أعتقد أن الأمر واضح لا يحتاج حتى إلى بيان , فهذا واحد من أهم مراجعكم يا جناب القمص , يقول أن كلمة " جرافا " تعني " الكتب المقدسة " لأن أداة التعريف سبقتها , وهذا بالطبع غير متوافر في العدد محل البحث من رسالة بولس الثانية إلى أهل تيموثاوس .
والعجيب في الأمر أن نفس الفقرة السابقة من إنجيل متَّى وردت في إنجيل مرقس (12 : 10) ولكن كلمة " جرافا " ترجمت فيها " المكتوب " وليس " الكتب " : ( أما قرأتم هذا المكتوب : الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية ) !
والأعجب منه أن كلمة " جرافا " ذكرت أيضًا في سفر الخروج ( 32 : 16 ) : ( وَاللَّوْحَانِ هُمَا صَنْعَةُ اللهِ وَالْكِتَابَةُ كِتَابَةُ اللهِ مَنْقُوشَةٌ عَلَى اللَّوْحَيْنِ ) .ونجد هنا أن كلمة " جرافا " مكررة مرتين فى النص اليونانى بالترجمة السبعينية والمقصود هنا " كلام مكتوب " أو " كتابة " كما ترى :
kai ai plakev ergon qeou hsan kai h grafh grafh qeou estin kekolammenh en taiv placin
وذكرت أيضًا في سفر التثنية ( 10 : 4 ) : ( فَكَتَبَ عَلى اللوْحَيْنِ مِثْل الكِتَابَةِ الأُولى الكَلِمَاتِ العَشَرَ التِي كَلمَكُمْ بِهَا الرَّبُّ فِي الجَبَلِ مِنْ وَسَطِ النَّارِ فِي يَوْمِ الإِجْتِمَاعِ وَأَعْطَانِيَ الرَّبُّ إِيَّاهَا ) .
وكما ترى أيضًا كلمة " جرافا " هنا تُرجمت " الكتابة " !
kai egrayen epi tav plakav kata thn grafhn thn prwthn touv deka logouv ouv elalhsen kuriov prov umav en tw orei ek mesou tou purov kai edwken autav kuriov emoi
فلماذا لم تترجم كلمة " جرافا " في الفقرة محل البحث من الرسالة المنسوبة إلى بولس إلى : ( كل الكتابة موحى بها من الله نافعة للتعليم .... ) ويكون معناها في أحسن الأحوال ما كتبه الله لموسى فى الألواح ( الوصايا العشر ) ؟ !
والمعنى الأخير الذي جاءت به كلمة " جرافا " في أسفار الكتاب المقدس , هو ما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني ( 2 : 11 ) : ( فَأَجَابَ حُورَامُ مَلِكُ صُورَ بِرِسَالَةٍ إِلَى سُلَيْمَانَ : لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَحَبَّ شَعْبَهُ جَعَلَكَ عَلَيْهِمْ مَلِكاً ) .وسأضع النص اليونانى هنا أيضًا :
kai eipen Xiram basileuv Turou en grafh kai apesteilen prov Salwmwn en tw agaphsai kurion ton laon autou edwken se ep' autouv eiv basilea
ونجد هنا أن كلمة "جرافا " تعني "رسالة " عادية أرسلها حورام ملك صور , فلماذا لمم يُتَرجم النص في الرسالة المنسوبة إلى بولس هكذا : ( كل رسالة هى موحى بها من الله ونافعة للتعليم ..) ؟!
ثالثًا : النص الحالي يقول : " كل الكتاب هو موحى به من الله ..... " , فأي كتاب هذا الذي يقصده بولس في رسالته ؟! فمن المعلوم أن رسائل بولس كانت أول كتابات قُبلت في العهد الجديد (هذا إذا كان هو كاتبها) , فكتاباته سابقة على الأناجيل , بل يظهر منها أنه لا يعرف شيئًا عنها على الإطلاق لأنها تناقض العديد من تعاليمه التي جاءت في رسائله , فهل بولس كاتب هذه الرسالة يقصد الأناجيل الأربعة ؟ ,كلا طبعًا , لأنه لم يكن يعرف شيئًا عنها في ذلك الوقت , فأول إنجيل من الأناجيل الأربعة ( وهو إنجيل مرقس ) ظهر بعد كتابة رسائل بولس بخمسة عشر عامًا على الأقل !
