متعلم كتب في : Jun 15 2005, 12:44 PM
مماحكات التأويل فى مناقضات الإنجيل


بسم الله الرحمن الرحيم


وبعد حمد الله الذى لا تناقض فى كلماته ، ولا تبديل فى أحكامه وآياته ، فإنى لما رأيت مناقضات كتاب الأناجيل الأربعة كثيرة ، لا يمكن حصرها ، ولا يتأتى لزابر زَبْرها ، عمدت إلى أحدها ، وهو الإنجيل المنسوب إلى متى ، فعارضته بغيره من باقى الأناجيل الثلاثة ، معارضة تؤتّ الخصم أتــًا ، وتــَـبْـلــَـتــُـه بَـلتــًا .

هذا ، ولما كان الخلاف والتخليط فى الرواية ، والتقديم والتأخير فى تأريخ الوقائع ، وتوقيت الحوادث ، ممن يدعون ـ أو يُدعى لهم ـ أنهم يكتبون من وحى الله ، بمنزلة المناقضة ، أشرت إلى ما عثرت عليه من ذلك بعض الإشارة ، ليدرجه اللبيب فى ضمن الغرض الذى قصدناه ، والموضوع الذى نحوناه ، وليعلم أن دعوى النصارى بكون هذه الأسفار الموجودة الآن بأيديهم وحيًا ، داحضة فارغة ، وأن مؤلف هذا الإنجيل لم يكن مشاهدًا بمرأى العين ما نقله ، وإنما قلد فى ذلك بعض الرواة فى عصره مجازفة ، وكذا غيره من غيرهم ، وأنه إذا بطلت الدعوى بعصمة متى عن الغلط فيما نقله عن عيسى ، أو أخبر به عنه ، لم يبق معذرة لغيره .

ثم إنه ما عاد التناقض الذى وقع بين هؤلاء الأربعة ، فثم مناقضات عديدة بينهم وبين سائر المؤلفين من الرسل الحواريين ، كبطرس وبولس وغيرهما ، وبينهم أيضًا وبين أسفار اليهود ، التى استشهدوا منها بما عنّ لهم وراق تأييدًا لدعواهم ، بل تراها أيضًا فى كلام كل منهم مكذبًا بها نفسه ، أو مفسدًا عقيدته.

وذلك كقول لوقا : 9 : 54 حكاية عن عيسى أنه قال لتلميذيه يعقوب ويوحنا ، وقد استأذناه فى أن يأمر فتنزل نار من السماء ، فتحرق أهل قرية فى السامرة ، لعدم إضافتهم إياهما : ( إنكما لا تعلمان من أى روح أنتما ؟ لأن ابن الإنسان لم يأت لإهلاك نفوس الناس بل لخلاصها ) . ثم لم يلبث أن قال فى 2 : 49 حكاية عن عيسى أيضًا أنه قال : ( إنما جئت لأبعث نارًا على الأرض ، وماذا يريد إن هى قد اضطرمت ) أى وماذا أريد إلا أن تضطرم .. إلى أن قال : ( أتظنون أنى جئت لألقى سلمًا على الأرض ؟ لا ، إنى أقول لكم ، لكن شقاقــًا ) .

وكقول يوحنا فى الفصل الأول : ( الله لم يره أحد قط ) . ثم قال فى 14 : 9 حكاية عن عيسى أنه قال ( من رآنى فقد رأى الآب ) .

إلا أنا أضربنا عن استيفاء هذا النوع من التناقض ؛ ثقة بأن ما نورده من النوع الأول كافٍ فى إثبات الحجة على الخصم ، وفى إفحامه عن الجواب .

ومما يعد أيضًا من التناقض : سكوت بعض هؤلاء المؤرخين عما ذكره من معجزات عيسى الباهرة ، فإن متى ومرقس ولوقا لم يذكروا معجزة تحويل الماء خمرًا ، مع أنها كانت أولى معجزاته ، وبها ظهر مجده ، وآمنت به تلاميذه ، على ما ذكره يوحنا فى الفصل الثانى .

وكذلك قضية بعث العازر من الموت ، وقد كان مضى عليه أربعة أيام ، ولو لم يكن هذا الأمر غريبًا خارقــًا للعادة ، لما كان يوحنا أطال فيه الكلام .

على أن لوقا كان متتبعًا لجميع الأمور التى فعلها عيسى كما يعلم فى أول إنجيله ، وعبارته : ( رأيت أنا أيضًا إذ كنت تابعًا لكل شىء ، أن أكتب إليك أيها العزيز تاوفيلوس ، لتعرف حقائق الأمور التى وعظت بها ) . ومن أول سفر الأبركسيس حيث قال : ( إن الكتاب الأول قد أنشأته يا تاوفيلوس فى جميع ما ابتدأ عيسى أن يعلمه ويعلم به معًا إلى يوم ارتفاعه ) اهـ.

