الرد على السؤال رقم 4: جاء في سورة الأعراف 73-78 ..." وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) " ...
ثم ذكر الناقد ما ورد في تفسير البيضاوي لتلك الآيات ... والذي مفاده أن قوم ثمود جاءوا بعد قوم عاد ... وعمروا الأرض ونحتوا البيوت في الجبال ... وكانوا في خصب وسعة فعثوا وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأصنام ... فبعث الله فيهم صالحاً من أشرافهم فأنذرهم ... فسألوه آية (معجزة) ... فأَخْرَجَ لهم ناقَةً من داخل صَّخرة ... وأَخرجَ من هذه الصخرةِ أيضاً ابنَاً للناقة ... فآمَنَ بصالح بعضُهم وكَفَرَ به آخرون ... وكانت هذه الناقةُ تُخيفُ أَنعامَهم ... وتَشربُ ماءَهم ... ولكن كانوا هم في المقابلِ يَشْرَبون لَبَنَها ... ولذلك اتَّفَقوا على قَتْلِها واقتسام لَحْمها ... فلما قَتَلوا الناقة أَخْفَت الأَرضُ داخلَها ابنَ الناقة ... وبعدَ ثلاثةِ أَيام وَقَعَ بهم العذابُ ... وأَنْجى اللهُ صالحاً - عليه السلام - إِلى فلسطين.
والناقد يسأل: هل من المعقول أن الصخرة تتمخض وتلد ناقة ؟؟؟ والناقة تشرب كل البئر وتطعم كل المدينة ؟؟؟ وهل من المعقول أنه عندما تتسبب الناقة في أذية المدينة بطرد الأنعام فيذبحها الناس ... يُهلك اللهُ المدينةَ كلها مقابل ذبح ناقة !!! وهل من المعقول أن تسمع الصخرة رُغاء الفصيل (صرخة ابن الناقة) فتنشق ويدخل بها ويعود جزءاً من الصخرة كما كان ؟؟؟ أليس هذا أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة؟!!

قبل الرد على ما أثاره الناقد سنلخص السياق الذي وردت فيه هذه الآيات لنفهم مغزاها وذلك كما ورد في تفسير الظلال:


إن كل رسول من الرسل (صلوات الله عليهم جميعاً) قد جاء إلى قومه بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه ... فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين كما كانت عقيدة آدم وزوجه ... ثم انحرفوا حتى إذا جاء نوح- عليه السلام- دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى ... ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون ... وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين ... حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم ... حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم ... ثم تكررت القصة ... وهكذا ...

ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه فقال: «يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» ... وقال كل رسول لقومه: «إني لكم ناصح أمين» ... معبرا عن ثقل التبعة وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ورغبته في هداية قومه ... وهو منهم وهم منه ... وفي كل مرة وقف «الملأ» من علية القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين ... ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة ... وعندئذ يجيء الفتح ... ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة ... ويأخذ المكذبين المستكبرين ... وينجي الطائعين المستسلمين ... هذا ولم يذكر القرآن إلا قليلاً من التفصيلات بعد هذه القاعدة الأساسية المشتركة في الرسالات جميعاً.


إن مصارع المكذبين كما يعرضها هذا القصص تجري على سنة لا تتبدل: نسيان لآيات الله وانحراف عن طريقه ... إنذار من الله للغافلين على يد رسول ... استكبار عن العبودية لله وحده والخضوع لرب العالمين ... اغترار بالرخاء واستهزاء بالإنذار واستعجال للعذاب ... طغيان وتهديد وإيذاء للمؤمنين ... ثبات من المؤمنين ومفاصلة على العقيدة ...

وهذه هي اللمسة المستفادة من تتابع السياق القرآني في السورة على النحو الذي تتابع به ... «لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ، فَقالَ: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ... قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. ... فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ، وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ» ... الأعراف 59-64


وتمضي عجلة التاريخ، ويمضي معها السياق، فإذا نحن أمام عاد قوم هود: «وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً، قالَ: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، أَفَلا تَتَّقُونَ ؟؟؟ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ، وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ... فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا، وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ» ... الأعراف 65-72 ... إنها نفس الرسالة، ونفس الحوار، ونفس العاقبة ... إن قوم عاد هؤلاء من ذراري نوح والذين نجوا معه في السفينة ... وما من شك أن أبناء هؤلاء المؤمنين الناجين في السفينة كانوا على دين نوح عليه السلام كانوا يعبدون الله وحده، ما لهم من إله غيره، وكانوا يعتقدون أنه رب العالمين ...


ثم تأتى صفحة أخرى من صحائف قصة البشرية ... ومصرع جديد من مصارع المكذبين ... «وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ... قالَ: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» ... الأعراف 73... ذات الكلمة الواحدة التي بها بدأ هذا الخلق وإليها يعود ... ويزيد هنا تلك المعجزة التي صاحبت دعوة صالح ... حين طلبها قومه للتصديق: «قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً» ... الأعراف 73


والسياق هنا لأنه يستهدف الاستعراض السريع للدعوة الواحدة ... ولعاقبة الإيمان بها وعاقبة التكذيب ... لا يذكر تفصيل طلبهم للخارقة (أي للمعجزة وهي الناقة) ... بل يعلن وجودها عقب الدعوة ... وكذلك لا يذكر تفصيلاً عن الناقة أكثر من أنها بيِّنة من ربهم ... وأنها ناقة الله وفيها آية (معجزة) منه ... ومن هذا الإسناد نستلهم أنها كانت ناقة غير عادية ... أو أنها أخرجت لهم إخراجاً غير عادي ... مما يجعلها بينة من ربهم ... ومما يجعل نسبتها إلى الله ذات معنى ... ويجعلها آية على صدق نبوته ... ولا نزيد على هذا شيئاً مما لم يرد ذكره من أمرها في هذا المصدر المستيقن (أي في القرآن الكريم) - وفيما جاء في هذه الإشارة كفاية عن كل تفصيل آخر- فنمضي نحن مع النصوص ونعيش في ظلالها: «فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ... الأعراف 73 ... إنها ناقة الله، فذروها تأكل في أرض الله، وإلا فهو النذير بسوء المصير..


وبعد عرض الآية والإنذار بالعاقبة ... يأخذ صالح في النصح لقومه بالتدبر والتذكر ... والنظر في مصائر الغابرين، والشكر على نعمة الاستخلاف بعد هؤلاء الغابرين: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ، وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ، تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً، وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً ... فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» ... الأعراف 74


والنبي صالح يذكر قوم ثمود باستخلاف الله لهم من بعد قوم عاد ... وإن لم يكونوا في أرضهم ذاتها ... ولكن يبدو أنهم كانوا أصحاب الحضارة العمرانية التالية في التاريخ لحضارة قوم عاد ... وبذلك صاروا خلفاء ممكنين في الأرض ... وهو ينهاهم عن الانطلاق في الأرض بالفساد ... إغتراراً بالقوة والتمكين، وأمامهم العبرة ماثلة في قوم عاد الغابرين !!!


10.
وهنا نلمح فجوة في السياق على سبيل الإيجاز والاختصار ... فقد آمنت طائفة من قوم صالح ... واستكبرت طائفة " قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ... قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ... قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ " الأعراف 75-76

11. وعلى الرغم من البينة (المعجزة) التي جاءهم بها صالح ... اعتدوا على ناقة الله التي جاءتهم آية (معجزة) من عنده على صدق نبيه في دعواه ... والتي حذرهم نبيهم أن يمسوها بسوء فيأخذهم عذاب أليم:
«فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ... وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا: يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» الأعراف 77

12.
ولا يستأني السياق في إعلان الخاتمة ... ولا يفصل كذلك: «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ... فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ» الأعراف 78 ... ليرسم لنا مشهد صالح الذي كذبوه وتحدوه: «فَتَوَلَّى عَنْهُمْ، وَقالَ: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ، وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ» الأعراف 79 ...إنه الإشهاد على أمانة التبليغ والنصح والبراءة من المصير الذي جلبوه لأنفسهم بالعتو والتكذيب ... وهكذا تطوى صفحة أخرى من صحائف المكذبين ... ويحق النذير بعد التذكير على المستهزئين ... انتهى تفسير الظلال

لقد هلك الذين كذبوا بنبي الله صالح وبرسالة ربه ... بل واعتدوا على الناقة ... وهى المعجزة التي أرسلها الله لهم كطلبهم وحذرهم من أن يمسوها بسوء " مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ... قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ... وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ... فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ " الشعراء 154-157 ... لقد نال المكذبون جزاءهم شأنهم شأن أمثالهم من قوم نوح وقوم عاد ... إذن وما مصير من آمن بالله ونبيه من قوم صالح ؟؟؟ " فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ... إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ " هود 66


نأتي الى أسئلة السيد الناقد: هل من المعقول أن الصخرة تتمخض وتلد ناقة ؟؟؟ والناقة تشرب كل البئر وتطعم كل المدينة ؟؟؟ وهل من المعقول أن تسمع الصخرة رُغاء الفصيل (صرخة ابن الناقة) فتنشق ويدخل فيها ابن الناقة ... ويعود جزءاً من الصخرة كما كان ؟؟؟


إن القرآن الكريم وكما هو واضح من نصوصه ... لم يفصّل قصة الناقة المعجزة على النحو الذي سأل عنه الناقد ... كما أَنه لا يوجَدُ حَديثٌ صحيحٌ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُفَصِّلُ ما أَجْملَه القرآنُ عنها ... ولكن كُلُّ ما قالَه القرآنُ: إِنَّ اللهَ جَعَلَ الناقةَ آيةً ومعجزة لقومِ ثمود كطلبهم من صالح لإثبات نبوته ... ولكن لم يذكر القرآن كيفَ كانَتْ آية ... بل ذكر أَن ثمود لم يَلْتَزِموا بتحذيرِ صالحٍ لهم من أن يمسوا الناقة بسوء ... وأَنهم عُذِّبوا بعدَ ثَلاثةِ أَيامٍ من ذَبْحِها ... ونجّى الله نبي الله صالح والذين آمنوا به مما لحق بالمكذبين من قومه ...

من ناحية أخرى ذكر بعض المفسرين قصصاً وأخباراً عن هذه الناقة ... كذكرهم أن الناقة خُلقت من صخرة ... أو هضبة من الأرض ... ونحو ذلك من الأخبار التي لا تستند إلى دليل نقلي ينهض بها ... وفى هذا الصدد يقول الشيخ رشيد رضا: " ولا يصح شيء يحتج به في خلق الناقة من الصخرة، أو من هضبة من الأرض، كما روي عن أبي الطفيل". تفسير المنار ... وقال الإمام الرازي أيضاً: " واعلم أن القرآن قد دل على أن في الناقة {آية} أي معجزة ... فأما ذِكْر أنها كانت آية من أي الوجوه ... فهو غير مذكور ... والعلم حاصل بأنها كانت معجزة من وجه ما لا محالة ". تفسير الرازي ... وهذا هو المسلك الأسلم في الوقوف عند ظاهر القرآن ... وعدم الخوض في تفاصيل الوقائع من غير دليل معتبر ... فما دام القرآن نفسه (وهو الحجة البالغة) لم يذكر تفصيلاً عن {الناقة} أكثر من أنها {بينة} من ربهم ... وأنها {ناقة الله} ... وفيها {آية} منه ... فليُكْتَفَ بما أخبر به القرآن الكريم ... دون الخوض فيما لم يرد ذكره من أمرها في هذا المصدر المستيقن أو في حديث صحيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ...


ولكن على صعيد آخر وبصرف النظر عن أي رواية عن هذه الناقة ... فلا عاقل يمكنه أن ينكر أن ناقة صالح عليه السلام هي معجزة إلهية بكل المقاييس ... والله عز وجل يؤيد رسله بالمعجزات لتكون برهانا واضحا على صدقهم ... حتى لا يجد الجاحد سبيلا إلا الإيمان ... والمعجزة هي أمر خارق للعادة بالطبع ... يظهره الله على يد من اصطفاه تصديقا له في دعوته ... ولما كانت المعجزة فعلا من أفعال الله عز وجل فأي استحالة في وقوعها ؟؟؟ إن وقوع المعجزة مهما كان نوعها ليس أعجب من خلق السماوات والأرض وما فيها ... وليس بأعجب من خلق الحياة المتجددة كل يوم.


إن معجزة الناقة هي كغيرها من معجزات الأنبياء ... مثل معجزات إحياء الموتى وخلق الطائر الناتج عن النفخ ... وهما معجزتان لعيسى عليه السلام ... ومثل تفجير الحجر عيونا وشق البحر ... وهما معجزتان لموسى عليه السلام ... الى غير ذلك من معجزات الرسل ... وإذا كان الناقد يعترف بتلك المعجزات لرسل الله الكرام ... فلم ينكرها في حق نبي الله صالح عليه السلام الذي أيّدَهُ الله بمعجزة الناقة ... شأنه شأن أخيه عيسى عليه السلام ؟؟؟


وسأل الناقد: وهل من المعقول أنه عندما تتسبب الناقة في أذية المدينة بطرد الأنعام فيذبحها الناس ... يُهلك اللهُ المدينةَ كلها مقابل ذبح ناقة !!!


لقد طلب قوم صالح منه معجزة لإثبات نبوته ... فقدم لهم هذه الناقة ... وأرشدهم الى طريقة التعامل معها ... وحذرهم من أن يمسوها بسوء حتى لا يلحق بهم العذاب " مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ... فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ... قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ... وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ " الشعراء 154-156 ... وفوق ذلك دعاهم الى ترك عبادة الأصنام والإفساد في الأرض ..." وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ " الأعراف 73 ... فماذا كان تصرفهم ؟؟؟ أفسدوا في الأرض وعبدوا الأصنام ... وخالفوا أمر ربهم وتحدوه " فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ... وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ " الأعراف 77 ... فماذا حدث ؟؟؟ تحقق وعد الله فيهم ... لقد نال المكذبون المفسدون عابدي الأصنام منهم جزاءهم شأنهم شأن أمثالهم من قوم نوح وقوم عاد ... " فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ " الأعراف 78 ... ولكن هل أهلك الله المدينة كلها كما ادعى الناقد ؟؟؟ الإجابة لا ... وكيف ؟؟؟ " فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ... إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ " هود 66 ... لقد نجى الله باقي أهل المدينة الذين أمنوا بالله ونبيه من قوم صالح ...


إن واقعة إهلاك الله من لم يؤمنوا بالله ونبيه وأفسدوا في الأرض ... سيجد الناقد ما يماثلها في كتابه المقدس مع نبي الله نوح على سبيل المثال ... حيث أهلك الله بطوفان نوح جميع البشر باستثناء نوح البار ومن معه من المؤمنين والصالحين في زمانه ... بمعنى أن كل نسل آدم قد هلك بالطوفان باستثناء من شهد الله لهم بالصلاح والبر ... حتى الحيوانات والطيور هلكت في هذا الطوفان ... " فَقَالَ الرَّبُّ: «أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ ... الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ» ... وَأَمَّا نُوحٌ فَوَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. " التكوين 6/ 7 – 8 ..." فَقَالَ اللهُ لِنُوحٍ: «نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي، لأَنَّ الأَرْضَ امْتَلأَتْ ظُلْمًا مِنْهُمْ ... فَهَا أَنَا مُهْلِكُهُمْ مَعَ الأَرْضِ" التكوين 6/ 13


ثم ماذا ؟؟؟ ... " وَقَالَ الرَّبُّ لِنُوحٍ: «ادْخُلْ أَنْتَ وَجَمِيعُ بَيْتِكَ إِلَى الْفُلْكِ، لأَنِّي إِيَّاكَ رَأَيْتُ بَارًّا لَدَيَّ فِي هذَا الْجِيلِ " التكوين 7/1 ... فماذا حدث بعد ذلك ؟؟؟ ..." وَتَعَاظَمَتِ الْمِيَاهُ كَثِيرًا جِدًّا عَلَى الأَرْضِ، فَتَغَطَّتْ جَمِيعُ الْجِبَالِ الشَّامِخَةِ الَّتِي تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ ... فَمَاتَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ كَانَ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ وَالْوُحُوشِ، وَكُلُّ الزَّحَّافَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَزْحَفُ عَلَى الأَرْضِ، وَجَمِيعُ النَّاسِ ... كُلُّ مَا فِي أَنْفِهِ نَسَمَةُ رُوحِ حَيَاةٍ مِنْ كُلِّ مَا فِي الْيَابِسَةِ مَاتَ ... فَمَحَا اللهُ كُلَّ قَائِمٍ كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ: النَّاسَ، وَالْبَهَائِمَ، وَالدَّبَّابَاتِ، وَطُيُورَ السَّمَاءِ فَانْمَحَتْ مِنَ الأَرْضِ ... وَتَبَقَّى نُوحٌ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ فَقَطْ. " التكوين 7/ 19 -23



وأما عن سؤال الناقد ... وهل يُهلك اللهُ المدينةَ كلها مقابل ذبح ناقة !!! فإننا نذكره بأن البشرية كلها ماتت ... وذبح المسيح (الذي هو الله رب العالمين) على الصليب أيضاً مقابل أكل آدم ثمرة من شجرة ... وذلك حسب جوهر العقيدة النصرانية ... وكيف ؟؟؟


طبقاً لعقيدة السيد الناقد فإن آدم قد ارتكب خطيئة عندما عصى الله واكل ثمرة من شجرة معرفة الخير من الشر في الجنة التي نهاه الله عن الأكل منها ... وقد سميت هذه الخطيئة بالخطيئة الأصلية ...


ترتب على ارتكاب آدم لتلك الخطيئة (وكما يعتقد النصارى) أن فسدت طبيعته الصافية المخلوق بها ... ومن ثم ورّث هذه الطبيعة الفاسدة المستجدة لذريته حتى قيام الساعة ... " وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا ... لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ " التكوين 2/16-17


وحيث أن هذه الخطيئة كانت في حق الله فترتب على ذلك أن هذه الخطيئة أصبحت خطيئة غير محدودة ... ورّثها آدم لذريته من بعده وحتى يوم القيامة ... وبالتالي يلزمها كفارة وذبيحة غير محدودة حتى يغفر الله هذه الخطيئة التي وقعت في حقه سبحانه وتعالى ... وحيث لا يوجد غير محدود الا الله ... ولذلك لزم أن يتجسد الله بذاته ويأخذ شكل بشر مثلنا هو السيد المسيح حتى يُصلب فيموت كذبيحة ... وبالتالي يغفر الله تلك الخطيئة الأصلية الغير محدودة !!!!!! " لأنهم لو عرفوا ما صلبوا رب المجد" كورونتوس الأولى 2/8


وعليه فإن كل من يؤمن بأن السيد المسيح (وبداخله الله) صُلب ومات كذبيحة وكمخلص للبشرية من خطيئة آدم سَيُعطى عطية مجانية من الله ويغفر له مباشرة ما ورثة من خطيئة آدم التي يرثها كل فرد منا عند ولادته ... وإلا سيظل محملاً بما ورثة من خطيئة آدم المذكورة وأيضاً بالطبيعة الفاسدة وحتى موته آثما بهذه الخطيئة ... بل وسيعاقب عليها أيضا يوم القيامة !!!!!! ... " لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ (أي يهلك البشر نتيجة خطيئة آدم المورثة لهم) ... هكَذَا فِي الْمَسِيحِ (من يؤمن بهذا العمل الفدائي والتضحية) سَيُحْيَا الْجَمِيعُ. " رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنتوس 15/22.


أما تهكم الناقد بقوله: أليس هذا أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة ؟؟؟ فإننا نقول له ... هل كان السيد المسيح يتهكم على من يخالفه في اعتقاده ؟؟؟ أم انه نسب له أنه قال " وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ ... بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ ... أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ ... وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ " متى 5/44 ... الأمر الذي يدل على أنه حتى الشيطان عدوك ليس فقط عليك أن تحبه ... بل ويجب أن تصلى من أجله !!!




واللــــه تعالى أعلم وأعظم
يتبع بإذن اللـــه وفضله