ونرجع للسؤال : أي كتاب يقصده بولس ؟
يقول الباحث اللواء مهندس / أحمد عبد الوهاب عليه رحمة الله : ( نحن الأن أمام ترجمتين : الأولى – تقليدية متعارف عليها تقول : " كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم ... " .
وأما الثانية – فقد بدأت تظهر في حواشي التراجم الحديثة وتقول : " كل كتاب موحى به من الله هو أيضًا نافع للتعليم ..... " .
إن الفرق بين المعنيين كبير , ولا يمكن أن تكون إحداهما مرادفًا للأخرى , وذلك أن القول بأن : " كل كتاب موحى به من الله , نافع للتعليم " هو حقيقة أولية يسلم بها كل المؤمنين , ولا تحتاج إلى برهان .
أما القول الثاني بأن : " كل الكتاب موحى به من الله , ونافع للتعليم " فهنا وقفة لابد منها , تبدأ بالتساؤل عن أي كتاب يتحدث بولس ؟!
فمن المعلوم أن رسائل بولس كانت هى أول كتابات قبلت فيما بعد في العهد الجديد , و أن كتاباته سبقت كتابة أقدم الأناجيل – إنجيل مرقس – بأكثر من 15 عامًا , وإن رسائله لم تلق قبولاً شعبيًا قبل نهاية القرن الأول الميلادي , أما الأناجيل الأربعة فقد تأخر قبول سلطتها إلى ما بعد عام 170 ميلادية .
وأخيرًا – وهو الأهم – نجد أن هذا العدد الذي يتحدث فيه بولس عن " الكتاب الموحى به من الله " قد سبقه العددان 14 , 15 .
وهما يقولان : " أما أنت فاثبت على ما تعلمت وأيقنت عارفًا ممن تعلمت . وأنك من الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع " 2 تيموثاوس 3 : 14- 15 .
من كل ما سبق يتبين أن " الكتاب الموحى به من الله " والذي تحدث عنه بولس إنما هو أسفار العهد القديم , الذي كان اسمه آنذاك : " ناموس موسى والأنبياء والمزامير – لوقا 24 : 44 " أو يقال لها باختصار : " الكتب – لوقا 24 : 45 " .
وهى أشياء يمكن أن يكون تيموثاوس قد تعلمها منذ طفولته , حيث يقول العهد الجديد للكاثوليك في تقديمه لرسالة بولس إلى تيموثاوس : " كانت أمه أونيقة وجدته لأمه لؤيس يهودتين .... وكانت أمه وجدته من أهل التقى فعلمتاه الأسفار المقدسة منذ نعومة أظفاره " ) ( الإسلام والأديان الأخرى نقاط الإتفاق والإختلاف ص 161- 163) .
ومن هذا البيان يتضح أن المقصود على أحسن الفروض هو العهد القديم فقط , وقد اعترف بهذا أرفع علماء الكتاب المقدس مكانة وقدرًا في تعليقهم على الفقرة المعنية بالبحث , إذ جاء في حواشي الترجمة اليسوعية الكاثوليكية للكتاب المقدس ما نصه : ( المقصود هو العهد القديم وقد يشمل بعض النصوص التي نجدها في العهد الجديد – أي نصوص العهد القديم التي اقتبسها كتبة العهد الجديد - ) ( هامش الترجمة اليسوعية ص 672 ) .
وقد أقر بهذا أيضًا " دونالد جوثري " صاحب التفسير الحديث للكتاب المقدس ص 197 ( ترجمة نكلس نسيم , صادر عن دار الثقافة بالقاهرة ) :
المفضلات