بالنسبة للأنفس - والله تعالى أعلم - :

قال ابن كثير في تفسير قول الله عز وجل : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} :
(يخبر تعالى إخبارًا عامًا يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ} فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولا).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :
(وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرش وغير ذلك ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة وأئمتها لما في ذلك من الدلالة على بقاء الجنة وأهلها وبقاء غير ذلك).

فكل شيء مما أوجب الله عليه الفناء يفنى، إلا الجنة والنار، والعرش والكرسي، واللوح والقلم والصور، ليس يفنى من هذا أبداً، ثم يبعث الله الخلق على ما ماتوا عليه يوم القيامة فيحاسبهم بما شاء، فريق في الجنة، وفريق في السعير، ويقول تعالى لسائر الخلق ممن لم يخلق للبقاء : كونوا تراباً.

وكل شيء مما أوجب الله عليه الفناء فإنه يفنى؛ لقول الله سبحانه وتعالى :
(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)[الرحمن:26-27]؛
ولقوله سبحانه :
(كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[القصص:88]؛
ولقوله سبحانه :
(وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)[الأنبياء:34] ؛
ولقوله سبحانه :
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[آل عمران:185]؛
ولقوله سبحانه :
(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) [الزمر:30-31]

فكل شيء يفنى ممن أوجب الله علية الفناء إلا الأشياء التي كتب الله لها البقاء، وهي ثمانية أشياء : الجنة والنار، فهما دائمتان مخلوقتان لا تفنيان، والعرش والكرسي، واللوح والقلم والصور، - والمقصود بالصور الأرواح إذا خرجت، فإذا خرجت روح المؤمن نقلت إلى الجنة ولها صلة بالجسد، وروح الكافر تنقل إلى النار ولها صلة بالجسد، والبدن يفنى ويدخل التراب ثم يعيده الله خلقاً جديداً ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ في الصور فتعود الأرواح إلى أجسادها مرة أخرى، فالأرواح باقية إما في نعيم أو في عذاب - ، والثامن هو عجب الذنب وهو آخر فقرة في العمود الفقري، فقد جاء في الحديث الشريف : (كل ابن آدم يفنى إلا عجب الذنب منه خلق ابن آدم ومنه يركب)

يقول السيوطي :

ثمانية حكم البقاء يعمها ** من الخلق والباقون في حيز العدم
هي العرش والكرسي ونار وجنة ** وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم

فهذه الأشياء الثمانية باقية بإبقاء الله تعالى لها
والله تعالى أعلم وأحكم