة في القراآت السبع، لابن خالوية" ص:95 (ت. د.عبد العالي سالم مكرم) ط. الثانية- دار الشروق 1399هـ-1979م.
    3 ـ سورة النساء -الآية 90
    4 ـ سورة الزمر -الآية 29
    5 ـ يشار إلى أنه ورد لفظ السلم (بتسكين اللام) ثلاث مرات، والسلم (بفتح اللام) خمس مرات، والسلام اثنين وأربعين مرة، كما وردت ألفاظ كثيرة أخرى مشتقة من هذه المادة، ومنها الإسلام الذي يعني الاستسلام لأمر الله والإخلاص لعبادته، ويطلق عليه السلم كذلك (بفتح السين وكسرها وتسكين اللام)، على حد قول امرئ القيس ابن عبس الكندي:
    فلست مبدلاً بالله رباً ولا مستبدلا ًبالسلم دينا
    (انظر معجم لسان العرب ـ مادة سلم)

    6 ـ سورة البقرة -الآية 206
    7 ـ سورة محمد -الآية 35
    8 ـ سورة الأنفال -الآية 62
    9 ـ سورة الحشر -الآية 23
    10 ـ سورة يونس -الآية 25
    11 ـ أخرجه مسلم عن أبي هريرة.
    12 ـ أول سورة التوبة.
    13 ـ سورة النحل -الآية 91
    14 ـ سورة الحجرات -الآية 13
    15- سورة النحل -الآية 125
    16 ـ سورة سبأ -الآية 24
    17 ـ سورة هود -الآية 118
    18 ـ سورة يونس -الآية 99
    19 ـ سورة البقرة -الآية 256
    20 ـ سورة الغاشية -الآيتان 21 ـ 22
    21 ـ سورة المائدة -الآية 30
    22 ـ نفسهــــا -الآية 32
    23 ـ سورة الأنفال -الآية 25
    24 ـ سورة الحج -الآيتان 37 ـ 38
    25 - سورة البقرة -الآية 214
    26 - سورة الصف -الآيات 10-13
    27 - سورة آل عمران -الآية 169
    28 - الحرب ظاهرة اجتماعية لا يخلو منها عصر ولم يسلم منها بلد. وقد عرفها الإنسان منذ بداية الحياة، إذ مارسها الأفراد قبل أن تمارسها الجماعات ثم الأمم والشعوب، إلى أن أصبحت تقوم بين الجيوش. ومن ثم لا نستغرب إذا وجدنا الديانات تتناولها إما بالتحبيذ أو الاستنكار، على نحو ما نجد في اليهودية التي أباحتها على لسان أحبارها بشدة وقسوة ودون أي قيد، في حين نهت عنها المسيحية، وإن دعا بعض القديسين إلى خوضها، سعياً إلى تحقيق السيطرة وبسط النفوذ. أما الإسلام فنظر إليها من خلال معادلتها مع السلام، بنظام دقيق وآداب خلقية مثالية.

    29 ـ رواه أحمد عن ابن عباس.
    30- رواه الدارمي عن سليمان بن بريدة عن أبيه. وروي كذلك عن ابن عمر قال: وُجد في بعض مغازي رسول الله امرأة مقتولة فنهى (ص) عن قتل النساء والأطفال.
    31 ـ رواه أبو داوود عن أنس.
    32 ـ ذكره ابن سعد في طبقاته عن مجاهد. وشبيه به في مسند ابن حنبل عن أبي موسى، وكذا عند الطبراني في الكبير.

