الرد على السؤال رقم 6: جاء في سورة الأعراف 166 " فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ "ذكر الناقد ما قاله البيضاوي في تفسيره لتلك الآية: { فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ } تكبروا (أي اليهود) عن ترك ما نهوا عنه كقوله تعالى : { وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ } ... { قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } كقوله : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ... والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولاً بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك فمسخهم ... ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريراً وتفصيلاً للأولى ... روي: أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين كرهوا مساكنتهم ... فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق ... فأصبحوا يوماً ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين فقالوا: إن لهم شأناً ... فدخلوا عليهم فإذا هم قردة ... فلم يعرفوا أنسباءهم ولكن القردة تعرفهم ... فجعلت تأتي أنسباءهم ... وتشم ثيابهم ... وتدور باكية حولهم ثم ماتوا بعد ثلاث ... وعن مجاهد مسخت قلوبهم لا أبدانهم.
ثم قال سيادته ونحن نسأل: هل من المعقول أن نقابل إنساناً مُسخ قرداً أو خنزيراً ؟؟؟ ألا تعلّمنا الطبيعة أن كل شيء يبذر بذراً كجنسه ؟؟؟ أليس من يقول إن القمح صار شعيراً وإن العنب صار تيناً ... كمن يقول إن الإنسان صار قرداً أو خنزيراً ؟؟؟


ذَكَرَ القرآنُ الكريم قصةَ أَصحابِ قريةِ من اليهود كانت قريبة من البحر ... كانوا يعملون بصيد السمك ... فأراد الله اختبارهم فأمر الله السمك (الحيتان) بعدم الاقتراب من سواحلهم في أيام العمل الست ... بينما يكثر في يوم السبت ... وهو يوم يحرم عندهم فيه العمل ... بل إن هذه الحيتان (الأسماك) كانت تظهر على الماء في يوم السبت إمعانًا في اختبارهم ... فما كان من هؤلاء القوم إلا أنهم شرعوا يحتالون الحيل ... ورُوي أنهم كانوا يقيمون حواجز (مصائد) للسمك يوم الجمعة ... ثم يأخذون ما وقع في هذه المصائد يوم الأحد ...

وقد انبرى فريق منهم يحذر العصــاة من مغبة عملهم هذا ... بينما اكتفى فريق ثالث بعدم المشاركة في الإثم وقالوا للفريق الناهي عن المنكر لِمَ تعظون هؤلاء العصاة الهالكون ... " وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ... وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ... كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ... وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ... قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ " الأعراف 163-164 ... فماذا حدث لهؤلاء اليهود العصاة ؟؟؟ لقد أَوقعَ اللهُ بهم العِقاب ... وأَنجى إِخوانَهم الملْتَزِمين الناصحين ... وكانَ عِقابُهم اَيةً من آياتِ الله ... حيثُ مَسَخهم اللهُ قردةً خاسِئين ... قال تعالى: " فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ... وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ... فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ " الأعراف 165-166


والإِنسانُ لا يَصيرُ قِرْداً في الوضع الطبيعي ... لأَنَّ الإِنسانَ إِنْسان ... والقِردَ قِرْد ... واليهودُ سكانُ تلك القريةِ لم يَكونوا أَصلاً قُروداً ... ولم يَصيروا قُروداً برغبتِهم واختيارِهم وإِرادتِهم ... لكن اللهَ هو الذي مَسَخَهم قُروداً ... وحَوَّلَهم من بَشَرٍ إِلى قُرود ... ومَنْ نَظَر إِليهم رآهُم قُروداً ... وكان هذا المسخُ والتحويلُ خارقةً من الخوارق ... وآيةً من آياتِ الله ... ولذلك فإن هذا الأمر لا يَدْعو إِلى الاستغرابِ والإنكار والاعتراض ... لأَنَّ اللهَ قالَ لأولئك القومِ: كُونوا قردةً خاسئين ... فصاروا قردةً خاسئين ... لأَنَّ اللهَ سبحانه: " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا ... أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " يس 82 ... ولو أَرادَ اللهُ أَنْ يَجعَل القمح شعيراً فَعَل ... فلا رادَّ لمشيئته ...


وقد ورد في تفسير الطنطاوي: إن الله تعالى عاقب القوم أولاً بالعذاب البئيس ... الذي يتناول البؤس والشقاء والفقر في المعيش ... " وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " الأعراف 165 ... فلما لم يرتدعوا ويثوبوا إلى رشدهم ... مسخهم مسخا خِلقيا وجسميا ... فكانوا قردة على الحقيقة ... وهو الظاهر من الآية ... وتلك العقوبة كانت جزاء إمعانهم في المعاصي ... وتأبيهم عن قبول النصيحة ... وضعف إرادتهم أمام مقاومة أطماعهم ... وانتكاسهم إلى عالم الحيوان لتخليهم عن خصائص الإنسان ... فكانوا حيث أرادوا لأنفسهم من الصغار والهوان ...


هذا وقد استدل العلماء بهذه الآيات الكريمة على تحريم الحيل القبيحة التي يتخذها بعض الناس ذريعة للتوصل إلى مقاصدهم الذميمة ... وغاياتهم الدنيئة ومطامعهم الخسيسة ... إن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة ... لما تحايلوا على إباحة ما حرمه الله تعالى عليهم من الصيد ... بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة ... فلما وقع فيها الصيد ... أخذوه يوم الأحد ...

قال بعض الأئمة:ففي هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهي (النواهي) الشرعية ... ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيباً لموسى عليه السلام وكفراً بالتوراة ، وإنما هو استحلال تأويل واحتيال ... ظاهرة ظاهر الإيفاء (الالتزام) ... وباطنه باطن الاعتداء ... ولهذا مسخوا قردة ... لأن صورة القردة فيها شبه من صورة الإنسان ... فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى ... بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض مظاهره دون حقيقته ... مسخهم سبحانه قردة يشبهونهم في بعض ظواهرهم دون الحقيقة ... جزاء وفاقا ... وفى الحديث الشريف " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود ... وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل " ... انتهى تفسير الطنطاوي


وبالنسبة لسؤال الناقد: هل من المعقول أن نقابل إنساناً مُسخ قرداً أو خنزيراً ؟؟؟ والإجابة لا ... ولماذا ؟؟؟ قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ !!! القردةُ والخنازيرُ ... هي مما مُسِخ ؟؟؟ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لم يُهلِكْ قومًا ... أو يُعذِّب قومًا ... فيجعل لهم نسلًا ... وإنَّ القردةَ والخنازيرَ كانوا قبلَ ذلك " ... الراوي: عبدالله بن مسعود | المحدث: مسلم | المصدر: صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2663 | خلاصة حكم المحدث: صحيح | ... أي أن القِردةَ والخَنازيرَ كانوا قَبلَ مَسخِ بَني إِسرائيلَ ... فدَلَّ ذلكَ عَلى أَنَّها ليستْ منَ المَسخِ ... وأنَّ القِردَةَ والخَنازيرَ الَّتي نَراها اليومَ لَيستْ مُنحدِرةً مِن نَسْلِ الَّذين مَسخَهمُ اللهُ مِن عُصاةِ بَني إِسرائيلَ.



لقد كان يتوجب على الناقد قبل أن يسأل ويتعجب عن مسخ الله لبعض اليهود العاصين المتحايلين على أوامر الله ... كما ذكر في القرآن الكريم ... أن يقرأ أولاً ما ورد في سفر التكوين 19/ 26 ... والذي يحكى قصة امرأة لوط التي مُسِخت وصارت عمود ملح: " وَنَظَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ. " ... وفى ذلك يقول القس أنطونيوس فكري في تفسيره: أن الله حولها بقدرته لعمود ملح ...



وكان على الناقد أيضاً قبل أن يسأل ويتعجب عن ذلك ... أن يقرأ أولاً عن سير القديسين والشهداء في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية " الشهيدات جايانا ورهيبسيمى والعذارى " ... في عهد الإمبراطور دقلديانوس في روما عام 312م ... وكيف تم تعذيب " رهيبسيمى " بتقطيع أطرافها وبتعذيبها بالنار حتى استشهدت هي وبقية العذارى (وكان عددهن حوالي 35) حيث عذبن حتى الموت ... وبعد ذلك بأسبوع نال الملك المتوحش الذي فعل بهن ذلك عقابه ... إذ أثناء صيده في الغابة تحول إلى صورة خنزير برى ... ولم يشفه من حالته تلك سوى القديس غريغوريوس الأرمني الذي كان محبوسا في جب لمدة 15 سنة ... هذا وقد ظهرت الشهيدات في رؤيا للقديس غريغوريوس بمدينة أشميازين Etshmiadzin ... وبُنيت حول الكنيسة الكبيرة هناك ثلاث كنائس في موضع استشهاد هؤلاء العذارى ... اقرأ ما ورد في موقع الأنبا تكلا:
http://st-takla.org/Saints/Coptic-Orthodox-Saints-Biography/Coptic-Saints-Story_786.html ... ونقول " مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ " متى 11/15



ولكن ما موقف السبت في الكتاب المقدس ؟؟؟ إن السبت كلمة عبرانية معناها " راحة " ... ويتوجب على اليهود في يوم السبت ترك أشغالهم المادية والاستراحة ... وذلك تذكارًا لليوم السابع من الخليقة ... وهو يوم السبت الذي باركه الله وقدسه لأن فيه استراح الرب من جميع أعماله ... " فَاكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالارْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا ... وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِل ... فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ ... وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابِعَ وَقَدَّسَهُ ... لأنه فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقا " سفر التكوين 2/1- 3



ويقول سفر الخروج 20/8-11 يجب أن نستريح في اليوم السابع ... لأن الله استراح فيه من الخليقة وقدسه " اذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ ... سِتَّةَ ايَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ ... وَامَّا الْيَوْمُ السَّابِعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ الَهِكَ ... لا تَصْنَعْ عَمَلا مَا انْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَامَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ ابْوَابِكَ ... لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا ... وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ ... لِذَلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ.".



وإذا كان القرآن الكريم قد اتفق مع الكتاب المقدس في عدد أيام خلق السماوات والأرض وهى ستة أيام ... إلا أنه اختلف عنه في ذلك الأمر اختلافا جوهرياً ... فبينما نسب الكتاب المقدس لله أنه استراح في يوم السبت من " جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ " ... نجد أن القرآن الكريم يقول: " وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ... وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ " ق 38 ... أي أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ... لكن لم يترتب على ذلك الخلق أي تعب ( لغوب ) أو إعياء حتى يستريح الله ... كما نسب الكتاب المقدس لله ذلك (تعالى الله عما يقولون).



وعلى هذا فإنه عندما خالف أحد اليهود السبت بالعمل فيه ... قتلوه بدون رحمة كأوامر الرب لموسى " وَلمَّا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيل فِي البَرِّيَّةِ وَجَدُوا رَجُلاً يَحْتَطِبُ حَطَباً فِي يَوْمِ السَّبْتِ ... فَقَدَّمَهُ الذِينَ وَجَدُوهُ يَحْتَطِبُ حَطَباً إِلى مُوسَى وَهَارُونَ وَكُلِّ الجَمَاعَةِ ... فَوَضَعُوهُ فِي المَحْرَسِ لأَنَّهُ لمْ يُعْلنْ مَاذَا يُفْعَلُ بِهِ ... فَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى: «قَتْلاً يُقْتَلُ الرَّجُلُ ... يَرْجُمُهُ بِحِجَارَةٍ كُلُّ الجَمَاعَةِ خَارِجَ المَحَلةِ» ... فَأَخْرَجَهُ كُلُّ الجَمَاعَةِ إِلى خَارِجِ المَحَلةِ وَرَجَمُوهُ بِحِجَارَةٍ فَمَاتَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى. " سفر العدد 32-36




واللــــه تعالى أعلم وأعظم
يتبع بإذن اللـــه وفضـــله