وكذا قضية ماء البركة ، الذى كان يشفى أول نازل فيه عند تحريك الملك له ، وغسل عيسى أقدام تلاميذه ، وأمره لهم بالاقتداء به فى ذلك . كل ذلك تفرد بذكره يوحنا .

وقد تفرد متى بذكر خروج الموتى من أجداثهم عند موت عيسى ، وظهورهم لأناس كثيرين فى المدينة ، وهو أعجب من حل الجحش الذى تواطأوا على ذكره ! .. وكذا ظهور النجم للمجوس ، وسيره معهم حتى بلغوا إلى أورشليم ، وهو أعجب وأغرب من جولان التلاميذ مع مريم المجدلانية وغيرها من النساء اللائى كن يصاحبن عيسى ورسله وينفقن عليه !

وكثيرًا ما ترى أحد هؤلاء المؤرخين يذكر مثلاً عقيدة دينية ، أو أمرًا مهمًا ، أو حكمًا إلهيًا عن عيسى ، ولا يذكره غيره ، أو يذكر حديثــًا ثم ينتقل إلى غيره من دون علاقة ، ثم ترى تتمة ذلك الحديث قد أوردها غيره من دون إيراد أوله .

فمثل هذا الخلل والتشويش لا يمكن أن يصدر عن وحى الله ، ولو أن أحد مؤلفى عصرنا هذا ارتكب مثل ذلك لما عذره عليه من الناس عاذر !

وأغرب من ذلك مواطأتهم جميعًا على إيراد ما لا ينبغى العلم به ، وذلك كركوب عيسى مثلاً سفينة وخروجه منها ، وجلوسه عند البحر ، وعبوره من شاطئ ، ودخوله بيتــًا ، ومبيته عند مريم المشار إليها ، وسيره إلى برية ، وصعوده إلى جبل ، وتنقله من مكان إلى مكان ، من دون فائدة تحصل به .

وأغرب منه ما ذكره لوقا 7 : 37 من أن عيسى وتلاميذه كانوا يجولون فى القرى ومعهم نساء ، منهم مريم هذه التى كان أمرها مشهورًا بالفجور والزنى .. وأنت خبير بأنه لا يتأتى لكل واحد فى البلاد الشرقية ، وخصوصًا فى القرى ، أن يبيت وحده فى محل مخصوص ، فلا بد أن هؤلاء الأولياء كانوا يبيتون مع تلك الوليات معًا .

وكذكر هذا المؤلف وغيره اقتحام هذه الفاجرة فى بيت الفريسى ، الذى كان قد أضاف عيسى ، وإفاضتها الطيب على رأسه ، وغسلها قدميه بدموعها ، وتنشيفها إياهما بشعرها ، وقد كانت وقتئذ فاحشة بغيًا مباحة .. فهل يليق الآن بأحد مطارنة النصارى ، إذا كان ضيفــًا فى بيت أحد معارفه ، أن يأذن لقحبة فاحشة فى أن تغسل رجليه بمحضر ملأ من الناس ، من غير أن تبدى أمارة التوبة من قبل ، لا سرًا ولا جهرًا ؟!

وكذكر يوحنا تجرد عيسى بعد العشاء عن ثيابه ، وتحزمه بمنشفة لغسل أقدام تلاميذه ، فهذا يوهم أن عيسى وقتئذ كان قد سرت فيه الخمرة ، حتى لم يكن يدرى ما يفعل ، فإن غسل الأقدام لا يوجب التجرد عن الثياب !

وكقوله أيضًا فى 11 : 18 : إن عيسى كان يحب مريم ومرثا .. ومريم هذه هى التى دهنته بالطيب ، ومسحت قديمه بشعرها !

وكقوله أيضًا فى الفصل الثالث عشر : ( وكان أحد تلاميذه متكئــًا فى حضن عيسى ) .. وهو الذى كان عيسى يحبه !

وكقوله فى 7 : 3 بعد ذكر معجزة الخمر وإيمان التلاميذ ما نصه : ( فقالت له إخوته : انطلق من هنا وسر إلى أورشليم ، حتى ترى تلاميذك أيضــًا الأعمال التى تعملها ، إذ ليس أحد يعمل شيئــًا سرًا وهو يطلب أن يكون مشهورًا علانية ، فإن كنت تعمل هذه الأعمال فأظهر نفسك للعالم ) لأن إخوته أيضــًا لم يكونوا قد آمنوا به .

فهذا يوهم أن تلك المعجزة التى ذكرها سابقــًا لم تكن علانية ، وأن عيسى كان يحاول بالحرى أن يفعل غيرها خفية ، وأن إخوته كانوا من أجل ذلك يسيئون الظن فيه .. وصاحب البيت أدرى بالذى فيه !

وكقوله أيضًا فى 10 : 20 : إن كثيرًا من اليهود كانوا يقولون عن عيسى إنه مجنون وبه شيطان .

وكقول مرقس أيضًا فى 3 : 21 وذلك بعد أن ذكر ازدحام الجمع على عيسى : ( حتى إنهم لم يقدروا على الأكل ، فلما سمعت أقاربه بذلك ، خرجوا ليمسكوه ، لأنهم قالوا إنه مجنون ) .

فهذا يدل على أن أقارب عيسى قد قالوا ذلك وهم يعتقدونه ، أو أنهم ادعوا بكونه مجنونـًا إنجاءً له مما تورط فيه من حشد الجمع إليه ، وتعرضه لما لم يلق به مما ظُن فيه إلمام السوء به .

وأشباه ذلك لا تحصى مما ظاهره وباطنه القدح فى عيسى لا المدح .

والحاصل أن جميع ما أورده هؤلاء الأربعة عن عيسى ، سواء كان أحكامًا أو مواعظ أو قصص معجزات وأحوال ، فإنما هو موهوم غير محقق ولا معين .

أما الأحكام والمواعظ فإنهم لم يتفقوا على إيرادها بلفظها ، فترى أحدهم يوردها بلفظها الماضى وغيره بالماضى أو الأمر ، بالسلب ، وغيره بالإيجاب ، وغيره بصورة الاستفهام ، وآخر يوردها مرة ، وغيره يكررها مرتين وثلاثــًا .

فالزعم بأن عيسى كان يكرر معنى واحدًا مرات كثيرة ، يدل على أنه كان ذا بضاعة مزجاة ، وإلا فهو غلط من الناقل .

وأما قصص المعجزات والأحوال ، فإن بعضهم يذكرها فى وقت ، وغيره فى وقت آخر ، فليس لنا من ذلك كله سوى مجرد الحدس والوهم فى إمكان وقوع ما ذكروه على سبيل المجازفة ، من دون علم بكيفيته وماهيته وخصوصيته وعلاقته ، مما لا يُعفى منه أحد من المؤرخين .

وأكثر ما جرى الخلاف بينهم فى قضية ميلاد عيسى ، وانبعاثه من الموت ، وارتفاعه إلى السماء ، مع أنها من أهم الأمور .

أما مولده ، فقد أضرب عن ذكره كل من مرقس ويوحنا ، واختلف فيه متى ولوقا ، كما سيمر بك .

وأما صعوده ، فقد سكت عنه متى ويوحنا ، واختلف فيه مرقس ولوقا .

فللمعترض هنا أن يقول : لأى سبب أضرب مرقس ويوحنا عن ذكر ميلاد عيسى من دون أب ، وهو أمر خارق للعادة ؟

فإن قيل : إن ذلك كان لعلمهما أن غيرهما ذكره أو سيذكره .

قلت : فلِمَ تواطأ إذن على ذكر الأمور الخسيسة ، والحوادث الأجنبية ، والكلام اللغو ؟ ولِمَ أسهبا الكلام على ذكر آلام عيسى ، وشكوى اليهود عليه ، وعلى قصة إرسال التلميذين لحل الجحش ، وغير ذلك كثير لا يحصى ؟

ويا ليت شعرى ، أى فائدة تحصل من العلم بكون (زكـّـا) طلع على الجميزة لأنه كان قصيرة القامة ؟ .. وبكون بطرس اخترط سيفه وضرب به عبد رئيس الكهنة وكان اسمه (ملخس) فقط أذنه ؟ .. وبكون اليهود سخروا رجلاً كان آتيًا من الحقل اسمه (سمعان) وهو أبو الإسكندر ، ليحمل صليب عيسى خلفه ؟

فإن قيل : إن ذلك لعدم علمهما بذكره .

قلت : فلأى شىء أهملاه وهما مطلعان عليه ؟ .. فهل كانا يعلمان أن هذه الأناجيل الأربع تجمع فى مجلد واحد حتى يعرف الناس منها كلها المهم من أحوال عيسى ؟ .. ولِمَ جهلا إذن الأوقات التى ذكرا فيها تلك الوقائع والقصص ، وناقض أحدهما صاحبه فى ذلك أشد المناقضة ؟

فلم يبق الآن إلا أن يقال كما أسلفنا آنفــًا : إن هؤلاء المؤلفين لم يكونوا مشاهدين بمرأى العين ما شهدوا به ، وإنما هى رويات مختلفة عن عيسى ، طارت فى البلاد ، فنقلها كل منهم بحسب ما بلغته من أفواه الرواة فى بلاده .

وقد سميت هذا المؤلف : ( مماحكات التأويل فى مناقضات الإنجيل ) ، ثم شفعته أيضًا بمسائل فى عقائد النصارى سميتها ( المسائل المفخمة فى العقائد المبهمة ) .

وهذا أوان الشروع ، وبالله التوفيق .