    33 ـ كابن تيمية في كتابه: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية (طبع عدة مرات، منها ط. دار الآفاق الجديدة ـ المغرب 1414هـ-1991م). هذا ومما يأخذه خصوم الإسلام حديث المسلمين عن دار الحرب. ومعروف أن الفقهاء تحدثوا عن دار الإسلام التي هي خاضعة للسلطة الإسلامية والأحكام الشرعية، وجعلوا مقابلها دار الحرب التي لا يَكون لها هذا الخضوع ؛ وقد تشكل خطراً يهدد دار الإسلام، ما لم يكن بينهما عهد، فتتحول إذ ذاك من دار حرب إلى دار عهد. ومنهم من زاد على هذه الديار داراً رابعة سماها دار البغي، وهي التي يحكمها البغاة الذين يعتبرون خارجين بغير حق على السلطة الشرعية. وإن المتأمل في العلاقات القائمة بين المسلمين وغيرهم في المرحلة الراهنة ينتهي إلى أنه ينبغي اعتبار ديار غير المسلمين ديار عهد، نظراً للمواثيق والعهود التي تربطها بالبلدان الإسلامية (انظر عن هذه القضية ما ذكره المؤلف في كتابه: "الإسلام واللائكية: معرفة الإسلام" - فصل: "الأقلية المسلمة في مجتمع لائكي: فرنسا نموذجا" ابتداء من الصفحة 48. نشر بالعربية والفرنسية والإنجليزية ضمن منشورات النادي الجراري رقم 26، مطبعة الأمنية –الرباط 1414هـ-2003م).

    34 ـ ساقه مالك عن يحيى بن سعيد. انظر: تنوير الحوالك شرح على موطا مالك، للسيوطي ج. 2 –ص: 6-7 (ط. دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان).
    35 ـ سورة البقرة -الآية 189
    36 ـ نفسهـا -الآية 193
    37 ـ سورة الأنفال -الآية 61
    38 ـ انظر مبحث "مفهوم مصطلح الإرهاب".
    39 ـ سورة البقرة -الآية 251

    40 ـ سورة الحج -الآية 40
    41 ـ كتاب: "الإشارة إلى أدب الإمارة"، لأبي بكر محمد بن الحسن الحضرمي المرادي، ص: 217ـ218، (ط. بتحقيق د. رضوان السيد ـ بيروت 1981). وقد وردت بعض عبارات هذا النص في كتاب: "الشهب اللامعة في السياسة النافعة"، لأبي القاسم ابن رضوان المالقي، ص: 402ـ403 (ط بتحقيق د. علي سامي النشار ـ الدار البيضاء 1404هـ =1984م). كما وردت في كتاب: "بدائع السلك في طبائع الملك"، لأبي عبد الله ابن الأزرق (ط. بتحقيق د. علي سامي النشار، ضمن منشورات وزارة الإعلام بالجمهورية العراقية في جزئين عام 1977 و 1978).
    42- سورة المائدة -الآية 33
    43- سورة الأنعام -الآية 151
    44- سورة النساء -الآية 93
    45 ـ رواه البخاري عن عبد الله بن عمر.
    46 ـ سورة آل عمران -الآية 64


    منقول
    معادلة السلم والحرب
    التعديل الأخير تم بواسطة الشهاب الثاقب. ; 27-10-2014 الساعة 05:30 PM
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    هل الله يُعذب نفسه لنفسههل الله يفتدى بنفسه لنفسههل الله هو الوالد وفى نفس الوقت المولوديعنى ولد نفسه سُبحان الله تعالى عما يقولون ويصفون

    راجع الموضوع التالي


  2. #2
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    جزاكم الله خير
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

معادلة السلم والحرب فى الإسلام

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. هل ( 1 × 1 × 1 ) = 1 معادلة صحيحة كما يعتقد النصارى
    بواسطة Zainab Ebraheem في المنتدى حقائق حول التوحيد و التثليث
    مشاركات: 23
    آخر مشاركة: 15-05-2014, 01:11 PM
  2. مواقف / هل أصل علاقة المسلمين بغيرهم السلم أم الحرب؟
    بواسطة فداء الرسول في المنتدى المنتدى الإسلامي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 21-12-2012, 11:42 AM
  3. غير مسجل فرفش مع ابي دلامة والحرب
    بواسطة سلام من فلسطين في المنتدى الأدب والشعر
    مشاركات: 22
    آخر مشاركة: 03-04-2012, 03:45 AM
  4. هل نَسَخَت سورة التوبة السلم و السلام؟
    بواسطة Abou Anass في المنتدى الرد على الأباطيل
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 15-01-2011, 11:02 PM
  5. حل معادلة قانون الايمان..
    بواسطة الهادي في المنتدى منتدى نصرانيات
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-11-2006, 01:58 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

معادلة السلم والحرب فى الإسلام

معادلة السلم والحرب فى الإسلام