آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
مؤتمر بدشت 1264 هـ - 1847م
فى الوقت الذى القى فيه القبض على الباب " الميرزا على محمد الشيرازى " وأودع سجن " ماكو" كرد فعل لما اثاره من سخط فى جموع المسلمين عامهم وخاصهم ، كان للبابيين اتجاه آخر ورأى مختلف ، حيث اجتمع رأى قادتهم على اتخاذ خطوة من أخطر الخطوات التى تعد فى تاريخهم ، وهى إظهار النوايا الخفية والكشف عن المضمون الحقيقى لدعوتهم ، فأعدوا العدة لإقامة مؤتمر يجمع كل الأقطاب البارزين فى المذهب فى مدينة بدشت الواقعة على نهر شاهرود بمقاطعة خراسان ، ولم تنته أعمال هذا المؤتمر الذى ساده الهرج والمرج والسكر والمجون إلا بعد أن أعلنوا وجوب نسخ الشريعة الإسلامية والدعوة إلى التجديد ، ـ على حد زعمهم ـ رأوا أن من قوانين الحكمة الإلهية فى التشريع الديني أن يكون الظهور اللاحق أعظم مرتبة وأعم دائرة من سابقه ، وأن يكون كل خلف أرقى وأكمل من سلفه ، كل ذلك من أجل أن يكون حضرة الباب أعظم مقاماً وأثاراً من جميع الأنبياء الذين خلوا من قبله ، وإثبات أن له الخيار المطلق فى تغيير الأحكام وتبديلها .
ولم تكن السكرة والغفلة والبلادة قد تحكمت فى العالم الإسلامي بعد حتى يري دينه يهان وإسلامه يمتهن وهو لا يحرك ساكناً ولا يتحرك معارضاً وغاضباً ، فما أن انتهت وقائع وجلسات هذا المؤتمر المؤسف إلا وطاردتهم الجموع الغفيرة من المسلمين فى كل مكان وانهالوا عليهم ضربا وركلاًَ فى الشوارع والطرقات واقتحموا عليهم البيوت واذاقوهم صنوف الذلة والهوان .
وشهدت جلسات المحاكمة التى أقيمت للباب حلبة أخرى من الصراع ، بين الباب وأعوانه والمدافعين عنه من ناحية وعلماء الأمة بكل طوائفها ومذاهبها لا فرق فى ذلك بين سنى وشيعي من ناحية أخرى ، وبعد مجادلات ومساجلات ومناقشات طويلة وحامية الوطيس قضت هيئة المحكمة بإعدامه ، وأفتت بكفره ومروقه من الإسلام ، وتم تنفيذ هذا الحكم عام 1850م بعد فشل كل المحاولات التى قام بها القنصل الروسي لإنقاذ رأس " الباب " وتهريبه إلى خارج البلاد .
لكن إعدام الشيرازى لم يفت فى عضد أتباعه ، فراحوا يثيرون القلاقل والإضطرابات وينشرون الفتن وينظمون العصابات المسلحة للفتك بالصغير والكبير والأخضر واليابس ، وأشاعوا الفساد فى كل منطقة يحلون فيها ، وتحصنوا فى قلعة منيعة فى جبال مازندران ، فأصبح لهم قوة لا يستهان بها لم تستطع القوات الحكومية القضاء عليها أو الإستيلاء على القلعة التى يتحصنون فيها إلا بعد أربع محاولات متصلة كبدت القوات الحكومية الكثير من الخسائر المادية والبشرية بعدها أباحت السلطات دماء البابيين فسقط منهم الكثير بين قتيل ومثخن بالجراح ، حتى قاموا فى أغسطس من عام 1852م بمحاولة فاشلة لاغتيال الشاه ناصر الدين الذى كان وراء كل هذه الأحداث فأقلي القبض على كبار زعمائهم وأقطابهم وأعدمهم فى الحدائق والميادين العامة .
ولقد كان من الممكن انتهاء هذه الحركة تماماً عند هذا الحد ، وكانت الحكومة الإيرانية آنذاك عازمة على ذلك لولا احتواء قوتين خارجيتين لها :
الأولى : الدولة القيصرية الروسية : التى كانت تتزعم العالم المسيحي وتعتبر قبلة المسيحيين الشرقيين وكان لها أطماع واسعة فى العالم الإسلامي وخاصة إيران التى تشترك معها فى حدود طويلة شاسعة ، ووجدت الدولة القيصرية الفرصة سانحة حينما برزت هذه الحركة فأضفت عليها حمايتها وحرصت على رعايتها والعيش فى كنفها .
وقد أوضح هذا الدور الذى لعبه القنصل الروسى فى طهران فى مذكراته حيث يقول من خلال متابعته للأحداث الجارية فى ذلك الوقت ( وكان قد أعلن إسلامه وأطلق على نفسه اسم الشيخ عيسى ) : أنه كان يحرص على حضور مجالس الشيخ أحمد الإحسائي فتعرض من خلالها على الشيخ كاظم الرشتى ، وتعرف من خلاله على تلك الشخصية التى وجدها مناسبة لأن تلعب دور المهدى المنتظر ، فقد كانت هذه هى الفكرة المسيطرة على عقول الجميع ، وكان لدى العامة والخاصة الاستعداد الكامل لقبول مثل هذه الأفكار ، وكان الهدف المنشود من وراء ذلك ضرب الوحدة الإسلامية فى الصميم وتفتيت قوتها وتشتيت أمرها .
ويكشف القنصل الروسى عن دوره المشبوه وراء هذه الحركة ويضيف : أنه كان يبحث ويفتش عن الزائغين فى العقائد الإسلامية لضرب المسلمين فيما بينهم كى تقضى على وحدتهم ودمر اجتماعاهم ، فكان من أسهل الطرق الموصلة إلى هذا الهدف إنشاء الخلافات الدينية ونشرها وتسعير نارها فيما بينهم .
ويقول : ومن خلال البحث والتحري أطلعت على الطائفة الشيخية التى كانت تخالف فى كثير من نواحيها العقائد الإسلامية الثابتة فدخلت إلى حلقة كاظم الرشتى وكان كثير الذكر عن المهدى ، ولكن ليس المهدى الذى كانوا ينتظرن رجوعه منذ قرون ، ولكن ذلك المهدى الذى ستحل روحه فى جسد الرشتى نفسه .
ورأيت فى مجلسه الميرزا على محمد الشيرازى الذى وقر فى نفسى أنه أنسب الأشخاص للقيام بهذا الدور ، وصممت فى نفسى أن أجعله ذلك المهدى المزعوم ، ومنذ ذلك اليوم بدأت كلما وجدت الفرصة مواتية ، والخلوة مناسبة أرسخ فى ذهنه أنه هو القائم بالأمر ، وكنت دائما أخاطبه وأقول له : يا صاحب الأمر ويا صاحب الزمان ، وغير ذلك من الصفات التى تصيب صاحبها بالغرور والعظمة ، فكان فى أول الأمر يترف ويتأفف من ذلك إلا أنه لم يلبث إلا القليل حتى أبدى السرور وانتشى فرحا من هذا الكلام ومن ذلك الإطراء والمديح وكان للحشيش دوره وأثره القوى فى إدخال هذه الأفكار إلى خير الواقع حتى فاجأنى فى مايو 1844م بدعوته إلى أنه هو الباب وهو نائب صاحب العصر وباب العلم ، فأخبرته بأنى أؤمن بأنه هو إمام العصر وصاحب الزمان لا بابه أو نائبه ، ورجوته والححت فى الطلب ألا يحرمنى من الوقوف أمام حقيقته ، ولا يحجبنى من أصله ، فأنا أول المؤمنين به المؤيدين لدعوته . وحمدت الله فى نفسى بعد أن تنفست الصعداء من أن سعيى لم يضع سدى ، وجهدى الذى بذلته وصرفت فيه الوقت الكثير قد أثمر نتائجه .
ويضيف هذا الجاسوس الماكر المدسوس فى اعترافاته ومذكراته :" أنه كان مكلفا بإيصال مرتبات شهرية مغرية لكل زعماء هذه الفرقة الضالة ، وبذلك استطاع توجيههم الوجهة التى يريدها ويؤثر عليهم بالأسلوب الذى يفيد معهم ، حتى أصبح العقل المدبر لهم ، فهو الذى يضع الخطط ويحدد الأسلوب ويوضح لهم الهدف ويرسم لهم الطريقة التى ينبغى لهم أن يسلكوها ، بل أكثر من ذلك فقد أصبح هو الذى يؤلف لهم الكتب والألواح ويصلح لهم كتباً أخرى بحيث يضيف إليها أو يحذف منها حسب الحاجة ثم يأمر عملاءه وأصفياءه باستنساخ الكتب ونشرها بين الناس (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) " مذكرات القنصل الروسى كنياز الغوركى المعروف باسم الشيخ عيسى . نقلا عن كتاب فارسى " باب وبهاء رايشذا سيد " ملخصا ومختصرا فى كتاب البابية لإحسان الها ظهير ص 164 : 165 .
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة مجاهد في الله في المنتدى منتدى الكتب
مشاركات: 3
آخر مشاركة: 13-12-2008, 02:36 AM
-
بواسطة نجم ثاقب في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 24
آخر مشاركة: 08-05-2008, 11:34 PM
-
بواسطة Sharm في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 01-09-2006, 01:58 AM
-
بواسطة sallam_6 في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 14-04-2006, 03:59 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات