

-
المبحث الثاني: أهمية القيم الحضارية في السنة النبوية:
المطلب الأول: أهمية القيم الحضارية وأحكامها الشرعية في ضوء السنة النبوية:
تقدم المبحث الأول الذي عرفنا فيه مفهوم القيمة والحضارة والسنة، وعرفنا فيه أيضا
أن للحضارة مظاهر مادية تتجلى في العمران وأنماط الحياة، وجوانب روحية وفكرية تتمثل في الجانب المعنوي والمعرفي، وأدركنا أثر السنة النبوية في مفهوم القيم الحضارية وخصائصها الدينية والعرفية، وعرفنا مقومات السنة النبوية وقاعدتها المعرفية الحضارية، وعرفنا في المطلب الأخير أنواع القيم الحضارية ونشأتها ومصادرها.
ويجدر بنا بعد ذلك أن نبين أهمية القيم الحضارية في الإسلام وأحكامها الشرعية، وكيف أثبتت السنة حاجة البشر إليها عقيدة وشريعة وأخلاقا، وعلاقتها بالنظم المختلفة، فمن المقرر أن فضل الإنسان على بقية المخلوقات مرهون برعاية القيم الحضارية الإسلامية وتطبيقها، فلولا التحلي بها لكان الإنسان يأكل كما تأكل الأنعام والنار مثوى له، وأثبت قوله تعالى: }وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً{ (الإسراء: 70) أن أساس التكريم ومناط التفضيل يكمن في التمييز بين الخير والشر، وحرية الإرادة، والقدرة على الفعل أو الترك.
والقيم الحضارية هي اللبنة الأولى في البناء الديني والروحي والسلوكي، فلا يتصور الإنسان أن تنشأ جماعة ـ بدائية أو متحضرة ـ وتتوافر عناصرها المادية، والزمانية، والمكانية، والعرقية وتتفاعل مع غيرها دون أن تتمتع بمنظومة قيمية تميزها وتؤهلها لتحقيق معاني الاستخلاف، ولما كانت القيم الحضارية أغلى خصائص الإنسان وأثمن صفاته فقد شكلت محور الصراع بين الحق والباطل، ونستنبط ذلك من قوله تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ{ (محمد: 25)، فإن ما يجمع بين أعداء المسلم من الشيطان، والهوى، والنفس الأمارة بالسوء هو العمل علي طمس القيم وتبديلها.
ومن يتدبر القرآن الكريم يجد أن أساليب الأنبياء ـ عليهم السلام ـ في دعوة أقوامهم تبدأ بالدعوة إلى القيم الحضارية العليا، وبيان أن الإنسان إنما يقاس بقيمه النبيلة وإيمانه بها، فهي الفيصل بين الكفر والإيمان، ولم يتعرض الأنبياء عليهم السلام لعداوة أشد من عداوة الذين لا يحتفلون بالقيم الحضارية ولا يأبهون بها، فلوط ـ عليه السلام ـ أنكر إتيان الفاحشة وفساد الفطرة: }فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ{ (النمل: 56 - 58)، ففي هذه القصة تبين أن القيم الحضارية في استقامة الاعتقاد والاجتماع أساس النبوات وهي حد فاصل بين البقاء والهلاك.
وكذلك بين القرآن الكريم أن ما جاء به الرسول r هو سبب الحياة، وأصل مادتها، وذلك في معرض حديثه عن أهمية القيم الحضارية في الإسلام وأثرها في بناء الأمة وتحقيق ترابطها الاجتماعي، فقال: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ{ (الأنفال: 24)، ففي هذه الآية أمر الله المسلم بالاعتصام بقيمه ليظفر بالسعادة المادية والروحية. كما أن القرآن الكريم قد وصف الوحي بأنه روح من عند رب العالمين، وأنه نور فقال: }وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا{ (الشورى: 52)، وهذا دليل على أن القيم الحضارية هي الروح التي تمد الأمة المسلمة بالحياة.
وأرجعت السنة النبوية أهمية القيم الحضارية إلى أثرها في تنظيم علاقات الإنسان التي تشمل علاقته بربه الكريم، وبنفسه التي بين جنبيه، وعلاقته بالآخرين المسلمين وغير المسلمين، وبالكون وما حوى من الحيوان والنبات والموارد الطبيعية والبيئة التي تحيط به ويتفاعل معها، فهذه المخلوقات أمم متماثلة كما قال تعالى: }وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ{ (الأنعام: 38)، وقد شكل المفهوم القرآني لخلق الإنسان وغاية وجوده وفلسفة الحياة في قوله تعالى: }إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا{ (الإنسان: 2، 3) قاعدة وضعت السنة النبوية في هديها تصورا أشمل للعلاقات الإنسانية؛ فهي مفصلة لمجمل القرآن الكريم ومنطلقة من كلياته.
وعلاقة الإنسان بالله تعالى تقوم على افتقار المخلوق إلى الخالق في ربوبيته وألوهيته، ومن القرآن الكريم ندرك أن القيم الحضارية من أداء الأمانة والوفاء بالعهد والصدق والعدل ذات أثر عظيم في العلاقة بين العبد والمعبود، فقوله تعالى: }وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ { (العنكبوت: 69)، يدل على أن المجاهدة تهدي إلى الصراط المستقيم، وأن اطمئنان القلب لا يتم إلا في ظل الاستمساك بالقيم الحضارية، وتشكل الهداية والاطمئنان حافزا للعقل المسلم ودافعا للفكر يفتح له آفاق العطاء والإبداع والتفاعل مع الآخرين تعلما وتعليما، نفعا وانتفاعا.
وتمثل القيم الحضارية في الإسلام أعظم وسائل تهذيب النفوس واستكمال فضائلها لترتقي من الأمارة بالسوء إلى اللوامة ومن ثم إلى مرحلة النفس المطمئنة، ولن يستطيع المسلم بلوغ هذه المرتبة العالية إلا إذا حمل نفسه على الإيمان وكره إليها الكفر والفسوق، وما على المسلم إلا أن يصدق ما عاهد الله عليه ويربي نفسه على الصدق المرغب فيه في حديث: (عبد الله رضي الله عنه عن النبي r قال: إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا) [1]، وتتجلى أهمية القيم الحضارية وأثرها في تهذيب نفس المسلم وتمييزه عند النظر إليها في ضوء الواقع الاجتماعي في عصر التنزيل: (فقيمة العناية بالنظافة الشخصية تعتبر من أهم مزايا الإسلام وقيمه الحضارية؛ لأن العرب كانوا شعبا أقرب إلى البداوة، ولم يعتد أكثرهم الاهتمام بالنظافة في جسمه وثوبه وبيته، وكذلك الديانات التي كانت تسود جزيرة العرب وما جاورها لم تكن تهتم بأمر النظافة أو تحث عليها [2]) .
وتبين السنة النبوية أن تزكية المجتمع المسلم تبدأ بتزكية الفرد نفسه بغرس القيم الحضارية مِن هَدْي النُّبوَّة كالعِلْم والعدل والصدق والوفاء بالعهد والإحسان، وقد صور النبي r تفاعل المجتمع معها وحاجته إليها في الحديث المروي عن: (أبي موسى عن النبي r قال: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) [3]، فالقيم الحضارية التي يُمثِّلها الهَدْي النَّبوي شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهي طريق الأمة الإسلامية إلى الفوز والفلاح.
ولما كان الإنسان مدنيا بالطبع يألف ويؤلف فقد وضعت الأديان السماوية أسس هذه العلاقات ووضحت قواعدها الشرعية، ولا شك في أن أثر القيم الحضارية في الإسلام لا يقتصر على تزكية النفس؛ بل يتعدى ذلك إلى العلاقات بين المسلم وأخيه المسلم، وكذلك علاقته بغير المسلم الكتابي أو غير الكتابي، فهذه العلاقات الإنسانية تكون نافعة ومثمرة في ظل القيم الحضارية التي تحدد الحقوق والواجبات وتبنيها على المصلحة العامة والمقاصد العامة للاستخلاف، ففي ظل القيم الحضارية الإسلامية يأمن الناس الظلم، والغش، والفساد، وسفك الدماء، ولو حدث شيء من ذلك عند نسيان الشرائع وتحريف الكتب السماوية والارتداد إلى الحمية فإن التشريع الجنائي الإسلامي كفيل بردع الظالم، والانتصار للمظلوم، ورد الحقوق إلى أهلها.
وللإنسان شركاء آخرون في هذا الكون، فهناك البيئة التي تحيط به ويتفاعل معها وتشمل: الحيوان، والموارد الطبيعية، والبيئة الجغرافية، والنبات، وهي تشكل مع الإنسان عناصر الكون، ولا يبلغ الاستخلاف مقاصده إلا في ظل تفاعل هذه العناصر تفاعلا إيجابيا وتسخير بعضها لبعض كما في قوله تعالى: }وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ{ (الجاثية: 13)، والقيم الحضارية تصون هذا التفاعل من البغي، فإن قيمة العدل في الإسلام لا تنظم علاقة الإنسان بالإنسان وحسب؛ بل تضبط علاقته بعناصر الكون الذي أنيط به حفظه وتنميته، ومن ذلك ما رواه: (أبو هريرة قال قال رسول الله r: إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة، فأسرعوا عليها السير، وإذا عرستم بالليل، فاجتنبوا الطريق، فإنها مأوى الهوام بالليل)[4]، وفي رواية أخرى: (وإذا سافرتم في السنة، فبادروا بها نقيها) [5]، والمسلم يتعامل بقيم الصدق والرأفة والوفاء مع بيئته، والحرص على هذه القيم وسيلة من وسائل غفران الذنوب كما ورد عن: (أبي هريرة عن النبي r: أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر، قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها، فغفر لها)[6]، وهي أيضا من أسباب الأجر الجزيل والمثوبة العظيمة كما جاء: (عن أبي هريرة. . . قالوا: يا رسول الله ! وإن لنا في هذه البهائم لأجرا. فقال في كل كبد رطبة أجر)[7]، ومن هذا التقسيم الذي جاء في السنة النبوية لآثار القيم الحضارية في رسالة الإسلام ودورها في تنمية العلاقات الإنسانية نستنبط أن قيمنا الحضارية زاخرة بالخصائص المتميزة فهي (قيم: جامعة، وجماعية، ولديها قابلية الانتشار والاستمرار)[8].
[1] ـ أخرجه البخاري في الأدب باب: قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) وما ينهى من الكذب. ص 1177.
[2] ـ السنة مصدرا للمعرفة والحضارة ـ د يوسف القرضاوي ـ ص 286/287
[3] ـ أخرجه البخاري في العلم ـ باب: فضل من علم وعلم ـ ص 41.
[4] ـ أخرجه مسلم في الإمارة. باب: مراعاة مصلحة الدواب في السير والنهي عن التعريس في الطريق. ـ ص 796.
[5] ـ أخرجه مسلم في الإمارة. باب: مراعاة مصلحة الدواب في السير والنهي عن التعريس في الطريق. ص 797.
[6] ـ أخرجه مسلم في السلام. باب: فضل سقي البهائم المحترمة وإطعامها. ص 923.
[7] ـ أخرجه مسلم في السلام. باب: فضل سقي البهائم المحترمة وإطعامها. ص 923.
[8] ـ القيم الحضارية في رسالة الإسلام ـ د / محمد فتحي عثمان ـ ص 25.
تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة فداء الرسول في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 04-10-2012, 12:16 PM
-
بواسطة نضال 3 في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 02-11-2010, 12:53 AM
-
بواسطة نضال 3 في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 16-02-2010, 09:56 PM
-
بواسطة الحاجه في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 06-11-2009, 02:00 AM
-
بواسطة قابضة على الجمر في المنتدى منتدى الكتب
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 15-05-2008, 09:56 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات