النشأة والتكوين:
عندما ظهر الضعف والوهن على جسد الأمة الإسلامية مطلع القرن التاسع عشر الميلادى جراء الهجمات الشرسة التى قام بها الغرب الصليبي واستطاعوا بعدها السيطرة على جزء كبير من بلاد المسلمين ، والاستيلاء على مواطن الخيرات ومكمن الثروات ، انتفضت عدة حركات إصلاحية كرد فعل معاكس للأوضاع المتردية ... وقام كثير من الدعاة يجوبون البلاد لإنقاذ الناس مما هم فيه من ركون وغفلة ، ووجد دعاة الباطنية والتيارات المنحرفة والحركات الهدامة الفرصة للاختفاء فى هذه الانتفاضات لبث معتقداتهم ونشر أفكارهم ، وبمضى الزمن ظهرت جماعات وفرق خلطت بين عقيدة الإسلام النقية الصافية وبين الملل والنحل القديمة التى ما جاء الإسلام إلا ليخلص الناس من شرورها وضلالها .
وكانت فكرة المهدي المنتظر من أهم الأفكار التى وجدت رواجاً شائعاً فى هذه الأثناء وكانت تعبيرا واضحا عن روح الضعف والتخاذل التى دبت فى صفوف المسلمين ، فلم يكن فى استطاعتهم مواجهة الواقع المرير الذى عاشوا فيه ، فتمنوا أن يخرج عليهم من ينقذهم وينتشلهم ويعيدهم إلى الحياة التى تمنوها لأنفسهم فى ظل الدين الإسلامي العظيم .
ففى البداية ظهر رجل عراقي يسمى الشيخ أحمد الإحسائي يدعو على أفكار غريبة ومذهب جديد وأخذ يجوب البلاد داعياً لمذهبه ، ووجد من إيران مرتعاً خصباً ليبشر بقرب ظهور الإمام الغائب ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلما وجوراً ( والشيعة أكثر الناس تعلقاً بذلك فكل فرق الشيعة على اختلاف مذاهبها تؤمن بالإمام الغائب وينتظرون خروجه بين عشية وضحاها ) ، وأطلق على هذا المذهب اسم ( المذهب الشيخي ) نسبة إليه ، وبلغ من انتشار دعوته ، وتأثيره فى نفوس الناس أن أحدث فتنة هائلة ، واختلف الناس فىشأنه اختلافا عظيماً ، فما وجد مكاناً إلا وفيه مؤيد له ومعارض ، وقبل أن يمضى الإحسائي إلى ربه عام 1826 م أوصى بقيادة المذهب إلى تلميذه الإيراني كاظم الرشتى ( فهو وحده الذى يفهم مغزى كلامه على حد زعمه ) ، وكانت بالطبع أهم وصية له هى ترقب الإمام الغائب فقد اقترب موعد ظهوره بعد طول غياب ( حيث دخل السرداب فى مدينة سامراء عام 260 هـ ولم يخرج منه بعد ) وهام كاظم الرشتى على وجهه بين إيران وكربلاء بالعراق مبشراً بما دعا إليه استاذه ومعلمه وباحثاً عن الإمام المزعوم ، وقد كان الموت أقرب إلى الرشتى من أن يصل إلى ما كرس حياته من أجله ، وبعده آلت قيادة الدعوة إلى الملا حسين البشرؤي الذى لم يكن أهلا لها ولم تكن لديه الإمكانيات التى تؤهله لهذه الزعامة ، لذلك ظهر على الناس بإعلان عجيب وغريب وهو ظهور الواسطة الذى عن طريقه يصل إلى الإمام الغائب وهو " الباب " الذى به يصل إلى طريق السلامة .. ومن هنا ظهرت " البابية "