أخذنا جواز العزل من حديث جابر رضي الله عنه الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما أنه قال: [كنا نعزل والقرآن ينزل] . هذا الحديث في الوقت الذي يعطينا حكم جواز العزل، يعطينا قاعدة هامة جداً قلَّ من يتنبه لها من الناس، وهذه القاعدة هي: أنه إذا وقع أمر في عهد النبوة والرسالة، ولم يأتِ نهي عنه فهو دليل الجواز؛ ذلك لأنه لو كان منهياً عنه لنزل الحكم بالنهي عنه في القرآن، أو في بيان الرسول عليه الصلاة والسلام الذي مما خوطب به في القرآن: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) [النحل:44] . فإذاً: قول جابر : [كنا نعزل والقرآن ينزل] فيه إشارة إلى أنهم كانوا يفعلون ذلك ولم ينزل في القرآن حكم بذلك، فمعناه: أنه يجوز، لهذا كان هذا الحديث دليلاً على جواز العزل؛ لأن الله من فوق سبع سموات قد أقر عمل هؤلاء الصحابة، ولم ينههم عن ذلك.


- وعن جذامة بنت وهب -رضي الله عنها- قالت: حضرت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أناس، وهو يقول: « لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون، فلا يضر ذلك أولادهم شيئا، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ذلك الوأد الخفي »1 رواه مسلم.


وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- « أن رجلا قال يا رسول الله: إن لي جارية وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى، قال: كذبت اليهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه »2 رواه أحمد وأبو داود واللفظ له، والنسائي والطحاوي ورجاله ثقات.
وعن جابر -رضي الله عنه-ما قال: « كنا نعزل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقرآن ينزل، ولو كان شيئا ينهى عنه لنهانا القرآن »3 متفق عليه، ولمسلم: « فبلغ ذلك نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فلم ينهنا عنه »4

فقيل: إن حديث جذامة أصح، لأنه رواه مسلم، والأحاديث الأخرى في هذا الباب لا تثبت ولا تصح هذه الأحاديث، وقالوا: إنه نوع من الوأد الخفي، وقيل: إن هذا كان في أول الأمر ثم نسخ، أخبر أنه الوأد الخفي، ثم نسخ وبين أنه لا بأس به، وليس من الوأد، ولا نوعا من أنواع الوأد، وقيل إنه -عليه الصلاة والسلام- كان في أول الأمر ربما أخذ من اليهود بعض شأنه، ثم نهي عن الأخذ عنهم والتشبه بهم، فحرم ذلك ومنع ذلك -عليه الصلاة والسلام-، وكذبهم في ذلك، حينما قالوا: إنه الموءودة الصغرى، والأظهر هو الجمع بين الأخبار في هذا الباب على القاعدة إذا أمكن، يعني سبق طرق الترجيح أو النسخ والتضعيف، وهذه الطريقة الأخيرة هي طريقة الجمع.

لكنه لم ينههم -عليه الصلاة والسلام- ثم قال: « ما من نفس كائنة قبل يوم القيامة، إلا وهي كائنة » يقوله -عليه الصلاة والسلام- إلا وهي كائنة، ولهذا قال كثير من السلف: كأنه نهي، أو كأنه إنكار، لكنه لم ينكر عليهم، وأرشدهم إلى الأكمل وهو أن يترك الماء على قراره، وأن يضعه في حله، ويدع حرامه، وأن يقره قراره، وأن هذا هو الأكمل، وألا يتعرض له، كما جاء في الخبر عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، لكن لو فعل ذلك فلا بأس، ثم إن المرأة لها حق، ولهذا لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، كما هو قول جماهير أهل العلم، ما دام أن الحال حال استواء، وليس حال ضرر، وليس هنالك مصلحة شرعية تقتضي ذلك، بخلاف الأمة فالحق فيها لسيدها، نعم.

( شرح بلوغ المرام (الجزء الخامس) - حكم العزل عن الزوجة)